"رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التوابُ الغفور" (١).
• وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ قال:
"والله! إني لأستغفر الله وأتوبُ إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (٢).
• وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي ﵌ قال: "إنه ليُغَانُ على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" (٣).
• وفي المسند عن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله! إني ذَرِبُ اللسان، وإن عامّة ذلك على أهلي؟ فقال: "أين أنتَ من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرّة" (٤).
• وفي سنن أبي داود، عن ابن عباس، عن النبي ﵌ قال: "من أكثر من الاستغفار جعلَ الله له من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" (٥).
стр. 1122
قال أبو هريرة ﵁: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه كلَّ يوم ألف مرة". وذلك على قدر ديتي.
• وقالت عائشة ﵂: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا".
قال أبو المنهال: "ما جاور عبد في قبره مِنْ جَارٍ أحبَّ إليه من استغفار كثير".
* * *
[الاستغفار دواء الذنوب]:
• وبالجملة فدواء الذنوب الاستغفار.
• ورُوّينا من حديث أبي ذر مرفوعًا.
"إن لكل داء دواءٌ، وإن دواءَ الذنوب الاستغفار" (١).
قال قتادة: إنَّ هذا القرآن يدلّكم على دَائِكم ودوائِكُم؛ فأما دَاؤكُم: فالذنوب، وأما دواءكم: فالاستغفار".
[و] قال بعضهم: "إنما معوّل المذنبين البكاءُ والاستغفارُ؛ فمن أهمته ذنوبه أكثر لها من الاستغفار".
قال رياح القيسي: "لي نيف وأربعون ذنبًا؛ قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة".
[من أحوالهم في الاستغفار]:
• وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستًا (٢) وثلاثين، فاستغفر لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك؛ فإني غيرُ آمن من سطوة ربي أن يأخذني بها وأنا على خَطَر عظيم من قبول التوبة.
ومن زاد أهتمامه بذنوبه؛ فربما تعلق بأذيال مَنْ قلّت ذنوبه يلتمس منهم الاستغفار.
• وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول: "إنكم لم تذنبوا".
• وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتَّاب: "قولوا: اللهم! اغفر لأبي هريرة" فيؤَمِّن
стр. 1123
على دعائهم.
قال بكر المزني: لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي: لكان نوْلُه أن يُفْعلَ (١).
ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد، والإحصاء فليستغفر الله مما علم الله؛ فإن الله قد علم كلَّ شيء وأحصاه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (٢) وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي ﵌: "أسألك من خير ما تَعْلَم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستَغْفِرُكَ لما تعلم؛ إنكَ أنْتَ عَلَّام الغُيُوبِ (٣) ".
• وفي هذا يقول بعضهم:
أستغفر الله مما يعلم اللّهُ … إن الشقي لَمَنْ لا يَرْحَمُ اللّهُ
مَا أحلم اللّهَ عمّن لا يراقبُهُ … كلٌّ مُسِيءٌ ولكنْ يَحْلُم اللّهُ
فَاسْتغِفرِ الله مما كانَ من زَلَلٍ … طُوبَى لمن كفَّ عما يكرهُ اللّهُ
طُوبَى لمن حَسُنَتْ منه سَرِيرَتهُ … طُوبَى لمن ينْتَهِى عما نَهَى اللّهُ
* * *
стр. 1124
[السبب الثالث]:
• السبب الثالث (١) من أسباب المغفرة: التوحيد.
وهو السبب الأعظم.
فمن فقده؛ فقد المغفرة، ومن جاء به؛ فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فمن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض - وهو ملؤها، أو ما يقارب ملأها - خطايا؛ لقيه الله بقُرابها مغفرة لكنَّ هذا مع مشيئة الله ، فإن شاءَ غفر له، وإن شاء أخذَه بذُنُوبه، ثم كان عاقبته أن لا يُخَلَّد في النار، بل يُخْرَجُ منها ثم يُدْخَل الجنة.
قال بعضهم: الموحد لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار.
فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلِّها، بقلبه ولسانه، وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرةَ ما سلَف من الذنوب كُلِّها، ومنْعَعُه من دخول النار بالكلية.
فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أَخرجت منه كُلَّ ما سوى الله محبةً، وتعظيمًا، وإجلالًا، ومهابةً، وخشيةً، ورجاءً، وتوكلًا.
وحينئذ تُحرَق ذنوبُه وخطاياه كُلُّها ولو كانت مثل زَبَد البحر، وربما قَلَبَتْهَا حَسَنَاتٍ كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات؛ فإن هذا التوحيدَ هو الأُكسير الأعظم، فلو وُضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا؛ لقلبها حسنات، كما في المسند وغيره، عن أم هانئ عن النبي ﵌ قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا ولا يسبقها عمل" (٣).
• وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي ﵌ قال لأصحابه: "ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله" فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﵌ يده، ثم قال: "الحمد لله، اللهم! بعثتني بهذه الكلمة، وأمَرْتَني بها، ووعدتني الجنة عليها، وإنك لا تخلف الميعاد"، ثم قال:
стр. 1125
"أبشروا؛ فإن الله (١) قد غَفَر لَكُم".
• قال الشبلي:
مَنْ ركن إلى الدنيا؛ أحرقته بنارها فصار رمادًا تذْرُوه الرياح!
ومن ركن إلى الآخرة؛ أحرقته نورها فصار ذهبًا أحمر يُنتفَع به!
ومن ركن إلى الله؛ أحرقه نور التوحيد فصار جوهرًا لا قيمة له!
إذا عَلِقَتْ نارُ المحبة بالقلب أحرقت منه كل شيء ما سوى الرب ، فطهُرَ القلب - حينئذ - من الأغيار، وصلح غَرسًا للتوحيد.
ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن (٢).
غَصَّني الشوقُ إليهم بريقي … وا حريقي في الهوى وا حريقي!
قد رماني الحب في لُج بَحْرٍ … فخذوا باللّه كفّ الغريقِ
حلَّ عندي حُبّكُم في شَغَافِي … حلَّ مني كلَّ عَقْدٍ وَثِيقِ
* * *
• فهذا آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من الأحاديث في هذا الكتاب.
ونحن بعون الله ومشيئته نذكر تتمة الخمسين حديثًا من الأحاديث الجامعة لأنواع العلوم، والحكم، والآداب، الموعود بها في أول الكتاب، واللّه الموفق للصواب، [وهو حسبنا ونعم الوكيل وإليه المآب].
* * *
стр. 1126
الحديث الثالث والأربعون
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ ﵌: "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتِ الفَرَائِضُ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ".
خَرَّجَهُ البُخَاريُّ وَمُسْلِمٌ (١).
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث الذي زعم بعض شرَّاح هذه الأربعين أن الشيخ رحمه الله تعالى أغفله فإنه مشتمل على أحكام المواريث، وجامعٌ لها.
وهذا الحديث خرجاه من رواية وُهَيْب، ورَوْح بن القاسم، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس (٢).
• وخرجه مسلم من رواية معمر، ويحيى بن أيوب، عن ابن طاوس، أيضًا (٣).
وقد رواه الثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وغيرهم، عن ابن طاوس، عن أبيه مرسلًا من غير ذكر ابن عباس.
стр. 1127
ورجح النسائي إرساله (١).
وقد اختلف العلماء في معنى قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها".
فقالت طائفة: المراد بالفرائض: الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى، والمراد: أعطوا الفرائضَ المقدرة لمن سماها الله لهم، فما بقى بعد هذه الفروض فيستحقه أَوْلَى الرجال.
• والمراد بالأولى:
الأقرب؛ كما يقال: هذا يلي هذا، أي: يقرب منه، فأقرب الرجال هو: أقرب العصبات؛ فيستحق الباقي بالتعصيب.
وبهذا المعنى فسر الحديثَ جماعةٌ من الأئمة منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه نقله عنهما إسحَق بنُ منصور.
وعلى هذا: فإذا اجتمع بنتٌ وأختٌ وعمٌّ أو ابنُ عم أو ابن أخ فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت: العصبة.
وهذا قول ابن عباس وكان يتمسك بهذا الحديث ويُقرّ بأن الناس كُلّهم على خلافه.
• وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضًا.
وقال إسحاق: إذا كان مع البنت والأخت عصبة؛ فالعصبة أولى، وإن لم يكن معها أحد؛ فالأخت لها الباقي.
وحكى عن ابن مسعود أنه قال: البنت عصبة من لا عصبة له.
وردّ بعضهم هذا وقال: لا يصحّ عن ابن مسعود.
وكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس، ثم رجعا عنه.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع البنت عَصَبة لها ما فضل، منهم: عمر، وعليّ، وعائشة، وزيد، وابنُ مسعود، ومعاذ بن جبل: وتابَعهُم سائر العلماء.
• وروى عبد الرزاق: (٢) أنبأنا ابن جريج: سألت ابن طاوس، عن ابنة وأخت، فقال: كان أبي يذكر عن ابن عباس، عن رجل، عن النبي ﵌ فيها شيئًا، وكان طاوس لا يرضى بذلك الرجل، قال: "وكان أبي يشكّ فيها، ولا
стр. 1128
يقول فيها شيئًا، وقد كان يسئل عنها".
[مراد طاووس]:
• والظاهر - واللّه أعلم - أن مراد طاووس هو هذا الحديث؛ فإن ابن عباس لم يكن عنده نص صريح عن النبي ﵌ في ميراث الأخت مع البنت، إنما كان يتمسك بمثل عموم هذا الحديث. وما ذكره طاووس أن ابن عباس رواه عن رجل، وأنه لا يرضاه، فابن عباس أكثر رواياته للحديث عن الصحابة، والصحابة كلهم عدول قد ﵃، وأثنى عليهم؛ فلا عبرة بعد ذلك بعدم رضا طاووس.
[قضاء أبي موسى في بنت وبنت ابن وأخت]:
• وفي صحيح البخاري، عن أبي قيس الأودي، عن هُزَيْل بن شرحبيل قال: "جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فسأله عن ابنة، وابنة ابن، وأختٍ لأب وأم"، فقال: "للابنة النصف، وللأخت ما بقي" وائت ابن مسعود فسيتابعني؛ فأتى ابنَ مسعود، فذكر ذلك له، فقال: "لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﵌: للابنة النصف، ولابنة الابن السُّدُس تكملةَ الثُّلُثينِ، وما بقي فللأخت، قال: فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبْرُ (١) فيكُم".
[قضاء معاذ في بنت وأخت]:
وفيه أيضًا: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد قال: "قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ : النصف للابنة، والنصف للأخت".
ثم ترك الأعمش ذكر عهد رسول الله ﵌ فلم يذكره (٢).
• وخرجه أبو داود من وجه آخر عن الأسود، وزاد فيه: "ونبي الله ﵌ يومئذ حي (٣) ".
стр. 1129
[استدلال ابن عباس بآية الكلالة]:
• واستدل ابن عباس لقوله بقول الله : ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١)، وكان يقول: أأنتم أعلم أم الله؟ يعني أن الله لم يجعل لها النصفَ؛ إلا مع عدم الولد، وأنتم تجعلون لها النصفَ مع الولد وهو البنت.
[والصواب]:
• والصواب قول عمر والجمهور، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأن المراد بقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ بالفَرْضِ، وهذا مشروطٌ بعدم الولد بالكلية؛ ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٢) يعني بالفرض والأخت الواحدة؛ إنما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا، إنما يستحقون الثلثين مع عدم وجود الولد: الذكر والأنثى.
• فإن كان هناك ولد؛ فإن كان ذكَرًا؛ فهو مقدَّمٌ على الأخوة مطلقًا ذكورهم وإناثهم.
• وإن لم يكن هناك ولد ذكر بل أنثى؛ فالباقي بعد فَرْضِهَا يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق.
• فإذا كانت الأختُ لا يسقطها أخوها فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه؟.
• وإذا لم يكن العصبة الأبعد مُسقِطًا لها فيتعين تقديمُها عليه؛ لامتناع مشاركته لها.
• فمفهوم الآية: أن الولدَ يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض، وهذا حق؛ ليس مفهومها أن الأخت تسقط بالبنت، ولا تأخذُ ما فضَلَ من ميراثها؛ يدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (٣).
وقد أجمعت الأمة على أن الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخيه (٤) ما فضل عن البنت أو البنات. وإنما وجود الولد، والأنثى يمنع أن يحوز الأخُ ميراثَ أخيه (٥) كلَّه.
стр. 1130
• فكما أن الولَد إنْ كان ذكرًا منع الأخَ من الميراث، وَإِن كان أنثى لم يمنعه الفاضل عن ميراثها، وإن منعه حيازةَ الميراث، فكذلك الولد إن كان ذكرًا، منع الأختَ الميراثَ بالكليّة، وإن كان أنثى منعت الأخت أن يفرض لها النصف، ولم تمنعها أن تأخذ ما فضَل عن فرضها والله أعلم.
* * *
[فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر]:
وأما قوله: "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر".
• فقد قيل: إن المرادَ به العصبةُ البعيدُ خاصة كبني الإخوة، والأعمام، وبنيهم، دون العصبة القريب، بدليل أن الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى، إذا كان العصبةُ قريبًا كالأولاد والإخوةِ بالاتفاق، فكذلك الأخت مع البنت بالنص الدال عليه.
وأيضًا؛ فإنهُ يُخَضُّ منه هذه الصورة بالاتفاق، وكذلك يُخَصُّ منه المعتقَة مولاة النعمة بالاتفاق، فتُخَصُّ منه صورةُ الأخت مع البنت بالنص.
* * *
• وقالت طائفة آخرون (١).
المراد بقوله: "ألحقوا الفرائضَ بأهلها" ما يستحقه ذوو الفروض في الجملة، سواء أخذوه بفرض أو بتعصيب طرأ لهم.
والمراد بقوله: "فما بقى فلأولى رجل ذكر": العصبةُ الذي ليس له فرض بحال ويدل عليه أنه قد رُوِيَ الحديثُ بلفظ آخر وهو: "أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله" (٢)؛ فدخل في ذلك كل من كان من أهل الفروض بوجه من الوجوه.
وعلى هذا - فما تأخذه الأخت مع أخيها، أو ابن عمها، إذا عصَّبها هو داخلٌ في هذه القسمة؛ لأنها من أهل الفرائض في الجملة.
فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت.
* * *
стр. 1131
• وقالت فرقة أخرى:
المراد بأهل الفرائض في قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها"، وقوله: "اقسموا المالَ بين أهل الفرائض" جملة من سمّاه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلّهم؛ فإن كل ما يأخذه الورثة؛ فهو فرضٌ فرضَهُ الله لهم، سواء كان مقدَّرًا أو غَيْرَ مقدّر؛ كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (١) وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٢). وهذا يشملُ العصبات وذوي الفروض؛ فلذلك قوله: "اقسموا الفرائض بين أهلها على كتاب الله" يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله.
فإن قسم على ذلك ثم فضل منه شيء فيخْتَصُّ (٣) بالفاضل؛ أقرب الذكور من الورثة.
ولذلك - إن لم يوجد في كتاب الله تصريحٌ بقسمته بين من سماه الله من الورثة: فيكون؛ حينئذٍ المال لأَوْلَى رجل ذكر منهم.
* * *
[هذا الحديث بيّن قسمة المواريث]:
• فهذا الحديث مبيّن لكيفية قسمة المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها، ومبيّن لقسمة ما فضل من المال عن تلك القسمة مما لم يُصَرِّحْ به في القرآن من أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبين أيضًا لكيفية توريث بقية العصَبات الذين لم يُصَرَّح بتسميتهم في القرآن.
[وإذا ضم إلى آيات القرآن في ذلك]:
• فإذا ضُمَّ هذا الحديث إلى آيات القرآن انتظم في (٤) ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات.
• ونحن نذكر حكم توريث الأولاد والوالدين، كما ذكره الله تعالى في أول (٥)
стр. 1132
سورة النساء، وحكم توريث الإخوة من الأبوين أو من الأب، كما ذكره الله تعالى في آخر السورة المذكورة.
* * *
[توريث الأولاد]:
• فأما الأولاد؛ فقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) فهذا حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم: أنه يكون للذكر مثلُ حظ الأنثيين، ويدخلُ في ذلك: الأولادُ وأولاد البنين باتفاق العلماء، فمتى اجتمع من الأولاد إخوة وأخوَات، اقتسموا الميراثَ على هذا الوجه عند الأكثرين.
[بنت أو أكثر مع ابن ابن وأخته]:
• فلو كان هناك بنتٌ للصلب أو ابنتان وكان هناك ابنُ ابنٍ مع أخته اقتسما الباقي أثلاثًا؛ لدخولهم في هذا العموم.
هذا قول جمهور العلماء، منهم عمر ﵁، وعلي ﵁، وزيدٌ ﵁، وابن عباس ﵁.
• وذهب إليه عامةُ العلماءِ والأئمةُ الأرْبعة.
• وذهب ابنُ مسعودٍ إلى أن الباقي بعد استكمال بنات الصلب الثلثين كلُّه لابن الابن، ولا يعصّبُ أختَه، وهو قول علقمة، وأبي ثور، وأهل الظاهر، فلا يعصِّب الولدُ عندهم أُخْتَه؛ إلا أن يكون لها فريضةٌ لو انفردتْ عنه.
• وكذلك قالوا فيما إذا كان هناك بنتٌ وأولادُ ابنٍ ذكور وإناث: "إن الباقي لجميع ولد الابن: للذكر منهم مثلُ حَظِّ الأنثَيَيْنِ".
• وقال ابن مسعود في بنت وبنات ابن وبني ابن: للبنت النصف، والباقي بين ولد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ إلا أن تزيد المقاسمة بناتِ الابن على السُّدُس فيفرضُ لهن السُّدُسُ، ويجعل الباقي لبني الابن وهو (٢) قول أبي ثَوْر (٣) وأما الجمهور فقالوا: النصف الباقي لولد الابن؛ للذكر مثلُ حظ الأنثيين عملًا بعموم الآية.
• وعندهم أن الولد وإن نزل يعصب من في درجته بكل حال، سواء كان للأنثى
стр. 1133
فرضٌ بدونه أو لم يكنْ.
ولا يعصّب من هو (١) أعلى منه من الإناث؛ إلا بشرط أن لا يكون لها فرض بدونه، ولا يعصِّبُ مَن [هو] أسفل منه بكل حال، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (٢) فهذا حكم انفراد الإناث من الأولادِ: أنَّ للواحدة النصفَ، ولا فوق الاثنتين الثلثان.
• ويدخل في ذلك بنات الصُّلب، وبناتُ الابن عند عدَمهِنّ، فإن اجتمعن، فإن استكملَ بناتُ الصُّلْبِ الثلثين، فلا شيء لبنات الابن المنفردات، وإن لم يستكمل البناتُ الثلثين، بل كان ولدُ الصلب بنتًا واحدة (٣) ومعها بنات ابن؛ فللبنت النصف؛ ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين، لئلا يزيد فرضُ البنات على الثلثين.
• وبهذا قضى النبي ﵌ في حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره (٤).
وهو قول عامة العلماء؛ إلا ما روي عن أبي موسى، وسلمان بن ربيعة، أنه لا شيء لبنات الابن.
• وقد رجع أبو موسى إلى قول ابن مسعود لمَّا بلغه قولُه في ذلك (٥).
• وإنما أشكل على العلصاء حكم ميراث البنتين؛ فإن لهما الثلثين بالإجماع كما حكاه ابن المنذر وغيره.
• وما حكى فيه عن ابن عباس: أن لهما النصف؛ فقد قيل: إن إسناده لا يصح، والقرآن يدل على خلافه، حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (٦).
فكيف تورَّثُ أكثر من واحدة النصف؟.
[بنت وبنت ابن وبنتان]:
• وحديث ابن مسعود في توريث البنت النصفَ، وبنتِ الابن السدُسَ، تكملةَ الثلثين يدل على توريث البنتين الثلثين بطريق الأولى.
стр. 1134
• وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث جابر أن النبي ﵌ ورَّث ابنتي سعد بن الربيع الثلثين (١).
ولكن أشكل فهم ذلك من القرآن لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٢).
فلهذا اضطرب الناس في هذا.
• وقال كثير من الناس فيه أقوالًا مستبعدة (٣).
• ومنهم من قال: استُفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين؛ فإنه قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (٤).
• واستفيد حكم ميراث أكثر من الأُختين من حكم ميراث ما فوق الاثنتين.
• ومنهم من قال: البنت مع أخيها لها الثلث بنص القرآن، فلأن يكونَ لها الثُّلُثُ مع أختها أولى.
• وسلك بعضهم مسلكًا آخر:
وهو أن الله تعالى ذكر حُكْمَ توريثِ اجتماع الذكور والإناث من الأولاد، وذكر حكم توريث الإناث إذا انفردن عن الذكور، ولم ينصَّ على حكم انفراد الذكور منهم عن الإناث، وجعل حكم الاجتماع أن الذكر له مثلُ حظ الأنثيين، فإن اجتمع مع الابن ابنتان فصاعدًا؛ فله مثل نصيب اثنتين منهن.
стр. 1135
وإن لم يكن معه إلا ابنة واحدة؛ فله الثلثان ولها الثلث.
وقد سمى الله ما يستحقه الذكر حظ الأنثيين مطلقًا، وليس الثلثان حظّ الأنثيين في حال اجتماعهما مع الذكر؛ لأن حظَّهُمَا؛ حينئذ النِّصْفُ، فتعين أن يكون الثلثان حَظَّهُمَا حالَ الانفراد.
* * *
[انفراد الذكور]:
• وبقى ها هنا قسم ثالث لم يصرح القرآن بذكره وهو حكم انفراد الذكور من الولَدِ.
وهذا مما يمكن إدخاله في حديث ابن عباس: "فما بقي فلأَوْلَى رَجُلٍ ذكر" فإن هذا القسم قد بقي، ولم يصرح بحكمه في القرآن؛ فيكون المال حينئذٍ لأقرب الذكور من الولد.
والأمر على هذا؛ فإنه لو اجتمع ابنٌ وابنُ ابنٍ؛ لكانَ المالُ كُلُّه للابن.
ولو كان ابن ابن وابن ابن ابن؛ لكان المال كله لابن الابن على مقتضى حديث ابن عباس ﵄ والله أعلم.
* * *
[ميراث الأبوين]:
ثم ذكر تعالى حكم ميراث الأبوين فقال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١).
فهذا حكم ميراث الأبوين إذا كان للولد المتوفي ولدٌ، وسواء في الولد الذكر والأنثى، وسواء فيه ولد الصلب، وولد الابن، هذا كالإجماع من العلماء.
وقد حكى بعضهم عن مجاهد فيه خلافًا.
• فمتى كان للميت ولد أو ولدُ ابن وله أبوان، فلكل واحد من أبويه السدس، فرضًا، ثم إن كان الولد ذكرًا، فالباقي بعد سُدُسَيِ الأبوين له.
وربما دخل هذا في قوله ﵌: "ألحقوا الفرائضَ بأهْلِهَا فَمَا بَقِي فلأولى رَجُلٍ ذَكَرٍ".
стр. 1136
• وأقرب العصبات: الابن.
• وإن كان الولد أنثى، فإن كانتا اثنتين فصاعدًا فالثلثان لهن، ولا يَفضلُ من المال شيء.
• وإن كانت بنتًا واحدةً؛ فلها النصف، ويفضُلُ من المال سُدُسٌ آخر؛ فيأخذُه الأب بالتعصيب؛ عملًا بقوله ﵌: "ألْحِقُوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر".
فهو أولى رجل ذكر عند فقد الابن؛ إذ هو أقرب من الأخ وابنه، والعم وابنه.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١) يعني إذا لم يكن للميت ولد وله أبوان يرثانه، فلأمه الثلث.
فيفهم من ذلك: أن الباقي بعد الثلث للأب؛ لأنه أثبَتَ ميراثه لأبويه، وخَصَّ الأمَّ من الميراث بالثلث؛ فعلم أن الباقي للأب ولم يقل: فللأب مِثْلا ما (٢) لِلأُم؛ لئلا يوهم أن اقتسامهما المال هو بالتعصيب، كالأولاد والإخوة إذا كان فيهم ذكور وإناث.
[العمريتان]:
• وكان ابن عباس يتمسك بهذه الآية بقوله في المسألتين الملقبتين بالعمريتين؛ وهما زوج وأبوان وزوجة؛ فإن عمر قضى: أن الزوجين يأخذان فرضهما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسئلتين فللأم ثلُثٌ والباقي للأب.
وتابعه على ذلك جمهور الأمة.
[رأي ابن عباس]:
وقال ابن عباس: بل للأم الثلث كامِلًا تَمسّكًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٣).
[وقد يجاب عن ذلك]:
• وقد قيل في جواب هذا: إن الله إنما جعل للأم الثلث بشرطين.
стр. 1137
• أحدهما: أن لا يكون للولد المتوفي ولد.
والثاني: أن يرثه أبواه، أي أن ينفرد أبواه بميراثه، فما لم ينفرد أبواه بميراثه فلا تستحق الأم الثلث؛ وإن لم يكن للمتوفي ولد.
* * *
[ابن رجب وجواب لم يسبق به]:
• وقد يقال - وهو أحسن -: إن قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي مما ورثه الأبوان، ولم يقل: "فلأمه الثلث مما ترك" كما قال في السدس، فالمعنى: أنه إذا لم يكن له ولد وكان لأبويه من ماله ميراثٌ؛ فللأم ثُلُثُ ذلك الميراث الذي يختص به الأبوان، ويبقى الباقي للأب.
ولهذا السر - والله أعلم - حيث ذكر الله الفروضَ المقدرةَ لأهلها قال فيها: مما ترك أو ما يدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) ليبين أن ذا الفرض حقه ذلك الجزء المفروض المقدّر له من جميع المال بعد الوصايا والديون.
وحيث ذكر ميراث العصبَات أو ما يقتسمه (٢) الذكور والإناث على وجه التعصيب، كالأولاد والإخوة لم يقيِّدْهُ بشيء من ذلك؛ ليبين أن المال المقتسَمَ بالتعصيب ليس هو المالَ كُلّه، بل تارة يكون جميعَ المال، وتارةً يكون هو الفاضل عن الفروض المفروضة المقدَّرة، وهنا لما ذكر ميراثَ الأبوين من ولدهما الذي لا ولد له، ولم يكن اقتسامهما المال بالفرض المحض كما في ميراثها مع الولد، ولا كان بالتعصيب المحض الذي يُعَصِّبُ فيه الذكرُ الأنثى، ويأخذ مثلي (٣) ما تأخذه الأنثى؛ بل كانت الأم تأخذ ما تأخذُه بالفرض، والأبُ يأخذ ما يأخذُه بالتعصيب:
• وقال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٤) يعني أن القدْر الذي يستحقه الأبوان من ميراثه تأخذ الأم ثلثه فرضًا، والباقي يأخذه الأب بالتعصيب.
وهذا مما فتح الله به، ولا أعلم أحدًا سبق إليه ولله الحمد والمنة.
* * *
стр. 1138
[فإن كان له إخوة فلأمه السدس]:
• ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١).
يعني: للأمّ السدُس مع الإخوة من جميع التركة الموروثة التي تقتسمها الورثة، ولم يذكر هنا ميراث الأب مع الأم، ولا شك أنه إذا اجتمع أم وإخوة ليس معهم أب؛ فإن للأم السُّدُسَ، والباقي للإخوة، ويحجبها الأخوان فصاعدًا عند الجمهور.
• وأما إن كان مع الأم والأخوة أب؛ فقال الأكثرون: يحجُبُ الإخوة الأمّ (٢) ولا يرثون.
وروي عن ابن عباس: أنهم يرثون السدُس الذي حَجبُوا عنه الأم بالفرض، كما يرث ولد الأم مع الأم بالفرض.
• وقد قيل: إن هذا مبني على قوله: إن الكلالة من لا ولد له خاصة، ولا يشترط للكلالة فَقْدُ الوالد؛ فيرثُ الإخوة مع الأب بالفرض.
ومن العلماء المتأخرين من قال: "إذا كان الإخوه محجوبين بالأب؛ فلا يحجبون الأم عن شيء، بل لها حينئذٍ الثلث".
ورجحه الإمام أبو العباس بن تيمية [رحمة الله عليه].
وقد يؤخذ من عموم قول عمر وغيره من السلف من لا يرث لا يحجب (٣).
• وقد قال نحوه أحمد والخرقي، لكن أكثر العلماء يحملون ذلك على أن المراد: مَنْ ليس له أهلية الميراث بالكية كالكافر والرقيق، دون من لا يرث لِانْحِجَابِةِ بمن هو أقرب منه والله أعلم.
• وقد يشهد للقول بأن الإخوةَ إذَا كانوا محجُوبِين لا يَحْجُبُون الأُمَّ: أنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٤) ولم يذكر الأب؛ فدل على أن ذلك حكم انفراد الأم مع الإخوة، فيكون الباقي بعد السدس كُلُّه لهم.
وهذا ضعيف؛ فإن الإخوة قد يكونون من أم؛ فلا يكون لهم سوى الثلث والله أعلم.
стр. 1139
[الجد والجدة]:
واعلم أن الله تعالى ذَكَر حُكْم ميراثِ الأبوين، ولم يذكر الجدّ ولا الجدّة.
فأمّا الجدّة:
فقد قال أبو بكر الصديق ﵁، وعمر بن الخطاب ﵁: إنه ليس لهما في كتاب الله شيء.
وقد حكى بعضُ العلماء الإجماعَ على ذلك، وأن فرضَها إنما ثبت بالسنة.
• وقيل: إن السدسَ طُعْمَةٌ أطعمها رسول الله ﵌، وليس بفرض.
وكذا روي عن ابن مسعود، وسعيد بن المسيب.
• وقد روي عن ابن عباس من وجوه فيها ضعف، أنها بمنزلة الأم عند فقد الأم، ترث ميراث الأم؛ فترث الثلث تارة، والسدس أخرى.
وهذا شذوذ.
ولا يصح إلحاق الجدّة بالجدّ؛ لأن الجدّ عصبة يدلى بعصبة، والجدة ذات فرض؛ تدلى بذات فرض؛ فضعفت.
• وقد قيل: إنه ليس لها فرضٌ بالكلية وإنما السُّدُسُ طُعْمَةٌ أطعمها النبي ﵌.
ولهذا قالت طائفة ممن يرى الردّ على ذوي الفروض: إنه لا يُرَدُّ على الجدّة؛ لضعف فرضها، وهو رواية عن أحمد.
• وأما الجد: فاتفق العلماء على أنه يقوم مقام الأب في أحواله المذكورة من قبل، فيرث مع الولد السُّدُسَ بالفرض، ومع عدم الولد يرث بالتعصيب، وإن بقى شيءٌ مع إناث الولد أخذه بالتعصيب أيضًا؛ عملًا بقوله: "فما أبقت الفرائض فلأولى رَجُلٍ ذَكر" ولكن اختلفوا إذا اجتمع أم وجد مع أحد الزوجين، فروِي عن طائفة من الصحابة، أن للأم ثلثَ الباقي كما لو كان معها الأبُ كما سبق، روى ذلك عن عمر وابن مسعود - كذا نقله بعضهم.
• ومنهم من قال: إنما رُوي عن عمر، وابن مسعود في زوج وأم وجدّ: أن للأم ثلثَ الباقي.
стр. 1140
• وروي عن ابن مسعود رواية أخرى: أن النصف الفاضل بين الجدّ والأم نصفان.
• وأمّا في زوجة وأم وجد؛ فروي عن ابن مسعود رواية شاذة أن للأم ثلث الباقي.
• والصحيح عنه كقول الجمهور، أن لها الثلث كاملًا.
وهذا يشبه تفريق ابن سيرين في الأم مع الأب؛ أنه إن كان معهما زوج؛ فللأم ثلث الباقي، وإن كان معهما زوجة؛ فللأم الثلث.
• وجمهور العلماء على أن الأم لها الثلُث مع الجد مطلقًا، وهو قول على وزيدٍ وابنِ عباس.
* * *
[الأم مع الأب والجد]:
• والفرق بين الأم مع الأب ومع الجد: أنها مع الأب يشملهما اسم واحد، وهما في القرب سواء إلى الميت؛ فيأخذ الذكر منهما مثل حظ الأنثى مرتين (١)، كالأولاد والإخوة.
• وأما الأم مع الجد فليس يشملها اسمٌ واحدٌ، والجد أبعد من الأب؛ فلا يلزم مساواته به في ذلك.
[الجد والإخوة]:
• وأما إن اجتمع الجدّ مع الإخوة فإن كانوا لأمٍّ سقطوا به؛ لأنهم إنما يرثون من الكَلالة، والكَلالة "مَنْ لا وَلد له ولا والد"؛ إلا روايةً شذت عن ابن عباس.
وأما إن كانوا لأبٍ أو لأبوين، فقد اختلف العلماء في حكم ميراثهم قديمًا وحديثًا.
فمنهم من أسقط الإخوة بالجد مطلقًا، كما يسقطون بالأب؛ وهذا قولُ الصِّدِّيق ﵁، ومعاذٍ، وابن عباسٍ وغيرهم.
واستدلوا بأن الجد أبٌ في كتاب الله ؛ فيدخل في مسمى الأب في المواريث، كما أن ولد الولد ولد، ويدخل في مُسَمَّى الولد عند عدم الولد بالاتفاق، وبأن الإخوة؛ إنما يرثون مع الكلالة فيحجبهم الجدّ كالإخوة من الأب (٢)؛ وبأن الجد أقوى من الإخوة؛ لاجتماع الفرض والتعصيب له من جهة واحدة، فهو كالأب، وحينئذ فيدخل في عموم قوله ﵌: "فما بقي فلأَوْلى رجلٍ ذكر"
стр. 1141
ومنهم من شَرَّكَ بين الإخوة والجدّ، وهو قول كثير من الصحابة، وأكثر الفقهاء بعدهم على اختلاف طويل بينهم في كيفية التشريك بينهم في الميراث.
• وكان من السلف مَنْ يتوقف في حكمهم، ولا يُجيبُ فيهم بشيء؛ لاشتباه أمرهم، وإشْكاله.
ولولا خشية الإطالة؛ لبسطنا القول في هذه المسئلة، ولكن ذلك يؤدي إلى الإطالة جدًا.
* * *
[ميراث الإخوة والكلالة]:
• وأما حكم ميراث الإخوة للأبوين، أو للأب؛ فقد ذكره الله تعالى في آخر سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١) والكلالة مأخوذة من تَكَلُّل النسَب، وإِحاطته بالميت، وذلك يقتضي انتفاءَ الانتساب مطلقًا من العمودين: الأعلى والأسفل.
• وتنصيصه على انتفاء الولد، تنبيه على انتفاء الوالد بطريق الأَولى؛ لأن انتسابَ الولد إلى والده أظهر من انتسابه إلى ولده؛ فكان ذكر عدم الولد تنبيهًا على عدم الوالد بطريق الأولى.
• وقد قال أبو بكر الصديق ﵁: الكَلالَة: مَنْ لا ولد له ولا والد. وتابعه جمهور الصحابة، والعلماء بعدهم.
وقد روى ذلك مرفوعًا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﵌.
خرجه أبو داود في المراسيل (٢).
• وخرجه الحاكم من رواية عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا وصححه (٣).
стр. 1142
وَوَصْلُهُ بذكر أبي هريرة ضعيف.
فقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١):
يعني إذا لم يكن للميت ولد بالكلية، لا ذكر ولا أنثى؛ فللأخت حينئذ: النصف مما ترك فَرْضًا.
ومفهوم هذا: أنه إذا كان له وَلَدٌ فليس للأخْتِ النِّصْفُ فرضًا.
ثم إنما كان الولد ذكرًا؛ فهو أولى بالمال كله لما سبق تقريره في ميراث الأولاد الذكور إذا انفردوا؛ فإنهم أقربُ العصبات، وهم يُسْقِطُون الإخوة، فكيف لا يُسْقِطُون الأخَوَاتِ؟.
وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) وهذا يدخل فيه ما إذا كان هناك ذو فرض كالبنات وغيرهنّ.
فإذا استحق الفاضلَ ذكورُ الإخوة مع الأخوات، فإذا انفردوا فكذلك يستحقونه، وأولى.
وإن كان الولد أنثى؛ فليس للأخت هنا النصف بالفرض؛ ولكن لها الباقي بالتعصيب عند جمهور العلماء.
وقد سبق ذكر ذلك والاختلاف فيه (٣).
* * *
[ميراث الابن والأخ]:
فلو كان هناك ابن لا يستوعب المال كله (٤) وأخت مثل ابن نصفه حر عند من يورثه نصف الميراث، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء، فهل يقال: إن الابن هنا يُسقط نصفَ فرض الأخت فترث معه الربع فرضًا؟ أم يقال: إنه يصير كالبنت؛ فتصيرُ
стр. 1143
الأخْتُ معه عصبة كما تصير مع البنت؟ (١)، لكنه يُسْقِطُ نصفَ تَعْصِيبها فتأخذ معه النصف الباقي بالتعصيب؟. هذا محتمل.
وفي هذه المسألة لأصحابنا وجهان.
[ميراث الأخ من الأخت]:
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (٢).
يعني أن الأخ يستقل بميراث أخته إذا لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى، فإن كان لها ولد ذكر فهو أولى من الأخ بغير إشكال؛ فإنه أولى رجل ذكر.
وإن كان أنثى؛ فالباقي بعد فرضها يكون للأخ؛ لأنه أولى رجل ذكر، ولكن لا يستقل بميراثها حينئذ (٣)؛ كما إذا لم يكن لها ولد.
[الأختان]:
• وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٤).
يعني أنَّ فرض البنتين: الثلثان، كما أن فرض الواحدة: النصف؛ فهذا كله في حكم انفراد الإخوة والأخوات.
[الإخوة]:
• وأما حكم اجتماعهم فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٥) فدخل في ذلك ما إذا كانوا منفردين.
• وأما إذا كان هناك ذو فرض من الأولاد أو غَيرهم كأحد الزوجين، أو الأم، أو الإخوة من الأم؛ فيكون الفاضل عن فروضهم للإخوة والأخوات بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
فقد تبين بما ذكرناه: أن وجود الولد؛ إنما يُسْقِطُ فرضَ الأَخَوَاتِ من الأبوين أو الأب، ولا يُسْقِطُ توريثَهنّ بالتعصيب مع أخوَاتِهِنّ بالإجماع، ولا تعصِيبهن (٦) بانفرادهنّ مع البنات عند الجمهور، فالكلالة شرط لثبوت فرض الأخوات؛ لا لثبوت ميراثهنّ، كما أنه ليس بشرط لميراث ذكورهم بالإجماع.
وهذا بخلاف ولد الأم، فإن انتفاء الكلالة أسقطت فروضهم، وإذا أسقطت
стр. 1144
فروضهم؟ سقطت مواريثهم. لأنه لا تعصيب لهم بحال؛ لإدلائهم بأنثى، والأخواتُ للأبوين أو للأب يُدْلون بذكر فيرثن بالتعصيب مع إخواتهن بالاتفاق، وبانفرادهن مع البنات عند الجمهور.
وإذا كان الولد مسقطًا لفرض ولد الأبوين أو للأب دون أصل توريثهم بغير الفرض فقد يقال: إن الله تعالى إنما خص انتفاء الولد في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ولم يذكر انتفاء الوالد أو الأب؛ لأنه كان يدخل فيه الجدّ، والجدّ لا يُسْقِطُ ميراثَ الإخْوة بالكلية، وإنما يشتركون معه في الميراث تارة بالفرض، وتارة بغيره.
وهذا على قول من يقول: إن الجد لا يُسْقِطُ الإِخوة - وهم الجمهور - ظاهر، وهذا كله في انفراد ولد الأبوين أو الأب، فإن اجتمعوا فإن العصباتِ من ولد الأبوين يُسْقِطون ولدَ الأب كلَّهم بغير خلاف حتى في الأخت من الأبوين مع البنت عند مَنْ يجعلها عَصَبَةً يَسْقُطُ بها الأخُ من الأبوَيْنِ.
• وفي المسند (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن عليٍّ ﵁ قال: قَضَى رسولُ الله ﵌: "أنَّ أعيان بني الأم يرثون دون بني العَلَّات؛ يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه".
وقال عمرو بن شعيب: قضى رسول الله ﵌: أن الأخ للأب والأم أولى الكلالة بالميرات، ثم الأخ للأب.
стр. 1145
وهذا أيضًا مما يدخل في قوله ﵇: "فما بقى؛ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ".
• والتحقيق في ذلك: أن كل ما دل عليه القرآن ولو بالتنبيه، فليس هو مِمَّا أبقته الفرائض، بل هو من إلحاق الفرائض المذكورة في القرآن بأهلها، كتوريث الأولاد: ذكورهم وإناثِهم الفاضلَ عن الفروض: للذكر مثلُ حظِّ الأنثيين، وتوريثِ الإخوة: ذكورِهِم وإناثهم كذلك.
ودل ذلك بطريق التنبيه على أن الباقي يأخذه الذكر منهم عند الانفراد بطريق الأوْلَى، ودل أيضًا بالتنبيه على أن الأختَ تأخذُ الباقي مع البنت؛ كما كانت تأخذهُ مع أخيها، ولا يقدَّم عليها من هو أبعدُ منها كابن الأخ، والعم، وابنه؛ فإن أخاها إذا لم يُسْقطْهَا فكيف يُسْقِطُها مَنْ هُوَ أَبْعَد منه؟
• فهذا كله من باب إلحاق الفرائض بأهلها، ومن باب قسمة المال بين أهل الفرائض على كتاب الله.
* * *
[أولو الأرحام]:
• وأما من لم يذكر باسمه من العصبات في القرآن كابن الأخ والعم، وابنه؛ فإنما دخل في عمومات مثل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٢)؛ فهذا يُحتاج في توريثهم إلى هذا الحديث، أعني حديث ابن عباس.
فإذا لم يوجد للمال وارث غيرهم، انفردوا به، ويقدَّمُ منهم الأقربُ فالأقربُ؛ لأنه أولى رجلٍ ذكر.
وإن وجدت فروضٌ لا تستغرق المال كأحد الزوجين أو الأم، أو ولد الأم، أو بنات منفردات، أو أخوات منفردات؛ فالباقي كله لأولى ذَكَرٍ من هؤلاء.
ولهذا لو كان هؤلاء إخوة رجالًا ونساء؛ لاختص به رجالهم دون نسائهم، بخلاف الأولاد والإخوة؛ فإنه يشترك في الباقي، أو في المال كُلِّهِ ذُكُورُهم وإناثهم بنص القرآن. والحديث إنما دل على توريث العصبات الذين يختص ذكورهم دون إناثهم؛ وهم مَنْ عدا الأولاد والإخوة.
стр. 1146
فهذا حكم العصبات المذكورين في كتاب الله تعالى، وفي حديث ابن عباس.
• وأما ذوو الفرض فقد ذكرنا حكم مواريثهم، ولم يبق منهم؛ إلا الزوجان والإخوة للأم.
* * *
[الزوجان]:
• فأما الزوجان، فيرثان (١) بسبب عقد النكاح.
ولما كان بين الزوجين من الألفة، والمودة والتناصر، والتعاقب، ما بين الأقارب؛ جُعل ميراثُهُمَا كميراث الأقارب، وجُعل للذكر منهما مثلا ما للأنثى، لامتياز الذكر على الأنثى بمزيد النفع بالإنفاق، والنُّصْرة.
* * *
[الإخوة لأم]:
• وأما ولد الأم؛ فإنهم ليسوا من قبيلة الرجل، ولا عشيرته؛ وإنما هم في المعنى من ذوي رحمه؛ ففرض الله لواحدهم السُّدس، ولجماعتهم الثُّلُث؛ صلةً، وسوَّى فيه بين ذُكُورِهِمْ وإناثهم، حيث لم يكن لذكرهم زيادةٌ على أنثاهم في الحياة (٢) من المعاضدة والمناصرة، كما بين أهل القبيلة والعشيرة الواحدة؛ فسوَّى بينهم في الصلة.
ولهذا لم تُشرع الوصية للأجانب بزيادة على الثلُث، بل كان الثُّلُثُ كثيرًا في حقهم؛ لأنهم أبعدُ من ولد الأم؛ فينبغي أن لا يُزادُوا على ما يُوصَل به ولدُ الأم؛ بل يُنقصون منه.
واستدلّ بعضهم بقوله: "فما بقى فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" على أن لا ميراث لذوي الأرحام؛ لأنه لم يجعل حق الميراث لمن لم يذكر في القرآن؛ إلا لأقرب الذكور، وهذا الحكم يختص بالعصبات دون ذوي الأرحام؛ فإن من وَرَّث ذوي الأرحام ورث ذكورهم وإناثهم.
وأجاب (٣) من يرى توريثَ ذوي الأرحام، بأن هذا الحديث دلَّ على توريث العصبَات لا على نفي توريث غيرهم.
стр. 1147
وتوريث ذوي الأرحام مأخوذ من أدلة أخرى؛ فيكون ذلك زيادة على ما دل عليه حديث ابن عباس ﵄.
* * *
[وصف الرجل بالذكورة]:
• وأما قوله فلأولى (١) رجل ذكر مع أن الرجل لا يكون إلا ذكَرًا؛ فالجواب الصحيح عنه؛ أنه قد يُطلق الرجل، ويراد به الشخص كقوله: "مَنْ وُجِد مالُه عند رجل قد أفلس" ولا فرق بين أن يجده عند رجل أو امرأة، فتقييده بالذكر ينفي هذا الاحتمال، ويُخلصه للذكر دون الأنثى، وهو المقصود.
وكذلك الابن لما كان قد يطلق ويراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن السبيل؛ جاء تقييد ابن اللَّبُون في نصب الزكاة بالذكر.
وللسهيلي كلام على هذا الحديث فيه تكلّف وتعسّف شديد، ولا طائل تحته، وقد رده عليه جماعة ممن أدركناهم. والله أعلم.
* * *
стр. 1148
الحديث الرابع والأربعون
عَنْ عائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قالَ:
"الرَّضَاعَة تحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الْوِلادَةُ". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمسْلِمٌ.
* * *
[تخريج الحديث]:
• هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية عمرة، عن عائشة (١).
• وخرج مسلم أيضًا من رواية عروة، عن عائشة، عن النبي ﵌ قال: "يحرُم من الرضاعة ما يحرمُ من النسب (٢).
• وخرجاه أيضًا من رواية عروة، عن عائشة من قولها (٣).
• وخرجاه من حديث ابن عباس، عن النبي ﵌ (٤).
стр. 1149
• وخرجه الترمذي من حديث عليّ (١)، عن النبي ﵌.
[الإجماع على العمل بهذه الأحاديث]:
• وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة، وأن الرضاعَ يحرِّم ما يحرِّمه النسب.
* * *
[المحرمات من النسب قسمان]:
ولنذكر المحرمات من النسب كلَّهن حتى يعلم بذلك ما يحرم من الرضاع فنقول:
الولادة والنسب قد يؤثران التحريم في النكاح، وهو على قسمين:
[القسم الأول]:
• تحريم مؤبد على الانفراد.
وهو نوعان:
• أحدهما: ما يحرِّم بمجرد النسب؛ فيحرّم على الرجل أصولَه وإن علون، وفروعَه وإن سَفَلْنَ.
وفروعَ أصلهِ الأدنى وإن سَفَلن، وفروع أصوله البعيدة دون فروعهن.
فدخل في أصوله أمهاتُه وإن عَلَوْن من جهة أبيه وأمه، وفي فروعه بناتُه وبناتُ أولاده وإن سَفَلن.
وفي فروع أصله الأدنى: أخواته من الأبوين أو من أحدهما؛ وبناتُهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سَفَلن.
ودخل في فروع أصوله البعيدة: العماتُ والخالاتُ وعماتُ الأبوين وخَالاتُهما، وإن عَلَوْن.
стр. 1150
فلم يبق من الأقارب حلالًا للرجل سوى فروع أصوله البعيدة، وهن بنات العم، وبنات العمات، وبنات الخال، وبنات الخالات.
* * *
• والنوع الثاني: ما يحرم من النسب مع سبب آخر، وهو المصاهرة فيحرم على الجل حلائل آبائه، وحلائل أبنائه، وأمهات نسائه، وبنات نسائه الدخول بهن.
فيحرم على الرجل أم امرأته وأمهاتها من جهة الأم والأب وإن علون، ويحرم عليه بنات امرأته وهن الريائب وبناتهن وإن سفلن، وكذلك بنات بَني زوجته وهن بنات الربائب.
نص عليه الشافعي ﵀، وأحمد ﵀، ولا يعلم فيه خلاف.
ويحرم عليه أن يتزوّج بامرأة أبيه وإن علا، وبامرأة (١) ابنه وإن سفل.
ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر؛ لأن تحريمهن من جهة نسب الرجل بسبب المصاهرة.
وأما أمهات نسائه وبناتُهُنَّ فتحريمهن مع الصاهرة، بسبب نسب المرأة.
فلم يخرج التحريم بذلك عن أن يكون بالنسب مع انضمامه إلى سبب المصاهرة؛ فإن التَّحريم بالنَّسب المجرد والنسب المضاف إلى المصاهرة، يشترك فيه الرجال والنساء.
فيحرم على المرأة أن تتزوّج أصولها وإن عَلَوْا، وفروعَها وإن سَفَلُوا، وفروعَ أصلِها الأدنى، وإن سَفَلُوا من أخواتها، وأولاد الإخوة وإن سفلوا، وفروعَ أصولها البعيدة، وهم الأعمام والأخوال، وإن علوا دون أبنائهم.
فهذا كله بالنسب المجرد؛ وأما بالنسب المضاف إلى المصاهرة؛ فيحرم عليها نكاح أبي زوجها وإن علا، ونكاحُ ابنه وإن سَفَل بمجرد العقد.
ويحرم عليها زوج ابنتها وإن سفلت بالعقد، وزوج أمها وإن علت لكن بشرط الدخول بها.
* * *
стр. 1151
[والقسم الثاني]:
• والقسم الثاني: التحريم المؤبد على الاجتماع دون الانفراد.
وتحريمه يختص بالرجال، لاستحالة إباحة جمع المرأة بين زوجين؛ فكل امرأتين بينهما رحم محرم، يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له التزوّج بالأخرى، فإنه يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح.
• قال الشعبى: كان أصحابُ محمد ﷺ يقولون: "لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يصلح له أن يتزوجها".
وهذا إذا كان التحريم لأجل النسب.
وبذلك فسره سفيان الثوري، وأكثر العلماء.
فلو كان لغير النسب مثل أن يجمع بين زوجة رجل وابنتِه من غيرها؛ فإنه يباح عند الأكثرين، وكرهه بعض السلف.
فإذا عُلم ما يحرم من النسب فكل ما يَحْرُمُ منه، فإنه يَحْرُم من الرضاع نظيره.
• فيحْرُمُ على الرجل أن يتزوج أمهاتِه من الرضاعة وإن علَوْن، وبناتِه من الرضاعة، وإن سَفَلن، وأخواتِه من الرضاعة، وبناتِ أخواته من الرضاعة، وعماتِه وخالاتِه من الرضاعة، وإن علون دون بناتهن.
• ومعنى هذا: أن المرأة (١) إذا أرضعت طفلًا: الرضاعَ المعتبر في المدة المعتبرة، صارت أُمًّا له بنص كتاب الله فتَحْرُم عليه هي وأمهاتها، وإن علون من نسب أو رضاع، وتصير بناتها كُلُهنَّ أخواتٍ له من الرضاعة، فيَحْرُمْن عليه بنص القرآن.
[بقية التحريم من الرضاعة استفيد من السنة]:
• وبقيةُ التحريم من الرضاعة استفيد من السنة، كما استفيد من السنة أن تحريم الجمع لا يختص بالأختين، بل المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها كذلك.
• وإذا كان أولادُ المرضِعَةِ من نسب أو رضاع إخوةً للمرتضع؛ فيحرم عليه بناتُ إخوته أيضًا.
стр. 1152
• وقد امتنع النبي ﵌ من تزويج ابنة عمه حمزة، وابنة أبي سلمة، وعلّل بأن أبويهما كانا أخوين له من الرضاعة (١).
• ويَحْرُمُ عليه أيضًا أخواتُ المرضِعة؛ لأنهن خالاتُه، وينتشر التحريم أيضًا إلى الفحل صاحب اللبن، الذي ارتضع منه الطفل؛ فيصير صاحبُ اللبن أبا الطفل، وتصير أولاده كلّهم من المرضعة أو من غيرها من نسب أو رضاع إخوةً للمرتضِع، ويَصير إخوتُه أعمامًا للطفل المرتضِع.
وهذا قول الجمهور من السلف.
وأجمع عليه الأئمة الأربعة، ومَنْ بعدهم.
• وقد دل على ذلك من السنة ما روت عائشة ﵂: أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب، قالت عائشة ﵂: فقلت: والله لا آذن حتى أستأذنَ رسولَ الله ﵌، فإن أبا القُعَيْس ليس هو أرضَعَني، ولكن أرضعتني امرأتُه، قالت: فلما دخل رسول الله ﵌ ذكرتُ ذلك له فقال: "ائذني له" فإنه عمك تَرِبَتْ يمينُكِ! ".
• وكان أبو القعيس زوجَ المرأة التي أرضعت عائشة ﵂.
خرجاه في الصحيحين بمعناه (٢).
стр. 1153
• وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية، والأخرى غلامًا أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: لا؛ اللقاح واحد.
* * *
[لو كانت مرضعة من غير زواج]:
• ولو كان اللبن الذي ارتضع به الطفل قد ثاب للمرأة من غير وطْءِ فحل بأن تكون امرأةً لا زوجَ لها قد ثاب لها لبن أو هي بكر أو آيسة؛ فأكثر العلماء على أنه يَحْرُمُ الرضاع به وتصير المرضعة أمًّا للطفل.
وقد حكاه ابنُ المنذر إجماعًا عمّن يُحْفَظ عنه من أهل العلم.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحق وغيرهم.
وذهب الإمام أحمد في المشهور المنصوص عنه إلى أنه لا ينتشر التحريم به بحال حتى يكون له فحلٌ يدر اللبن من رضاعه.
وحكى عن الشافعي قول مثله.
* * *
[لو انقطع النسب من جهة صاحب اللبن]:
• ولو انقطع نسبه من جهة صاحب اللبن كولد الزنا، فهل تنتشر الحرمة إلى الزاني صاحب اللبن؟ هذا ينبني على أن البنت من الزنا هل تحرم على الزاني أم لا (١).
• ومذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية عنه تحريمها عليه خلافًا للشافعي.
• وبالغ الإمام أحمد في الإنكار على من خالف في ذلك.
فعلى قولهم: هل ينتشر التحريم إلى الزاني: صاحب اللبن فيكون أبًا للمرتضع أم لا؟ فيه قولان هما وجهان لأصحابنا.
• واختار ابنُ حامد أن التحريم لا ينتشر إليه.
• واختار أبو بكر والقاضي أبو يعلي أن التحريم ينتشر إلى الزاني.
وهو نص أحمد، وحكاه عن ابن عباس، وهو قول إسحق بن راهويه نقله عنه حرب.
стр. 1154
[امتداد التحريم بالرضاع]:
• وينتشر التحريم بالرضاع إلى ما حرم بالنسب مع الصهر إما من جهة نسب الرجل كامرأة أبيه وابنه، أو من جهة نسب الزوجة كأمها وابنتها، وإلى ما حرم جمعه لأجل نسب المرأة أيضا كالجمع بين الأختين والمرأة وعمتها أو [و] خالتها، فيحرم ذلك كله من الرضاع، كما يحرم من النسب لدخوله في قوله ﵌: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
• وتحريمُ هذا كله للنسب، فبعضه لنسب الزوج، وبعضُه لنسب الزوجة.
وقد نص على ذلك أئمة السلف، ولا يُعلم بينهم اختلاف، ونص عليه الإمام أحمد واستدل بعموم قوله: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
[وحلائل الأبناء]:
• وأما قوله : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (١) فقالوا: لم يُردْ بذلك أنه لا يحرم حلائلُ الأبناء من الرَّضَاع، إنما أرادَ إخراجَ حلائلِ الذين تُبُنُّوا ولم يكونوا أبناءً من النَّسب، كما تزوج النبيُّ ﷺ زوجةَ زيدِ بْنِ حارثة بعد أن كان قد تبنَّاه.
[التحريم بالرضاع وإلى من ينتشر؟]:
• وهذا التحريم بالرضاع يختص بالمرتضِع نفسِه، وينتشِر إلى أولاده، ولا ينتشر تحريمه إلى من في درجة المرتَضَع من إخوته وأخواته، ولا إلى مَن هو (٢) أعلى منه من آبائه، وأمهاتِه وأعمامِه وعماتِه وأخوالِه وخالاتِه، فتباحُ المرضِعَةُ نَفْسُها لأبي المرتضَع من النسب ولأخيه، وتباح أم المرتضع من النسب وأخته منه لأبي المرتضَع من الرضاع، ولأخيه.
هذا قول جمهور العلماء وقالوا: يباح أن يتزوج أخت أخيه، من الرضاعة، وأختَ ابنتِه من الرضاعة، حتى قال الشعبي: هي أحل من ماء قدس.
стр. 1155
وصرح بإباحتها حبيب بن أبي ثابت وأحمد (١).
وروى أشعث (٢) عن الحسن أنه كره أن يتزوج الرجل بنت ظئر ابنه، ويقول أخت ابنه، ولم ير بأسًا أن يتزوج أمها؛ يعني ظئر (٣) ابنه.
وروى سليمان التيمي، عن الحسن أنه سئل عن رجل يتزوج أختَ أخيه من الرضاعة، فلم يقل فيه شيئًا، وهذا يقتضي توقّفه فيه.
ولعل الحسن إنما كان يكره ذلك؛ تنزيهًا لا تحريمًا لمشابهته للمحَرَّم بالنسب في الاسم.
وهذا بمجرده لا يوجب تحريمًا.
[ما يستثنى مما يحرم بالنسب]:
• وقد استثنى كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرِهم مما يَحْرُمُ من النسب صورتين فقالوا: لا يَحْرُم نظيرها من الرضاع.
• إحداهما: أم الأخت، فتحْرُم من النسب، ولا تحرم من الرضاع.
• والثانية أخت الابن فتحرم من النسب دون الرضاع ولا حاجة إلى استثناء هذين ولا أحدهما.
أما أم الأخت، فإنما تحرُم من النسب؛ لكونها أمًا أو زوجة أب لا لمجرد كونها أم أخت، فلا يعلّق التحريم بما لم يعلّقه الله به.
وحينئذٍ فيوجد في الرضاع من هي أم أخت (٤) ليست أمًا ولا زوجة أب فلا تحرم؛ لأنها ليست نظيرًا لذات النسب.
وأما أخت الابن فإن الله تعالى إنما حرم الربيبة المدخول بأمها، فتحرم لكونها ربيبة دخل بأمها لا لكونها أخت ابنه، والدخول في الرضاع منتف؛ فلا تحرم به أولاد المرضِعة.
стр. 1156
[وما الذي يدخل في عموم الحديث؟]:
• ومما قد يدخل في عموم قوله "يحرمُ من الرضاع ما يحرمُ من النسب" لو ظاهر من امرأته فشبهها بمحرمة من الرضاع فقال لهات أنتِ على كأمي من الرضاع، فهل يثبت بذلك تحريم الظهار أم لا؟
فيه قولان:
أحدهما: أنه يثبت به تحريم الظهار وهو قول الجمهور ومنهم: مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والحسن بن صالح وعثمان البَتِّي (١).
وهو المشهور عن أحمد.
والثاني: لا يثبت به التحريم، وهو قول الشافعي، وتوقف فيه أحمد في رواية ابن منصور.
стр. 1157
الحديث الخامس والأربعون
عَنْ جابِرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ عامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بمَكَّةَ يَقُولُ:
"إِنَّ الله وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْع الْخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالْخَنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الجلودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ! إِنَّ الله حَرَّمَ عَلَيهِمْ الشُّحُومَ فَأَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
[تخريج الحديث]:
• هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن جابر (١).
• وفي رواية مسلم أن يزيد قال: كتب إليَّ عطاء فذكره (٢).
ولهذا قال أبو حاتم الرازي (٣): "لا أعلم يزيد بن أبي حبيب، سمع من عطاء شيئًا" يعني: أنه إنما يروي عنه كتابه.
وقد رواه أيضًا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن عبدة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌ بنحوه (٤).
• وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: "بلغ عمر أن رجلًا باع خمرًا" فقال: قاتله الله! ألم يعلم أن رسول الله ﵌ قال: "قاتل الله اليهود! حرمت
стр. 1158
عليهم الشحوم فجملوها فباعوها؟ " (١).
• وفي رواية: "وأكلوا أثمانها" (٢).
• وخرجه أبو داود (٣) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ نحوه وزاد فيه: "وإن الله إذا حرّم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" (٤).
• وخرجه ابن أبي شيبة ولفظه: إن الله إذا حَرّم شيئًا حرم ثمنه (٥).
• وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله وآله وسلم قال: "قاتلَ الله اليهودَ حُرّمتْ عليهم الشّحُومُ فباعُوها وأكلوا ثمنَها (٦).
• وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة خرج رسول الله ﵌ فاقترأهُنَّ على الناس ثم نَهَى عن التجارة في الخمر" (٧).
стр. 1159
• وفي رواية لمسلم: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج رسول الله ﵌ إلى المسجد؛ فحرم التجارة في الخمر (١).
• وخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي ﵌ قال: "إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربْ ولا يبعْ" قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها (٢).
• وخرج أيضًا من حديث ابن عباس أن رجلًا أهدى لرسول الله ﷺ راويةَ خمرٍ؛ فقال له رسولُ اللّه ﵌: "هل عَلِمتَ أن اللّه قد حَرّمها؟ "، قال: لا، قال: فَسَارَّ إنسانًا، فقال له رسول اللّه ﷺ : "بم سَاررتَه"؟ قال: أمَرْته ببيعها؟ قال: "إنَّ الذي حَرّم شُرْبَهَا حَرّم بيعَه" قال: "ففتح المزادة (٣) حتى ذَهَبَ ما فيها" (٤).
* * *
[وحاصل هذه الأحاديث]:
• فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم اللّه الانتفاع به؛ فإنه يحرُم بيعُه وأكلُ ثمنه؛ كما جاء مصرّحًا به في الرواية المتقدمة: "إن اللّه إذا حَرّم شيئًا حرَّم ثمنَه".
* * *
[ما يحرم الانتفاع به قسمان]:
• وهذه كلمة عامة جامعة تطّرد في كل ما كان المقصودُ من الانتفاع به حرامًا، وهو قسمان:
стр. 1160
[القسم الأول: ما ينتفع به مع بقاء عينه]:
• أحدهما: ما كان الانتفاع به حاصلًا مع بقاء عينه كالأصنام؛ فإن منفعَتها المقصودَةَ منها: الشركُ (١) باللّه، وهو أعظم المعاصي على الإطلاق.
ويلتحق بذلك:
ما كانت منفعته محرمة؛ ككتب الشرك والسحرِ والبدعِ والضلالِ.
وكذلك الصور المحرمة، وآلاتُ الملاهي المحرمة كالطنبور، وكذلك شراء الجواري للغناء.
وفي المسند عن أبي أمامة عن النبي ﵌ قال: "إن اللّه بعثني رحمةً وهُدىً للعالمين، وأمرَني أن أمحَقَ المزامير والكَنَّارات يعني البَرَابِط (٢)، والمعازِفَ والأوثانَ التي كانت تُعْبَدُ في الجاهلية، وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبدٌ من عبيدي جُزعةً من خمر إلا سقيتُه مكانَها من حَمِيم جهنَّم مُعَذَبًا أو مغفورًا له، ولا يُسْقاها صبيًّا صغيرًا؛ إلا سقيتُه مكانَها من حَمِيم جهنم معذبًا أو مغفورًا له".
"ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة القدس، ولا يحل بيعهنّ ولا شراؤُهُنَّ ولا تعليمهن، ولا تجارةٌ فيهن، وأثمانُهنَّ حَرَامٌ: للمغنيات" (٣).
*وخرجه الترمذي (٤).