المهاجرين والأنصار من أصحاب النبي ﷺ ، ولا مخالفة هديهم، وفهمهم، والإعراض عن فقههم وآرائهم، بفقه وآراء غيرهم. لأن المخالف لهم لا يكون متبعًا لهم بإحسان، وإن ادَّعى ما ادَّعى.
ولو أن المسلمين سلكوا هذا المسلك، وانتهجوا هذا المنهج؛ لقل فيهم الخلاف، ولكانوا للحقّ أهلاً، ولتحقّق لهم وعد الله بالرضى عنهم، والرضى عنه.
يقول شيخُنا الفاضل العلامة أبو عبد الرحمن عبد الله بن صالح العبيلان - حفظه الله ورعاه- في مقدمة كتابه الماتع "النكت العلمية على الروضة الندية":
"فقد كنتُ أتساءلُ عن الأسباب التي جعلَتْ بعضَ العلماءِ يكونون مَحَلَّ ثِقَةِ وقَبُولٍ عند كافةِ أهلِ العلم -على اختلافِ مذاهبهم-، وأتعجَّبُ من قلَّتِهم وكثرةِ الفقهاء الذين لا يكادونَ يُعْرَفُونَ إلَّا من خلال كتب التراجم، مع صلاحِهم، واستقامتِهم، وربما جهادِهم؛ فَتَبَيَّنَتْ ليَ الأَسبابُ التالية:
أولَا: التجرُّدُ لله ﵎، وهذا أخصُّ من الإخلاص في العبادة.
الثاني: التجردُ في مُتَابَعَةِ النبيِّ ﷺ .
الثالث: تعظيم آثار الصحابة ﵃ قولاً وعملاً في فَهْمِ الكتاب والسُنَّة.
الرابع: الإطّلاع الواسع على السُّنَنِ النبوية، والقُدْرةُ على معرفةِ صحيحها من سَقيمِها.
الخامس: المعرفة التَّامَّةُ بآثار الصحابة وفتاواهم، وقرنها بالحديث النبويّ لمعرفة المراد منه.
السادس: العلمُ بقواعد الشريعة ومقاصدها.
السابع: الإلمام بأقوال أهل العلم على اختلاف مذاهبهم.
الثامن: القدرة على التوفيق بين ما يُظَنُّ فيه التعارض عن غيرهم.
التاسع: معرفة الناس على اختلاف طبائعهم.
وإليك بعض الأسباب التفصيلية التي ذكرها شيخ الإسلام، وكانت سببًا في الإعراض عن النصوص والآثار:
يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قلتُ: لفظُ المُجْمَلِ، والمُطْلَقِ، والعامِ؛ كان في اصطلاحِ الأئمة - كالشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وإسحاق، وغيرهم- سواء؛ لا يريدون بالمُجْمَلِ ما لا يُفْهَمُ منه -كما فَسَّرَهُ به بعضُ المتأخرين، وأخطأ في ذلك- بل المُجْمَل: ما لا يكفي وحده في العَمَلِ به،
стр. 352
وإن كان ظاهرُهُ حقًّا، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم، ليست ممَّا لا يُفْهَمُ المراد به؛ بل نفس ما دلتْ عليه لا يكفي وحده في العمل، فإنَّ المأمورَ به صَدَقة تكون مطهِّرة مزكيّة لهم، وهذا إنما يُعْرَفُ ببيان الرسول ﷺ
ولهذا قال أحمد: يحذرُ المتكلِّمُ في الفقه هذين الأصلين: المُجمل، والقياس.
يريد بذلك: أن لا يحكم بما يدلُّ عليه العام والمُطلق قبل النظر فيما يخصّه ويقيده، ولا يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص؛ هل تدفعه؟
فإنَّ أكثرَ خطإ الناس: تمسكُهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس، فالأمور الظنيّة لا يعمَلُ بها حتى يبحثَ عن المُعَارض بحثًا يطمئن القلب إليه، وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك.
وهذا هو الواقع في المتمسكين بالظواهر والأقيسة، ولهذا جعل الإحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي ﷺ وأصحابه؛ طريق أهل البدع، وله في ذلك مُصَنَّفٌ كبير.
وكذلك التمسُّك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار؛ طريق أهل البدع. ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء، قولاً فاسدًا، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السَّلَفَ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان" (١).
ثم إن ابنَ القيم ﵀ بيَّن في "أعلام الموقّعين" أخطاء أهل الظاهر:
فقال: "فنفاة القياس لما سدُّوا على نفوسهم باب التمثيل، والتحليل، واعتبار
الحكم والمصالح -وهو الميزان والقسط الذي أنزله الله- احتاجوا إلى توسعة
الظاهر والإستصحاب، فحملوهما فوق الحاجة، ووسَّعوهما أكثر ممَّا يسعانه،
فحيث فهموا من النص حُكْمًا أثبتوه، ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموا منه؛ نفوه، وحملوا الإستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عيها- من رأي، أو قياس، أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس، وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه، ولكن أخطأوا من أربعة أوجه:
стр. 353
أحدها: ردّ القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علّتِه التي يجري النصُّ عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ.
ولا يتوقف عاقل في أنَّ قول النبي ﷺ لمَّا لَعَنَ عبدَ اللهِ حمارًا على كثرة شربه للخمر: "لا تَلْعَنْهُ؛ فإنَّهُ يحبُّ اللهَ ورسولَه"، بمنزلة قوله: لا تلعنوا كل من يحبُّ اللهَ ورسولَه. وفي أنَّ قولَه: "إن اللهَ ورسولَه ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رِجْسٌ"، بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كل رجس. وفي أنَّ قولَه تعالىَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نهي عن كل رِجْسِ. وفي أنَّ قوله في الهِرِّ: "ليست بنجسٍ؛ إنها من الطوَّافين عليكم والطوافات"، بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوَّافين عَليكم والطوَّافات؛ فإنَّه ليس بنجس. ولا يستريب أحدٌ في أنَّ من قال لغيره: لا تأكل من هذا الطعام، فإنه مسموم. نَهْيٌ له عن كل طعام كذلك. وإذا قال: لا تشرب هذا الشراب، فإنَّه مسكر. نهى له عن كل مسكر. ولا تتزوج هذه المرأة، فإنها فاجرة. ومثال ذلك.
الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص؛ فكم من حُكْم دلَّ عليه الخص، ولم يفهموا دلالته عليه.
وسبب هذا الخطأ: حصرُهم الدلالة في مجرَّد ظاهر اللفظ، دون إيمائه، وتنبيهه، وإشارته، وعُرْفِهِ عند المخاطبين؛ فلم يفهموا من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ضَرْبَا، ولا سَبًّا، ولا إهانة؛ غير لفظة (أُف)، فقصروا في فهم الكتاب، كما قصروا في اعتبار الميزان.
الخطأ الثالث: تحميل الإستصحاب فوق ما يستحقّه، وجزمهم بموجبه؛ لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علمًا بالعدم" (١).
ثم قال ﵀: "الخطأ الرابع لهم: اعتقادُهم أنَّ عقودَ المسلمين وشروطهم، ومعاملاتهم، كلّها على البطلان، حتى يقوم دليل على الصحَّة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحَّة شرطِ، أو عقدٍ، أو معاملةٍ، استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم، بلا برهان من الله، بناء على هذا الأصل! وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط: الصحة؛ إلا ما أبطله الشارع، أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الحكمَ ببطلانها
стр. 354
حكم بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرامَ إلا ما حرَّمه الله ورسولُه ولا تأثيمَ إلا ما أَثم الله ورسولُه به فاعلَه، كما أنه لا واجبَ إلا ما أوجبَه الله، ولا حرامَ إلا ما حرَّمه الله، ولا دِينَ إلا ما شرعه؛ فالأصل في العبادات: البطلان حتى يقومَ دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات: الصحة حتى يقومَ دليل على البطلان والتحريم" (١).
وبيَّن -أي ابن القيم- أخطاء أصحاب الرأي والقياس، فقال: "وأمَّا أصحاب الرَّأي والقياس: فإنهم لما لم يعتنوا بالنصوص، ولم يعتقدوها وافية بالأحكام، ولا شاملة لها، وغلاتُهم على أنها لم تَفِ بعُشر معشارها! فوسَّعوا طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشَبَهِ، وعلَّقوا الأحكام بأوصاف لا يُعْلَمُ أن الشارعَ علَّقها بها، واستنبطوا عِلَلاً لا يُعْلَمُ أن الشارعَ شرعَ الأحكام لأجلها، ثم اضطرهم ذلك إلى أَنْ عارضوا بين كثير من النصوص والقياس؛ ثم اضطربوا: فتارة يقدّمون القياس، وتارة يقدِّمون النص، وتارة يفرِّقون بين النص المشهور وغير المشهور، واضطرهم ذلك -أيضًا- إلى أنِ اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شُرِعَتْ على خلاف القياس؛ فكان خطؤهم من خمسة أوجه:
أحدها: ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث.
الثاني؛ معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس.
الثالث: اعتقادُهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزانِ والقياسِ -والميزان هو العدل-؛ فظنُّوا أن العدلَ خلاف ما جاءت به هذه الأحكام.
الرابع: اعتبارُهم عللاً وأوصافًا لم يعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم عللاً وأوصافًا اعتبرها -كما تقدم بيانُه-.
الخامس: تناقضهم في نفس القياس -كما تقدم أيضًا-" (٢).
ثم قال في بيان فضل الصحابة في العلم على من بعدهم:
"هذا فيما انفردوا به عنَّا، أما المدارك التي شاركناهم فيها -من دلالات الألفاظ والأقيسة-؛ فلا ريب أنهم كانوا أَبَرَّ قلوبًا، وأعمقَ علمًا، وأقل تكلُّفًا، وأقربَ إلى أن يوفَقُوا فيها لِمَا لَمْ نُوَفَّقْ له نحن، لما خصَّهم الله تعالى به من توقُّدِ الأذهان، وفصاحةِ اللسان، وسعةِ العلمِ، وسهولةِ الأخذِ، وحُسْنِ الإدراكِ
стр. 355
وسُرعتِهِ، وقِلَّةِ المُعَارِضِ أو عَدَمِهِ، وحُسْنِ القَصْدِ، وتقوى الرَّبَّ تعالى؛ فالعربيَّةُ طبيعتهم، وسليقتُهم، والمعاني الصحيحةُ مركوزةٌ في فِطَرِهم وعقولِهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسنادِ، وأحوالِ الرواةِ، وعِلَلِ الحديثِ، والجَرْحِ والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين؛ بل قد غنوا عن ذلك كلَّه، فليس في حقهم إلا أمران:
أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسولُه كذا .. والثاني: معناه كذا وكذا. وهم أَسْعَدُ الناسِ بهاتين المقدّمتين، وأحظى الأمَّة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما، وأما المتأخّرون؛ فقواهم متفرقة، وهممهم متشعِّبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم -على اختلافهم، وما أرادوا به- قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص- وإن كان لهم همم تسافر إليها- وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كَلَّتْ من السَّيْرِ في غيرها، وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها.
والمقصود: أنَّ الصحابةَ أغناهم الله تعالى عن ذلك كله، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط، هذا؛ إلى ما خُصُّوا به من قوى الأذهان وصفائها، وصختها، وقوة إدراكها وكمالها، وكثرةِ المعاون، وقِلةِ الصارفِ، وقُرْبِ العهد بنور النبوَّة والتلقّي من تلك المشكاة النبوية.
فإذا كان هذا حالُنا وحالُهم فيما تميزوا به علينا، وما شاركناهم فيه؛ فكيف نكون -نحن، أو شيوخنا، أو شيوخهم، أو مَنْ قلّدناه- أسعدَ بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟!
ومن حدَّثَ نفسَه بهذا؛ فَلْيَعْزِلْهَا من الدين والعلم، والله المستعان" (١).
ولعل انتساب كثير من أهل العلم إلى المذاهب الأربعة، ومذهب أهل الظاهر، ساعَدَ في ضعف الأخذ بآثار الصحابة والعناية بها كالعناية بالحديث النبوي، روايةَ ودِرَايةَ، وقد أشار إلى هذا ابن القيم ﵀ (٢).
ولا يعني هذا أنَّ أتباع الأئمة جانبوا الصواب في معرفة الأحكام؛
стр. 356
فأصول مذاهبهم معتمدة على الحديث والأثر، وبهذا كان ينادي الأئمة. فما كان من تقريراتهم على منهاج الأئمة؛ فهو الحق، وبهذا جصل اتفاقُ الأَتْبَاعِ؛ لأن المشكاة واحدة، وما كان سوى ذلك؛ فهو مَكْمَنُ الخلاف بين الأَتْبَاعِ؛ وبهذا يتبيَّن أن أعلم الناس بالحديث والأثر -سندًا ومتنًا- أسعد بالصواب في كافة أبواب العلم". انتهى كلام شيخنا -حفظه الله تعالى-.
وبهذا يتبين لك أخي المسلم الكريم: أهمية هذا المنهج الربَّاني السديد، وأنه
لا بدّ من الإعتناء بفقه الصحابة، وعلمهم، وهديهم - رضي الله تعالى عنهم -.
وكان من توفيق الله لي: أن يسَّرَ لي وأعانني إلى جمع هذه الآثار السَّلفيَّة، فخرج -بحمد الله وتوفيقه- المجلد الأول من هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله-، وتلقّاه أهل العلم وطلابه بالقبول والثناء، والدعاء بالتوفيق والسداد.
وها هو المجلد الثاني يخرج إلى النور -بعد طول انتظار-، فأحمد الله الذي له المحامد كلها. وهو كصنوه الأول؛ يحوي بين دفتيه ثلاث مئة وخمسين أثرَا من آثار الصحابة والتابعين، في أبواب الدين جلها؛ من عقيدة، وأخلاق، وعبادات، ومعاملات ... إلخ.
واعلم -وفقني الله وإياك- أن هذا العمل ليس من خالص فكري، ولا من إنشاء قلمي؛ بل كما ذكرت على غلافه: جمعها وخرَّجها وذكر بعض فوائدها.
فليس لي فيه إلا الجمع والتخريج، وذكر الأسانيد والبحث فيها، وبيان حال رجالها، ونقل كلام أهل العلم، وترتيب المادة، وما يتعلق بذلك.
لذا؛ أدعو أهل العلم وطلابه -الكرام- للمشاركة في الأجر = بالتنبيه، والتصحيح، والتوجيه، والتسديد، كي يكتمل العمل، وتحصل به الفائدة المرجوة - بإذن الله-.
أمَّا عن تساؤل بعض الأخوة الكرام عن سبب إيرادي لأقوال أئمة ليسوا هم من الصحابة ولا التابعين، وهذا ليس على شرط الكتاب؟
فأجيب: بأن هذا قليل في الكتاب، وإنما أُورد بعض الآثار المهمة في بعض الأبواب لأهميتها وفائدتها الكبيرة، وإن كانت ليست على شرط الكتاب؛ فاقتضى التنبيه.
ولا يفوتني في ختام هذه المقدمة أن أشكر كل من نصح وحثَّ على مواصلة هذا العمل، أو أبدى نُصحًا وتوجيهًا وتصحيحًا، ولكل من مدَّ يدَ العون.
стр. 357
ولا يزال لسان الشكر موصولاً لشيخنا الأريب، والفقيه الفهَّامة، صاحب الجناب المكرَّم، والفضل الباذح المقدَّم، ومن يعجز لسان الثناء عن ذكر مزاياه، وعدّ أياديه -وكم له من أيادِ عليَّ-؛ صاحب الفضيلة شيخنا الحبيب: أبي عبد الرحمن عبد الله بن صالح العبيلان- رفع الله منزلته، وزاده فضلاً وعلمًا، وأكرم جنابه-. فلا زال الشيخ -حفظه الله ورعاه- يحثُّني على مواصلة العمل، مشجِّعًا ناصحًا، وموجهًا فاضلاً، وأخًا كريمًا، فالله أسأل أن يجازيَه خير الجزاء.
وليس يزيدُ الشمسَ نورًا وبهجةً ... إطالة ذي وَصْفٍ وإكبارُ مادحِ
كما وأشكر الأخ الفاضل أبا عمر أحمد بن عبد الرحمن كنفاني- صاحب دار الفاروق-، والذي يتكبَّد معنا إخراج هذا العمل، ويتكفل بطباعة الكتاب ونشره، فالله أسأل أن يجازيَه خير الجزاء، وأن يوفّقنا وإيَّاه لما فيه رضاه، وأن يخلص نياتنا وأعمالنا، وأن يكتب لنا الأجر وحسن الختام.
وأشكرُ الأخَ مازن بن عبد الرحمن البُحصلي البيروتي -وفقه الله- على قيامه بتصحيح تجارب الكتاب الأخيرة، وإبداء ملاحظاته، فجزاه الله خيرًا.
اللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ واَل محمد في العالمين إنك حميد مجيد.
كتبه
أبو عبد الله
الداني بن منير آل زهوي
-كان الله له-
في الجيّة، بساحل جبل لبنان
ليلة الخميس، الرابع عشر
من شهر ربيع الثاني، عام ١٤٢٧.
стр. 358
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم يَسّر وأعِنْ
- قصة سارية والجبل:
٣٥١ - عن ابن عمر ﵄، قال: "بَعَثَ عمرُ جيشًا وأَمَّرَ عليهمِ رجلًا يُدْعَى سارية. قال: فبينا عمر يخطبُ الناسَ يومًا، قال: فجَعَل يصيحُ: يا سارِيَ؛ الجبل! يا سارِيَ؛ الجبل!.
قال: فقدم رسولُ الجيشِ، فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لقيَنَا عدوُّنا فهزمونا، فإذا صائحٌ يصيح: يا سارِيَ؛ الجبل، فأَسْنَدْنا ظهورَنَا إلى الجبلِ؛ فهزمهم الله.
فقيل لعمر: إنك كنتَ تصيحُ بذلك".
حسن. أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على "فضائل الصحابة" (١/ ٢٦٩ - ٢٧٥) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٣٧٠) وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (٥٢٦)، واللالكائي في "شرح أصول الإعتقاد -كرامات الأولياء-" (٧/ ١٤٠٩ - ٤١١٠/ ٢٥٣٧) وابن الأعرابي في "كرامات الأولياء" -كما في "الإصابة" (٣/ ٥) -.
من طريق: ابن وهب؛ أخبرني يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر به.
وهذا إسنادٌ حسن، كما قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (٧/ ١٣١)، والحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٣/ ٥)، والمحدث الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم: ١١١٠).
وله طرق أخرى؛ لكنها لا تصح، وانظر للتفصيل: "الصحيحة" (٣/ ١٠١ - ١٥٤/ رقم: ١١١٠).
стр. 359
- الغسل يوم الفطر:
٣٥٢ - عن نافع: "أن عبدَ اللهِ بن عمر كان يَغْتَسِلُ يومَ الفِطْر؛ قبلَ أن يَغْدُوَ إلى المُصَلَّى".
صحيح، أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ١١٥/ ٢) - ٥١٠ - كتاب العيدين، (١) باب: العمل في غسل العيدين .. ومن طريقه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣/ ٣٠٩/ رقم: ٥٧٥٣) والإمام الشافعي في "الأم" (٢/ ٤٨٨/ رقم: ٥٠٥ - ط. دار الوفاء) وفي "المسند" (١/ ٣١٦)، والفريابي في "أحكام العيدين" (رقم: ١٣، ١٤)، والبيهقي في "السنن الكبير" (٣/ ٢٧٨)، وابن المنذر فى "الأوسط" (٤/ ٢٥٦/ رقم: ٢١١٤).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٥٥٠/ رقم: ٥٧٧٢، ٥٧٧٣ - العلمية)، والفريابي في "أحكام العيدين" (رقم: ١٥).
من طريق: عبيد الله بن عمر، عن نافع: "أن ابن عمر كان يغتسل للعيدين، ويغدو قبل أن يطعم".
والزيادة الأخيرة للفريابي.
وأخرجه الإمام عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (٣/ ٣٠٩/ رقم: ٥٧٥٢)، والفريابي (رقم: ١٧). من طريق: موسى بن عقبة، عن نافع: "أن ابن عمر كان يغتسل ويتطيب يوم الفطر والأضحى".
وأخرج الحارث بن أبي أسامة في "مسنده " -كما في "المطالب العالية" (رقم: ٧٥٣ - العاصمة) - قال: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن إسحاق، قلت لنافع: كيف كان ابن عمر- ﵄ يصلي يوم العيد؟
قال: "كان يشهدُ صلاة الفجر مع الإمام، ثم يرجع إلى بيته، فيغتسل غسله من الجنابة، ويلبس أحسن ثيابه، ويتطيب بأحسن ما عنده، ثم يخرج حتى يأتي المصلَّى، فيجلس فيه، حتى يجيء الإمام، فإذا جاء الإمام صلَّى معه، ثم يرجع فيدخل مسجد النبي ﷺ ؛ فيصلي فيه ركعتين، ثم يأتي بيته". وإسناده حسن.
стр. 360
- أوقاتُ الغُسْل:
٣٥٣ - عن زاذان، قال: "سألَ رجلٌ عليًّا ﵇ عن الغسل؛ فقال: أَغْتَسِلُ كل يومٍ إنْ شِئتُ؟
فقال: "لا؛ الغُسْلُ الذي هو الغُسْلُ: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الأضحى، ويوم الفِطْرِ".
حسن. أخرجه مسدّد -كما في "المطالب العالية" (رقم: ٦٩٣ - العاصمة)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٤٣٤/ رقم: ٥٥٥٢)،- بنحوه مختصرًا- وابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ٢٥٦/ رقم: ٢١١٢)، والبيهقي (٣/ ٢٧٨). من طرق؛ عن عمرو بن مرة، عن زاذان به.
ورواه عن عمرو كل من: شعبة بن الحجاج، وحجاج بن أرطأة.
* * *
٣٥٤ - قال مسروق: "ما غبطتُ أحدًا ما غبطتُ مؤمنًا في اللَّحْدِ؛ قد استراحَ من نَصَبِ الدّنيا، وأَمِنَ عَذَابَ اللهِ".
صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٣/ ٥٣٧) أو (٧/ ١٠٦/ ٣٤٨٥٤ - العلمية)، من طريق وكيع في "الزهد" (١/ ٣١٣/ رقم: ٨٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٩٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٧/ ٤٣٥)، وابن أبي الدنيا في "القبور" (رقم: ١٤١ - الغرباء).
من طريق؛ مسعر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن مسروق به.
وإسناده صحيح.
ولفظه عندهم: "ما من بيت - (شيء) - خير للمؤمن من لحدٍ؛ قد استراح من هموم الدنيا، وأمن من عذاب الله".
وأخرجه ابن أبي الدنيا في "ذكر الموت" (رقم: ٥٥/ ص ٣٧ - ٣٨ - ط. الشيخ مشهور) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٧/ ٤٣٥ - ٤٣٦) وأحمد في "الزهد" (ص ٣٥٠).
من طرق؛ عن وائل بن داود، عن خفاف بن أبي سرعة، عن مسروق به.
стр. 361
وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (رقم: ٢٧٤) عن رجل، عن وائل بن داود، عن رجل، عن مسروق به.
وإسناده ضعيف؛ لكنه صحيح بما قبله.
* * *
- شبه الحسن بن علي بجدّه رسول الله ﷺ :
٣٥٥ - قال الإمام أبو عبد الله البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: حدثنا أبو عاصم، عن عمر بن سعيد بن أبي حُسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقْبةَ بن الحارث، قال:
"صلَّى أبو بكر ﵁ العصر، ثم خرج يمشي، فرأى الحَسَن يلعبُ مع الصبيان، فحمَلَهُ على عاتقه، وقال: "بأبي شَبيهٌ بالنبيّ ﵌، لا شبيهٌ بعليّ"، وعليٌّ يضحَكُ".
أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٥٤٢، ٣٧٥٠) وأحمد في "المسند" (١/ ٨) أو رقم (٤٠ - شاكر) وفي "فضائل الصحابة" (٢/ ٩٦٢/ رقم: ١٣٥١)، وأبو بكر المروزي في "مسنده" (١٤٤ - ١٤٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٣/ رقم: ٢٥٢٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٦٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق الكبير" (١٤/ ١٤ - ١٦ ط دار إحياء التراث العربي).
من طريق: عمر بن سعيد به.
إلا الحاكم فقال: "أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد القنطري ببغداد، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو عاصم، حدثني عمر بن سعيد بن أبي حُسين، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة .. ".
فزاد "عن أبيه"، لذا قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في تعليقه على طبعته من "المستدرك" (٣/ ١٩٩/ ٤٨٤٩): "الظاهر أن لفظة (عن أبيه) زائدة".
قلت: الأمر كما قال، وقد وهم الحاكم في استدراك الحديث؛ فهو عند البخاري.
стр. 362
فقه الأثر:
- فيه: أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉ كان شبيهًا بجده رسول الله ﵌.
- وفيه: "رضا علي بقول أبي بكر وتصديقه له"، وذلك بتبسمه أو ضحكه من قول أبي بكر ﵁.
- وفيه: "فضل أبي بكر ومحبته لقرابة النبي ﵌".
- وفيه: "ترك الصبي المميّز يلعب؛ لأن الحسن إذْ ذاك كان ابن سبع سنين، وقد سمع من النبي ﵌، وحفظ عنه، ولعبه محمول على ما يليق بمثله في ذلك الزمان من الأشياء المباحة؛ بل على ما فيه تمرين وتنشيط ونحو ذلك .. ".
انظر "فتح الباري" (٦/ ٦٥٦).
قلت: وقد ثبت في غير ما حديث شبه الحسن بالنبي ﵌، منها حديث أبي جحيفة ﵁، قال: "رأيتُ النبي ﷺ ، وكان الحسن يشبهه". (البخاري: ٣٥٤٣، ٣٥٤٤).
* * *
٣٥٦ - قال الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: حدثني محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعتُ طاوُسًا؛ عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِلَ عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فقال سعيد بن جبير: "قربى آلِ محمدٍ ﷺ ".
فقال ابن عباس: "عجلتَ؛ إن النبي ﷺ لم يكن بَطْنٌ من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة".
أخرجه البخاري (٣٤٩٧، ٤٨١٨)، وأحمد في "المسند" (١/ ٢٢٩، ٢٨٦) أو رقم: (٢٠٢٤، ٢٥٩٩ - شاكر)، والترمذي (٣٢٥١)، والنسائي في "الكبرى" (١١٤٧٤)، وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢٥/ ١٥) أو (٢٥/ ٣٥ - ط. دار إحياء التراث)، والحاكم الحسكاني في "شواهد التنزيل" (رقم: ٨٣٠، ٨٣١)، وابن حبان (٦٢٦٢).
стр. 363
من طريق: شعبة به.
فقه الأثر:
هذا التفسير عن ابن عباس هو أصحَّ ما ورد في تفسير الآية، وقد ورد فيها بعض التفاسير -ومنها عن ابن عباس- لكنها لا تصح؛ كتفسيرها بأن (القربى) هم: (فاطمة وأولادها) ﵈، وهذا لم يصح عن ابن عباس سندًا، أضف إلى ذلك أن الآية مكية، والحسن والحسين ﵉ لم يكونا ولدًا بعد، فكيف يفسّرها بعض الناس بذلك؟!
وانظر: "إحياء الميت بفضائل أهل البيت" للسيوطي - بتحقيقي، يسَّر الله نشره- الحديث الأول والثاني.
* * *
- النهي عن زخرفة المساجد:
٣٥٧ - قال عبدُ الله بن عباس ﵁: "لتُزَخْرِفُنَّهَا -[أي: المساجد]-كما زَخَرَفَتِ اليهودُ والنصَارَى".
علّقه البخاري في "صحيحه" (٨) - كتاب "الصلاة"- ٦٢ - باب بنيان المسجد. ووصله أبو داود في "السنن" (رقم: ٤٤٨)، فقال: "حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا سفيان بن عُيينة، عن سفيان الثوري، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﵌: "ما أُمِرْتُ بتشييد المساجد". قال ابن عباس: "لتُزَخْرِفُتَهَا كما زخرفت البهود والنصارى".
وهذا إسناد صحيح، كما قال الشيخ الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨/ رقم: ٤٧٥ - (الأم) - ط. دار غراس)، وتمام كلامه: "وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير محمد بن الصباح، وهو ثقة.
وأبو فزارة: اسمه راشد بن كيسان.
وصححه ابن حبان (١٦١٣).
стр. 364
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩)، وابن حزم (٤/ ٤٤٠) من طريق المؤلف ... " اهـ.
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢٧٤/ رقم:٣١٤٧ - العلمية) من طريق: سفيان به.
ولكنه ذكر قول ابن عباس فقط.
فقه الأثر:
فيه: النهي عن تشييد المساجد؛ والمقصودب "تشييد المساجد"، رفع بنائها وتطويله، والمبالغة في ذلك، لما فيه من التشبه باليهود والنصارى في بناء كنائسهم وبِيَعِهِم.
وفيه النهي عن زخرفة المساجد؛ لأنها إنما بُنيت للعبادة والذّكر، لا للمباهاة والمفاخرة والزينة.
فأنت ترى أخي المسلم كيف يتباهى المسلمون اليوم في تشييد المساجد والإسراف في زخرفتها وبنائها، وحُقَّ لهؤلاء صرف هذه الأموال الطائلة في إطعام جياع المسلمين، أو بناء المعاهد والمدارس والمساجد الأخرى، بدل إنفاقها على الزخرفة والزينة، وحُق للمسلمين أن يَعْمرُوا مساجدهم بالصلاة والذكر والعبادة؛ لا بالزخرفة والزينة ومضاهاة الكافرين في أماكن عبادتهم، والله المستعان، وهو الموفق والهادي سبحانه.
* * *
- التعجيل بالصلاة والإفطار هو السُّنَّة:
٣٥٨ - عن أبي عَطِيَّةَ [الوادعي الهمداني]- قال: دخلت أنا ومسروق على عائشةَ، فقلنا: "يا أمَ المؤمنينَ؛ رجُلَانِ من أصحَاب محمدٍ ﷺ ؛ أحدُهما يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ ويُعَجّلُ الصَّلاةَ، والآخَر يؤخِّرُ الإفْطارَ ويؤخِّرُ الصَّلَاةَ"!
قالت: "أيهُمَا الذي يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ ويُعَجِّلُ الصَّلَاةَ"؟.
قال: قلنا: "عبدُ اللهِ" - (يعني ابنَ مَسْعُودٍ) -.
قالت: "كذلكَ كانَ يَصْنَعُ رسُولُ اللهِ ﷺ ".
стр. 365
أخرجه مسلم (١٠٩٩) -واللفظ له- وأبو داود (٢٣٥٤)، والنسائي في "الكبرى" (٢/ ٧٨، ٧٩/ رقم: ٢٤٦٨، ٢٤٦٩، ٢٤٧٠، ٢٤٧١) - لكن في الموضحين الأولين بلفظ: " .. أحدهما يعجل الإفطار ويؤخر السحور .. "، ففيه ذكر السحور بدل الصلاة- وفي "المجتبى" (٤/ ١٤٣ - ١٤٤) أو رقم: (٢١٥٧، ٢١٥٨، ٢١٥٩، ٢١٦٠ - المعرفة) - وفيه في الموضعين الأولين ما تقدم في "الكبرى"- وأخرجه الترمذي (٧٠٢)، وأحمد في "المسند" (٦/ ٤٨) وغيرهم، من طرق عن أبي عطية به.
وقد ورد ذكر الصحابي الآخر عند بعض من أخرجه؛ وهو أبو موسى الأشعري.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وأبو عطية اسمه: مالك بن أبي عامر الهمداني، ويقال: مالك بن عامر الهمداني، وابن عامر أصحّ".
* * *
٣٥٩ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] قال: "إنَّ للمَلَكِ لَمَّةٌ، وللشيطانِ لمَّةٌ، فلَمَّة المَلَكِ إيعادٌ بالخير، وتصديقٌ بالحقّ؛ فمن وجَدَها فليَحْمَدِ اللهَ. ولَمَّةُ الشيطانِ إيعادٌ بالشَّرِّ، وتكذيبٌ بالحقّ؛ فمن وجَدَها فليسْتَعِذْ باللهِ".
حسن. أخرجه- عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ١٠٩) ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٠٦ - ط. دار إحياء التراث) عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود به.
وهذا إسناد ضعيف لإنقطاعه؛ فعبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يسمع من عمّ أبيه عبد الله بن مسعود.
لكن للأثر طرق أخرى كما سيأتي.
تنبيه:
١ - وقع تصحيف وسقط وتحريف في إسناد الأثر في مطبوعة "التفسير" للإمام عبد الرزاق؛ فَلْيُصَحَّح.
стр. 366
٢ - صحَّح المعلّق على "صحيح ابن حبان" (٣/ ٢٧٨ - ط. مؤسسة الرسالة) - إسناد هذا الأثر! فلم يصب، بسبب الإنقطاع كما تقدم.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٠٦) من طريق: ابن حميد، ثنا الحكيم بن بشير بن سليمان، ثنا عمرو، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبد الله به.
وعمرو هو: ابن قيس الملائي.
ثم أخرجه (٣/ ١٥٦) من طريق: ابن علية، ثنا عطاء، عن أبي الأحوص، أو عن مرة، عن عبد الله به.
ثم أخرجه من طريق: حماد بن سلمة، عن عطاء، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود به.
ثم أخرجه من طريق: جرير بن عبد الحميد، عن عطاء، عن مرة به.
ثم أخرجه من طريق: سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن فطر، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبدة، عن عبد الله به.
وبهذه الطرق -التي لا تخلو من مقال- يكون هذا الأثر حسنًا بمجموعها.
وقد رُوي الخبر مرفوعًا:
أخرجه: النسائي في "الكبرى" (٦/ ٣٠٥/ رقم: ١١٠٥١)، والترمذي (٢٩٨٨)، والطبري في "تفسيره " (٣/ ١٠٦)، وابن حبان (٣/ ٤٧٨/ رقم: ٤٩٩٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٢٩/ رقم: ٢٨١٠)، وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص ٥٠/ رقم: ٣٥ - ط. دار الخير).
من طريق: أبي الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود به مرفوعًا.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وهو حديث أبى الأحوص؛ لا نعرفه مرفوغا إلا من حديث أبي الأحوص".
قلت: عطاء بن السائب اختلط، وسماع أبي الأحوص منه بعد الإختلاط.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥/ رقم: ٢٢٢٤): "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو الأحوص عن عطاء بن السائب، عن عبد الله، عن النبي ﷺ : "إن للملك لمَّة، وللشيطان لمَّة ... " الحديث، فقال أبو زرعة:
стр. 367
الناسُ يوقفونه عن عبد الله؛ وهو الصحيح.
فقال أبي: رواه حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبد الله موقوفًا.
قلت: فأيها الصحيح؟
قال: هذا من عطاء بن السائب؛ كان يرفع الحديث مرة، ويوقفه أخرى، والناس يحدثون من وجوه عن عبد الله موقوف، ورواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود موقوف. وذكر أشياء من هذا النحو موقوف" اهـ.
فالأثر يصحُّ موقوفا لا مرفوغا؛ كما قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان.
وقال العلّامة أحمد محمد شاكر ﵀ في "عمدة التفسير" (٢/ ١٨١): "وكذلك رواه الطبري (٦١٧٠)، وإسناده وإسناد ابن أبي حاتم صحيحان، ثم رواه الطبري بأسانيد أُخر موقوفًا (٦١٧١ - ٦١٧٦)، والترمذي وابن كثير يشيران من طرف خفي إلى تعليل المرفوع بالروايات الموقوفة، وما هي بعلة بعد صحَّة الإسناد، ثم هو مما لا يعلم بالرأي ولا يدخله القياس، فالموقوف لفظًا -فيه- مرفوع حكمًا، على اليقين" اهـ.
ونحو هذا الكلام الأخير في تعليقه على "تفسير ابن جرير الطبري" (٥/ ٥٧٢).
قلت.: وتصحيح الشيخ لإسناد المرفوع غير دقيق لما تقدم من العلة فيه، والصواب قول من أعله.
لكنه كما قال؛ فإن الأثر له حكم المرفوع، والله أعلم.
وانظر: "صحيح موارد الظمآن" (١/ ١١٠ - ١١١/ رقم: ٣٨)، و"النصيحة بالتحذير من تخريب ابن عبد المنان لكتب الأئمة الرجيحة" (ص ١٠٨/ رقم: ٣٤) للعلامة الألباني ﵀.
* * *
- صَلَاةُ ركعتين بالزَّوْجَةِ ليلةَ البناءِ والدُّخُولِ بها:
٣٦٠ - عن أبي سعيد مولى أبي أُسيد [مالك بن ربيعة الأنصاري]، قال: "تَزَوَّجْتُ وأنا مملوك، فدَعَوْتُ أصحابَ النبيّ ﷺ فيهم أبو ذر،
стр. 368
وابن مسعود، وحُذيفة-، فتقدّمَ حُذيفةُ ليُصَلّي بهم، فقال أبو ذر -أو رجل-: ليس لك ذلك، فقدَّموني وأنا مملوك، فأممتهم، فعلَّموني؛ قالوا: "إذا أُدْخِلَ عليكَ أَهْلُكَ فَصَلِّ ركعتين، ومُرْهَا فلتُصلِّ خلفَكَ، وخُذْ بناصِيَتِهَا، وسَلِ اللهَ خيرها، وتعوَّذ باللهِ من شرِّها".
لا بأس به. أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢/ ٣٩٣ /رقم: ٣٨٢١) و (٦/ ١٩١ - ١٩٢/ رقم: ١٥٤٦٢) -واللفظ له في الموضع الثاني- وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢/ ٣٠ - رقم: ٦١٥٣ - العلمية).
من طريق: داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به.
قال الشيخ الألباني ﵀ في "آداب الزفاف" (ص ٩٥ - المكتبة الإسلامية): "وسنده صحيح إلى أبي سعيد، وهو مستور، لم أجد من ذكره؛ سوى أن الحافظ أورده في "الإصابة" فيمن روى عن مولاه أبي أسيد مالك بن ربيعة الأنصاري، ثم رأيته في ثقات ابن حبان؛ قال (٥/ ٥٨٨) هندية: "يروي عن جماعة من الصحابة، روى عنه أبو نضرة".
ثم ساق هذه القصة دون قوله: فقالوا ... إلخ، وهو رواية لابن أبي شيبة (٢/ ٢٣/ ١) " اهـ.
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٢/ ٣٩٢/ رقم: ٣٨١٨) عن معمر، عن قتادة: "أن أبا سعيد صنع طعامًا، ثم دعا أبا ذر، وحذيفة، وابن مسعود، فحَضَرت الصلاة، فتقدم أبو ذر ليصلي بهم، فقال له حذيفة: وراءك، رب البيت أحقُّ بالإمامة. فقال له أبو ذر: كذلك يا ابن مسعود؟ قال: نعم. قال: فتأخَّر أبو ذر".
وهذا إسناد مرسل؛ أرسلَهُ قتادة.
وأخرجه ابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ٢٣٣/ رقم: ٢٥٨٧) من طريق: وهب بن جرير، ثنا هشام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به.
فقه الأثر:
فيه: استحباب إجابة الدعوة ولو كانت من مملوك، وقد ذهب جمع من
стр. 369
أهل العلم إلى وجوب إجابة الدعوة إلا من عذر؛ وهو الراجح.
وفيه من الفقه: استحباب صلاة الركعتين بالزوجة عند الدخول بها والبناء ليلة العُرس.
وفيه: أن الرجل يؤمّ في سلطانه وبيته، ولا يتقدم أحد للإمامة ولو كان عالمًا وصاحب منزلة.
* * *
٣٦١ - عن شقيق -أبي وائل- قال: جاءَ رجل يُقَالُ له (أبو حَرِيز) فقال: إني تزوَّجْتُ جاريةً شابة بِكْرًا، وإني أَخاف أن تفْرُكَني.
فقال عبدُ الله-[يعني: ابن مسعود]-: "إنَّ الإلْفَ من اللهِ، والفِرْكَ من الشيطان، يريدُ أن يُكَرّهَ إليكم ما أَحَلَّ الله لكَم، فإذا أَتَتْكَ فَأْمُرْها أن تُصَليَ وراءَكَ ركعتين".
وفي رواية زيادة: "وقل: اللَهُمَّ بَارِكْ لي في أهلي، وبَارِكْ لهم فِيَّ، اللهم ارزقني منهم، وارْزقهم منّي، اللَهمَّ اجْمَعْ بيننا ما جمعتَ بخيرٍ، وفزقْ بيننا إذا فرَقْتَ إلى خَيْرِ".
صحيح. أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٦/ ١٩١/ رقم: ١٠٤٦٠، ١٠٤٦١)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣/ ٥٥٦ / رقم: ١٧١٥٠ - العلمية) والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ رقم: ٨٩٩٣).
من طريق: الأعمش، عن أبي وائل به.
ورواه عن الأعمش كل من: سفيان الثوري، ومعمر، وأبو معاوية.
وأخرجه الطبراني (٩/ رقم: ٨٩٩٤) من طريق: حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي؛ أن رجلاً أتى ابن مسعود، فقال .... فذكره.
وقد خالف الحسين بن واقد حمادَ بن سلمة؛ فرواه عن عطاء به مرفوعًا، أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤/ ٢١٧/ ٤٠١٨ - الحرمين).
стр. 370
لكنه لا يصح، وانظر التفصيل في "آداب الزفاف" للشيخ الألباني (ص ٩٦ - ٩٧).
- السُّنَّة في البِكْرِ والثَّيِّبِ، كم يقيم عندهما عند الزواج:
٣٦٢ - عن أنس بن مالك ﵁، قال: "مِنَ السُّنَّةِ إذا تزوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ على الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعَا وقَسَمَ، وإذا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ على البِكْرِ أقَامَ عِنْدَهَا ثلاثَا ثم قَسَمَ".
قال أبو قلابة: "ولو شئتُ لقلتُ: إن أنسًا رفعَهُ إلى النبيِّ ﵌".
أخرجه البخاري (٥٢١٣، ٥٢١٤)، ومسلم (١٤٦١)، وأبو داود (٢١٢٤)، والترمذي (١١٣٩) وغيرهم.
من طريق: خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن أنس به.
قال الإمام أبو عيسى الترمذي: "والعمل على هذا عند بعضِ أهلِ العلمِ؛ قالوا: إذا تزوَّجَ الرجلُ امرأةً بِكْرًا على امرأتِهِ؛ أقامَ عندها سَبْعًا، ثم قَسَمَ بينهما بعدُ بالعَدْلِ، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبَ على امرأتِهِ أقامَ عندها ثلاثًا، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم من التَّابعين: إذا تزوَّج البِكْرَ على امرأته أقامَ عندها ثلاثا، وإذا تزوج الثَّيِّبَ أقام عندها ليلتين، والقول الأول أصح" اهـ.
* * *
- التأدُّب مع حديث رسول الله ﵌:
٣٦٣ - عن عليّ بن أبي طالب ﵇، قال: "إذا حُدِّثْتُمْ عن رسولِ اللهِ ﵌؛ فظُنُّوا به الذي هو أَهْدَى، والذي هو أَتْقَى، والذي هو أَهْيَأ".
صحيح. أخرجه ابن ماجه (٢٠)، والدارمي في "مسنده" -أو سننه- (١/
стр. 371
٤٧٦/ رقم: ٦١٢ - الداراني)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (ص ١٦/ رقم: ٩٩)، وأحمد في "المسند" (١/ ١٢٢، ١٢٤، ١٣٥) أو رقم (٩٨٦، ٩٨٧، ١٠٣٩، ١٥٨١ - شاكر)، وأخرجه ابنه عبد الله في زوائده على "المسند" (١/ ١٣١) أو رقم: (١٠٩٢ - شاكر) وأبو يعلى في "مسنده" (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤/ رقم: ٥٩١)، وابن بطة في "الإبانة" (رقم: ١٠٣)، ومسدد كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (١/ ٢٢٨/ رقم: ٣٣١ - دار الوطن) وأحمد بن منيع كما في المصدر السابق.
من طرق؛ عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي به.
قال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (١/ ٢٢٨): "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".
وصحَّحه الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة"، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه على "المسند"، والشيخ الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه".
وأخرجه أحمد في "المسند" (١/ ١٢٢،١٣٠) أو رقم (١٠٨٠،١٩٨٥ - شاكر) - والموضع الثاني من زيادات ابنه عبد الله - من طريق: الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي به، دون ذكر أبي عبد الرحمن السلمي.
وهو منقطع، والأول أصح.
كما أخرجه عبد الله بن أحمد (١/ ١٣٠) أو رقم (١٠٨) من طريق: الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي من قوله.
وقد رُوي عن عبد الله بن مسعود؛ لكنه لا يصح.
أخرجه أحمد في "المسند" (١/ ٣٨٥، ٤١٥) أو رقم (٣٦٤٥،٣٩٤٠ - شاكر)، والدارمي (١/ ٤٧٦/ رقم: ٦١١)، وأبو يعلى في "مسنده" (٩/ ١٧٠/ رقم: ٥٢٥٩).
من طريق: محمد بن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود به.
وهذا إسناد ضعيف لإنقطاعه؛ كما قال الشيخ العلّامة أحمد شاكر، والشيخ
стр. 372
الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجه" (رقم: ١).
فصخ الأثر من قول علي بن أبي طالب، ولم يصح من قول ابن مسعود، ﵄.
* * *
٣٦٤ - قال الإمام أحمد بن حنبل: نا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن أنس -يعني: ابن سيرين-، قال: قال الحسنُ بن علي يومَ كلَّمَ معاويةَ: "ما بين جابرس وجابلق رجلٌ جدُّهُ نبيٌّ غيري، وإني رأيتُ أن أُصْلِحَ بين أُمَّةِ محمدٍ ﷺ ، وكنتُ أَحَقّهم بذاك، إلا أَنَّا قد بايَعْنَا معاوية، ولا أدري لعلَّهُ فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حينٍ".
صحيح. أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (رقم: ١٣٥٥) ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٤/ ٩٧ - ٩٨. إحياء) بهذا الإسناد.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١١/ ٤٥٢/ رقم: ٢٥٩٨٠)، ومن طريقه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣/ رقم: ٢٧٤٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٤٤٤)، والآجري في "الشريعة" (٣/ ٣١٧/ رقم: ١٧١٩ - الوليد سيف النصر).
من طريق: معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين به. وفيه بَعْدُ: "قال معمر: جابرس وجابلق: المغرب والمشرق".
ووقع في طبعة "المصنف": (حالوس وحابلق)!
وابن سيرين الذي في الإسناد هو أنس بن سيرين الأنصاري؛ أبو موسى، مولى أنس بن مالك.
والذي يظهر من صنيع الحافظ الطبراني أنه اعتبره محمد بن سيرين؛ إذْ أوردَ هذا الأثر تحت باب (محمد بن سيرين عن الحسن بن علي ﵄).
وعلى كل حال فإسناد الأثر صحيح، والحمد لله.
стр. 373
وأخرج نحوه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٧٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٣٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٤/ ٩٨ - ٩٩)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٤٤٤).
من طريق: سفيان بن عيينة، عن مجالد بن سعيد، عن الشَعبي، قال: "لما صالح الحسن بن علي ﵁ معاوية، قال له معاوية: قم فتكلم، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن أكيس الكيس التُّقى، وإن أعجز العجز الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفتُ فيه أنا ومعاوية حقٌّ لامرئ، وكان أحق بحقه مني أو أحق لي فتركته لمعاوية؛ إرادة استضلاع المسلمين وحقن دمائهم، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم".
قلت: إسناده فيه ضعف؛ لأجل مجالد بن سعيد، قال عنه الحافظ في "التقريب": "ليس بالقوي، وقد تغيَّر في آخر عمره".
وأحبُّ أَنْ أَنقُلَ هنا كلامًا جميلاً للإمام الآجرّي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-؛ حيث قال في كتابه النفيس "الشريعة" (٣/ ٣١٧): "انظروا -رحمكم الله- وميزوا فعل الحسن الكريم ابن الكريم، أخي الكريم، ابن فاطمة الزهراء، مهجة رسول الله ﵌، الذي قد حوى جميع الشرف، لما نظرْ إلى أنه لا يتم ملك من مُلْكِ الدنيا إلا بتلف الأنفس، وذَهَابِ الدِّينِ، وفِتَن متواترة، وأمور يتخوّف عواقبها على المسلمين؛ صان دينَهُ وعرضَه، وصان أمة محمد ﵌، ولم يحب بلوغ ما له في حط من أمور الدنيا- وقد كان لذلك أهلاً-، فترك ذلك بعد المقدرة منه على ذلك؛ تنزيهَا منه لدينه، ولصلاح أهة محمد ﵌، ولشرفه، وكيف لا يكون ذلك! وقد قال النبي ﵌" "إن ابني هذا سيد، وإن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، فكان كما قال النبي ﵌. رضيَ اللهُ عن الحسن والحسين، وعن أبيهما، وعن أمهما، ونفعنا بحبهم" اهـ.
стр. 374
٣٦٥ - عن جُبير بن نفير الحضرمي، قال: قلتُ للحسن بن علي: إن الناسَ يزعمونَ أنك تريدُ الخلافة؟
فقال: "كانت جَمَاجِمُ العربِ بيديَّ؛ يُسَالِمُونَ من سالَمْتُ، ويحاربون من حَارَبْتُ، فتركتُها ابتغاءَ وَجْهِ الله تعالى؛ ثُمَّ أُثيرها بأتياس أهل الحجاز؟ ".
وفي رواية: "ابتغاء وجه الله وحقن دماء أَمة محمد ﵌" ..
صحيح. أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٦ - ٣٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٤/ ١٠٤ - إحياء التراث).
من طريق: شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سمعتُ عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي يحدِّثُ عن أبيه ... فذكره.
وهذا إسناد صحيح.
يزيد بن خمير؛ هو أبو عمر الرحبي الحمصي؛ ثقة.
* * *
- المعاصي سبَبٌ في نسيان العلم:
٣٦٦ - عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "إني لأَحْسَبُ الرَّجُلَ ينسى العِلْمَ كانَ يَعْلَمُهُ؛ للخَطِيئَةِ يَعْمَلُهَا".
صحيح. أخرجه وكيع في "الزهد" رقم: (٢٦٩) ومن طريقه أحمد في "الزهد" رقم: (٨٥١ - ط دار الكتاب العربي)، والبيهقي في "المدخل" (٢/ ٥٥/ رقم: ٤٨٧).
من طريق: المسعودي، عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه به.
وإسناده صحيح.
المسعودي؛ هو عبد الرحمن بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي؛ ثقة،
стр. 375
لكنه اختلط قبل موته، لكن رواية وكيع عنه صحيحة، فقد سمع منه قبل الإختلاط؛ كما في "شرح علل الترمذي، لابن رجب (٢/ ٥٧٠).
وعبد الرحمن بن مسعود في روايته عن أبيه خلاف؛ الراجح فيه صحة السماع، وانظر "معجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم العلامة الألباني جرحًا وتعديلاً " (٢/ ٤٨٤ - ٤٨٦).
وأخرجه وكيع في "الزهد" (رقم: ٢٦٩)، وابن المبارك في "الزهد" (رقم: ٨٣)، وأبو خيثمة في "العلم" (رقم: ١٣٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ رقم:.٨٩٣٠)، والخطيب البغداذي في "اقتضاء العلم العمل" (رقم: ٩٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٣١)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٦٧٥ /رقم: ١١٩٥).
من طريق: المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله به.
وإسناده منقطع؛ القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من جده.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٩٩): "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون؛ إلا أن القاسم لم يسمع من جده".
قلت: لكنه صحَّ بما قبله، والله أعلم.
* * *
- خروج النساء إلى المسجد:
٣٦٧١،- عن عبد الله بن عمر- ﵄، قال: "كانت امرأةٌ لعُمر تَشْهَدُ صلاةَ الصُّبْحِ والعشَاءِ في الجماعَةِ في المسجد، فقيل لها: لِمَ تَخْرُجِينَ وقد تَعْلَمِين أن عُمَرَ يَكْرَهُ ذلك ويَغَارُ؟
قالت: وما يمنعُهُ أن يَنْهَاني؟
قال: يمنعُهُ قولُ رسولِ الله ﷺ : "لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ".
стр. 376
أخرجه البخاري (٩٠٠).
وانظر لزامًا "فتح الباري" (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
* * *
٣٦٨ - عن أمّ المؤمنينَ عائشةَ ﵂، قالت: "لو أنَّ رسولَ اللهِ ﵌ رأى ما أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمَنَعَهُنَّ المسجِدَ؛ كما مُنِعَتْ نسَاءُ بني إسرائيلَ".
أخرجه البخاري (٨٦٩)، ومسلم (٤٤٥)، وأحمد (٦/ ٩١) أو رقم: (٢٤٧١٤ - قرطبة)، وأبو داود (٥٦٩) وغيرهم.
من طريق: يحيى بن سعيد، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، عن عائشة به.
وفي آخره: قال يحيى: "فقلتُ لعَمْرَة: أَمُنِعَهُ نساءُ بني إسرائيل؟ قالت: نعم".
فقه الأثر:
فيه من الفقه: أن المرأة يجوز لها أن تخرج إلى المسجد للعبادة شرط أن تلتزمَ الضوابط الشرعية في خروجها؛ من لبس الثياب المحتشمة المأمورة بها شرعَا، وعدم التزين والتطيّب، وعدم الإختلاط بالرجال، وغير ذلك من الأمور المقررة في شرعنا المطهَّر.
أمَّا ما يحدث في مجتمعاتنا اليوم من خروج النساء بزينتهنَّ وعطرهنَّ!
ومخالطة الرجال ومزاحمتهم؛ فهذا مما منعه الشرع وحرَّمه.
إذِ العبرة من خروج المرأة إلى المسجد هي: العبادة، والتعلم ...
وبالأحرى نقول: مرضاةُ اللهِ .
فلمَّا تخرج المرأة بالصورة التي ذكرناها تكون قد نالت سَخَط اللهِ، ومرضاةُ اللهِ لا تنالُ بسَخَطهِ.
وقد وردت الأحاديثُ والآثارُ الكثيرة في التشديد على خروج المرأة من بيتها لغير حاجة، حتى إلى المسجد، بل من العلماء من خصَّ جواز خروجها إلى المسجد بصلاتي الصبح والعتمة (العشاء)؛ لورود الأدلة بذلك؛ لذا بوَّب الإمام
стр. 377
البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فقال: (بابُ خروج النساء إلى المسجد بالليل والغلس).
وقال أيضًا: (باب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلة مقامهن في المسجد).
قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﵌ يصلي الصُّبْحَ بغلس، فينصرفْنَ نساءُ المؤمنين؛ لا يُعْرَفْنَ من الغَلَسِ، أو لا يعرف بعضهن بعضًا". متفق عليه.
هكذا كان حال النساء المؤمنات الأوائل.
أما عن حال نساءِ المسلمين اليوم؛ فحدِّث ولا حرج!
خروج إلى الأسواق بالليل والنهار، لحاجة ولغير حاجة. عطور فوَّاحة، مزاحمة للرجال، واختلاط فاحش، حِشْمَةٌ مَعْدومَةٌ، سفور ظاهر، عُريٌّ خليع فاضح!!.
هذا؛ عدا الإختلاط في الحفلات والأعراس، وما يحدث هناك من الرقص والفجور والخَنَا.
هذا؛ وارتقى الحال بجنود إبليس إلى أن خرجت النساء إلى دور الأزياء فتعرّيْنَ من كل حشمة وحياء، وأظهرنَ أجسادهن عاريات!
فكَثُرَ الفُحش والخبَثُ، وانعدم الحياء والغيرة؛ إلا من رحم الله، والله المستعان على تردّي أحوال المسلمين.
فيا أيتها المسلمة! أين حجابك؛ فاحفظيه، وأين بيتك؛ فالزميه، وأين حياؤك؛ فلا تخدشيه.
ويا عقلاء! يا أهل الغيرة! احفظوا بناتكم ونساءكم من هذا التردِّي والإنحطاط، وارجوا اليوم الآخر، وارجعوا إلى ربكم العزيز الجبَّار، وخافوه إنه شديد العقاب.
اللهم يا ربّ؛ هوِّن وارحم واعصِم، وأنت أرحم الراحمين.
стр. 378
- كيف كان النكاحُ في الجاهلية؟:
٣٦٩ - عن أُمّ المؤمنين عائشة ﵂، قالت: "إنَّ النكاحَ في الجاهِليةِ كان على أربعةِ أنحاء: فنكاحٌ منها؛ نكاحُ الناسِ اليوم؛ يخطِبُ الرجلُ إلى الرجلِ وليته -أو ابنته- فيصدقُها، ثم ينكحُها.
ونكاحٌ آخر؛ كان الرجلُ يقولُ لامرأتِهِ إذا طهرتْ من طمثها: أَرْسِلي إلى فلان، فاسْتَبْضِعي منه، ويَعْتَزِلُها زوجُها، ولا يمسها أَبَدًا حتى يتبينَ حَمْلُها من ذلك الرجل الذي تَسْتَبْضِعُ منه، فإذا تبيَّنَ حملُها أصابَهَا زوجُها إذا أَحَبَّ؛ وإنما يفعلُ ذلك رغبة في نجابَةِ الولد، فكان هذا النكاح نكاح الإسْتِبْضَاع.
ونكاحٌ آخر؛ يجتمعُ الرَّهطُ ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يُصيبُها، فإذا حملَتْ ووضَعَتْ ومرَّ ليالِ بعدَ أن تضَعَ حَمْلَها أرْسَلَتْ إليهم، فلم يستطعْ رجلٌ منهم أن يمتنِعَ، حتى يجتمعوا عندها، تقولُ لهم: قد عرفتُم الذي كان من أمركم، وقد ولدتُ، فهو ابنك يا فلان؛ تُسمِّي من أحبَّتْ باسمه، فيلحق به ولدها؛ لا يستطيع أن يمتنعَ منه الرجلُ.
ونكاحٌ رابع؛ يجتمعُ الناسُ الكثير، فيدخلونَ على المرأة؛ لا تمنع من جاءَها -وهُنَّ البغايا- كُن ينصِبْنَ على أبوابِهِنَّ راياتِ تكون عَلَمًا، فمن أرادَهُنَّ دخَلَ عليهنَّ، فإذا حملَتْ إحداهُنَّ ووضعتْ حملَها؛ جُمِعُوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدَهَا بالذي يَرَوْنَ، فالتاطته به، ودُعيَ ابنه؛ لا يمتنعُ من ذلك.
فلما بُعِثَ محمدٌ ﷺ بالحقِّ هدَمَ نكاحَ الجاهلية كلَّهُ؛ إلا نكاح الناسِ اليوم".
أخرجه البخاري (٥١٢٧)، وأبو داود (٢٢٧٢) من طريق: يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به.
стр. 379
- التوسُّط في الحبّ والبغضِ:
٣٧٠ - عن أَسْلَم العدوي، قال: قال لي عمر بن الخطاب: "يا أسلم؛ لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا يكن بغضُكَ تَلَفًا".
قلت: وكيف ذلك؟
قال: "إذا أَحْبَبْتَ فلا تَكْلَفْ كما يَكْلَفُ الصَّبِيُّ بالشيءِ يُحِبُّهُ، وإذا أَبْغَضْتَ فلا تبغضْ بُغْضًا تُحِبُّ أن يَتْلَفَ صاحبُكَ ويَهْلَكَ".
صحيح. أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ١٨١/ رقم:٢٠٢٦٩)، والبخاري في "الأدب المفرد" (رقم: ١٣٢٢)، وابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤/ رقم: ٤٨٤، ٤٨٦ - مسند عمر)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ٢٦١/ رقم ٦٥٩٨ - العلمية) والبغوي في "شرح السُنَّة" (٣/ ٦٥/ رقم: ٣٥٨١)، والخرائطي في "اعتلال القلوب" (رقم: ٣٧٠) -مختصرًا- والخطابي في "العزلة" (ص ٢٣٨).
من طرق: عن زيد بن أسلم، عن أبيه به.
قال الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي ﵀ في رسالته "الجواب الذي انضبط عن لا تكن حُلْوًا فتُسترط" (ص ٦٤):
"ومعناه: إذا أحببتَ فلا تُفرط؛ فتكون مثل كَلَف النساء والصبيان، وإذا أبغضتَ فلا تفرط إفراطًا تود أن من تبغضه يتلفه" اهـ.
تنبيه:
استفدتُ تخريجَ الأثر من تخريج الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان -وفقه الله- في تحقيقه للرسالة المذكورة؛ فليُعْلَمْ.
* * *
٣٧١ - وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، قال: "أَحْبِبْ حَبيبَكَ هَوْنًا ما؛ عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا ما؛ عسى أن يكونَ حَبِيبَكَ يومًا ما".
رُوِيَ موقوفًا ومرفوعًا.
стр. 380
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم: ١٣٢١)، وابن أبي شيبة في الأوائل من "مصنفه" (١٤/ ١٠٢/ رقم: ١٧٧٢٥ - الهندية).
من طريق: مروان بن معاوية، ثنا محمد بن عُبيد الكِندي، عن أبيه، قال: سمعتُ عليًّا يقول لابن الكوَّاء: "هل تدري ما قال الأول "؟ ... ثم ذكره.
وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد والمتابعات -على ضَعْفٍ فيه-.
محمد بن عُبيد الكندي؛ أبو جابر الكوفي، روى عنه سفيان الثوري ومروان بن معاوية الفزاري. وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال الحافظ فى "التقريب": "مقبول".
وأبوه عُبيد الكندي؛ روى عنه ابنه محمد، وقال عنه الذهبي فى "ميزان الإعتدال" (٥/ ٣٢/ ٥٤٥٨ - العلمية): "لا يُعرف؛ تفرد عنه ولده محمد".
وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": "مقبول".
وأخرجه عمر بن شبّة في "أخبار المدينة" (٤/ ١٢٦٦)، والبلاذري فى "أنساب الأشراف" (٥/ ٩٥).
من طريق: عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن محمد بن عُبيد الأنصاري، عن أبيه به.
[وتحرَّفت في مطبوعة "أخبار (تاريخ) المدينة" من "زيد بن أبي أُنيسة" إلى "زيد بن أبي أمية"!
وعنده أيضًا: "محمد بن عبيد الله الأنصاري"].
وعبيد الله بن عمرو؛ هو الرَّقي، أبو وهب الأسدي، وهو ثقة.
وزيد بن أبي أنيسة؛ ثقة أيضًا، وزاد الحافظ: "له أفراد".
محمد بن عُبيد [أبو عبيد الله] الأنصاري، وأبوه؛ لم يتَبَيَّنَا لي، فلينظرا.
وأخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (رقم: ٤٨٤)، وابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٢٢/ رقم: ٤٨٢)، وفي مسند علي بن أبي طالب - (ص ٢٨٥/ رقم: ٤٤١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ٧٢٠ و ١٣/ ١٤٢ - ط. المجمع العلمي بدمشق)، وعبد الله بن أحمد في "السنَّة" (٢/ ٥٨٨ /رقم: ١٣٩٤).
стр. 381
من طريق: شهاب بن خراش، ثني الحجاج بن دينار، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن علي بن أبي طالب به؛ مطوَّلاً.
وهذا إسناد ضعيف.
شهاب بن خراش؛ حسن الحديث إن شاء الله.
والحجاج بن دينار؛ هو الواسطي، ثقة.
وأبو معشر؛ هو نجيح بن عبد الرحمن المدني، وهو ضعيف.
وأخرجه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٢٢/ رقم: ٤٨٠) و (ص ٢٨٤/ رقم:٤٤٠ - مسند علي) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ٢٦٠/ رقم: ٦٥٩٣).
من طريق: عطاء بن السائب، عن أبي البختري، عن علي به.
وعطاء بن السائب مختلط، وهو منقطع بين أبي البختري وعلي ﵁.
وأخرجه ابن جرير في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٢١ - ٢٢٢/ رقم: ٤٧٨) و (ص ٢٨٤/ رقم: ٤٣٨ - مسند علي)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ٢٦٠/ ٦٥٩٤).
من طريق: إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة [بن يريم]، عن علي به. وهذا إسناد لا بأس به.
وتابعَ إسرائيلَ سعيدُ بن أبي عروبة عند مسدد في "مسنده" -كما في "المطالب العالية" (رقم: ٧٦٣)، و"إتحاف الخيرة المهرة" (٦/ ١٠٦/ رقم: ٥٤٣٠ - الوطن).
وقال البوصيري: "هذا حديث موقوف؛ إسناده حسن، هبيرة مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات".
وأخرجه ابن جرير في "تهذيب الآثار" (ص ١٨٤/ رقم: ٤٣٩ - مسند علي)، و (١/ ٢٢٢ / رقم: ٤٧٩، ٤٨١ - مسند عمر).
من طريق: شعبة، عن عقيل بن طلحة، قال: سمعتُ مولى لقريظة بن كعب، قال: سمعتُ عليًّا يخطب ... فذكره.
стр. 382
وأخرجه ابن جرير (ص ٢٨٥/ رقم: ٤٤١) من طريق: عباد بن يعقوب الأسدي، ثنا عبد الله بن بكير وبشر بن عمارة، عن محمد بن سوقة، عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: حدثني شيخ أن عليًّا قال لرجل ... فذكره.
وإسناده ضعيف.
وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ٢٦٠/ رقم: ٦٥٩٥) من طريق: محمد بن عيسى بن السكن، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن أيوب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن علي به.
وقد اختُلِفَ في هذا الإسناد كما سيأتي.
هذه الطرق التي وقفتُ عليها من الروايات الموقوفة على عليّ- ﵁ في هذا الأثر، وبمجموعها يكون الأثر حسنَا عن علي ﵇ -موقوفًا.
وقد رُوي مرفوعًا؛ ولا يصح، وإليك البيان:
فقد أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ٢٦٠ - ٢٦١/ رقم: ٦٥٩٦، ٦٥٩٧)، وابن جرير في "تهذيب الآثار" -مسند علي- (ص ١٨٣/ رقم: ٤٣٨)، وأبو الشيخ في "الأمثال" (١١٣)، وتمام في "الفوائد" (١٥٤١، ١٥٤٢)، والخرائطي في "اعتلال القلوب" (رقم: ٣٧١).
من طريق: الحسن بن أبي جعفر، عن أيوب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن علي به مرفوعًا.
قال ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨): "وهو خطأ فاحش".
قلت: وسببه أن حماد بن سلمة رواه عن أيوب، عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا كما سيأتي.
كما رواه حماد عن أيوب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن علي موقوفًا، كما تقدم عند البيهقي في "الشعب".
ورواه عن أيوب هارون بن إبراهيم الأهوازي، عن ابن سيرين، عن حميد بن عبد الرحمن، عن علي؛ مرفوعًا.
стр. 383
كما في "الفوائد" لتمام الرازي (١٥٣٩، ١٥٤٠)، و"الأمثال" لأبي الشيخ (١١٢).
وقال البيهقي في "السنن الكبير" (٥/ ٢٦١): "والمحفوظ الموقوف".
وانظر "العلل" للد ارقطني (٤/ ٣٣ - ٣٤/ رقم: ٤١٩).
وقال ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٤٥/ ٥): "والصحيح أنه موقوف على علي".
أما حديث أبي هريرة المشار إليه آنفًا؛ فقد أخرجه الترمذي (١٩٩٧)، وابن جرير فىِ "تهذيب الآثار" (١/ ٢٢٣/ رقم: ٤٨٣)، وتمام الرازي في "الفوائد" (١٥٤٤، ١٥٤٥)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٧١٢ - الفكر)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٣٤٧)، وأبو الشيخ في "الأمثال" (١١٤)، والبيهقي في "الشعب" (٥/ ٢٦٠/ رقم: ٦٥٩٦).
من طريق: سويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -أراه رفعه-.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، وقد رُوي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا؛ رواه الحسن بن أبي جعفر -وهو حديث ضعيف أيضا- بإسناد له عن علي، عن النبي ﵌، والصحيح عن علي موقوفٌ من قوله".
وأعلَّه ابن حبان بسويد بن عمرو.
قال الشيخ الألباني ﵀ في "غاية المرام" (ص ٢١٦/ رقم: ٤٧٢): "إسناد حديث أبي هريرة عندي جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، ليس فيهم من ينظر في حاله سوى سويد بن عمرو الكلبي، وقد قال النسائي وابن معين: "ثقة". وقال العجلي: "ثقة ثبت في الحديث، وكان رجلاً صالحًا متعبدًا". ولم يتكلم فيه غير ابن حبان كما رأيت، فلا يلتفت إليه؛ لا سيما وهو من رجال مسلم، فاتفاق الجماعة على توثيقه مما يوهن كلام ابن حبان فيه، ولقد أحسن الذهبي حين قال في "الميزان": "وأما ابن حبان؛ فأسرف واجترأ، فقال: كان يقلب الأسانيد .. " ثم نسي الذهبيُّ هذا فأورده في "الضعفاء" من أجل كلام
стр. 384
ابن حبان هذا؛ وقال الحافظ في "التقريب": "أفحش ابنُ حبان القول فيه، ولم يأتِ بدليل".
ولذلك لم يعرج الخزرجي عليه، فلم يذكر في المترجم غير توثيق الأئمة الثلاثة الذين ذكرناهم، وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى؛ فالإسناد صحيح، واستغراب الترمذي لا وجه له. ولذلك قال المناوي: "وقد استدرك الحافظ العراقي على الترمذي دعواه غرابته وضعفه، فقال: قلتُ: رجاله رجال مسلم، لكن الراوي تردَّدَ في رفعه، انتهى. والمصنف (يعني السيوطي) رمز لحسنه".
والتردد الذي ذكره في رفعه لم أره في شيء من طرقه عن أبي هريرة، ثم بدا لي أنه يشير إلى قوله: "أراه رفعه". والله أعلم.
وقد وجدتُ له طريقًا آخر عن ابن سيرين يرويه الحسن بن دينار عنه به.
أخرجه تمام [في الفوائد، رقم: ١٥٤٣]، وأبو الحسن الحربي في "الفوائد المنتقاة" (٢/ ١٥٣/ ١)، وابن عدي في "الكامل" (ق ٨٤/ ٢) [٢/ ٧١١ - الفكر] والخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٤٢٧).
لكن ابن دينار هذا متروك فلا يستشهد به. فالإعتماد على الطريق الأولى". انتهى كلام الشيخ الألباني.
قلت: وكلام الشيخ في إسناد رواية أبي هريرة حق؛ لولا الإختلاف الذي في السند كما تقدم، ومثل هذا الإسناد يُعَلُّ ولا يصحَّح، وهذا ما ذهب إليه جمع من الحفاظ والمحدثين: كالترمذي، والدارقطني، والبيهقي، والبغوي، وابن عساكر، والذهبي، وغيرهم.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣/ ٣٥٧/ رقم: ٣٣٩٥) و (٦/ ٢٠٠ - / ٢٠١ رقم: ٦١٨٥ - الحرمين) أو (٤/ ٢٣٤/ رقم: ٣٤١٩) و (٧/ ١٠٥ - ١٠٦/ ٦١٨١ - الطحان).
من طريق: أحمد بن محمد بن ماهان بن أبي حنيفة، قال: ثنا أبي، عن عبَّادِ بن كثير، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف.
محمد بن ماهان بن أبي حنيفة؛ مجهول، كما قال أبو حاتم. وكذا أبوه.
стр. 385
وعباد بن كثير ضعيف.
ورُوي من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" -كما في "مجمع الزوائد" (٨/ ٨٨) - وفي "المعجم الأوسط" (رقم: ٥١١٩ - الحرمين) أو (رقم: ٥١١٥ - الطحان) وتمام في "الفوائد" (رقم: ١٥٤٦)، وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٥٢)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (رقم: ٧٣٩)، والقزويني في "التدوين في تاريخ قزوين" (٣/ ١٨ - ١٩).
من طريق: أبي الصلّت عبد السلام بن صالح الهروي، نا عباد بن العوام، عن جميل بن زيد، عن ابن عمر به مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف جدًّا.
أبو الصلت الهروي؛ صدوق له مناكير.
وجميل بن زيد الطائي الكوفي؛ ضعيف جدًّا، ثم هو لم يسمع من ابن عمر.
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛
فأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" -كما في "مجمع الزوائد" (٨/ ٩١) - وفي "الأوسط" (رقم: ٥١٢٠ - الحرمين).
من طريق: محمد بن هشام المستملي، نا محمد بن كثير الفهري، نا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو به مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف جدًا.
محمد بن كثير الفهري: ضعيف جدًّا؛ بل متروك.
وأبو قبيل: صدوق يهم.
وابن لهيعة الكلام فيه مشهور معروف.
فالحديث لا يصح مرفوعًا، والصواب أنه موقوفٌ على عليّ ﵁، كما حكم بذلك جمع من الحفاظ كما تقدم، والله أعلم.
стр. 386
- إثباتُ صِفَة الإستواء لله تعالى:
٣٧٢ - جاء رجلٌ إلى الإمام مالك بن أنس ﵀ فقال: يا أبا عبد الله؛ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾؛ حيف استوى؛! فَأطْرَقَ مالكْ وأخذتْهُ الرُّحضَاء، ثم رفع رأسه، فقال: "الإستواءُ غير مَجْهُولِ، والكَيْفُ غير معقول، والإيمانُ به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراكَ إلا مُبْتَدِعًا". فَأمَرَ به أن يُخْرَجَ.
صحيح. ورواه عن مالك كل من:
١ - جعفر بن عبد الله:
أخرجه: عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (رقم: ١٠٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، واللالكائي في "شرح أصول الإعتقاد" (رقم: ٦٦٤)، وإسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في "عقيدة السلف وأصحاب الحديث" (رقم: ٢٥، ٢٦ - ط. البدر) أو (ص ١٨١ - ١٨٤ - ط. العاصمة).
من طرق؛ عن مهدي بن جعفر، عن جعفر بن عبد الله به.
وعند الدارمي -قال: "ثنا مهدي بن جعفر، ثنا جعفر بن عبد الله- وكان من أهل الحديث -ثقة- عن رجل قد سمَّاه لي، جاء رجل إلى مالك .. " فذكره.
ولعلَّ هذا الاضطراب آتٍ من مهدي بن ميمون، والله أعلم.
وأخرجه ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٧/ ١٥١) من طريق: مهدي بن جعفر عن مالك به، ولم يذكر واسطة.
٢ - يحيى بن يحيى التميمي:
أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦/ رقم: ٨٦٧ - الحاشدي)، وفي "الإعتقاد" (ص ١١٩ - ط. أبي العينين).
من طريق: عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، ثنا أبو جعفر أحمد بن زيرك اليزدي، قال: سمعتُ محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري يقول: سمعتُ يحيى بن يحيى يقول: ... فذكره عن مالك.
стр. 387
٣ - عبد الله بن وهب:
أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥/ رقم: ٨٦٦) من طريق: أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا أبي، حدثنا أبو الربيع - ابن أخي رشدين بن سعد-، قال: سمعتُ عبدَ الله بن وهب يقول: ... فذكره.
وصحَّح إسناده الحافظ الذهبي في "كتاب العرش" (٢/ ١٨١/ رقم: ١٥٦ - ط. أضواء السلف)، وجوَّد إسناده الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
٤ - جعفر بن ميمون:
أخرجه الصابوني في "عقيدة السلف" (رقم: ٢٤ - ط. البدر) أو (ص ١٨٠ - ١٨١ ط. العاصمة).
من طريق: أبي الحسن بن أبي إسحاق المزكى بن المزكى، ثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي، ثنا شاذان، ثنا ابن مخلد بن يزيد القُهستاني، ثنا جعفر بن ميمون به.
هذا ما وقفتُ عليه من الأسانيد إلى الإمام مالك في هذا الأثر، وهو صحيحٌ عنه، صححه جمع من الحفَّاظ، وتلقَّوه عنه بالقبول.
ورُوِيَ عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ انظر الأثر القادم.
تنبيه:
هذا الأثر ليس على شرطي في الكتاب، ولكن أوردته هنا لأهميته، فليُعْلَمْ.
* * *
٣٧٣ - عن سفيان بن عُيينة، قال: سُئِلَ ربيعةُ عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾؛ كيف استوى؟! قال: "الإستواءُ غير مجهول، والكيفُ غير معقول، ومِنَ اللهِ الرسَالةُ، وعلى الرسولِ البلاغ، وعلينَا التَّصْدِيقُ".
صحيح. أخرجه اللالكائي في "شرح أصول الإعتقاد" (رقم: ٦٦٥) وعنه ابن قدامة في "العلو" (رقم: ٩٠).
стр. 388
من طريق: أبي بكر أحمد بن محمود بن يحيئ النهاوندي، ثنا أحمد بن محمد بن صدقة، ثنا أحمد بن محمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن آدم، عن ابن عُيَيْنَةَ به.
وأبو بكر النهاوندي هذا ضعيف.
وتابعه أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي عند ابن بطة في "الإبانة" - الكتاب الثالث، الرد على الجهمية- (ج ٣/ ص ١٦٣ - ١٦٤/ رقم: ١٢١).
وأخرجه العجلي في "تاريخه" (ص ٣٥٨/ رقم: ٤٦٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ٣٠٦/ رقم: ٨٦٨)، والذهبي في "العلو" (٢/ ٩١١/ رقم: ٣٢٢ - دار الوطن). من طرق أخرى.
وصححه الألباني في "مختصر العلو" (ص ١٣٢/ رقم: ١١١).
* * *
٣٤٧ - وعن مالكٍ، قال: "اللهُ تعالى في السماء، وعلمه في كل مكانٍ؛ لا يخلو منه شيء".
حسن. أخرجه أبو داود في "مسائل الإمام أحمد" (ص ٢٦٣)، وعبد الله بن أحمد في "السُّنَّة" (١/ ١٠٦ - ١٠٧، ٢٨٠/ رقم: ١١، ٥٣٢)، والآجري في "الشريعة" (٣/ ١٠٧٦ - ١٠٧٧/ رقم: ٦٥٢ - ٦٥٣ - الوطن) أو (٢/ ٦٧ - ٦٨/ رقم: ٦٩٥ - الوليد سيف النصر)، واللالكائي في "شرح أصول الإعتقاد" (رقم: ٦٧٣)، وابن منده في "التوحيد" (٣/ ٣٠٧/ رقم: ٨٩٣)، وابن بطة في "الإبانة" -الرد على الجهمية- (٣/ ١٦٣ / رقم: ١١٠)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٣٨).
من طرق؛ عن عبد الله بن نافع، عن مالك به.
وصححه الألباني في "مختصر العلو" (ص ١٤٠).
تنبيه:
هذا الأثر خارج عن شرطي في الكتاب.
стр. 389
- الصلاة على ولد الزنا إذا مات:
٣٦٥ - قال الإمام البخاري ﵀: ثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، قال ابن شهاب: "يُصَلَّى على كلِّ مولودٍ متوفَّى، وإن كان لِغَيَّةٍ - من أَجْلِ أنه وُلِدَ على فِطْرَةِ الإسلام؛ يدَّعي أبواه الإسلام، أو أبوه خاصة، وإن كانت أمُّهُ على غير الإسلام- إذا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عليه، ولا يُصَلَّى على من لا يستهِلُّ؛ من أَجْلِ أنَّهُ سِقْطٌ. فإن أبا هريرة ﵁ كان يُحدِّثُ: قال النبيُّ ﷺ : "ما من مولودٍ إلا يولَدُ على الفِطْرَةِ، فأبواه يهوّدانه، أو ينضرانه، أو يُمَجِّسَانِهِ، كما تُنتجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"؟ ثم يقول أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ".
أخرجه البخاري (١٣٥٨).
وهذا الخبر مما هو على شرطنا في هذا الكتاب -وإن كان ورد في سياقه حديث مرفوع- ففيه أثر موقوف من كلام ابن شهاب.
فقه الأثر:
قوله: "لِغيَّة": أي: من زنًى.
وفيه من الفقه: جواز الصلاة على ابن الزنى، وأنه يُحْكَمُ له بالأصل تبعًا لوالديه، أو أحدهما، لأن الأصل فيه أنه يولد على الفطرة.
وفيه أن الطفلَ يُصَلَّى عليه إذا استهلَّ؛ خلافًا لمن ذهب إلى أنه لا يصلَّى عليه إلا إذا بلغ!.
* * *
- الإقعاء بين السجدتين:
٣٧٦ - قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن النضمر العسكري، حدثني عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي؛ نا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم، عن طاوس، عن ابن عباس ﵁، قال:
"من السُّنَّةِ في الصَّلَاةِ أن تضَعَ إِلْيَتَيْكَ على عَقِبَيْكَ بَيْنَ السَّجْدَتَينِ".
стр. 390
صحيح. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ رقم: ١١٠١٥).
قال الشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (١/ ٧٣٤/ رقم: ٣٨٣):
"قلتُ: وهذا إسناد صحيح - إن كان عبد الكريم هذا هو ابن مالك الجزري الحراني، وأما إن كان هو ابن أبي المخارق المعلم البصري؛ فهو ضعيف-، وليس بين يدي ما يرجح أحد الإحتمالين على الآخر؛ فإن كلًّا منهما روى عن طاوس، وروى عن كل منهما ابن عيينة".
قلتُ: والراجح هو الثاني -أي: ابن أبي المخارق-، ذلك أنه في "معجم الطبراني" قبل هذه الرواية وبعدها صُرَّح باسمه، والله أعلم.
ثم قال الشيخ الألباني: "بيد أن الحديث صحيح على كل حال؛ فقد رواه ابن عيينة أيضا عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس به نحوه.
أخرجه الطبراني-[(١١/ رقم: ١١٠١٥)]-: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، وهو في "مصنف عبد الرزاق" (٢/ ١٩١/ ٣٠٣٣).
قلت: وهذا إسناد جيد.
وأخرج (٣/ ١٠٥/ ٢) بهذا الإسناد عن ابن جريج؛ أخبرني أبو الزبير؛ أنه سمع طاوسًا يقول: "قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين؟
قال: هي السنة.
قلت: إنا لنراه جفاء بالرجل!
قال: هي سُنَّة نبيك".
وقد أخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والبيهقي (٢/ ١١٩) من طريق أخرى عن ابن جريج به.
وهذا سند صحيح؛ صرَّح فيه كل من ابن جريج وأبي الزبير بالتحديث.
وله طريق أخرى عن ابن عباس يرويه ابن إسحاق، قال: حدَّثَني عن انتصاب رسول الله ﵌ على عقبيه وصدور قدميه بين السجدتين إذا صلَّى - عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن مجاهد بن جبر أبي