← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 10442

سلسلة الآثار الصحيحة أو الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين

الداني آل زهوي

Полный текст (697 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأخرجه (رقم: ٦٠١) من طريق: عبد الله بن محمد الزهري، ثنا سفيان، عن يونس بن أبي إسحاق به نحوه. والصعافقة: هم الذين يدخلون السوقَ بلا رأس مال، فإذا اشترى التاجر شيئًا دخل معه فيه، وواحدهم: صعفق. أراد: هؤلاء لا علم عندهم، فهم بمنزلة التجار الذين ليس لهم رأس مال. قاله ابن الأثير في "النهاية" (٣/ ٣١). * * * ٣٢١ - عن محمد بن سيرين ﵀ قال: "إنَّ هذا العِلْمَ دِينٌ؛ فانظروا عَمَّن تأخذون دينَكُم". أخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" (١/ ٢٧ - ٢٨) - ٥ - باب: بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات ... ، والدارمي في "مسنده" (١/ رقم: ٣٩٩، ٤٣٨، ٣٤٣) والخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص ١٢١ - ١٢٢) وفي "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٩١، ١٩٢، ٣٧٨/ ٨٤٤، ٨٤٥، ٨٤٦، ١١٣٣، ١١٣٤) وابن سعد في "الطبقات الكبري" (٧/ ١٩٤) وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٧٨) وابن خير في "الفهرسة" (ص ١٨) وابن سمعون في "أماليه" (رقم: ٧٣) والجوهري في "مسند الموطأ" (ص ٣٦) والسَّلَفي في "الطيوريات" (رقم: ٥٧، ٥٨. ٦٠) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ١٥) وابن عدي في مقدمة "الكامل" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٤ - العلمية) والهروي في "ذم الكلام" (٥/ ٥٨ - ٦٠/ ١٣٨١). من طرق كثيرة، عن محمد بن سيرين به. وقد رُوي مرفوعًا؛ لكنه لا يصح؛ وتفصيل الكلام عليه في "الضعيفة" (رقم: ٢٤٨١). وهذا الأثر بابٌ عظيمٌ من أبواب الدين، وأصلٌ أصيل، فعُضَّ عليه أيها السُّنيّ واعمل به بعد فقهه، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه.

стр. 317

٣٢٢ - عن عامر بن شراحيل الشعبي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- قال: "ما حَدَّثُوكَ عن أصحابِ محمد ﵌؛ فَخُذهُ، وما قالوا برأيهم؛ فَبُلْ عليه". صحيح. أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١١/ ٢٥٦) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣١٩) والخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (رقم: ١٥٤) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٧٧٦ / ١٤٣٨) والبيهقي في "المدخل" (رقم: ٨١٤). من طريق: عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن ابن أبجر، قال: قال لي الشعبي: .. فذكره. وإسناده صحيح. * * * - من فقه صلاة الجمعة: ٣٢٣ - عن ثعلبة بن أبي مالك القُرَظي، قال: "كانوا في زمان عمر بن الخطاب يُصَلُّونَ يومَ الجمعة، حتى يَخرُجَ عُمَرُ، فإذا خرجَ عمرُ، وجلسَ على المنبر، وأذَّنَ المؤذِّنون -قال ثعلبة-: جلسنا نَتَحَدَّثُ، فإذا سَكَتَ المؤذِّنونَ، وقامَ عمرُ يخطبُ؛ أنْصَتْنَا، فلم يتكلَّمْ منَّا أحدٌ". قال ابن شهاب -راوي الخبر عن ثعلبة-: "فخروجُ الإمام يقطعُ الصلاةَ، وكلامُهُ يقطعُ الكلامَ". صحيح. أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ٦٦/ ٧) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/ ٢١٧) والشافعي في "الأم" (١/ ١٧٥) وفي "المسند" (١/ ١٣٩) والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ١٩٢). من طريق ابن شهاب، عن ثعلبة به. وصححه الحافظ النووي ﵀ في "المجموع" (٤/ ٢٢٠) والألباني في "تمام المنة" (ص ٣٣٩) وفي "الضعيفة" (١/ ٢٠١ - ٢٠٢). وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٤٤٨، ٤٥٨/ ٥١٧٣، ٥٢٩٦ - العلمية) من طريق: عباد بن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن عبد الله،

стр. 318

عن ثعلبة قال: "أدركتُ عمر وعثمان؛ فكان الإمام إذا خرج يوم الجمعة تركنا الصلاة، فإذا تكلَّم تركنا الكلام". وهذا إسناد صحيح، كما قال الشيخ الألباني في "تمام المنة" (ص ٣٤٠). وأخرجه البيهقي (٣/ ١٩٣) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٤٠٨) من طريق أخرى عن ثعلبة به. فقه الأثر: ١ - فيه جواز الكلام يوم الجمعة ولو كان الخطيب على المنبر، وأن هذا الكلام لا ينقطع إلا بابتداء الخطيب بالكلام. ٢ - وجوب الإنصات للخطيب وسماع كلامه. ٣ - جواز الصلاة قبل صعود الإمام على المنبر؛ كصلاة النافلة وتحية المسجد وغيرها، وأن الصلاة لا تنقطع إلا بصعود الإمام على المنبر. ٤ - قال الألباني ﵀ في (تمام المنة) (ص ٣٤٠) -: " (فائدة): في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إجابة المؤذن، لجريان العمل في عهد عمر على التحدُّث في أثناء الأذان، وسكوت عمر عليه، وكثيرًا ما سئلتُ عن الدليل الصارف للأمر بإجابة المؤذن عن الوجوب؟ فأجبتُ بهذا، والله أعلم" اهـ. * * * ٣٢٤ - وعن السائب بن يزيد، قال: "كُنا نُصَلِّي في زمن عمر يوم الجمعة، فإذا خَرَجَ عمرُ وجلس على المنبر؛ قَطَعْنَا الصلاةَ. وكُنا نَنَحَدَّثُ ويُحَدِّثُنا، فإذا سكت المؤذن خطب فلم نتكلم حتى يفرغَ من خطبته". أخرجه إسحاق بن راهوية في "مسنده" كلما في "المطالب العالية" (رقم: ٧١٢ - ط العاصمة) من طريق: أبي عامر العقدي، حدثني عبد الله بن جعفر -من ولد المسور- عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن السائب بن يزيد به. وصحَّح إسناده الحافظ ابن حجر؛ فقال: "هذا إسناد صحيح موقوف". ورجاله رجال الصحيحين؛ عدا عبد الله بن جعفر؛ فهو من رجال مسلم.

стр. 319

- ذم أصحاب الكلام: ٣٢٥ - قال الإمام الشافعي ﵀: "حُكمِي في أصحاب الكلامِ أن يُضرَبُوا بالجريد، وُيحْمَلُوا على الإبلِ، ويُطَافَ بهم في العشائرَ والقبائل، ويُنَادى عليهم: هذا جزاءُ من ترَكَ الكتابَ والسنةَ وأخد في الكلام". صحيح. أخرجه البيهقي في "مناقب الشافعي" (١/ ٤٦٢) والخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (رقم: ١٦٣) وابن عبد البر في "الانتقاء في مناقب الأئمة الثلاثة الفقهاء" (ص ١٢٣ - ١٢٤) والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٢١٨) والهروي في "ذم الكلام" (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥/ ١١٤٢) وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١١٦) وابن حجر العسقلاني في "توالي التأسيس" (ص ١١١). من طرق صحيحة ثابتة. والأثر أورده الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٢٩) وابن أبي العز الحنفي في "شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٧٥ - المكتب الإسلامي) أو (١/ ١٢٠ - ط الرسالة) وعلي القاري في "شرح الفقه الأكبر" (ص ٢ - ٣) والسيوطي في "الأمر بالإتباع والنهي عن الإبتداع" (ص ٧٢) وابن مفلح الحنبلي في "الآداب الشرعية" (١/ ٢٢٥). * * * ٣٢٦ - قال أبو الطفيل: قال حذيفة بن اليمان: "ليس من ماتَ فاستراح بميتٍ ... إنما الميت ميت الأحياء وقيل له: يا أبا عبد الله! وما ميت الأحياء؟ قال: "الذي لا يعرفُ المعروفَ بقلبه، ولا يُنكِرُ المنكر بقلبه". أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذكر الموت" -الذي قام على جمعه وتخريجه الشيخ البحَّاثة مشهور بن حسن آل سلمان- (ص ٢٦ - ٢٧/ رقم: ٢٧) ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٣٨٣/ ١٠٦٧٠) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ١٩٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (١٥/ ١٧٢ - ١٧٣)

стр. 320

وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم: ٤٢٣) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ١٩٠ - ١٩١). من طريق: سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل به. وهذا إسناد صحيح. قاله الشيخ مشهور - وفقه الله تعالى. * * * - كيف كان حالُ الصحابة إذا قرؤوا القرآن: ٣٢٧ - قال الحافظ الإمام سعيد بن منصور ﵀: حدثنا سعيد، نا هشيم، قال: نا حصين، عن عبد الله بن عروة بن الزبير، قال: "قلتُ لجدَّتي أسماء: كيف كان يَضنَعُ أصحابُ رسول الله ﵌ إذا قرؤوا القرآن"؟ قالت: "كانوا كما نَعَتَهُم اللهُ : تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ، وتَقْشَعِرُّ جلودُهم". قلتُ: "فإنَّ أُنَاسًا ههُنَا إذا سَمِعُوا ذلك تأخذهم عليه غَشْيَة"؟! قالت: "أعوذُ باللهِ من الشيطان". صحيح. أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٢/ ٣٣٠ - ١٣٣/ ٩٥ - ط آل حميد) ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ٢٤/ ١٩٠٠) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ص ٢٠/ تراجم النساء) والبغوي في "معالم التنزيل"- تفسيره- (٤/ ٧٧) وأبو محمد الضراب في "ذم الرياء" (رقم: ١٤٢، ١٤٣٠) -كما في تحقيق كتاب "الإعتصام" للشاطبي (٢/ ١٠٨) بتحقيق الشيخ مشهور بن حسن. وإسناده صحيح. فقه الأثر: - فيه الهدي الصحيح - وهو هدي أصحاب رسول الله ﵌ عند تلاوة القرآن، وأنهم كانوا إذا قرؤوا القرآن تدمع أعينهم، وتقشعِرُّ جلودهم. - وفيه بيان انحراف كثير من مدَّعي التصوّف والزهد عندما يسمعون القرآن

стр. 321

أو يقرؤونه؛ يتصدّعون أو يصعقون أو يغشى عليهم؛ واستعاذة أسماء بنت الصديق من هذا العمل، وأنه من فعل الشيطان الرجيم. - فيه قاعدة مهمة؛ وهي أن الأعمال الصالحة كالزهد والخوف والإخبات لا تؤخذ بالمظاهر، إنما تؤخذ بموافقة الكتاب والسنة وهدي أصحاب رسول الله ﵌. * * * - فضلُ طلب الحديث: ٣٢٨ - قال سفيان الثوري ﵀: "ما أعلمُ على وَجْهِ الأرضِ من الأعمال أفضل من طَلَبِ الحديثِ لمن أرادَ وَجْهَ اللهِ". صحيح. أخرجه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث" (رقم: ١٦٩، ٢٧٦) والبيهقي في "المدخل" (رقم: ٤٧٠، ٤٧١) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٦٦) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٢١١/ ٢٢٧). من طرق؛ عن وكيع، عن سفيان به، وانظر الأثر الذي بعده. * * * ٣٢٩ - وقال أيضًا: "لا أعلمُ شيئًا أفضل منه -يعني: الحديثَ- لمن أراد الله به". وقال: "إن الناسَ يحتاجون اليه في طعامهم وشرابهم". صحيح. أخرجه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (رقم: ١٧١) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٦٥، ٣٦٩) وأحمد في "الزهد" (ص ٤٣٨) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣، ٢٤١ - ٢٥٢/ ٢٧٢، ٢٩٧). من طرق؛ عن وكيع، عن سفيان به. وأخرجه الخطيب (١٧٠) بنحو منه.

стр. 322

الزهد في الدنيا: ٣٣٠ - عن ابي واقد الليثي ﵁، قال: "تابَعْنَا الأعمالَ في الدنيا؛ فلم نَجِدْ شيئًا أبلغَ في عمل الآخرة من الزهد في الدنيا). حسن. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧/ ١٣٣/ ٣٤٦١٣ - العلمية) وأحمد في "الزهد" (رقم: ١١٠٨) (رقم: ١١٠٨) وابنه عبد الله في زوائده على "الزهد" (رقم: ٩٥٥) وهناد في "الزهد" (رقم: ٥٤٦) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٥٩) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٣٨٥/ ١٠٦٨٢) وأبو داود في "الزهد" (رقم: ٣٨٥). من طريق: محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قال أبو واقد: ... فذكره. وإسناده حسن. وأخرجه وكيع في "الزهد" (رقم: ٢) من طريق: سفيان، عن عمرو بن علقمة، عن أبي واقد به. وإسناده ضعيف؛ لأجل حال عمرو بن علقمة بن وقاص؛ فهو مقبول، لكن تابعه يحيي بن عبد الرحمن في الإسناد السابق، فالأثر حسن. وقول أبي واقد: (تابعنا الأعمال)؛ أي: مارسنا الأعمال وأحكمناها معرفة وممارسة. * * * ٣٣١ - وقال سفيان الثووي-﵀: "الزهدُ في الدنيا: قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العبابة". وفي لفظ: "الزهد في الدنيا: قصر الأمل، وليس بلبس الصوف". أخرجه وكيع في "الزهد" (رقم: ٦) وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" (رقم: ٣٢ - ط ابن حزم) وفي "ذم الدنيا" (رقم: ١٠٩) والبيهقي في "الزهد الكبير" (رقم: ٤٦٦ - ط مؤسسة الكتب الثقافية) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٨٦) وفي "أخبار أصبهان" (٢/ ١٤١) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٧٢٦/ ١٣٣٥).

стр. 323

من طريق: وكيع، عن سفيان به. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧/ ٢٤٠/ ٣٥٦٧٢ - العلمية)، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن سفيان به. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٨٦) وابن الجوزي في "مناقب أحمد" (ص ١٩٤) عن سفيان به نحوه. * * * الوضوء من ماء البحر: ٣٣٢ - قال الحافظ ابن أبي شيبة ﵀: حدثنا عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة؛ أنه سأل ابن عباس عن ماء البحر. فقال: "بحران لا يَضُرُّكَ من أيهما توضَّأتَ؛ ماء البحر، وماء الفُرات". صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٢١/ ١٣٨٢ - العلمية). وإسناده رجاله ثقات؛ لكن قتادة مدلّس؛ وهو لم يسمعه من سنان، كما نصّ على ذلك يحيى بن سعيد القطان؛ فقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في "تهذيب التهذيب" (١١٨/ ٢ - ط الرسالة) - ترجمة (سنان بن سلمة بن المحبق) - قال: "وقال إبراهيم بن الجنيد: قلتُ لابن معين: إن يحيى بن سعيد يزعم أن قتادة لم يسمع من سنان بن سلمة الهُذلي حديث ذؤيب الخزاعي في البُدْن، فقال: ومن يشك في هذا؟! إن قتادة لم يسمع منه ولم يلقه" اهـ. قلت: لكن للأثر متابعات وشواهد: فقد أخرجه مسدَّد -كما في "المطالب العالية" (رقم: ٢) - وأبو عبيد في "الطهور" (رقم: ٢٤٣ - ط الشيخ مشهور). من طريق: شعبة، عن قتادة، عن كريب، عن ابن عباس به. قال الحافظ ابن حجر في "المطالب": "هذا موقوف، رجاله ثقات". قلت: وقد صرَّح قتادة بالسماع من كريب عند أبي عبيد.

стр. 324

وأخرجه البزار (١/ ١٤٣/ ٢٧٣ - كشف الأستار) من طريق: معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، قال: "أوصاني سنان بن سلمة أن أسال ابن عباس عن ماء البحر .. ". فذكره بنحو منه. ومعاذ بن هشام؛ قال عنه الحافظ: "صدوق ربما وهم". قلت: وهو من رجال الشيخين. وأخرجه أحمد في "المسند" (١/ ٢٧٩) أو رقم (٢٥١٨ - شاكر) وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٤٨/ ١٦١). من طريق: حماد بن سلمة، أخبرنا أبو التياح، عن موسى بن سلمة، قال: حججتُ أنا وسنان بن سلمة .. ثم ذكر قصة وفي آخرها: "وسأله عن ماء البحر؟ فقال: ماء البحر طهور". ولم يذكر ابن المنذر القصة. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢١٥ - ٢١٦): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح". وصحح إسناده المحدث أحمد شاكر ﵀. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ١٣٥/ ١٠) من طريق: سُريج بن النعمان، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس به. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ١٤٠) من هذا الوجه لكنه رفعه. وقال الحافظ في "التلخيص الحبير" (١/ ٢٣): "رواه الحاكم والدارقطني، ورواته ثقات، لكن صحَّح الدارقطني وقفه". * * * ٣٣٣ - عن أبي الطفيل ﵀ قال: قال: سُئِلَ أبو بكر الصدّيق ﵁: أَيُتَوَضَّأُ من ماءِ البحر؟ فقال: "هو الطهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتته". صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٢١/ ١٣٧٩ - العلمية)

стр. 325

وأبو عبيد الهروي في "الطهور" (رقم: ٢٣٨) وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٤٨) والدارقطني في "السنن" (١/ ٣٥) وفي "العلل" (١/ ٢٤٠ - ٢٤١) والبيهقي في "السنن الكبير" (١/ ٤). من طرق، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل به. وصححه الدارقطني في "العلل" (١/ ٢٢١). وروي مرفوعًا عن أبي بكر الصديق؛ لكنه لا يصح كما قال الدارقطني في "العلل" (١١/ ٢٢١، ٢٤٠). لكن صحَّ المرفوع منه من حديث أبي هريرة وغيره. * * * - حدُّ السارق إذا سرق أكثر من مرة: ٣٣٤ - عن عبد الله بن سَلِمة، قال: أُتِيَ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ بسارق؛ فقطع يده، ثم أُتِيَ به الثانية؛ فقطع رجله، ثم أُتي به الثالثة؛ فقال: "أَقطَعُ يَدَهُ؛ بأيّ شيء يأكل؟! بأيّ شيء يمسح؟ أقطعُ رجلَه؛ على أيّ شيء يمشي؟! إني لأستحيي من الله . فضربه، وحبسه. لا بأس به. أخرجه أبو القاسم البغوي في الجعديات" -حديث علي بن الجعد- (١/ ٢٣/ ٦١ - ط الخانجي بمصر) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٩/ ٥١٢/ ٨٣٢٩ - الهندية) أو ٥١/ ٤٨٧/ ٢٨٢٦١ - العلمية). من طريق: شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعتُ عبد الله بن سلمة يقول: .... فذكره. وإسناده لا بأس به؛ عبد الله بن سَلِمة؛ "صدوق تغيَّر حفظه" كما في "التقريب". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٣/ ١٨٠) من طريق: محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن مرة به، بنحوه. وقد ثبت عن علي ﵁ وغيره من الصحابة في هذا الباب بنحو

стр. 326

من هذا الأثر؛ انظر "المصنف" لابن أبي شيبة، وسيأتي تخريج بعض هذه الآثار في هذه السلسلة إن شاء الله تعالى. فقه الأثر: قال الإمام البغوي الفراء ﵀ في "شرح السنة" (١٠/ ٣٢٦): "اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيًا؛ تقطع رجله اليسرى، واختلفوا فيما إذا سرق ثالثًا بعد قطع يده ورجله؛ فذهب أكثرهم إلى أن تقطع يده اليسرى ... وذهب قوم إلى أنه إذا سرق بعد ما قطعت إحدى يديه وإحدى رجليه؛ لم يقطع، وحبس، يُرْوَى ذلك عن علي ﵁، وبه قال الشعبي، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان". * * * ٣٣٥ - عن مخلد بن الحسين، قال: قال لي الأوزاعي: "يا أبا محمد؛ إذا بلَغَكَ عن رسولِ الله ﷺ حديثٌ؛ فلا تَظُنَّنَّ غيره، فإن محمدًا إنما كان مُبَلِّغًا عن ربه". صحيح. أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٣٨٧/ ٤٠٠). من طريق: عبد الكريم بن الهيثم، عن سعيد بن المغيرة، عن مخلد بن الحسين به. وإسناده صحيح. ومخلد بن الحسين؛ هو نزيل المصيصة؛ الأزدي المهلبي، أبو محمد البصري- وسعيد بن المغيرة؛ هو: أبو عثمان الصياد؛ ثقة. وعبد الكريم؛ هو: ابن الهيثم الديرعاقولي، ثقة ثبت، كما في "تاريخ بغداد" (١١/ ٧٨). وأخرجه البيهقي في "المدخل" (رقم: ٢٣٤) من طريق: أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، قال: سمعتُ سعيد بن المغيرة يقول: سمعتُ عامر بن يساف، يقول: سمعتُ الأوزاعي يقول: "إذا بلغك عن رسول الله ﷺ ؛ فإياك يا عامر أن تقول بغيره، فإن رسولَ الله ﷺ كان مبلّغًا عن الله ﵎". وإسناده صحيح أيضًا.

стр. 327

٣٣٦١،- عن زيد بن أرقم، قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ ومعنا ناسٌ من الأعراب، وكنَّا نَبْتَدِرُ الماءَ، وكان الأعرابُ يَسْبِقُونَا، فيسبقُ الأعرابيُّ أصحابَهُ؛ فيملأُ الحوضَ، ويجعلُ حولَهُ حجارةً، ويجعل عليه النَّطْعَ، حتى بجيءَ أصحابُه. قال: فجاء رجلٌ من الأنصار؛ فأَزْخَى زِمَامَ ناقتِه لتشربَ، فأبى أن يدَعَهُ، فانتزَعَ حجرًا ففاضَ الماءُ. قال: فرفعَ الأعرابيُّ خشبةً يضربُ بها رأسَ الأنصاريّ؛ فشَجَّهُ، فأتى عبدَ الله بن أُبيّ -رأسَ المنافقين- فأخبرَهُ -وكان من أصحابه-. قال: فغضِبَ عبدُ اللهِ بن أُبيّ، وقال: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ -يعني: مَنْ حولَهُ مِنَ الأعراب- وكانوا يَحْضُرُونَ رسولَ الله يكونِ عند الطعام، فقال عبدُ اللهِ لأصحابه: إذا انفضُّوا من عند محمد؛ فأتوا محمدًا بالطعام، فَلْيَأْكُلْ هو ومن عنده. ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فَلْيُخرِجَنَّ الأعزُّ منكم الأذَلَّ. قال زيْدٌ: -وأنا رَدِيفُ عمي- فسمعتُ عبدَ الله -وكنَّا أخوالَهُ- فأخبرتُ عمي, فانطلق؛ فأخبر رسولَ الله ﷺ ، فأرسل اليه رسولُ الله ﷺ ، فَحلَفَ وجحَدَ. قال: فصدَّقَهُ رسولُ الله ﷺ ، وكذَّبني، فجاء إليَّ عمي؛ فقال: ما أردتَ الَّا أَنْ مَقَتَكَ رسولُ الله ﷺ ، وكذَّبَكَ المسلمون! قال: فوقع عليَّ من الهَمِّ ما لم يقَعْ على أحدٍ قطُّ. قال: فبينا أنا أسِيرُ مع رسولِ الله ﷺ في سَفَرٍ؛ إِذ خَفَقَنِي رأسي من الهمِّ، إذ أتاني رسولُ الله ﷺ فعَرَكَ أُذني، وضحكَ في وجهي، فما كان يسرُّني أنَّ لى بها الخُلْدَ أو الدنيا، ثم إنَّ أبا بكر لحقني، فقال: "ما قال لك رسولُ الله ﷺ "؟

стр. 328

قال: قلتُ: ما قال لي شيئًا؛ إلا أنه عَرَكَ أذني، وضحك في وجهي. قال: "أبشِرْ". ولحقني عمر؛ فقلتُ له قولي لأبي بكر. فلما أصبحنا؛ قرأ رسولُ الله ﷺ سورةَ "المنافقون) ". حسن صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "المسند" (٥٢١) والترمذي (٣٣١٣) وابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٦٥) والبيهقي في "السنن الكبير" (٨/ ١٩٨) وفي "دلائل النبوة" (٤/ ٥٤ - ٥٥) والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ رقم: ٥٠٤١) والحاكم (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩) وأبو نعيم في "صفة النفاق" (رقم: ١٣) والواحدي في "أسباب النزول" (ص ٤٣٠ - ٤٣١) وعبد بن حميد في "المنتخب" (رقم: ٢٦٢). من طريق: عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السُّدي، عن أبي سعيد الأزدي، حدثنا زيد بن أرقم به. وهذا إسناد حسن. وسقط ذكر السُّدّي عند الواحدي. وأخرجه البخاري (٤٩٠٢) وأحمد (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩، ٣٧٠) أو رقم (١٩٣٤٠، ١٩٣٥٠، ١٩٣٥١ - قرطبة) والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٩١ ت ٤٩٢/ ١١٥٩٧ - العلمية) والترمذي (٣٣١٤) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢٨/ ٧١). من طريق: محمد بن كعب القرظي، عن زيد به، نحوه. وأخرجه البخاري (٤٩٠٠، ٤٩٠١، ٤٩٠٣، ٤٩٥٤) ومسلم (٢٧٧٢) والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٩٢/ ١١٥٩٨) والترمذي (٣٣١٢) وأحمد (٤/ ٣٧٣) أو رقم (١٩٣٨٨، ١٩٣٨٩) والطبري في "تفسيره" (٢٨/ ٧٠) والبيهقي في "الدلائل" (٤/ ٥٥) والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ رقم: ٥٠٥٠، ٥٠٥١) وأبو نعيم في "صفة النفاق" (رقم: ١٤، ١٥).

стр. 329

من طريقين؛ عن أبي إسحاق به: ١ - زهير، عنه به. ٢ - إسرائيل عنه به. وله طرق أخرى، نكتفي بهذا منها، والحمد لله على إنعامه وإكرامه. * * * ٣٣٧ - عن غُنَيْم بن قيس، قال: "كُنَّا نَتَوَاعَظُ في أولِ الإسلام: ابنَ آدم؛ اعمَل في فراغِكَ قبلَ شُغلِكَ، وفي شبابِكَ لكبرك، وفي صحَّتِكَ لهرمِكَ، وفي حياتِكَ لموتِكَ، وفي دنياكَ لآخرتك". حسن. أخرجه الخطيب البغدادي في "اقتضاء العلم والعمل" (رقم: ١٧١/ ص ١٠١) وهناد في "الزهد" (٥١١) وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (١/ ٤١٦/ ١١٧٣ - ط الخانجي بمصر) أو رقم (١٤٥١ - العلمية) وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" (رقم: ١١٢) والمزي في "تهذيب الكمال" (٢٣/ ١٢٢). من طريق: شعبة، عن سعيد بن إياس الجُريري، قال: سمعتُ غنيم بن قيس يقول: .. فذكره. وهذا إسناد حسن. سعيد بن إياس الجُريري؛ ثقة، لكنه اختلط قبل موته، ورواية شعبة عنه قبل اختلاطه. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (رقم: ٣) من طريق: كهمس بن الحسن، عن أبي السليل، عن غنيم بن قيس به. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده علي "الزهد" (رقم: ١٣٨٣ - ط الكتاب العربي) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٠٠) من طريق: إسماعيل بن عُليَّه، عن الجريري، عن أبي السليل، عن غنيم به. وإسماعيل بن علية روى عن سعيد الجُريري بعد اختلاطه، فتكون رواية شعبة أصحّ، والله أعلم. تنبيه: ذكر الشيخ الألباني ﵀ في تحقيقه لكتاب "اقتضاء العلم

стр. 330

العمل" (ص ١٠١) أن سعيدًا الجريري لم يسمع الأثر من غنيم بن قيس؛ لأن بينهما رجلًا كما في رواية أبي نعيم. قلت: قد صرَّح سعيد بسماعه من غنيم في طريق شعبة، ورواية شعبة أصح من رواية إسماعيل، والله أعلم. تنبيه آخر: تحرفت في مطبوعة "الحلية" لأبي نعيم كلمة (غنيم) إلى (غنم)؛ فلتصحَّح. كما تحرف في مطبوعة "الزهد" -دار الكتاب العربي- من (غنيم بن قيس) إلى (غنيم عن قيس)؛ فليصحَّح أيضًا. * * * ٣٣٨ - عن سعد بن أبي وقاص، قال: "فيَّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢]. قال: نزَلَتْ في ستة: أنا وابنُ مسعودٍ منهم، وكان المشركون قالوا له: تُدْني هؤلاء"! وفي رواية لمسلم: قال: "كنا مع النبيّ ﷺ ستَّةَ نفرِ، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرُدْ هؤلاء؛ لا يجترئون علينا. قال: وكنتُ أنا وابنُ مسعود، ورجلٌ من هُذَيلٍ، وبلالٌ، ورجلان لستُ أُسَمِّيهما. فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقعَ، فحدَّثَ نفسَهُ، فأنزل اللهُ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. أخرجه مسلم (٢٤١٣) والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٧٣/ ٨٢٦٤) و (٦/ ٣٤٠/ ١١١٦٣) وابن ماجه (٤١٢٨) والطبري في "تفسيره" (٧/ ١٢٨) والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٦٣) أو (ص ٢١٦ - ٢١٧ - الحميدان) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٩٨) والبيهقي في "الدلائل" (١/ ٣٥٣) والحاكم (٣/ ٣١٩) وابن حبان في "صحيحه" -الإحسان- (١٤/ ٥٣٥ - ٥٣٦/ رقم: ٦٥٧٣) وأبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٨٢٦/١٤١) وعبد بن حميد في "مسنده" -كما في

стр. 331

"المنتخب"- (رقم: ١٣١) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦). من طرق؛ عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد به. * * * ٣٣٩ - قال علي بن الجعد: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعتُ ابن أبي ليلى: كُنَّا إذا أتينا زيدَ بن أرقم؛ فنقول: حدَّثنا عن رسول الله ﵌. فيقول: "إنا قد كبرْنَا ونسينا، والحديثُ عن رسولِ الله ﵌ شديدٌ". صحيح. أخرجه أبو القاسم البغوي في "الجعديات" -حديث علي بن الجعد- (١/ ٦٩/٢٥ - ط الخانجي المصرية) وأبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٨/ ٥٤ - ٧ - ٧٥٥ - الهندية) أو (٥/ ٢٩٥/ ٢٦٢١٦ - العلمية) ومن طريقه ابن ماجه في مقدمة "سننه" (رقم: ٢٥) وأحمد في "المسند" (٤/ ٣٧٠، ٣٧٠ - ٣٧١، ٣٧٢) أو رقم (١٩٣٥٩، ١٩٣٦٠، ١٩٣٧٩ - قرطبة) والطيالسي في "مسنده" (رقم: ٦٧٦) والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ رقم: ٤٩٧٨) والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (ص ٥٥٠/ رقم: ٧٣٧) والخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص ١٧١) والبيهقي (١٠/ ١١). من طريق: شعبة به. وإسناده صحيح. وصححه الشيخ الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (رقم: ٢٣). * * * - سُنَّة التكبيرات الخمس على الجنائز: ٣٤٠ - عن عبد الرحمن بن ابي ليلى، قال: "كان زيدُ بن أرقم يُكَبِّرُ على جنائزنا أربعًا، وأنه كبَّرَ على جنازة خمسًا. فسألناه عن ذلك؛ فقال: "كبَّرَهُن رسولُ ﵌". أخرجه مسلم (٧٢/ ٩٥٧) وأحمد (٤/ ٣٦٧، ٣٧٢) أو رقم (١٩٣٢٧، ١٩٣٧٥ - قرطبة) وأبو داود (٣١٩٧) والنسائي في "الكبرى" (١/ ٦٤٢/ ٢١٠٩ - العلمية) وفي "المجتبى" -الصغرى- (٤/ ٧٢) والترمذي (١٠٢٣) وابن ماجه

стр. 332

(١٥٠٥) وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (١/ ٢٥/ ٧٠) والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ رقم: ٤٩٧٦) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢/ ٤٩٦/ ١١٤٤٨ - العلمية) والطيالسي في "مسنده" (٦٧٤) والبيهقي (٤/ ٣٦) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٩٣/ ٢٨٢٦). من طرق؛ عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى به. قال الترمذي ﵀: "حديث زيد بن أرقم حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب النبي ﵌، وغيرهم؛ رأوا التكبير على الجنازة خمسًا .. ". وللأثر طرق أخرى عن زيد؛ انظرها في "المسند" (٤/ ٣٧٠، ٣٧١) أو رقم (١٩٣٥٥، ١٩٣٦٧ - قرطبة) و "السنن" للدارقطني (٢/ ٧٢ - ٧٣) و"شرح معاني الآثار" (١/ ٤٩٤) وغيرها. * * * ٣٤١ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: "حبَّذا المكروهان؛ الموتُ والفقرُ، وأَيمُ الله؛ ما هو إلا الغنى والفقر، وما أُبالي بأيهما ابتليتُ؛ لأن حقَّ اللهِ تعالى في كل واحدِ منهما واجب، وإن كان الغنى؛ إن فيه العَطفَ، وإن كان الفقرُ؛ إنَّ فيه الصَّبْرَ". حسن. أخرجه وكيع في "الزهد" (رقم: ١٣٢) وابن المبارك في "الزهد" (رقم: ٥٦٦) وأحمد في "الزهد" (رقم: ٨٤٤ - ط دار الكتاب العربي) أو (٢/ ١٠٤ - ط دار النهضة) وهنَّاد في "الزهد" (رقم: ٦٠٥) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٣٢) والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ رقم: ٨٥٠٥) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ١٩٦/ ٩٩٧٥) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ١٧٠ - ١٧١). من طريق: عبد الرحمن المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن قيس بن حبتر، عن عبد الله به. وهذا إسناد حسن. المسعودي كان قد اختلط؛ لكن رواية وكيع عنه قبل الإختلاط، وهو ممن روى عنه هذا الأثر.

стр. 333

ثم إنه قد توبع؛ تابعه جعفر بن عون عن علي بن بذيمة - عند البيهقي في "الشعب". * * * ٣٤٢ - عن أبي عبد الله الصنابحي، قال: "قَدِمتُ المدينةَ في خلافة أبي بكر الصدّيق؛ فصلَّيتُ وراءَهُ المغربَ، فقرأَ في الركعتين الأُوَلَيَيْنِ بأمِّ القرآن، وسورةِ سورةِ من قصارِ المفضَّل، ثم قام في الثالثة، فدنوتُ منه حتى إن ثيابي لتكادُ أن تمسَّ ثيابَهُ، فسمعتُه قرأ بأم القرآن وبهده الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. صحيح. أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٧٩/ ٢٥) ومن طريقه الشافعي في "مسنده" (ص ٢١٥ - ط العلمية) وعبد الرزاق في "مصنفه" (رقم: ٢٦٩٨) وابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ١١٢). من طريق: عبادة بن نُسيّ، عن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي به. وهذا إسنادٌ صحيح. وأبو عبد الله الصنابحي؛ هو: عبد الرحمن بن عسيلة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٣٢٥ - ٣٢٧/ ٣٢٦ - العلمية) وعبد الرزاق في "مصنفه" (رقم: ٢٦٩٩). من طريق: ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، عن الصنابحي به نحوه. وهذا إسناد صحيح أيضًا. * * * ٣٤٣ - عن مجاهد، قال: قلتُ لابن عباس: "أنسجدُ في (ص)؟ قال: فقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حتى أتى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]. فقال ابن عباس: "نبيُّكم ﵌ ممّن أُمِرَ أن يقتدى بهم". أخرجه البخاري (٣٤٢١، ٤٦٣٢، ٤٨٠٦، ٤٨٥٧) وأحمد (١/ ٣٦٠)

стр. 334

والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٣٤٢/ ١١١٦٩) وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم: ٥٥٢) وابن حبان في "صحيحه" - الإحسان (٦/ ٤٧١ - ٤٧٢/ ٢٧٦٦ - الرسالة). من طرق؛ عن العوام بن حوشب، عن مجاهد به. * * * - ليس على أهل البوادي جمعة ولا عيد ... وذكر الخلاف في المسألة: ٣٤٤ - عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، قال: "لا جمعة ولا تشريق، ولا صلاة فطر، ولا أضحى؛ إلا في مِضرٍ جَامِعٍ، أو مدينةٍ عظيمة". صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٤٣٩/ ٥٠٥٩ - العلمية) و (١/ ٤٤٠/ ٥٥٦٤) - بنحوه- والمروزي في "الجمعة وفضلها" (رقم: ٧١) وابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ٢٧/ ١٧٤٨) والبيهقي في "السنن الكبير" (٣/ ١٧٩) وعبد الرزاق في "مصنفه" (٣/ ١٦٨/ ٥١٧٦، ٥١٧٧) وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (٢/ ٣٩٨/ ٣٠١٧ - ط الخانجي) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١٨٨/ ١٨٩) وأبو عبيد في "غريب الحديث" (٣/ ٤٥٢). ولفظ أكثرهم: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع". من طريق: سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، عن علي به. ورواه عن سعد؛ الأعمش، وطلحة بن مُصَرِّف، وزبيد اليامي، ومنصور، وغيرهم. وأعلّه الإمام أحمد ﵀ بالإنقطاع ببن الأعمش وسعد بن عبيدة؛ كما في مسائل إسحاق المروزي عنه (ص ٢١٩). قال الشيخ الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٢/ ٣١٧ - المعارف): "لكن لم يتفرد به الأعمش، بل تابعه طلحة -وهو ابن مُصَرِّف- عند ابن أبي شيبة، وزبيد اليامي عند الطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/ ٥٤) والبيهقي أيضًا في "السنن" (٣/ ١٧٩)، كلاهما عن سعد بن عبيدة به.

стр. 335

وسعد بن عبيدة؛ ثقة من رجال الستة، ومثله أبو عبد الرحمن السُّلمي، فالسند صحيح موقوفًا. وصححه ابن حزم في "المحلى" (٥/ ٥٣)، وهو مقتضى أبي جعفر الطحاوي؛ ولكنه قال: "لم يقله عليٌّ ﵁ رأيًا، إذ كان مثله لا يقال بالرأي، وإنما يقال بتوقيف عن رسول الله ﷺ "! كذا قال: وفيه نظر واضح، فإن القلب يشهد أن ذلك يقال بالرأي والإجتهاد، ولذلك ظلت المسألة من موارد النزاع، وقد صحَّ خلافه عن عمر بن الخطاب، أفيقال: إنه توقيف أيضًا، مع أنه هو الصواب؟! فروى ابن أبي شيبة في "باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها"، من طريق: أبي رافع، عن أبي هريرة؛ أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة. فكتب: "جَمَّعُوا حيثما كنتم". قلت -[القائل هو الألباني]-: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو رافع هذا اسمه نُفيع بن رافع الصائغ المدني، واحتج بهذا الأثر الإمام أحمد على تضعيف أثر علي، وزاد: "وأول جمعة جُمِّعَتْ بالمدينة؛ جمَّع بهم مصعب بن عمير، فذبح لهم شاة، فكفتهم، وكانوا أربعين، وليس ثَمَّ أحكام تجري". قال إسحاق المروزي: "قلتُ له: أليس ترى في قرى مرو لو جمَّعوا؟ قال. نعم". ثم روى ابن أبي شيبة (١/ ٢/٢٠٤) بسند صحيح عن مالك، قال: "كان أصحاب محمد ﷺ في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون". وروى البخاري (٢/ ٣١٦ بشرح الفتح) وأبو داود (١٠٦٨) وغيرهما، عن ابن عباس، قال: "إن أول جُمعة جُمِّعتْ في الإسلام بعد جمعة جُمِّعت في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة لجمعةٌ جُمِّعت بـ (جُوثاء) -قرية من قرى البحرين- وفي رواية: قرية من قرى عبد القيس". وترجم له البخاري وأبو داود بـ "باب الجمعة في القرى". قال الحافظ: "ووجه الدلالة منه أن الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي ﷺ ، لما عرف من عادة الصحابة من عدم الإستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدلَّ جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم ينهوا عنه".

стр. 336

قلت-[الألباني]-: وفي هذه الآثار السلفية عن عمر ومالك وأحمد من الإهتمام العظيم اللائق بهذه الشعيرة الإسلامية الخالدة؛ صلاة الجمعة، حيث أُمروا بادائها والمحافظة عليها، حتى في القرى وما دونها من أماكن التجمع، وهذا -دون أثر علي- هو الذي يتفق مع عمومات النصوص الشرعية وإطلاقها، وبالغ التحذير من تركها، وهي معروفة، وحسبي الآن أن أذكر بآية من القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وصلاة الظهر بعدها ينافي تمامها؛ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ﴾ " اهـ. * * * ٣٤٥ - عن مسروق بن الأجدع الهمداني، قال: "إن المرءَ لحقيقٌ أن يكون له مجالس يخلو فيها؛ فيذكرُ فيها ذنوبَهُ، فَيَسْتَغفِرُ منها". صحيح. أخرجه أحمد في "الزهد" (ص ٣٤٩ - ٣٥٠ - العلمية) أو (رقم: ٢٠٤٦ - الكتاب العربي) أو (٢/ ٢٨٦ - النهضة) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٣/ ٤٠٣/ ١٦٧٢٠ - الهندية) أو (٧/ ١٦٠/ ٣٤٨٥٩ - العلمية) والدارمي في "المسند" -أو- "السنن" (١/ ٣٤٧/ ٣٢٣ - الداراني) وهناد في "الزهد" (٢/ ٤٥٩، ٥٨٠) وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٦/ ٨٠) والخطابي في "العزلة" (ص ٣٥) وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٩٧). من طريق: الأعمش، عن مسلم، عن مسروق به. وإسناده صحيح. وقد وقع سقط في سنده ومتنه في مطبوعة "الحلية"؛ فتنبه. * * * - الأمر بمخالطة الناس: ٣٤٦ - عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "خالِطُوا الناسَ، وزَايلُوهُم، وصَافِحُوهُم، ودينكم لا تَكْلِمُوهُ". صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨/ ٧٥٣/ ٦٢٧٢ - الهندية)

стр. 337

أو (٥/ ٢٩٤/ ٢٦٢١٢ - العلمية) ووكيع في "الزهد" (رقم: ٥٣١) وهناد في "الزهد" (٢/ ٥٨٨/ ١٢٤٧) والبيهقي في "الزهد الكبير" (رقم: ١٩٠) والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ رقم: ٩٧٥٧) والخطابي في "العزلة" (ص ٩٩) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٢٠٤). من طريق: حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن باباه، قال: قال عبد الله بن مسعود ... فذكره. وسقط ذكر عبد الله بن باباه عند ابن أبي شيبة. ورجاله ثقات؛ لكن حبيب بن أبي ثابت مدلّس كثير الإرسال. وهذا لا يعكّر على الإسناد إن شاء الله؛ فقد رواه عنه شعبة بن الحجاج عند بعض من أخرجه، وشعبة شديد في التدليس والرواية عن المدلّسين. ثم إن له طريقًا أخرى؛ فقد أخرجه الطبراني في "الكبير" (٩/ رقم: ٩٧٥٦) من طريق: شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود به. والأئر علَّقه الإمام البخاري في "صحيحه" -كتاب الأدب- ٨١ - باب الإنبساط للناس. غريب الأثر: - قوله: (خالطوا الناس وزايلوهم)؛ أي: خالطوهم بالمعاشرة والأخلاق، وزايلوهم بأعمالكم؛ أي: فارقوهم في الأفعال التي لا ترضي الله ورسولَه. - قوله: (ودينكم لا تَكْلِمُوه)، أي: لا تجرحوه وتقدحوا فيه بسبب مخالطتكم الناس. * * * ٣٤٧ - عن عبد الله بن عباس ﵁، قال: "كانت المرأة تطوفُ بالبيت في الجاهلية؛ وهي عريانة، وعلى فَرْجِهَا خِرْقَة، وهي نقول: اليومَ يبدُو كُلُّهُ أو بعضُه ... وما بدا منه فلا أُحِلُّهُ فنزلت: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. أخرجه مسلم (٢٥/ ٣٠٢٨) والنسائي في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٤٥/

стр. 338

١١١٨٢) وفي "المجتبي" -السنن الصغرى- (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤) أو رقم (٢٩٥٦ - المعرفة) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٦٤/ ٨٣٧٥) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٨/ ١١٩ - ١٢٠) والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠). من طريق: شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعتُ مسلم البطين يحدِّثُ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وقد وهم الحاكم في استدراكه؛ فقد أخرجه مسلم كما رأيت. * * * - طلب العلم أفضل من صلاة النافلة: ٣٤٨ - عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطَّلبي، قال: "طلبُ العِلْمِ أفضَلُ من صلاةِ النافلة". صحيح. أخرجه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي ومناقبه" (ص ٩٧) والخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (رقم: ٢٤١ - ط. عالم الكتب) والبيهقي في "مناقب الشافعي" (٢/ ١٣٨) ؤفي "المدخل" (رقم: ٤٧٤) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١١٨/ ١٢٣/١) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ١١٩). من طرق، عن الربيع بن سليمان، قال: سمعتُ الشافعيَّ يقول: .. فذكره. * * * ٣٤٩ - عن علي بن أبي طالب ﵇، قال: "قال أبو جهل للنبي ﷺ : قد نَعْلَمُ يا محمد أنَّكَ تَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُق الحديثِ، ولا نكذِّبُكَ، ولكن نُكَدِّبُ الذى جئْتَ به، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] ". صحيح. أخرجه الترمذي (٣٠٦٤) والحاكم (٢/ ٣١٥) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٨٢/ ٧٢٣٤). من طريق: أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي به. ورواه عن أبي إسحاق كل من:

стр. 339

ا- إسرائيل بن يونس. ٢ - سفيان الثوري. وقال الترمذي بعده: "حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية؛ أن أبا جهل قال للنبي ﵌: .. فذكر نحوه، ولم يذكر فيه: عن علي؛ وهذا أصحَّ". قلت: رواه ابن مهدي عن سفيان هكذا مرسلًا. ورواه معاوية بن هشام، عن سفيان موصولًا، كما رواه عن إسرائيل موصولًا أيضًا. قال العلامة المعلّمي اليماني -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في "رفع الإشتباه عن معنى العبادة والإله" -وهو جزء من كتاب "العبادة" الكبير- ط المكتبة العصرية ببيروت بتحقيقي (ص ٤٥): "أقول: ابن مهدي أثبت من معاوية، ولكن رواية "المستدرك" من طريق: إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن علي. وقال ابن مهدي: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري". وقال العلامة المحدث أحمد محمد شاكر في "عمدة التفسير" (٥/ ٢٥): "ولكن رواية الحاكم موصولة بإسناد آخر غير إسناد الترمذي. فالوصل زيادة من ثقتين، فهي مقبولة على اليقين. وقد تعقَّب الذهبيُّ تصحيح الحاكم إيَّاه على شرط الشيخين؛ بأنهما لم يخرجا لناجية شيئًا. وهذا صحيح؛ فإن الشيخين لم يخرجا لناجية بن كعب الأسدي شيئًا، ولكنه تابعيٌّ ثقة. فالحديث صحيح، وإن لم يكن على شرطهما" اهـ. وتعقَّب الإمام المعلميّ الذهبي قائلًا: "أقول: أجل لم يخرجا لناجية، ولكن قد وثَّقَهُ العجليُّ وابنُ حبان، وقال ابن معين: صالح الحديث. فأما قول ابن المديني: ما روى عنه غير أبي إسحاق؛ وهو مجهول.

стр. 340

فالمجهول عندهم هو: من لم يروِ عنه إلا واحد؛ قد يكون محتجًّا به، ذلك إذا وُثِّقَ. قال السخاوي في "فتح المغيث": وخصَّ بعضهم القبول بمن يزكيه مع رواية الواحد أحد من أئمة الجرح والتعديل، واختاره ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" وصحَّحه شيخنا، وعليه يتمشَّى تخريج الشيخين في صحيحهما لجماعة ... ". فتح المغيث ص ١٣٥. أقول: وبهذا الإعتبار يصح قول صاحب "المستدرك": "على شرط الشيخين". فأما قول الجوزجاني في ناجية: "مذموم"! فهو مردودٌ عليه؛ لأن الجوزجاني منحرف عن علي ﵇، مُسْرِفٌ في الطعن على أصحابه. فمراده بقوله "مذموم"؛ أنه كان يحبُّ عليًا، وهذا في الحقيقة مدحٌ لا قدح - (وتلك شِكَاةٌ ظاهرٌ منك عارُها) - وقد ذكر الحافظ وغيره في مواضع؛ أن الجوزجاني لا يقبل طعنه في أصحاب علي ﵇" اهـ. فالأثر صحيح، والحمد لله. * * * - القمر يبكي من خشية الله: ٣٥٠ - عن ابن أبي مليكة، قال: قال: مرَّ رجُلٌ على عبد الله بن عمرو، وهو ساجد في الحِجْرِ؛ وهو يبكي، فقال: "أتعجبُ أن أبكي من خَشيَةِ الله، وهذا القمر يبكي من خشية الله"؟! قال: ونظر إلى القمر حين شفَّ أن يغيبَ. صحيح. أخرجه وكيع في "الزهد" (رقم: ٢٥) وابن المبارك في "الزهد" (رقم: ١٥٠٤) والمروزي في "قيام الليل" -كما في مختصره للمقريزي- (ص ١٠٠). من طريق: نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة به. والرجل الذي مرَّ بعبد الله وقع التصريح باسمه عند ابن المبارك، وهو: ابن طارق. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧/ ٣٥٥٢٣/٢٢٦ - العلمية) قال:

стр. 341

حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن ابن أبى مليكة، قال: رأيتُ عبد الله بن عمرو وهو يبكي .. فذكره بنحوه. وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ صدوق، سيّئ الحفظ جدًا. وابن أبي مليكة لم يرَ عبد الله بن عمرو وهو يبكي، بل الذي رآه هو ابن طارق كما في الإسناد السابق، وهذا من سوء حفظ ابن أبي ليلى. * * * انتهى الجرء الأول من الكتاب، ويليه -إن شاء الله- الجزء الثاني وأوله قصة (ساريه الجبل)

стр. 342

سِلْسِلَةُ الآثَارِ الصَّحِيحَةِ أَوْ الصَّحْيحُ المُسْنَدُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ جَمَعَهَا وَخَرَّجَهَا وَذَكَرَ بَعْضَ فَوَائِدِهَا أَبُو عَبْدُ اللهِ الدَّانِي بْنُ مُنِيرِ آلِ زُهْوِي رَاجَعَهُ وَقَدَّمَ لَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحِ العُبَيْلَانِ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَي المُجَلَّدُ الثَّانِي ٣٥١ - ٧٠٠ دَارُ الْفَارُوقِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعِ

стр. 343

جَمِيع الحقُوق مَحفوظة الطّبعَة الأولي جَمَادَي الآخِرَة ١٤٢٧ هـ تَمّوزْ (يوليْو) ٢٠٠٦ م دار الفاروق للطباعة والنشر وَالتوزيع لبْنانْ - بَيْرُوتْ - صَ بْ: ١٥/ ٥١٤٠ - الرّمْز البَريدي: ١١٠١٢٠٢٠ هَاتفْ وَفاكسْ: ٨٠٤٥٢٠ (٠٠٩٦١٥) - محْمول: ٩٥٤٦٦١ (٠٠٩٦١٣)

стр. 344

سِلْسِلَةُ الآثَارِ الصَّحِيحَةِ أَوْ الصَّحْيحُ المُسْنَدُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ

стр. 345

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 346

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي، وعليه اعتمادي وتوكّلي الحمدُ للهِ المَشْكُورِ على النِّعَمِ بحقِّ ما يطولُ به منها، وعند شُكْرِهِ بحقِّ ما وَفَّقَ له من شُكْرِهِ عليها، فالنِّعَمُ منه، والشُّكْرُ له، والمزيدُ في نِعَمِهِ بشُكْرِهِ، والشُّكْرُ من نِعَمِهِ؛ لا شريكَ له. المحمودِ على السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، والمُتَفَرِّدِ بالعِزِّ والعَظَمَةِ والكِبْرِيَاءِ. العالمِ قبل وجودِ المعلومات، والباقي بعد فَنَاءِ الموجودات. المبتدئِ بالنِّعَمِ قبل استحقاقِها، والمُتَكَفِّلِ لِلْبَرِيةِ بِأَرْزَاقِهَا قَبْلَ خَلْقِهِا. أَحْمَدُهُ حَمْدُا يُرْضِيهِ وَيُزَكِّينَا لَدَيْهِ. وصلَّى اللهُ أولى صلواته على النبيِّ الطَّاهِرِ؛ عَبْدِهِ ورسولِهِ، مفتاحِ الرَّحْمَةِ، وخَاتِم النُّبُوَّةِ، الأوَّلِ مَنْزِلَة، والآخِرِ رسالة، الأمين فيما اسْتُوْدِعَ، والصَّادِقِ فيمَا بَلَّغَ. أمَّا بَعْدُ؛ يا إخواني؛ عَصَمَنَا اللهُ وإيَّاكم من غَلَبَةِ الأَهْوَاءِ، ومُشَاحَنَةِ الآراءِ. وَأعَاذَنَا وإيَّاكم من نُصْرَةَ الخَطَإِ وشماتَةِ الأعداءِ. وأَجَارَنَا وإيَّاكم من غِيَرِ الزَّمانِ، وزخارِيفِ الشَّيْطَانِ. فقد كَثُرَ المُغْتَرُّونَ بتمويهاتها، وتَبَاهَى الزَّائغون والجاهلونَ بلبسةِ حلَّتِهَا؛ فأصبحنا وقد أَصَابَنَا ما أصابَ الأمم قبلنا، وحَلَّ الذي حَذَّرَنَاهُ نبيُّنا ﷺ = مِنَ الفُرْقَةِ والإختلافِ، وتَرْكِ الجماعةِ والإئتلافِ، وَوَاقَعَ أكثرُنا الذي عنه نُهِينَا، وتَرَكَ الجمهورُ مِنَّا ما به أُمِرْنَا؛ فَخُلِعَتْ لبْسَةُ الإسلام، ونُزِعَتْ حِلْيَةُ الإيمانِ، وانكشَفَ الغطَا، وبَرَحَ الخَفَا؛ فَعُبِدَتِ الأهواءُ، واسْتُعْمِلَتِ الآراءُ، وقامت سوقُ الفِتْنَةِ، وانتشرت أعْلَامُها، وظَهَرَت الرِّدَّة، وانكشفَ قناعُها، وقدحتْ زِنَادُ الزندقةِ فاضطرمت نيرانُها، وخُلِّفَ محمَّدٌ ﷺ في أُمَّتِهِ بأقبح خَلَفٍ! وعَظُمَتِ البَلِيَّةُ، واشْتَدَّتِ الرَّزِيَّةُ. وظهَرَتِ البِدَعُ، ومات الوَرَعُ، وهُتِكَتْ سجفُ (١) المُشَايَنَةِ،

стр. 347

وشُهِرَ سيفُ المحاشةِ (١)؛ بعد أَنْ كان أمرُهم هَيِّنًا، وحدُّهم ليِّنًا، وذاك حتى كان أمرُ الأمة مُجْتَمِعَا، والقلوبُ متآلفة، والأئمةُ عادلةً، والسلطانُ قاهرًا، والحقُّ ظاهرًا. فانقلبت الأعيانُ، وانعكَسَ الزَّمانُ، وانفردَ كلُّ قوم بِبِدْعَتِهِمْ، وَحُزِّبَ الأحزابُ، وخُولِفَ الكتابُ، واتُّخِذَ أَهْلُ الإلحادِ رؤوسَا أربابًا، وتحوَّلت البدعةُ إلى أهلِ الإتّفاقِ، وتهوَّكَ في العسرةِ العامة وأهل الأسواقِ، ونعقَ إبليسُ بأوليائه نعقةً، فاستجابوا له من كلِّ ناحيةٍ، وأقبلوا نحوَهُ مُسْرِعينَ من كلِّ قَاصِيَةِ؛ فأُلْبِسُوا شِيَعًا، وَمُيِّزُوا قِطَعًا، وشَمَتَتْ بهم أهلُ الأديانِ السَّالِفَةِ، والمذاهب المخالفةِ - فإنَّا لِلَّهِ وإنَّا إليْهِ راجِعُون-. وما ذاكَ إلَّا عُقُوبَة أَصَابَت القومَ عندَ تركهم أَمْرَ اللهِ، وصَدْفِهِمْ عن الحقِّ، وميْلهم إلى الباطلِ، وإيثارهم أهواءهم، ولله عقوبات في خَلْقِهِ عند ترْكِ أَمْرِهِ، ومخالفةِ رُسُلُهِ؛ فأُشْعِلَتْ نيرَانُ البدع في الدِّينِ، وصاروا إلى سبيل المخالفين؛ فأصابهم ما أصابَ مَنْ قبلهم من الأمم الماضين، وصرنا في أهل العَصرِ الذين وردت فيهم الأخبارُ، ورُوِيَتْ فيهم الآثارُ (٢). لكن اللهَ وَعَدَ بالتَّمْكِينِ والظُّهُورِ لأَتْبَاعِ رُسُلِهِ؛ المؤمنينَ به، والنَّاصِرِينَ لِدِينِهِ، والصابرين على أذَى النَّاسِ، الذين تمسَّكوا بكتاب ربهم، وعضُّوا على سُنَّةِ نبيّهم ﷺ بالنواجذ. وهؤلاء هم الذين أَخْبَرَ عنهم النبيُّ الكريمُ - صلوات الله وسلامه عليه - بقوله: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ على الحقِّ، لا يضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". وفي رواية: "لا تزالُ طائفةٍ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ ... ". وأهمّ ما يُمَيِّزُ هذه الطائفة -الموعودة بالنصر والتمكين والظهور- هي أنَّها تتمسَّكُ بالحقّ الذي بُعِثَ به الرسول ﷺ ، وتتحرَّى سُنَّتَهُ، وتَعْرِضُ عن آراء الرجال، وعلوم الكلامِ، والأفكارِ التي دخَلَتْ على أهل الإسلامِ. ولشدَّة تمسُّك هذه الطائفة بسنّةِ نبيّها ﷺ عُرِفَتْ - على مرَّ العصور - باسم

стр. 348

جميل جليل شريف = وهو: أهل الحديث (١). وذلك لشدّة تمسُّكها، وحرصها على العمل بحديث النبي ﷺ . في حين أعرض عن هذا (التمسك) كثير من المسلمين، فدخلت فيهم الآراء، وعلوم الكلام، والفلسفة، وتكلم فيهم أهل المنطق!، فقدَّموا كل هذا على سُنَّةِ نبيهم ﷺ من حيث يشعرون، أو لا يشعرون-! فحق فيهم تحذير الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١]. ومرَّ على المسلمين عصور وقرون وهم: تَتَجَارَى بهم تلكم المناهج = الفلسفية، المنطقية، الكلامية، العقلانية!! و .. و .. وعاش جيل كثير من المسلمين، وتربَّى، وتعلَّم، ونشأ ... على آراء الرجال، دون معرفة الدليل والحجة، من الكتاب والسنَّة. ومع ذلك كله، وفي وطأة هذا الظلام؛ لا يزال ربُّ العرةِ ذي الجلال، يضيء للمستبصرين نور أهل الحديث، في كل عصر وزمان؛ فيعلّمون الناس: أن الدِّينَ، والشرعَ، والفقهَ، والخُلُقَ، والعبادةَ ... لا تؤخذ إلا من الوَحْيَيْنِ: الكتابِ والسُّنَّة. وهذان المصدران يشترطُ لإقامة الدليل بهما أمران اثنان: الأول: إثبات النص. الثاني: فهم النص. أما الأول: فبالنسبة للقرآن؛ فلا يتكلم فيه مسلمان، فالقرآن ثابت نصُّه بالتواتر، لا يجادل في ذلك ذو دين وعقل وإيمان، فالله تكفَّل بحفظه. فيبقى المصدر الثاني = وهو السُّنَّةُ النبوية =؛ فإنه من المعلوم لدى أكثر المسلمين أن السُّنَّةَ لم يحصل لها ما حصل للقرآن من الحفظ التام -كما أشرتُ إليه في مقدمة المجلد الأول من هذه السلسلة المباركة-.

стр. 349

فلا بُدَّ -والحالة هذه- من إثبات النص النبوي -أوَّلاً-، أي: لا يُستَدَلُّ على أمور الدين إلا بما صحَّ عن النبي ﷺ ، وتَيَقَّنَ المسلم -أو غلب على ظنّه- أن هذا القول قاله المصطفى الكريم، وأنَّه لم يُكذبْ عليه، أو يُنْسَبْ إليه- صلوات الله وسلامه عليه-. وأما الأمر الثاني -وهو فَهْمُ النص-، فهنا - بيت القصيد -كما يقال-. إنَّ الناظرَ والمتَأمِّلَ في اختلاف المسلمين -فيما بينهم- ليعجب عندما يدرك، أو يعلم، أو يسمع أكثرهم وهو يقول: نحن على الكتاب والسُّنة! لكن يزول عجبه وينقضي عندما يُدْرِكُ أن هذه الدعوى فارغة -عند كثير منهم- من حقيقتها. وذلك لأمور -أهمها-: - إما لأن ذلك مجرد دعوى، لا تخرج عن كونها ادِّعاءَ باللسان، لم تقرُّه الجنان والأركان. - وإما لِلْخَلَلِ الذي يقع فيه كثير من المسلمين - فيما أشرنا إليه -أولاً- من مسألة إثبات النص-، فينسبُ للنبي ﷺ ما لم يقله، فيبني على هذا الحديث المكذوب -أو الضعيف الذي لا يصح- عقيدته، أو عبادته ... - وإما بسبب معارضتهم لهذا النص بأقوال الرجال، فيقَدِّمون قولهم على قوله ﷺ !! - وإما بسبب عدم فهمهم للنص الفهم الصحيح. وهذا ما أشرتُ إليه -آنفَا-. وهنا يقع أكثر الخلاف، والنزاع، وهنا تفترق الطرق، وتتشعّبُ الاتجاهات، ولكل وجْهَةٌ هو مولِّيها؛ فهذا يفهم نصوص القرآن والسنة بفهم أهل الكلام، وهذا بفهم طائفته وجماعته، لا يخرج عنها قيد أُنملة، وهذا بفهم أهل اللغات، وهذا بفهم الرجال ... وإن أهم ما يميز الطائفة المنصورة، وأهل الحق، وأهل الحديث عن غيرهم، هو: أنهم إنما يفهمون الكتاب والسُّنة كما فهمها السَّلَفُ الأول من أصحابِ النبي ﷺ وأَهْلِ بيتِهِ الكرام. ولا مجال -هنا- لكي أنقل ما استدل به أهلُ الحديثِ على هذا الأمر المهم، والأصل العظيم، فإن هذا يحتاج إلى موضع آخر، وحسبي أن كثيرًا من

стр. 350

العلماء قد بيَّنَ هذْه المسألة، وذكَرَ أَدلّتها، ومن هؤلاء العلماء في هذا العصر: الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني- رحمة الله عليه-، لا سيَّما في مقدِّمة كتابه الجليل: "صفة صلاة النبي ﷺ . وقد (دَنْدَنَ) حول هذه المسألة طيلة حياته ﵀ في مجالسه، وكتاباته. وإني أهيبُ بإخواني المسلمين -جميعًا-، وأخصُّ علماءنا الكرام، والدُّعاة الفضلاء، والمبلِّغين لهذا الدين: أن يولوا هذا الأصل اهتمامهم، فقد مرَّت سنون طويلة ونحن نستدل ونُرَبي النَّشأ على قول فلان وفلان، ونذكر الآية والحديث وبعده: قالت المالكية، والشافعية، وقال فلان ... (١) وأنا لا أنْتَقِصُ أو أُقَلِّلُ من شأن هذه المذاهب وعلمائها الأبرار الكرام، ولا أُنْكِرُ علمهم، ولكن حُقَّ لَنَا أن نَذكرَ ونقدمَ قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود ... وغيرهم من سادات الصحابة وفقهائهم، على من هو دُونَهُم في الفضل والعلم. إن الصحابةَ -يا إخوتاه- هم الذين عايَشُوا التنزيل، وفهموا مَعَانِيَ القرآن، وخُوطِبُوا به، وهم الذين سَمِعُوا من النبي ﷺ مشافهة دون واسطة، فوعوا ما أراد، وهم الذين طبَّقوا هذا الفهم بمرأى منه ﷺ ، فهم أهل القوس وهم براتها! أفيُعْرَضُ عن أقوالهم، وفقههم، وعلمِهم، ويؤخذُ بقول من بعدهم مِمَّنْ لم يتحقّق فيه ما ذكرنا؟! وانظُرْ معي يا أُخَيَّ الحبيب إلى قول ربنا الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. فانظر كيف مَدَحَ وأثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وعلى: أتباعِهم (الذين اتبعوهم بإحسان)، فسلكوا سبيلهم، واقتدوا بهديهم؛ فتحقَّق لهم ما تحقق لمتبوعيهم من الرضا والفوز العظيم، جزاءً بالحسنى. ومفهوم المخالفة من الآية: أنه لا يجوز مخالفة هؤلاء السابقين من

стр. 351

المهاجرين والأنصار من أصحاب النبي ﷺ ، ولا مخالفة هديهم، وفهمهم، والإعراض عن فقههم وآرائهم، بفقه وآراء غيرهم. لأن المخالف لهم لا يكون متبعًا لهم بإحسان، وإن ادَّعى ما ادَّعى. ولو أن المسلمين سلكوا هذا المسلك، وانتهجوا هذا المنهج؛ لقل فيهم الخلاف، ولكانوا للحقّ أهلاً، ولتحقّق لهم وعد الله بالرضى عنهم، والرضى عنه. يقول شيخُنا الفاضل العلامة أبو عبد الرحمن عبد الله بن صالح العبيلان - حفظه الله ورعاه- في مقدمة كتابه الماتع "النكت العلمية على الروضة الندية": "فقد كنتُ أتساءلُ عن الأسباب التي جعلَتْ بعضَ العلماءِ يكونون مَحَلَّ ثِقَةِ وقَبُولٍ عند كافةِ أهلِ العلم -على اختلافِ مذاهبهم-، وأتعجَّبُ من قلَّتِهم وكثرةِ الفقهاء الذين لا يكادونَ يُعْرَفُونَ إلَّا من خلال كتب التراجم، مع صلاحِهم، واستقامتِهم، وربما جهادِهم؛ فَتَبَيَّنَتْ ليَ الأَسبابُ التالية: أولَا: التجرُّدُ لله ﵎، وهذا أخصُّ من الإخلاص في العبادة. الثاني: التجردُ في مُتَابَعَةِ النبيِّ ﷺ . الثالث: تعظيم آثار الصحابة ﵃ قولاً وعملاً في فَهْمِ الكتاب والسُنَّة. الرابع: الإطّلاع الواسع على السُّنَنِ النبوية، والقُدْرةُ على معرفةِ صحيحها من سَقيمِها. الخامس: المعرفة التَّامَّةُ بآثار الصحابة وفتاواهم، وقرنها بالحديث النبويّ لمعرفة المراد منه. السادس: العلمُ بقواعد الشريعة ومقاصدها. السابع: الإلمام بأقوال أهل العلم على اختلاف مذاهبهم. الثامن: القدرة على التوفيق بين ما يُظَنُّ فيه التعارض عن غيرهم. التاسع: معرفة الناس على اختلاف طبائعهم. وإليك بعض الأسباب التفصيلية التي ذكرها شيخ الإسلام، وكانت سببًا في الإعراض عن النصوص والآثار: يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قلتُ: لفظُ المُجْمَلِ، والمُطْلَقِ، والعامِ؛ كان في اصطلاحِ الأئمة - كالشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وإسحاق، وغيرهم- سواء؛ لا يريدون بالمُجْمَلِ ما لا يُفْهَمُ منه -كما فَسَّرَهُ به بعضُ المتأخرين، وأخطأ في ذلك- بل المُجْمَل: ما لا يكفي وحده في العَمَلِ به،

стр. 352

وإن كان ظاهرُهُ حقًّا، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم، ليست ممَّا لا يُفْهَمُ المراد به؛ بل نفس ما دلتْ عليه لا يكفي وحده في العمل، فإنَّ المأمورَ به صَدَقة تكون مطهِّرة مزكيّة لهم، وهذا إنما يُعْرَفُ ببيان الرسول ﷺ ولهذا قال أحمد: يحذرُ المتكلِّمُ في الفقه هذين الأصلين: المُجمل، والقياس. يريد بذلك: أن لا يحكم بما يدلُّ عليه العام والمُطلق قبل النظر فيما يخصّه ويقيده، ولا يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص؛ هل تدفعه؟ فإنَّ أكثرَ خطإ الناس: تمسكُهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس، فالأمور الظنيّة لا يعمَلُ بها حتى يبحثَ عن المُعَارض بحثًا يطمئن القلب إليه، وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك. وهذا هو الواقع في المتمسكين بالظواهر والأقيسة، ولهذا جعل الإحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي ﷺ وأصحابه؛ طريق أهل البدع، وله في ذلك مُصَنَّفٌ كبير. وكذلك التمسُّك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار؛ طريق أهل البدع. ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء، قولاً فاسدًا، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السَّلَفَ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان" (١). ثم إن ابنَ القيم ﵀ بيَّن في "أعلام الموقّعين" أخطاء أهل الظاهر: فقال: "فنفاة القياس لما سدُّوا على نفوسهم باب التمثيل، والتحليل، واعتبار الحكم والمصالح -وهو الميزان والقسط الذي أنزله الله- احتاجوا إلى توسعة الظاهر والإستصحاب، فحملوهما فوق الحاجة، ووسَّعوهما أكثر ممَّا يسعانه، فحيث فهموا من النص حُكْمًا أثبتوه، ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموا منه؛ نفوه، وحملوا الإستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عيها- من رأي، أو قياس، أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس، وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه، ولكن أخطأوا من أربعة أوجه:

стр. 353

أحدها: ردّ القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علّتِه التي يجري النصُّ عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ. ولا يتوقف عاقل في أنَّ قول النبي ﷺ لمَّا لَعَنَ عبدَ اللهِ حمارًا على كثرة شربه للخمر: "لا تَلْعَنْهُ؛ فإنَّهُ يحبُّ اللهَ ورسولَه"، بمنزلة قوله: لا تلعنوا كل من يحبُّ اللهَ ورسولَه. وفي أنَّ قولَه: "إن اللهَ ورسولَه ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رِجْسٌ"، بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كل رجس. وفي أنَّ قولَه تعالىَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نهي عن كل رِجْسِ. وفي أنَّ قوله في الهِرِّ: "ليست بنجسٍ؛ إنها من الطوَّافين عليكم والطوافات"، بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوَّافين عَليكم والطوَّافات؛ فإنَّه ليس بنجس. ولا يستريب أحدٌ في أنَّ من قال لغيره: لا تأكل من هذا الطعام، فإنه مسموم. نَهْيٌ له عن كل طعام كذلك. وإذا قال: لا تشرب هذا الشراب، فإنَّه مسكر. نهى له عن كل مسكر. ولا تتزوج هذه المرأة، فإنها فاجرة. ومثال ذلك. الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص؛ فكم من حُكْم دلَّ عليه الخص، ولم يفهموا دلالته عليه. وسبب هذا الخطأ: حصرُهم الدلالة في مجرَّد ظاهر اللفظ، دون إيمائه، وتنبيهه، وإشارته، وعُرْفِهِ عند المخاطبين؛ فلم يفهموا من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ضَرْبَا، ولا سَبًّا، ولا إهانة؛ غير لفظة (أُف)، فقصروا في فهم الكتاب، كما قصروا في اعتبار الميزان. الخطأ الثالث: تحميل الإستصحاب فوق ما يستحقّه، وجزمهم بموجبه؛ لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علمًا بالعدم" (١). ثم قال ﵀: "الخطأ الرابع لهم: اعتقادُهم أنَّ عقودَ المسلمين وشروطهم، ومعاملاتهم، كلّها على البطلان، حتى يقوم دليل على الصحَّة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحَّة شرطِ، أو عقدٍ، أو معاملةٍ، استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم، بلا برهان من الله، بناء على هذا الأصل! وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط: الصحة؛ إلا ما أبطله الشارع، أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الحكمَ ببطلانها

стр. 354

حكم بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرامَ إلا ما حرَّمه الله ورسولُه ولا تأثيمَ إلا ما أَثم الله ورسولُه به فاعلَه، كما أنه لا واجبَ إلا ما أوجبَه الله، ولا حرامَ إلا ما حرَّمه الله، ولا دِينَ إلا ما شرعه؛ فالأصل في العبادات: البطلان حتى يقومَ دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات: الصحة حتى يقومَ دليل على البطلان والتحريم" (١). وبيَّن -أي ابن القيم- أخطاء أصحاب الرأي والقياس، فقال: "وأمَّا أصحاب الرَّأي والقياس: فإنهم لما لم يعتنوا بالنصوص، ولم يعتقدوها وافية بالأحكام، ولا شاملة لها، وغلاتُهم على أنها لم تَفِ بعُشر معشارها! فوسَّعوا طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشَبَهِ، وعلَّقوا الأحكام بأوصاف لا يُعْلَمُ أن الشارعَ علَّقها بها، واستنبطوا عِلَلاً لا يُعْلَمُ أن الشارعَ شرعَ الأحكام لأجلها، ثم اضطرهم ذلك إلى أَنْ عارضوا بين كثير من النصوص والقياس؛ ثم اضطربوا: فتارة يقدّمون القياس، وتارة يقدِّمون النص، وتارة يفرِّقون بين النص المشهور وغير المشهور، واضطرهم ذلك -أيضًا- إلى أنِ اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شُرِعَتْ على خلاف القياس؛ فكان خطؤهم من خمسة أوجه: أحدها: ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث. الثاني؛ معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس. الثالث: اعتقادُهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزانِ والقياسِ -والميزان هو العدل-؛ فظنُّوا أن العدلَ خلاف ما جاءت به هذه الأحكام. الرابع: اعتبارُهم عللاً وأوصافًا لم يعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم عللاً وأوصافًا اعتبرها -كما تقدم بيانُه-. الخامس: تناقضهم في نفس القياس -كما تقدم أيضًا-" (٢). ثم قال في بيان فضل الصحابة في العلم على من بعدهم: "هذا فيما انفردوا به عنَّا، أما المدارك التي شاركناهم فيها -من دلالات الألفاظ والأقيسة-؛ فلا ريب أنهم كانوا أَبَرَّ قلوبًا، وأعمقَ علمًا، وأقل تكلُّفًا، وأقربَ إلى أن يوفَقُوا فيها لِمَا لَمْ نُوَفَّقْ له نحن، لما خصَّهم الله تعالى به من توقُّدِ الأذهان، وفصاحةِ اللسان، وسعةِ العلمِ، وسهولةِ الأخذِ، وحُسْنِ الإدراكِ

стр. 355

وسُرعتِهِ، وقِلَّةِ المُعَارِضِ أو عَدَمِهِ، وحُسْنِ القَصْدِ، وتقوى الرَّبَّ تعالى؛ فالعربيَّةُ طبيعتهم، وسليقتُهم، والمعاني الصحيحةُ مركوزةٌ في فِطَرِهم وعقولِهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسنادِ، وأحوالِ الرواةِ، وعِلَلِ الحديثِ، والجَرْحِ والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين؛ بل قد غنوا عن ذلك كلَّه، فليس في حقهم إلا أمران: أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسولُه كذا .. والثاني: معناه كذا وكذا. وهم أَسْعَدُ الناسِ بهاتين المقدّمتين، وأحظى الأمَّة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما، وأما المتأخّرون؛ فقواهم متفرقة، وهممهم متشعِّبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم -على اختلافهم، وما أرادوا به- قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص- وإن كان لهم همم تسافر إليها- وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كَلَّتْ من السَّيْرِ في غيرها، وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها. والمقصود: أنَّ الصحابةَ أغناهم الله تعالى عن ذلك كله، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط، هذا؛ إلى ما خُصُّوا به من قوى الأذهان وصفائها، وصختها، وقوة إدراكها وكمالها، وكثرةِ المعاون، وقِلةِ الصارفِ، وقُرْبِ العهد بنور النبوَّة والتلقّي من تلك المشكاة النبوية. فإذا كان هذا حالُنا وحالُهم فيما تميزوا به علينا، وما شاركناهم فيه؛ فكيف نكون -نحن، أو شيوخنا، أو شيوخهم، أو مَنْ قلّدناه- أسعدَ بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟! ومن حدَّثَ نفسَه بهذا؛ فَلْيَعْزِلْهَا من الدين والعلم، والله المستعان" (١). ولعل انتساب كثير من أهل العلم إلى المذاهب الأربعة، ومذهب أهل الظاهر، ساعَدَ في ضعف الأخذ بآثار الصحابة والعناية بها كالعناية بالحديث النبوي، روايةَ ودِرَايةَ، وقد أشار إلى هذا ابن القيم ﵀ (٢). ولا يعني هذا أنَّ أتباع الأئمة جانبوا الصواب في معرفة الأحكام؛
следующие страницы →