← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وإذا ما كانت إضافة ابن رجب تمثل نموًّا عضويًّا في الكتاب، فإنه كان مقيدًا في الأحاديث الأولى باختيار وترتيب أبي زكريا النووي، وقد لمسنا فيه جوانب من هذا النمو، مع ملاحظة التكامل الموضوعي للكتاب كله، بحيث يستطيع الإنسان، في كل أحواله، أن يجد في الكتاب مددًا لسعيه الدائب في الحياة: في عباداته ومعاملاته وأخلاقياته، في محراب الصلاة وميدان القتال، بين أهله وبين الناس. منطلقًا إلى ربه، يقصده بعمل الخير في كل أمره .. ويكفي هنا أن نعود إلى ما ذكره ابن رجب في الحديث السابع: "الدِّينُ النَّصيِحَةُ". ٥ - الكتاب والمؤلف ونستطيع أن نقول: إن هذا الكتاب بعامة، وفصول الأخلاقيات بخاصة، تمثل الكثير من حياة ابن رجب، وإن هناك ترابطًا قويا بين ما ذكره هو في كتابه، وما ذكره عنه من ترجموا له (١). كان ابن رجب "صاحب عبادة وتهجد، إمامًا ورعا زاهدا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه، وكانت مجالسه تذكرةً للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة، وزهده وورعه فائق الحد. وكان لا يخاف الموت، ولا يهرب من لقائه، وإنما كان ينتظره ويواجهه في صبر وجلد". ولقد أعانته على بلوغ مكانته العلمية رحلات أبيه، وسماعه معه في الشام والعراق ومكة ومصر، حتى أن العليمي يصفه فيقول: "هو الشيخ الإمام، والحبر البحر الهمام، العالم العامل، البدر الكامل، القدوة الورع، الحافظ الحجة الثقة". وإذا ما رجعنا إلى حديثه الخاتم عن "ذكر الله" رأيناه مجلس علم وذكر، في افتتاحه وتدفقه وخاتمته، وتُلْقِي اختياراته للنقول التي أوردها ضوءًا قويًّا على المنهج الذي ارتضاه .. وتجد هذا مفصلا في كتابه "لطائف المعارف" فهو يدور مع الشمس والقمر وفصول السنة ومواسم العبادة. وهو في هذا كله خبير بالنفس الإنسانية في إشراقها وأفولها، وإقبالها وإدبارها، بحيث يظل محتفظًا برباط قوي بينه وبين القارئ. ولنستمع معًا إلى حديث الرسول ﷺ ، وهو الذي اختاره ليصدر به الفصل الخاص _________ (١) يراجع التمهيد الذي كتبه هنري لاووست وسامي الدهان لكتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ص (١٨ و ١٩)، والنقول التي أورداها عن محمد بن فهد المكي، والعليمي، ومحمد بن حميد المكي. ط دمشق ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م، ومقدمة محقق هذا الكتاب.

стр. 37

بفضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ: عن أبي هريرة، ﵁: "قُلْنَا: يَا رَسولَ الله! إذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا، وزَهِدْنَا فِي الدنْيَا، وكُنَّا مِنْ أَهْلِ الآخِرَةِ، فَإِذَا مَا خَرجْنَا مِنْ عنِدِكَ، آنسْنَا أهْلَنَا، وشَمَمْنَا أَوْدلَادَنَا، وأَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا؟ فقال رسول الله ﷺ : لَوْ أَنَّكُمْ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ علَى حَالِكُم ذَلِكُمْ لزَارَتْكُمْ الَملَائِكَةُ في بُيُوتِكُمْ. وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لجَاءُ اللهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ حَتَّى يُذْنبِوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ" (١) .. وهو في حديثه يربط بين الجهاد وذكر الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢) وفي الترمذي مرفوعًا: يقول الله: "إنَّ عَبْدِي كلَّ عَبْدِي: الَّذِي يَذْكُرُنى وَهُوَ مُلاقٍ قِرْنَه" (٣) كما يربط بين الذِّكر وبين الحج والصلاة وإبتغاءِ فضل الله. ويعقب على هذا بقوله: "ولهذا ورد فضل ذكر الله في الأسواق وفي مواطن الغفلة .. " ثم يذكر نماذج رائعة لذلك. * * * ٦ - الكتاب فى ثوب جديد وأعود إلى الكتاب الذي بين يديَّ، فأرى فيه خُطْوةً على طريق العناية بالحديث الشريف. فهذا طريق قل سالكوه، وأصبح العاملون في ميدانه قلة نادرة يتخطف الموت منهم أكثر مما تفرضه المسئولية على الأجيال اللاحقة لملء الفراغ، وهو فراغ موحش! أكثر من كِتاب من كتب الأحاديث مات محققوها دون أن يكملوها، فبقيت في تراثنا المعاصر شواهد تدعو الأجيال إلى العمل، ولم تجد بعد من يستجيب لهذا النداء! وفي بقائها دون إكمال، مؤشر يحدد المستوى الذي نرجو جميعًا أن نرتفع فوقه، إلى مسئوليتنا نحو الحديث الشريف. هذا إلى كتب كثيرة من أمهات مصادر الحديث، لا زالت بحاجة إلى تحقيق ونشر علمي. ولقد بدأت الأجيال الجديدة من شباب الأزهر تستجيب، وأعطاها أساتذة الأزهر، في كلياته وخارجها، ما يستطيعون من عون وتوجيه، وأخذت كلية أصول الدين، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وجهود علمائنا، تخطط لزيادة العناية _________ (١) لطائف المعارف ص ٩. (٢) سورة الأنفال: ٤٥. (٣) جامع العلوم والحكم: في شرح الحديث الخمسين.

стр. 38

بعلوم الحديث، وأخذت الجامعات الإسلامية، ما بين المحيطين الهادي والأطلسي، تنشئ لذلك معاهد متخصصة، وتعلن ذلك في توصياتها وبياناتها في مؤتمراتها العلمية. وتعاونت دور النشر على تمويل هذه المشروعات، ودخلت الأهرام مشكورة في هذا المجال الإسلامي، وفي لقاءاتي مع المعنيين بالحديث الشريف من أساتذة الأزهر الشريف، ومع الأساتذه الزائرين والمنتدبين، وإخواننا من أبناء العالم الإسلامي، لمست طوالع عصر نهضة جديدة، وعناية بالحديث الشريف، نرجو أن تؤتي ثمارها، وتقوم بملء الفجوة التي تشير إليها مجموعة من أمهات كتب الحديث، بقيت دون إكمال، بعد أن سبق إلى الله من قاموا بتحقيق أجزاء منها. ما يقوم به السيد الدكتور "محمد الأحمدي أبو النور" محقق هذا الكتاب من تحقيق علمي منهجى يستند إلى المصادر الأصلية، إنما هو خطوة على هذا الطريق الطويل، الذي يحتاج منا إلى أحسن تعاون بين أبناء الجيل الواحد، وبين أجيال الأساتذة والطلاب، على أساس من الإخاء العلمي، الذي يرتفع بنا إلى مستوى تتحدد فيه أبعاد المسئولية نحو المصدر الثاني من مصادر ديننا، بعد كتاب الله تعالى. واللهَ أدعو أن يبارك في هذه الجهود الشابة، التي يسهم فيها أبناء الأزهر الشريف، وأن يجعل التعاون البناء، والإخاء العلمي، والدقة العلمية؛ شعار هذه النهضة في علوم الحديث. وأن يجزي الأهرام وكل عامل في حقل الحديث الشريف عن الإسلام خير الجزاء، وأن يجعل هذا الجهاد العلمي متواكبًا مع جهادنا، من أجل أسترداد مقدساتنا وأرضنا السليبة. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيِّئ لنا من أمرنا رشدا. القاهرة في: ٢ من ذي الحجة ١٣٨٩ هـ ٨ من فبراير ١٩٧٠ م الدكتور/ عبد العزيز كامل وزير الأوقاف وشئون الأزهر سَابقًا

стр. 39

صورة غلاف النسخة "أ"

стр. 40

صورة اللوحة رقم (١) من النسخة "أ"

стр. 41

صورة اللوحة رقم (٢) من النسخة "أ"

стр. 42

صورة اللوحة رقم (٣) من النسخة (أ)

стр. 43

صورة اللوحة الأخيرة من النسخة "أ" وبها خط المؤلف وإجازته

стр. 44

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) وصلواته وسلامه الأتمَّان الأكْملان على سيدنا محمد وآله وصحبه. قال الشيخ الإمام العالم الأوحد، شرف الإسلام، مفتي االأنام، بقية السلف الكرام: الشيخ زين الدين: عبد الرحمن بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين: أحمد ابن الشيخ الإمام: رجب البغدأدي، فسح اللَّه في مدته، ونفع به، وأمتع المسلمين بطول بقائه، بمنّه وكرمه. الحمد الله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا -ولله الحمد- خير أمة، وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة. أحمده (٢) على نعمد الجمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة تكون لمن اعتصم بها خيرَ عصمة. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أرسله للعالمين رحمة، وفوَّض (٣) إليه بيانَ ما أُنزل إلينا، فأوضح لنا كلَّ الأمور المهمة، وخصَّه بجوامع الكلم، فربما جمع أشتاتَ الحِكَم والعلوم في كلمة أو في شَطْر كلمة!! صلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه (٤) الأئمة: صلاة تكون لنا نورًا من كل ظُلمة، وسلَّمَ تسليمًا (٥) كثيرًا. * * * أما بعد؛ فإن الله بعث محمدا ﷺ بجوامع الكلم، وخصه ببدائع الحِكَم؛ كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال:

стр. 45

"بُعِثْتُ بِجَوَامعِ الْكَلِمِ" (١). * * * [معنى جوامع الكلم]: قال الزهري (٢) [﵀]: جوامع الكلم -فيما بلغنا: أن الله تعالى يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله: في الأمر الواحد والأمرين، ونحو ذلك. * * * [أدلة أخرى على أنه ﷺ أوتي جوامع الكلم]: وخرَّج الإمام أحمد، ﵀، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٣) ﵁ قال: "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا كالمَوَدِّع فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّي -قَالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ- ولا نَبِيَّ بَعْدِي، أُوتيتُ فَوَاتَحِ الْكَلِم، وَخَواتِمَهُ وَجَوامِعَه .. وذَكرَ الْحَدِيثَ" (٤). وخرج أبو يعلى الموصلي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال:

стр. 46

"إِنِّي أُوتيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وخَوَاتِمَه، واختُصِرَ ليَ الحديثُ اختِصَارًا" (١). * * * وخرج الداراقطني (٢) ﵀ من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "أُعْطِيتُ جَوامِعَ الْكَلِمِ، واخْتُصِرَ ليَ الْحِدِيثُ اختِصَارًا ". * * * ورُوِّينا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشي عن أبي بُرْدَة عن أبي موسى (الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعْطيتُ فَوَاتحَ الكَلِمِ وَخَواتِمَهُ وَجَوامِعَة؛ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! علِّمنَا مِمَّا عَلَّمكَ الله . قَالَ فَعَلَّمَنَا التَّشَهُّدَ" (٣). * * * وفي صحيح مسلم عن سعيد بن أبي بردة بن (٤) أبي موسى عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ سئل عن البِتْع والمِزْرِ قال: وكان رسول الله ﷺ قد أُعْطِىَ جوامِع الكَلِم بخواتِمه فقال: "أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكرٍ أسكر عَنِ الصَّلاةِ" (٥).

стр. 47

وروى هشام بن عمار (١) في كتاب المبعث (٢) بإسناده عن أبي سلام (٣) الحبشي قال: حدثت أن النبي ﷺ كان يقول: "فُضّلْتُ عَلَى مَنْ قَبلي بِستٍّ وَلا فَخْرَ، فَذَكَرَ مِنْها جَوَامِعَ الْكَلِمَ، فقال: قال: وَأُعْطَيتُ جَوَامِعَ الْكَلم، وَكَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَجْعَلونَها جُزءًا بِالَّليل إلى الصَّباح فَجَمَعَهَا لِي رَبِّي في آية وَاحِدَةٍ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤). * * * [جوامع الكلم نوعان]: فجوامع الكلم التي خص بها النبي ﷺ نوعان: أحدهما: ما هو في القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٥). قال الحسن: لم تترك هذه الآية خيرًا إلا أمرت به، ولا شرًّا إلا نهت عنه. والثاني: ما هو في كلامه ﷺ وهو منتشر موجود في السن المأثورة عنه ﷺ . * * * [المصنفات في جوامع الكلم]: وقد جمع العلماء ﵃ جموعا من كلماته ﷺ الجامعة، فصنف الحافظ أبو بكر بن السني كتابا سماه: "الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة". وجمع القاضي أبو عبد الله القُضاعي من جوامع الكلم الوجيزة (٦) كتابا سماه: "الشهاب في الحكم والآداب".

стр. 48

وصنف على منواله قوم آخرون. فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة، وأشار الخطابي في أول كتابه: "غريب الحديث" إلى يسير من الأحاديث الجامعة (١). * * * [خطوة واسعة لابن الصلاح] وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلسا سماه الأحاديث الكلية، جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال إن مدار الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة؛ فاشتمل مجلسه -هذا- على ستة وعشرين حديثًا. * * * [النووي يتمها اثنين وأربعين] ثم إن الفقيه الزاهد القدوة أبا زكريا: يحيى النووي -رحمة الله عليه- أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثًا، وسمي كتابه بالأربعين. واشْتُهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكثر حفظها، ونفع الله بها؛ ببركة نية جامعها وحُسْنِ قَصْده، رحمه الله تعالى. * * * [ابن رجب يوفي بها خمسين] وقد تكرر سؤال جماعة من طلبة العلم والدين لتعليق شرح لهذه الأحاديث المشار إليها، فاستخرت الله تعالى في جمع كتاب يتضمن شرح ما يسره الله تعالى من معانيها، وتقييد ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها. وإياه أسأل العون على ما قصدت، والتوفيقَ لصلاح النية والقصدِ فيما أردت (٢). وأعوِّل في أمري كلِّه عليه، وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه. * * * وقد (٣) كان بعض من شرح هذه الأربعين تعقب على جامعها ﵀:

стр. 49

تَرْكَه لحديث: "ألْحِقُوا الْفرائِضَ بِأهْلِها فَمَا أبقْتِ الْفرائضُ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَر". قال: لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم، فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة، كما ذكر حديث: "البَيِّنَةُ على المدعي، واليمين على من أنكر" لجمعة لأحكام القضاء؛ فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ، ﵀، وأن أضم إلى ذلك كله أحاديث أخر من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم؛ حتى تكمل عدة الأحاديث كُلِّها خمسين حديثًا. * * * [الأحاديث المزيدة]. وهذه (١) تسمية الأحاديث المزيدة على ما ذكره الشيخ ﵀ في كتابه: [١]- حديث: "أَلْحقُوا الْفَرائِضَ بِأهْلِهَا". [٢]- حديث: "يَحْرُم مِنَ الرِّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". [٣]- حديث: "إنَّ الله إِذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنهُ". [٤]- حديث: "كُلُّ مُسْكرٍ حَرَامٌ". [٥]- حديث: "مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنِهِ". [٦]- حديث: "أرْبعٌ مَنْ كُنَّ فيه كانَ مُنَافقًا". * * * [٧]- وحديث: "لَوْ أَنكُمْ تَوكَّلْتُمْ عَلَى الله حَقَّ تَوكُّلِهِ لَرزَقَكُمْ كَمَا يَرْزق الطيْرَ". * * * [٨]- وحديث: "لا يَزَالُ لِسَانُك رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله ". * * * وسَميته: (جامع العلوم والحكم، في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم). * * *

стр. 50

[ابن رجب يوجز القول عن منهجه]: واعلم أنه ليس غرضي (إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية فلذلك لا أتقيد بألفاظ (١) الشيخ ﵀ (٢) في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة ﵃، ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها، وإنما آتي بالمعنى الذي يدل على ذلك؛ لأني قد أعلمتك أنه ليس لي غرض في غير شرح معاني كلمات النبي ﷺ الجوامع وما تَتَضمَّنُه (٣) من الآداب، والحكم، والمعارف، والأحكام، والشرائع. وأشير إشارة لطيفة -قبل الكلام في شرح الحديث- إلى إسناده؛ ليُعْلَم بذلك صحتُهُ وقوتُهُ وضعفُهُ. وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيءٌ غيرُ الحديث الذي ذكره الشيخ. وإن لم يكن في الباب غيره، أو لم يكن يصح فيه غيره - نَبَّهْتُ على ذلك كلِّه (٤). وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهو حسبي ونعم الوكيل (٥). * * *

стр. 51

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحديث الأول " عَنْ أَمير الْمؤمنين: أَبي حَفْصٍ: عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ (١) ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّما الأعْمَالُ بِالنّيات، وِإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوىَ، فَمنْ كَانتْ هِجرتُهُ إِلى الله وَرَسُولِه فَهِجْرتُه إِلى الله وَرَسُولِه، ومَنْ كانتْ هِجْرتُهُ لِدُنيا يُصِيبُهَا، أو امرأةٍ يَنكِحُهَا فَهِجْرتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إليْه". رواه البخارىِ ومسلم: [تخريج الحديث]: هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب ﵁. وليس له طريق يصح غير هذا الطريق. كذا قال على بن المديني وغيره. وقال الخطابي: "لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في ذلك" (٢). مع أنه قد روى من حديث أبي سعيد وغيره. وقد قيل: إنه قد روى من طرق كثيرة لكن لا يصح من ذلك شيء عند الحفاظ. ثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير، والجم الغفير؛ فقيل: رواه عنه أكثر من مائتي (٣)

стр. 52

راوٍ وقيل: رواه عنه سبعمائة راوٍ (١). ومن أعيانهم: [الإمام] مالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم. * * * [صحة الحديث وتلقي الأمة له]: واتفق العلماء على صحته وتلقِّيه بالقبول، وبه صدَّر البخاري كتابه الصحيح (٢) وأقامه مقام الخطة له؛ إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، لا ثمرة له في الدنيا، ولا في الآخرة؛ ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: "لو صنفت الأبواب (٣) لجعلت حديث عمر [بن الخطاب] في الأعمال بالنية في كل باب". وعنه أنه قال: "من أراد أن يصنِّفَ كتابًا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات" (٤). * * * [القيمة العلمية للحديث]: وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها. * * * [عند الشافعي]: فروي عن الشافعي أنه قال: "هذا الحديث ثُلُث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من

стр. 53

الفقه" (١). [عند أحمد]: وعن الإمام أحمد ﵁ قال: "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: "إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيات". وحديث عائشة: "مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرِنَا [هَذَا] مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". وحديث النعمان بن بشير: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ" (٢). * * * [عند الحاكم]: وقال الحاكم: "حدثونا عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أنه ذكر قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" وقوله: إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُم يجمَعُ فيِ بَطْن أُمِّه أَرْبَعيِنَ يَوْمًا" (٣). وقوله: "مَن أحْدَثَ فيِ ديننا مَا لَيْسَ مِنْهُ (٤) فَهُوَ رَدٌّ" (٥) فقال: ينبغي أن يبدأ (٦) بهذه الأحاديث في كل تصنيف. فإنها أصول الأحاديث". * * * [عند إسحاق بن راهويه]: وعن إسحاق بن راهويه قال: "أربعة أحاديث هي من أصول الدين: حديث عمر: "إنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". وحديث: "الْحَلَالُ بيِّنٌ والْحَرامُ بَيِّنٌ" (٧). وحديث: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْن أُمِّهِ أَرْبَعين يَوْمًا".

стр. 54

وحديث: "مَنْ صَنَعَ في أمْرنَا (١) مَا لَيْسَ مِنْهُ (٢) فَهُوَ رَدٌّ". * * * [عند أبي عبيد]: وروى عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال: "جمع النبي ﷺ جميع أمر الآخرة في كلمة: "مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرنا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". وجمع أمر الدنيا كلَّه في كلمة: "إنما الأعْمَال بالنِّيات": ويدخلان في كل باب (٣). * * * [عند أبي داود]: وعن أبي داود قال: "نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة (٤) آلاف حديث على أربعة أحاديث: حديث النعمان بن بشير: "الْحَلَالُ بيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ". وحديث عمر: "إِنَّما الأعْمالُ بِالنِّيات". وحديث أبي هريرة: إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وإنَّ الله أَمَرَ الْمؤمنين بِما أَمَرَ بِه المرْسَلينَ. . الحديث" (٥). وحديث: "مِنْ حسنِ إِسْلامِ المرْءِ تَرْكُهُ مَالا يَعْنيِهِ". قال: "فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم". * * * وعن أبي داود، أيضًا قال: "كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمَّنْتُهُ هذا الكتاب، يعني كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث (٦).

стр. 55

ويكفىِ الإنسانَ من ذلك لدينه أربعةُ أحاديث: أحدها: قوله ﷺ : "الأَعْمَالُ بِالنِّياتِ" (١). والثاني: قوله ﷺ : "مِنْ حُسْن إِسْلام الْمرءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنيه". والثالث: قوله ﷺ : "لا يَكُونُ المؤمن مُؤْمنًا حَتَّى لا يَرْضَى لأخِيه إِلَّا مَا يرَضَى لِنَفْسِهِ". والرابع: قوله ﷺ : "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرامُ بيِّنٌ" (٢). * * * وفي رواية أخرى عنه أنه قال: الفقه (٣) يدور على خمسة أحاديث: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ". وقوله ﷺ : "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَار" (٤). وقوله "الأَعَمالُ بِالنِّيات". وقوله: "الدِّينُ النَّصيِحَةُ" (٥). وقوله: "مَا نَهْيتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمرْتُكُمْ بِه فَائْتُوا منه مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٦). * * * وفي رواية عنه، قال: "أصول السُّنن في كل فن أربعة أحاديث: حديث عمر (٧): "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات". وحديث: الْحَلالُ بَيِّنٌ، والْحَرامُ بَيِّنٌ". وحديث: "مِنْ حُسْنِ إِسْلام الْمرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنيه". وحديث: "ازْهَدْ في الدُّنْيا يُحِبَّكَ الله وازْهَدْ فيِمَا في أَيْدى النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ" (٨). * * *

стр. 56

[عند الحافظ طاهر بن مفوِّز]: وللحافظ أَبي الحس: طاهر بن مُفَوِّز (١) المعافري الأندلسي: عمدة (٢) الدين عندنا كلمات … أربعٌ من كَلام خَيْرِ البَريّهْ "اتق الشبهات" (٣) "وازهد" ودع ما … ليس يعنيك" "واعْمَلنَّ بنيّهْ" * * * [معنى قوله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات]: • فقوله ﷺ : "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيات". وفي رواية: "الأعْمَالُ بِالنِّيات": وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح، وليس غرضنا ها هنا توجيهَ ذلك ولا بسطَ القول فيه. * * * [عند كثير من المتأخرين]: وقد اختلف في تقدير قوله: "الأعمال بالنيات": (فكثير من المتأخرين يزعم أنا تقديره: الأعمال صحيحة، أو معتبرة ومقبولة، بالنيات) (٤) وعلى هذا: فالأعمال إنما أريد بها: الأعمالُ الشرعيةُ المفتقرةُ إلى النية. [الأعمال ليست على عمومها]: فأما ما لا يفتقر إلى النية كالعادات من الأكل والشرب واللبس وغيرها، أو مثل رد الأمانات والمضمونات كالودائع والغصوب (٥)، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية.

стр. 57

فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة ها هنا. [وهى على عمومها عند جمهور المتقدمين]: وقال آخرون: بل الأعمال هنا على عمومها لا يخص منها شيء. وحكاه بعضهم عن الجمهور، كأنه يريد به جمهور المتقدمين. وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري، وأبي طالب المكي، وغيرهما من المتقدمين. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ قال في رواية حنبل (١): أُحب لكل من عمل عملا من صلاة أو صيام أو صدقة أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل. قال النبي ﷺ : "الأعْمَال بِالنِّيَّات". فهذا يأتي على كل أمر من الأمور. * * * • وقال الفضل بن زياد: "سألت أبا عبد الله يعني أحمد عن النية في العمل، قلت: كيف النية؟ قال: يعالج نفسه؛ إذا أراد عملا: لا يريد به الناس". * * * • وقال أحمد بن داود الحربي: "حدث يزيد بن هارون بحديث عمر: "الأَعْمالُ بالنيَّاتِ" - وأحمد جالس فقال أحمد ليزيد: يا أبا خالد! هذا الخناق؟! ". * * * [تقدير الكلام]: وعلى هذا القول فقيل تقدير الكلام: الأعمال واقعة أو حاصلة بالنيات، فيكون إخبارًا عن الأعمال الاختيارية: أنها لا تقع إلا عن قصد من العامل، وهو سبب عملها ووجودها، ويكون قوله بعد ذلك "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوَى" إخبارا عن حكم الشرع وهو أن حظ العامل من عمله نيته؛ فإن كانت صالحة؛ فعمله صالح؛ فله أجره، وإن كانت فاسدة؛ [فعمله فاسد] (٢)؛ فعليه وزره؟. * * *

стр. 58

[احتمال آخر]: ويُحتَمل أن يكون التقدير في قوله: "الأعْمال بِالنِّيَّات" الأعمال صالحة أو فاسدة أو مقبولة أو مردودة أو مثاب عليها، أو غير مثاب عليها: بالنيات، فيكون خبرًا عن حكم شرعي وهو: أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها، كقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَواتيمِ" (١) أي أن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب الخاتمة. * * * [معنى قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى"]: وقوله بعد ذلك: "وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوى" إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به: فإن نوى خيرًا حصل له خير، وإن نوى شرًّا حصل له شر. وليس هذا تكريرًا محضًا للجملة الأولى؛ فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة. وقد تكون نيته مباحة؛ فيكون العمل مباحًا؛ فلا يحصل له به ثواب ولا عقاب. فالعمل في نفسه: صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية (الحاملة (٢) عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب نيتة (٣)) التي بها صار العمل صالحًا أو فاسدًا أو مباحًا. * * * [النية في اللغة]: واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضعَ ذكره. * * *

стр. 59

[وعند علماء الشرع]: والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين: أحدهما: بمعنى (١) تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز صيام (٢) رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من (٣) العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك. وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم. * * * والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له أم الله وغيره؟ وهذه النية هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم، في كلامهم على الإخلاص وتوابعه. وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين. * * * [كتاب الإخلاص والنية]: وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفًا سماه "كتاب الإخلاص والنية" وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي ﷺ : تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك. وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله بغير لفظ النية أيضًا من الألفاظ المقاربة لها. * * * [لماذا فرقوا بين النية والإرادة؟]: وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما (٤) لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء. فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك؛ كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له، ولا ينوي ذلك. * * *

стр. 60

[النية في كلام النبي ﷺ وفي القرآن]. وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي ﷺ وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعني الثاني غالبًا؛ فهي حينئذ بمعنى الإرادة؛ ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (١). وقوله : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٢). وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥). وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٦). وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٧). وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨). وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٩). * * *

стр. 61

[النية قد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء]: وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢). وقوله تعالى ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (٣). وقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤). * * * [مع الآية الأخيرة]: فنفي الخير عن كثير مما يتناجى الناس به؛ إلا في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس؛ لعموم نفعهما؛ فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله فخصه بمن فعله ابتغاء مرضاة الله. وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا وإن لما يُبْتَغَ به وَجْهُ الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي؛ فيحصل به للناس إحسان وخير. وأما بالنسبة إلى الآمر فإن قَصدَ به وجه الله وابتغاءَ مرضاته؛ كان خيرًا له وأُثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرًا له، ولا ثواب له عليه. وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله يقصد بذلك عَرَضَ الدنيا؛ فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه؛ لما يترتب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره (٥) لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحدٍ، اللهم! إلا أن يحصل لأحد به اقتداء في ذلك. * * *

стр. 62

[ما ورد في السنة عن هذا المعنى]: وأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدًّا، ونحن نذكر بعضه كما خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ غَزَا فيِ سَبِيل الله وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى" (١). * * * • وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِي لأَصْحَابُ الْفُرُشِ، وَرُبَّ قَتِيلٍ، بَيْن الصَّفَّين: الله أعْلَمُ بنيته" (٢). * * * • وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيّاتِهِمْ" (٣). * * * • ومن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا يُبعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ" (٤). • وخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا يُبْعَثُ المقُتَتِلُونَ عَلَى النِّيَّات (٥) ". * * * • وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "يَعُوذُ عَائذٌ

стр. 63

بِالبَيْتِ فيُبْعَثُ إِلَيْه بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْداءَ مِنَ الأَرْض خُسِفَ بِهمْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! فَكَيْفَ بِمنْ كَان كَارهًا؟ قَالً: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلكِنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَى نِيَّتِه" (١). * * * وفيه أيضًا عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ معنى هذا الحديث وقال فيه: "يَهِلكُونَ مَهْلِكًا واحدًا، وَيصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى؛ يَبْعَثُهُمُ (٢) الله عَلَى نِيَّاتِهم" (٣). * * * وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بنِ ثابت عن النبي ﷺ قال: "مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ الله عليه أمرَه، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَينْ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مَنَ الدُّنْيَا إلا مَا كَتَبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتْ الآخِرَةُ نِيَّتَهَ جَمَعَ اللهُ لَهُ أمَره، وَجَعَل غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَأتَتْهُ الدُّنَيا وَهِي رَاغمَةٌ" (٤). • هذا لفظ ابن ماجه (٥). • ولفظ أحمد: "مَنْ كَان (٦) هَمُّهُ الآخِرَة … ومَنْ كِانت نِيَّتُهُ الدُّنْيا". وخرجه ابن أبي الدنيا وعنده "مَنَ كَانَتْ نيتُهُ الآخرةَ … ومَنْ كانت نيتُه الدّنيا" (٧). * * * وفي الصحيحين عن سعد (٨) بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً

стр. 64

تَبتَغِي بَها وَجْهَ الله إِلا أُثِبْتَ عَلَيْها؛ حَتَّى اللُّقْمةَ تَجْعلُها في في امْرَأتِكَ" (١). * * * [النية في أقوال السلف]: وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر ﵁ قال: "لا عَمَلَ لِمِنْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلا أجْرَ لِمَنْ لَا حِسْبَة لَهُ" (٢). يعني لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله . وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود ﵁ قال: لا ينفع قول؛ إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل؛ إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية (٣)؛ إلا بما وافق السنة. * * * • وعن يحيى بن أبي كثير قال: "تعلموا النية؛ فإنها أبلغ من العمل" (٤). * * * • وعن زُبَيد اليامي (٥) قال: "إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب". • وعنه أنه قال: "انْوِ في كل شيء تريد الخير، حتى خروجِك إلى الكُنَاسة". * * * • وعن داود الطائي، قال: "رأيت الخير كله إنما يجمعه حُسْنُ النية؛ وكفاك به خيرا وإن لم تَنْصَب". * * *

стр. 65

• قال داود: والبِرُّ هِمَّةُ التَّقِيِّ. ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردَّته يومًا نيته إلى أصله". * * * • وعن سفيان الثوري قال: "ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ عن نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ" (١). * * * • وعن يوسف بن أسباط قال: "تخليص النية من فسادها أَشَدُّ على العاملين من طول الاجتهاد". * * * • وقيل لنافع بن جُبَيْر (٢) ألا تشهد الجِنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي قال: ففكر هنيهة (٣) ثم قال: امض. • وعن مطرف بن عبد الله قال: "صلاحُ القلب بصلاح العمل، وصلاحُ العمل بصلاح النية (٤) ". • وعن بعض السلف قال: "من سَرَّه أنْ يكمل له عمله فليُحْسِن نيَّته؛ فإن الله يأجر العبد إذا حَسُنَتْ نيته حتى باللقمة". * * * • وعن ابن المبارك قال: "رُبَّ عملٍ صغير تُعَظِّمه النية، ورب عمل كبير تُصَغِّره النية". * * * • وقال ابن عجلان: "لا يَصْلُح العمل إلا بثلاث: التقوى لله؛ والنية الحسنة؛ والإصابة". * * *

стр. 66

• وقال الفضيل بن عياض: "إنما يريدُ الله منك نِيَّتَكَ وإرادتَك". * * * • وعن يوسف بن أسباط قال: "إيثار الله أفضلُ من القتل في سبيله" (١). * * * • خرج ذلك كلَّه ابنُ أبي الدنيا في "كتاب: الإخلاص والنية". * * * وروي فيه بإسناد منقطع عن عمر قال: "أفضل الأعمال أداء ما افترض الله ، والورَعُ عما حرم الله ، وصدْقُ النيَّة فيما عند الله ". * * * [قيمة الحديث بين الأحاديث]: وبهذا يُعلم معنى ما روي عن الإمام أحمد (٢) أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث: حديث: "الأَعَمالُ بِالنيَّاتِ". وحديث: مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". وحديث: "الْحَلالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ". فإن الدين كلَّه يرجع إلى فعل المأمْورَاتِ، وتَرْكِ المحظوراتِ، والتوقُّف عن الشبهات. وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير. [وتمام ذلك]: وِإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة ﵂: "مَنْ أَحْدَثَ فيِ أمْرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". والثاني أن يكون العمل في باطنه يُقْصَدُ به وجهُ الله كما تضمنه حديث عمر: "الأَعْمَالُ بِالنِّياتِ".

стр. 67

[أخلص العمل وأصوبه]: وقال الفضيل (١) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢). قال: "أخلصُهُ وأصوبُهُ، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابا لم يُقْبَل. وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل. حتى يكون خالصًا وصوابًا". قال: "والخالص: إذا كان لله . والصواب: إذا كان على السنة!؟ ". * * * [دليل ذلك]: • وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل (٣) قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤). • وقال بعض العارفين: "إنما تفاضلوا (٥) بالإرادات ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة". * * * [عود إلى شرح الحديث] • وقوله ﷺ : "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيا يُصِيبُها أو امْرأةٍ يَنْكحُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِليْه". * * *

стр. 68

[حكمة ترتيب الجمل في الحديث]: • لما ذكر ﷺ أن الأعمال بحسب النيات، وأن حَظَّ العامل من عمله نيتُه منْ خير أو شر. وهاتان كلمتان جامعتان، وقاعدتان كليتان، لا يخرج عنهما شيء -ذكر بعد ذلك مثالا من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال. * * * [أصل معنى الهجرة]: • وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي ﷺ ، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي، فأخبر ﷺ أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها. * * * [من هاجر حبًّا في الله ورسوله]: • فمن هاجر إلى دار الإسلام؛ حُبًّا لله ورسوله؛ ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه -حيث كان يعجز عنه في دار الشرك- فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقًا. وكفاه شرفًا وفخرًا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله. * * * [إعادة الشرط بلفظه]: • ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة. * * * [من هاجر للدنيا]: ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب دنيا (١) يصيبها أو امرأة

стр. 69

ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك. * * * • فالأول تاجر. • والثاني خاطب. وليس واحد منهما بمهاجر (١). * * * [التعبير بقوله إلى ما هاجر إليه]: وفي قوله "إلى ما هاجر إليه" تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به؛ حيث لما يذكره بلفظه. [حكمة أخرى لإعادة الجواب بلفظ الشرط]: • وأيضا فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة لا (٢) تعدد فيها؛ فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط. [وثالثة]: والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر؛ فقد يُهَاجر الإنسان لطلب الدنيا: مباحة تارة؛ ومحرمة تارة أخرى. وأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر؛ فلذلك قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه". يعني كائنا ما كان. * * * [كانت المهاجِرة تُحلَّف]: • وقد روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ (٣).

стр. 70

قال: "كانت المرأة إذا أتت النبيَّ ﷺ حَلَّفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبةً بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماسَ دُنْيا، وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ورسوله! ". أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والبزَّار في مسنده (١). وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرًا (٢). [قصة مهاجر أم قيس]: • وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش عن شقيق، هو أبو وائل، قال: "خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تَزَوَّجه حتى يهاجر، فهاجر؛ فتزوجته؛ فكنا نُسَمِّيه مهاجر أم قيس قال: فقال عبد الله -يعني ابن مسعود- "من هاجر يبتغي شيئًا فهو له" (٣). وهذا السياق يقتضي أن هذا لما يكن في عهد النبي ﷺ وإنما كان في عهد ابن مسعود. ولكن روى من طريق سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر؛ فتزوجها وكنا نسميه مهاجر أم قيس. • قال ابن مسعود ﵁: من هاجر لشيء فهو له. * * * [لا أصل لها]: • وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هى كانت سبب قول النبي ﷺ : "ومن كانت هِجْرَتُه إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امرَأةٍ يَنْكِحُهَا"، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في

стр. 71

كتبهم (١) ولم نر لذلك أصلا بإسناد يصح والله أعلم (٢). [قياس الأعمال على الهجرة]: وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى؛ فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد وغيرهما. وقد سئل النبي ﷺ عن اختلاف نيات الناس في الجهاد وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قَاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله". فخرج بهذا كلُّ ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية. [ومن ذلك الجهاد]: • فَفِي الصَّحيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسَىَ الأَشْعَريِّ ﵁: أنَّ أعْرابيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله! الرَّجُلُ يُقاتِلُ للَمَغْنَم، وَالرَّجلُ يُقَاتِل للذّكْرِ، والرَّجُلُ يُقَاتلُ ليُرى مَكانُهُ؛ فمن في سَبيل الله؟ (٣) فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَاتَلِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِي الْعُلْيَا فَهُو في سَبيِل الله". • وفي رواية لمسلم سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الرَّجُلِ يُقَايلُ شَجَاعةً، وَيُقَاتِلُ حَميَّةً، ويُقَاتلُ رِيَاءً فأيُّ ذَلِكَ فيِ سَبِيلِ الله؟ فَذكَرَ الْحَدِيثَ. • وفي رواية له أيضًا: الرَّجُلُ يُقُاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً (٤). * * *

стр. 72

• وخرَّج النّسائيُّ من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غَزَا يلتمس الأجر والذكر! ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شَيء له" ثم قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ (١) إِلا مَا كَانَ خَالِصًا وابْتُغِيَ بِه وَجْهُهُ" (٢). * * * • وخرَّجَ أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ الله! رَجُلٌ يُرِيدُ الجهَادَ وَهُوَ يَبْتَغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيا؟ فقال رَسُولُ الله ﷺ : "لَا أَجْرَ لَهُ" فأعَأدَ عَلْيهِ ثَلاثًا والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "لا أَجْرَ لَهُ" (٣). * * * • وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَأمَّا مَنَ ابتَغَى وَجْهَ الله: وَأطَاعَ الإمامَ، وأَنْفَقَ الكَرَيمةَ، وَيَاسَر الشَّريكَ (٤) وَاجتَنَبَ الْفَسَادَ -فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّه، وأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وسُمْعةً، وَعَصىَ الإِمَامَ، وأفْسَدَ فيِ الأَرْضِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالكَفَافَ" (٥). * * * • وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "قُلْتُ يَا رَسُولَ الله! أَخْبِرْنِي عَنِ الجهِاد والْغَزْو؟ فَقَالَ: إنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا بَعَثَكَ الله صَابِرًا مُحْتَسبًا، وإن قَاتَلْتَ مُرائيًا مُكاثِرًا بَعَثَك الله مُرائِيًا مُكاثِرًا: عَلَى أيِّ حَالٍ قَاتلْتَ أوْ قُتِلْتَ بَعَثكَ الله (٦) عَلَى تيك الحَال". * * *

стр. 73

[وتعليم العلم والإنفاق]: • وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حديث أبي هُرَيرَة (١) ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقولُ: "إِنَّ أوّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشهد فَأُتِيَ به فَغَرّفَهُ نعمه فَعرَفَها فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُ؟ قَالَ: كَذَبْتَ وَلكنَّكَ قَاتَلتَ لأنْ يُقَالَ جَريءٌ فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرِ به فَسُحِبَ عَلَى وَجْهه حتَّى أُلْقِيَ في النَّار". "وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعلْمَ وعلَّمَهُ وقَرَأ القُرآنَ فأُتِيَ بِه فَعَرّفه نِعَمَهُ فَعَرفَهَا قَال: فما عَمِلَتَ فِيها؟ قَالَ: تَعلّمْتُ العلْمَ وَعلَّمْتُهُ، وقَرأْتُ فِيكَ القُرآنَ؟ قَالَ: كَذَبْتَ ولكِنَّك تَعلّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عالِمٌ، وقَرأتَ القرآن لِيُقَال قَارئ (٢) فَقَدْ قيل ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْهه؛ حتى أُلْقِي في النَّار". " وَرَجلٌ وسُّعَ الله عليه وأَعْطَاهُ مِنْ أصناف الْمَال كُلِّه (٣) فأُتِيَ به فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ فَعَرفَها، قَال (٤) فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قَال (٥) مَا تَركْتُ مِنْ سَبيلٍ تحبُّ (٦) أنْ يُنفْقَ فِيها إلّا أنْفَقْتُ فِيها لك؟ قَالَ: كَذَبْتَ ولكنكَ فَعلْت لِيقَالَ هوُ جَوَادٌ؟ فَقَدْ قِيلَ، ثمّ أُمِرَ به فَسُحِبَ عَلىَ وَجْهه ثم (٧) أُلْقِيَ فيِ النَّار". * * * [معاوية يبكي عند سماعه هذا الحديث]: • وفي الحديث أن معاوية لما بلغه هذا الحديث بكى حتى غُشِيَ عليه فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّار﴾ (٨). * * *

стр. 74

[الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله]: • وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله كما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: • "مَنْ تَعلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتغَى به وَجْهُ الله لا يَتَعلَّمهُ إلا ليُصِيبَ له عَرضًا من الدّنيا لَم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يَوْمَ القِيامَة" (١). يعني رِيحهَا. * * * • وخرَّج الترمذي: من حديث كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ ليُمارِيَ به السُّفَهَاءَ، أو يُجَارِيَ بِه العُلَمَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وْجُوهَ النَّاس إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللهَ النَّار (٢) ". * * * • وخرجه ابن ماجه بمعناه (٣) من حديث ابن عمر وحذيفة وجابر ﵃ عن النبي ﷺ ولفظ حديث جابر: "لا تَعَلَّمُوا العِلْمَ لِتُبَاهُوا به العُلَمَاءَ، وَلا لتِمارُوا به السُّفَهَاءَ وَلا تخيَّروا به (٤) الْمَجَالِسَ؛ فَمَنْ فَعَل ذَلَك فالنّارَ النّارَ". * * * • وقال (٥) ابن مسعود ﵁: "لا تَعلَّموا لثلاث: لتُمَارُوا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصْرِفوا به وجُوهَ الناس إليكم، وابتغوا بقولكم

стр. 75

وفعلكم ما عند الله. فإنه يبقى، ويذهب ما سواه". [الوعيد على العمل لغير الله عمومًا]: • وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عمومًا. كما خرج الإمام أحمد من حديث أبيّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بَشِّرْ هذهِ الأُمَّةَ بالسَّناءِ (١) وَالرِّفْعَةِ وَالدِّين والتَّمكين في الأرض؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُم عَمَلَ الآخرة للِدّنْيَا لَئم يكُنْ لَهُ فيِ الآخِرِة نصيب" (٢). * * * [أقسام العمل لغير الله]: • واعلم أن العمل لغير الله أقسام: [رياء محض]: • فتارة يكون رياء محضا؛ بحيث لا يراد به سوى مراآة (٣) المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم؛ كما قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٥). كذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحْضِ (٦) في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٧). وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام. وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي
следующие страницы →