← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

[أقسام أهل هذه الدرجة]: وأهل هذه الدرجة على قسمين؟ منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسدّ الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد. ومنهم من يفسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض شهواتها المباحة لتقوى (١) النفس بذلك، وتنشط للعمل؛ كما روي عن النبي ﷺ قال: "حُبِّبَ إليّ من دنْيَاكُم النساء والطيب وجُعلت قرة عيني في الصلاة". خرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس (٢).

стр. 842

• وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﵌ يحب من الدنيا النساءَ والطيبَ والطعامَ، فأصاب من النساء والطيب، ولم يُصِبْ من الطعام (١). [كيف نقسم ساعات اليوم؟]: • قال وهب: مكتوب في حكمة آل داود ﵈ ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات، ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يلقى فيها إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدّقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل (٢)؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وأفضل (٣) بلغة واستجمامًا للقلوب (٤) يعني ترويحًا لها. [كيف يعالج اشتهاء الدنيا؟]: ومتى نوى المؤمن (٥) بتناول شهواته المباحة التقوّي على الطاعة (٦) كانت شهواته له طاعة يثاب عليها كما قال معاذ بن جبل ﵁: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. يعني أنه ينوي بنومه: التقوّي على القيام في آخر الليل؛ فيحتسب ثوابَ نومه، كما

стр. 843

يحتسب ثوابَ قيامه. وكان بعضهم إذا تناول شيئًا من شَهَواته المباحة واسى منها إِخوانه (١) كما روي عن ابن المبارك ﵀ أنه كان إذا اشتهى شيئًا لم يأكله حتى يشتهيه (٢) بعضُ أصحابه فيأكله معهم. وكان إذا اشتهى شيئًا دعا ضيفًا له ليأكل معه. وكانَ يذكر عن الأوزاعي أنه قال: "ثلاثة لا حسابَ عليهم في مطعمهم: المتسحرُ والصائم حين يفطر، وطعام الضيف. * * * [ليس من حب الدنيا طلب المصلح]: • وقال الحسن: ليس من حبك للدنيا (٣) طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه. [متاع الغرور]: • وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيكَ عن طلب الآخرة، وما لم يلْهِكَ فليس متاعَ الغرور، ولكنه متاع بلاغٍ إلى ما هو خير منه. • وقال يحيى بن معاذ الرازي: كيف لا أحبُّ دُنْيَا قدّرَ لي فيها قوتٌ اكتسبت (٤) به حياة؛ أدرك بها طاعة؛ أنال بها الآخرة!؟ وسئل أبو صفوان الرعيني، وكان من العارفين: ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن، التي ينبغي للعاقل أن يَتَجَنَّبَهَا فقال: كلّ ما أصبتَ في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكلّ ما أصبت منها تريد به الآخرةَ فليس منها. • وقال الحسن ﵀: نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن وذلك أنه عمل قليلًا وأخذ زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق؟! وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار.

стр. 844

• وقال أيفَع بن عبد الكلاعي (١): قال رسول الله ﷺ : "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النار النار قال الله : يا أهل الجنة!: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال: "نعم ما اتجرتُم في يومٍ أو بعض يوم، رحمتي ورضْوَانِي وَجَنَّتِي امكثوا فيها خالدين مخلدين" ثم يقول لأهل النار: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فيقول: (بئسما اتجرتم في يوم أو بعض يوم سخطي ومعصيتي وناري امكثوا فيها خالدين مخلدين). * * * • [الموقف المنطقي من ذم الدنيا]: وخرج الحاكم من حديث عبد الجبار بن وهب أنبأنا سعد بن طارق عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "الدارُ الدنيا لمن تزوَّدَ منها لآخرته حتى يُرْضي ربه، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه وإذا قال العبد قبح الله الدنيا قالت الدنيا: قَبحَ الله أعصانا لربه" (٢). وقال صحيح الإسناد. وخرجه العقيلي وقال: عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير محفوظ قال: وهذا الكلام يروى عن علي من قوله (٣). وقول عليّ خرجه ابن أبي الدنيا عنه بإسناد فيه نظر أن عليًّا سمع رجلًا يسب الدنيا

стр. 845

فقال: "إنها لدارُ صدق لمن صدفها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها؛ مسجد أحباءِ الله، ومهبط وحيه، ومُصَلَّى ملائكتِه، ومُتَّجَرُ أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا، وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثّلت ببلائها البلاء وشوّقت بسرورها إلى (١) السرور، فذمَّها قوم عند الندامة، وحَمِدها (٢) آخرون؛ حدثتهم فصدّقوا وذكرتهم فذكروا. فيا أيها المغتر بالدنيا المغتر بغَرورها! متى استلأَمت إليك الدنيا؟ بل متى غرتك؟! (٣) أبمضاجع آبائك (٤) من الثرى؟ أم بمصارع أمهاتك من البلى؟ كم قد قلَّبت بكفيك، ومرَّضت بيديك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تُسْعَفْ بطَلِبَتِكَ قد مثَّلت لك الدنيا بمصرعه مصرعَك غدًا، ولا يغني عنك بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك؟! " (٥). فبين أمير المؤمنين ﵁ أن الدنيا لا تُذمّ مطلقًا، وأنها تُحمد بالنسبة إلى من تزوّد منها الأعمالَ الصالحة، وأن فيها مساجدَ الأنبياء، ومهبطَ الوحي، وهي دار التجارة للمؤمنين اكتسبوا منها الرحمة، وربحوا بها الجنة؛ فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفتَه. • وأما ما ذَكر من أنها تغرّ وتخدع فإنها تنادي بمواعظها، وتنصح بعبرها، وتبدي عيوبها بما تُري أهلها (٦) من مصارع الهلْكى، وتقلب الأحوال من الصحة إلى السَّقَم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزِّ إلى الذل ولكن محبها قد أصمّه وأعماه حُبُّهَا فهو لا يسمع نداءَهَا كما قيل: قد (٧) نادت الدنيا على نَفْسِهَا … لو كان في العالَم مَنْ يَسْمعُ!؟ كَمْ واثقٍ بالعمرِ أفنَيتُه … وَجَامعٍ بدَّدْتُ ما يَجْمعُ!؟

стр. 846

قال (١) يحيى بن معاذ ﵀، لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في الغيب (٢) من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حَزَنًا. • وقال بعض الحكماء: الدنيا أمثال تضربها الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى تُرْجُمَان، وبحب الدنيا صُمّتْ أسماعُ القلوب عن المواعظ، وما أحث السائق؛ لو شعر الخلائق؟!. [أهل الزهد في فضول الدنيا]: وأهل الزهد في فضول الدنيا أقسام فمنهم من يحصل له فَيُمْسِكُه ويتقرَّبُ إِلى الله كما كان كثيرٌ من الصحابة وغيرهم. • قال أبو سليمان: كان عثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ خازِنَيْن من خُزَّان الله في أرضه ينفقان في طاعته، وكانت مُعَامَلَتُهُمَا لله بقلوبهما. • ومنهم من يخرجه من يده ولا يمسكه. وهؤلاء نوعان: منهم من يخرجه اختيارًا وطوَاعيةً. ومنهم من يخرجه ونفسه تأبَى إِخراجَه، ولكن يجاهدها على ذلك. وقد اختلف في أيهما أفضل؟ فقال ابن السماك والجنيد: الأول أفضل؛ لتحقُّق نفسه بمقام السخاء والزهد. • وقال ابن عطاء: الثاني أفضل، لأن له عملًا ومجاهدةً. • وفي كلام الإمام أحمد ﵁ ما يدل عليه أيضًا. ومنهم من لم يحصل له شيء من الفضول، وهو زاهدٌ في تحصيله إما مع قدرته، أو بدونها. والأول أفضل من هذا. ولهذا قال كثير من السلف: إن عمر بنَ عبد العزيز كان أزهدَ مِنْ أُوَيْسٍ ونحوه. كذا قال أبو سليمان وغيره (٣). • وكان مالك بن دينار يقول: "النَّاسُ يقولون: مالك زاهد!؟ إنما الزاهد عُمَرُ بنُ

стр. 847

عبدِ العزيز (١)!! ". [أيهما أفضل]: • وقد اختلف العلماء أيهما أفضل؟ مَنْ طلب الدنيا من الحلال، ليصلَ رحمه، ويقدم منها لنفسه؟ أم من تَركها فلم يطلبها بالكلية؟ فرجحت طائفة مَن تركها وجَانَبَهَا، منهم الحسن وغيره. ورجحت طائفة مَنْ طلبها على ذلك الوجه، منهم النّخَعي وغيره. • وروي عن الحسن ﵁ أيضًا نحوه. [بصائر الزاهدين]: • والزاهدون في الدنيا بقلوبهم لهم ملاحظ ومشاهد يشهدونها، فمنهم من يشهد كثرة التعب بالسعي في تحصيلها؛ فهو يزهد فيها قصدًا لراحة نفسه. • قال الحسن: الزهد في الدنيا يريح القلبَ والْبَدَنَ. • ومنهم من يخاف أن ينقص حظه من الآخرة بأخذ فضول الدنيا. • ومنهم من يخاف من طول الحساب عليها. قال بعضهم: مَنْ سألَ الله الدّنيا؛ فإنما يسأل طولَ الوقف للحساب. • ومنهم مَنْ يشهد كثرةَ عيوب الدنيا، وسرعةَ تقلبها وفَنَائها، ومزاحمة الأراذل في طلبها كما قيل لبعضهم: ما الذي زهّدك في الدنيا؟ قال: قلةُ وفائها، وكثرةُ جفائها، وخِسَّةُ شركائها (٢). • ومنهم من كان ينظر إلى حقارة الدنيا عند الله فيتقذَّرُها (٣)؛ كما قال الفضيل: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ حلالًا ولا أُحَاسَب بها في الآخرة لكُنْتُ أتَقَذرها كما (٤) يَتَقَذَّرُ الرجل الجيفةَ إذا مرَّ بها أن تصيب ثوبَه (٥). • ومنهم من كان يخاف أن تشغله عن الاستعداد للآخرة والتزود لها. قال الحسن: إن كان أحدهم ليَعيشُ عُمُرهُ مجهودًا شديدًا الجهد والمالُ الحلال إلى

стр. 848

جنبه يقال له: ألا تأتي هذا فتصيبَ منه؟ فيقول: لا والله لا أفعل؛ إني أخاف أن آتيه فأصيب منه؛ فيكونَ فساد قلبي وعَمَلي. • وبُعِثَ إلى عُمَرَ بن المنكدر بمال؛ فبكى واشتد بكاؤه وقال: خشيت أن تغلبَ الدُّنْيَا على قلبي؛ فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الذي أبكاني (١). ثم أمَرَ بهِ فتُصُدِّقَ به على فقراء أهل المدينة. وَخَواصُّ هؤلاءِ يَخْشى أن يشتغل بها عن الله كما قالت رابعة: ما أحِبُّ أَنَّ لِيَ الدنيا كُلَّها من أولها إلى آخرها حلالًا أنفقها في سبيل الله وأنها شغلتنى عن الله طرفة عين. • وقال أبو سليمان: الزهدُ تركُ ما يشغلُ عن الله (٢). وقال: كُلُّ ما يَشْغَلُكَ عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك (٣) مشُوم (٤). وقال: (٥) أهل الزهد في الدنيا على طبقتين: • منهم من يزهد (٦) في الدنيا فلا يُفْتَحُ له فيها رَوْحُ الآخرة. • ومنهم من إذا زهد فيها (٧) فُتِح له فيها رَوْحُ الآخرة فليس شيءٌ أحبَّ إليه من البقاء ليطيع الله (٨). [الزاهد من زهد في الدنيا]: وقال: ليس الزاهد من ألقى همومَ الدنيا واستراح منها، وإنما الزاهدُ مَنْ زَهِدَ في الدنيا، وتَعِبَ فيها للآخرة. فالزهد في الدنيا يُرَادُ به تفريغُ القلب من الاشتغال بها؛ ليتفرغَ لطلب الله، ومعرفَتِهِ، والقرب منه، والأنْسِ به، والشوقِ إلى لقائه.

стр. 849

وهذه الأمور ليست من الدنيا كما كان النبي ﵌ يقول: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة". ولم يجعل الصلاة مما حبب إليه من الدنيا كذا في المسند والنسائي (١). وأظنه وقع في غيرهما: "حبب إلي من دنياكم ثلاث" فأدخل الصلاة في الدنيا (٢). ويشهد لذلك حديث: "الدنيا ملعونةٌ: ملعون ما فيها إلا ذكْرَ الله، وما والاه أو عالمًا أو متعلمًا". خرّجه ابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة مرفوعًا (٣). • وروى نحوه من غير وجه مرسلًا ومتصلًا وخرّج (٤) الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعًا قال: "الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ما ابتُغِيَ بِه وجْهُ الله" (٥). وخرّجه ابن أبي الدنيا موقوفًا (٦).

стр. 850

وخرج أيضًا من رواية شَهْر بن حَوْشَب عن عُبَادة قالَ: أُراهُ رفعهُ قال: "يؤتى بالدنيا يوم القيامة فيقال ميزُوا منها ما كان لله وألقوا سائرها في النار" (١). [الدنيا ملعونة إلا]: فالدنيا وكل ما فيها ملعونة. أي: مُبْعَدَةٌ عن الله؛ لأنها تشغل عنه، إلا العلم النافع الدالِّ على الله، وعلى معرفته وطلب قربه، ورضاه، وذكرَ الله، وما والاه مما يقرّب من الله. فهذا هو المقصود من الدنيا. فإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوامُ ذكره؛ كما قال ابن مسعود: "تقوى الله حقَّ تقواه أن يُذْكَر فلا ينسى". وإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره، وكذلك الحج والطواف. وأفضل أهل العبادات أكثرهم لله ذكرًا فيها. فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة، وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢). [أيُّهما أفضل؟]: وقد ظن طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد في الدنيا من هذه العبادات أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم. قالوا: لأن نعيم الجنة حظُّ العبد، والعبادات في الدنيا حقُّ الربِّ؛ وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظ العبد. وهذا غلط. ويقوّي غَلَطَهم قولُ كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (٣) قالوا: الحسنة: لا إله إلا الله، وليس شيء خيرًا منها. ولكن الكلام على التقديم والتأخير.

стр. 851

والمراد: فله منها خير أي: له خير بسببها، ولأجلها. والصواب إطلاق ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة: أَن الآخرةَ خيرٌ من الأولى مطلقًا. وفي صحيح الحاكم عن المستورد بن شدَّاد قال: "كنا عند النبي ﵌ فتذكروا الدنيا والآخرة فقال بعضهم: إنما الدنيا بلاغ للآخرة، وفيها العمل، وفيها الصلاة، وفيها الزكاة". وقالت طائفة منهما: الآخرة فيها الجنة، وقالوا: ما شاء الله فقال رسول الله ﵌: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَمْشِي أحدُكُم إلى الْيَمِّ فأدخل إصْبعَهُ فيها فما خرج منه فهو الدنيا (١) ". فهذا نص بتفضيل الآخرة على الدنيا وما فيها من الأعمال. ووجه ذلك أن كمالَ الدنيا إنما هو في العلم والعمل، والعلم مقصود الأعمال: فيضاعف في الآخرة بما لا نسبة لما في الدنيا إليه؛ فإن العلم أصله العلم بالله وأسمائه وصفاته، وفي الآخرة ينكشف الغطاءُ، ويصير الخبر عَيَانًا، وتصير العرفة بالله رؤية له ومُشَاهدة. فأين هذا مما في الدنيا؟!. [مقاصد الأعمال في الدنيا]: وأما الأعمال البدنية فإن لها في الدنيا مقصدين: أحدهما: اشتغال الجوارح بالطاعة، وكدّها بالعبادة. والثاني: اتصال القلوب بالله، وتنويرُها بذكره. فالأول قد رُفع عن أهل الجنة. ولهذا روي أنهم إذا همّوا بالسجود لله عند تجلّيه لهم يقال لهم: "ارفعوا رؤوسكم؛ فإنكم لستم في دار مجاهدة (٢).

стр. 852

وأما المقصود الثاني فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها. ولا نسبة لا حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القربِ والأنْسِ والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عَيَانًا فتتنعم قلوبُهم وأبصارُهم وأسماعُهم بقُربِ الله ورؤيته وسماع كلامه، لا سيما في أوقات الصلاة في الدنيا كالجمع والأعْياد. والمقربون منهم يحصُلُ ذلك لهم كلَّ يوم مرتين بكرة وعشيًّا (١) في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر. ولهذا لما ذكر النبي ﵌ أن أهل الجنة يرون ربهم حضَّ عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر، وصلاة الفجر؛ لأن وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربَّهم، وزيارتهم له. وكذلك نعيم الذكر، وتلاوة القرآن لا ينقطع عنهم أبدًا فَيُلْهَمُون كما يلهمون النَّفَس (٢). قال ابن عيينة: "لا إله إلا الله" لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا: فَأين (٣) لذةُ الذكر للعارفين في الدنيا من لذّتهم به في الجنة؟!. فتبين بهذا أن قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ على ظاهره فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن يصل صاحبها إلى قولها في الجنة على الوجه الذي يختص به أهل الجنة.

стр. 853

وبكل حال فالذي يحصلُ لأهل الجنة من تفاصيل العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومن قربه ومشاهدته ولذة ذكره هو أمر لا يمكن التعبير عن كنهه في الدنيا؛ لأن أهلها لم يدركوه على وجهه بل هو مما لا عين رأت، ولا أذن سَمِعَتْ، ولا خطرَ على قلب بشر. والله تعالى المسئول أن لا يحرمَنَا خَيْرَ ما عنده بشرِّ ما عندنا بمنه وكرمه ورحمته آمين. اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم (١). * * * ولنَرجع إلى شرح حديث "ازهد في الدنيا يحبك الله". فهذا الحديث يدل على أن الله يحب الزاهدين في الدنيا (٢). قال بعض السلف: قال الحواريون لعيسى ﵇: يا روح الله! علّمنا عملًا واحدًا يحبنا الله عليه؟. قال: ابغضوا الدنيا يحبَّكم الله . * * * وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة كما قال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٣) وقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٤) وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٥). والمراد حب المال فإذا ذم من أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها، بل يرفضها ويتركها. وفي المسند وصحيح ابن حبان عن أبي موسى، عن النبي ﵌ قال: "من أحبَّ دُنْيَاهُ أضرَّ بآخِرته، ومَنْ أَحَبَّ آخرته أَضَرَّ بدُنياهُ؛ فآثِرُوا ما يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنى" (٦).

стр. 854

وفي المسند وسنن ابن ماجه عن زيد بن ثابت عن النبي ﵌ قال: "من كانت الدنيا همه فرّق الله عليه أمره، وجَعَل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له". "ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له (١) أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (٢). وخرجه الترمذي من حديث أنس مرفوعًا (٣) بمعناه. ومن كلام جندب بن عبد الله الصحابي (٤) ﵁ "حُبُّ الدنيا رأس كل خطيئة". وروي مرفوعًا وروي عن الحسن مرسلًا (٥).

стр. 855

قال الحسن: من أحب الدنيا وسرته خرج حب الآخرة من قلبه. وقال عون بن عبد الله: "الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان بقدر (١) ما ترجح إحداهما تخف الأخرى (٢). وقال وهب: إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان؛ إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى. * * * وبكل حال؛ فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله وأوليائه وأحبائه. قال عمرو بن العاص ﵁: "ما أبعد هديكم من هدي نبيكم ﷺ إنه كان أزهد الناس في الدنيا وأنتم أرغب الناس فيهَا" خرجه الإمام أحمد (٣). وقال ابن مسعود ﵁ لأصحابه: "أنتم أكثر صومًا وصلاة وجهادًا من أصحاب محمد ﷺ وهم كانوا خيرًا منكم؟ قالوا: وكيف ذلك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة (٤) ". وقال أبو الدرداء: لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم؛ لأحْلفن لكم أنه خيركم. ويروى عن الحسن قال: قالوا: يا رسول الله مَنْ خيرُنا؟ قال: أزهدكم في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة. والكلام في هذا الباب يطول جدًّا؛ وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله تعالى.

стр. 856

[الوصية الثانية]: الوصية الثانية: (الزهد فيما في أيدي الناس وأنه موجب لمحبة الناس). وروي عن النبي ﷺ أنه وصى رجلًا فقال: "ايأس مما في أيدي الناس؛ تكن غنيًّا". خرجه الطبراني وغيره (١). ويروى من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: شرفُ المؤمن قيامُه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس (٢).

стр. 857

• وقال الحسن: لا تزال كريمًا على الناس، أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم تَعاطَ ما في أيديهم؛ فإذا فعلت ذلِكَ استخفُّوا بك، وكرهوا حديثك، وأبغضوك (١). • وقال أيوب السَّخْتِياني: لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم. • وكان عمر يقول في خطبته على المنبر: إن الطمع فقر، وإنَّ اليأسَ غنى وإن الإنسانَ إذا أَيسَ من الشيء استغنى عنه (٢). • وروي أن عبد الله بن سلام لقى كعبَ الأحبار عند عمر فقال: يا كعبَ! مَنْ أربَابُ العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه وعقلوه؟ قال: يذهبه الطمع، وشرَه النفس، وتَطَلُّبُ الحاجات إلى الناس؟! قال: صدقت. وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء (٣) عنهم فمن سأل الناسَ ما بأيديهم كرِهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوبٌ لنفوس بني آدم. فمن طلب منهم ما يحبّونه كرهوه لذلك.

стр. 858

وأما من كان يرى المنة للسائل عليه، ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله لم يف له يذل سؤاله له، وذلته له، أو كان يقول لأهله: ثيابكم على غيركم أحسنُ منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم، أحسنُ منها تحتكم، فهذا نادر جدًّا من طباع بني آدم، وقد انطوى بساط ذلك من أزمان متطاولة. وأما من زهد فيما في أيدي الناس، وعفَّ عنهم، فإنهم يحبونه، ويكرِّمونه لذلك؛ ويَسُودُ به عليهم، كما قال أعرابي لأهل البصرة: مَنْ سَيّد أهل هذه القرية؟ قالوا: الْحَسَن، قال: بم سادَهم؟ قالوا؟ احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم. وما أحسن قولَ بعض السلف في وصف الدنيا وأهلها: وما هي إلا جيفةٌ مستحيلةٌ … عليها كلابٌ هَمُّهنَّ اجتذابُها! فإن تجتنبها كُنْتَ سِلْمًا لأهلها … وإن تجتَذِبهَا نازَعَتْك كِلَابُها! * * *

стр. 859

الحديث الثاني والثلاثون عَنْ أَبي سَعِيد: سَعْدِ بْنِ مالِكِ بْنِ سِنَانٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ". حَدِيثٌ حَسَنٌ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ وَالدارَقطنيُّ وَغيرُهُما مُسْنَدًا. وَرَوَاهُ مالِكٌ في المُوَطإِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيى عَنْ أَبيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسلًا، فَأَسقَطَ أَبَا سَعِيدٍ وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّى بَعْضُهَا ببعض (١). * * * [تخريج الحديث] حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه؛ وإنما خرَّجَه الدارقطني (٢) والحاكم (٣) والبيهقى (٤) من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة حدثنا الدراوردى، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌ قال: "لا ضرر ولا ضرار: من ضارّ ضرّه الله، ومن شاق شق الله عليه". وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم. • وقال البيهقي: تفرد به عثمان عن الدراوردي. وخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى، عن أبيه مرسلا (٥). • قال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث. قال: ولا يسند من وجه صحيح.

стр. 860

ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي، عن الدراوردي موصولا. والدرارردي كان الإمامُ أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ولا يعبأ به، ولا شك في تقديم قول مالك على قوله. • وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ: لم يصح حديث "لا ضرر ولا ضرار" مسندًا. وأما ابن ماجه؛ فخرجه من رواية فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قضى: أن لا ضرَرَ ولا ضِرار (١). وهذا من جملة صحيفة تُرْوى بهذا الإسناد. وهي منقطعة مأخوذة من كتاب. قاله ابن المديني وأبو زرعه وغيرهما. • وإسحاق بن يحيى قيل هو ابن طلحة (٢)، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة، قاله أبو زرعة، وابن أبي حاتم، والدارقطني في موضع. وقيل: إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة (٣) ولم يسمع أيضًا من عبادة. قاله الدارقطني أيضًا. وذكره ابن عدي (٤) في كتابه "الضعفاء" وقال: عامّة أحاديثه غير محفوظة. وقيل: إن موسى بن عقبة لم يسمع منه، وإنما ررى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي - عنه. وأبو عياش لا يعرف. • وخرجه ابن ماجه أيضًا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي، عن عكرمة، عن

стр. 861

ابن عباس (١) قال: قال رسول الله ﵌: "لا ضرر ولا ضرار". وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون. وخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين (٢) عن عكرمة (٣). وإبراهيم ضعفه (٤) جماعة. وروايات داود عن عكرمة مناكير. • وخرج الدارقطني من حديث الواقدي، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبي الرّجال، عن عمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﵌ قال: "لا ضرر ولا ضرار" (٥).

стр. 862

والواقدى متروك (١) وشيخه مختلف في تضعيفه (٢). • وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضًا عن القاسم عن (٣) عائشة. • وخرج الطبراني أيضًا من رواية محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر عن النبي ﵌ قال: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام (٤) ". وهذا إسناد متقارب وهو غريب لكن خرجه أبو داود في المراسيل من رواية عبد الرحمن بن معز، عن ابن (٥) إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع مرسلًا وهو (٦) أصح (٧).

стр. 863

• وخرج الدارقطني (١) من رواية أبي بكر بن عياش، قال: أُراه عن ابن عطاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﵌ قال: "لا ضرر ولا ضرورة، ولا يمنعن أحَدُكم جارَهُ أن يَضَع خشبه على حائطه". وهذا الإسناد فيه شك (٢). وابن عطاء، هو: يعقوب وهو ضعيف (٣). • وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌ قال: "لا ضَرر ولا ضرار" (٤) قال ابن عبد البر: إسناده غير صحيح. • قلت: كثير هذا يصحح حديثه الترمذي، ويقول البخاري، في بعض حديثه: هو أصح حديث في الباب. وحَسَّن حديثه إبراهيمُ بن المنذر الحِزَامِي (٥) وقال: هو خير مراسيل ابن المسيب. وكذلك حسَّنه ابن أبي عاصم، وترك حديثَه آخرون، منهم الإمام أحمد وغيره (٦). فهذا ما حضَرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب. وقد ذكر الشيخ ﵀ أن بعض طرقه تُقَوَّى ببعض، وهو كما قال.

стр. 864

وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف؛ قَوِيتا (١). • وقال الشافعي في المرسل: إنه إذا أسند من وجه آخر أو أرسله من يأخذ العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول؛ فإنه يُقْبل (٢) وقال الجوزجاني: إذا كان الحديث المسند من رجل غير مُقْنِعٍ: يعني لا يُقنع برواياته، وشدّ أركانَهُ المراسيلُ بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار: استُعْمِل، واكتُفيَ له. وهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه. • وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث وقال: قال النبي ﵌: "لا ضرر ولا ضرار". • وقال أبو عمر بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث، ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به. • وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يُشعر بكونه غير ضعيف. والله أعلم. وفي المعنى أيضًا حديث أبى صِرْمة، عن النبي ﵌ قال: "من ضارَّ ضارَّ اللهُ بهِ، ومن شاقَّ شَقّ الله عليه" (٣). خرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٤) وقال الترمذي: حَسَنٌ غريب. • وخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف، عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي

стр. 865

صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ملعونٌ من ضارَّ مؤمنًا أو مَكرَ به" (١). * * * • وقوله ﵌: "لا ضَرَرَ ولا ضِرار" هذه الرواية الصحيحة ضرار بغير همزة. [بين الضرار والإضرار]: • وروي إضرار بالهمزة ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه، والدارقطني، بل وفي بعض نسخ الموطأ. • وقد أثبت بعضهم هذه الرواية، وقال: يقال ضر وأضر بمعنى (٢) وأنكرها آخرون وقالوا: لا صحة لها. واختلفوا هل بين اللفظين - أعني الضرر (٣) والضرار - فرق أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد. والمشهور أن بينهما فرقًا. [بين الضرر والضرار]: • ثم قيل: إن الضرر هو الاسم، والضرار: الفعل. فالمعنى: أن الضرر نفسه منتفٍ في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق كذلك. وقيل: الضرر أن يُدْخِلَ على غيره ضررًا بما ينتفعُ هو به. والضرار: أن يدخل على غيره ضررًا بلا منفعة له به، كمن منع مالا يضره، ويتضرر به الممنوع. ورجح هذا القولَ طائفةٌ منهم: ابنُ عبد البر، وابنُ الصلاح. [المراد بالجملة]: • وقيل: الضرر أن يضرّ (٤) بمن لا يضره، والضرار: أن يضر بمن قد أضر به على

стр. 866

وجه غير جائز. وبكل حال؛ فالنبي ﵌؛ إنما نفى الضرر والضرار بغير حق. فأما إدخال الضرر على أحد بحق (١) إما لكونه تعدى حدود الله؛ فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره (٢) فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل؛ فهذا غير مراد قطعًا وإنما المرادُ: إلحاق الضررِ بغير حق. وهذا على نوعين: • أحدهما: أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير؛ فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه. • وقد ورد في القرآن النهي عن المضارَّة في مواضع. [مواضع النهي عن المضارة]: • منها في الوصية قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٣). وفي حديث أبي (٤) هويرة المرفوع: "أن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضره الموت؛ فيضار في الوصية؛ فيدخل النار" ثم تلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥). وقد خرجه الترمذي (٦) وغيره بمعناه.

стр. 867

وقال ابن عباس (١) ﵁: "الإضرارُ في الوصية من الكبائر" ثم تلا هذه الآية.

стр. 868

والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يَخُصَّ بعضَ الورثة بزيادة على فَرْضِه الذي فَرَضَهُ الله لهُ؛ فيتَضَرَّرُ بقيةُ الورثة بتخصيصه. ولهذا قال النبي ﵌: • "إن الله قد أعطى كلَّ ذي حَقّ حَقَّه فلا وصيةَ لوَارثٍ (١) ".

стр. 869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 870

• وتارة بأن يوصى لأجنبي بزيادة على الثلث فينقص حقوق الورثة؛ ولهذا قال النبي ﵌: "الثلث والثلث كثير" (١). ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث، لم ينفَّذْ ما وصَّى به إلا بإجازة الورثة. • وسواء قصد المضارة أو لم يقصد. وأما إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث؛ فإنه يأثم بقصده المضارة.

стр. 871

وهل تردّ وصيته إذا ثبَت ذلك بإقراره أم لا؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها تردّ. وقيل: إنه قياس مذهب أحمد. ومنها الرجعة في النكاح قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (١) - وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٢) فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة؛ فإنه آثم بذلك. وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث، يطلّق الرجلُ امرأتُه، ثم يتركها حتى يقارب انقضاءَ عدتها؛ ثم يراجعها، ثم يطلقها، ويفعل ذلك أبدًا بغير نهاية فيدع المرأة: لا مطلقة، ولا ممسكة؛ فأبطل الله ذلك، وحصر الطلاق في ثلاث مرات. وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها من غير مسيس: أنه إن قصد بذلك مضارَّتها بتطويل العدة لم تستأنف العدة، وبنت على ما مضى منها. وإن لم يقصد ذلك: أستأنَفَتْ عِدَّةً جَديدَةً. • وقيل: تَبِينُ مطلقًا، وهو قول عطاء، وقتادة، والشافعي، في القديم، وأحمد في رواية. • وقيل: تستأنف مطلقًا، وهو قول الأكثرين منهم: أبو قلابة، والزهري، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبو عبيد، وغيرهم. • ومنها في الإيلاء، فإن الله جعل مدة المولي أربعة أشهر إذا حلف الرجل على امتناعه من وطء زوجته؛ فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطء؛ كان ذلك توْبتَهُ وإن أصر على الامتناع لم يمكَّن من ذلك. ثم فيه قولان للسف والخلف. • أحدهما: أنها تُطَلَّق عليه بمضي هذه المدة. • والثاني: أنه يوقف، فإن فاء؛ وإلا أمر بالطلاق. ولو ترك الوطء لقصد الإضرار (٣) بغير يمين مدة أربعة أشهر: فقال كثير من

стр. 872

أصحابنا: حكمه حكم المُولِي في ذلك. وقالوا: هو ظاهر كلام أحمد. وكذا قال جماعة منهم: إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذْر ثم طَلَبت (١) الفُرْقة، فُرِّق بينهما بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب. واختلفوا هل يعتبر لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر؟ • ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير عذر، فإنه يفسخ نكاحه مع اختلافهم في تقدير المدة. ولو أطال السفرَ من غير عذر وطلبت امرأته قدومَهُ فأبى، فقال مالك وأحمد وإسحاق: يفرق الحاكم بينهما، وقدّره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضي سنتين. * * * • ومنها في الرضاع قال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (٢). قال مجاهد في قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قال: لا يمنع أمه أن تُرضعه ليَحْزُنها بذلك (٣). وقال عطاء، وقتادة، والزهري، وسفيان، والسدي، وغيرهم: إذا رضيت بما يرضي به غيرها؛ فهي أحق به. • وهذا هو المنصوص عن أحمد ﵀. ولو كانت الأم في حبال الزوج. وقيل: إن كانت في حبال الزوج، فله منعها من إرضاعه؛ إلا أنه لا يمكن ارتضاعُه من غيرها. وهو قول الشافعي، وبعض أصحابنا. لكن! إنما يجوزُ ذلك إذا كان قصدُ الزوج به توفيرَ الزوجة للاستمتاع لا مجرد إدخال الضرر عليها. * * *

стр. 873

• وقوله تعالى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾. • يدخل فيه أن المطلقة إذا طلبت أرضاعَ ولدها بأجرة مِثْلِهَا، لزم الأَبَ إجابتُها إلى ذلك، وسواء وُجدَ غيرُها أو لم يُوجَد. • هذا منصوصُ الإمام أحمد. • فإن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كثيرة، ووَجد الأبُ مَنْ يُرضعه بأجرة المثل، لم يلزم الأبَ إجابتها إلى ما طلبت؛ لأنها تقصد المُضارَّة. وقد نص عليه الإمام أحمد أيضًا. • ومنها في البيع. • وقد ورد النهي عن بيع المضطر. خرّجه أبو داود من حديث علي بن أبي طالب أنه خطبَ الناس فقال: "سيأتي على الناس زمان عَضُوضٌ، يَعضّ الموسِر على ما في يديه ولم يُؤْمَر بذلك "قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ (١) ويبايع المضطرون. وقد نهى رسولُ الله ﵌ عن بيع المضطر (٢). • وخرجه الإسماعيلي، وزاد فيه: قال رسول الله ﵌: "إن كان عِنْدك خيرٌ تعودُ به على أخيك، وإلا فلا تَزيدَنّهُ هَلاكًا إلى هلاكه". وخرجه أبو يعلى الموصلي بمعناه من حديث حذيفة مرفوعًا أيضًا. • وقال عبد الله بن معقل: "بيع الضرورة ربًا" قال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئُكَ وهو محتاج فتَبِيعُهُ ما يساوي عشرةً بعشرين؟!. وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن رَبح بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك. وإن كان المشتري مسترسلًا لا يُحْسِن أن يماكِسَ فباعه بغبن كثير لم يجز أيضًا. • قال أحمد: "الخلابة: الخداع، وهو أنه يغْبِنه (٣) فيما لا يَتَغَابَنُ الناس في مثله: يبيعه ما يساوي دِرْهَمًا بخمسة.

стр. 874

ومذهب مالك وأحمد أنه يثبت له خيارُ الفَسْخِ بذلكِ. ولو كان محتاجًا إلى نقد، فلم يجد مَنْ يُقْرضه، فاشترى سلعةً بثمن إلى أجل في ذمته، ومقصوده بيع تلك السلعة ليأخذ ثمنها، فهذا فيه قولان للسلف. ورخص أحمد فيه في رواية (١). وقال في رواية: أخشى أن يكون مضطرًّا، فإن باع السلعة من بائعها (٢) له، فأكثر السلف على تحريم ذلك. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ﵏، وأحمد وغيرهم. * * * • ومن أنواع الضرر في البيوع: التفريقُ بين الوالدة وولدها في البيع، فإن كان صغيرًا حَرُمَ بالاتفاق. وقد روي عن النبي ﵌ أنه قال: "من فَرَّقَ بين والدة وَوَلَدِهَا؛ فَرَّقَ الله بينه وبين أحبته يوم القيامة (٣) "، فإن رضيت الأم بذلك، ففي جوازه اختلاف.

стр. 875

ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدًّا. وإنما ذكرنا هذا على وجه المثال. * * * • والنوع الثاني أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في مِلْكِهِ بما فيه مصلحة له؛ فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بِمْلِكِه، توفيرًا له (١) فيتضرر الممنوع بذلك. • فأما الأول وهو التصرف في مِلْكه بما يتعدى ضررُه إلى غيره. فإن كان على غير الوجه المعتاد مثل أن يؤجج في أرضه نارًا في يوم عاصف فيحرق (٢) ما يليه؛ فإنه متعدٍّ بذلك، وعليه الضمان. وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران. أحدهما: لا يُمنع من ذلك، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. • والثاني: المنع، وهو قول أحمد، ووافقه مالك في بعض الصور. فمن صور ذلك أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفةً على جاره، أو يبني بناءً عاليًا يشرف على جاره ولا يستره؛ فإنه يُلَزَمُ بستره. نص عليه أحمد ووافقه طائفة من أصحاب الشافعي. قال الرويانى منهم في كتاب الحلية: يجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التعنُّتُ، وقَصْدُ الفساد. قال: وكذلك القول في إطالة البناء، ومنع الشمس والقمر. • وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسناد ضعيف، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده مرفوعًا حديثا طويلًا في حق الجار، وفيه: لا يستطيل (٣) بالبناء، فيحْجُبُ عنه الريح إلا بإذنه (٤).

стр. 876

• ومنها أن يحفر بئرًا بالقرب من بئر جاره، فيذهب ماؤها، فإنها تُطَمُّ في ظاهر مذهب مالك وأحمد. • وخرج أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة قال: قال رسول اللّه ﵌ "لا تضارُّوا في الحفر" وذلك أن يحفر الرجل إلى جنب الرجل؛ ليذهب بمائه (١). • ومنها أن يحدث في مِلْكِه ما يضر مِلْكَ جاره من هزٍّ أو دقٍّ ونحوهما؛ فإنه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد. وهو أحد الوجوه للشافعية. • وكاذا إذا كان يضرُّ بالسكّان كما إذا كان له رائحة خبيثة ونحو ذلك. • ومنها أن يكون له مِلْكٌ في أرض غيره ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه؛ فإنه يجبر على إزالته ليندفع (٢) به ضَرَرُ الدخول. وخرج أبو داود في سننه من حديث أبي جعفر: محمد بن علي، أنه حدّث عن سُمْرة بن جندب، أنه كان له عَذْق من نخل في حائط رجل من الأنصار ومع الرجل أهله،

стр. 877

وكان سَمُرَةُ يدخل إلى نخله فيتأذى به، ويشُقُّ عليه فطلب إليه أن يناقله فأبى فأتى النبيَّ ﵌ فذكر ذلك له فطلب إليه النبي ﵌ أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: فهبْهُ له ولك كذا وكذا أمرا رغَّبَهُ فيه فأبى فقال: أنت مضار؛ فقال النبي ﵌ للأنصاري: اذهب فاقلع نخله (١). * * * • وقد روي عن أبي جعفر مرسلا: قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا، الحديث: كل ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر، يمنع من ذلك، فإن أجاب؛ وإلا أجبره السلطان، ولا يضرّ بأخيه في ذلك؛ فيه (٢) مرفق له. • وخرج أبو بكر الخلال من رواية عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن عبد اللّه بن سليط (٣) بن قيس، عن أبيه أن رجالًا من الأنصار كانت في حائطة نخلة لرجل آخر وكان صاحب النخلة لا يريُمها (٤) غدوة وعشية، فشق ذلك على صاحب الحائط فأتى النبيَّ صلى اللّه عليه وآله سلم، فذكر ذلك له؛ فقال النبي ﵌ لصاحب النخلة: "خذ منه نخلة مما يلى الحائط مكان نخلتك". قال: لا واللّه. قال: "فخذ مني ثنتين". قال: لا واللّه. قال: "فهبها لي" قال: لا واللّه. قال: فردّد عليه رسول اللّه ﵌، فأبى؛ فأمر رسول اللّه صلى

стр. 878

اللّه وآله وسلم أن يعطه نخلة مكان نخلته. • وخرج أبو داود في المراسيل من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال: كان لأبي أبابة عذق في حائط رجل فكلمه فقال: إنك تطأ حائطي إلى عَذْقك، فأنا أعطيك مثله في حائطك، وأخرجه عني، فأبى عليه فكلم النبيَّ ﵌ فقال: "يا أبا لُبَابة! خُذْ مثلَ عَذْقِكَ فحزها إلى مالك واكْفُفْ عن صاحبك ما يكره" فقال: ما أنا بفاعل فقال: "اذهب فأخْرِجْ له مِثل عذقه إلى حائطه ثم اضرب فوق ذلك بجدار؛ فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار" (١). ففي هذا الحديث والذي قلبه إجباره على المعاوضة؛ حيث كان على شريكه أو جاره ضرر في تركه. وهذا مثل إيجاب الشفعة لدفع ضرر الشريك الطارئ. ويستدل بذلك أيضًا على وجوب العمارة على الشريك الممتنع من العمارة. وعلى إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة. • وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر، من أبيه مرفوعًا "لا تعضِيةَ في الميراث، إلا ما احتمل القَسْم" (٢) وأبو بكر هو ابن عمرو بن حزم، قاله الإمام أحمد.

стр. 879

والحديث حينئذ مرسل. والتعضية هي القسمة. ومتى تعذرت القسمة لكون المقسوم يُتضرر بقسمته وطلَبَ أحدُ الشريكين البيعَ أُجْبِرَ الآخرُ وقسم الثمن (١). نص عليه أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة. • وأما الثاني: وهو منع الجار من الانتفاع بملكه والارتفاق به فإن كان ذلك يضر (٢) بمن انتفع بملكه فله المنع كمن له جدار واهٍ لا يحمل أن يطرح عليه خشب وأما إنْ لم يضرَّ به فهل يجب عليه التمكين، ويحرم عليه الامتناع أمْ لا؟ فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك من التصرف في مِلكِهِ وإن أضرّ بجَارِهِ: قال هنا للجار المنع من التصرف في مِلْكِه بغير إذنه. ومن قال هناك بالمنع؛ فاختلفوا ههنا على قولين. • أحدهما: المنع ههنا وهو قول مالك. • والثاني: أنه لا يجوز المنع وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار جاره. ووافقه الشافعي في القديم، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وابن المنذر، وعبد الملك بن جيب المالكي، وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة. • وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يمنعنّ أَحَدُكم جارَه أن يغرزَ خشبةً على جداره". • قال أبو هريرة: ما لي أرأكم عنها معرضين؟ واللّه لأرمينَّ بها بين أكتافكم (٣). وقضى عمرُ بنُ الخطَّابِ رضى اللّه عنه على محمد بن مسلمة أن يُجْرِي ماءَ جاره في أرضه. وقال لتَمُرَّنَّ به ولو على بطنك. وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد. • ومذْهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قناة (٤) في

стр. 880

باطن أرضه نقله عنه حرب الكرماني. * * * • ومما ينهى عن منعه للضرر (١) منع الماء والكلأ. • وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌: "لا تَمْنَعُوا فَضْلَ الماء لتمنعُوا (٢) به الكَلأَ". • وفي سنن أبي داود أن رجلًا قال: يا نبي اللّه! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء" قال: يا نبي اللّه! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح" قال! يا نبي اللّه! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "أن تفعل الخيرَ خيرٌ لك" (٣). • وفيه أيضًا: أن النبي ﵌ قال: "الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ الماءُ
следующие страницы →