← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم تأليف زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين بن أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي من علماء القرن الثامن الهجري المتوفى سنة ٧٩٥ هـ (١ - ٣) المحقق الدكتور محمد الأحمدي أبو النور مدير الأوقاف وشئون الأزهر سابقا دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة

стр. 2

بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ مُقَدِمَة الطَبعَتَين: الأولى والثَانية (١) ابنْ رَجَب المُحَدث وكتَابُ "جَامِع العُلُوم وَالحِكَمِ" هو زين الدين: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد بن مسعود السلامي البغدادي، الحنبلي، المشهور بابن رجب. ولد ابن رجب عام ست وثلاثين وسبعمائة -ببغداد- وتفتحت براعمه في كنف دوحة علمية باسقة؛ فقد توارثت أسرته العلم، وتصدَّر آباؤه لحمله وأدائه، وتأثَّروا به في أنفسهم، ثم ترجموه عقيدة وسلوكا، وأثَّرُوا به في مجتمعهم، وتفاعلوا به مع الحياة. * * * كان جده: أحمد بن الحسن فقيهًا عالما له حلقة علمية ببغداد، يفد إليها طلاب العلم، ورُوَّاد المعرفة. وابن رجب نفسه يشهد بذلك فيقول: "قرئ على جدي: أبي أحمد: رجب بن الحسن -غير مرة، ببغداد- وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة". أما أبوه: أحمد بن رجب فقد نشأ في هذه البيئة العلمية، قرأ بالروايات، وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق -بأولاده- فأسمعهم بها وبالقدس، وجلس للإقراء بدمشق، وانتُفع به، وكان ذا خير ودين وعفاف، كما ذكر ذلك ابن حجر. وقد تلمذ لأبيه، وانتفع به، وكان أبوه حريصا على تزويده من مناهل العلم والمعرفة منذ نعومة أظفاره، فكان يصطحبه معه في السماع من الأشياخ، وممن سمع معه منهم: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الخباز، وإبراهيم بن داود العطار. _________ (١) تتكامل الدراسة الخاصة عن المؤلف وكتابه -عدا ما هو مذكور بين يدي هذه الطبعة- ونرجو من الله عونه وسداده؛ لتكون في جزء مستقل بمشيئته سبحانه.

стр. 3

ثم رحل معه إلى مصر، فسمع بها من صدر الدين: أبي الفتح الميدومي، وأبي الحرم: محمد بن القلانسي وغيرهما. ورحل معه كذلك إلى مكة فسمع من الفخر: عثمان بن يوسف. وكما رافق أباه في حلقات العلم: رافق زين الدين العراقي -شيخ ابن حجر- أستاذ مدرسة تخريج الحديث في عصره. ثم لازم ابن القيم إلى أن مات عام ٧٩٥ هـ. ووسط هذا الحقل العلمي الخصيب استحصد ابن رجب، واستوى على سوقه، وما لبث أن خرج إلى الحياة يؤدي دوره، ويسدد دَيْنَه، وينهض بمسئوليته نحو الدين والعلم والمجتمع، فكانت حلقاته العلمية، ووعظه السديد، وكانت مؤلفاته العديدة، وآثاره الخالدة، وكانت آراؤه الصائبة، وخلقه القويم!!. وابن رجب هو علم أسرته الذي رفع في محيط العلم ذكرها، وفرعها الباسق الذي خلَّد على مر العصور أثرها!!. ولقد استطاع مع هذه الطائفة الجليلة من العلماء الذين تخرج بهم، وتفقه عليهم أن يستوعب مكتبة علمية حفيلة في علوم القرآن، والسنة، والتاريخ، والتصوف، والعقيدة، والفلسفة، والفقه، والأصول، والأدب. وظهر أثر ذلك كلِّه بيِّنا قويا في مؤلفاته. فهو عندما يؤلف كتابا يعمِد إلى ما قرأه من مؤلفات، ويأخذ ما يريد، أخذ العليم البصير. ولا تختفي شخصيته وراء ما يأخذ من نقول، وإنما تبرز قوية في التنسيق، والنقد، والمقارنة، والتحليل، والاستنباط، والرأي الشجاع، يجهر به دون مواربة. وكتابه: "جامع العلوم والحكم" خير مثال لما نقول؛ فهو يشرح فيه خمسين حديثًا من جوامع الكلم، ولكنه يحشِدُ في شرحه لكل حديث: ما يراه واجبَ الذكر من كل ما طوَّف به خلال رحلاته العلمية، أو قراءاته في المصادر المختلفة. وإذا شئنا أن نتحدث عن المصادر العلمية التي أخرج عنها كتابه هذا ورجع إليها في تأليفه لاستفاض بنا الحديث. وحسبنا أن نشير إلى طرف منها يبين لنا مدى اطلاع الرجل؛ سيما في الناحية الحديثية. محيلين إلى فهرس الكتب آخر الكتاب إن شاء الله. فمما سيرى القارئ نقولًا منه، أو اختصارا له، أو رجوعًا إليه بين ثنايا الكتاب: ١ - الكتب الستة.

стр. 4

٢ - مسانيد أحمد والطيالسي والبزار. ٣ - المستدرك للحاكم. ٤ - معاجم الطبراني الثلاثة. ٥ - الزهد لابن المبارك. ٦ - الورع للمروزي، والصلاة له. ٧ - الحجة للمقدسي. ٨ - غريب الحديث للخطابي، ومعالم السنن له. ٩ - المواعظ لأبي عبيد، والطلاق له. ١٠ - الشهاب في الحكم والآداب للقضاعي. ١١ - الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة لأبي بكر بن السني. ١٢ - الورع لأسد بن موسي. ١٣ - الأدب لحميد بن زنجويه. ١٤ - المصنف لابن أبي شيبة. ١٥ - مصنف عبد الرزاق. ١٦ - القدر لأبي داود. ١٧ - سنن الدارقطني. ١٨ - السنن الكبرى للبيهقي والقدر له. ١٩ - تفسير الطبري. ٢٠ - الجامع للخلال. ٢١ - المراسيل لأبي داود. ٢٢ - المراسيل للقاسم بن مخيمرة. ٢٣ - المراسيل لأبي المتوكل الناجي. ٢٤ - "الإخلاص والنية" و"الصمت" لابن أبي الدنيا. ٢٥ - الكامل لابن عدي. ٢٦ - صحيح ابن حبان.

стр. 5

٢٧ - التوحيد لابن منده. ٢٨ - البعث لهشام بن عمار. إلى غير ذلك. * * * مؤلفات ابن رجب: ولابن رجب مؤلفات أخرى عدا "جامع العلوم والحكم" منها ما طبع، ومنها مالا يزال مخطوطًا. فمن المطبوع: ١ - ذيل طبقات الحنابلة طبع الجزء الأول منه بدمشق سنة ١٣٧٠ = ١٩٥١. وطبع الأول والثاني بالقاهرة بعد ذلك. ٢ - الاستخراج لأحكام الخراج طبع بمصر بالمطبعة الإسلامية بالأزهر سنة ١٣٥٢ = ١٩٣٤. وطبع دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٥ - ١٩٨٥ وطبع مكتبة الرشد بالرياض بتحقيق الأستاذ جندي محمود الهيتي - الطبعة الأولى ١٤٠٩ = ١٩٨٩. ٣ - تحقيق كلمة الإخلاص طبع بمصر سنة ١٣٦٩ وبدمشق ١٣٩٠ هـ = ١٩٦١ م. ٤ - نور الاقتباس في مشكاة النبي ﷺ لابن عباس، طبع بمصر سنة ١٣٦٥ = ١٩٤٦. ٥ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة طبع بمصر عام ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م بتحقيق السيد / محمد أحمد عبد العزيز - المكتبة القيمة بالقاهرة، وعام ١٤٠٤ بتحقيق الدكتور أسامة محمد عبد العظيم حمزة - دار الفتح - بالقاهرة - وكان قد طبع بمصر بمطبعة المنار ١٣٤٠ هـ وبالمنيرية ١٣٥١ هـ. ٦ - القواعد الفقهية طبع بمصر ١٣٥٢ هـ. ٧ - مكفرات الذنوب ودرجات الثواب ودعوات الخير - نشر مكتبة التراث الإسلامي بجوار الأزهر وطبع مطبعة التقدم بالمنيرة - القاهرة - الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢ هـ. ٨ - التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار - تحقيق الدكتور / محمد جميل غازي طبع مطبعة المدني بالعباسية - القاهرة ١٤٠١ هـ وبتحقيق الدكتور الجميلي - بيروت. ٩ - الخشوع في الصلاة تحقيق السيد / حسين إسماعيل حسين / الطبعة الخامسة نشر المكتبة القيمة للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة سنة ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.

стр. 6

١٠ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف طبع ونشر دار الجيل بيروت لبنان سنة ١٣٤١ هـ وطبع دار ابن كثير بدمشق ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م بتحقيق الأستاذ ياسين محمد السواس. ١١ - تفسير سورة النصر تحقيق الدكتور / حسن ضياء الدين عتر طبع: دار البشائر الإسلامية - بيروت لبنان - الطبعة الثانية سنة ١٤٠٧ هـ، سنة ١٩٨٦ م وكان قد طبع بلاهور ١٣٣٩ هـ. ١٢ - بغية الإنسان في وظائف رمضان تحقيق الأستاذ / زهير الشاويش نشر المكتب الإسلامي. دمشق وبيروت الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ. ١٣ - اختيار الأولى. شرح حديث اختصام الملأ الأعلى تحقيق وتخريج الأستاذ / حسين الجمل - نشر مؤسسة الكتب الثقافية بيروت - لبنان - الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م. ١٤ - الفرق بين النصيحة والتعبير. تحقيق السيد / نجم عبد الرحمن خلف - نشر المكتبة القيمة بالقاهرة سنة ١٣٩٩ هـ. ١٥ - شرح علل الترمذي: أ - تحقيق السيد / صبحي جاسم الحميدي - مطبعة العاني ببغداد - عام ١٣٩٦ هـ نشر وزارة الأوقاف بالجمهورية العراقية. ب - بتحقيق ودراسة الأستاذ / الدكتور همام عبد الرحيم سعيد - نشر مكتبة المنار - الأردن - الزرقاء. ١٦ - شرح حديث: "ما ذئبان جائعان". تحقيق وتعليق الدكتور / أسامة محمد عبد العظيم حمزة - دار الفتح بالقاهرة - سنة ١٤٠٤ هـ، سنة ١٩٨٤ م - وقد طبع في لاهور سنة ١٣٢٠ هـ. وفي مصر مع جامع بيان العلم وفضله بالمطبعة المنيرية. ١٧ - "أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور" طبع في أم القرى بمكة المكرمة ١٣٥٧ هـ. ١٨ - مورد الظمآن إلى معرفة فضائل القرآن بتحقيق الأستاذ يسري عبد الغني البشري، نشر مكتبة القرآن بالقاهرة ١٩٩٠ م. ومن المخطوط: ١ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري وصل فيه إلى كتاب الجنائز، مخطوط بدار

стр. 7

الكتب المصرية ٣٨٩ حديث تيمور (١)، وقطعة منه في المكتبة الظاهرية بدمشق ٣٧٧ من ٥٠ - ٢٥٠. (٢). ٢ - شرح جامع الترمذي (٣) وتوجد منه قطعة تقع في عشر ورقات بالظاهرية. ٣ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال (٤). ٤ - شرح حديث: "إن أغبط أوليائي عندي … ". ٥ - شرح حديث: "يتبع الميت ثلاث". ٦ - صدقة السر وفضلها. ٧ - مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم والسارق. ٨ - ذم الخمر وشاربها وهي كلها في مكتبة الفاتح باستنبول رقم ٥٣١٨. ٩ - نزهة الأسماع في مسألة السماع مخطوط بدار الكتب المصرية (٥). ١٠ - "ذم قسوة القلب" - شهيد علي باستنبول رقم ٥٤٣. (٦). ١١ - "وقعة بدر". ١٢ - "الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأيمان". ١٣ - شرح حديث: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما". والظاهرة الواضحة في آثاره هي العناية بالجانب الحديثي وما يتصل به من علوم والناظر في كتبه يلمس صدق ما قاله فيه ابن حجر: "وقد مهر في فنون الحديث: أسماء ورجالًا، وعللًا وطرقًا، واطلاعًا على معانيه". فهو في كتبه التاريخية كذيل طبقات الحنابلة لا ينسى أن يعطي القارئ صورة عن مدى صلة المترجم بالحديث وعلومه؛ فتارة يروي ما وقع له عاليًا من طريق المترجم. _________ (١) كما ذكر الدكتور همام عبد الرحيم سعيد في دراسته لآثار ابن رجب راجع تحقيقه لشرح علل الترمذي ١/ ٢٦٦. وقد طبع أخيرًا طبعتين محققتين. (٢) كما ذكر السيد صبحي جاسم الحميد في مقدمة تحقيقه ودراسته لشرح العلل الترمذي ص ٧. (٣) كما ذكر ابن رجب في شرحه لحديث "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" ص ٥،٦ فقد خرج الحديث وذكر طرقه، ورواته من الصحابة ثم قال: وقد ذكرتها كلها والكلام عليها في كتاب شرح الترمذي … إلخ، وأورد ذلك عنه المباركفوري في مقدمته لتحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي ص ١٨٦. (٤) كما ذكر ذلك الدكتور همام في الموضع الآنف. (٥) وقد طبع أخيرًا بالرياض بتحقيق أم عبد الله بنت محروس العسيلي. (٦) راجع شرح علل الترمذي بتحقيق الأستاذ الدكتور همام عبد الرحيم سعيد في هذا وفيما قبله.

стр. 8

كما روى حديث أبي هريرة: "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمن وجَنَّةُ الكَافِرِ" (١) في ترجمة أبي علي البناء ١/ ٤٥. وتارة ينقل آراء المترجَم في تفضيل بعض كتب السنة على بعض كما ذكر في ترجمة عبد الله الأنصاري رأيه في تفضيل الترمذي على الصحيحين حيث قال: "إن كتاب البخاري ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبينها وفصلها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس: الفقهاء، والمحدثين، وغيرهم". * * * _________ (١) رواه مسلم في صحيحه ٥٣ - كتاب الزهد والرقاق ٤/ ٢٢٧٢ ح ١ - (٢٩٥٦). وأحمد في المسند ٢/ ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٨٥. والترمذي في جامعه: ٣٧ - كتاب الزهد: ١٦ - باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ٤/ ٥٦٢ ح ٢٣٢٤ وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وهذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣ - باب مثل الدنيا ٢/ ١٣٧٨ ح ٤١١٣. والبغوي في شرح السنة ١٤/ ٢٩٧ ح ٤١٠٥. وابن حبان في صحيحه ٢/ ٣٨ ح ٦٨٦، ٦٨٧ وعنون للأول بقوله: ذكر البيان بأن الله جل وعلا جعل الدنيا سجنًا لمن أطاعه، ومخرقًا لمن عصاه. وعنون للثاني بقوله: ذكر البيان بأن الدنيا إنما جعلت سجنًا للمسلمين ليستوفوا بترك ما يشتهون في الدنيا من الجنان في العقبى. كلهم من حديث أبي هريرة. وانظر المجمع ١٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩.

стр. 9

منْهج ابْن رَجَبْ في "جَامِع العُلوُمِ وَالحِكَمِ" قدم ابن رجب لكتابه فتحدث عن معنى جوامع الكلم، والعنوان الذي وضعه لكتابه، ومن ألف في جوامع الكلم، ثم تحدث عن تدرج عدة الأحاديث الجامعة في كتابه هذا منذ الخطابي .. إلى النووي .. إلى أن أتمها ابن رجب خمسين حديثًا. ثم تحدث عن منهجه في الكتاب، فقال: "قد أعلمتك أنه ليس غرضي في غير شرح معاني كلمات النبي ﷺ الجوامع، وما تتضمنه من الآداب والحكم والمعارف والأحكام والشرائع، وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده، ليُعلَمَ بذلك صحته وقوته وضعفه، وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ (النووي) وإن لم يكن في الباب غيره، أو لم يكن يصح فيه غيره - نبهت على ذلك كله". وقد وفى "ابن رجب" بما التزم به في المنهج إلى مدى بعيد، وفي ضوء ما سنحدث عنه، ولعل هذا يلقي لنا مزيدًا من الضوء على الجانب الحديثي عند الرجل. وسيرى القارئ مع كل حديث من الشرح والتوضيح، ومن النصوص والآثار، ما يدل على سعة اطلاعه، وغزارة مادته. هذا فضلا عما سيقف عليه من مصادر الأحاديث ودرجتها من الصحة أو الضعف، ودرجة رواتها من العدالة والضبط؛ حتي يكون على بينة من أمر دينه، ويسير في حياته على هدى وعلى بصيرة. * * * ملحوظات على ابن رجب: ومع هذا وذاك فإن القارئ للكتاب سوف يلحظ ملاحظ شتى، منها: ١ - أنه سوف يحس أنه أمام ناصح أمين؛ يرى أن إبلاغ الحقيقة، ونشر العلم: أمانة دينية، ومسئولية كبرى؛ فهو يورد في شرح حديث النصيحة أن من النصيحة لله الإيمانَ بكتابه، وتدُّبرَ آياته، والدعاءَ إليه، وذبَّ تحريفِ الغالين، وطعنِ الملحدين عنه. ومن النصيحة لرسوله: إحياءَ سنته، واستنشارَ علومها ونشرها. ومن النصيحة لأئمة المسلمين: معاونَتَهُم على الحق، وطاعتَهُم فيه، وتذكيرَهم به، وتنبيهَهُم في رفق

стр. 10

ولطف. ومن النصيحة لعامة المسلمين: إرشادَهُم إلى مصالحهم، وتعليمَهُم أمورَ دينهم ودنياهم، وستْرَ عوراتهم، وسدَّ خلَّاتِهم، ونُصْرَتهم على أعدائهم، والذبَّ عنهم … إلخ. وما أحسَب إلا أن كتابه هذا تعبير عملي عن قيامه بواجب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. * * * ٢ - ومن هذه الملاحظ أن غرض المؤلف من شرحه ليس مجرد إظهار العلم أو التعالم، إنما هو ابتغاء إصلاح العقيدة، وتقويم السلوك؛ فلا يلجأ في الوعظ إلى زخرف القول، ولا إلى أسلوب القُصَّاص، وإنما يعتمد على الحقائق الموضوعية، والنصوص الصحيحة، ويكامل بين جوانب الموضوع وعناصره، ويزيل ضبابَ الوهم والخرافة، ويسفِرُ عن وجه الحقيقة، ويربِطُ بين الدين والحياة. ٣ - وابن رجب يورد في أواخر شروح الحديث طائفة مناسبة من أقوال عقلاء الصوفية، وحكماء الزهاد؛ تناسب مضمون الحديث. وتصل بصدقها وبلاغتها إلى أعماق النفوس. ٤ - ويوفي موضوع الحديث، فإن كان في اللغة أفاض فيه، وإن كان في الفقه عقد مقارنة بين المذاهب، وإن كان متعلقًا بالطب أورد من أقوال أطباء عصره ما يوضح المعنى، ويكشف عن كنه الحديث. ٥ - قد يقول: روى مسلم في صحيحه كذا .. ويسوق الحديث - فليس معنى هذا دائما أنه يلتزم إيراد الحديث بلفظه؛ بل قد يريد إيراده بمعناه، وسيتبين ذلك للقارئ من تعليقاتي على الأحاديث، ويكون معنى ذلك أن أصل الحديث عند مسلم. ٦ - قد يقول كذلك: قال الخطابي: ثم يسوق قوله .. وليس معنى هذا أيضًا أنه يسوق قوله كما هو، بل قد يختصره، كما سيتبين ذلك في شرح حديث النصيحة. * * *

стр. 11

مَع ابْن رَجَبٍ في تخريج الحَدِيثِ استطاع ابن رجب أن يعطينا بين دفتي هذا الكتاب تراثا علميا ضخمًا، وثروة حديثية طائلة. ولقد رأيناه في تخريج الحديث وما يتعلق ببيان درجته، وضبط رواته وعدالة نقلته، كالملاح الماهر يغوص في محيط المصنفات الحديثية، ويمخر عباب فن الجرح والتعديل، فيستخرج ما يتعلق بالحديث وإسناده من لآلئ ودرر حتى يقف بالقارئ عند مرفأ الحقيقة؛ حيث يستروح الوجدان برد الطمأنينة، ويستمتع العقل بثلج اليقين. * * * وابن رجب بما منحه الله من موهبة نادرة، وبما اكتسب من ثقافة حديثية واسعة يرتاد هذا المجال عن تمكن واقتدار. لكن هل أبرز ابن رجب في كتابه هذا كل ما لديه من خبرة ومن معرفة؟ ثم ما هو الطابع العام له في تخريج هذه الأحاديث الخمسين وما حشد معها من أحاديث وآثار؟ والجواب المنصف عن هذا لا يستبين إلا بالتحليل الدقيق لهذه الأمور التالية، وموقف ابن رجب منها: ١ - تتبع مصادر الحديث لدى من أخرجه في مصنفه. ٢ - عزو الحديث إلى هذه المصادر، ونسبته إلى راويه. ٣ - النص عند كل حديث على درجته، ووقف القارئ على ضعفه أو قوته. ١ - تتبع مصادر الحديث: في هذه الناحية لم يعن ابن رجب بالنص على مصادر الحديث كلها، فهو عندما يورد حديثًا ما، ويقول مثلا: خرجه "البخاري ومسلم" أو أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، يكون مراده الإشارة إلى مصادر للحديث قد تكون هي المصادر الوحيدة، وقد لا تكون، حيث يُروَى الحديث في مصادر أخرى سواها. ونستطيع أن نقول، إن ابن رجب لا يجهد نفسه في تخريج الحديث، وتتبع مصادره، أو لا يهتم بالنص على هذه المواضع، وحسبه أن يذكر بعض هذه المصادر، بالقدر الذي يطمئن القارئ إلى أن للحديث أصلا صحيحًا. ونذكر على سبيل المثال: الحديثَ الذي أورده من رواية أبي موسى الأشعري رضي

стр. 12

الله عنه عن النبي ﷺ من قوله: "مَنْ قَاتَلَ لتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيل الله". وهو حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم. وقد أورده ابن رجب في شرحه للحديث الأول. ومع هذا فقد اقتصر ابن رجب على ذكر الصحيحين كمصدرين للحديث. وعامة تخريج ابن رجب -هنا- على هذا النسق .. ! ولم أشأ أن أزيد في تخريج الحديث مصدرًا عما ذكر ابن رجب. ولقد كان ذلك ميسورًا في كثير من الأحاديث. غير أنني اكتفيت -فيما عدا ما دعت إليه الضرورة- بتحقيق وجود الحديث في المصدر الذي عزا إليه، وذلك بتتبع نطاق الحديث فيه حينا، واستقراء المرجع كله أحيانًا.! ذلك أن ابن رجب لا يريح من يعمل معه، ولا يكفيه مؤنة البحث، فهو يكتفي بعزو الحديث إلى كتاب أو كتب من مصنفات الحديث، فيقول مثلا: "في صحيح البخاري" أو في "مسند أحمد" أو في "معجم الطبراني" حديث كذا. وتمام الفائدة من هذه الإشارة لا يكون إلا بتحديد الكتاب، والباب والجزء والصحيفة التي يوجد بها الحديث، وهل هو في المصدر الذي يشير إليه أو أنه ليس بهذا المصدر؟ وإذا كان بالمصدر المشار إليه فهل هو من رواية الصحابي الذي عزا إليه المؤلف أو من رواية غيره؟ وإذا كانت النسبة إلى المصدر والراوي صحيحة فهل ما نقله المؤلف بلفظه ومعناه أو بمعناه فقط؟ وتحديد وجود الحديث في المصدر المشار إليه -بالمقارنة والملاحظة- هو ما يقفنا على وجه الحق في ذلك كله. ومن هنا كان ذلك أمرا واجبا وجوب النص على درجة الحديث ذاتها! فقد يصحح هذا التحقيق خطأ وقع فيه مؤلف الكتاب أو ناسخه أو مؤلفه أو أولئك جميعًا كما حدث في هذا الكتاب: أخطأ ابن رجب في عزو حديث لصحيح مسلم بينما الحديث في صحيح ابن حبان! وقد تبين هذا من مراجعة صحيح ابن حبان وصحيح مسلم من جهة، ومن كلام ابن رجب نفسه عن الحديث في موطن آخر من جهة أخرى. وانظر في هذا ما أورده ابن رجب في الحديث الثاني وما علقنا به على هذه المسألة.

стр. 13

وأخطأ ابن رجب في نسبة حديث لمسند أحمد من رواية العرباض بن سارية. والحديث ليس في مسند أحمد من رواية العرباض، وإنما هو فيه من رواية النواس بن سمعان، وتأكد هذا برواية الترمذي، والنسائي وغيرهما للحديث وبمراجعة مسند أحمد في مسندي النواس والعرباض كليهما، كما بينا ذلك في موضعه. وأخطأ ابن رجب حين أدمج حديثين في حديث، ووصل بينهما بكلمة من عنده، واعتبرهما بهذه الإضافة حديثًا واحدًا مرويًّا عن النبي ﷺ في صحيح الحاكم!؟ والحاكم لم يروه حديثًا واحدًا، ولا روى هذه اللفظة المقحمة، وإنما رواهما حديثين بإسنادين مختلفين. راجع شرح الحديث الثاني من هذا الجزء، وما علقنا به على هذه المسألة. ولقد توارد على هذه الأخطاء جميعها ناسخو الكتاب وناشروه من النسخة التي عرضت على المؤلف، وأقرها، وكتب بخطه عليها حتى الطبعة التي صدرت بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ﵀. وقد اكتفيت بتحقيق المصادر التي نص عليها ابن رجب؛ لهذا، ولئلا أخرج بالكتاب عن الإطار الذي أراده له مؤلفه، ولا عن الحجم الذي أريد له في إخراجه. ٢ - نسبة الحديث إلى راويه وإلى مصدره: لم يكن لابن رجب في هذا منهج ملتزم، ولا سَنَن متبع؛ فهو تارة ينسب الحديث إلى راويه من الصحابة، وإلى من خرجه من المحدثين، وتارة يقتصر على ذكر الراوي فتط كقوله في هذا الجزء ص: (١٧٤ - ١٧٥). "وفي حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: أوَّل مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وهو حديث مذكور في كثير من المصادر كجامع الترمذي، وسنن أبي داود، ومسند الطيالسي. بيد أن ابن رجب لم يذكر من مصادر الحديث شيئًا. وقد لا يذكر الراوي ولا المرجع كقوله ص (١٨٩) من هذا الجزء: وأما المعاملات كالعقود .. فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية كجعل عقوبة الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فإنه مردود؛ ويدل لهذا أن النبي ﷺ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على فلان فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي ﷺ -

стр. 14

"الْمائَة شَاةٍ وَالخْادِم رَدٌّ علَيكَ، وَعلَى ابْنِكَ مَائةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ". وهو حديث متفق عليه من رواية أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني كما ذكرنا في موضعه، ولكن هكذا ساقه ابن رجب!! وإذا كان الحديث في الصورة التي يذكر فيها الراوي والمرجع محتاجا في تحقيقه إلى الجهد الكبير الذي أشرنا إليه، فكيف به في مثل هاتين الصورتين؟! وما أعتقد أن هذا أمر يمكن قبوله أو تحمله من محدث كابن رجب؛ مقتدر على البيان في موضع حاجتنا إليه، مستبحر في علم الحديث بنوعيه: الرواية والدراية! * * * ٣ - النص على درجة الحديث: في هذه المسألة نجد لابن رجب موقفين: الأول: خاص بالأحاديث الرئيسة في الكتاب، وهي الخمسون. والثاني: خاص بالأحاديث الفرعية، وهي ما عدا ذلك. فنحن نراه في النوع الأول لا يألو فيه جهدًا، ولا يخبأ فيه علما، ولا يستطرد إلى قول لا حاجة بالحديث إليه. * * * وإذا كان النووي يكتفي عقب كل حديث أورده بمثل قوله: "أخرجه البخاري ومسلم" أو "أخرجه الترمذي" فابن رجب لا يكتفي بما ذكره النووي، وإنما يتتبع طرق الحديث في المصنفات الحديثية الأخرى، ويورد صيغه عن هذه المصنفات برواية الصحابي الذي ذكره النووي، ثم براوية غيره من الصحابة إن كان للحديث روايات أخرى؛ لما في ذلك من الفوائد الجليلة. ومثال ذلك ما صنع في الحديث الثاني الذي قال فيه النووي: "رواه مسلم" فقد ذكر ابن رجب عقب هذا أن مسلمًا تفرد به عن البخاري من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر .. ثم تتبع طرقه، ووجوهه الأخرى في صحيح مسلم، والبخاري وابن حبان، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، ومسندى البزار، وابن مردويه، وسنن الترمذي .. وهو في هذا كله يقارن، ويحلل، ويستنبط، ويذكر أوجه الخلاف والاتفاق بين هذه الروايات، وما يمكن أن

стр. 15

يستفاد منها، مبينا الصحيح منها وغير الصحيح، ونحو ذلك. وقد استغرق ذلك من صحيفة ٩٧ إلى ١٠٤. * * * وابن رجب مولع بتفصيل ما أجمله النووي: ففي الحديث التاسع: ص ٢٥١ "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوه … " قال النووي: "رواه البخاري ومسلم". وقال ابن رجب: هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة. وخرجاه من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ إِنَّمَا أَهْلَكَ منْ كَانَ قَبْلكُمْ سُؤَالُهُمْ واخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهمْ فإِذَا نَهيْتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُم". وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه. وفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث .. إلخ .. وساق الرواية، ثم سار في التتبع كما سار في الأحاديث الأخرى. * * * وهو حريص على بيان أصح الروايات في الطرق التي يوردها، كما يفعل الترمذي في كثير من أحاديث جامعه: ففي الحديث السادس: يذكر حديث النعمان بن بشير: "الْحَلالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّن .. " ويعقب على قول النووي: "رواه البخاري ومسلم" بقوله: "هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي، عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص. والمعنى واحد أو متقارب. وقد روى عن النبي ﷺ حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس. وحديث النعمان أصح أحاديث الباب". وهو -وإن كان ينحو منحى الترمذي في هذا: إلا أنه ينقل منه، ولا يعتمد عليه ولئن كان هذا هو ما اشتهر عن منهج الترمذي في جامعه فإنه لم يزد في التعقيب على

стр. 16

هذا الحديث أن قال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير". * * * وقد كشف ابن رجب في مواطن كثيرة عن السرِّ في انفراد البخاري بهذا الحديث أو ذاك، أو انفراد مسلم برواية حديث آخر دون البخاري. ففي الحديث السادس عشر المروي عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رجلا قال للنبي ﷺ : أَوْصِني. قَالَ: "لا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: "لا تَغْضَبْ". قال النووي: رواه البخاري. وقال ابن رجب: هذا الحديث خرجه البخاري من طريق أبي الحصين الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة .. ثم قال: ولم يخرجه مسلم؛ لأن الأعمش رواه عن أبي صالح. واختلف عليه في إسناده .. إلخ وفي الحديث السابع عشر، المروي عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كلِّ شيء؛ فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ". قال النووي: "رواه مسلم". وقال ابن رجب: "هذا الحديث خرجه مسلم دون البخاري من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس". وتركه البخاري؛ لأنه لم يخرج في صحيحه لأبي الأشعث شيئًا. * * * وقد أبان ابن رجب عن علة ضعف بعض الروايات التي يتابع بها الحديث الأصلي كالرواية التي ذكرها عن سفيان بن عيينة: أن حديث "أمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلَّا الله … " كان في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة. فقد قال ابن رجب: هذا ضعيف جدًّا، وفي صحته عن سفيان نظر؛ فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول الله ﷺ في المدينة، وبعضهم تأخر إسلامه. ثم قوله: "عَصَمُوا مِنِّي دمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ" يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورًا

стр. 17

بالقتال، وبقتل من أبى الإسلام. وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة .. إلى آخر ما ذكر ابن رجب في هذا التعليل. أما في الأحاديث الفرعية فإن "ابن رجب" لم يكن معها بهذه القوة، ولا أبان لنا في بعض الأحاديث ما يجب أن يبينه، ولم يكن له في تخريجها منهج ملتزم، فتارة كان يخرج الحديث ويبين درجته، وتارة أخرى كان يهمل البيان مع شدة الحاجة إلى هذا البيان!!. والحديث الذي يساق إلى القراء والباحثين دون أن تذكر معه درجته ومرجعه: حديث لا يجمل الاعتماد عليه، ولا الاطمئنان إليه، وقد ينظمه المؤلف في سياق يوهم أنه صحيح، فيؤسس عليه قاعدة كلية، أو يستدل به لقضية جزئية، وهو لا يصلح لهذا ولا لذاك؛ لأنه في ذاته غير صحيح. وحين لا تتوفر للمؤلف براهين الصحة أو الضعف في حديث ما، أو حين تتعارض هذه الأدلة أمامه، فيؤثر التوقف يكون له مندوحة في عدم البيان. أما حين تتوفر الأدلة، وينتفي التعارض، أو حين ينص المصنف لمرجع ينقل عنه على درجة الحديث سيما في حالة الضعف والوهاء فما أعتقد أن عدم النص في مثل هذه الحال مما يتفق مع واجب الأمانة في النقل، أو بذل النصيحة في العلم. وابن رجب حين يتصدى لبيان درجة الحديث والحكم عليه يبين بما عهد عنده من طول الباع، وغزارة المادة!. وما أكثر ما تراه يقول فيما أورد من أحاديث: "خرج الإمام أحمد بإسناد صحيح" أو "أخرج الطبراني بإسناد فيه نظر" أو "بإسناد ضعيف" أو "بإسناد جيد" أو "خرج ابن عبد البر في التمهيد بإسناد فيه نظر". إلى غير ذلك من التعبيرات الاصطلاحية، وقد يستطرد فيعلل القول الذي يحكم به على الحديث. لهذا وذاك طال عجبي من أنه لم يبين درجة بعض الأحاديث التي أوردها مع وجوب بيان تلك الدرجة، سيما عندما يُنَصُّ عليها في المصنَّف الذي ينقل عنه الحديث، أو عندما يكون الحديث في ذاته ضعيفًا!!. في ص ٧٨ يقول ابن رجب:

стр. 18

خرج الترمذي من حديث كعب بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ طَلَبَ الْعلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهاءَ، أو يُجَارِي بِه الْعُلَمَاءَ" .. الحديث. وإذا رجعنا إلى الترمذي الذي خرج منه الحديث ألفيناه يعقب عليه بما يدل على أنه ضعيف وذلك قوله: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وإسحاق بن يحيى -أحد رواة الحديث- ليس بذلك القوي عندهم، تكلم فيه من قبل حفظه. ولم يشر ابن رجب إلى ضعف الحديث ولا نقل عبارة الترمذي. وفي ص ١١٥ نقل عن ابن ماجه حديثا من رواية عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يَا عَدِيُّ! أَسْلِم تَسْلَمْ". قُلْتُ: وَمَا الإسْلَامُ؟ قَالَ: "أن تَشْهدَ أنْ لا إلَه إلَّا الله، وَتُؤْمِنَ بِالأَقدَار كُلّهَا" الحديث. ورتب ابن رجب عليه قضية عامة حين قال عقبه: فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام. مع أن الحديث ضعيف كما ذكر صاحب الزوائد. وفي ص ١٤٦ أورد عن ابن ماجه حديث ابن عباس مرفوعًا: "أراكم ستشرِّفون مساجدَكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بِيَعَها". ولم يبين درجته. وقد ذكر صاحب الزوائد أن إسناده ضعيف؛ لضعف أحد رواته واتهامه بالكذب. إلى غير هذا وذاك من الأحاديث التي سوف نستدرك في تعليقاتنا عليها ما فات ابن رجب من وقف القارئ على مدى صحتها أو ضعفها. * * *

стр. 19

طَبَعَاتُ الكِتَابِ وقد طبع الكتاب في الهند في بلدة "أمر تسر" دون أن تذكر النسخة التي طبع عنها ولا السنة التي طبع فيها. لكن مصححيه: عبد الغني وعبد الواحد الغزنويين قالا في آخر الكتاب: "ولما لم يتيسر لنا نسخة صحيحة، فالمرجو من الناظرين أن يعذرونا في العثرات ويرحم الله من عفا عن الخطأ والخطل، وسدَّ ما رأى من الخلل، ولنعم ما قيل: إن تحد عيبًا فسُدَّ الخللا … جلَّ من لا عيب فيه وعلا ثم طبع -عن هذه الطبعة- في مصر عام ١٣٤٦ هـ بمطبعة مصطفى البابي الحلبي، وهي طبعة تجارية ليس فيها تحقيق لأية لفظة، ولا تصويب لأي خطأ وقع في الطبعة الهندية، وهي في حقيقة أمرها صورة كاملة منها بأوهامها وتحريفاتها، ومن أمثلة ما وقع فيها من التصحيف والتحريف وصوبناه في هذه الطبعة ما يلي: ١ - ص ٤٨ قال النووي، والصواب: قال الزهري. ٢ - ص ٥٠ عن أبىِ سالم الحبشي، والصواب: عن أبي سلام. ٣ - ص ٦٠ طاهر بن مفون، والصواب: ابن مفوز. ٤ - ص ٦٨ زيد الشامي، والصواب: زبيد اليامي. ٥ - ص ٧٩ مرئيات المخلوقين، والصواب: مرآة المخلوقين. ٦ - ص ٩٢ سميط الدوسي، والصواب: سميط السدوسي. ٧ - ص ١٠٢ فهو متهم من الإسلام يتركه، والصواب: فهو سهم من الإسلام يدعه. ٨ - ص ١٢٣ عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. والصواب: عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا الْمؤمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيثُمَا قِيدَ انْقَادَ". وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ٩ - ص ١٣٦ مالك بن مغفل، والصواب: مالك بن مغول. ١٠ - ص ١٤٣ بل همته في حياة المال، والصواب: في جباية المال. ١١ - ص ١٦٣ ولم يوجد في إسقاط ذكر، ثم قيل ثلاثين ولا لأنثى، والصواب: ولم يوجد في الإسقاط ذَكَرٌ تم قبل ثلاثين يوما ولا أنثى …

стр. 20

١٢ - ص ١٧٦ رواه مسلم بن كهيل، والصواب: سلمة بن كهيل. ١٣ - ص ١٩٣ عبيد الله بن الحسن البصري، والصواب العنبري. ١٤ - ص ٢١١ الذي تباح معه الزوجة بدون زوج بعقد جديد وإصابة وبينِ تحريم الطلاق الثلات الذي لا تباح معه وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله، والصواب: الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد بين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه الزوجة بدون زوج وإصابة وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله. ١٥ - ص ٢١٢ فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة؛ لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس واتبع حكم الله أحدهما. والصواب: واتبع علمه في ذلك وأما من لم يعلم حكم الله فيها فهم قسمان أحدهما .. ١٦ - ص ٢١٩ المشابهة: والصواب، المثابة. ١٧ - ص ٢٨٤ "يبنونه"، والصواب: ينسبونه. ١٨ - ص ٢٨٥ "والزمان" والصواب: والضمان. ثم حقق المرحوم الشيخ أحمد محمد شاكر إلى الحديث الثامن من الكتاب في أربع رسائل انصرفت العناية فيها إلى تحقيق النص مع بعض المباحث الحديثية واللغوية بين الحين والحين. ولم يعط فيها عناية كافية لتخريج الأحاديث. وكان هذا وذاك دافعًا لي إلى وجوب إخراج الكتاب في ثوب جديد بنهج يوازي أصالته، وجهد يساوق أثره وقيمته، سيما بعد وقوفي على نسخه الخطية.

стр. 21

نَسْخ الكِتَابِ ١ - نسخة في مجلد مخطوطة سنة ٨٣٥ هـ بخط أحمد بن عبد اللطيف المكي بها تقطيع وتلويث، وأكل أرضة، وخروم بعد الورقة الأولى إلى أثناء الحديث الثاني، وبعد الورقة الحادية عشرة في الحديث الرابع إلى الحديث السادس عشر، وبعد الورقة الحادية والستين من أثناء الحديث التاسع والعشرين إلى أثناء الحديث الرابع والثلاثين، وبأولها فهرس ناقص وتقع في ١١٦ ورقة ومسطرتها ٢٧ سطرًا، في حجم الربع. وهي مخطوطة بدار الكتب المصرية. قائمة مكتبة طلعت رقم ٧٦٣ حديث وأشرت إليها بالرمز "ط". ٢ - نسخة في مجلد مخطوطة سنة ١٠٠٦ هـ بقلم محب الدين بن صلاح الدين بن عبد الناصر الغرياني … كاملة وليس بها ما بالأولى ومراجعة، وتقع في ٣٦٠ ورقة ومسطرتها ٢١ سطرًا. وهي محفوظة بدار الكتب رقم ٤٢ حديث. وأشرت إليها بالرمز "ب". ٣ - نسخة في مجلد مخطوطة سنة ١٣٢٤ هـ بقلم محمد بن عبد القادر كاملة وجيدة الخط لكنها غير مراجعة، وتقع في ٢٩٢ ورقة، مسطرتها ٢٧ سطرًا، في حجم الثمن. وهي محفوظة بدار الكتب رقم ١٨٢٤ حديث وقف السيد الحسيني وأشرت إليها بالرمز "س". ٤ - نسخة في مجلد مضبوطة بالشكل في ٣٥٧ ورقة مسطرتها ٢١ سطرًا في حجم الثمن ولم يكتب عليها سنة الكتابة ولا اسم الكاتب ولعلها مستنسخة من إحدى النسخ الأصلية. وهي محفوظة بدار الكتب رقم ١٨٨ حديث من وقف خزانة جامع شيخون. وأشرت إلها بالرمز "و". وهذه النسخ وإن كان بعضها مراجعًا إلا أن ببعضها كثيرًا من النقص، وبالبعض الآخر بعضَ الأخطاء، وقد أمكن تلافي النقص بمقابلتها جميعًا، واستكمال الجزء الناقص في نسخة بما يقابله تاما في نسخة أخرى، كما أمكن تلافي كثير من الأخطاء بمقابلة المخطوط بالمصادر الحديثية الأصلية التي نقل عنها ابن رجب وأشار إليها.

стр. 22

وقد اعتمدت عند طبع الجزء الأول على هذه النسخ من مراعاة النسخ الأخرى المطبوعة وهي: ١ - النسخة الهندية وأشرت إليها بالرمز "هـ". ٢ - النسخة المطبوعة بمطبعة الحلبي بمصر وأشرت إليها بالرمز "م" وهي التي أقول عنها أحيانًا: "في المطبوعة". ٣ - الرسائل التي حققها المرحوم الشيخ أحمد شاكر وأشرت إليها بالرمز "ن" وقد طبعت بمطبعة النهضة المصرية. * * * وبعد تمام طبع الجزء الأول أخبرني الأستاذ المرحوم: رشاد عبد المطلب مشكورًا أن بمعهد المخطوطات العربية نسخة مصورة من الهند لم تدرج في الفهارس. وهي مكتوبة في حياة المؤلف وعليها خطه فصورتها. وهي تقع في ٣٨٧ ررقة مسطرتها ١٧ سطرا، كتبت من نسخة المؤلف بخط عبد القادر بن محمد بن علي الحجار الحنبلي مذهبًا، المدني مولدًا. وقد فرغ عن كتابتها في خامس جمادى الأولى سنة ٧٩٠ هـ فعرضها على المؤلف، وقرأها عليه في عدة مجالس استغرقت أسبوعًا، وبعد تمام المقابلة كتب ابن رجب بخطه عليها مقرًا لها، مشيدًا بصحتها، منوها بقدر كاتبها، مجيزًا له روايتها، ذاكرًا أن ذلك كان في ثاني عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة، بدار الحديث السكرية بالقصاعين بدمشق المحروسة ا هـ. وتوجد هذه النسخة الآن بمكتبة "خدا بخش بتنة" بالهند. وسوف تكون بمشيئة الله الأصل الأول لتحقيق بقية الكتاب ويشار إليها بالرمز "أ" وما كان فيها من فروق في الجزء الأول فسوف أستدركها وأثبتها في آخر الكتاب، إن شاء الله. وبعد: فيقتضينا الإنصاف، وتوجب علينا الآداب الإسلامية، وحقوق التربية الروحية، أن نعترف بالفضل لذويه، وأن نقول: إن هذا الكتاب هو الثمرة الأولى لمدرسة حديثة للتخريج والتحقيق يرجع الفضل الأكبر في إنشائها إلى الأستاذ السيد "أحمد صقر" الذىِ انتدب لتدريس علوم الحديث لنا في قسم الدراسات العليا في كلية أصول الدين

стр. 23

بجامعة الأزهر آنذاك. فلقد فتح أبصارنا على المصادر الأصلية للثقافة، وأوجب علينا الرجوع إليها، وأبان لنا عن المنهج الأمثل في التخريج والتحقيق، والعناية بتاريخ الرجال، وعلل الحديث، ونبذ كتب القرون المتأخرة، والرجوع إلى المصادر الأولى التي ألفها العلماء الأعلام في عصور العلم الزاهرة، والتي صرفتنا عنها الكتب المتأخرة فلم نكد نعرف عنها شيئًا. ولفت أنظارنا إلى وجوب قيام شباب العلماء بإحياء كتب التراث الإسلامي النافعة. وأن نشر التراث الإسلامي إن كان فرض كفاية فيما مضى، فهو الآن فرض عين على القادرين في عصرنا هذا الذي فتحت فيه نوافذ الفكر الغربي على مصاريعها حتى تستبين أصالتنا، ونسهم بقيمنا في صنع التقدم، وبناء الحضارة الإنسانية. إنه واجب على العلماء أن يُعْنَوْا به، وأن يبذلوا فيه أقصى ما يستطيعون من جهد ووقت ومال، وإن عليهم أن يذكروا أن ميدان النشر من أهم ميادين الجهاد في سبيل الإسلام. وأنه واجب مفترض؛ قيامًا بحق النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين. ولقد حدثنا ذات يوم عن "ابن رجب" وكشف لنا عن جانبه الحديثي الممتاز وأحضر لنا الجزء الأخير من "شرح ابن رجب لعلل الترمذي" وقرأ لنا الكثير من نصوصه فبهر عقولنا ما فيه من المعلومات النادرة، والفوائد الغريبة والعجيبة التي تدل على تمكن من علوم الحديث، وبصر بمصادره العديدة. ولقد كان لتلك القراءة أثرها البالغ في نفسي، والذي حفزني إلى الاطلاع على مؤلفاته وقراءتها بعين التحقيق والتدقيق. ثم حبب إليَّ أن أتخصص في دراسة "ابن رجب" من الناحية الحديثية، وأن أعنى بنشر كتبه، وتحقيقها، وتخريج أحاديثها؛ لقيمتها العلمية، وأثرها في الحياة؛ فجاء هذا الكتاب أول استجابة عملية لهذا التوجيه. وإني لأشكر له هذه اليد الطولى التي تبدأ -اليوم معنا- جولة جديدة في مجال خدمة السنة، وتحقيق التراث بوزارة الأوقاف. لقد تقرر إنشاء المركز الدولي للسيرة والسنة النبوية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية. وقد وافق سيادته على أن يشرف على قسم السنة النبوية، كما وافق فضيلة الأستاذ الدكتور "محمد الطيب النجار" رئيس جامعة الأزهر السابق، وعضو مجمعي اللغة

стр. 24

العربية والبحوث الإسلامية على أن يتولى الإشراف على قسم السيرة النبوية بالمركز، وعلى أن يرأس مجلس إدارة المركز. وكلا الأستاذين عَلَمٌ في تخصصه ودراسته، باقعة في علمه وثقافته، على الصعيدين: المحلي والدولي. الأمر الذي يغمرنا بالتفاؤل والثقة والطموح، أن يؤدي هذا المركز دوره بجهودهما، وجهود من سيعمل معهما من العلماء والخبراء، محليًّا، ودوليًّا في خدمة السيرة والسنة بما يسهم في تجلية حقائق الإسلام: عقيدة وشريعة، وخلقًا وسلوكًا، وبما يثري حقل التنمية في المجتمعات الإسلامية بِرِئَتَيْها: الروحية والمادية، وبما يهدي إلى النهج الأقوم في صياغة الإنسان السوي الذي يحسن استثمار مواهبه وطاقاته في الإفادة بما سخر الله له في السماوات وفي الأرض. * * * إن السنة هي المفسرة لأعظم كتاب يهدي للتي هي أقوم في العقيدة والتشريع والأخلاق والسلوك. وإن سيرة الرسول ﷺ هي الكتاب الوحيد الذي نقرأ فيه التطبيق العملي، والذي نرى فيه الصورة المثلى للأسوة الحسنة لأكمل إنسان صاغه توجيه القرآن، وصنعه الله على عينه، وجمع فيه كمال الأنبياء من قبله، ثم أمرنا بالائتمار بأمره، والائتساء بهديه بمد أن أمره -هو- أن يقتدي بنوح وإبراهيم وداود وسليمان وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم حتى يكون هو خلاصة المخلَصِين، وصفوة المصطَفْين، وحتى يستبين لنا لِمَ أمرنا أن يكون لنا فيه ﷺ الأسوة الحسنة، ولِمَ أخذ العهد على كل نبي ورسول لئن بعث في زمن أيٍّ منهم ليؤمنن به ولينصرنه، ولِمَ ينبغي أن نهتم -دومًا- بسنة النبي ﷺ وسيرته، أو بالمنهج الإسلامي وتطبيقه كأساس لتربية الفرد، وتنمية المجتمع، وتكوين خير أمة أخرجت للناس. * * * وعسى أن يوفق الله مركز السيرة والسنة في مصر -في أن يستوعب ما أمكنه الاستيعاب مصادر السيرة والسنة، القديم منها والحديث، المخطوط منها والمطبوع، المحقَّق منها وغير المحقَّق، ليبدأ -بفريقي العمل في المحيطين- جهادًا لا يعرف الكلل، ونشاطا لا يدركه الملل، وتعاونا مع مراكز السيرة والسنة في العالم الإسلامي مشرقه، ومغربه، ثم لعل الله أن يوفق الجميع في عمل موسوعي للسيرة والسنة، ينفي عنهما

стр. 25

الزائف والدخيل، ويقدم للناس الرائق والأصيل، بما يوائم كل مستوى، وبما يواجه كل اتجاه، ويما ينفي عن الإسلام تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين. وعمل كهذا سيكون له أبعد الآثار، في بعث الصحوة الكبرى في حياة المسلمين إيمانيًّا وحضاريًّا، علميًّا وثقافيًا، عسكريًّا واقتصاديًّا، سياسيًّا واجتماعيًّا. * * * وإذًا فلم يَكُ محض مصادفة أن يدعو سيادة الرئيس محمد حسني مبارك المؤتمر الرابع للسيرة والسنة الذي انعقد بمباركة الدولة وعونها في رحاب الأزهر وجامعته -إلى أن يتعاون علماء العالم الإسلامي في إخراج عمل موسوعي للسيرة والسنة يكون هو الأساس العلمي لما يؤمن المسلمون بوجوب أخذ أنفسهم بنهجه في العقيدة والتشريع وفي الأخلاق والسلوك. * * * إن إنجاز هذا العمل سوف يكون له -بإذن الله- أعمق الأثر وأطيبه في نفواس المسلمين وحياتهم: حكامًا ومحكومين، رؤساء ومرءوسين، سيما من آمنوا به، ودَعَوْا له، ونَدَبُوا إليه. * * * إن إنجاز هذا العمل واستحثاث الخطى له، واستنهاض الهمم نحوه، سوف يكون دافعًا أيَّ دافع للتقدم والنهوض، وسوف يكون مانعًا أي مانع من التخلف والجمود، وهو حين يواجه الحياة بروح الوحي الذي ينبغي أن يسري في كيانها، وحين يجابه الفكر المادي المعاصر باستقامة المنهج، وقوة الحجة، وكمال المثل؛ فسوف يكون نعم التعبير عما يشير إليه قوله ﷺ : "الدين النصيحة" قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله والأئمة المسلمين وعامتهم" (١). ولما يوحى به قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). _________ (١) هو الحديث السابع في هذا الكتاب. (٢) سورة الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣.

стр. 26

وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (١). * * * فليكن إخراج هذا الكتاب الجامع للعلم والحكمة، من نبع الوحي، ومَعين السنة تحية القدوم للمركز الدولىِ للسيرة والسنة بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بالقاهرة. * * * وليكن هذا المركز -بدوره تحية مباركة للعالم الإسلامي، وخطوة طيبة تصافح بها مصر كلَّ يد تبني في صرح الإسلام ركنًا، وتوحد صفا، وتُعلي بناء، وترفع منارًا، وتحقق للمسلمين أملا، وتُنجز لهم عملا، وتضاعف لهم قوة، وتُثْري لهم حضارة، وتطوِّر لهم أداء، وتُسمِع لهم كلمة، وتفرض لهم مكانة!!. ثم أما بعد: فلقد طبع أول جزء من هذا الكتاب محققًا لأول مرة حيث أصدرته لجنة إحياء التراث الإسلامي بالأهرام الغراء مع ذكرى غزوة بدر من عام ١٣٨٩ هـ الموافق السابع والعشرين من نوفمبر عام ١٩٦٩ م ثم طبع الجزء الثاني بمطابع الأهرام كذلك في العام نفسه تم طبع الجزء الثالث بدار إحياء الكتب العربية بالقاهرة في غرة المحرم ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م ثم توقف عملنا في التحقيق لمهام علمية خارج مصر بجامعات أم درمان الإسلامية، والكويت، ثم لأعمال إدارية وعلمية داخل مصر عقب الأوبة من تلك الإعارات، كانت تسمح -فقط- ببعض الجهود مع الكتاب بين الحين والحين، حيث كانت تأخذ خطاها نحو التكامل رويدًا رويدًا. وها نحن أولاء نبدأ بعون الله جولة أخرى مع هذا الكتاب، حيث نقدم جزأه الأول (٢) في طبعته الثانية منقحة ومزيدة آملين أن يتوالى نشر أجزاء الكتاب لتتكامل في خمسة أجزاء إن شاء الله؛ حيث يكون مع الجزء الأخير منها: الفهارس التفصيلية، مع الاستدراكات والتصويبات، والتعقيبات التي قد تمس الحاجة إليها. * * * _________ (١) سورة العصر: آية ١ - ٣. (٢) حيث كان الجزء يصدر بشرح عشرة أحاديث.

стр. 27

وَفَاءُ وَاجُب وبين يدي القارئ العزيز صورة من صور التقدير الكريم، والغبطة الباهرة، والأخوة الكبيرة. كان المقدم للكتاب في طبعته الأولى وزيرًا للأوقاف وشئون الأزهر بينما كان المحقق للكتاب معيدًا بقسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين جامعة الأزهر حصل يومها وقبل عام من تحقيق الكتاب على درجة التخصص (الماجستير) في الحديث وعلومه، وأخذ يعد العدة للعالمية (الدكتوراه). واقترح الأستاذ "السيد أحمد صقر" بغبطة الأب وثقة الأستاذ على الأستاذ الدكتور (عبد العزيز كامل) أن يقدم الكتاب إن رأى فيه ما يستأهل تقديمه. وتهلل الدكتور الوزير لتقديم العمل وهو الأستاذ الجامعي، واحتفى بالكتاب ومؤلفه ومحققه احتفاءًا برز فيه تخصصه الجامعي بقدر ما برز فيه حسه العلمي، وروحه الديني، بيد أنه كان تقديمًا فريدًا؟!. لم يكن تقديمًا تقليديًّا، لا! ولم يكن تقديم مجاملة يعبر به عن واجب عُلْقة وطيدة لصديقه الحميم الأستاذ "السيد صقر" ومدرسته في التخريج والتحقيق، وإنما كان التقديم أسوة حسنه في التقديم وفي التقدير، وفي التعبير عن العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الأجيال خاصة بين أستاذ وزير لوزارتين وبين معيد يدرج بين مرحلتيه قبل أن يأخذ طريقه بين هيئة التدريس بالجامعة. لقد كان تقديم الأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف وشئون الأزهر -حينئذ- دراسة، كما كان درسًا، كما كان قيمة أدبية وعلمية استأهل منا اليوم أن يكون هذا التقديم له بعض ما يجب نحوه من وفاء، فما كان أحد يتوقع أن يأخذ هذا الكتاب طريقه من وزارة الأوقاف مرتين: مرة مقدمًا، والأخرى محققًا في طبعته الثانية. وها نحن أولاء نزجي هذه الدراسة العلمية للكتاب، وهذا التقديم التقديري للتحقيق، تقديرًا للروح العلمية التي سطرته، والمشاعر الكريمة التي صاغته، ثم نهديه للقارئ الكريم تقديمًا لمثل، واعتزازا بعمل. والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير. القاهرة في: غرة رجب ١٤٠٦ هـ -١٢ مارس ١٩٨٦ م الدكتور محمَّد الأحْمدي أبُو النُّور وَزِير الأوقافِ سَابقًا

стр. 28

تقديم الكتاب والتَحقِيق بقلم الدكتور/ عَبْد العَزيز كامِلْ وَزير الأوقافُ وَشئون الأزهر سَابقًا ١ - نموذج للتواصل الحضاري: " جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ نموذج معبر عن روح الحضارة الإسلامية، بما تحمل من قيم، نحن أحوج ما نكون إليها في تطورنا المعاصر. يبدأ الكتاب من بذور كريمة تلقى في أرض الإسلام، وتتعهدها الأيدي المؤمنة حفظًا ورعاية، فتصبح شجرات طيبة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. هذه البذور باقة مختارة من "جوامع الكلم" من أحاديث الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، تجمع بينها ميزة مشتركة: أنها تضم المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، وهي مما اختص الله به رسوله. ويقص ابن رجب قصة التعاون العلمي المبذول في هذا المجال: ما جاء به الخطابي في أول كتابه: "غريب الحديث"، وما أملاه أبو عمرو بن الصلاح، وكانت ستا وعشرين حديثًا، ويأتي أبو زكريا النووي فيزيد عليها تمام الاثنين والأربعين، ويصل بها ابن رجب إلى تمام الخمسين. وهي التي يتناولها هذا الكتاب شرحًا مستفيضًا. هذه هي القيمة الأولى للكتاب .. قيمة التواصل الحضارى بين الأجيال المتتابعة من علمائنا، وإشادة الخلف بجهد السلف الصالح، دون غمط لحق، أو إهدار لإضافة ولا تقتصر هذه الظاهرة على المكتبة الإسلامية، وإنما نستطيع أن نتتبعها في كثير من مظاهر حضارتنا: ولنأخذ العمارة مثلًا، مكتفين بالأزهر الشريف. ونحن نحتفل الآن بمرور ألف عام على بدء التدريس به. المسجد بناه جوهر الصقلي في عهد المعز لدين الله الفاطمي. وجوهر قائد مهاجر، جاء من المغرب، يرجع بأصله إلى جزيرة صقلية. وتمر أيام الدولة الفاطمية، وتتعاقب الدول، ويقيض الله للأزهر من يوقف عليه الأموال؛ رعاية

стр. 29

لأبنائه من طلاب العلم الذين يفدون إليه من أرجاء العالم الإسلامي، تجمع بينهم أخوة الإسلام على اختلاف ألسنتهم وألوانهم. ولكل منهم فيه رواق، ولهم جميعًا قبلة واحدة، وهدف واحد. وتأتي الأيدي المؤمنة لتضيف إلى الأزهر مباني جديدة: وأنت إذا زرته رأيت فيه مدارس ترجع إلى القرنين: الثامن والتاسع الهجري .. وقبابا ومنائر، وأروقة وتجديدات لاحقة، وإضافات معاصرة لكليات جديدة ومدنا جامعية .. ولا زالت العناية به مستمرة والحمد لله. * * * ولنا أن نتساءل عن سر هذا التواصل الحضاري، الذي جمع القلوب حول بيوت أذن الله أن ترفع، وَيُذْكَرَ فيها اسمه، وحول كتب علمية ظلت العناية بها مستمرة عبر الأجيال، وأعطى الحضارة الإسلامية هذا الطابع الكريم الذي تراه في المسجد، كما تراه في حلقات العلم؟ إن القرآن الكريم يعطينا الإجابة. وأخلاق الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه نموذج تطبيقي للقرآن الكريم. يقص علينا ربنا، ﵎، أخبار النبوات السابقة. ويختار لنا أحسن القصص ويعقب على هذا بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١) ولا تقتصر الأسوة على الأنبياء وحدهما، وإنما تمتد إلى الصالحين من أتباعهم، فيقول ربنا مخاطبًا المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (٢). * * * فالنماذج القرآنية لها عمقها الزماني الذي يبدأ بقصة آدم، ولها امتدادها المكاني الذي يصل إلى مطلع الشمس ومغربها، وتنوعها الموضوعي الذي يشمل أبعاد الحياة. وكل أولئك يؤمن به المسلم، وهو يقرأ كتاب الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٣). وتأتي حياة الرسول استمرارًا لجهاد من سبقه من الأنبياء والمرسلين. ويروي البخاري _________ (١) سورة الأنعام: ٩٠. (٢) سورة الصف: ١٤. (٣) سورة البقرة: ٢٨٥.

стр. 30

عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إنّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِياء منْ قَبْلي كَمَثَل رَجُلٍ بَنَى بيتًا فَأَحْسَنْهُ وَأجْمَلَهُ، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلِ النَّاسِ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيُعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنا خَاتَم النَّبِيينَ" (١). * * * وجاء علماؤنا على هذا الهدي القرآني والنبوي الشريف: يقدرون العمل الطيب المبذول، ويضيفون إليه، ويدعون الله بالخير لمن قام به .. ولننظر إلى ما يقوله ابن رجب الحنبلي عندما ذكر إضافة النووي إلى ما أملاه ابن الصلاح (ص ٥١): "ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا زكريا: يحيى النووي، رحمة الله عليه، أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثًا، وسمى كتابه بالأربعين. واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكثر حفظها، ونفع الله بها ببركة نية جامعها، وحسن قصده، رحمه الله تعالى". * * * هذه هي الروح التي تعاون بها حَمَلة هذا التراث العظيم. ليست مجرد إضافة علمية تزيد بها الصفحات، وإنما هي تراث أخلاقي يحدد مستويات العلاقة بين الأجيال المتعاصرة والمتتابعة، على أساس من الحب والإخاء والتقدير .. فالإضافة إلى كتاب، والشرح على متن، والرواق الجديد في مسجد قديم. والتجديد في سبيل أو مدرسة: كل أولئك ينبع من معين واحد، ويصدر عن عقيدة واحدة، هو التواصل الحضاري الذي استطاع أن يحفظ لنا الكثير من تراثنا، وتراث الإنسانية!! والكتاب الذي بين أيدينا صورة تطبيقية لهذا التواصل، يشترك في صياغتها ما بذله السيد المحقق من جهد، وما بذل أساتذته له في الأزهر الشريف من عون وتوجيه، وما قامت به مؤسسة الأهرام من أعباء نشر هذا التراث. وفي هذا استمرار لجهد ابن رجب، ومن قبله النووي، وابن الصلاح، والخطابي تعاونا على حفظ الحديث الشريف. * * * _________ (١) متفق عليه بخارى ح ٣٥٣٥ ومسلم ح ٢٢٨٦.

стр. 31

٢ - حضارة متكاملة: وابن رجب حنبلي المذهب، والنووي شافعي، وشروح الأحاديث لا يعتمد ابن رجب فيها على منهج النووي في تراجم الرواة، وتفسير ألفاظها .. بل لا يفيد نفسه بنطاق السنة النبوية وحدها .. وإنما يتأسى بروح القرآن والسنة من طلب المعرفة والتحليق في آفاقها، بقدر ما أتاحته له ثقافته وثقافة عصره. وتقرأ الصحيفة من هذا الكتاب، فينقلك ابن رجب من آية كريمة، إلى حديث شريف، إلى أقوال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل، وتلاميذهم، ثم يأخذ بيدك إلى رقائق الصوفية، فتلقى ذا النون المصري، وسهلا التسترى، وابن المبارك .. ويقدم إليك نماذج من الشعر يُسندها تارة إلى أصحابها. وإذا ما تحدث في موضوع علمي؛ استند إلى أقوال الخبراء فيه. ففي حديث عن معنى "أمشاج" يقول: "وفسر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي فيها .. وقد ذكر علماء الطب ما يوافق ذلك". * * * وابن رجب يجمع في هذا بين علوم الرواية والدراية .. ويعطينا صورة عن الآفاق الرحبة، وتكوين رجل الدين: فهو متفاعل مع عصره، جامع لثقافته، يضع بيت الشعر -إلى جانب الرأي الطبي، ويستطيع أن يَنْسِج من مصادر دينه، والثقافة المعاصرة رداء يجمع بين الأصالة والتجديد، قوي الروابط بمصادر دينه. وهي الأساس العريض القوي الذي يقوم عليه الكتاب، متصلا بتيارات الحياة المتدفقة من حوله على هدى وبصيرة. ٣ - بناء الكتاب: هناك إذن تواصل حضاري، وتفتح على آفاق المعرفة، ولكن ما الأساس الذي اختيرت عليه هذه المجموعة من الأحاديث؟ وما دلالة "جوامع الكلم" التي جاءت به، على صورة المجتمع الإسلامي؟ وهل للاختيار، ثم الإضافة من قاعدة؟ الذي يستوقف النظر لأول وهلة، ما ساقه ابن رجب من مبررات لإضافته إلى ما رواه النووي في الأربعين: فهو يذكر في مقدمته (ص ٥١ - ٥٢): "وقد كان بعض من

стр. 32

شرح هذه الأربعين قد تعقب على جامعها، ﵀، تركه لحديث: "أَلْحِقُوا الفِرَائِضَ بأهْلِهَا، فما أبْقَتِ الْفَرائِض فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَر" لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم، فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة .. فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ ﵀، وأن أضم إلى ذلك أحاديث أخر من جوامع الكلم، الجامعة لأنواع العلوم والحكم، حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين حديثًا". وهذه الأحاديث المضافة شطران: منها ما يتعلق بالأحكام، وهي التي أوردها بعد حديثِ الفرائض مباشرة، ثم أربعة ختم بها إضافته، تتعلق بالآداب والأخلاق، ختامها حديث "لا يَزَالُ لِسَانُك رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله" .. بينما كان ختام الأربعين النووية: الحديث الذي يرويه التِّرمذي عن أنس بن مالك، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَني وَرَجَوْتَنِي، غَفَرتُ لَكَ علَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالي. يا ابْن آدَمَ! لَوْ بلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفرْتَني غَفَرْتُ لَكَ. يا ابن آدمَ! إِنِّك لَوْ أَتيتني بِقُرابِ الأَرضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقيتَني لَا تُشْرِك بِي، لأَتيْتُك بِقُرابِهَا مَغْفِرَةً". هذا، والحديث الفاتح للكتاب كله، هو قول الرسول ﷺ : "إِنَّمَا الأَعَمْالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُل امْرئ ما نَوَى .. " وبه صدر الإمام البخاري كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة. ففي الحديث الفاتح، يتابع النووي وابن رجب اختيار البخاري، ويعقب ابن رجب على هذا بأقوال سلفنا الصالحين، في مكانة هذا الحديث، وأنه من أصول الدين، فهو عندهم أحد حديثين، أو ثلاثة أو أربعة، بها نجاة المسلم في دنياه وأخراه. وإذا ما كان هناك اتفاق على اختيار هذا الحديث فاتحًا لأكثر من كتاب من كتب الحديث -ولهذا ما يبرره- فإن اختيار حديث يختم المجموعة المختارة جاء متسقًا معها، ثم جاءت الإضافة الجديدة، ولها -هي الأخرى- خاتمتها المرتبطة بها. وكتاب ابن رجب في هذا أقرب ما يكون إلى هندسة معمارية، لمسجد كبير، محرابه قديم، وإليه تتجه الأنظار والقلوب، وهو قول الرسول ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات .. " ثم تتعدد بعد هذا أروقته وأبوابه عند كل إضافة جديدة. ما اختاره النووي يصلح أن يكون ختامًا .. إنه طلب الاستغفار بعد العمل الصالح ..

стр. 33

فيه التوجه إلى الله، وإلى رحمته التي وسعت كل شيء .. فيه أنفاس قول الله تعالى في ندائه الأقدس: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) وذنوب العبد -مهما عظمت- فإن مغفرة الله وعفوه أوسع. ويعلمنا رسولنا كيف ندعو ربنا: "اللَّهُمَّ مَغْفرَتُكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبي، وَرَحْمَتُكَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلي". وفي شرح ابن رجب لهذا الحديث يسوق الآيات والأحاديث والرقائق والشعر، في ابتهال كأنك معه في جوف الليل في استغفار عميق، وصدق توجه إلى قَيوُّم السماوات والأرض: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (٢). ما اختاره النووي هو "واحة" الاستغفار، بعد رحلة الحياة الطويلة، بكل ما فيها من معاناة يرجو بعدها من ربه الجزاء الأوفى: درجات منه ومغفرة. ويأتي ابن رجب فيختار ختامًا جديدًا، مع احتفاظه بالختام القديم .. كأنه رواق يضيفه إلى المبني، يتكامل معه، ويثريه موضوعيًّا، مع المحافظة على هندسة الكتاب الأولى. والحديث الذي اختاره، كأنما هو جامع لجوامع الكلم، حتى في صياغته، ولنقرأه معًا: عن عبد الله بن بشر قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله! إنَّ شَرَائِعِ الإِسْلام، قَدْ كثُرَتْ عَلَيَّ، فَبَابٌ نَتَمَسَّك بِهِ جَامعٌ؟ قال: "لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله". وفي شرح الحديث تحس أن ابن رجب يختم الكتاب كله .. وأن الشرح هو كلمة الوداع بعد معايشة مؤمنة لعمل جليل، يسلمه إلى تراثنا الكبير، وأنه اللمسات الأخيرة في هيكل ضخم شادته اليد والعقل والقلب، والنشيد الختامي في هذا الديوان المنير، وفيه يبذل ابن رجب طاقته، وذوب قلبه، في إبراز مكانة الذكر والذاكرين، ونماذج من إقبالهم على الله. ويذكر من الشعر في شرح هذا الحديث ما لم يذكره في الكتاب كله، وينتقل بعد هذا إلى بيان وظائف اليوم والليلة، كأنما يضع للمسلم برنامجًا لحياته اليومية ودورتها السنوية، على هدى من مأثور ذكر الله في كل أحواله. ويكاد هذا الفصل أن يكون خلاصة لكتاب كامل ألفه ابن رجب في هذا الموضوع هو "لطائف المعارف فيما _________ (١) سورة غافر آية: ٦٠. (٢) سورة غافر: ٧.

стр. 34

لمواسم العام من الوظائف" (١). ويعود ابن رجب ليربط ختام الكتاب بصدره، ذاكرًا ما جاء عن الرسول ﷺ من جوامع الكلم في التسبيح، ومكانته، وثوابه عند الله، وأدعية نبوية من جوامع الكلم تأسيًا بحديث الرسول الذي يرويه أبو داود، عن عائشة ﵂: "كَان النَّبيُّ ﵊ يُعْجِبُهُ الْجَوَامِعُ مِنَ الدُّعَاءِ وَيَدَعُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ" ثم يختم الكتاب بحديث التحيات بما فيه من توجه إلى الله، وسلامٍ على الرسول، وعلى عباد الله، الصالحين. * * * ٤ - الترابط العضوي الكتاب بذلك هندسة كاملة: له فاتحته وخاتمته. ولكن ماذا عن نظام الكتاب وترابطه العضوي بين الحديثين: الفاتح والخاتم؟ قد يكون من اليسير أن نختار الحديث الثاني في مكانه هذا. إنه البهو الرئيسي في البناء بعد المدخل. وهو الذي يرويه عمر بن الخطاب عن مجيء جبريل إلى الرسول ﷺ يعلمنا ديننا: يسأل الرسول ويصدقه في أمر الإسلام والإيمان و الإحسان والساعة وأماراتها. ولقد وفاه ابن رجب من الشرح، أكثر مما أعطى غيره من أحاديث الكتاب. وتأتي إحالات ابن رجب عليه، بدءًا من الحديث الثالث عن قواعد الإسلام. ومن المنتظر أن نجد تداخلا بين هذه الأحاديث، وكلها من جوامع الكلم، وأن تتباين وتتكامل -في نفس الوقت- عناية المؤلف بها، ولا ينتظر -وهذا أمرها- أن نتلمس فيها نموًّا عضويًّا منهجيًّا، بحيث لا نستطيع أن نقدم في ترتيبها أو نؤخر، فمطلب مثل هذا، فيه من التطلع أكثر مما تسمح به طبيعة جوامع الكلم، وهي موضوع الكتاب. ولكننا نستطيع أن ننظر إلى نمو الكتاب من زاوية أخرى، وهي التكامل الموضوعي. هل ابن رجب، حين أضاف حديث الفرائض وما بعده، كان ينظر بهذا المنظار، وهو المبرر الذي استند إليه في الإضافة؟ الكتاب -بهذا يعبر تعبيرًا صادقًا عن أبعاد الإسلام، كما توضحها الأحاديث الشريفة. ونظرة إلى فهرست الكتاب يمكن أن تؤكد هذا التكامل: _________ (١) ط. عيسى الحلبي ١٣٤٢ هـ - ١٩٢٤ م. مصر وانظر ما مضى عنه ص ٩.

стр. 35

فهي تعرض لأصول الإسلام والإيمان والإحسان، ومنشأ الإنسان وعلاقته بربه، وبالإنسانية في آفاقها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية، التي نلقاها في حديث "الدِّينُ النَّصيِحَةُ" وتوضح أدق جوانب التحري في عمل الخير مع الناس كما جاءت في حديث "كُل سُلامى (١) مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُع فيه الشَّمسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَين صَدَقَة، وتُعينُ الرَّجُلَ في دَابَّتهِ فَتَحْمِلُه عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ: صَدَقَةٌ". وتعرض الأحاديث لكدح الإنسان إلى ربه في السلم والحرب من أجل حياة أفضل، وحسابه عند ربه في يوم لا تضيع فيه الودائع!! ولا تكتفي الأحاديث بالتأصيل النظري، وإنما تعطينا النماذج التطبيقية التي نستطيع القيام بها، والنسج على منوالها. إلى جانب ذلك من الممكن أن نتتبع وحدات فكرية مترابطة داخليًّا، وسط الترابط الكبير للكتاب. ولنأخذ لذلك نماذج: حديث: "أَلْحِقُوا الْفَرائِضَ بأَهْلِهَا" (رقم ٤٣) يأتي بعده حديث الرضاعة (رقم ٤٤) والموضوعان مرتبطان. وبين الأحاديث الثلاثة التالية ترابط موضوعي: فمنها حديثان (٤٥، ٤٦) يعرضان لما حرم الله من طعام وشراب وكسب، ويمهدان لحديث عن الزهد: "مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطنِه" (٤٧). وينقلنا هذا الحديث إلى مستوى يوضح ما حذرنا منه ربنا من أخلاق النفاق (٤٨) وبهذا يجمع ابن رجب التحريم المادي والمعنوي في نسق ينقلنا إلى حديث التوكل على الله تعالى، وما يرتبط به من سعى في طلب الرزق (٤٩). ثم يأتي حديث ذكر الله وهو ختام الكتاب كله (٥٠). فإضافة ابن رجب تبدأ من دائرة الأسرة ونظامها في الميراث والرضاعة، حلالها وحرامها، ثم ما حرم الله من طعام وشراب وكسب، وما حذرنا منه ربنا من أخلاق النفاق، فإذا تطهرت حياة الفرد، توكل على ربه، وسلك صراطًا مستقيمًا، يكسب حلالًا، ويعمل في طلب الخير، ولسانه رطب دائمًا بذكر الله في كل أمره. _________ (١) عظام الأصابع في اليد والقدم.

стр. 36

وإذا ما كانت إضافة ابن رجب تمثل نموًّا عضويًّا في الكتاب، فإنه كان مقيدًا في الأحاديث الأولى باختيار وترتيب أبي زكريا النووي، وقد لمسنا فيه جوانب من هذا النمو، مع ملاحظة التكامل الموضوعي للكتاب كله، بحيث يستطيع الإنسان، في كل أحواله، أن يجد في الكتاب مددًا لسعيه الدائب في الحياة: في عباداته ومعاملاته وأخلاقياته، في محراب الصلاة وميدان القتال، بين أهله وبين الناس. منطلقًا إلى ربه، يقصده بعمل الخير في كل أمره .. ويكفي هنا أن نعود إلى ما ذكره ابن رجب في الحديث السابع: "الدِّينُ النَّصيِحَةُ". ٥ - الكتاب والمؤلف ونستطيع أن نقول: إن هذا الكتاب بعامة، وفصول الأخلاقيات بخاصة، تمثل الكثير من حياة ابن رجب، وإن هناك ترابطًا قويا بين ما ذكره هو في كتابه، وما ذكره عنه من ترجموا له (١). كان ابن رجب "صاحب عبادة وتهجد، إمامًا ورعا زاهدا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه، وكانت مجالسه تذكرةً للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة، وزهده وورعه فائق الحد. وكان لا يخاف الموت، ولا يهرب من لقائه، وإنما كان ينتظره ويواجهه في صبر وجلد". ولقد أعانته على بلوغ مكانته العلمية رحلات أبيه، وسماعه معه في الشام والعراق ومكة ومصر، حتى أن العليمي يصفه فيقول: "هو الشيخ الإمام، والحبر البحر الهمام، العالم العامل، البدر الكامل، القدوة الورع، الحافظ الحجة الثقة". وإذا ما رجعنا إلى حديثه الخاتم عن "ذكر الله" رأيناه مجلس علم وذكر، في افتتاحه وتدفقه وخاتمته، وتُلْقِي اختياراته للنقول التي أوردها ضوءًا قويًّا على المنهج الذي ارتضاه .. وتجد هذا مفصلا في كتابه "لطائف المعارف" فهو يدور مع الشمس والقمر وفصول السنة ومواسم العبادة. وهو في هذا كله خبير بالنفس الإنسانية في إشراقها وأفولها، وإقبالها وإدبارها، بحيث يظل محتفظًا برباط قوي بينه وبين القارئ. ولنستمع معًا إلى حديث الرسول ﷺ ، وهو الذي اختاره ليصدر به الفصل الخاص _________ (١) يراجع التمهيد الذي كتبه هنري لاووست وسامي الدهان لكتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ص (١٨ و ١٩)، والنقول التي أورداها عن محمد بن فهد المكي، والعليمي، ومحمد بن حميد المكي. ط دمشق ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م، ومقدمة محقق هذا الكتاب.

стр. 37

بفضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ: عن أبي هريرة، ﵁: "قُلْنَا: يَا رَسولَ الله! إذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا، وزَهِدْنَا فِي الدنْيَا، وكُنَّا مِنْ أَهْلِ الآخِرَةِ، فَإِذَا مَا خَرجْنَا مِنْ عنِدِكَ، آنسْنَا أهْلَنَا، وشَمَمْنَا أَوْدلَادَنَا، وأَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا؟ فقال رسول الله ﷺ : لَوْ أَنَّكُمْ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ علَى حَالِكُم ذَلِكُمْ لزَارَتْكُمْ الَملَائِكَةُ في بُيُوتِكُمْ. وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لجَاءُ اللهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ حَتَّى يُذْنبِوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ" (١) .. وهو في حديثه يربط بين الجهاد وذكر الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢) وفي الترمذي مرفوعًا: يقول الله: "إنَّ عَبْدِي كلَّ عَبْدِي: الَّذِي يَذْكُرُنى وَهُوَ مُلاقٍ قِرْنَه" (٣) كما يربط بين الذِّكر وبين الحج والصلاة وإبتغاءِ فضل الله. ويعقب على هذا بقوله: "ولهذا ورد فضل ذكر الله في الأسواق وفي مواطن الغفلة .. " ثم يذكر نماذج رائعة لذلك. * * * ٦ - الكتاب فى ثوب جديد وأعود إلى الكتاب الذي بين يديَّ، فأرى فيه خُطْوةً على طريق العناية بالحديث الشريف. فهذا طريق قل سالكوه، وأصبح العاملون في ميدانه قلة نادرة يتخطف الموت منهم أكثر مما تفرضه المسئولية على الأجيال اللاحقة لملء الفراغ، وهو فراغ موحش! أكثر من كِتاب من كتب الأحاديث مات محققوها دون أن يكملوها، فبقيت في تراثنا المعاصر شواهد تدعو الأجيال إلى العمل، ولم تجد بعد من يستجيب لهذا النداء! وفي بقائها دون إكمال، مؤشر يحدد المستوى الذي نرجو جميعًا أن نرتفع فوقه، إلى مسئوليتنا نحو الحديث الشريف. هذا إلى كتب كثيرة من أمهات مصادر الحديث، لا زالت بحاجة إلى تحقيق ونشر علمي. ولقد بدأت الأجيال الجديدة من شباب الأزهر تستجيب، وأعطاها أساتذة الأزهر، في كلياته وخارجها، ما يستطيعون من عون وتوجيه، وأخذت كلية أصول الدين، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وجهود علمائنا، تخطط لزيادة العناية _________ (١) لطائف المعارف ص ٩. (٢) سورة الأنفال: ٤٥. (٣) جامع العلوم والحكم: في شرح الحديث الخمسين.

стр. 38

بعلوم الحديث، وأخذت الجامعات الإسلامية، ما بين المحيطين الهادي والأطلسي، تنشئ لذلك معاهد متخصصة، وتعلن ذلك في توصياتها وبياناتها في مؤتمراتها العلمية. وتعاونت دور النشر على تمويل هذه المشروعات، ودخلت الأهرام مشكورة في هذا المجال الإسلامي، وفي لقاءاتي مع المعنيين بالحديث الشريف من أساتذة الأزهر الشريف، ومع الأساتذه الزائرين والمنتدبين، وإخواننا من أبناء العالم الإسلامي، لمست طوالع عصر نهضة جديدة، وعناية بالحديث الشريف، نرجو أن تؤتي ثمارها، وتقوم بملء الفجوة التي تشير إليها مجموعة من أمهات كتب الحديث، بقيت دون إكمال، بعد أن سبق إلى الله من قاموا بتحقيق أجزاء منها. ما يقوم به السيد الدكتور "محمد الأحمدي أبو النور" محقق هذا الكتاب من تحقيق علمي منهجى يستند إلى المصادر الأصلية، إنما هو خطوة على هذا الطريق الطويل، الذي يحتاج منا إلى أحسن تعاون بين أبناء الجيل الواحد، وبين أجيال الأساتذة والطلاب، على أساس من الإخاء العلمي، الذي يرتفع بنا إلى مستوى تتحدد فيه أبعاد المسئولية نحو المصدر الثاني من مصادر ديننا، بعد كتاب الله تعالى. واللهَ أدعو أن يبارك في هذه الجهود الشابة، التي يسهم فيها أبناء الأزهر الشريف، وأن يجعل التعاون البناء، والإخاء العلمي، والدقة العلمية؛ شعار هذه النهضة في علوم الحديث. وأن يجزي الأهرام وكل عامل في حقل الحديث الشريف عن الإسلام خير الجزاء، وأن يجعل هذا الجهاد العلمي متواكبًا مع جهادنا، من أجل أسترداد مقدساتنا وأرضنا السليبة. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيِّئ لنا من أمرنا رشدا. القاهرة في: ٢ من ذي الحجة ١٣٨٩ هـ ٨ من فبراير ١٩٧٠ م الدكتور/ عبد العزيز كامل وزير الأوقاف وشئون الأزهر سَابقًا

стр. 39

صورة غلاف النسخة "أ"

стр. 40

صورة اللوحة رقم (١) من النسخة "أ"
следующие страницы →