• والمحبة أن يكون حُبه لما يَصنع اللّه به.
• فالأولى للزاهدين.
• والثانية للصادقين.
• والثالثة للمرسلين. انتهى.
[المتوكل]:
فالمتوكل (١) على اللّه، إن صبر على ما يقدره اللّه له من الرزق أو غيرِه؛ فهو صابر.
وإن رضي بما يقدر له بعد وقوعه، فهو الراضي.
وإن لم يكن له اختيار بالكلية، ولا رضًا؛ إلا فيما يقدر له فهو درجة المحبين العارفين، كما كان عمر بن عبد العزيز يقال: أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع (٢) القضاء والقدر.
* * *
стр. 1227
الحديث الخمسون
عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ (١) قالَ: أَتَى النَّبيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ:
يَا رَسُولَ اللّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإِسلَامِ قَدْ كثُرتْ عَلَيْنَا (٢) فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ، قال: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ ". خَرَّجَهُ الإِمامُ أَحْمَدُ بِهذَا اللَّفْظِ (٣).
* * *
[تخريج الحديث]:
• وخرجه الترمذي (٤).
وابن ماجه (٥) وابن حبان في صحيحه (٦) بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب.
стр. 1228
• وكلهم خرجه من رواية عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بُسْرِ.
وخرج ابن حبان في صحيحه وغيره من حديث معاذ بن جبل قال: آخرُ ما فارقْتُ عليه رسولَ اللّه ﷺ أن قلت له: أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى اللّه؟ (١) قال: "أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ".
وقد سبق في هذا الكتاب مفرقًا ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر، ونذكر هنا فضلَ إدامته والإكثارِ منه.
* * *
[مقاصد الحديث]:
• قد أمر الله المؤمنين (٢) بأن يذكروه ذكرًا كثيرًا، ومدح مَنْ ذكره كذلك؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٦).
[الذاكرون]:
• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مرّ على جبل يُقال له جُمْدَان فقال: "سيرُوا، هذا جُمْدَان سبق المفَرِّدُونَ" قالوا: ومن المفرّدون؟ يا رسولَ الله! قال: "الذاكرونَ الله كثيرًا والذاكراتُ" (٧).
* * *
стр. 1229
[والمهترون]:
• وخرجه الإمام أحمد ولفظه: "سبق المفرّدون". قالوا: وما المفردون؟ قال: "الذين يهترون في ذكر الله " (١). وخرجه الترمذي، وعنده: قالوا: يا رسول اللّه! وما المفرِّدون؟ قال: "المستهترون في ذكر الله تعالى"، يضع الذكر، عنهم أثقالَهم؛ فيأتون يومَ القيامة خِفَافًا (٢).
وروى موسى بن عبيدة، عن أبي عبد اللّه القَرَّاظ (٣)، عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول اللّه ﷺ نسير بالدَّفِّ (٤) من جُمْدان إذ استنبه (٥) فقال: يا معاذ! أينَ السابقون؟ فقلت: قَدْ مَضَوْا وتخلّف أُناس (٦)، فقال: "يا معاذ! إنَّ السابقين: الذينَ يُسْتَهْتَرون بذكر اللّه !؟ ".
خرجه جعفر الفريابي (٧).
ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث؛ فإنه لما سبق الركبَ، وتخلف بعضهم، نبّه النبيُّ ﷺ على أن السابقين على الحقيقة؛ هم الذين يُدْمِنُونَ ذِكْرَ الله ويولعونَ به، فإن الاستهتارَ بالشيء؛ هو الْوَلُوعُ به والشغَف حتى لا يكاد يفارق ذكره.
وهذا على رواية من رواه: المسْتَهْتَرون.
стр. 1230
ورواه بعضهم فقال فيه (١): "الذين أُهْتِرُوا في ذكر اللّه، وفسر ابن قتيبة الهتْرَ (٢)؛ بالسَّقَطِ في الكلام، كما في الحديث: "المستبَّان شيطانَان يتكاذَبانِ ويتهاتَران" (٣).
قال: والمراد من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر اللّه وطاعته.
* * *
[والمفردون]:
قال: والمراد بالمفردين على هذه الرواية، من انفرد بالعمر عن القَرْن الذي كان فيه.
وأما على الرواية الأولى قال (٤): فالمراد بالمفردين المتخلون (٥) من الناس بذكر اللّه تعالى، كذا قال.
ويحتمل وهو الأظهر أن المراد بالانفراد على الروايتين الانفراد بهذا العمل، وهو كثرة الذكر دون الانفراد الحسي، إما عن القَرْن، أو عن المخالطة واللّه أعلم.
ومن هذا المعنى، قول عمر بن عبد العزيز ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة: ليسَ السابقُ اليومَ مَن سَبق بعيرُه؛ وإنما السابق من غُفِر له.
стр. 1231
[من أحب أن يَرتع في الجنة]:
وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال: "من أحب أن يَرتعَ في رياض الجنة؛ فليكثِرْ ذكرَ اللّه " (١).
وخرج الإمام أحمد (٢) والنسائي (٣) وابن حبان في صحيحه (٤)، من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "استكثِرُوا من الباقياتِ الصالحات. قيل: وما هُنَّ؟ يا رسول اللّه!؟ قال: "التكبير والتسبيح والتهليل، والحمد للّه، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه".
[الترغيب في الذكر]:
• وفي المسند (٥) وصحيح ابن حبان (٦) عن أبي سعيد الخدري أيضًا عن النبي ﷺ قال: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون".
стр. 1232
• وروى أبو نعيم في الحلية، من حديث ابن عباس مرفوعًا "اذكُرُوا اللهَّ ذكرًا؛ (١) يقول المنافقون: إنكم تُراؤُونَ".
• وخرج الإمام أحمد (٢)، والترمذي (٣) من حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه سئل: أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا". قيل: يا رسول الله! ومِنْ الغازي في سبيل الله؟ قال: "لَوْ ضَرَبَ بسيف في الكفار والمشركين، حتى ينكسر، ويتخضَّب دمًا؛ لكان الذاكروان لله أفضل منه درجة".
• وخرج الإمام أحمد، من حديث سهل بن معاذ، [عن أبيه] (٤)، عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله فقال: أيُّ الجهاد أعظم أجرًا؟ يا رسول الله! قال: "أكثرهم للّه ذكرًا". قال: "فأي الصائمين أعظم؟ قال: "أكثرهم للّه ذكرًا" ثم ذكَر لنا الصلاةَ، والزكاةَ، والحجَّ، والصدقة، كل ذلك (٥) ورسول الله ﷺ يقول: "أكثَرُهُم للهِ ذِكْرًا" فقال أبو بكر: يا أبا حفص! (٦) ذهب الذاكرون بكل خير؟ فقال رسول الله ﷺ : "أجل! ".
• وقد خرجه ابن المبارك، وابن أبي الدنيا من وجوه مرسلة بمعناه.
• وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: "كان رسول ﷺ يذكر اللّه على كل أحيانه" (٧).
стр. 1233
وقال أبو الدرداء: الذين لا تزال ألسنتهم رطبةً من ذكر اللّه، يدخل أحدُهما الجنةَ وهو يَضحَكُ (١).
وقيل له: إن رجلًا أعتق مائة نَسمَة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجلٍ كثيرٌ، وأَفْضَلُ من ذلك إيمانٌ ملْزومٌ بالليل والنهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدكم رَطْبًا من ذكر اللّه (٢).
وقال معاذ: لأن أَذْكُرَ اللّه من بُكْرَةٍ إلى اللَّيل أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَحْمِلَ على جِيادِ الخيل في سبيل الله، من بكرة إلى الليل (٣).
• وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٤) قال: "أن يُطَاعَ فلا يُعْصَى، ويُذْكَرَ فلا ينسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر".
خرجه الحاكم مرفوعًا وصححه (٥).
والمشهور وقفه.
[من المأثور في الذكر]:
• وقال زيد بن أسلم: قال موسى ﵇: يا رب! قد أنعمتَ عليّ كثيرًا فدلني على (٦) أن أشكرك كثيرًا، قال: اذكرني كثيرًا فإذا ذكرتَنِي كثيرًا؛ فقد شكرتَنِي، وإذا نسيتَني فقد كفرتَني.
• وقال الحسن: "أحب عباد اللّه إلى الله أكثرهم له ذكرًا، وأتقاهم قلبًا" (٧).
• وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثني أبو المخارق قال: قال رسول الله ﷺ : "مررتُ ليلةَ أسْرِيَ بي برجُلٍ مُغَيَّبٍ في نُورِ العرش، فقلت: مَنْ هذا؟ مَلَك؟ قيل: لا، قلت: نبيٌّ؟ قيل: لا، قلت: مَنْ هو؟ قال: هذا رجل كان لسانه رَطْبًا من ذكر
стр. 1234
الله، وقلبه معلق بالمساجد، ولم يَسْتَسِبَّ لِوالديه قط! " (١).
• وقال ابن مسعود: قال موسى ﵇: رب! أيّ الأعمال أحبُّ إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني فلا تنساني.
• وقال أبو إسحق عن هيثم: بلغني أن موسى ﵇ قال: يا رب! أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟
قال: "أكثرهم لي ذكرًا" (٢).
• قال كعب: "من أكثر ذكرَ الله برئ من النفاق".
ورواه مؤمِّل، عن حَمَّاد بن سلمة، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا (٣).
• وخرج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعًا: "من لم يكثر ذكرَ اللّه فقد برئَ من الإيمان" (٤).
ويشهد لهذا المعنى أن الله وصف المنافقين؛ بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلًا.
* * *
[بماذا نباين المنافقين]:
فمن أكثر ذكر الله فقد باينهم في أوصافهم؛ ولهذا خُتِمَتْ سورةُ المنافقين بالأمر بذكر اللّه، وأن لا يلهي المؤمنَ عن ذلكَ مالٌ، ولا ولدٌ، وأنّ مَنْ أَلْهَاهُ ذلك عن ذِكْرِ اللّهِ؛ فهوَ مِنَ الخَاسِرِينَ.
[علامة حب اللّه]:
• قال الربيع بن أنس عن بعض أصحابه: "علامةُ حُبِّ اللّه كَثْرةُ ذِكْرِه؛ فإنك لن تحبَّ شيئًا إلا أكثرت ذكره".
• قال فتح الموصلي: المحب للّه لا يغفُل عن ذكر اللّه طرفةَ عين.
وقال ذو النون: "من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر قذَفَ الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه".
• قال إبراهيم الجنيد: "كان يقال: من علامة المحب لله دَوامُ الذكر بالقلب واللسان،
стр. 1235
وقلما وَلِعَ المرء بذكر اللّه؛ إلا أفاد منه حُبَّ اللّه ".
[المحبون وذكر اللّه]:
• وكان بعض عُبّادِ السلف يقول في مناجاته: "إذا سئم البطالون من بطالتهم؛ فلن يسأم محبّوك من مُنَاجَاتِكِ وذكرِكَ".
• وقال أبو جعفر المحوَّلي (١): "وليُّ اللّه المحبُّ للّه، لا يخلو قلبُهُ مِنْ ذِكْرِ ربّه، ولا يسأمُ مِنْ خِدْمته".
وقد ذكرنا قولَ عائشة: كان النبي ﵌ يذكر اللّه على كل أحيانه (٢).
والمعنى: في حال قيامِه ومشيه وقعوده واضطجاعِه.
وسواء كان على طهارة أو على حدث.
• وقال مسعر: "كانت دوابُّ البحر في البحر تسكن، ويوسف ﵇ في السجن لا يسكن عن ذكر الله ".
وكان لأبي هريرة خيط فيه ألف عقدة؛ فلا ينام حتى يسبِّحَ به (٣).
• وكان خالد بن مَعْدَان يسبّح كل يوم أربعين ألف تسبيحة، سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره لِيُغَسَّل؛ فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح.
• وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانَك يفتُر؟؛ فكم تسبّح كُلَّ يوم؟ قال: مائة ألف تسبيحة، إلا أن تخطئ الأصابع. يعني أنه يعدّ ذلك بأصابعه.
• وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: كانت عندنا امرأة بمكة تسبّح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، فماتت؛ فلما بلغت القبر اختُلست من أيدي الرجال.
• وكان الحسن البصري كتيرًا ما يقول، إذا لم يحدّث، ولم يكن له شُغُل: "سبحان الله العظيم". فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة فقال: إن صاحبَكم لفقيه ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيتٌ في الجنة (٤).
стр. 1236
• وكان عامة كلام ابن سيرين: "سبحان اللّه العظيم، سبحان اللّه وبحمده".
• وكان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون نزل إلى البحر، وقام في الماء يذكر الله مع دوابّ البحر.
• نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال: فكنت كلما استيقظت من الليل وجدتُه يذكر اللّه، فأغتمّ ثمَّ أعزّي نفسي بهذه الآية: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
المحب: اسم محبوبه لا يغيب عن قلبه، فلو كُلِّف أن ينسى ذكره لما قدر، ولو كلف أن يكفَّ عن ذكره بلسانه؛ لما صبر.
كيف ينسى المحبُّ ذكرَ حبيبٍ … اسمُه في فُؤادِهِ مَكْتُوبُ
• كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أَحَدٌ. أحَد!
فإذا قالوا له قل: واللاتِ والعزى قال: لا أُحْسِنُه.
يُرادُ من القلب نسيانُكُم … وتأبى الطباعُ عَلى النَّاقِلِ
* * *
كما قويت المعرفة، صار الذكر يجري على لسان الذاكر، من غير كُلْفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يُلْهَم أهلُ الجنة التسبيحَ، كما يلهَمُون النَّفَسَ، وتصير "لا إله إلا اللّه" لهم كالماء البارد لأهل الدّنيا.
كان النُّوري يُنْشِد:
لا لأني أنساك أُكْثِرُ ذِكْرَا … كَ لكن بِذاكَ يجرِي لسَانِي
* * *
إذا سمع المحب ذكر اسم حبيبه من غيره، زاد طرَبُه، وتضاعف قلَقُه، قال النبي ﷺ لابن مسعود: اقرأ عَليَّ القرآن قال: أقرأُ عليك وعليك أنزِلْ؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه، ففاضت عيناه (٢).
стр. 1237
سمع الشبلي قائلًا يقول: يا الله! يا جواد! فاضطرب.
وداعٍ دعا إذْ نَحْن بالخَيْفِ من مِنًى … فهيَّج أشْجَانَ الفؤاد وما يَدْرِي
دعا باسم لَيْلَى غيرَها فكأنما … أطارَ بلَيْلي طائرًا كانَ في صَدْرِي
* * *
النَّبْضُ يَنزعج عند ذكر المحبوب.
إذا ذُكِر المحبوبُ عندَ حبِيبِه … تَرَنَّحَ نشوانٌ وحَنَّ طَرُوبُ
ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١).
* * *
وإني لتَعْرُوني لذكراكِ هِزَّةٌ … كما انتفَضَ العُصْفُورُ بلَّله القَطْرُ
* * *
أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه.
• قال أبو الجلد (٢): أوحى الله إلى موسى: إذا ذكرتَني، فاذكرني وأنت تنتفضُ أعضاؤك، وكنْ عندَ ذِكْرِي خاشعًا مطمئنًّا، وإذا ذكرتَني، فاجْعَل لسانَك مِن وَرَاءِ قَلْبِكَ.
* * *
وصف علي ﵁ الصحابةَ فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما تميدُ الشجرة في اليوم الشديد الريح، وجَرَت دموعُهم على ثيابهم (٣).
* * *
• قال زهير البابي: إن للّه عبادًا ذكَرُوهُ، فخَرجَتْ نُفُوسُهُمْ إعظَامًا واشتياقًا، وقوم
стр. 1238
ذكروه، فوجلت قلوبهم فرقًا وهيبة، فلو حرقوا بالنار لم يجدوا مس النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده، فارفضُّوا عرفًا من خَوْفِهِ، وقوم ذكروه، فحالت ألوانُهم غِيَرًا، وقوم ذكروه، فَجفّتْ أعينُهم سَهَرًا.
* * *
• صلّى أبو يزيد الظّهر، فلَّما أراد أن يكبّر لم يقدِرْ إجلالًا لاسْمِ الله، وارتعدتَ فرائصه، حتى سُمِعَتْ قعقعةُ عِظَامِهِ.
* * *
كان أبو حفص النيسابوري، إذا ذكر الله تغيّرت عليه حاله، حتى يرى جميعَ ذلك مَنْ عنده.
وكان يقول: ما أظنّ أن مُحِقًّا يذْكُر الله عَن غير غفلة، ثم يبقى حيًّا إلا الأنبياءَ، فإنهم أُيدُوا بقوة النبوة، وخواصُّ الأولياء بقوةِ ولايتهم (١).
* * *
إذا سَمِعَتْ باسْم الْحَبِيبِ تَقَعْقَعَتْ … مفاصِلُهَا مِنْ هَوْلِ ما تتَذكّرُ!؟
وقف أبو يزيد ليلة إلى الصباح يجتهد أن يقول: "لا إله إلا الله" فما قدر إجلالًا وهيبة، فلما كانَ عند الصباح نزل؛ فبال الدم.
* * *
وما ذكرتكُمُ إلا نَسيتُكُمُ … نِسيانَ إِجْلَالٍ لا نسيانَ إهْمَالِ
إذا تذكرتُ مَنْ أنتم وكَيفَ أنا … أجْلَلْتُ مِثْلَكُمُ يخطر علَى بَالي
* * *
الذكر لذةُ قلُوب العَارِفين؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢).
• قال مالك بن دينار: ما تلذذ المتلذذُونَ بمثل ذكرِ الله.
стр. 1239
• وفي بعض الكتب السَّالفة يقول الله: معشَرَ الصديقين، بي فافرحوا، وبذكري فتنعموا.
• وفي أثر آخر سبق ذكره: ويُنيبون إلى الذّكْرِ كما تُنيب النُّسُورُ إلَى وُكُورِهَا (١).
* * *
• وعن ابن عمر قال: "أخبرني أهل الكتاب أن هذه الأمة تحبّ الذكرَ كما تحبُّ الحمامة وَكْرها ولهم أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وِرْدِهَا يوم ظمئها.
قلوب المحبين لا تطمئن إلا بذكره، وأرواحُ المشتاقين لا تسكن؛ إلا برؤيته".
قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة؛ إلا بعفوه، ولا طابت الجنة؛ إلا برؤيته (٢).
أبدا نفوسُ الطالبيـ … ـــن إلى طُلُولِكُم تحنُّ
وكذا القلوب بذكركم … بعد المخافة تطمئنُّ
جُنَّت بحبكمُ ومَنْ … يَهْوى الحبِيبَ ولا يُجَنُّ؟
بحياتكم يا سادتي … جودُوا بِوَصْلِكمُ ومُنّوا
قد سبق حديث: "اذكُروا الله حتّى يقولُوا مجنون" (٣).
ولبعضهم:
لقد أكثرتُ من ذكْرَا … كَ حتى قيل وَسْوَاسُ
• كان أبو مسلم الخولاني كثيرَ الذكر، فرآه بعضُ الناس، فأنكرَ حاله؛ فقال لأصحابه: أمجنونٌ صاحِبكم؟ فسمعه أبو مسلم فقال: لا يا أخي: ولكن هذا دواء الجنُون!؟.
وحرمةِ الودّ ما لي عنكُمُ عِوَضٌ … وليسَ لِي في سِوَاكُمْ سَادَتي غَرَضُ
وقد شرطتُ على قومٍ صَحِبتُهُمُ … بأَنَّ قلبي لَكُم مِنْ دُونِهِم فَرَضُوا (٤)
стр. 1240
ومن حديثي بِكُم قالوا: بِهِ مَرَضٌ … فقلتُ: لا زالَ عَنِّيَ ذَلكَ المرَضُ
* * *
المحبونَ يِسْتَوْحِشُونَ من كُلِّ شاغِل يَشْغَلُ عن الذكر، فَلَا شيءَ أحبُّ إليهم من الخلوة بحبيبهم.
* * *
• قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين! كلّموا الله كثيرًا، وكلّموا الناسَ قليلًا قالوا: كيف نكلم الله كثيرًا؟ قال: اخْلُوا بمناجاته، اخلُوا بدعائه.
• وكان بعض السلف يصلي كلّ يوم ألفَ ركعة حتى أُقعد من رجليه، وكان يصلي ألْفَ ركعة جالسًا، فإذا صلى العصر احْتَبَى (١) واستقبل القبلة ويقول: عجبتُ للخليقة كيف أَنِسَتْ بسواك؟ بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبُها بذكْرِ سِواك؟.
* * *
• وكان بعضهم يصوم الدهر، فإذا كان وقتُ الفطور قال: أخشى بنفسي تخرج لاشتغالي عن الذكر بالأكل.
* * *
قيل لمحمد بن النضر: أما تستوحش وحدك؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟
* * *
كتمتُ اسمَ الحبيبِ مِنَ العبادِ … وردَّدْتُ الصبابةَ في فؤادِي
فوا شوقًا إلى بلدٍ خَلِيٍّ … لعَلِّي باسْم مَنْ أَهْوَى أنَادِي
* * *
• فإذا قوي حال المحب ومعرفته، لم يشغله عن الذكر بالقلب واللسان شاغل؛ فهو بين الخَلْقِ بجسمه وقلبُه معلّقٌ بالمحلِّ الأعلى، كما قال علي ﵁ في وصفهم:
стр. 1241
صحبُوا الدنيا بأجسادٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحل الأعلى.
* * *
وفي هذا المعنى قيل:
جسمي معي غَيْرَ أن الرُّوحَ عِنْدَكُمُ … فالجسمُ في غُرْبَةٍ والرُّوحُ في وَطَنِ
* * *
وقال غيره:
ولقد جَعَلْتُكَ في الفُؤَادِ مُحَدِّثِي … وأَبَحْتُ جِسمي مَنْ أرادَ جُلُوسِي
فالجسم مني للجليس مؤانسٌ … وحبيبُ قَلْبِي ففي الفؤادِ أَنيسِي
* * *
[كان هذا حال الأنبياء والصديقين]:
• وهذه كانت حالةَ (١) الرسل والصديقين (٢) كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣) وفي الترمذي مرفوعًا يقول الله : "إنَّ عبدي كلّ عبدي: الذي يذكُرني وهو مُلاقٍ قِرْنَه (٤) ".
• وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (٥) يعني الصلاة في حال الخوف.
• ولهذا قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٦).
стр. 1242
• وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله، وكثرة ذِكره.
[فضل الذكر]:
ولهذا ورد فضلُ الذكر في الأسواق، ومواطن الغفلة كما في المسند، والترمذي وسنن ابن ماجه، عن ابن عمر مرفوعًا.
"من دخل سوقًا يُصَاحُ فيها، ويُباعُ فيها، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتَب الله له ألفَ ألفِ حسنةً، ومحا عنه أَلف ألفِ سيئةً، ورفع له ألفَ ألف دَرَجَة" (٢).
стр. 1243
وفي حديث آخر "ذاكر اللهِ في الغَافِلينَ كمَثل المقاتل عن الفارِّينَ، وذَاكِر الله في الغافلين، كشَجَرةٍ خضراءَ في وسَط شَجَرٍ يابس" (١).
• قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود:
ما دام قلبُ الرجل يذكر الله، فهو في صلاةٍ، وإن كانَ في السوق، وإِن حَرَّكَ به شفتيه؛ فهو أفضل (٢).
• وكان بعضُ السلف يقصد السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة.
والتقى رجلان منهم في السوق، فقال أحدهما لصاحبه: تعالى حتى نذكر الله في
стр. 1244
غفلة الناس، فخلوا في موضع، فذكرا الله ثم تفرقا، ثم مات أحدهما، فلقيه الآخر في منامه، فقال له: "أشعرتَ أن الله غَفَر لنا عشيةَ التقينا في السوق؟ ".
* * *
[وظائف الذكر في اليوم والليلة]:
(فصل) في وظائفِ (١) الذّكْرِ الموظَّفة في الْيَوْمِ وَاللّيلَة.
• معلوم أن الله فرضَ على المسلمين أن يَذْكروه كلّ يوم وليلة خمس مراتٍ، بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها المؤقتة، وشَرَع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذِكْرًا يكونُ لهم نافلةً، والنافلة: الزيادة؛ فيكون ذلك زيادةً على الصلوات الخمس، وهُوَ نوعان:
• أحدهما: ما هو من جنس الصلاة، فشرع لهم أن يصلّوا مع الصلوات الخمس قبلَها أو بعدَها، أو قبلها وبعدها، سُنَنًا؛ فتكونَ زيادةً على الفريضة، فإن كان في الفريضة نقصٌ جَبَر نَقْصَهَا بهذه النوافل، وإلا كانت النوافلُ زيادةً على الفرائض.
• وأطول ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة: ما بين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، وما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر؛ فشرع ما بين كل واحدة من هاتين الصلاتين، صلاةً تكون نافلةً؛ لئلا يطولَ وقتُ الغفلة عن الذكر، فشرع ما بين صلاة العشاء، وصلاة الفجر: صلاةَ الوَتْر، وقيامَ الليل، وشرع ما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر: صلاةَ الضحى.
وبعضُ هذه الصلوات آكدُ من بعض، فآكدُها الوَتْرُ؛ ولذلك اختلف العلماء في وجوبه، ثم قيامُ الليل.
• وكان النبي ﵌ يداوم عليه حضرًا وسفرًا، ثم صلاةُ الضحى.
وقد اختلف الناس فيها.
وفي استحباب المداومةِ عليها وفي الترغيبِ فيها أحاديث صحيحة (٢).
стр. 1245
وورد الترغيب أيضًا في الصلاة عقيب زوال الشمس (١).
• وأما الذكر باللسان، فمشروع في جميع الأوقات، ويتأكد في بعضها.
فمما يتأكد فيه الذكر؛ عقيبَ الصلوات المفروضات، وأن يذكر الله عقيبَ كل صلاة منها مائةَ مرة ما بين تسبيحٍ وتحميدٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ.
ويستحب أيضًا الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما الفجر، والعصر، فيشرع الذكرُ، بعد صلاة الفجر إلى أن تطلعَ الشمس، وبعد العصر حتى تغربَ الشمس.
وهذان الوقتان - أعني: وقت الفجر، ووقت العصر - هما أفضلُ أوقات النهار للذكر.
• ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٣) وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٥). وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٦) وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٧) وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٨) وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٩).
• وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١٠).
وأفضل ما فُعِلَ في هذين الوقتين من الذكر، صلاةُ الفجر، وصلاةُ العصر، وهما
стр. 1246
أفضل الصلوات.
• وقد قيل في كل منهما: إنهما الصلاة الوسطى، وهما البَرْدَان اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة (١).
ويليهما من أوقات الذكر الليل.
• ولهذا يذكر بعد هذين الوقتين في القرآن تسبيحُ الليل وصلاته.
والذكر المطلق يدخل فيه الصلاة، وتلاوة القرآن، وتعلّمه وتعليمه، والعلم النافع، كما يدخل فيه التسبيحُ والتكبيرُ والتهليل.
ومن أصحابنا من رَجَّحَ التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر.
• وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال: كان هديُهم ذكرَ الله، فإن قرأ فحسَنٌ.
وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة.
وكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة أنه أفضلُ من التلاوة حينئذ.
• والأذكار والأدعية المأثورة عن النبي ﷺ في الصباح والمساء كثيرة جدًّا.
• ويستحب أيضًا إحياءُ ما بين العِشاءين بالصلاة والذكر وقد تقدم حديث أنس: أنه نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٢) ويستحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره، حتى تُفْعلَ هذه الصلاةُ في أفضل وقتها، وهو آخره، ويشتغل منتظر هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول من الليل بالصلاة أو بالذكر، وانتظار الصلاة في المسجد، ثم إذا صلى العشاء وصلى بعدها ما يتبعها من سنتها الراتبة أو أوتر بعد ذلك إن كان يريد أن يوتر قبل النوم؛ فإذا أوى إلى فراشه بعد ذلك للنوم، فإنه يستحب له أن لا ينام إلا على طهارة، وذكر، فيسبح ويحمد ويكبر (٣) تمام مائة،
стр. 1247
كما علّم النبي ﷺ فاطمة وعليًّا أن يفعلاه عند منامهما (١)، ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النبي ﷺ عند النوم، وهي أنواع متعددة، من تلاوة القرآن، وذكر الله، ثم ينام على ذلك، فإذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه، فليذكر الله كُلَّمَا تقلب.
• وفي صحيح البخاري، عن عبادة عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَعَارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: ربِّ! اغفر لي -أو قال: "ثم دعا- استجيبَ له؛ فإن عزمَ فتوضأ ثم صلَّى، قُبِلَتْ صلاته" (٢).
• وفي الترمذي، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "من أوى إلى فراشه طاهرًا يذكر الله حتى يدركه النعاس لم يتقلب ساعةً من الليل يسأل الله فيها شيئًا مِنْ خَيْرِ الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه" (٣).
• وخرجه أبو داود بمعناه من حديث معاذ (٤).
وخرجه النسائي (٥) من حديث عمرو بن عبسة، وللإمام أحمد من حديث عمرو
стр. 1248
ابن عبسة في هذا الحديث: "وكان أول ما يقول إذا استيقظ: سبحانك لا إله إلا أنت، فاغفر لي إلا انسلخ من خطاياه، كما تنسلخ الحية من جلدها" (١).
وثبت أنه ﷺ كان إذا استيقظَ من مَنامِهِ يقول: "الحمدُ لله الذي أَحْيَاني بَعْدَ مَا أمَاتني وإليْهِ النشور" (٢).
ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد أتى بذلك كله على ما ورد عن النبي ﷺ ، ويختم تهجده بالاستغفار في السحر، كما مدح الله المستغفرين بالأسحار.
وإذا طلع الفجر، صلى ركعتي الفجر، ثم صلى الفجر، ويشتغل بعد صلاة الفجر بالذكر المأثور، إلى أن تطلع الشمس على ما تقدم ذكره.
فمن كان حالُه على ما ذكرنا، لم يزل لسانُه رَطْبًا بذكر الله فيستصحب الذكر في يقظته، حتى ينام عليه ثم يبدأ به عند استيقاظه، وذلك من دلائل صدق المحبة كما قال بعضهم:
وآخر شيء أنت في كل هجْعةٍ … وأول شيء أنت وقت هُبُوبي
• وأما ما يفعله الإنسان في آناء الليل والنهار (٣) من مصالح بدنه ودنْياه (٤)، فعامة ذلك يشرع ذكر اسم الله عليه، فيشرع له ذكر اسم الله وحمده على أكله، وشربه، ولباسه، وجِماعه لأهله، ودخولِه منزله، وخروجه منه، ودخوله الخلاءَ، وخروجه منه، وركوبه دابّته، ويسمي على ما يذبحه من نسك وغيره.
• ويشرع له حمدُ الله على عُطاسه، وعند رؤية أهل البلاء في الدين أو الدنيا، وعند التقاء الإخوان وسؤال بعضهم بعضًا عن حاله، وعند تجدد ما يحبه الإنسان من النعم، واندفاع ما يكرهه من النقم، وأكمل من ذلك أن يحمد الله على السراء والضراء، والشدةِ والرخاء، ويحمدَه على كل حال.
• ويُشرع له دعاء الله عند دخول السوق، وعند سماع أصوات الدِّيكَة بالليل، وعند سماع الرعد، وعند نزول المطر، وعند اشتداد هبوب الرياح، وعند رؤية الأهلة،
стр. 1249
وعند رؤية باكورة الثمار.
• ويشرع أيضًا ذكر الله ودعاؤه عند نزول الكرْب، وحدوث المصائب الدنيوية، وعند الخروج للسفر، وعند نزول المنازل في السفر، وعند الرجوع من السفر، ويشرع التعوذ بالله عند الغضب، وعند رؤية ما يكره في منامه، وعند سماع أصوات الكلاب والحمير بالليل، ويشرع استخارة الله عند العزم على ما لا تظهر (١) الخِيَرَةُ فيه، وتجب التوبة إلى الله، والاستغفارُ من الذنوب كُلِّها صغيرِها وكبيرِها كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٢) فمن حافظ على ذلك لم يزل لسانه رطبًا بذكر الله في كل أحواله.
* * *
[جوامع الكلم حتى في الذكر]:
(فصل) قد ذكرنا في أول الكتاب أن النبي ﷺ بعث (٣) بجوامع الكلم فكان ﷺ يعجبه جوامع الذكر، ويختاره على غيره من الذكر، كما في صحيح مسلم، عن ابن عباس، عن جويرية بنت الحارث، أن النبي ﷺ خرج من عندها بُكْرةً حين صلَّى الصّبح، وهي في مَسْجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم فقال النبي: "لقد قلتُ بعدكِ أربعَ كلمات ثلاث مرات لو وزِنَتْ بما قُلْتِ منذُ اليوم لوزَنَتْهن: سبحان الله وبحمده عدَدَ خلِقهِ، ورضا نفسِه، وزنة عَرْشِه، ومدادَ كلماته" (٤).
• وخرجه النسائي (٥) ولفظه: "سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله
стр. 1250
أكبر، عدَدَ خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته".
• وخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي (١) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه دَخَلَ مع النبي ﷺ على امرأة وبين يَديْها نواةٌ أو قال حصاةٌ تسبحُ به، فقال: "ألا أُخبركِ بما هو أيسر من هذا أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحانَ الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحانَ الله عَدَد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر، مثلَ ذلك، والحمد لله، مثلَ ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك".
• وخرج الترمذي من حديث صفية قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح الله بها فقال: لقد سبَّحتِ بهذه فقال: ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به؟ فقلت: علمني، فقال: "قولي سُبْحَانَ الله عَدَد خَلْقِه" (٢).
• وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة: أن النبي مر به وهو يحرك شفتيه فقال: ماذا تقول؟ يا أبا أمامة! قال: أذكرُ رَبِّي، قال: ألا أُخبرك بأكثَر وأفضلُ مِنْ ذِكْرِكَ الليلَ مع النّهارِ والنَّهارَ مع الليل؟ أن تقول: سبحانَ الله عدَدَ ما خلقَ، سبحان الله مِلء ما خَلَقَ، سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه، وسُبْحَانَ الله عددَ كلِّ شيء، وسبحانَ الله ملء كلِّ شيء، وتقول: الحمد لله مثلَ ذلك (٣).
стр. 1251
• وخرج البزار نحوه من حديث أبي الدرداء (١).
وخرج أبن أبي الدنيا بإسناد له، أن النبي ﷺ قال لمعاذ: يا معاذ! كم تذكر ربّك كلّ يوم؟ تذكره كلَّ يوم عشرة آلاف مرة قال: كل ذلك أفعل؟! قال؛ أفلا أدلك على كلمات هن أهون عليك من عشرة آلاف، وعشرة آلاف؟ أن تقول: لا إله إلا الله عدد ما أحصاه [علمه] لا إله إلا الله عدد كلماته، لا إله إلا الله عدَدَ خلقه، لا إله إلا الله زِنَة عَرْشِهِ، لا إله إلا الله ملء سمواته، لا إله إلا الله ملءَ أرضه، لا إله إلا الله مثلَ ذلك معه، والله أكبر مثل ذلك معه، والحمد لله مثلَ ذلك معه (٢).
• وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقدة فقال: ألا أدلكِ على ما هو خَيْرٌ لك منه؟ سبحانَ الله ملءَ البر والبَحْرِ، سبحان الله ملءَ السمواتِ والأَرَضِ، سبحان الله عددَ خَلْقِه، سبحان الله رضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البر والبحر والسماء والأرض.
• وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي (٣) قال: كان أبي يحدث خمسة أحاديث، ثم يقول: أمهلوا؛ سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله عَدَد ما خلق وزنة ما خلق، وعدَد ما هو خالق، وزنةَ ما هو خالق، وملء ما خلق، وملء ما هو خالق، وملء سمواته، وملء أرضه، ومثْل ذلك وأضعافَ ذلك، وعدَد خلقهِ، وزنة عَرْشه، ومُنْتَهى رحمته، ومدادَ كلماته، ومبلَغَ رضاه، وحتى يرضى، وإذا رضي، وعددَ ما ذَكَرهُ به خَلقهُ في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروه (٤) فيما بقي في كل سنة، وشهر، وجمعة، ويوم، وليلة، وساعةٍ من الساعات، وتنسُّم وتنفس من أبدٍ (٥) إلى الأبد، أبد الدنيا والآخرة أمَدٌ (٦) من ذلك لا ينقطع أولاه، ولا ينفد أخراه.
стр. 1252
• وبإسناده عن المعتمر بن سلَيمانَ قال: رأيتُ عبدَ الملك بنَ خالد بعد موته فقلت: ما صنعت؟ قال: خيرًا، فقلتُ: ترجو للخاطئ شيئًا؟ قال: يلتمس عِلْم تسبيحات أبي المعْتَمِر، نِعمَ الشيء.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين (١)، حدّثني بعضُ البصريين، أن يُونس بنَ عُبيد رأَى رجُلًا (٢) فيما يرى النائم كان قد أصيب ببلاد الروم، فقال: ما أفضلُ ما رأيتَ ثَمَّ منَ الأعمال؟ قال: رأيتُ تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان.
وكذلك (٣) كان ﷺ يعجبه من الدعاء جوامعه:
• ففي سنن أبي داود عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك (٤).
• وخرج الفريابي وغيره من حديث عائشة ﵂ أيضًا أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائشة! عليك بجوامع الدعاء، اللهم! إني أسألكَ من الخير كله عاجله وآجله: ما علمت منه وما لم أعلم: وأعوذ بك من الشر كلِّه عاجله وآجله: ما علمتُ منه، وما لم أعلم، اللهم! إني أسألك من خير ما سألكَ منه محمدٌ عبدُك ونبيك، وأعوذ بك من شرِّ ما عاذَ منه عبدُك ونبيك، اللهم! إني أسألك الجنة وما قربَ إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النَّار ومَا قرَّبَ إليها من قولٍ وعَمَلٍ، وأسألك ما قضيتَ لي من قضاء أن تجعلَ عاقبته رشدًا".
• وخرجه الإمام أحمد وابنُ ماجه وابنُ حبان في صحيحه والحاكم، وليس عندهم
стр. 1253
ذكر جوامع الدعاء (١).
• وعند الحاكم: عليك بالكوامل وذكره.
• وخرجه أبو بكر الأثرم وعنده: أن النبي ﷺ قال لها: ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه؟ وذكر هذا الدعاء.
• وخرج الترمذي من حديث أبي أمامة (٢) قال: دعا رسول الله ﷺ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقلنا: يا رسول الله! دعوتَ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقال: ألا أدلكم على ما يجمعُ ذلك كلَّه؟ تقول: اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ ، ونعوذُ بك من شر ما استعاذَ منه نبيُّكَ محمدٌ ﷺ ، وأنت المستعانُ، وعليك البلاغُ، ولا حَول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1254
• وخرج الطبراني وغيره من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول: في دعاءٍ له طويل: اللَّهم! إني أسألكَ فواتحَ الخير وخواتِمَهُ، وَجَوَامِعَه، وأولهَ وآخره، وظاهِرَه، وَباطنِه (١).
• وفي المسند أن سعد بنَ أبي وقاص سمع ابنًا له يدعو ويقول: اللهم! إني أسألك (٢) الجنة ونعيمَها وإستبرقها ونحوًا من هذا، وأعوذُ بكَ من النار وسَلاسِلها وأغلالِها، فقالت: لقد سألتَ اللهَ خيرًا كثيرًا وتعوذتَ بالله من شر كثير، وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء وقرأ هذه الآية ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) وإن حسبك (٤) أن تقول: اللهم! إني أَسْأَلُكَ الجنة وما قَرَّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قَرَّبَ إليها من قول وعمل" (٥).
• وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: كنّا نقولُ في الصلاة خلفَ رسول الله
стр. 1255
- ﷺ : السلامُ على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، السلام، على فلان وفلان، فقال لنا رسول الله ﷺ ذات يوم: إن الله هو السلامُ، فإذا قعدَ أحدكم في الصلاة فليقل: التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ (١) السلامُ عليكَ أيها النبي ورحمةُ الله وبركاتهُ، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كلَّ عبدٍ صالح في السماء والأرض: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء (٢).
وفي المسند عن ابن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ عُلِّم فواتح (٣) الخير أو جوامع الخير وفواتحه وخواتمه؛ وإن كنا لا ندري ما نقول في صلاتنا حتى علَّمنا فقال: قولوا التحيات لله؛ فذكره إلى آخره (٤). والله أعلم. [وأحكم وصلى الله على خير خلقه محمد ﷺ ] (٥).