← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

تكون منيتي التي لا أقوم منها؛ فكان هذا دأبَه إذا أراد النوم. * * * • وقال بكر المزني: إن استطاع أَحَدُكم أن لا يبيتَ؛ إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ فليفعل؛ فإنه لا يدري لعله أن يبيتَ في أهل الدنيا، ويصبحَ في أهل الآخرة. * * * • وكان أويسٌ (١) إذا قيل له: كيف الزمان؟ قال: كيف الزمانُ على رَجُل إن أمسى ظن أنه لا يُصْبِح، وإن أَصْبَحَ ظن أنه لا يُمسي، فَمُبَشَّرٌ بالجنة أو النار؟. • وقال عون بن عبد الله: ما أنزل الموتَ كنه منزلته مَنْ عَدَّ غدًا من أجله؟!. كَمْ من مستقبل يومًا لا يستكمله! وكم من مؤمِّلٍ لغدٍ لا يدْرِكه! إنكم لو رأيتم الأجل ومسيرَه؛ لأبغضتم الأملَ وغروره. وكان يقول: إن مِنْ أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنه لا يدرك آخره. * * * • وكانت امرأة متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفسُ! الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبَحَت قالت: يا نفسُ! اليوم يومكِ لا يوم لكِ غيره، فاجتهدت. * * * • وقال بكر المزني: إذا أردتَ أن تنفعَك صلاتُكَ فقل: لَعَلِّي لا أصلي غيرَها وهذا مأخوذ مما روي عن النبي ﵌ أنه قال: "صلّ صلاة (٢) مودّع".

стр. 1087

• وأقام معروف الكرخي الصلاة ثم قال لرجل: تقدَّم فَصَلِّ بنا؟ فقال الرجل: إني إن صليتُ بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرَها؟ فقال معروف: وأنت تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى، نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع خير العمل (١). * * * • وطرق بعضهم باب أخ له فسأل عنه فقيل له: ليس هو في البيت، فقال: متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: مَنْ كانت نفسه في يد غيره مَنْ يَعلم متى يرجع؟ • ولأبي العتاهية: وما أدري وإن أملت عمرًا … لعلي حين أصبح لست أمسي ألم تر أن كل صباح يوم … وعمرك فيه (٢) أقصر منه أمس وهذا البيت الثاني أخذه مما روى عن أبي الدرداء والحسن أنهما قالا: ابنَ آدم! إنك لما تزل في هَدْمِ عُمُرِك منذ سقطت من بَطْنِ أُمّكَ. * * * • ومما أنشده بعض السلف: إنا لنفرحُ بالأيام نقطعها … وكلُّ يَومٍ مضَى يُدْنِي مِنَ الأجَل

стр. 1088

فاعْمَلْ لنفسك قبلَ الموت مجْتهِدًا … فإنما الربحُ والخسرَان في العمَلِ * * * [وخذ من صحتك]: • وقوله "وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك" يعني: اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السُّقْم، وفي الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت. وفي رواية: فإنك يا عبد الله! لا تدري ما اسمك غدًا؟ يعني لعلك غدًا من الأموات دون الأحياء. • وقد روى معنى هذه الوصية عن النبي ﷺ من وجوه، ففي صحيح البخاري عن، ابن عباس، عن النبي ﵌ قال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ" (١). [اغتنم خمسًا]: • وفي صحيح الحاكم، عن ابن عباس أن رسول الله ﵌ قال - لرجل وهو يعظه -: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِكَ، وصحتَك قَبْل سُقْمِك، وغناك قبل فقرك، وفراغَكَ قبل شُغْلِك، وحياتَك قبل مَوْتِكِ (٢) ". • وقال غنيم بن قيس: "كنا نتواعَظُ في أول الإسلام: ابن آدم! اعمل في فَراغك قبل شُغْلِك، وفي شبابك لكبرك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك، وفي حياتك لموتك (٣) ". * * * [بادروا ستًّا]: • وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال:

стр. 1089

"بادروا بالأعمال ستًّا؛ طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصَّةَ أحدكم، أو أمرَ العامة" (١). * * * [سبعًا]: • وفي الترمذي، عنه عن النبي ﵌ قال: "بادروا بالأعمال سبعًا؛ هل تنظرون (٢) إلا إلى فقرٍ منس، أو غنىً مُطِغٍ، أو مرضٍ مُفْسِدٍ، أو هَرَمٍ مُفْنِدٍ (٣) أو موت مُجْهِزٍ، أو الدجال فشرُّ غائبٍ منتظر، أو الساعةِ؛ فالساعةُ أدْهَى وأمرّ؟ " (٤). والمراد من هذا: أن هذه الأشياء كلّها تعوِّق عن الأعمال، فبعضُها يشغل عنه إما في خاصّة الإنسان كفقرِه، وغناه ومرضِهِ، وهَرَمِه وموته.

стр. 1090

[وفتنًا كقطع الليل]: وبعضها عام كقيام الساعة، وخروج الدجّال، وكذلك الفتن المزعجة كما جاء في حديحث آخر: "بادروا بالأعمال فتنًا كَقِطع الليل المظْلِم" (١). * * * [ما لا ينفع بعده عمل]: وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (٢). وفي الصحيحين (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "لا تقوم الساعةُ حتى تطلع الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنُوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خيرًا".

стр. 1091

وفي صحيح مسلم عنه عن النبي ﵌ قال: • "ثلاث إذا خرجْنَ لم ينفعْ نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبتْ في إيمانِهَا خيرًا: طلوعُ الشمس من مغربها، والدَّجالُ، ودابةُ الأرض" (١). • وفيه أيضًا عنه، عن النبي ﷺ قال: • "من تابَ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ من مغربها؛ تابَ الله عليه" (٢). • وعن أبي موسى، عن النبي ﵌ قال: "إن الله يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلعَ الشمس من مغربها" (٣). * * * وخرج الإمام أحمد (٤) والنسائي (٥) والترمذي (٦) وابن ماجه (٧) من حديث صفوان بن عسال، عن النبي ﵌ قال: "إن الله فتح بابًا قِبَلَ المغرب

стр. 1092

عرضه سبعون عامًا للتوبة، ثم لا يغلق حتى تطلع الشمس منه". • وفي المسند (١) عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو ومُعاوية، عن النبي ﵌ قال: "لا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتى تَطْلُعَ الشمسُ من المغربِ فإذا طلعت طُبِعَ على كل قلب بما فيه، وكُفِي الناسُ العمل". • ورُوي عن عائشة قالت: "إذا خرج أول الآيات طُرِحت الأقلام، وحُبِست الحفَظة، وشهدت الأجساد على الأعمال". • خرجه ابن جرير الطبري (٢). وكذا قال كثير بن مرة ويزيد بن شريح وغيرهما من السلف: "إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على القلوب بما فيها، وترفع الحفظة الأعمال، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملًا". • وقال سفيان الثوري: "إذا طلعت الشمس من مغربها طوَت الملائكة صحائفَها، ووضعت أقلامَها". * * * [وجوب المبادرة بالأعمال الصالحة]: • فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدَر عليها، ويحالَ بينه وبينها؛ إما بمرض أو موت أو بأن يدركه بعضُ هذه الآيات التي لا يُقْبلُ معها عملٌ. قال أبو حازم: "إنّ بضاعة الآخرة كاسدة يوشك أن تنفَق، فلا يوصَل منها إلى قليل ولا كثير". * * *

стр. 1093

ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له؛ إلا الحسرة والأسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حال يتمكَّن فيها من العمل؛ فلا تنفعه الأمنية. • قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) وقال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢) وقال : ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٣). • وفي الترمذي، عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من ميت يموتُ إلا ندم قالوا: وما نَدَامَتُه؟ يا رسول الله! (٤) قال: إنْ كان مُحسِنًا ندمَ (٥) أن لا يكونَ ازدادَ، وإن كان مسيئًا ندم (٦) أن لا يكون استعتب" (٧). فإذا كان الأمر على هذا فيتعين على المؤمن اغتنام ما بقى من عمره. ولهذا قيل: إن بقية عمر المؤمن لا قيمة له. • وقال سعيد بن جبير: "كُلُّ يومٍ يعيشُه المؤمنُ غَنيمَةٌ". • وقال بكر المزني: مَا مِنْ يومٍ أخرجَهُ الله إلى الدنيا؛ إلا يقول: يا ابنَ آدم! اغتنمني

стр. 1094

لعله لا يومَ بَعْدِي، ولا ليلة؛ إلا تُنادي: ابنَ آدم! اغتنمني لعله لا ليلةَ لكَ بعْدِي. ولبعضهم (١): اغتنم في الفراغ فضلَ ركوعٍ … فعسى أن يكونَ موتُكَ بغتهْ كم صحيح رأيت من غَيْرِ سُقْمٍ … ذَهَبَتْ نفسُه الصحيحة فَلْتَهْ؟! ولمحمود الوراق. مضى أمسُك الماضي شهيدًا معدَّلًا … وأَعقبه يومٌ عليكَ جديدُ فإن كنتَ بالأمس اقترفتَ إساءةً … فثنِّ بِإحْسَانٍ وأنتَ حَمِيدُ فيومُك إنْ أَعتَبتَهُ عادَ نفعُه … عليكَ وماضي الأمس لَيْسَ يعودُ ولا تُرْجِ فِعْلَ الخيرِ يَوْمًا إلى غَدٍ … لَعَلّ غَدًا يأتِي وَأنْتَ فَقِيدُ * * *

стр. 1095

الحديث الحادي والأربعون عَنْ أَبِي مُحمَّدٍ: عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "لا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ". قال الشيخ ﵀ حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ رُوِّيْنَاهُ في كِتَابِ الحُجَّةِ بإسْنَادٍ صَحِيحٍ. * * * [تخريج الحديث]: • يريد بصاحب كتاب الحجة: الشيخ أبا الفتح: نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد، نزيل دمشق. وكتابه هذا هو كتابُ "الحجة على تارك المحجة" يتضمن ذِكْر أصول الدين، على قواعد أهل الحديث والسنة. • وقد خرّج هذا الحديثَ الحافظُ أبو نُعيم في كتاب "الأربعين" وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار، وجياد الآثار، مما أجمع الناقلونَ على عدالة ناقليه، وخرَّجته الأئمة في مسانيدهم، ثم خرجه عن الطبراني: • حدثنا أبو زيد: عبد الرحمن بن حاتم المرادي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عُقْبةَ بنِ أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به، لا يزيغ عنه (١) ". • ورواه الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم الأصبهاني، عن ابن واره، عن نعيم بن حماد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا بعض مشيختنا: هشام أو غيره، عن ابن سيرين فذكره وليس عنده: "لا يزيغ عنه". • قال الحافظ أبو موسى المديني: هذا الحديث مختلَف فيه على نُعيم، وقيل فيه:

стр. 1096

حدثنا بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره. • قلت: تصحيح هذا الحديث بعيدٌ جدًّا من وجوه، منها: أنه حديث يتفرد به نعيم بن حماد المروزي، ونعيم هذا - وإن كان وثقه جماعة من الأئمة وخرّج له البخاري، فإن أئمةَ الحديث كانوا يحسنون به الظن؛ لصلابته في السنة، وتشدّده في الرد على أهل الأهواء، وكانوا يَنْسُبونه إلى أنه يهم، ويُشَبَّه عليه في بعض الأحاديث، فلما كثر عثُورهم على مناكيره، حكموا عليه بالضعف. فروى صالح بن محمد الحافظ، عن ابن معين؛ أنه سُئِل عنه فقال: ليس بشيء، ولكنه صاحب سنة. قال صالح: وكان يحدِّث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتابَع عليها. وقال أبو داود: عند نُعيم نحوُ عشرين حديثًا عن النبي ﵌ ليس لها أصل. وقال النسائي: ضعيفٌ، وقال مرة: ليس بثقة، وقال مرة: قد كثر تفرّده عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرة؛ فصار في حَدِّ مَنْ لا يُحْتَجُّ به. وقال أبو زرعة الدمشقي: يصل أحاديث يوقفها الناس. يعني أنه يرفع الموقوفات. وقال أبو عروبة الحرّاني: هو مظلم الأمر. • وقال أبو سعيد بن يونس: روى أحاديث مناكير عن الثقات. ونسبه آخرون إلى أنه كان يضعُ الحديث (١) وأين كان أصحابُ عبد الوهاب

стр. 1097

الثقفي، وأصحاب هشام بن حسان، وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث حتى يتفرد (١) به نعيم؟! • ومنها أنه قد اختلف على نُعيم في إسناده: • فروى عنه، عن الثقفي، عن هشام. • وروى عنه عن الثقفي: حدثنا بعض مشيختنا: هشام أو غيره. وعلى هذه الرواية فيكون الشيخ الثقفي غيرَ معروف عَيْنُه (٢). • وروى عنه عن الثقفي: حدثنا بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره. وعلى هذه الرواية، فالثقفي رواه عن شيخ مجهول، وشيخه رواه عن غير معين، فتزداد الجهالة في إسناده. • ومنها أن في إسناده عقبة بن أوس السَّدوسِي البصري. ويقال: فيه يعقوب بن أوس أيضًا. • وقد خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، حديثًا عن عبد الله بن عمرو.

стр. 1098

ويقال: عبد الله بن عُمَر. وقد اضطرَب في إسناده، وقد وثَّقه العجلي، وابنُ سعد وابنُ حبان. • وقال ابن خزيمة: روى عنه ابنُ سيرين مع جلالته. وقال ابن عبد البر: هو مجهول. وقال الغلابي في تاريخه: يزعمون أنه لم يسمع من عبد الله بن عمرو، وإنما يقول: قال عبد الله بن عَمرو فعلى هذا تكون رواياته عن عبد الله بن عمرو منقطعة، والله أعلم. * * * [معنى الحديث]: وأما معنى الحديث فهو أن الإنسان لا يكونا مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر (١) والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكْرَهُ ما نَهَى عنه. • وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع. • قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). • وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣). وذم سبحانه من كره ما أحبه الله، وأحبَّ ما كَرهَهُ الله؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٥) فالواجب على كل مؤمن أن يحبَّ ما أحبه الله محبةً توجِبُ له الإتيانَ بما وَجَب عليه منه؛ فإن زادت المحبةُ حتى أتى بما نُدب إليه منه كان ذلك فضلًا، وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهةً توجبُ له الكفَّ عما حَرَّم عليه منه.

стр. 1099

فإن زادت الكراهة حتى أوجبت (١) الكف عما كرهه تنزيهًا كان ذلك فضلًا. * * * • وقد ثبت في الصحيحين عنه ﵌ أنه قال: "لا يؤمنُ أحَدُكُم حتى أكونَ أحبَّ إليه مِن نفْسِه وَوَلَدِهِ وأهلِهِ والناس أجمعين" (٢). فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدمَ محبةَ الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبةُ الرسول تابعةٌ لمحبّة مرسله . والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعةَ والموافقة في حُبِّ المحبوبات، وبُغْضِ المكروهات؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤). قال الحسن: قال أصحاب النبي ﵌ للنبي ﷺ : يا رسول الله! إِنا نحب ربَّنا حبًّا شديدًا؛ فأَحب الله أن يجعل لحبه عَلَمًا، فأنزل الله هذه الآية (٥). • وفي الصحيحين عن النبي ﵌ قال: "ثلاثٌ منْ كُنَّ فيهِ وجد حلاوَة الإيمان: أن يكون الله ورسولُه أحب إليه مما سِوَاهُمَا، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبّهُ إلا لله وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن (٦) أنقذه الله منه كما يكرهُ أن يُلْقَى في

стр. 1100

النَّار" (١). [حب الله ورسوله وماذا يقتضيه؟]: فمن أحب الله ورسولَه محبةً صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحبَّ بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكرَهَ ما يكرهه الله ورسولُه، ويَرْضَى بما يرضى به الله ورسولُه، ويسخطَ ما يَسْخَطُه الله ورسوله، وأن يعملَ بجوارحه بمقتضى هذا الحبِّ والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك بأن ارتكبَ بعضَ ما يكرهه الله ورسوله، أو تركَ بعضَ ما يحبّه الله ورسولُه، مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوبَ من ذلك ويرجعَ إلى تكميل المحبة الواجبة. * * *

стр. 1101

قال أبو يعقوب النهرجوري (١): "كُلُّ مَن ادّعى محبةَ الله تعالى، ولم يوافق الله في أمره؛ فدعواه باطل، وكل محب ليس يخاف الله؛ فهو مغرور". وقال يحيى بنُ معاذ: "ليس بصادقٍ من ادَّعى محبةَ الله ، ولم يحفظ حدوده". * * * • وسئل رُوَيْمٌ عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال، وأنشد: ولو قلتَ لي متْ متُّ سمعًا وطاعةً … وقلتُ لداعي الموتِ أهلًا ومرحبًا!! ولبعض المتقدمين (٢). تعصي الإله وأنتَ تزعمُ حبَّهُ … هذا لعمري في القياس شنيعُ؟! لو كان حبُّكَ صادقًا لأطعتَهُ … إنَّ المحِبَّ لمن يُحِبُّ مطيعُ؟! * * * [منشأ المعاصي]: فجميع المعاصي، إنما (٣) تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضعَ من كتابه فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٤). وكذلك البدع: إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع. ولهذا يسمى أهلُها أهلَ الأهواء. • وكذلك المعاصي: إنما تقعُ من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله ومحبة (٥) ما يحبه. * * * [واجب المؤمن في المحبة]: • وكذلك حب الأشخاص: الواجبُ فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسولُ ﷺ .

стр. 1102

فيجب على المؤمن محبة الله، ومحبةُ مَنْ يحبُّه الله من الملائكة، والرسل، والأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين عمومًا. ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان؛ أن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وتحرم موالاة أعداء الله، ومن يكْرهه الله عمومًا. وقد سبق ذكر ذلك في موضع آخر. وبهذا يكون الدين كله لله. ومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان. [حين تكون العلاقات على أساس الهوى]: • ومن كان حبُّه وبغضُه وعطاؤهُ ومنعُه لهوى نفسه؛ كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب، فتجب (١) عليه التوبة من ذلك، والرجوعُ إلى اتباع ما جاء به الرسول ﵌ من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسولِه، على هوى النفس ومراداتها كلها. • قال وهيب بن الورد: "بلغنا - والله أعلم - أن موسى ﵇ قال: يا ربّ! أوصني، قال: أوصيك بي، قالها ثلاثًا، حتى قال في الآخرة: أوصيك بي أن لا يَعْرِضَ لك أمرٌ إلا آثرتَ فيه محبتي على ما سواها. فمن لم يفعل ذلك لم أزكّه ولم أرحمه (٢) ". [معنى الهوى أظنها: عند الإطلاق]: • والمعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق أنه الميل إلى خلاف الحق كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٤). • وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقًا فيدخل فيه الميلُ إلى الحق وغيره. وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه.

стр. 1103

• وسئل صفوان بن عسال: هل سمعت من النبي ﵌ يذكر الهوى؟ فقال: سأله أعرابي عن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم فقال: "المرء مع منْ أَحبَّ (١) ". ولما نزل قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٢) قالت عائشة للنبي ﵌: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك (٣). * * * • وقال عمر ﵁: في قصة المشاورة في أسارى بدر فهوِيَ رسول الله ﵌، ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت (٤). [الهوى في الحديث]: • وهذا الحديث مما جاء استعمال الهوى فيه بمعنى المحبة المحمودة. • وقد وقع مثل ذلك في الآثار الإسرائيلية كثيرًا. • وكلام مشايخ القوم وإشاراتهم نظمًا ونثرًا يكثر فيها هذا الاستعمال. * * * ومما يناسب معنى هذا الحديث من ذلك قول بعضهم. إن هواكَ الذي بقلبي … صَيَّرني سامعًا مطيعَا أخذت قلبي وغَمْضَ عيني … سلَبتنِي النومَ والهجوعَا فَذْر فؤادي وخُذْ رُقادِي … فقال؛ لا بلْ هُمَا جميعَا (٥).

стр. 1104

الحديث الثاني والأربعون عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِك ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "قالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ مِنْكَ وَلا أُبَالي. يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ [ولا أبالي] (١) يَا ابْن آدَمَ! إنَّكَ لَوْ أَتَيْتَني بِقُرَابِ الأَرْضِ خطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُ وَقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ [غريب] (٢). * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث تفرد به الترمذي (٣). • خرجه من طريق كثير بن فائد، حدثنا سعيد بن عُبَيد، سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول: حدَّثنا أنس، فذكره، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى. • وإسناده لا بأس به. • وسعيد بن عبيد هو الهنائي، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. ومن زعم أنه غير الهنائي؛ فقد وهم. • وقال الدارقطني: تفرّد به كثير بن فائد عن سعيد مرفوعًا. ورواه سَلْمُ بن قتيبة، عن سعيد بن عبيد، فوقفه على أنس. • قلت: قد روي عنه مرفوعًا وموقوفًا وتابعه على رفعه أيضًا أبو سعيد، مولى بني هاشم؛ فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا أيضًا. وقد روى أيضًا من حديث ثابت، عن أنس مرفوعًا، ولكن قال أبو حاتم: هو منكر.

стр. 1105

• وقد روى أيضًا من حديث أبي ذر، خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب، عن معد يكرب، عن أبي ذرّ، عن النبي ﵌ يرويه عن ربِّه تعالى؛ فذكره بمعناه (١). • ورواه بعضهم: عن شهر، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر، وقيل: عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ ولا يصح هذا القول. وروى من حديث ابن عباس، خرجه الطبراني من رواية قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﵌ (٢). • وروى بعضه من وجوه أخر. فخرج مسلم في صحيحه من حديث معرور بن سويد، عن أبي ذر، عن النبي ﵌ قال: يقول الله تعالى: "من تقرَّب مني شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا تقرَّبْتُ منه باعًا، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يُشْرك بِي شيئًا لقيتُه بِقُرَابِها مغفرةً" (٣). • وخرجه الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: "دخلت على أنس فقال: سمعتُ رسولَ ﵌ يقول: والذي نفسي بيده لو أخطأتُم حتى تملأَ خطاياكُم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتُم الله لغَفَر لكم (٤).

стр. 1106

[أسباب المغفرة]: وقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة. • أحدها: الدعاء مع الرَّجَاء؛ فإن الدعاءَ مأمورٌ به، ومَوْعُودٌ عليه بالإجابة كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير عن النبي ﵌ قال: "إنّ الدُّعاءَ هو العبادة" ثم تلا هذه الآية. وفي حديث آخر (١) خرجه الطبراني مرفوعًا: "من أُعْطِيَ الدعاءَ أعْطِيَ الإجابة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢). وفي حديث آخر: "ما كان الله ليَفتحَ عَلَى عَبْدٍ بابَ الدّعاءِ، ويغلقَ عنه بابَ الإجابة" (٣). لكن الدعاءَ سببٌ مقتضٍ للإجابة مع استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه. وقد تتخلّف إجابته (٤) لانتفاءِ بعض شروطه أو وجود بعض موانعه (٥). وقد سبق ذكر بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر (٦). [شرائط إجابة الدعاء]: • ومن أعظم شرائطه حضورُ القلب، ورجاءُ الإجابة من الله تعالى؛ كما خرجه

стр. 1107

الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: "ادعُوا الله وأنتم مُوقِنُونَ بالإجابة؛ فإن الله تعالى لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافلٍ (١) لاهٍ". • وفي المسند عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌ قال: "إنَّ هذه القلوبَ أوعية فبعضُها أَوْعَى من بَعْضٍ، فإذا سألتم الله فاسألوهُ وأنتم موقنونَ بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من ظهر قلب غافل (٢) ". • ولهذا نُهي العبد أن يقول في دعائه: "اللهم اغفر لي إن شئت" ولكن ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مُكرهَ له (٣)، ونُهي أن يستعجل، ويترك الدعاء؛ لاستبطاء الإجابة، وجُعِل ذلك من موانع الإجابة؛ حتى لا يقطع العبد رجاءَهُ من إجابة دعائه، ولو طالت المدة؛ فإنه سبحانه يحبُّ الملحِّينَ في الدعاء. • وجاء في الآثار أن العبدَ إذا دعا ربَّه، وهو يحبه قال: يا جبريل! لا تعجل بقضاء حاجة عبدي؛ فإني أحب أن أسمع صوته، وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) فما دام العبد يلح في الدعاء، ويطمعُ في الإجابة من غير قطع الرجاء، فهو قريبٌ من الإجابة. • ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يُفتح له. • وفي صحيح الحاكم عن أنس مرفوعًا "لا تَعْجِزُوا عن الدعاء؛ فإنه لن يَهْلِكَ مع الدُّعاءِ أحدٌ (٥) ".

стр. 1108

• ومن أهم ما يَسأل العبد ربّه مغفرةُ ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النبي ﵌ (١)، "حولها نُدَنْدِن". يعني حول سؤال الجنة والنجاة من النار. • قال أبو مسلم الخولاني: "ما عرضت لي دعوةٌ فذكرت النارَ؛ إلا صرفتُها إلى الاستعاذة منها". • ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبدَ يدعوه بحاجةٍ من الدنيا، فيصرفُهَا عنه، ويعوضه خيرًا منها، إما أن يصرف عنه بذلك سوءًا أو يدخرها (٢) له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبًا؛ كما في المسند والترمذي من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يدعو بدعاء؛ إلا آتاه الله ما سأل أو كفّ عنه من السوء مثلَه، ما لم

стр. 1109

يَدْعُ بإثْمٍ أو قطيعةِ رحم" (١). • وفي المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد، عن النبي ﵌ قال: "مَا مِنْ مُسْلمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ ليس له فيها إثمٌ أو قطيعةُ رَحِمٍ؛ إلا أعطاهُ الله بها إحْدَى ثَلاث: إما أن يُعجِّلَ له دعوتَهُ، وَإما أن يدَّخِرَهَا له في الآخرة، وإما أن يكْشِفَ عنه من السوءِ مثلَها" قالوا: إذًا نُكْثِر؟ قال: "الله أَكْثَرُ (٢) ". وخرجه الطبراني. وعنده: "أو يغفر له بها ذنبًا قد سلف" بدل قوله: "أو يكشفَ عنه من السوء (٣) مثلَها". وخرج الترمذي من حديث عبادة مرفوعًا نحو حديث أبي سعيد (٤) أيضًا. وبكل حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة والله تعالى يقول: "أنا عند ظن عبدي بي فَلْيَظُنَّ بِي ما شَاء". وفي رواية "فلا تَظُنّوا بالله إلَّا خيْرًا (٥) ".

стр. 1110

ويروى من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعًا "يأتي الله تعالى بالمؤمن يوم القيامة، فيقرّبُهُ حتى يجعله في حِجَابِهِ مِنْ جميع الخلق، فيقول له: اقرأ فيعرّفُه ذَنْبًا ذَنْبًا أتعرف؟ أتعرف؟ فيقول: نعم! نعم! ثم يلتفتُ العبدُ يمنةً ويَسْرَةً فيقولُ الله تعالى: "لا بأسَ عليك يا عبدي! أنتَ في سِتْرِي من جميع خَلْقِي، ليس بيني وبينك اليومَ

стр. 1111

أحدٌ يطَّلعُ علَى ذنوبك غيري، اذْهَبْ فقد غفرتُها لك بحرفٍ واحد من جميع ما أتيتني به قال: ما هو يا رب؟!! قال: كُنْتَ لا ترجُو العفوَ مِنْ أحَدٍ غيري" (١). فمن أعظم أسباب المغفرة: أن العبد إذا أذنبَ ذنبًا لم يرجُ مغفرته من غير ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوبَ، ويأخذ بها غيرُه. وقد سبق ذكر ذلك في شرح حديث أبي ذرّ: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي … الحديث. * * * [إنك ما دعوتني ورجوتني]: وقوله: "إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي". يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أسْتَكْثِرُه. وفي الصحيح عن النبي ﵌ قال: "إذا دعا أحدكم فلْيُعْظِمْ الرغبةَ؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء (٢). فذنوبُ العبادِ (٣) وإن عظمتْ؛ فإن عفوَ الله ومغفرته أعظمُ منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. وفي صحيح الحاكم عن جابر أن رجلًا جاء إلى النبي ﵌ وهو يقول: واذُنُوبَاهُ! مرتين أو ثلاثًا فقال له النبي ﵌: "قل: اللهم مغفرتُكَ أوسعُ من ذنوبي، ورحمتُك أرجَى عندي مِنْ عَمَلي" فقالها، ثم قال له: "عُد" فعاد، ثم قال له: "عد" فعاد، فقال له: "قم؛ فقد غفر الله لك (٤) ". * * *

стр. 1112

وفي هذا المعنى (١) يقول بعضهم: يا كَبيرَ الذنب عفو … الله من ذنبك أكبر ذنبك أعظم الأشياء في … جَانب عفو الله يَصْغُر وقال آخر: يا ربّ! إن عظمت ذنوبي كثْرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عفوَك أعظمُ إن كَانَ لا يَرْجُوكَ إلا مُحْسِنٌ … فمن الذي يدعو ويرجُو المجرمُ؟ مالي إليكَ وسيلةٌ إلا الرجَا … وجميل عفوك، ثم أَنِّيَ مُسْلِمُ؟ • السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار: ولو عظمت الذنوب، وبلغت الكثرة عَنَانَ السماء، وهو السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها، وفي الرواية الأخرى: لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم. والاستغفار طلبُ المغفرة. والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها. وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار. • فتارة يؤمر به. كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (٣). • وتارة يُمدحُ أهلُه. كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٤) ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٦).

стр. 1113

• وتارة يُذكَر أن الله يغفر لمن استغفره. كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١). وكثيرًا ما يُقْرَن الاستغفارُ بذكر التوبة؛ فيكون الاستغفار حينئذ عبارةً عن طلب المغفرة باللسان، والتوبةُ عبَارةً عن الإقلاع عن الذنوب بالقلبِ والجوارح. • وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة. كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه؛ فقد قيل: إنه أريد به الاستغفار المقتَرنُ بالتوبة. وقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آية آل عمران من عدم الإصرار؛ فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه، ولم يُصرَّ على فعله. فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد. ومجرد قول القائل: اللهم اغفر لي طلب منه للمغفرة ودُعَاءٌ بها، فيكون حكمه حكم سائر الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنب (٢) أو صادف ساعة من ساعات الإجابة؛ كالأسحار وأدبار الصلوات. • ويروى عن لقمان ﵇ أنه قال لابنه: "يا بنيَّ! عوِّد لسانك: اللهم! اغفر لي؛ فإن لله ساعات لا يردُّ فيها سائلًا (٣) ". • وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، وأينما كنتم؛ فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة. • وخرّج ابن أبي الدنيا في كتاب "حُسْنُ الظَّنِّ" من حديث أبي هريرة مرفوعًا (٤) بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء (٥) وإلى النجوم فقال: إني لأعلم (٦) أن لكِ ربًّا خالقًا اللهم! اغفر لي؛ فغفر له (٧). • وعن مورق قال: كان رجلٌ يعمل السيئاتِ فخرج إلى البَرِّيَة، فجمع ترابًا،

стр. 1114

فاضطجع مستلقيًا عليه فقال: ربِّ! اغفر لي ذنوبي، فقال: إن هذا ليعرف أن له ربًّا يغفر، ويعذب، فغفر له (١). • وعن مغيث بن سُمَيّ قال: بينما رجلٌ خبيثٌ فتذكر يومًا فقال: اللهم! غفرانك، اللهم! غفرانك، اللهم! غفرانك، ثم مات فغفر له (٢). • ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌: "إن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: ربِّ! أذنبتُ ذَنْبًا فاغفر لي، قال الله تعالى: علم عبدي أن له رَبًّا يغفرُ الذَّنْبَ، ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله تعالى ثم أذنبَ ذنبًا آخر فذكر مثل الأوّل مرتين أُخْرَيَيْنِ". • وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة "قد غفرتُ لعبدي فليعمل ما شاء" (٣). والمعنى ما دام على هذه الحال كلما أذنب استغفر، والظاهر أن مراده؛ الاستغفار المقرون بعدم الإصرار. ولهذا في حديث أبي بكر الصدّيق ﵁ عن النبي ﵌ قال: "ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة". خرّجه أبو داود (٤) والترمذي (٥).

стр. 1115

[الاستغفار مع الإصرار]: • وأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد، إن شاء الله أجابه، وإن شاء ردّه. • وقد يكون الإصرار مانعًا من الإجابة. وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "ويل للذين يصرون على ما فَعَلُوا وهُم يعلَمون" (١).

стр. 1116

• وخرّج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "التائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له، والمستغفر من ذنبٍ وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربِّه". ورفعه منكر، ولعله موقوف (١). • قال الضحاك: "ثلاثة لا يستجاب لهم؛ فذكر منهم: رجل مقيم على امرأة زنا، كلما قضى منها (٢) شهوته قال: رب! اغفر لي ما أصبت من فلانة، فيقول الرب: تحول عنها وأغفر لك، وأما ما دمت عليها مقيمًا؛ فإني لا أغفر لك". "ورجُلٌ عنده مالُ قوم يرى أهلَه فيقول: رب اغفر لي ما آكلُ من مال فلان، فيقول تعالى: رُدَّ إليهم مالَهم، وأَغْفِر لك، وأما ما لم تردَّ إليهم؛ فلا أغفرُ لك". • وقول القائل: أستغفرُ الله معناه: أطلبُ مغفرتَه، فهو كقوله: اللهم! اغْفِرْ لي، فالاستغفار التام الموجبُ للمغفرة: هو ما قارنَ عدَم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله، ووعدهم المغفرة (٣). • قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرةُ استغفاره تصحيحَ توبته؛ فهو كاذب في استغفاره. وكان بعضهم يقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير. وفي ذلك يقول بعضهم: أستغفر الله من: "أستغفرُ اللهَ" … من لفظة بَدَرَتْ خَالفْتُ مَعْنَاهَا؟!

стр. 1117

وكيف أرجو إجاباتِ الدعاء وقد … سدَدْتُ بالذنب عندَ الله مَجْرَاهَا؟! فأفضل الاستغفار ما اقترن (١) به ترك الإصرار، وهو حينئذ (٢) توبةٌ نصوحٌ. • وإن قال بلسانه: أستغفر الله، وهو غير مقلع بقلبه؛ فهو داع لله بالمغفرة كما يقول: اللهم! اغفر لي وهو حسن، وقد يرجى له الإجابة. • وأما من قال: هو توبة الكذابين (٣). فمراده أنه ليس بتوبة كما يعتقده بعضُ الناس. وهذا حق؛ فإن التوبة لا تكون مع الإصرار. وإن قال: "أستغفر الله وأتوب إليه" فله حالتان: • إحداهما: أن يكون مصرًّا بقلبه على المعصية؛ فهذا كاذب في قوله: "وأتوب إليه"؛ لأنه غير تائب، فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب، وهو غير تائب. • والثانية: أن يكون مقلعًا عن المعصية بقلبه. • فاختلف الناس في جواز قوله: وأتوبُ إليه فكرهه طائفة من السلف، وهو قول أصحاب أبي حنيفة؛ حكاه عنهم الطحاوي. • وقال الربيع بن خُثَيم: يكون قوله "وأتوب إليه" كذبة وذنبًا، ولكن ليقل: "اللهم تب عليّ" أو يقول: "اللهم! إني أستغفرك؛ فتب عليّ". وهذا قد يحمل على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله أشبه. • وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره: "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ وأسأله توبةً نصوحًا". • وروى عن حذيفة أنه قال: بحسب المرء (٤) من الكذب أن يقول: "أستغفر الله" ثم يعود. وسمع مطرف رجلًا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه فتغيظ عليه وقال: لعلك لا تفعل. وهذا ظاهره يدل على أنه إنما كره أن يقول: وأتوب (٥) إليه؛ لأن التوبة النصوح أن

стр. 1118

لا يعود إلى الذنب أبدًا فمتى عاد إليه؛ كان كاذبًا في قوله: "وأتوب إليه". • وكذلك سئل محمد بن كعب القُرظي عمن عاهد الله أن لا يعود إلى معصية أبدًا فقال: مَنْ أعظَمُ منه إثمًا؟ يتألّى على الله أن لا ينفذ فيه قضاؤه؟!. • ورجح قوله في هذا أبو الفرج بن الجوزي. • وروى عن سفيان بن عيينة نحو ذلك. • وجمهور العلماء على جواز أن يقول التائب: أتوب إلى الله، وأن يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية؛ فإن العزم على ذلك واجب عليه؛ فهو مخبر على ما عزم عليه (١) في الحال؛ ولهذا قال: "ما أصَرَّ مَن استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة" (٢) وقال في المعاود (٣) للذنب: "قد غفرتُ لعبدي؛ فليعمل ما شاء". • وفي حديث كفارة المجلس: أستغفرك اللهم وأتوب إليك! (٤). • وقطع النبي ﵌ سارقًا ثم قال له: "اسْتَغْفِرِ اللهَ وتُبْ إليه" فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه فقال: "اللهم تب عليه".

стр. 1119

خرجه أبو داود (١). • واستحب جماعة من السلف الزيادة على قوله: أستغفر الله وأتوب إليه. • فروى عن عمر ﵁ أنه سمع رجلًا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال له: قل يا حُميق! قل توبة من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. • وسئل الأوزاعي عن الاستغفار أيقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؟ فقال: إن هذا لَحَسَنٌ ولكن يقول: رب! اغفر لي حتى يتم الاستغفار. [أفضل أنواع الاستغفار]: • وأفضل أنواع الاستغفار: أن يبدأ العبدُ بالثناء على ربه. ثم يثنّى بالاعتراف بذنبه. ثم يسأل الله المغفرة. كما في حديث شداد بن أوس عن النبي ﵌ قال: "سيّد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم! أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت". خرجه البخاري (٢). • وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو، أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله!

стр. 1120

علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: "قل: اللهم! إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم (١) ". • ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ وأتوبُ إليه". وقد روى عن النبي ﵌ أنَّ من قاله غفر له وإن كان فر من الزحف. خرجه أبو داود والترمذي (٢). • وفي كتاب اليوم والليلة للنسائي عن خَبَّاب بن الأرَتّ، قال: قلتُ: يا رسول الله! كيف نستغفر!؟ قال: "قل: اللهم! اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك التواب الرحيم" (٣). • وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال. "ما رأيت أحدًا أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله ﵌ (٤) ". • وفي السنن الأربعة عن ابن عمر قال: "إن كنا لنعد لرسول الله ﵌ في المجلس الواحد مائة مرة يقول:

стр. 1121

"رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التوابُ الغفور" (١). • وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ قال: "والله! إني لأستغفر الله وأتوبُ إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (٢). • وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي ﵌ قال: "إنه ليُغَانُ على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" (٣). • وفي المسند عن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله! إني ذَرِبُ اللسان، وإن عامّة ذلك على أهلي؟ فقال: "أين أنتَ من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرّة" (٤). • وفي سنن أبي داود، عن ابن عباس، عن النبي ﵌ قال: "من أكثر من الاستغفار جعلَ الله له من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" (٥).

стр. 1122

قال أبو هريرة ﵁: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه كلَّ يوم ألف مرة". وذلك على قدر ديتي. • وقالت عائشة ﵂: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا". قال أبو المنهال: "ما جاور عبد في قبره مِنْ جَارٍ أحبَّ إليه من استغفار كثير". * * * [الاستغفار دواء الذنوب]: • وبالجملة فدواء الذنوب الاستغفار. • ورُوّينا من حديث أبي ذر مرفوعًا. "إن لكل داء دواءٌ، وإن دواءَ الذنوب الاستغفار" (١). قال قتادة: إنَّ هذا القرآن يدلّكم على دَائِكم ودوائِكُم؛ فأما دَاؤكُم: فالذنوب، وأما دواءكم: فالاستغفار". [و] قال بعضهم: "إنما معوّل المذنبين البكاءُ والاستغفارُ؛ فمن أهمته ذنوبه أكثر لها من الاستغفار". قال رياح القيسي: "لي نيف وأربعون ذنبًا؛ قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة". [من أحوالهم في الاستغفار]: • وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستًا (٢) وثلاثين، فاستغفر لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك؛ فإني غيرُ آمن من سطوة ربي أن يأخذني بها وأنا على خَطَر عظيم من قبول التوبة. ومن زاد أهتمامه بذنوبه؛ فربما تعلق بأذيال مَنْ قلّت ذنوبه يلتمس منهم الاستغفار. • وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول: "إنكم لم تذنبوا". • وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتَّاب: "قولوا: اللهم! اغفر لأبي هريرة" فيؤَمِّن

стр. 1123

على دعائهم. قال بكر المزني: لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي: لكان نوْلُه أن يُفْعلَ (١). ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد، والإحصاء فليستغفر الله مما علم الله؛ فإن الله قد علم كلَّ شيء وأحصاه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (٢) وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي ﵌: "أسألك من خير ما تَعْلَم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستَغْفِرُكَ لما تعلم؛ إنكَ أنْتَ عَلَّام الغُيُوبِ (٣) ". • وفي هذا يقول بعضهم: أستغفر الله مما يعلم اللّهُ … إن الشقي لَمَنْ لا يَرْحَمُ اللّهُ مَا أحلم اللّهَ عمّن لا يراقبُهُ … كلٌّ مُسِيءٌ ولكنْ يَحْلُم اللّهُ فَاسْتغِفرِ الله مما كانَ من زَلَلٍ … طُوبَى لمن كفَّ عما يكرهُ اللّهُ طُوبَى لمن حَسُنَتْ منه سَرِيرَتهُ … طُوبَى لمن ينْتَهِى عما نَهَى اللّهُ * * *

стр. 1124

[السبب الثالث]: • السبب الثالث (١) من أسباب المغفرة: التوحيد. وهو السبب الأعظم. فمن فقده؛ فقد المغفرة، ومن جاء به؛ فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فمن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض - وهو ملؤها، أو ما يقارب ملأها - خطايا؛ لقيه الله بقُرابها مغفرة لكنَّ هذا مع مشيئة الله ، فإن شاءَ غفر له، وإن شاء أخذَه بذُنُوبه، ثم كان عاقبته أن لا يُخَلَّد في النار، بل يُخْرَجُ منها ثم يُدْخَل الجنة. قال بعضهم: الموحد لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار. فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلِّها، بقلبه ولسانه، وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرةَ ما سلَف من الذنوب كُلِّها، ومنْعَعُه من دخول النار بالكلية. فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أَخرجت منه كُلَّ ما سوى الله محبةً، وتعظيمًا، وإجلالًا، ومهابةً، وخشيةً، ورجاءً، وتوكلًا. وحينئذ تُحرَق ذنوبُه وخطاياه كُلُّها ولو كانت مثل زَبَد البحر، وربما قَلَبَتْهَا حَسَنَاتٍ كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات؛ فإن هذا التوحيدَ هو الأُكسير الأعظم، فلو وُضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا؛ لقلبها حسنات، كما في المسند وغيره، عن أم هانئ عن النبي ﵌ قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا ولا يسبقها عمل" (٣). • وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي ﵌ قال لأصحابه: "ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله" فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﵌ يده، ثم قال: "الحمد لله، اللهم! بعثتني بهذه الكلمة، وأمَرْتَني بها، ووعدتني الجنة عليها، وإنك لا تخلف الميعاد"، ثم قال:

стр. 1125

"أبشروا؛ فإن الله (١) قد غَفَر لَكُم". • قال الشبلي: مَنْ ركن إلى الدنيا؛ أحرقته بنارها فصار رمادًا تذْرُوه الرياح! ومن ركن إلى الآخرة؛ أحرقته نورها فصار ذهبًا أحمر يُنتفَع به! ومن ركن إلى الله؛ أحرقه نور التوحيد فصار جوهرًا لا قيمة له! إذا عَلِقَتْ نارُ المحبة بالقلب أحرقت منه كل شيء ما سوى الرب ، فطهُرَ القلب - حينئذ - من الأغيار، وصلح غَرسًا للتوحيد. ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن (٢). غَصَّني الشوقُ إليهم بريقي … وا حريقي في الهوى وا حريقي! قد رماني الحب في لُج بَحْرٍ … فخذوا باللّه كفّ الغريقِ حلَّ عندي حُبّكُم في شَغَافِي … حلَّ مني كلَّ عَقْدٍ وَثِيقِ * * * • فهذا آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من الأحاديث في هذا الكتاب. ونحن بعون الله ومشيئته نذكر تتمة الخمسين حديثًا من الأحاديث الجامعة لأنواع العلوم، والحكم، والآداب، الموعود بها في أول الكتاب، واللّه الموفق للصواب، [وهو حسبنا ونعم الوكيل وإليه المآب]. * * *
следующие страницы →