← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

في سبعة أمعاء" (١) والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع؛ فيأكل في معي واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشرَه (٢) والنهم فيأكل في سبعة أمعاء، وندب ﷺ مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه فقال: "طعامُ الواحد يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الثلاثة، وطعامُ الثلاثة يكفي الأربعة" (٣). * * * [أحسن ما أكل المؤمن]: فأحسنُ ما أكل المؤمن في ثلث بطنه، وشرب في ثلث، وترك للنفس ثلثًا، كما ذكره النبي ﷺ في حديث المقدام؛ فإن كثرةَ الشرب تجلبُ النوم، وتُفسد الطعام. • قال سفيان: كلْ ما شئت، ولا تشرب؛ فإذا لم تشرب لم يجئك النوم (٤). • وقال بعض السلف: كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل؛ فإذا كان عيد فطرهم قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فتناموا كثيرًا، فتخسروا كثيرًا. • وقد كان النبي ﵌ وأصحابه يجوعون كثيرًا (٥)، ويتقللون من أكل الشهوات، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام؛ إلا أن اللّه تعالى لا يختار لرسوله إلا أكملَ الأحوال وأفضلَها (٦). ولهذا كان ابن عمر يتشبه بهم في ذلك (٧)، مع قدرته على الطعام، وكذلك أبوه (٨)

стр. 1192

من قبله. • ففي الصحيحين عن عائشة قالت: "ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من خبز برّ ثلاث ليال تباعًا، حتى قبض" (١). • ولمسلم قالت: "ما شبع رسول اللّه ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين؛ حتى قبض" (٢). وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "ما شبع رسول اللّه ﷺ من طعام ثلاثة أيام؛ حتى قبض" (٣). • وعنه قال: "خرج رسول اللّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير" (٤). وفي صحيح مسلم عن عمر: أنه خطب فذكر ما أصابَ الناسُ من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ به بطنه (٥). وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس عن النبي ﷺ ﵌، قال: "لقد أوذيتُ في اللّه وما يؤذَى أحد، ولقد أُخِفْتُ في اللّه وما يُخَافُ أحد، ولقد أتتْ عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي الطعام؛ إلا مَا وارَاهُ إبِطُ بِلالٍ" (٦).

стр. 1193

• وخرَّج ابن ماجه بإسناده عن سليمان بن صرد قال: "أتانا رسول اللّه ﷺ فَمَكَثْنَا ثلاث ليال لا نقدر - أو لا يقدر - على طعام" (١). وبإسناده عن أبي هريرة قال: "أُتي رسول اللّه ﷺ بطعامٍ سُخْنٍ، فأكل؛ فلما فرغَ قال: الحمد للّه ما دخل بطني طعامٌ سُخْنٌ منذ كذا وكذا" (٢). [ذم القرآن من اتبع الشهوات]: • وقد ذم اللّه ورسوله من اتبع الشهوات قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٣). وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "خيرُ القُرون قَرْني، ثم الذين يلُونَهُم ثم الذين يلونَهُمْ، ثم يأتي قوم يَشْهدون ولا يُسْتَشْهَدُون، وَيَنذِرُون ولا يُوفونَ، ويظهرُ فيهم السِّمَنُ" (٤). • وفي المسند أن النبي ﷺ رأى رجلًا سمينًا فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول: "لو كان هذا في غير هذا؛ لكان خيرًا لك" (٥). • وفي المسند عن أبي بَرْزَة عن النبي ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم؛ شهواتُ الغَيِّ في بطونكم وفروجكم ومُضِلَّاتُ الهوى" (٦). • وفي مسند البزَّار وغيره عن فاطمة عن النبي ﷺ قال: "شرار أمتي الذين غذُّوا

стр. 1194

بالنعم، الذين يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام" (١). وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: "تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال: "كُفَّ عنَّا جُشَاءَكَ؛ فإن أكثَرَهُمْ شِبَعًا في الدُّنْيَا أطولُهم جوعًا يوم القيامة" (٢). • وخرجه ابن ماجه من حديث سلمان أيضًا بنحوه (٣).

стр. 1195

وخرجه الحاكم من حديث أبي جحيفة (١) وفي أسانيدها كلها مقال واللّه أعلم. [ثلث للطعام]: • وروى يحيى بن منده في كتاب مناقب الإمام أحمد بإسناد له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي ﷺ : "ثلثٌ للطعام، وثلثٌ للشراب، وثلثٌ للنفَس" فقال: "ثلُث للطعام هُوَ القُوت، وثُلُث للشَّرَاب هو القُوَى، وثُلُث للنَّفَس هو الروح". * * *

стр. 1196

الحديث الثامن والأربعون عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنَافِقًا وَإِن (١) كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عاهَدَ غَدَرَ". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية الأعمش، عن عبد اللّه بن مرة، عن مسروق، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص (٢). • وخرجاه في الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان" (٣). • وفي رواية لمسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. وفي رواية له أيضًا: "من علامات المنافق ثلاثة … ". وقد روي هذا عن النبي ﷺ من وجوه أخر. [تأويل الحديث]: • وهذا الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا في عهد النبي ﷺ ؛ فإنهم حدثوا النبي ﷺ ، فكذَبوه، وائتمنهم على سره؛ فخانوه،

стр. 1197

ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو؛ فأخلفوه. وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء، وأنه قال: حدثني به جابر، عن النبي ﷺ ، وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه، وهذا كذب والمحرم هذا: شيخ كذاب معروف بالكذب. وقد روي عن عطاء من وجهين آخرين ضعيفين؛ أنه أنكر على الحسن قوله: ثلاث من كن فيه؛ فهو منافق، وقال: قد حدث إخوة يوسف فكذَبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخافوا، ولم يكونوا منافقين. وهذا لا يصح عن عطاء، والحسنُ لم يقل هذا من عنده، وإنما بلغه عن النبي ﷺ ؛ فالحديث ثابت عنه ﵌، لا شك في ثبوته وصحته. [بماذا فسر النفاق؟]: والذي فسره به أهل العلم المعتبرون: أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه. وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: • أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أن يُظْهِرَ الإنسانُ الإيمان باللّه وملائِكَتِهِ وكُتُبِه ورُسُلِهِ واليوم الآخِر، ويُبْطِنَ ما يناقض ذلك كُلّه أو بعضَه. وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول اللّه ﷺ ، ونزل القرآن بذم أهله، وَبكُفرِهم (١)، وَأَخْبَر أن أهله في الدرك الأسفل من النار. • والثاني: النفاق الأصغر، وهو نِفَاقُ العمَل، وهو أن يظهر الإنسانُ علانيةً صالحةً، ويبطنَ ما يُخَالِفُ ذلك. [أصول النفاق]: وأصولُ هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث وهي خَمْسَة: • أحدها: أن يحدّث بحديث لمن يصدقه به، وهو كاذب له. وفي المسند (٢) عن النبي ﷺ قال: "كَبُرَتْ خِيَانةً أن تحدِّثَ أخاكَ حديثًا هُوَ لَكَ

стр. 1198

مُصَدّق، وأنت به كاذب". قال الحسن: كان يقال: النفاق اختلاف السرِّ والعلانية، والقولِ والعمل، والمدخلِ والمخرج، وكان يقال: أسُّ النفاق الذي بنى عليه النفاق: الكذب. * * * • الثاني: إذا وعد أخلف. وهو على نوعين: أحدهما: أن يعد، ومن نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشرُّ الخُلف. ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل؛ كان كذبًا وخلفًا. قاله الأوزاعي. والثاني: أن يَعِدَ ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيُخلفُ من غير عذر له في الخُلف. وخرج أبو داود (١) والترمذي (٢) من حديث زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ قال: "إذا وعَدَ الرَّجُلُ ونَوى أن يفي به، فلم يف؛ فلا جُنَاحَ عليه". وقال الترمذي: ليس إسناده بالقوي. وخرجه الإسماعيلي وغيرُه من حديث سَلْمَان أن عليًّا لقي أبا بكر وعمر ﵄ فقال: ما لي أَرَاكُما ثقيلين؟ قالا: حديث سمعناه من النبي ﷺ ذكر خلالَ المنافق، "إذا وعد أخلف، وإذا حدّث كذَب، وإذا ائتُمِنَ خان" فأينا ينجُو من هذه الخصال. فدخل عليٌّ على النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "قد حدَّثْتُهُمَا ولم أضَعْه على الموضع الذي تضعونه، ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسَهُ أن يكذب، وإذا وعَد وهو يحدِّثُ نفسَه أن يُخلف، وإذا ائتُمِنَ وهو يحدّث نفسه أن يخون".

стр. 1199

وقال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من رواية سلمان، وزيدِ بن أرقم: الحديثان مضطربان، وفي الإسناد مجهولان (١) وقال الدارقطني (٢): "الحديث مضطرب غير ثابت" والله أعلم. وخرج الطبراني والإسماعيلي من حديث عليّ مرفوعًا: "العِدَةُ دَيْنٌ. وَيْلٌ لمن وَعَدَ ثم أخلَفَ" قالها ثلاثًا. وفي إسناده جهالة (٣). ويروى من حديث ابن مسعود قال: لا يعد أحدكم صبيه، ثم لا ينجز له فإن رسول الله ﷺ قال: "العدة عطية" وفي إسناده نظر. وَأوله صحيح عن ابن مسعود من قوله. وفي مراسيل الحسن عن النبي ﷺ قال: "العدة هبة" وفي سنن أبي داود، عن مولى لعبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: جاء النبي ﷺ إلى بيتنا وأنا صَبيٌّ فخرجت لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعالَ أعطك، فقال رسول الله ﷺ : "ما أردت أن تعطيه؟ " قلت: أردت أن أعطيه تمرا، فقال: "إن لم تفعلي كتبت عليك كَذْبَة". وفي إسناده من لا يعرف (٤). وذكر الزهري عن أبي هريرة قال: "من قال لصبيّ تعالَ هاك تمرًا ثم لا يعطيه شيئًا فهي كذبة". وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعد، فمنهم من أوجبه مطلقًا. وذكر البخاري في صحيحه أن ابن أشوع قضى بالوعد (٥)، وهو قول طائفة من أهل

стр. 1200

الظاهر وغيرهم. ومنهم من أوجبَ الوفاءَ به إذا اقتضى تغريمًا للموعود وهو المحكي عن مالك. وكثيرٌ من الفقهاء لا يوجبونه مطلقًا * * * • والثالث: إذا خاصم فجر. ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا، والباطل حقًّا. وهذا مما يدعو إليه الكذب كما قال النبي ﷺ : "إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" (١). وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : "إن أبغضَ الرجال إلى الله الألدّ الخَصِمُ" (٢). وقال ﷺ : "إنكم لتختصمون إليَّ ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أن يكونَ ألحنَ بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" (٣).

стр. 1201

وقال ﷺ (١): "إن من البيان سِحْرًا". فإذا كان الرجلُ ذا قدرةٍ عند الخصومة سواء كانت خصومتُه في الدين، أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحقّ، ويخرجه في صورة الباطل كان ذلك من أقبح المحرمات، ومن أخبث خصال النفاق. وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: "من خاصمَ في باطلٍ وهو يعلمه لم يزل في سَخَطِ الله حتى يَنْزِعَ" (٢). وفي رواية له أيضًا: "ومَنْ أعان على خُصُومَةٍ بظُلْمٍ فقد بَاءَ بغضَبٍ من الله" (٣). * * * • الرابع إذا عاهد غدر ولم يف بالعهد. وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٤).

стр. 1202

وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). وفي الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: "لكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يومَ القيامة يُعْرَفُ به" (٣). وفي رواية: "إن الغادرَ يُنْصبُ له لواءٌ يومَ القيامةِ فيقالُ: ألا! هذه غَدْرةُ فلان" (٤). وخرجاه من حديث أنس (٥) بمعناه. وخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "لكل غادر لواءٌ عندَ اسْتِه يوم القيامة" (٦). والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهَد كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "من قتل نفسًا معاهدًا بغير حقه لم يُرِحْ رائحةَ الجنة وإِن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا". خرجه البخاري (٧). • وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عُهُودهم، ولم

стр. 1203

ينقضوا منها شيئًا. أما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشدّ، ونقضها أعظم إثمًا. ومن أعظمها نقضُ عهد الإمام علَى من بايعه، ورضي به. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلّمهم الله يومَ القيامة ولا يزكيهم وله عذاب أليم، فذكر منهم: "ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفَى له، وإلا لم يف له" (١). ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها ويحرم الغدر فيها جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها. وكذلك ما يجب الوفاء به لله مما يُعَاهِدُ العبد ربَّه عليه من نذر التبرّر (٢) ونحوه. * * * • والخامس الخيانة في الأمانة، فإذا اؤتُمن الرجل أمانة فالواجب عليه أن يردها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣). وقال النبي ﷺ : "أَدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمنَكَ" (٤).

стр. 1204

وقال في خطته في حجة الوداع: "من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى ما ائتمنه عليها" (١). وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق. وفي حديث ابن مسعود من قوله وروي مرفوعًا: "القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الأمانةَ؛ يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدّ أمانتك فيقول: من أينَ يا ربِّ! وقد ذهبت الدنيا فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية فيُهْوى به حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار جنهم حتى إذا رأى أنه قد خرج منها زلت فهوت فيُهْوى هو في أَثَرِهَا أبَدَ الآبدين". قال: "والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدّ من ذلك الودائع" (٣). وقد روي عن محمد بن كعب القُرَظي أنه استنبط ما في هذا الحديث أعني حديث "آية المنافق ثلاث من القرآن". وقال: مصداقُ ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٥) وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ (٦) وروي عن ابن مسعود نحو ذلك الكلام. ثم تلا قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ … ﴾ الآية (٧).

стр. 1205

وحاصل الأمر: أن النفاق الأصغر كلَّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن. • وقال الحسن أيضًا: من النفاق اختلافُ القلب واللسان، واختلافُ السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج. • وقال طائفة من السلف: "خشُوعُ النفاقِ أن تَرى الجسَدَ خاشعًا والقلبَ ليس بخاشع". وقد روي معنى ذلك عن عمر. وروي عنه أنه قال على المنبر: "إن أخوفَ ما أخافُ عليكم: المنافق العليمُ" قالوا: كيف يكون المنافق عليمًا؟ قال: "يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجَوْر أو قال: المنكر؟ ". • وسئل حذيفة عن المنافق فقال: الذي يصف الإيمانَ ولا يعملُ به. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أنه قيل له: إنا نَدْخُل على سلطاننا فنقول له بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده قال: "كنا نعد هذا نفاقًا" (١). • وفي المسند عن حذيفة قال: "إنكم لتكلّمون كلامًا إن كنَّا لنعدُّهُ علَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ النفاقَ" (٢). وفي رواية قال: إن كان الرجُل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ يصير بها منافقًا وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مِرار" (٣). • قال بلال بن سعد: "المنافق يقول ما يُعْرَف، ويعمل ما يُنْكَر".

стр. 1206

[خوف الصحابة من النفاق]: ومن هنا كان الصحابة يخافون على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه. وسئل أبو رجاء العُطَارِدي: هل أدركتَ من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ يخشون النفاق؟ فقال: نعم، إني أدركت منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا (١). وقال البخاري في صحيحه: وقال ابنُ أبي ملكية: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه (٢). ويذكر عن الحسن قال: "ما خافه؛ إلا مؤمن، ولا أمنه؛ إلا منافق". انتهى. وروي عن الحسن أنه حلف: ما مضى مؤمن قط ولا بقي؛ إلا وهو من النفاق مشفق (٣)، وما مضى منافق قط ولا بقي؛ إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. وسمع رجل أبا الدرداء يتعوّذ من النفاق في صلاته فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: "اللهم (٤) اغفر لي "ثلاثًا"؛ لا تأمن البلاء، واللهِ إن الرجلَ ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه". والآثار عن السلف في هذا كثيرَة جدًّا. • قال سفيان الثوري: خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث: فذكر منها قال: نحن نقول: نفاق. وهم يقولون: لا نفاق. • وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاق على نفسه قيل له (٥): إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقًا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يُبْتلى بذلك قبل أن يموت؟ قال: هذا قولُ أهلِ البدع، يشير إلى أن عُمرَ كان يخاف النفاق على نفسه في الحال.

стр. 1207

والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة (١) إلى النفاق الأكبر - كما أن العاصي بريد الكفر، فكما (٢) يُخْشَى على مَنْ أصَرّ على المعصية أن يسلب الإيمانَ عند الموت كذلك يخشى على من أصرّ على خصال النفاق أن يُسْلَبَ الإيمان؛ فيصيرَ منافقًا خالصًا (٣). • وسئل الإمام أحمد: "ما تقولُ فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال؟ ومَنْ يأمَنُ على نفسه النفاق؟ ". • وكان الحسن يسمي من ظهرت منه أوصافُ النفاق العملي: منافقًا. وروي نحوه عن حذيفة. • وقال الشعبي: "مَنْ كذب فهو منافق". وحكى محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقة من أهل الحديث. [مرتكب الكبيرة وهل يسمى كافرًا؟]: وقد سبق في أوائل الكتاب ذكر الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر هل يسمى كافرًا كُفْرًا لا ينقل عن الله أم لا؟ واسم الكفر أعظمُ من اسم النفاق، ولعل هذا هو الذي أَنَكَرَهُ عطاء على الحسنِ إن صح ذلك عنه. * * * [من أعظم خصال النفاق العملي]: • ومن أعظم خصال النفاق العملي: أن يعمل الإنسان عملًا ويُظْهرَ أنه يقصد به الخير، وإنما عَمِله ليتوصل به إلى غرض له سَيِّيءِ، فيتم له ذلك، ويتوصَّلُ بهذه الخديعة إلى غَرَضه، ويفرح بمكره، وحَمْدِ الناس له على ما أظهره، وتوصُّلِه به إلى غَرَضِهِ السَّيِّئ الذي أبطنه. * * *

стр. 1208

[ما حكاه عن المنافقين واليهود في هذا]: وهذا وقد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود. • فحكى عن المنافقين أنهم: ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١). • وأنزل في اليهود: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). * وهذه الآية نزلت في اليهود سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وفد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أتوا (٣) من كتمانهم ما سئلوا عنه. قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في الصحيحين (٤). • وفيهما (٥) أيضًا عن أبي سعيد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرِحُوا بمقْعَدِهِم خِلافَه، فإذا قَدِمَ رسولُ الله من الغزو اعتذرُوا إليه، وحلَفوا وأَحبُّوا أن يُحْمَدُوا بما لَم يَفْعَلوا (٦). • وفي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "من غشَّنا فليس منا، والمكرُ والخديعةُ في النار" (٧).

стр. 1209

• وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة، ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله: لَيْسَ دُنْيَا إلا بِدينٍ وليس الدّ … ينُ إلا مكارمَ الأخلاقِ إنَّمَا المَكْرُ والخدِيعةُ في النّا … رِ هُمَا مِنْ خِصَالِ أهْلِ النّفاقِ • ولما تقرر عند الصحابة ﵃: أنّ النفاقَ هو اختلافُ السّر والعلانية خَشِيَ بعضهم علَى نفسه أن يكون إذا تغير عليه حُضُورُ قلبه ورقَّتُه وخشُوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأُسَيْدي أَنه مرَّ به أبو بكر (١) ﵁ وهو يبكي فقال: ما لك؟. قال: نافق حنظلة يا أبا بكر! نكونُ عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالجنة والنار كأنّا رأيُ عَين، فإذا رجَعْنَا عافَسْنَا الأزواجَ والضيعة (٢) فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لكذلك، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ فقال: ما لك يا حنظلة؟! قال: نافق حنظلة يا رسول الله! وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : لو تدومون على الحال التي تقومُون بها من عندي لصَافحتكم الملائكة في مَجَالِسِكُم وفي طُرُقِكُم ولكن يا حنظلة! ساعةً وساعةً (٣).

стр. 1210

• وفي مسند البزار عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله! إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناكَ كُنّا على غيره؟ قال: "كيفَ أَنْتُم؟ " قالوا: الله ربُّنَا في السِّرِّ والعلانية، قال: "ليس ذَاكُمُ النفاق" (١). • وروي من وجه آخر عن أنس قال: غَدَا أصحابُ رسول الله ﷺ فقالوا: هَلَكْنَا. قال: "وما ذاك؟ " قالوا النفاق. قال: "ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ ". قالوا: بلى. قال: "فليس ذاك بالنفاق" ثم ذكر معنى (٢) حديث حنظلة (٣) كما تقدم. * * *

стр. 1211

الحديث التاسع والأربعون عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم (١) تَوَكَّلونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوح بِطَانًا". رَوَاهُ الإِمامُ أَحْمَدُ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣) وَالنَّسَائِيُّ (٤) وَابْنُ ماجَه (٥) وَابْنُ حِبَّانَ (٦) في صحيحه وَالحَاكِمُ (٧). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَصَنٌ صَحِيحٌ. * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرجه هؤلاء كلهم من رواية عبد الله بن هبيرة سمع أبا تميم الجيشاني، سمع عمرَ بن الخطاب ﵁ يحدثه عن النبي ﷺ . وأبو تميم، وعبد الله بن هُبيرة، خرّج لهما مسلم، ووثقهما غير واحد، وأبو تميم ولد في حياة النبي ﷺ وهاجر إلى المدينة في زمن عمر ﵁.

стр. 1212

• وقد روي هذا الحديث من حديث ابن عمر (١)، عن النبي ﷺ ولكن في إسناده من لا يعرف حاله، قاله أبو حاتم الرازي (٢). وهذا الحديث أصل في التوكل؛ وأنه من أعظم الأسباب التي يُسْتَجْلَبُ بها الرزق، قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٣). وقد قرأ النبي ﷺ هذه الآية على أبي ذرّ وقال له: "لو أن الناسَ كلَّهم أخذوا بها (٤) لكَفتهم" يعني أنهم لو حققوا التقوى والتوكل لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم، وقد سبق الكلام على هذا المعنى في شرح حديث ابن عباس: "احفظ الله يحفَظْك". • قال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم من قلبك حُسْنَ توكلك عليه، فكم من عبد من عباده قد فوَّض إليه أمره، فكفاه منه ما أهمّه تم قرأ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٥). وحقيقة التوكل: • هو صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب الصالح، ودفع الضار، من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَة (٦) الأمور كُلِّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضرُّ ولا ينفعُ سواه. * * * قال سعيد بن جبير: "التوكل جماع الإيمان" (٧). • وقال وهب بن منبه: الغاية القصوى التوكل. • قال الحسن: إن توكل العبد على ربه؛ أن يعلم أن الله هو ثقَتُه. • وفي حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من سَرَّه أن يكونَ أقوى الناس

стр. 1213

فلْيتوكّل على الله" (١). وروي عنه ﷺ : أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك صِدْقَ التوكل عليك" (٢). وأنه كان يقول: "اللهمَّ اجعلني ممن توكَّل عليك فكفيتَه" (٣). [التوكل لا ينافي السعي في الأسباب]: واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السَّعْيَ في الأسباب التي قدّر الله

стр. 1214

المقدورات بها، وجَرَت سنته في خلقه بذلك؛ فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل؛ فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمانٌ به: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣). قال سَهْلٌ التُّسْتَرِي (٤): "مَنْ طعنَ في الحركة يعني في السعي والكسب؛ فقد طعَنَ في السنة، ومَنْ طَعَن في التوكُّلِ؛ فقدْ طَعَنَ في الإيمان". فالتوكل حالُ النبي ﵌، والكَسْبُ سُنّته؛ فمن عَمل علَى حالِه فلا يتركَنَّ سُنتُه. [الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام]: ثمَّ إن الأعمالَ التي يعملها العبد ثلاثة أقسام: • أحدها: الطاعاتُ التي أمر الله عبادَه بها، وجعلها سببًا للنجاة من النار، ودخولِ الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه؛ فإنه لا حول ولا قوّة إلا به، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فمن قصر في شيء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعًا وقَدَرًا، قال يوسف بن أسباط: "كان يقال: اعْمَل عَمَلَ رجلٍ لا يْنجِيه إلا عملُه، وتوكلْ توكل رَجُلٍ لا يصيبُه إلا ما كُتِبَ له" (٥). • والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا، وأمر عبادَه بتعاطيه، كالأكل عند الجوع، والشُّرْبِ عند العطش، والاستظلال من الحرّ، والتَّدَفيِّ من البرد، ونحو ذلك. فهذا أيضًا واجبٌ على المرء تعاطى أسبابه.

стр. 1215

ومن قصر فيه حتى تضرّر بتركه مع القدرة على استعماله؛ فهو مفرِّطٌ يستحق العقوبة، لكن الله قد يُقوّي بعضَ عباده من ذلك على ما لا يُقوِّي عليه غيرَه، فإذا عمل بمقتضى قوّته التي اختُصَّ بها عن غيره؛ فلا حرج عليه. ولهذا كان النبي ﷺ يُواصِلُ في صيامه، ويَنْهَى عن ذلك أصحابه، ويقول لهم: "إني لستُ كهيئتِكم إني أُطْعَم وأُسْقَى" وفي رواية: "إني أظلّ عندَ ربّي يُطْعِمُني، ويَسْقِيني". وفي رواية: "إن لي مُطْعِمًا يُطْعِمُني وساقيًا يَسْقِيني" (١). والأظهر أنه أراد بذلك أن الله يقوّيه ويغذيه بما يورده على قلبه من الفتوح القدسية، والمنَحِ الإلهية، والمعارف الربانية التي تُغْنِيه عن الطعام والشراب برهةً من الدهر؛ كما قال القائل: لها أحاديثُ منْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلهَا … عن الشَّرَابِ وتُلْهِيهَا عَن الزَّادِ لها بِوَجْهِكَ نورٌ تستضِيءُ بهِ … وقْتَ المسِيرِ وفي أعقابِها حادِي إذا اشتكَتْ من كَلال السَّير أَوْ عَدَهَا … رَوْحَ القُدُوم فتحْيَا عندَ ميعادِ وقد كان كثير من السلف لهم من القوّة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، ولا يتضرَّرُونَ بذلك. فكان ابن الزبير يواصل ثمانية أيام. وكان أبو الجوزاء يواصل في صومه بين سبعة أيام، ثم يقبِضُ، على ذراعِ الشابِّ (٢)؛ فيكاد يحطمها. وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل شيئًا، غير أنه يشرب شَرْبَة حلوى. وكان حجاج بن فُرَافِصَةَ يبقى أكثرَ من عشرة أيام لا يأكل، ولا يشرب، ولا ينام. وكان بعضهم لا يبالي بالحر، ولا بالبرد كما كان عليٌّ ﵁ يلبس لباسَ

стр. 1216

الصيف في الشتاء، ولباسَ الشتاء في الصيف. وكان النبي ﷺ دعا له أن يُذْهِبَ الله عنه الحرّ (١) والبرد. فمن كان له قوّة على مثل هذه الأمور فعمل بمقتضى قوّته، ولم يضعفه عن طاعة الله؛ فلا حَرَجَ عليه. ومن كلف نفسه ذلك حتى أضعفها عن بعض الواجبات؛ فإنه يُنْكَرُ عليه ذلك. وكان السلف ينكرون على عبد الرحمن بن أبي نُعْم (٢)؛ حيث كان يترك الأكل مدة حتى يعاد من ضعفه. • القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة في ذلك لمن يشاء من عباده، وهو أنواع: منها ما يخرقه كثيرًا، ويُغني عنه كثيرًا من خلقه، كالأدوية بالنسبة إلى كثير من البلدان، وسكان البوادي ونحوها. وقد اختلف العلماء هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟ فيه قولان مشهوران؛ وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل لا صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخُلُ مِنْ أمتي الجنةَ سبعُون ألفًا بغير حِسَاب ثم قال: هُمُ الذينَ لا يتطيَّرُونَ ولا يستَرقُونَ ولا يكتوونَ وعلى ربهم يتوكلون" (٣).

стр. 1217

ومن رجح التداوي قال: إنه حالُ النبي ﵌ الذي كان يداوم عليه، وهو لا لفعل إلا الأفضل، وحمل الحديث على الرقى المكروهة التي يخشى منها الشرك، بدليل أنه قرنها بالكيّ والتطير (١)، وكلاهما مكروه. ومنها ما يخرقه لقليل من عباده (٢) كحصول الرزق، لمن ترك السعي في طلبه. فمن رزقه اللّه صدقَ يقين وتوكل، وعلم من اللّه أن يَخرقَ له العوائد، ولا يحوجَه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه، جاز له تركُ الأساب، ولم ينكَر عليه ذلك؟ وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدل على ذلك، ويدلّ على أن الناسَ إنما يؤتَوْن مِن قلة تحقيق التوكل، ووقوفِهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومُسَاكنتهم لها، فلذلك يُتْعِبون أنفسَهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما قُدّر لهم. [لو حقق العبد التوكل بالقلب]: • فلو حققوا التوكل على اللّه بقلوبهم لساق اللّه إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق إلى الطير أرزاقَها بمجرد الغدوّ والرواح، وهو نوعٌ من الطلب، والسعي، لكنه سعيٌ يسير. وربما حرم الإنسان رزقه أو بعضه بذنب يصيبه، كما في حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: "إنَّ العَبْدَ ليحرم الرزق بالذنبِ يصيبه" (٣). وفي حديث جابر عن النبي ﷺ : "إن نَفْسًا (٤) لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه، وأجملوا في الطلب؛ خذوا ما حَلّ، ودعوا ما حَرُم" (٥).

стр. 1218

• وقال عمر: "بين العبد وبين رزقه حجاب، فإن قَنِعَ ورَضِيت نفسُه آتاه اللّه رزقَه، وإن اقتحم وهتك الحجاب، لم يزد فوق رزقه". • وقال بعض السلف: توكّل تُسَقْ إليك الأرزاقُ بلا تعب ولا تكلف. • قال سالم بن أبي الجعد: حدثت أن عيسى بن مريم ﵇ كان يقول: "اعملوا للّه ولا تعملوا لبطونكم، وإياكم وفضولَ الدنيا؛ فإن فُضُولَ الدنيا عند اللّه رِجْز، هذه (١) طير السماء تغدو وتروح، ليس (٢) معها من أرزاقها (٣) شيء، لا تحْرث ولا تحصد؛ اللّه (٤) يرزقها، فإن قلتم: إن بطوننا أعظم من بطون الطير، فهذه الوحوش من البقر (٥) والحمير تغدو وتروح؛ ليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث ولا تحصد، اللّه يرزقها". خرجه ابن أبي الدنيا. • وخرج بإسناده عن ابن عباس قال: كان عابد يتعبد في غار فَكان غراب يأتيه كل يوم برغيف يجد منه (٦) طعم كل شيء؛ حتى مات ذلك العابد. • وعن سعيد بن عبد العزيز، عن بعض مشيخة دمشق قال أقام إلياس هاربًا من قومه في جبل عشرين ليلة، أو قال: أربعين، تأتيه الغربان برزقه. • وقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٧) فقال: ألا إن رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خَرِبةً، فمكث ثلاثا لا يصيب شيئًا، فلما كان اليوم الرابع (٨) إذا هو بدَوْخَلَة (٩) من رُطَب، وكان له أَخٌ أحسنُ نيةً منه، فدخلَ معه فصارتَا دَوْخَلَتين، فلم يزلْ ذلك دأبَهُمَا، حتى فرق الموت بينهما. • ومن هذا الباب مَنْ قَوِي توكلّه على اللّه ووثُوقُه به، فدخل المفاوز بغير زاد، فإنه يجوز لمن هذه صفته، دون من لم يبلغ هذه المنزلة. وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل ﵇ حيث ترك هاجر وابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، وترك عندهما جرابًا فيه تمر، وسِقَاءً فيه ماء؛ فلما تبعته هاجر وقالت له:

стр. 1219

"إلى مَنْ تدعنا "؟ قال لها: إلى اللّه، قالت: رضيت باللّه. [التوكل والصدق]: وهذا كان يفعله بأمر اللّه ووحيه، فقد يقذف اللّه تعالى في قلوب بعض أوليائه من الإلهام الحق ما يعلمون أَنه حق، ويثقون به. قال المروزي: قيل لأبي عبد اللّه: أي شيء صدق التوكل على اللّه؟ قال: أن يتوكلَ على اللّه، ولا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيئه بشيء، فإذا كان كذا (١)، كان اللّه يرزقه، وكان متوكلًا. • قال: وذكرت لأبي عبد اللّه التوكل؛ فأجازه لمن استعمل فيه الصدق. [بين الجلوس في البيت وعدم الحاجة إلى الخلق]: • قال: وسألت أبا عبد اللّه عن رجل جلس في بيته ويقول: أجلسُ وأصبرُ ولا أطلِعُ على ذلك أحدًا، وهو يقدر أن يحترف؟ قال: لو خرج فاحترف كان أحبّ إليّ، وإذا جلس خفت أن يحوجه (٢) إلى أن يكون يتوقع أن يُرْسَلَ (٣) إليه بشيء. • قلت: فإذا كان يبعث إليه بشيء فلا يأخذ (٤)؟ قال: هذا جيّد. قلت لأبي عبد اللّه: إن رجلًا بمكة، قال: لا آكل شيئًا حتى يطعمني ربي (٥) ودخل في جبل أبي قبيس، فجاء إليه رجلان وهو متزر (٦) بخرقة فألقيا (٧) إليه قميصًا وأخذا بيديه (٨) فألبساه القميص، ووضعا بين يديه شيئًا (٩)، فلم يأكل حيّ وضعا مفتاحًا (١٠) حديدًا في فيه، وجعلا يدسّان في فمه؛ فضحك أبو عبد اللّه وجعل يتعجب. • قلت لأبي عبد اللّه: إن رجلًا ترك البيع والشراء، وجعل على نفسه أن لا يقع في يديه ذهب ولا فضة، وترك دُورَهُ، فلم (١١) يأمر فيها بشيء وكان يمر في الطريق، فإذا رأى شيئًا مطروحًا أخذه (١٢) مما قد ألقي؟ قال المروزي: فقلت للرجل: ما لك حجة

стр. 1220

على هذا غير أبي معاوية الأسود؟ قال: بل أويس القرني، وكان يمر بالمزابل، فيلتقط الرقاع. قال: فصدقه أبو عبد اللّه وقال: قد شدَّد على نفسه. ثم قال: قد جاءني البقلي ونحوه فقلت لهم: لو تعرضتم للعمل تُشْهِرُونَ أنفسَكم. قال: وإيش نُبَالي (١) من الشهرة. • وروى أحمد بن الحسين بن حسان، عن أحمد: أنه سئل عن رجل يخرج إلى مكة بغير زاد فقال (٢): إن كنتَ تُطِيق، وإلا فلا تخرج إلا بزادٍ وراحلة، لا تخاطر. • قال أبو بكر الخلال: يعني إن أطاق وعلم أنه يقوى على ذلك، ولا يسأل ولا تستشرف نفسُه لأن يأخذ أو يعطي فيقبَل؛ فهو متوكل على الصدق. وقد أجاز العلماء التوكلَ على الصدق. • قال: وقد حج أبو عبد اللّه، وكفاه في حجته أربعة عشر درهمًا. • وسئل إسحق بن راهويه: هل للرجل أن يدخل المفازة بغير زاد؟ فقال: إن كان الرجل مثلَ عبد اللّه بن مُنِيْر (٣)، فله أن يدخل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن له أن يدخل. * * * [متى تعرض العبد لسؤال الخلق لم يجز له ترك الكسب]: ومتى كان الرجل ضعيفًا، وخَشِيَ على نفسه أن لا يصبر، أو يتعرضَ للسؤال، أو أن يقعَ في الشك والتّسخُّط، لم يجز له ترك الأسباب حينئذ، وأُنكِرَ عليه غايةَ الإنكار، كما أنكر الإمام أحمد وغيره على من ترك الكسب، وعلى من دخل المفازة بغير زاد، وخُشي عليه التعرض للسؤال. • وقد روي عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزودُون، ويقولون:

стр. 1221

نحن متوكلون فيحجون فيأتون مكة فيسألون الناس، فأَنزل اللّه هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١). • وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والنخعي، وغير واحد من السلف، فلا يرخص في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكلية؛ وقد روي عن أحمد أنه سئل عن التوكل فقال: قَطعُ الاستشراف باليأس من الخلق. فسئل عن الحجة في ذلك، فقال: قول إبراهيم ﵇ لما عرض له جبريل وهو يُرْمَى في النار، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا (٢). [الكسب أفضل]: وظاهر كلام أحمد: أن الكسب أفضلُ بكل حال، فإنه سُئِل عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلتُ على اللّه فقال: ينبغي للناس كلِّهم؛ يتوكلّون على اللّه، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب. • وروى الخلال بإسناده عن الفضيل بن عياض: أنه قيل له: لو أن رجلًا قعد في بيته زعم أنَّه يثق باللّه؛ فيأتيه برزقه؟ قال: إذا وثق باللّه حتى يعلم منه أنه قد وثق به لم يمنعه شيء أراده، لكن لم يفعل هذا الأنبياء، ولا غيرهم. وقد كانت الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النبي ﷺ يؤجّر نفسه، وأبو بكر، وعمر ولم يقولوا: نقعد، حتى يرزقنا اللّه . • وقال اللّه : ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣) ولابد من طلب المعيشة.

стр. 1222

• وقد روي عن بشر ما يشعر بخلاف هذا، فروى (١) أبو نعيم في الحلية (٢): أن بشرًا سئل عن التوكل فقال: اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب فقال له السائل: فسره لنا حتى نفقه؟ قال بشر: اضطراب بلا سكون، رجل يَضْطَرب (٣) بجوارحه وقلبه ساكن إلى اللّه، لا إلى عمله، وسكون بلا اضطراب، فرَجُلٌ (٤) ساكن إلى اللّه بلا حركة. وهذا عزيز، وهو من صفات الأبدال. * * * [من لم يصل إلى المقامات العالية]: وبكل حال، فمن لم يصل إلى هذه المقامات العالية، فلابد له من معاناة الأسباب لا سيما مَن له عيال لا يصبرون؛ وقد قال النبي ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" (٥). • وكان بشر يقول: لو كان لي عيالٌ؛ لعملتُ واكتسبتُ. [من ضيع بترك الأسباب حقًّا]: وكذلك من ضيّع بتركه للأسباب (٦) حقًّا له، ولم يكن راضيًا بفوات حقه، فإن هذا عاجزٌ مفرط. • وفي مثل هذا جاء قول النبي ﷺ : "المؤمنُ القويّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللّه من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، وأحرصْ علَى ما ينفَعُك واستعِنْ باللّه ولا تعجِز؛ فإن أصابك شيء فلا تقل (٧): لو أني فعلت كذا لكان كذا (٨) ولكن قُلْ: قَدّر اللّه وما شَاءَ

стр. 1223

فَعَلَ، فإن لو (١) تفتحُ عملَ الشيطان". خرجه مسلم بمعناه من حديث أبي هريرة (٢). • وفى سنن أبي داود، عن عوف بن مالك أن النبي ﷺ قَضَى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبنا اللّه ونعم الوكيل فقال النبي ﷺ : إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي اللّه ونعم الوكيل (٣). وخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "أعقلها (٤) وتوكل". وذكر عن يحيى القطان أنه قال: هو عندي حديث منكر.

стр. 1224

وخرجه الطبراني من حديث عمرو بن أمية عن النبي ﷺ (١). ورَوَى الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن ابن عابد، أن النبي ﷺ قال: "إن التوكُّل بعد الكَيْسِ". وهذا مرسل. ومعناه أن الإنسان يأخذ بالكيس والسعي في الأسباب الباحة، ويتوكل على اللّه بعد سعيه. * * * [التوكل لا ينافي الأسباب]: وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب، بل قد يكون جمعهما أفضل. • قال معاوية بن قرة: "لقي عُمَرُ بنُ الخطاب ناسًا من أهل اليمن، فقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: نحن المتوكّلُونَ. قال: بل أنتم المتأكّلون، إنما المتوكل الذي يُلْقي حَبَّه في الأرض، ويتوكّل على اللّه ". [التوكل الحقيقي]: • قال الخلال: أخبرنا محمد بن أحمد (٢) بن منصور قال: سأل المازني بِشْرَ بنَ الحارثَ عن التوكل فقال: "التوكل لا يتوكل على اللّه ليُكفَى، ولو حلت هذه القصة في قلوب المتوكِّلة (٣)؛ لضجوا إلى اللّه بالندم والتوبة، ولكنَّ المتوكلّ يحلّ بقلبه الكفايةُ من اللّه ﵎، فيصدِّق اللّه فيما ضمن". ومعنى هذا الكلام، أن المتوكل على اللّه حقّ التوكل، لا يأتي بالتوكل ويجعله سببًا لحصول الكفاية له من اللّه بالرزق وغيره؛ فإنه لو فعل ذلك لكان كمن أتى بسائر (٤) الأسباب؛ لاستجلاب الرزق، والكفاية بها. [بين التوكل لطلب الرزق والتوكل ثقة باللّه]: وهذا نوعُ نقص في تحقيق التوكل، وإنما المتوكِّل (٥) حقيقةً مَنْ يعلم أن اللّه قد ضمنَ

стр. 1225

لعبده رزْقَه (١) وكفايته، فيصدق اللّه فيما ضمنه، ويثق به بقلبه، ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق، من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به، والرزق مقسوم لكل أحد، من برٍّ وفاجرٍ، ومؤمنٍ وكافرٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢) هذا مع ضعف كثير من الدواب وعجزها عن السعي في طلب الرزق، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (٣) فما دام العبدُ حَيًّا فرزقهُ على الله، وقد ييسره اللّه له بكسب، وبغير كسب؛ فمن توكل على الله لطلب الرزق، فقد جعل التوكل سببًا وكَسْبًا، ومن توكّلَ عليه لثقته بضمانه؛ فقد توكَّل عليه ثقة به وتصديقًا بوعده (٤) وما أحسن قول المثني (٥) الأنباري، وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد: "لا تكونوا بالمضمون مهْتَمّين، فتكونُوا للضامن متَّهِمين، وبرِزْقِه (٦) غير راضين". * * * [ثمرة التوكل: الرضا بالقضاء]: واعلما أن ثمرة التوكل الرضا بالقضاء؛ فمن وكَل أمورَه إلى اللّه ورَضِي بما يقضيه له، ويختَارُه؛ فقد حقق التوكل عليه (٧) ولذلك كان الحسَنُ والفُضَيل وغيرُهما يفسرون التوكل على اللّه بالرضا. [التوكل ثلاث درجات]: قال ابنُ أبي الدنيا: بلغني عن بعض الحكماء قال: التوكل على ثلاث درجات: • أولها ترك الشكاية. • والثانية الرضا. • والثالثة المحبة. • فترك (٨) الشكايةِ درجةُ الصبر. • والرضا سكونُ القلب بما قَسَم اللّه له، وهي أرفع من الأولى.

стр. 1226

• والمحبة أن يكون حُبه لما يَصنع اللّه به. • فالأولى للزاهدين. • والثانية للصادقين. • والثالثة للمرسلين. انتهى. [المتوكل]: فالمتوكل (١) على اللّه، إن صبر على ما يقدره اللّه له من الرزق أو غيرِه؛ فهو صابر. وإن رضي بما يقدر له بعد وقوعه، فهو الراضي. وإن لم يكن له اختيار بالكلية، ولا رضًا؛ إلا فيما يقدر له فهو درجة المحبين العارفين، كما كان عمر بن عبد العزيز يقال: أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع (٢) القضاء والقدر. * * *

стр. 1227

الحديث الخمسون عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ (١) قالَ: أَتَى النَّبيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإِسلَامِ قَدْ كثُرتْ عَلَيْنَا (٢) فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ، قال: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ ". خَرَّجَهُ الإِمامُ أَحْمَدُ بِهذَا اللَّفْظِ (٣). * * * [تخريج الحديث]: • وخرجه الترمذي (٤). وابن ماجه (٥) وابن حبان في صحيحه (٦) بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب.

стр. 1228

• وكلهم خرجه من رواية عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بُسْرِ. وخرج ابن حبان في صحيحه وغيره من حديث معاذ بن جبل قال: آخرُ ما فارقْتُ عليه رسولَ اللّه ﷺ أن قلت له: أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى اللّه؟ (١) قال: "أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ". وقد سبق في هذا الكتاب مفرقًا ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر، ونذكر هنا فضلَ إدامته والإكثارِ منه. * * * [مقاصد الحديث]: • قد أمر الله المؤمنين (٢) بأن يذكروه ذكرًا كثيرًا، ومدح مَنْ ذكره كذلك؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٦). [الذاكرون]: • وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مرّ على جبل يُقال له جُمْدَان فقال: "سيرُوا، هذا جُمْدَان سبق المفَرِّدُونَ" قالوا: ومن المفرّدون؟ يا رسولَ الله! قال: "الذاكرونَ الله كثيرًا والذاكراتُ" (٧). * * *

стр. 1229

[والمهترون]: • وخرجه الإمام أحمد ولفظه: "سبق المفرّدون". قالوا: وما المفردون؟ قال: "الذين يهترون في ذكر الله " (١). وخرجه الترمذي، وعنده: قالوا: يا رسول اللّه! وما المفرِّدون؟ قال: "المستهترون في ذكر الله تعالى"، يضع الذكر، عنهم أثقالَهم؛ فيأتون يومَ القيامة خِفَافًا (٢). وروى موسى بن عبيدة، عن أبي عبد اللّه القَرَّاظ (٣)، عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول اللّه ﷺ نسير بالدَّفِّ (٤) من جُمْدان إذ استنبه (٥) فقال: يا معاذ! أينَ السابقون؟ فقلت: قَدْ مَضَوْا وتخلّف أُناس (٦)، فقال: "يا معاذ! إنَّ السابقين: الذينَ يُسْتَهْتَرون بذكر اللّه !؟ ". خرجه جعفر الفريابي (٧). ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث؛ فإنه لما سبق الركبَ، وتخلف بعضهم، نبّه النبيُّ ﷺ على أن السابقين على الحقيقة؛ هم الذين يُدْمِنُونَ ذِكْرَ الله ويولعونَ به، فإن الاستهتارَ بالشيء؛ هو الْوَلُوعُ به والشغَف حتى لا يكاد يفارق ذكره. وهذا على رواية من رواه: المسْتَهْتَرون.

стр. 1230

ورواه بعضهم فقال فيه (١): "الذين أُهْتِرُوا في ذكر اللّه، وفسر ابن قتيبة الهتْرَ (٢)؛ بالسَّقَطِ في الكلام، كما في الحديث: "المستبَّان شيطانَان يتكاذَبانِ ويتهاتَران" (٣). قال: والمراد من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر اللّه وطاعته. * * * [والمفردون]: قال: والمراد بالمفردين على هذه الرواية، من انفرد بالعمر عن القَرْن الذي كان فيه. وأما على الرواية الأولى قال (٤): فالمراد بالمفردين المتخلون (٥) من الناس بذكر اللّه تعالى، كذا قال. ويحتمل وهو الأظهر أن المراد بالانفراد على الروايتين الانفراد بهذا العمل، وهو كثرة الذكر دون الانفراد الحسي، إما عن القَرْن، أو عن المخالطة واللّه أعلم. ومن هذا المعنى، قول عمر بن عبد العزيز ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة: ليسَ السابقُ اليومَ مَن سَبق بعيرُه؛ وإنما السابق من غُفِر له.
следующие страницы →