← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كتبهم (١) ولم نر لذلك أصلا بإسناد يصح والله أعلم (٢). [قياس الأعمال على الهجرة]: وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى؛ فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد وغيرهما. وقد سئل النبي ﷺ عن اختلاف نيات الناس في الجهاد وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قَاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله". فخرج بهذا كلُّ ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية. [ومن ذلك الجهاد]: • فَفِي الصَّحيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسَىَ الأَشْعَريِّ ﵁: أنَّ أعْرابيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله! الرَّجُلُ يُقاتِلُ للَمَغْنَم، وَالرَّجلُ يُقَاتِل للذّكْرِ، والرَّجُلُ يُقَاتلُ ليُرى مَكانُهُ؛ فمن في سَبيل الله؟ (٣) فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَاتَلِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِي الْعُلْيَا فَهُو في سَبيِل الله". • وفي رواية لمسلم سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الرَّجُلِ يُقَايلُ شَجَاعةً، وَيُقَاتِلُ حَميَّةً، ويُقَاتلُ رِيَاءً فأيُّ ذَلِكَ فيِ سَبِيلِ الله؟ فَذكَرَ الْحَدِيثَ. • وفي رواية له أيضًا: الرَّجُلُ يُقُاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً (٤). * * *

стр. 72

• وخرَّج النّسائيُّ من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غَزَا يلتمس الأجر والذكر! ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شَيء له" ثم قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ (١) إِلا مَا كَانَ خَالِصًا وابْتُغِيَ بِه وَجْهُهُ" (٢). * * * • وخرَّجَ أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ الله! رَجُلٌ يُرِيدُ الجهَادَ وَهُوَ يَبْتَغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيا؟ فقال رَسُولُ الله ﷺ : "لَا أَجْرَ لَهُ" فأعَأدَ عَلْيهِ ثَلاثًا والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "لا أَجْرَ لَهُ" (٣). * * * • وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَأمَّا مَنَ ابتَغَى وَجْهَ الله: وَأطَاعَ الإمامَ، وأَنْفَقَ الكَرَيمةَ، وَيَاسَر الشَّريكَ (٤) وَاجتَنَبَ الْفَسَادَ -فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّه، وأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وسُمْعةً، وَعَصىَ الإِمَامَ، وأفْسَدَ فيِ الأَرْضِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالكَفَافَ" (٥). * * * • وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "قُلْتُ يَا رَسُولَ الله! أَخْبِرْنِي عَنِ الجهِاد والْغَزْو؟ فَقَالَ: إنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا بَعَثَكَ الله صَابِرًا مُحْتَسبًا، وإن قَاتَلْتَ مُرائيًا مُكاثِرًا بَعَثَك الله مُرائِيًا مُكاثِرًا: عَلَى أيِّ حَالٍ قَاتلْتَ أوْ قُتِلْتَ بَعَثكَ الله (٦) عَلَى تيك الحَال". * * *

стр. 73

[وتعليم العلم والإنفاق]: • وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حديث أبي هُرَيرَة (١) ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقولُ: "إِنَّ أوّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشهد فَأُتِيَ به فَغَرّفَهُ نعمه فَعرَفَها فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُ؟ قَالَ: كَذَبْتَ وَلكنَّكَ قَاتَلتَ لأنْ يُقَالَ جَريءٌ فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرِ به فَسُحِبَ عَلَى وَجْهه حتَّى أُلْقِيَ في النَّار". "وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعلْمَ وعلَّمَهُ وقَرَأ القُرآنَ فأُتِيَ بِه فَعَرّفه نِعَمَهُ فَعَرفَهَا قَال: فما عَمِلَتَ فِيها؟ قَالَ: تَعلّمْتُ العلْمَ وَعلَّمْتُهُ، وقَرأْتُ فِيكَ القُرآنَ؟ قَالَ: كَذَبْتَ ولكِنَّك تَعلّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عالِمٌ، وقَرأتَ القرآن لِيُقَال قَارئ (٢) فَقَدْ قيل ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْهه؛ حتى أُلْقِي في النَّار". " وَرَجلٌ وسُّعَ الله عليه وأَعْطَاهُ مِنْ أصناف الْمَال كُلِّه (٣) فأُتِيَ به فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ فَعَرفَها، قَال (٤) فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قَال (٥) مَا تَركْتُ مِنْ سَبيلٍ تحبُّ (٦) أنْ يُنفْقَ فِيها إلّا أنْفَقْتُ فِيها لك؟ قَالَ: كَذَبْتَ ولكنكَ فَعلْت لِيقَالَ هوُ جَوَادٌ؟ فَقَدْ قِيلَ، ثمّ أُمِرَ به فَسُحِبَ عَلىَ وَجْهه ثم (٧) أُلْقِيَ فيِ النَّار". * * * [معاوية يبكي عند سماعه هذا الحديث]: • وفي الحديث أن معاوية لما بلغه هذا الحديث بكى حتى غُشِيَ عليه فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّار﴾ (٨). * * *

стр. 74

[الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله]: • وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله كما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: • "مَنْ تَعلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتغَى به وَجْهُ الله لا يَتَعلَّمهُ إلا ليُصِيبَ له عَرضًا من الدّنيا لَم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يَوْمَ القِيامَة" (١). يعني رِيحهَا. * * * • وخرَّج الترمذي: من حديث كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ ليُمارِيَ به السُّفَهَاءَ، أو يُجَارِيَ بِه العُلَمَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وْجُوهَ النَّاس إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللهَ النَّار (٢) ". * * * • وخرجه ابن ماجه بمعناه (٣) من حديث ابن عمر وحذيفة وجابر ﵃ عن النبي ﷺ ولفظ حديث جابر: "لا تَعَلَّمُوا العِلْمَ لِتُبَاهُوا به العُلَمَاءَ، وَلا لتِمارُوا به السُّفَهَاءَ وَلا تخيَّروا به (٤) الْمَجَالِسَ؛ فَمَنْ فَعَل ذَلَك فالنّارَ النّارَ". * * * • وقال (٥) ابن مسعود ﵁: "لا تَعلَّموا لثلاث: لتُمَارُوا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصْرِفوا به وجُوهَ الناس إليكم، وابتغوا بقولكم

стр. 75

وفعلكم ما عند الله. فإنه يبقى، ويذهب ما سواه". [الوعيد على العمل لغير الله عمومًا]: • وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عمومًا. كما خرج الإمام أحمد من حديث أبيّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بَشِّرْ هذهِ الأُمَّةَ بالسَّناءِ (١) وَالرِّفْعَةِ وَالدِّين والتَّمكين في الأرض؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُم عَمَلَ الآخرة للِدّنْيَا لَئم يكُنْ لَهُ فيِ الآخِرِة نصيب" (٢). * * * [أقسام العمل لغير الله]: • واعلم أن العمل لغير الله أقسام: [رياء محض]: • فتارة يكون رياء محضا؛ بحيث لا يراد به سوى مراآة (٣) المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم؛ كما قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٥). كذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحْضِ (٦) في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٧). وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام. وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي

стр. 76

يتعدى نفعها؛ فإن الإخلاص فيها عزيز. وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقتَ من الله والعقوبة. * * * [عمل لله مع رياء]: • وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء. • فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضًا. وفي صحيح مسلمِ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يَقُولُ الله ﵎: "أَنَا أغنىَ الشُّرَكَاءِ عَنِ الشُّرْكِ مَنْ عَملَ عملًا أشْرك فيه مَعِى غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشَريكَهُ" (١). * * * • وخرجه ابن ماجه ولفظه: "فأنا منه بريءٌ وهو للذي أشرك" (٢). * * * وخرج الإمام أحمد عن شدَّاد بن أَوْسٍ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى يُرائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، ومَنْ تَصَدَّق يُرائي فَقَدْ أشْرَكَ؛ فَإِنّ الله يقوُلُ: أنا خَيْرُ قَسِيمٍ لمنَ أشْرَكَ بي شيئًا؛ فإنَّ حَشْدَهُ عَمَلَه قَليلَهُ وكثيرَه لِشَريكه الذي أشْركَ بهِ، وَأنا عنْهُ غَنِيٌّ" (٣). • وخرّج (٤) الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد (٥) بن أبي فضالة

стр. 77

وكان من الصحابة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا جَمَعَ الله الأَوَّلِينَ والآخِرينَ لِيوم لا رَيْبَ فِيه نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أشْرَكَ في عَمَل عَمِلَهُ لله فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِنْ عِنْد غَيْر الله ؛ فإنَّ الله أغْنَى الشُّركاءِ عَنِ الشَّركِ" (١). * * * وخرَّج البزَّار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن النبىِ ﷺ قال: "إِنَّ الله يُقول: أنا خَيْرُ شَريكٍ، فَمَنْ أشْرَكَ مَعِي شَريكًا فهو لشريكي. يَا أيُّها النَّاسُ! أخلصوا أعْمالكُمْ لله فَإِنَّ الله [﵎] لا يقْبَلُ مِنَ الأَعْمَالِ إلا مَا أُخْلِصَ لَهُ، وَلا تَقُولُوا هَذَا لله والرَّحم، فإنَّها للرَّحم وَلَيس لله منِها شَيءٌ، وَلا تَقُولوا هَذا لله ولِوُجوهِكُمْ؛ فإنَّها لوِجُوهِكُمْ، ولَيْسَ لله فيها شَيْءٌ (٢) ". * * * وخرج النّسَائىِ بإسنادٍ جَيِّد عَنْ أبي أُمامةَ الَباهِليِّ رضِىَ الله عَنْه أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول الله! أرأيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرِّ والذِّكْرَ؟ [ماله]؟ (٣) فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا شَيء لَهْ" فأعَادَها عَلَيْه ثَلاثَ مَرّاتِ يقُولُ لَهُ رَسُول الله ﷺ : "لا شَيْء لَهُ" ثمّ قَالَ:"إِنّ الله لا يَقْبل مِنَ الْعَملِ إلا ما كَان لَه خَالِصًا وابْتُغِيَ بهِ وَجْهُهُ" (٤). * * * وَخَرَّجَ الحاكِمُ مِنْ حَدِيث ابن عَباس ﵄ قَالَ: قال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّى أقف الموْقِفَ أريدُ به وَجْهَ الله، وأريدُ أنْ يُرَى مَوْطِني؟ فَلَمْ يرُدَّ عَلَيْه رسُولُ الله ﷺ شَيْئًا حتَى نَزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٥).

стр. 78

وممَّن رُوي (١) عنه هذا المعنى -وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا- طائفةٌ من السلف منهم: عُبَادةُ بنُ الصامت، وأبو الدّرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب وغيرهم. * * * • وفي مراسيل القاسم بن مُخَيْمَرةَ (٢) عن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله عَمَلا فيه مثقالُ حَبّةٍ من خَرْدَلٍ من رياء". ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف، عن بعض المتأخرين. * * * [العمل يخالطه غير الرياء]: فإن خالط نيَّةَ الجهاد مَثَلا (٣) نيةٌ غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة؛ أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهادهم (٤) ولم يبطل بالكلية. * * * • وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو [﵄] عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْغُزَاةَ إذَا غَنِمُوا غَنِيَمةً تَعَجَّلُوا تلثي أَجْرِهِمْ، فَإن لَمْ يَغْنَموُا شَيْئًا تَمّ لَهُمْ أَجْرُهُمُ" (٥). [التوفيق بين هذا وبين ما مضى]: • وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عَرَضًا من الدنيا أنه

стр. 79

لا أجر له. وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا. • وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكَاري (١) أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غَزاتهم، ولا يكونوا مثلَ مَنْ جاهد بنفسه وماله ولا يخلط به غَيْرَهُ. • وقال أيضًا فيمن يأخذ جُعْلًا على الجهاد: "إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس [أن يأخذ] (٢) كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئًا أخذه". * * * • وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: "إذا أجمع (٣) أَحَدُكم على الغزو فعوَّضَهُ الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أعطي درهمًا غزا، وإن منع درهمًا مكث فلا خير في ذلك". * * * • وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسًا. * * * • وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره. • وقد روي عن مجاهد [أنه قال] (٤) في حج الجمَّال، وحج الأجير، وحج التاجر: هو تمام لا ينقص من أجورهم شيء. وهو (٥) محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. * * * [العمل لله ثم تطرأ عليه نية الرياء]: وأما إن كات أصل العمل لله ثم طرأت عليه نيَّةُ الرياء: فإن كان خاطرا ودَفَعهُ فلا

стр. 80

يضرُّه بغير خلاف؛ فإن استرسل معه فهل يَحْبَطُ عَمَلُه أم لا يضره ذلك ويُجَازَى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف؛ قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبري، ورجَّحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازَى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. • ويُستْدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله (١) عن عطاء الخراساني: أَنَّ رجُلًا قَالَ: يَا رَسُول الله! إنَّ بنى سَلمةَ كُلَّهُمْ يُقَاتِلُ؛ فَمِنْهم مَنْ يُقَاتِل للدنْيا، وَمِنْهُمْ مَن يُقَاتلُ نَجْدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتلُ ابْتَغَاءَ وَجْه الله؛ فأيُّهُمْ الشَّهِيدُ؟ قَال: "كُلّهُمْ إِذا كَانَ أصْلُ أمْرِهِ: أَنْ تَكُونَ كَلَمةُ الله هِيَ الْعُلْيَا". * * * [فيم يختلف العلماء في هذا؟]: • وذكر ابن جرير: أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج. فأما مالا ارتباط فيه كالقراءة، والذكر، وإنفاق المال، ونشر العلم؛ فإنه ينقطع بنيّة الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. * * * وكذلك روى عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أُحَدِّث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي؛ فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات. * * * • ولا يَرِدُ على هذا: الجهادُ، كما في مرسل عطاء الخُرَساني؛ فإن الجهاد يلزم بحضور الصف، ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج. * * * [العمل لله ثم يُلقِي الله له الثناء الحسن]: فأما إذا عمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناءَ الحسنَ في قلوب المؤمنين بذلك ففرح

стр. 81

بفضل الله ورحمته (١) واستبشر بذلك - لم يضرَّه ذلك. [دليل ذلك]: • وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ فقال: "تِلْكَ عَاجِل بُشْرَى المُؤْمِنِ" خرجه مسلم. وخرجه ابن ماجه وعنده: "الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لله فُيُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْه" (٢). وبهذا (٣) المعنى فسره الإِمام أحمد وإِسحاقُ بن رَاهَوَيهِ وابن جرير الطبري وغيرهم. وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل فَيُسِرُّه؛ فإذا اطُّلعَ عليه أعْجَبهُ؟ فقال: "لَهُ أجْرانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وأجْرْ الْعَلانِيَةِ (٤) ". ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية. * * * [وجملة القول]: • وبالجملة فما أحسن قولَ سهل بن عبد الله التُّسْتَرِى (٥) ليس على النفس شيء أشقَّ من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب!؟ • وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا: الإخلاص. وكم أجتهدُ في إسْقَاطِ الرِّياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لونٍ آخرَ!؟ • وقال ابن عيينة: كان من دعاء مُطرِّف بن عبد الله: "اللهم إني أَسْتغفِرُكَ مما تُبْتُ إليك منه ثم عُدْتُ فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أوفِ لك به، وأستغفرك مما زعمتُ أني أردتُ به وَجْهَكَ فخالطَ قلبي منه

стр. 82

ما قد عَلِمْتَ" (١) * * * فصل: [في بعض الأحكام الفقهية للنية] وأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء وهو تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات (٢) بعضها من بعض فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارةً حِمْيَةً، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركًا للشهوات لله ؛ فيُحتَاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه. • وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها فرضٌ ومنها نَفْلٌ. والفرضُ يتنوع أنواعًا؛ فإن الصلوات المفروضاتِ خَمسُ صلوات (٣) كلَّ يوم وليلة والصوم (٤) الواجب تارةً يكون صيامَ رمضان. وتارةً (٥) صيامَ كفارة أو عن نَذْرٍ. ولا يتميز هذا كله؛ إلا بالنية. * * * • وكذلك الصدقة تكون نفلا، وتكون فرضًا. والفرض منه زكاة، ومنه كفارة. ولا يتميز ذلك إلا بالنية. فيدخل ذلك في عموم قوله ﷺ : "وَإنَمّا لِكُلِّ امْرِيٍ ما نَوَى" (٦). • وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء؛ فإن منهم من لا يوجب تعيينَ النية للصلاة المفروضة بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت وإن لم يستحضر تسميتَه في الحال، وهو رواية عن الإمام أحمد. * * *

стр. 83

[من فاتته صلاة من يوم وليلة]: • وينبني (١) على هذا القول: أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ونسي عَيْنَهَا: أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة. * * * [النية في صيام رمضان]: • وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية تعيينه (٢) بل يجزئ بنيّة (٣) الصيام مطلقًا؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر. وهو أيضًا رواية عن الإمام أحمد. وربما حُكى عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية؛ لتعيُّنه (٤) بنفسه، فهو كرد الودائع. * * * [النية في الزكاة]: وحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك. وتأوّل بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنية الصدقة المطلقة كالحج. وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته. * * * [النية في الحج]: وقد روي عن النبي ﷺ (٥): أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي بِالحَجِّ عَنْ رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ:

стр. 84

"أحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِك"؟ قَالَ: لا، قَالَ: "هَذِهِ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنِ الرَّجُلِ". • وقد تُكُلِّمَ في صحة هذا الحديث. ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره. وأخذ بذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقًا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه، وكذا لو حج عن نَذْرِهِ (١) أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام فإنه يَنْقَلِبُ عنها. * * * وقد ثبت عن النبي ﷺ -أنه أمَر أَصْحَابَهُ فيِ حجَّةِ الودَاع بَعْدَ مَا دَخلُوا مَعَه وَطَافُوا وَسَعَوْا أنْ يَفسَخُوا حَجَّهُمْ وَيَجْعَلُوها عُمْرَةً، وَكَان مِنْهُم القَارِنُ والمفْرِدُ وإنَّمَا كَانَ طَوافُهُمْ عِنْدَ قُدُومهمْ طَوَافَ القُدُوم، وَلَيْسَ بِفَرْض، وَقَدْ أمرَهْم أن يَجْعَلُوهُ طَوَافَ عُمْرةٍ وَهُو فَرْضٌ (٢). • وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فَسْخ الحج، وعَمِل به، وهو مُشكلٌ على أصله؛ فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء كمالك والشافعى وأبي حنيفة. • وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة؛ فينقلب الطواف فيه؛ تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام؛ تبعا لانقلاب إحرامه (٣) من أصله ووقوعه عِن فرضه. بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع أو التطوع فإن هذا لا يُجْزئه؛ لأنه لم يَنْو (٤) به الفرض ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه والله أعلم. * * *

стр. 85

[مما يدخل في هذا]: ومما يدخل في هذا الباب أن رجلا (١) في عهد النبي ﷺ كان قد وضع صدقته عند رجل (٢) فجاء ابن صاحب الصدقة (٣) فأخذها ممن هي عنده فعلم لذلك أبوه فخاصمه إلى النبي ﷺ وقال ما إياك أردتُ؟ فقال النبي ﷺ لِلْمتَصدِّقِ: "لَكَ مَا نويْتَ" وَقَالَ لِلآخِذِ: "لَكَ مَا أخَدْتَ". خرَّجه البخاري (٤). * * * • وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه؛ فإن الرجل إنما يُمنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن يكون (٥) محاباة فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانتا المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر. ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا -وكان غنيًّا في نفس الأمر أجزأته- على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلَعُ على حقيقته. * * * [النية في الطهارة]: • وأما الطهارة: فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن الطهارة

стр. 86

للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة، وستر العورة؟. فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة. ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة. فإذا كانت عبادة في نفسها لم تَصِحَّ بدون نية. وهذا قول جمهور العلماء. ويدل على صحة ذلك: تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ : "بِأَنَّ الوضوءَ يُكَفِّرُ الذنوبَ والخطايا، وأن مَنْ توضأ كما أمِرَ كان كفارةً لذنوبه" (١). * * * [الوضوء عبادة مستقلة]: • وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادةٌ مستقلة بنفسها؛ حيث رُتِّبَ عليه تكفيرُ الذنوب. والوضوء الخالى عن (٢) النية لا يكفر شيئًا من الذنوب بالاتفاق؛ فلا يكون مأمورًا به، ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة -كإزالة النجاسة، وستر العورة- ما ورد في الوضوء من الثواب. * * * [الجمع بين نية الوضوء وقصد آخر]: • ولو شَرِكَ (٣) بين نية الوضوء وبين قصد التبرد وإزالة النجاسة أو الوسخ؛ أجزأه في المنصوص عن الشافعي. وهو (٤) قول أكثر أصحاب أحمد؛ لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه. ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليمَ الوضوء لم يَضُرَّه ذلك. وقد كان النبي ﷺ يقصد أحيانًا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج كما قال:

стр. 87

"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (١). * * * [النية والأيمان]: • ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم مسائل الأيْمَانِ؛ فَلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على (٢) اللسان من غير قصد بالقلب إليه؛ كقوله: لا والله، وبلى والله، في أثناء الكلام، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣). وكذلك يُرجَعُ في الأَيْمانِ إلى نية الحالف، وما قَصدَ بيمينه؛ فإن حلف بطلاق أو عتاق ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهِرَ لفظه فإنه يُديَّن فيما بينه وبين الله . وهل يقبل منه في ظاهر الحكم؟ فيه قولان للعلماء مشهوران. وهما روايتان عن أحمد. • وقد روي عن عمر ﵁ أنه رُفِعَ إليه رجل قالت له امرأته: شَبِّهني قال: كأنك ظبية، كأنك حمامة!؟ فقالت: لا أرْضى حتى تقول أنت خلية طالق، فقال ذلك، فقال عمر: ﵁ "خذ بيدها فهي امرأتك". خرجه أبو عبيد، وقال: "أراد الناقة تكون معقولة ثم تُطْلَق من عقالها، وَيُخَلَّى عنها؛ فهي خليَّة من العقال، وهي طالق؛ لأنها قد طَلَقَتْ (٤) منه؛ فأراد الرجل ذلك؛ فأسقط عنه عمر الطلاق لنيّته. قال: وهذا أصل لكل من تكلَّم بشيء يشبه لفظَ الطلاق والعتاق وهو ينوي غيره أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله -في الحكم- على تأويل مذهب عمر ﵁". * * *

стр. 88

• ويروى عن السُّمَيط السَّدُوسي (١) قال: خَطَبْتُ امرأةً فقالوا: لا نزوّجك حتى تُطَلِّق امرأتك؛ فقلت: إني قد طلقتها ثلاثًا؛ فزوَّجُوني، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي؟ فقالوا: أليس قد طَلَّقتَها ثلاثًا؟. فقلت: كان عندي فلانة فَطَلَّقْتُها، وفلانة فطلَّقْتُهَا، فأما هذه فلم أطلّقها؟ فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج إلى عثمان وافدًا فقلت: سل أميرَ المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله (٢). فقال: نيته. خرجه أبو عبيد في كتاب الطلاق. وحكى إجماع العلماء على مثل ذلك. • وقال إسحق بن منصور: قلت لأحمد: حديث السُّمَيطْ: أتعرفه؟ قال: نعم! السدوسي إنما جعل نيته بذلك، فذكر ذلك شقيق لعثمان فجعلها نيته. * * * • قال إسحق فإن كان الحالف ظالمًا ونوى خلاف ما حَلَّفه عليه غريمُهُ لم تنفعه نيته. * * * [اليمين على نية المستحلِفِ]: • وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يَمِينُك عَلَى ما يُصدِّقكَ عَلَيه صَاحِبُكَ". وفي رواية له: "الْيَمِينُ عَلىَ نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ" (٣).

стр. 89

وهذا محمول على الظالم، فأما المظلوم فينفعه ذلك. * * * [واقعة تطبيقية]: • وقد خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حُجْر فأخذه عَدُوٌّ له، فتحرَّج الناس أن يحلفوا؛ فحلفت أنا أنه أخي؛ فخُلِّى سبيله فأتينا النبي ﷺ فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا وحلفت (١) أنا أنه أخي فقال: "صدَقْتَ؛ الْمسلِمُ أخُو المسْلِمِ" (٢). [النية في الطلاق والعتاق]: • وكذلك تدخل النية في الطلاق والعتاق فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة

стр. 90

للطلاق أو العتاق فلا بد له من النية. وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب أو سؤال الطلاق ونحوه أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين العلماء. وهل يقع بذلك الطلاقُ في الباطن كما لو نراه؟ أم يُلَزم به في ظاهر الحكم فقط؟ فيه خلاف مشهور أيضًا. * * * [الطلاق بالكناية الظاهرة]: ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة كأَلبتَّة ونحوها فهل يقع به الثلاث أو واحدة؟ فيه قولان مشهوران. وظاهر مذهب أحمد: أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما دُون الثلاث وقع به ما نواه، وحُكِى عنه رواية أخرى أنه يلزمه الثلاث أيضًا. * * * [ماذا لو طلق امرأة يظنها امرأته؟]: ولو رأى امرأة فظنها امرأته فطلقها ثم بانت أجنبية طُلِّقت امرأته؛ لأنه إنما قصد طلاق امرأته. نص على ذلك أحمد، وحُكي عنه رواية أخرى: أنها لا تُطَلُّق وهو قول الشافعي. * * * [وماذا لو كان بالعكس؟]: ولو كان بالعكس بأن رأى امرأة ظنها أجنبية فطَّلقها فبانت امرأتَه فهل تُطَلَّق؟ [فيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، والمشهور من مذهب الشافعي وغيره: أنها تطلق] (١). * * *

стр. 91

[وماذا لو حَلف على إحدى امرأتيه؟]: ولو كان له امرأتان فنهى إحداهما عن الخروج ثم رأى امرأةً قد خرجت فظنها المنهية فقال لها: فلانة: خرجْتِ؟ أنتِ طالِق؟! فقد اختلف العلماء فيها فقال الحسن: تُطلَّقُ المنهية؛ لأنها هي التي نواها. وقال إبراهيم: تُطَلَّقان. وقال عطاء: لا تطلق واحدة منهما. ومذهب أحمد: أنه (١) تطلق المنهية رواية واحدة؛ لأنه نوى طلاقها. وهل تُطَلَّقُ المواجَهَةُ؟ على روايتين عنه فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق هل تُطَلَّقُ في الحكم فقط؟ أم في الباطن أيضًا؟ على طريقتين (٢) لهم. * * * [النية في العقود]: • وقد استُدلِ بقوله ﷺ : "الأَعْمَال بِالنِّيات وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوى" على أن العقود التي يُقْصَدُ بها في الباطن التوصل إلى ما هو محرم: غير صحيحة كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها؛ كما هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما؛ فإن هذا العقد إنما نُوِيَ به الربا لا البيع، وإنما لكل امرئ (٣) ما نوى. • ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدًّا وفيما ذكرنا كفاية. * * * وقد تقدم عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث: إنه يدخل في سبعين بابًا من الفقه والله أعلم (٤). [النية والتلفظ بها في العبادات]: والنية: هي قصد القلب، ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات. • وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولا باشتراط التلفظ بالنية للصلاة. وغلَّطه المحققون منهم.

стр. 92

واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في الصلاة وغيرها. فمنهم من استحبه ومنهم من كرهه. * * * • ولا يعلم في هذه المسائل نقل خاصٌّ عن السلف ولا عن الأئمة؛ إلا في الحج وحده؛ فإن مجاهدا قال: "إذا أراد الحجَّ يسمِّي ما يُهِلُّ به". وروي عنه أنه قال: "يسميه في التلبية". وهذا ليس مما نحن فيه؛ فإن النبي ﷺ كان يذكر نسكه في تلبيته فيقول: "لبيك عمرة وحجة (١) ". وإنما كلامنا في أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام: "اللهم إني أريد الحج والعمرة" كما استحب ذلك كثير من الفقهاء. وكلام مجاهد ليس صريحًا في ذلك. * * * • وقال أكثر السلف منهم عطاء وطاووس والقاسم بن محمد والنَّخَعِي: "تُجْزيه النية عند الإهلال". • وصح عن ابن عمر ﵁ أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول: "اللهم إني أريد الحج والعمرة" فقال له: "أتُعْلِمُ النَّاسَ!؟ أوَليس الله يعلم ما في نفسك؟! ". * * * • ونص مالك على مثل هذا، وأنه لا يستحب له أن يسمي ما أحرم به، حكاه صاحب كتاب "تهذيب المدونة" من أصحابه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: أتقول قبل التَّكبِير (يعنى في الصلاة) شيئًا؟ قال: لا. • وهذا قد يدخل فيه أنه لا يتلفظ بالنية والله أعلم. * * * * * *

стр. 93

الحديث الثاني عن عمرَ بنِ الخطاب ﵁ (١) قال: بينما نحنُ (٢) عند رسول الله ﷺ ذاتَ يوم إِذْ طَلَع علينا رجُلٌ شديدُ بَيَاضِ الثِّيَاب شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عليه أثرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حتَّى جَلسَ إلى النَّبي ﷺ فَأسندَ رُكْبَتَيْه، إلى رُكْبتَيهِ، وَوَضَعَ كفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! أخبْرنِي عن الإِسْلَام؟ فَقَال رسُولُ الله ﷺ : "الإسْلامُ أَنْ تَشهدَ أنْ لا إله إلا الله، وأن مُحَمدًا رسُول الله، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وتَصُومَ رمضَانَ، وَتَحُجَّ الْبيتَ إن استَطَعتَ إليهِ سَبيلًا". قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعجبْنَا لَهُ يَسْألُه ويُصَدِّقهُ. قَالَ: فَأخْبرنِي عَن الإِيمَانِ؟ قَالَ: "أنْ تُؤمنَ بالله، ومَلائِكتِه، وَكُتُبِه، وَرُسُلِه، واليومِ الآخر، وَتؤْمِنَ بالقدَر: خَيْرِه وَشَرِّهِ". قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأخْبِرْنِي عن الإِحْسانِ؟ قَالَ: "أنْ تَعْبُد الله كأنّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ؛ فإنّه يَرَاكَ". قال: فأخْبِرني عَنِ السَّاعة؟ قَالَ: "ما المسئول عنها بِأَعْلَمَ من السَّائِل" قال: فأخبرني عن أَمَارَاتها؟ قَالَ: "أنْ تَلدَ الأمةُ رَبّتَها، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العالَةَ رِعَاءَ الشّاءِ يتَطاولُونَ في البنْيان". ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلُبثْتُ مَليًّا، ثُمَّ قَال لي: "يا عمرُ! أتدْرِي مَنِ السَائِلُ؟ " قُلْتُ: الله وَرَسُولُه أعْلَمُ، قَالَ: "فإنه جِبْرِيلُ أَتَاكم يُعلّمُكُم دِينكُم" رواه مسلم (٣). * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث تفرد به مسلم عن البخاري بإخراجه، فخرّجه من طريق كهمس (٤) عن عبد الله بن بُريدة عن يحيى بن يَعْمَرَ قال:

стр. 94

كان أولَ من قال في القدر بالبصرة معبدٌ الجهني فانطلقت أنا وحُمَيْدُ بنُ عبد الرحمن الحِمْيرى حاجَّيْنِ أو معتمِرَيْن فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّقَ (١) لنا عبد الله بنُ عمر بن الخطاب ﵄ داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظَننْتُ أن صَاحِبي سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ فقلتُ: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قِبَلَنَا ناسٌ يقرءون القرآن، ويتقَفَّرُونَ العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدَرَ وأن الأمْرَ أُنُفٌ؟ قال: فإذا (٢) لقيتَ أولئك فأخْبرهُم أني بريءٌ منهم، وأنهم بُرَآءُ مني، والذي يحلف به عبدُ الله ابنُ عُمَرَ لو أن لأحدهم مِثلَ (٣) أُحدٍ ذَهَبًا فأنفقه، ما قَبِلَ اللهُ منه حتى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ. ثم قال: حَدَّثَنِي أبي: عُمرُ بن الخطَّاب ﵁ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رسُولِ الله ﷺ .. فَذَكَرَ الحَديِثَ بِطُولِه. ثُمَ خَرَّجَهُ مِنْ طُرقٍ أُخْرَى بَعْضُهَا يَرْجعُ إلى عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَة، وَبَعْضُهَا يَرْجع إلى يَحيَى بنِ يَعْمَرَ. وذَكَر أنَّ في بَعْضِ ألفَاظِها زيادةً ونقْصَانًا (٤). * * * • وقد خرّجَهُ ابنُ حبَّان في صَحِيحِه من طَريقِ سُلَيمان التّيمي عنْ يَحْيَىَ بن يَعْمَر (٥). * * * • وقَدْ خَرِّجَهُ مُسْلِم من هذا الطَّريقِ إلا أنَّه لَمْ يَذْكُر لَفْظَهُ (٦) وفيه (٧) زِيَاداتٌ منها في الإسْلَامِ، قَالَ: "وتَحُجَّ (٨)، وتعْتَمِرَ،، وتَغْتَسِلَ من الجَنَابَةِ، وأنْ تُتِمَّ الوضوءَ"، وقال

стр. 95

فإذا فعلتُ ذَلك فَأنَا مسْلم؟ [قال: "نعم". وقال فيِ الإيمان. "وتؤمِن بِالجنة والنَّار والميزَانِ" وقالَ فيه فإذا فَعَلتُ ذلك فَأنا مؤْمِنٌ؟ قال: "نعم"] (١) وقالَ في آخِرِه: "هذَا جْبريلُ أتاكُم ليُعَلِّمَكُم أَمْرَ دِينكمِ؛ خُذُوا عنه والذي نَفْسي بيدِه مَا شُبّه عليّ منذُ أَتَانِي قبلَ مرَّتي هذه، وما عَرفْتُه حتَّى ولَّى! ". * * * [رواية الصحيحين]: • وخرجاه في الصحيحين (٢) من حَديثِ أبي هُرَيرَة (٣) ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يوْما بارزًا للناس فأتَاهُ رجُلٌ فَقَال: ما الإيمانُ؟ قالَ: "الإيمانُ أنْ تُؤمِنَ بالله وملائكته وكتابه وبِلقَائِه ورُسُلِه وتُؤمِنَ بالبعث الآخِر". قالَ: يَا رسُولَ الله! ما الإسْلامَ؟ قال: "الإسلامُ أن تعبدَ الله لا تُشْركَ به شيئًا وتُقِيمَ الصلاةَ المكْتوبةَ، وتُؤَدِّيَ الزّكَاةَ المفْروضَة، وتَصُومَ رَمَضَانَ". قَالَ: يَا رسُولَ الله! ما الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أن تَعْبدَ الله كأنّكَ تَراهُ فإن لم تَكُن تراهُ فإنَّه يَراكَ (٤) ". قَالَ: يَا رسولَ الله! متى الساعةُ؟ قَالَ: "ما المسئولُ عنها بأعلمَ من السّائِل، ولكن سأحدثُكَ عن أشراطها: إذا ولَدَت الأَمَةُ رَبَّها فذاك من أشراطِهَا، وِإذَا رأيتَ الحُفَاةَ العُراةَ رُءُوس النّاسِ فذاك من أشْراطِهَا، وإذا تَطَاولَ رِعاءُ البَهْمِ في البُنْيانِ؛ فذاك من أَشراطِها: في خَمْسٍ لا يَعْلَمهُنَّ إلا الله" ثم تلا رسُولُ الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٥). قال: ثُمَّ أدْبر الرجلُ فقال رسولُ الله ﷺ : "ردُّوا (٦) عَلىَّ الرَّجُلَ" فأخذوا ليردّوهُ فلم يَرْوا شيئًا؛ فقال رسولُ الله ﷺ : "هذا جبِريلُ جاءَ ليعلَّمَ الناسَ دينَهم". • وخرَّجه مُسلم بسياقٍ أتمَّ من هَذَا، وفيه -في خِصَالِ الإيمانِ-: "وتؤْمِنَ بالقَدر

стр. 96

كلِّه" وقَالَ في الإحسَانِ: "أن تَخْشىَ الله كأنّكَ تَراهُ" (١). • وخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس (٢) ﵄، ومن حديث شهر بن حوشب أيضًا (٣). عن ابن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك عن النبي ﷺ وَفي حدِيثهِ قال: ونَسْمَعُ رَجْعَ النَبِي ﷺ ولا نَرىَ الَّذِي يُكَلّمهُ ولا نَسْمَعُ كَلَامَهُ. وهذا يَرُدُّه حَديث عُمَر الذي خَرَّجَه مُسْلِمٌ وهَو أصَحُّ. * * * وقد رُوي الحَدِيثُ (٤) عَنِ النَّبي ﷺ من حَديثِ أنس بْن مَالك، وجَرير بْن عَبِد الله البَجَلي، وغيرهما. * * * وهو حَديثٌ عظيم جدًّا يَشْتَمِلُ علَى شَرْح الدِّين كُلّه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في آخره: "هَذَا جِبْريلُ أتَاكُم يُعلِّمكُم دِينكُم". بعدَ أن شَرَح دَرَجةَ الإسْلام، ودَرَجَةَ الإيمان، ودَرَجَةَ الإحْسَانِ، فَجَعَلَ ذَلكَ كُلَّه دينًا. [المقارنة بين الروايات]: واختلَفت الروايةُ في تَقْديمِ الإسْلامِ عَلَى الإيمَانِ وعَكسِه. • فَفِي حَدِيثِ عُمَرَ الذي خَرَّجَهُ مسلم: أَنَّهُ بَدأ بالسؤالِ عَنِ الإسلام. • وَفي التِّرمذي وغَيرهِ أنَّهُ بَدأ بالسؤال عَنِ الإيمان كما في حَديثِ أبي هرَيرةَ ﵁، وَجَاءَ في بَعْضِ روَاياتِ حدَيث عمرَ أَنَّهُ سألَهُ عن الإحْسانِ بَينَ الإسْلامِ والإيمانِ. * * *

стр. 97

[معنى الإسلام]: فَأَمَّا الإِسْلامُ فَقَد فَسَّره النَّبِيُّ ﷺ بأعْمالِ الجَوَارح الظَاهرةِ من القَولِ والعَمَلِ، وأوَّلُ ذَلك شَهادةُ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ مَحمَّدًا رسُولُ الله، وهو عَمَل اللّسَانِ، ثُم إقامُ الصَّلاةِ وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وصَومُ رمضَانَ، وحَجُّ البَيتِ من اسْتَطاعَ إلَيهِ سَبِيلًا. وهي مُنقسمةٌ إلى عَمَلٍ بِدَنيٍّ كالصلاةِ والصومِ، وإلى عمل مالي وهو إيتاء الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة. وفي رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك: الاعتِمَارَ والغسلَ من الجنابة وإتمامَ الوضوء (١). وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام. وإنما ذكر ههنا أصول أعمال الإسلام التي يبني (٢) الإسلام عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث ابن عمرَ ﵄: "بُني الإسْلامُ على خمسٍ" في موضعِه إن شاءَ الله تعَالَى. • وقوله في بعض الروايات: فإذَا فَعلْتُ فَأنَا مُسلم؟ قَالَ: "نَعَم" - يدل على أن مَنْ أكمَلَ (٣) الإتيان بمباني الإِسلام الخمس صار مسلمًا حقًّا، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حكمًا، فإذا دخل في الإسلام بذلك ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام. وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء. وكذلك في ترك بقية مباني الإسلام الخمس كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. * * * [أدلة شمول الإسلام للأعمال الظاهرة]: • ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤).

стр. 98

• وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرَ ﵄ أن رجلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أيُّ الإسْلامِ خير؟ قال: "أنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ، وتقْرأ السّلامَ عَلَى مَنْ عَرفْتَ ومَن لَمْ تَعرف" (١). * * * • وفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن لِلإسلامِ (٢) ضَوْءًا ومنارًا كَمَنارِ الطَّرِيقِ، مِنْ (٣) ذلك: أنْ تَعْبُدَ الله وَلا تُشْرِكَ به شَيْئًا، وتُقيِمَ الصَلاة، وتؤتِيَ الزكَاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، والأَمْرُ بالمعُروفِ والنَّهْيُ عَن المنكَرِ وتَسْلِيمُكَ عَلَى بَنِي آدَم إذا لَقيتَهُم، وتَسْلِيُمكَ عَلَى أَهْل بيْتك إذا دَخَلْتَ عَليْهم؛ فَمَن انتقَصَ مِنهُنَّ شيئًا فَهُوَ سَهْمٌ (٤) من الإسْلامِ يدعه (٥) وَمَنْ تَركَهُنَّ (٦) فَقَدْ نَبذَ الإسْلامَ وَراءَ ظَهْرِه (٧).

стр. 99

• وخَرّجَه ابن مَرْدَوَيهِ من حَديثِ أبي الدردَاءِ ﵁ عن النَّبِي ﷺ قال: "للإسْلام ضَيَاءٌ (١) وعَلامَاتٌ كَمنَار الطَّريق؛ فَرأْسُها وجِمَاعُها شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ مَحَمَدًا عبده ورسوله، وإقامُ الصَلاةِ، وَإيتَاءُ الزكَاةَ، وإتَمَامُ (٢) الوضوء، والحكم بكتاب الله وسنةِ نبيهِ، وطاعةُ ولاة الأمر، وتسليمكُم عَلى أنفُسِكم، وتسليمكُم على أهليكم إذَا دَخَلتْم بيوتَكم، وتَسْلِيمكُم عَلَى بني آدَمَ إذَا لقِيتُمُوهُم". وفي إسناده ضعف ولعله موقوف. • وصح من حَديثِ أبي إِسْحَاقِ، عن صِلَة بن زُفَر، عن حُذَيفةَ ﵁ قَالَ: "الإِسْلامُ ثَمَانية أَسْهُم: الإِسْلامُ سَهْمٌ، والصَّلاةُ سَهْمٌ، والزَّكَاةُ سَهْمٌ، والجِهادُ سَهْمٌ، وصَومُ رمضان سَهْمٌ، و (لعل السَّهَم الثَامِنَ الحَجُّ) (٣) والأمرُ بالمعرُوفِ سَهمٌ، والنَّهْي عن المنْكرِ سَهْمٌ، وخاب مَنْ لا سَهمَ له". وخرجه البزار مرفوعًا. والموقوف أصح (٤). * * * [معنى أن الإسلام سهم]: • ورواه بعضهم عن أبي إسحق، عن الحارثِ، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ . خَرَّجَه أبُو يَعْلَى الَموْصِلى (٥) وغيره. والموقُوف عَلَى حُذَيفةَ أصح، قَالَهُ الدَّارَقُطْنيُّ وغيره. وقوله: "الإسلام سهم" يعني الشهَادتَين؛ لأنَّهمُا عَلَمُ الإسلامِ وبهما يصيرُ الإنسان مسلمًا.

стр. 100

وكذلك تَرك المحرمات داخلٌ في مسمَّى الإسلام أيضًا. * * * كمَا رُوِي عن النبي ﷺ أنَّه قَال: "مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكهُ مَا لا يَعْنِيه". وسيأتي في موضعه إن شاءَ الله تعالى (١). وَيَدُل على ذلك أيضًا ما خرَّجه الإمَامُ أحمد والتِّرمذِي والنَّسَائي من حَديثِ (النَّواس بن سَمعَان) (٢) ﵁ عن النَّبِي ﷺ قَالَ: "ضَرَبَ الله مَثَلًا صِراطًا مَسْتَقِيمًا وعلى جنبتي الصِّراطِ سُورَانِ فيهما أبْوابٌ مُفتَّحَةٌ، وعَلَىَ الأبْواب ستُورٌ مُرْخاةٌ، وعلى بَابِ الصراط داعٍ يَقُولُ: يا أيُّها الناس! ادْخُلُوا الصِّراطَ جَميعًا ولا تعُوجُوا (٣) ودَاع يَدْعُو من جوفِ الصراطِ فإذا أراد [أحدٌ] (٤) أن يَفَتَحَ شَيئًا من تلك الأبواب قالَ: ويْحَكَ! لا تَفْتَحْه (٥) فإنّكَ إنْ تفتَحْهُ تَلِجْهُ - والصراطُ: الإسْلَامُ، والسُّورَانِ: حُدُود الله ، والأبواب المفتحة: مَحَارمُ الله وذلك الدَّاعي علَى رَأسِ الصراطِ: كتابُ الله، والدَّاعي مِنْ فَوْقٍ وَاعِظُ الله في قَلْبِ كُلِّ مُسْلمِ". زاد الترمذي: [قوله تعالى] ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦). * * * [الإسلام هو الصراط المستقيم]: ففي هذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ : أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله بالاستقامة عليه، وَنَهى عن مجاوزة حدوده، وأن من ارتكب شيئًا من المحرمات فقد تعدى حدوده.

стр. 101

[معنى الإيمان في القرآن والسنة]: وأما الإيمان فقد فسره النبي ﵊ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة فقال: أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَملائِكَتِه وكُتُبِه وَرُسُلِهِ والْبعثِ بَعْدَ الموْتِ، وتُؤْمِنَ بِالقَدرِ: خَيْرِهِ وشْرِّه". * * * وقد ذكر الله في كتابه: الإيمانَ بهذه الأصول الخمسة في مواضع كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (١) وَقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (٢). * * * وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣). * * * [لازم الإيمان بالرسل]: والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة، والأنبياء، والكتاب، والبعث، والقدر، وغير ذلك [من تفاصيل ما أخبروا وغير ذلك] (٤) من صفات الله، وصفات اليوم الآخر كالميزان والصراط (٥) والجنة والنار. وقد أدخل في الإيمان (٦): الإيمان بالقدر: خيره وشره. ولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر ﵄ هذا الحديث محتجًّا به على من أنكر القدر، وزعم أن الأمر أُنُفٌ يعني أنه مُسْتَأنَفٌ لم يسبق به سابق قدر من الله ، وقد غلَّظ [عبد الله] بن عمر عليهم وتبرأ منهم، وأخبر أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر. * * *

стр. 102

[درجتا الإيمان بالقدر]: والإيمان بالقدر على درجتين: • إحداهما: الإِيمان بأن (١) الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية. قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعدَّ لهما الثوابَ والعقابَ جزاءً لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده، وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. * * * • والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال عباده (٢) كلَّها من الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وشاءها منهم. فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة ويُنكرها القدرية. والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية، ونفاها غُلاتُهم، كمعبد الجهني الذي سُئِلَ ابنُ عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد وغيره. * * * وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظِروا القدرية بالعلم، فإن أقرُّوا به خُصِمُوا، وإن جَحَدُوه فقد كفروا - يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ؛ فقد كذَّب بالقرآن، فيكفر بذلك. وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد (٣) وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خُصِمُوا؛ لأن ما أقروا به حُجَّةٌ عليهم فيما أنكروه. وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء. * * * [من أنكر العلم]: وأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما من

стр. 103

أئمة الإسلام. * * * [بين الإيمان والإسلام]: فإن قيل: فقد فرّق النبي ﷺ في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان وجعل الأعمال (١) كلها من الإسلام لا من الإيمان؛ والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال كُلَّهَا داخلةٌ في مُسَمَّى الإيمان. • وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ممن (٢) أدركهم. • وأنكر السلف على مَنْ أخرج الأعمالَ عن الإيمان إنكارًا شديدًا. وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولا مُحْدَثًا: سعيدُ بنُ جُبَيْر، وميمون بن مِهْرَان، وقتادة، وأيوب السَّخْتِيَاني، والنَّخَعِي، والزهري، ويحيى بنُ أبي (٣) كثير، وغيرُهم. • وقال الثوري: هو رأي محدث أدركنا الناسَ على غيره. • وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل. • وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإن الإيمان: فرائض وشرائعُ، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. ذكره البخاري في صحيحه (٤). • قيل الأمر على ما ذكره (٥).

стр. 104

[دخول الأعمال في الإيمان]: وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١). • وفي الصحيحين (٢): عن ابن عباس، ﵄: أن النبي ﷺ : قال لوفد عبد القيس: "آمُركُمْ بأرْبعٍ: الإيمانِ بِالله وَحْدَهُ (٣). وَهَلْ تَدْرُون مَا الإِيمانُ بِالله؟ شَهَادَةُ أن لا إِلَه إِلا الله، وَإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وأنَّ تُعْطُوا مِنَ المغْنَمِ (٤) الخُمُسَ". • وفي الصحيحين (٥): عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الإيمانُ بِضْعٌ وَسْبعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، شُعْبةً، فأفْضَلُها: قَوْل: لا إله إلا الله، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّريق، وَالحيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ". ولفظه لمسلم. • وفي الصحيحين (٦): عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يَزني الزَّاني حِينَ يَزْنِي وَهُو مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السارق حِينَ يَسْرِقُ وَهُو مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخمْرَ حِين يَشْرَبُهَا وَهُوَ مِؤْمِنٌ". فلولا أن تَرْك هذه الكبائر من مُسَمَّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها؛ لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته. [وجه الجمع بين النصوص]: • وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال (٧) جبريل، ﵇،

стр. 105

عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبي ﷺ بينهما، وإدخاله الأعمالَ في مسمى الإسلام دون مسمى (١) الإيمان فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه. فإذا قُرِن ذلك الاسمُ بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات. والاسم المقرون به دالًّا، على باقيها؛ وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها. فهكذا اسم الإسلام والإيمان، إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر (٢)، فإذا قرن (٣) بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي. * * * وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة: • قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثير من أهل السنة والجماعة: "إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله. إذا ذكر كل اسم - على حدته - مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين (٤) أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر (٥) وإذا ذكر أحد الاسمين على حدته (٦) شمل الكل وعمهم". * * * • وقد ذكر هذا المعنى - أيضًا - الخطابي في كتابه: "معالم السنن" (٧) وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده. ويدل على صحة ذلك: أن النبي ﷺ فسر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام القرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسر في حديث آخر: الإسلامَ بما فسر به الإيمان، كما في مسند الإمام

стр. 106

أحمد: عن عمرو بن عَبَسَة (١)، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسُولَ الله! مَا الإسلام. قَالَ: "أنْ يُسْلِمَ قَلبُكَ [لله]، وَأنْ يَسْلَمَ المسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ". قَالَ: فَأيُّ الإسْلامِ أفضلْ، قَالَ: "الإيمانُ". قَالَ: وَمَا الإيمان؟ قَالَ: "أنْ تؤْمِنَ بِالله وملائِكَتِه وَكُتُبِه وَرُسُلِهِ والبَعْثِ بعْدَ الموْتِ". قَالَ: فَأيُّ الإيمان أفْضلُ؟ قَالَ: "الهِجْرةُ" قَالَ: فما الهِجْرَةُ؟ قالَ: "أنْ تَهْجُرَ السُّوءَ" قَالَ: فأيُّ الهِجرةِ أفْضَلُ قَالَ: "الجِهَادُ". فجعل النبي ﷺ الإيمانَ أفضلَ الإسلام وأدخل فيه الأعمال. * * * [بين الإيمان والإسلام]: وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإسلام والإيمان هل هما واحد أو مختلفان؛ فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك، وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة؛ فمنهم من يدّعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شَيْءٌ واحد منهم محمد بن نصر المروزي، وابنُ عبد البر. وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه. وأيوب فيه ضعف (٢).

стр. 107

ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن السمعاني وغيره. وقد نُقِل التفريقُ بينهما عن كثير من السلف: منهم قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب (١) وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة ويحيى بن معين، وغيرهم على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما. • وكان الحسن وابن سيرين يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن. • وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف؛ فيقال إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قُرِن بين الاسمين كان بينهما فرق. * * * [التحقيق في الفرق بين الإيمان والإسلام]: والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته. والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين كما سمى الله تعالى في كتابه: الإسلام دينا وفي حديث جبريل سمى (٢) النبي ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان دينا. وهذا أيضًا مما يدل على أن أخذ الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرَّق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر، فيكون - حينئذ - المراد بالإيمان جنسَ تصديق القلب، وبالإسلام جنسَ العمل. • وفي المسند للإمام أحمد (٣) عن أنس، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الإِسْلامُ عَلانية، والإِيمانُ في الْقَلْبِ" (٤). وهذا لأن الأعمال تظهر علانية، والتصديق في القلب لا يظهر.

стр. 108

• وكان النبي ﷺ يقول في دعائه - إذا صلى على الميت: "اللَّهُمَّ! مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فَأَحْيِه عَلَى الإسْلامِ، ومَنْ تَوَفَّيْتهُ مِنَّا فَتَوَفّه عَلَى الإِيمانِ" (١). لأن العمل بالجوارح إنما يُتمكن منه في الحياة، فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب. * * * [لماذا قيل: كل مؤمن مسلم]: • ومن هنا قال المحققون من العلماء: "كل مؤمن مسلم" فإن من حقق الإيمان، ورسَخ في قلبه: قام بأعمال الإسلام كما قال ﷺ : "ألا وإنَّ في الجَسدِ مُضْغةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلّه؛ ألا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٢). فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام. [ولم لا يقال: كل مسلم مؤمن؟] وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحققًا تاما مع عمل جوارحه بأعمال (٣) الإسلام؛ فيكون مسلمًا وليس بمؤمن بالإيمان التام، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٤). ولم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين، وهو قول ابن عباس وغيره، بل كان إيمانهم ضعيفًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). يعنى لا ينقصكم من أجورها؛ فَدَلَّ على أن معهم من الإيمان ما تُقْبَل به أعمالُهم. وكذلك قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص لا قال له: "لَمْ تُعْطِ (٦) فلانا وهو

стр. 109

مؤمن؟ " فقال النبي ﷺ : "أو مسلم؟ ". يشير إلى أنه لم يُحَقِّقْ مقام الإيمان وإنما هو في مقام الإسلام الظاهر. [متى ضَعُفَ الإيمانُ ضَعُفَ العَمَلُ]: ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا. لكن اسم الإيمان يُنفى عمن ترك شيئًا من واجباته كما في قوله ﷺ : "لا يَزْني الزَّاني حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١). [بم يوصف المؤمن حينئذ]: • وقد اختلف أهل السنة هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان، أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم؟ على قولين. وهما روايتان عن أحمد. وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرماته وإنما ينتفى (٢) بالإتيان بما ينافيه بالكلية. ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك شيئًا من واجباته كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضًا. • واختلف العلماء (٣): هل يُسمَّى مرتكبُ الكبائر كافرا كفرًا أَصْغَرَ أو منافقًا النفاق الأصغر؟ ولا أعلم أن أحدًا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه؛ إلا أنه روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ما تارك الزكاة بمسلم". ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك خارجًا عن (٤) الإسلام. وكذلك روى عن عمر ﵁ فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين. والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهما الجزية. يقول: لم

стр. 110

يدخلوا في الإسلام بعد، فهم مستمرون على كِتَابيَّتِهمْ (١). * * * [متى يجوز نفي وصف الإسلام؟]: وإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملة بالكلية، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره كما سبق في حديث عمرو بن عَبَسة (٢). [الإسلام المطلق ومتى يصير المسلم مؤمنًا؟]: وخَرَّجَ النسائي من حديث عقبة بن مالك (٣) أن النبي ﷺ بعث سرية فأغَارَتْ (٤) على قوم فقال رجل منهم: إني مُسْلِمٌ؟ فقتله رجل من السَّرِيَّة فَنُمِىَ الحديثُ إلى رسول الله ﷺ فقال فيه قولا شَديدًا فقال الرجل: إنما قالها تَعَوُّذًا من القتل؟ فقال النبي ﷺ : "إنَّ الله أبَى عَلَيَّ مَنَ قَتَل (٥) مُؤمِنًا". ثلاث مرات (٦).
следующие страницы →