← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

[رحمةُ الله بعباده فيما سكت عنه]: وقوله: في الأشياء التي سكت عنها (رحمة من غير نسيان) يعني أنه إنما سكت عن ذكرها، رحمة بعباده، ورفقًا حيثُ لم يُحرِّمْها عليهم، حتى يعاقبهم على فِعلها، ولم يوجبْها عليهمْ حتى يعاقبَهُمْ على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن فعلوها فلا حَرَجَ عليهم وإن تركوها فكذلك. وفي حديث أبي الدرداء ثم تلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١) ومثل قوله ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٢). * * * [فلا تبحثوا عنها]: وقوله: "فلا تبحثوا عنها" يحتمل اختصاصُ هذا النَّهْي بزمن النبي ﷺ ؛ لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يُذْكر قد يكون سببًا لنزول التَّشْدِيد فيه بإيجَابٍ أو تحريم. • وحديثُ سَعْد بن أبي وقاص ﵁ (٣) يدل على هذا، ويُحْتَمَلُ أن يكون النهى عامًّا. والمروي عن سلمان من قوله (٤) يدل على ذلك، فإن كثرة البحث والسؤال عنْ حُكم ما لم يُذْكَر في الواجبات ولا في المحرَّمات قد يوجبُ اعتقادَ تحريمه أو إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات؛ فقبُول العافية فيه، وتركُ البحث عنه، والسؤال: خير. * * * [هلك المتنطِّعون]: • وقد يدخل ذلك في قوله ﷺ : "هلكَ المتنطِّعون" قالها ثلاثا خرَّجه مسلم (٥)

стр. 807

[و] أبو داود من حديث ابن مَسْعود ﵁ مرفوعًا. • والمتنطِّع هو المتعمّق البحَّاث عما لا يعنيه وهذا قد يتمسَّك به من يتعلق بظاهر اللفظ، وينفي المعاني والقياس كالظاهرية. * * * [والتحقيق في هذا المقام]: • والتحقيق في هذا المقام - والله أعلم: أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص أو عام على قسمين: أحدهما: أن يُبحثَ عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفتوى والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح؛ فهذا حق، وهو مما يتعين فعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية. والثاني: أن يدقِّق الناظرُ نظَره وفكرَه في وجود الفروق المسْتَبْعَدة؛ فيفرِّقَ بين مُتماثلَين بمُجرَّد فرق لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرقين، بمجرد الأوصاف الطارئة (١) التي هي غير مناسبة ولا يدل دليل على تأثيرها في الشرع. * * * [بين نظر ونظر]: • فهذا النظر والبحث غَيرُ مرضي ولا محمود مع أنه قَد وقَع في طوائف من الفقهاء. • وإنما المحمود النظر الموافقُ لنظر الصَّحابة ﵃ ومن بعدهم من القرون المفضَّلة كابن عباس ونحوه. • ولعل هذا مراد ابن مسْعود ﵁ بقوله: "إياكم والتنطع إياكم والتعمّق، وعليكم بالعتيق؟! ". يعني ما كان عليه الصحابة ﵃. * * * • ومن كلام بعض أعيان أئمة الشافعية: لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق

стр. 808

كدأب أصحاب الرأي، والسرُّ في ذلك أن متعلق الأحكام في الحال: الظّنونُ وغلباتُها، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما، وإن انقدح فرق على بعد؛ فافهموا ذلك؛ فإنه من قواعد الدين انتهى. * * * [ومما ينهى عن الخوض فيه]: • ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه؛ أمور الغيب الخبرية التي أُمرَ بالإيمان بها، ولم يبيّن كيفيتُهَا. وبعضها قد لا يكون له شاهدٌ في هذا العالم المحسوس؛ فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يَعْني، وهو مما يُنْهىَ عنه، وقد يوجب الحيرَة والشكّ، ويرتقي إلى التكذيب. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناسُ يَسألُون حتى يقال: هَذَا خَلَقَ اللهُ الخلق فمن خَلقَ الله؟ فمن وَجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله (١). • وفي رواية له: "لا يزال الناسُ يسألونكم عن العِلم؛ حتى يَقُولوا: هذا الله خلقَنا، فمن خَلقَ الله؟. • وفي رواية له أيضًا: "لَيَسْأَلنَّكُم النَّاسُ عن كل شيء؛ حتى يقولوا: الله خلق كلَّ شيءٍ فمَنْ خَلَقه" (٢)؟. • وخرجه البخاري أيضًا ولفظه: "يأتي الشيطانُ أَحَدَكم فيقول: مَنْ خلق كذا؟ من خلق كذا!؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليَسْتَعِذْ بالله ولينْته" (٣). • وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "قال الله : إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلقَ فمن خلق الله؟ (٤) ".

стр. 809

وخرجه البخاريّ ولفظه: "لم يزل الناسُ يسألونَ: هذا الله خالقُ كلِّ شيء، فمن خلق الله (١) "؟. * * * [لا يجوز التفكر في الخالق]: • قال إسحاق بن راهويه لا يجوز التفكرُ في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سَمِعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا قال: وقد قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢) فلا يجوز أن يقال: كيف تسبح القصاع والأخونة والخبز المخبوز والثياب المنسوجة، وكل هذا قد صحَّ العِلم فيه أنهم يسبحون فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما يشاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ذلك؛ فاتقوا الله ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة؛ فإنه يرديكم الخوض فيه عن سَنَن الحق". نقل ذلك كله حرب عن إسحاق رحمه الله تعالى. * * *

стр. 810

الحديث الحادى والثلاثون عَنْ أَبي العَبَّاس سَهْلِ (١) بْنِ سَعْدٍ السَّاعِديِّ ﵁ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وأَحَبَّنِي النَّاسُ فَقَالَ: "ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيما (٢) عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ" حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ ماجه وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ. * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد (٣).

стр. 811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 813

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 814

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 815

وقد ذكر الشيخ ﵀ أن إسناده حسن، وفي ذلك نظر؛ فإن خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه الإمام أحمدُ: منكَر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة؛ يروي أحاديث بواطيل. • وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال مرة: كان كذّابًا يكذِب؛ حدّث عن شعبة أحاديث موضوعة. وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث.

стр. 816

وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف.

стр. 817

ونسبه صالح بن محمد وابن عدي إلى وضع الحديث. وتناقض ابن حبان في أمره فذكره في كتاب الثقات، وذكره في كتاب الضعفاء وقال: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات لا يحل الاحتجاج بخبره (١).

стр. 818

وخرج العقيلي حديثه هذا وقال (١): ليس له أصل من حديث سفيان الثوري. قال: وقد تابع خالدًا عليه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد هذا. قال أبو بكر الخطيب: وتابعه أيضًا أبو قتادة الحراني، ومِهْران بن أبي عمر الرازي وغيره فرووه (٢) عن الثوري، قال: وأشهرها حديث ابن كثير. كذا قال. وهذا يخالف قول العقيلي إن أشهرها حديث خالد بن عمرو؛ وهذا أصح. ومحمد بن كثير الصنعاني هو المِصِّيصِي، ضعفه أحمد، وأبو قتادة، ومِهْران، تُكُلِّمَ فيهما أيضًا، لكن محمد بن كثير خير منهما؛ فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ. وقد تعجب ابن عدي من حديثه هذا وقال: ما أدري ما أقول فيه. وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه (٣) عن حديث محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، فذكر هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ باطل، يعني بهذا الإسناد، يشير إلى (٤) أنه لا أصل له عن محمد بن كثير عن سفيان. وقال ابنُ مُشيْشٍ: سألت أحمد عن حديث سهل بن سعد فذكر هذا الحديث، فقال أحمد: لا إله إلا الله! تعجبًا منه (٥): مَنْ يروي هذا الحديث؟، قلت: خالد بن عمرو؟ فقال: وقعنا في خالد بن عمرو ثم سكت. ومراده الإنكار على من ذكر له شَيئًا من حديث خالد هذا؛ فإنه لا يشتغل به. • وخرجه أبو عبيد: القاسم بن سلام في كتاب "المواعظ" (٦) له عن خالد بن عمرو، ثم قال: كنت مُنْكِرًا لهذا الحديث فحدثني هذا الشيخ عن وكيع (٧) أنه سأله عنه [وعن حديث آخر قد ذكرناه في "كتاب النكاح"]، ولولا مقالته هذه لتركته. • وخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة خالد بن عمرو وذكر رواية محمد بن كثير له أيضًا، وقال: هذا الحديث عن الثوري منكر.

стр. 819

وقال: ورواه زافر يعني ابن سليمان (١) عن محمد بن عيينة أخي سفيان، عن أبي حازم، عن ابن عمر انتهى. وزافر ومحمد بن عيينة كلاهما ضعيف. • وقد روى هذا الحديث من وجه آخرٍ مرسلٍ (٢) أخرجه أبو سليمان بن زَبْر الدمشقي في مسند إبراهيم بن أدهم من (٣) جمعه من رواية معاوية بن حفص، عن إبراهيمَ بن أدهم، عن منصور، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، قال. جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس عليه فقال: "أما العمل الذي يحبك الله عليه فالزهد (٤) في الدنيا، وأما العمل الذي يحبك الناس عليه (٥) فانظر هذا الحطام فانْبِذْهُ إليهم". وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا، من رواية علي بن بكار عن إبراهيم بن أدهم قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فذكره ولم يذكر في إسناده منصورًا ولا ربعيًّا، وقال: في حديثه فانبذ إليهم ما في (٦) يدك من الحطام. [علام يشتمل الحديث؟]: وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين: إحداهما (٧): الزهدُ في الدنيا، وأنه مُقْتَضٍ لمحبة الله لعبده (٨). • والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس فإنه (٩) مُقْتَضٍ لمحبة الناس. [الزهد في الدنيا]: فأما الزهد في الدنيا فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه وإلى (١٠) ذم الرغبة في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ (١١).

стр. 820

• وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (١). • وقال تعالى في قصة قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ إلى قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (٢). • وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ (٤). • وقال تعالى: حاكيًا عن مؤمن آل فرعون؛ أنه قال لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾ يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ (٥). • وقد ذم الله من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث الأعمال بالنيات (٦). [الأحاديث في ذم الدنيا]: والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله كثيرة جدًّا، ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ مر بالسوق والناس كنَفَتَيْهِ (٧) فمر بجدي أَسَكَّ (٨)، ميِّتٍ، فتناوله فأخذ بأذُنِهِ فقال: "أيُّكم يُحِبُّ أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نُحِبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيًّا كان عَيْبًا فيه (٩)، لأنه أسَكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: "فوالله! للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" (١٠).

стр. 821

• وفيه أيضًا عن المستورد الفهري، عن النبي ﷺ قال: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أُصْبُعه في الْيَمِّ فلينظر بماذا يرجع (١)؟ ". • وخرج الترمذي (٢) من حديث سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء" وصححه. [معنى الزهد]: ومعنى الزهد في الشيء: الإعراضُ عنه، لاستقلاله واحتقاره، وارتفاع الهِمة عنه، يقال: شيء زهيد: أي قليل حقير. وقد تكلم السلف ومَنْ بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم عنه. • وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي (٣) وابن ماجه (٤) من رواية عمرو

стр. 822

ابن واقد، عن يونس بن حَلْبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، ولكنَّ الزهادةَ في الدنيا: أن لا تكون بما في يديكَ أوثقَ مما في يد الله، وأن تكونَ في ثواب المصيبة إذا أنتَ أُصِبْتَ بها أرغبَ فيها لو أنها بقيت لك". • وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن واقد منكر الحديث (١). • قلت: الصحيح وقفه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا خالد بن صبيح، حدثنا يونس بن حلبس (٢) قال: قال أبو مسلم الخولاني ﵁: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، إنما الزَّهادةُ في الدنيا أن تكونَ بما في يَدِ الله أوثق منك (٣) بما في يديك، وإذا أُصِبتَ بمصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك".

стр. 823

• [تفسير يونس بن ميسرة للزهد]: وخرجه ابن أبي الدنيا (١) من رواية محمد بن مهاجر عن يونس بن ميسرة قال: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة (٢) المال، ولكنَّ الزهادة في الدنيا أن تكونَ بما في يد الله أوثقَ منك بما في يدك (٣)، وأن تكون حالُكَ في المصيبة (٤) وحالك إذا لم تصَبْ بها سواءً، وأن يكون مادِحُكَ وذامُّكَ في الحق سواءً". ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، فإنَّ الزهدَ في القلب: • أحدها أن يكون العبدُ بما في يد الله أوثق (٥) منه بما في يد نفسه. وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته؛ فإن الله سبحانه (٦) ضمن أرزاق عباده وتكفل بها كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٧). وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ (٩). وقال (١٠) الحسن: "إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله ". • وعن عليّ (١١) وابن مسعود قالا: إنَّ أرْجَى ما يكون (١٢) الرزق إذا قالوا ليس في الدَّنِّ (١٣) دقيق". • وقال مسروق: "إنَّ أحسنَ ما أكونُ ظنًّا حين يقول الخادِمُ ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم". • وقال الإمام أحمد (١٤): "أَسَرُّ أيامي إليَّ يوم أُصبِحُ وليس عندي شيء". • وقيل لأبي حازم الزاهد (١٥): ما مالُكَ؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس.

стр. 824

وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: "أنا أخاف الفقر؟ ومولاي له في السموات وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى؟! ". ودُفع إلى عليِّ بن الموفّق ورقة، فقرأها؛ فإذا فيها: يا علي بن الموفق! أتخاف الفقر وأنا ربك؟!. • وقال الفضيل بن عياض "أصل: الزهد الرضا عن الله ". وقال: القُنُوع هو الزهد (١) وهو الغنى (٢). فمن حقّق اليقين، وثق بالله في أموره كُلِّها، ورضى بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين؛ رجاءً وخوفًا، ومنعه (٣) ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك كان زاهدًا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له شيء من الدنيا، كما قال عمار ﵁: كفى بالموت واعظًا وكفى باليقين غنىً وكفى بالعبادة شغلًا!. • وقال ابن مسعود ﵁: "اليقين أن لا ترضي الناس بسَخَطِ الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تلومَ (٤) أحدًا على ما لم يؤتك الله؛ فإن رزق (٥) الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة (٦) كاره، فإن الله تعالى بقسطه وعلمه وحكمته (٧) جعل الرَّوْحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزَنَ في الشّك والسُّخط (٨). • وفي حديث مرسلٍ (٩) أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا (١٠) صادقًا حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقًا قسمته لي، وَرَضِّنِي من المعيشة (١١) بما قسمت (١٢) لي (١٣).

стр. 825

• وكان عطاء الخراساني رحمه (١) الله لا يقوم من مجلسه حتى يقول: "اللهم هب لنا يقينًا منك حتى تهوّن علينا مصائبَ الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبتَ علينا، ولا يصيبنا من هذا الرزق إلا ما قسمتَ لنا". • ورُوِّينا من حديث ابن عباس (٢) مرفوعًا قال: "من سَرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق منه بما في يده". • والثاني أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذَهاب مالٍ أو ولد أو غيرِ ذلك أرغبَ في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له. وهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين. • وقد (٣) روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهمَّ اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلّغنا به جنتك (٤)، ومن اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائب الدنيا (٥) ".

стр. 826

وهو من علامات الزهد في الدنيا. وقلة الرغبة فيها كما قال عليّ بن أبي طالب ﵁: من زهد في الدنيا (١) هانت عليه المصيبات (٢). • والثالث: "أن يستَوي عند العَبْدِ حَامِدُه، وذامُّه في الحقِّ، وهذا (٣) من علامات الزهد في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها؛ فإن من عَظُمت الدنيا عنده أحَبَّ (٤) المدح، وكره الذم؛ فربما حمَلَهُ (٥) ذلك على ترك كثير من الحقِّ، خشيةَ الذم، وعلى فعل كثير من الباطل؛ رجاء المدح؛ فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه كما قال ابن مسعود ﵁: "اليقين: أن لا ترضي الناس بسخط الله". • وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة (٦) لائم. * * * • وقد رُوِيَ عن السلف عبارات أخرى في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ما تقدم؛ كقول الحسن: "الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال: هو أفضلُ مِنِّي". وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها، ولهذا يقال:

стр. 827

"الزاهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة (١) ". فمن أخرج (٢) من قلبه حب الرياسة في الدنيا، والترفع فيها على الناس؛ فهو الزاهد حقًّا. وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامُّهُ في الحق. وكقول وهيب (٣) بن الورد ﵀: "الزهد (٤) في الدنيا أن لا تأسى (٥) على ما فات منها، ولا تفرح بما أتاك منها". قال ابن السماك ﵀: "هذا هو الزاهد المبرِّزُ في زُهده". وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها (٦)، وزيادتُهَا ونقصها. وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق. • وسئل بعضهم أظنه الإمام أحمد عمن معه مال هل يكون زاهدًا؟ قال: "إن كان لا يفرح بزيادته، ولا يحزن بنقصه؛ فهو زاهد (٧) أو كما قال. • وسئل الزهري عن الزهد (٨) فقال: "من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره". وهذا قريب مما قبله؛ فإن معناه أن الزاهد (٩) في الدنيا إذا قدر منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال لم يشغله عن الشكر، بل قام بشكر الله عليه. • وقال أحمد بن الحواري ﵀: قلت لسفيان بن عيينة: "من الزاهدُ في الدنيا؟ قال: "من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتُلِيَ صَبَرَ" فقلت: يا أبا محمد!

стр. 828

الذي (١) قد أنعم عليه فشكر، وإذا ابتلى فصبر، وحبس النعمة كيف يكون زاهدًا؟ فقال: "اسكت! من لم تمنعه النعماء من الشكر، ولا البلوى من الصبر، فذلك الزاهد! ". • وقال ربيعة: "رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعُها في حقها (٢) ". • وقال سفيان الثوري ﵀: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء. وقال: وكان من دعائهم: اللهم زَهِّدْنَا في الدنيا، ووسع علينا منها، ولا تزوها عنا (٣) فترغِّبَنَا فيها وكذا (٤) قال الإمام أحمد: "الزُّهْدُ في الدنيا قِصَرُ الأمَلِ". وقال مرة: "قِصَرُ الأمَلِ، واليأسُ مما في أيدي الناس". ووجه هذا: أن قِصَر الأمَلِ يُوجِبُ محبة لقاء الله (٥) بالخروج من الدنيا، وطول الأملِ يقتضي محبة البقاء فيها؛ فمن قصر أمله فقد كره البقاء في الدنيا. وهذا نهاية الزهد فيها، والإعراض عنها. واستدل ابنُ عيينة لهذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - إلى قوله - وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (٦) الآية. • وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مُزَاحم قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: "يا رسول الله: من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس القبر والبلى وترك أفضل (٧) زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يَعُدَّ غَدًا من أيامه، وعَدّ نفسه من الموتى". وهذا مرسل (٨). * * * [أقسام الزهد]: وقد قسم كثير من السلف الزهد أقسامًا فمنهم من قال: أفضل الزهد: الزهدُ في

стр. 829

الشرك وفي عبادة ما عُبِدَ من دون الله، ثم الزّهْدُ في الحرام كُلِّهِ من المعاصي، ثم الزهدُ في الحلال، وهو أقل أقسام الزهد. فالقسمان الأوّلان من هذا الزهد كلاهما واجب. • والثالث ليس بواجب؛ فإن أعظم الواجبات: الزهدُ في الشرك، ثم في المعاصي كلها. • وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: زهَّدَنَا الله وإياكم زُهْدَ مَنْ أمكَنَهُ الحرامُ والذنوبُ في الخلَوات، فعلم أن الله يراه فتركه. • وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي المطيع: الزهد على ثلاثة وجوه: واحد (١) أن تخلص العملَ لله والقولَ، ولا يرادُ بشيء منه الدنيا. • والثاني: تَرْكُ ما لا يَصْلُحُ، والعمل بما يَصْلُحُ. • والثالث: الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع (٢) وهو أدناه وهذا قريب (٣) مما قبله إلا أنه جعلَ الدرجة الأولى من الزهدِ: الزهدَ في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل، وهو الشرك الأصغر، والحامل عليه محبة المدح في الدنيا، والتقدم عند أهلها، وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة". • وقال إبراهيم بن أدهم: "الزهد ثلاثة أصناف، فزهدٌ فرضٌ، وزهدٌ فضلٌ، وزهد سلامة، فالزهد (٤) الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات (٥). • وقد اختلف الناس هل يستحق اسم الزاهد (٦) من زهد في الحرام خاصة ولم يزهد في فضول المباحات أم لا؟ على قولين: • أحدهما: أنه يستحق اسم الزهد بذلك، وقد سبق ذكر ذلك عن الزهري وابن عيينة وغيرهما.

стр. 830

• والثاني: لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباحات. وهو قول طائفة من العارفين (١) وغيرهم، حتى قال بعضهم: لا زهد اليوم؛ لفقد المباح المحض، وهو قول يوسف بن أسباط وغيره. وفي ذلك نظر. • وكان يونس بن عبيد يقول: وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها؟! • وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس. ومنهم من قال: في ترك الشهوات. ومنهم من قال: من ترك الشبع. وكلامهم (٢) قريب بعضه من بعض. * * * قال: وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك (٣) عن الله . وهذا الذي قاله أبو سليمان: حسن، وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه. * * * [المراد بذم الدنيا]: • واعلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلَهما خِلْفَةً لمنْ أرادَ أن يذّكّر أو أرَادَ شُكُورًا. • ويروى عن عيسى ﵇ أنه قال: إن هذا الليل والنهار خِزانتان؛ فانظروا ما تصنعون فيهما؟!. وكان ﵊ يقول: "اعملوا الليل لما خلق له، والنهار لما خلق له". • وقال مجاهد: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم! قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل فيّ، فإذا انقضى طوي ثم يختم عليه (٤) فلا يفك حتى يكون الله

стр. 831

هو الذي يَفضُّهُ يوم القيامة ولا الليلة (١) إلا تقول كذلك وقد (٢) أنشد بعض السلف: إنما الدُّنْيَا إلى الجنّـ … ـةِ وَالنارِ طَرِيق والليالي مَتْجَرُ الإنْـ … سَان والأيامُ سُوقُ وليس الذم راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا وسكنًا (٣)، ولا إلى ما أودعه (٤) الله فيها من الجبالِ والبحار والأنهارِ والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشجر والزروع (٥)، ولا إلى ما بتَّ فيها من الحيوانات، وغير ذلك، فإن ذلك كلَّه من نعمة (٦) الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه، وقدرته وعظمته، وإنما الذمّ راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا؛ لأن غالِبَها واقعٌ على غير الوجه الذي تُحمدُ عاقبته، بل يقع على ما تَضُرّ عاقبتُه، أو لا تنفع كما قال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ (٧). * * * [الناس في الزهد]: وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين: أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد بعد الدنيا دار للثواب والعقاب، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨). وهؤلاء همهم التمتع بالدنيا (٩)، واغتنامُ لذاتها قبل الموت: كما قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (١٠). ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا؛ لأنه يرى أن الاستكثار منها يوجب (١١)

стр. 832

الهمّ والغمّ، ويقول: كلما كثر التعلق بها تألمت النفس بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غاية زُهْدِهِمْ في الدنْيَا. [والثاني]: والقسم الثاني من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبونَ إلى شرائع المرسلين. [وهم أقسام ثلاثة]: وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه. ومقتصد. وسابق بالخيرات بإذن الله. فالظالم (١) لنفسه هم الأكثرونَ منهم، وأكثرهم وقف مع زهرة الدنيا وزينتها فأخذها من غير وجهها، "واستعملهما في غير وجهها" (٢) وصارت الدنيا أكبرَ هَمِّهِ، لها يغضب، وبها يرضى (٣) ولها يوالي، وعليها يعادي. وهؤلاء هم أهل (٤) اللهو واللعبِ والزينةِ والتفاخُرِ والتكاثُرِ. وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا، ولا أنها منزل (٥) سفر، يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان أحَدُهُم يؤمنُ بذلك إيمانًا مُجْمَلًا فهو لا يعرفه مفصلًا، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذجُ ما ادُّخِرَ لهم في الآخرة. * * * • والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجباتها، وأمسك لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهاد في الدنيا كما سبق ذكره؛ ولا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص (٦) من درجاتهم (٧) في الآخرة بقدر توسعهما في الدنيا، قال ابن عمر: لا يصيب عبد من

стр. 833

الدنيا شيئًا؛ إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمًا. خرجه ابن أبي الدُّنيا بإسناد جيد (١). وروي مرفوعًا من حديث عائشة ﵂ بإسناد فيه نظر. • وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده أن رجلًا دخل على معاوية فكساه، فخرج فمرّ على أبي مسعود الأنصاري ورجل آخر من الصحابة ﵃ أجمعين فقال أحدهما له: (٢) خذها من حسناتك، وقال الآخر: (٣) خذها من طيباتك. وبإسناده عن عمر ﵁ قال: لولا أن تنقص حسناتي (٤) لخالطتكم في لين عيشكم؛ ولكن سمعت الله عيَّر قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٥). • وقال الفضيل بن عياض: إن شئتَ استَقِلَّ من الدنيا، وإن شئتَ استكِثرْ منها (٦) فإنما تأخذ من كيسك. ويشهد لهذا أنّ الله حرّم على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليه، وادَّخره لهم عنده في الآخرة، وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٧). * * *

стр. 834

• [تحريم الحرير على الرجال]: وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ لَبِسَ الحريرَ في الدنْيَا لم يلْبَسْه في الآخرة، ومن شَرِبَ الخمر في الدنيا لم يشربها (١) في الآخرة" (٢).

стр. 835

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 836

• قال: "لا تلبسوا الحريرَ ولا الديباجَ ولا تشربوا في آنية (١) الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافِهَا (٢) فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (٣).

стр. 837

• وقال وهب: إن الله قال لموسى ﵇ إنى لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبلَهُ عن مَبَارِكِ العُرَّة (١) وما ذلك لهوانهم عليَّ ولكن ليستكملوا نصيبَهم من كرامتي سالمًا موفَّرًا لم تَكْلَمْهُ الدنيا (٢) ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن قتادة بن النعمان عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أحبَّ عبدًا حماه الدنيا (٣) كما يظلُّ أَحَدُكُم يَحْمِى سَقِيمَه (٤) الماء". وخرجه الحاكم ولفظه: "إن الله ليحمي عبده الدنيا وهو يحبه كما تحمون

стр. 838

مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه (١) ". • وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو (٢) ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". * * * • وأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المرادَ من الدنيا، وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكَنَ عبادَهُ في هذه الدار ليَبْلوَهم أيّهم أحسنُ عملًا كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣). • وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤). قال بعض السلف: أيهم أزهدُ في الدنيا، وأرغب في الآخرة. وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنة لينظر من يَقِفُ منهم معه ويركن إليه، ومَنْ ليس كذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٥) ثم بين انقطاعه ونفاذه فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (٦) فلما فهموا أن هذا هو المقصودُ من الدنيا جعلوا هَمَّهُمُ التزوّدَ منها للآخرة التي هي دار القرار، واكتفوا (٧) من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "ما لي وللدنيا إنما مَثَلِي وَمَثَلُ الدنيا كراكبٍ قَالَ في

стр. 839

ظَلِّ شجرة ثم راح عنها وتركها (١)!؟ ". • ووصى ﵌ جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب (٢) منهم سلمان وأبو عبيدة بن الجراح وأبو ذر وعائشة رضي الله

стр. 840

عنهم ووصى ابن عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعدّ نفسه من أهل القبور (١).

стр. 841

[أقسام أهل هذه الدرجة]: وأهل هذه الدرجة على قسمين؟ منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسدّ الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد. ومنهم من يفسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض شهواتها المباحة لتقوى (١) النفس بذلك، وتنشط للعمل؛ كما روي عن النبي ﷺ قال: "حُبِّبَ إليّ من دنْيَاكُم النساء والطيب وجُعلت قرة عيني في الصلاة". خرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس (٢).

стр. 842

• وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﵌ يحب من الدنيا النساءَ والطيبَ والطعامَ، فأصاب من النساء والطيب، ولم يُصِبْ من الطعام (١). [كيف نقسم ساعات اليوم؟]: • قال وهب: مكتوب في حكمة آل داود ﵈ ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات، ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يلقى فيها إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدّقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل (٢)؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وأفضل (٣) بلغة واستجمامًا للقلوب (٤) يعني ترويحًا لها. [كيف يعالج اشتهاء الدنيا؟]: ومتى نوى المؤمن (٥) بتناول شهواته المباحة التقوّي على الطاعة (٦) كانت شهواته له طاعة يثاب عليها كما قال معاذ بن جبل ﵁: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. يعني أنه ينوي بنومه: التقوّي على القيام في آخر الليل؛ فيحتسب ثوابَ نومه، كما

стр. 843

يحتسب ثوابَ قيامه. وكان بعضهم إذا تناول شيئًا من شَهَواته المباحة واسى منها إِخوانه (١) كما روي عن ابن المبارك ﵀ أنه كان إذا اشتهى شيئًا لم يأكله حتى يشتهيه (٢) بعضُ أصحابه فيأكله معهم. وكان إذا اشتهى شيئًا دعا ضيفًا له ليأكل معه. وكانَ يذكر عن الأوزاعي أنه قال: "ثلاثة لا حسابَ عليهم في مطعمهم: المتسحرُ والصائم حين يفطر، وطعام الضيف. * * * [ليس من حب الدنيا طلب المصلح]: • وقال الحسن: ليس من حبك للدنيا (٣) طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه. [متاع الغرور]: • وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيكَ عن طلب الآخرة، وما لم يلْهِكَ فليس متاعَ الغرور، ولكنه متاع بلاغٍ إلى ما هو خير منه. • وقال يحيى بن معاذ الرازي: كيف لا أحبُّ دُنْيَا قدّرَ لي فيها قوتٌ اكتسبت (٤) به حياة؛ أدرك بها طاعة؛ أنال بها الآخرة!؟ وسئل أبو صفوان الرعيني، وكان من العارفين: ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن، التي ينبغي للعاقل أن يَتَجَنَّبَهَا فقال: كلّ ما أصبتَ في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكلّ ما أصبت منها تريد به الآخرةَ فليس منها. • وقال الحسن ﵀: نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن وذلك أنه عمل قليلًا وأخذ زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق؟! وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار.

стр. 844

• وقال أيفَع بن عبد الكلاعي (١): قال رسول الله ﷺ : "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النار النار قال الله : يا أهل الجنة!: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال: "نعم ما اتجرتُم في يومٍ أو بعض يوم، رحمتي ورضْوَانِي وَجَنَّتِي امكثوا فيها خالدين مخلدين" ثم يقول لأهل النار: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فيقول: (بئسما اتجرتم في يوم أو بعض يوم سخطي ومعصيتي وناري امكثوا فيها خالدين مخلدين). * * * • [الموقف المنطقي من ذم الدنيا]: وخرج الحاكم من حديث عبد الجبار بن وهب أنبأنا سعد بن طارق عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "الدارُ الدنيا لمن تزوَّدَ منها لآخرته حتى يُرْضي ربه، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه وإذا قال العبد قبح الله الدنيا قالت الدنيا: قَبحَ الله أعصانا لربه" (٢). وقال صحيح الإسناد. وخرجه العقيلي وقال: عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير محفوظ قال: وهذا الكلام يروى عن علي من قوله (٣). وقول عليّ خرجه ابن أبي الدنيا عنه بإسناد فيه نظر أن عليًّا سمع رجلًا يسب الدنيا

стр. 845

فقال: "إنها لدارُ صدق لمن صدفها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها؛ مسجد أحباءِ الله، ومهبط وحيه، ومُصَلَّى ملائكتِه، ومُتَّجَرُ أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا، وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثّلت ببلائها البلاء وشوّقت بسرورها إلى (١) السرور، فذمَّها قوم عند الندامة، وحَمِدها (٢) آخرون؛ حدثتهم فصدّقوا وذكرتهم فذكروا. فيا أيها المغتر بالدنيا المغتر بغَرورها! متى استلأَمت إليك الدنيا؟ بل متى غرتك؟! (٣) أبمضاجع آبائك (٤) من الثرى؟ أم بمصارع أمهاتك من البلى؟ كم قد قلَّبت بكفيك، ومرَّضت بيديك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تُسْعَفْ بطَلِبَتِكَ قد مثَّلت لك الدنيا بمصرعه مصرعَك غدًا، ولا يغني عنك بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك؟! " (٥). فبين أمير المؤمنين ﵁ أن الدنيا لا تُذمّ مطلقًا، وأنها تُحمد بالنسبة إلى من تزوّد منها الأعمالَ الصالحة، وأن فيها مساجدَ الأنبياء، ومهبطَ الوحي، وهي دار التجارة للمؤمنين اكتسبوا منها الرحمة، وربحوا بها الجنة؛ فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفتَه. • وأما ما ذَكر من أنها تغرّ وتخدع فإنها تنادي بمواعظها، وتنصح بعبرها، وتبدي عيوبها بما تُري أهلها (٦) من مصارع الهلْكى، وتقلب الأحوال من الصحة إلى السَّقَم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزِّ إلى الذل ولكن محبها قد أصمّه وأعماه حُبُّهَا فهو لا يسمع نداءَهَا كما قيل: قد (٧) نادت الدنيا على نَفْسِهَا … لو كان في العالَم مَنْ يَسْمعُ!؟ كَمْ واثقٍ بالعمرِ أفنَيتُه … وَجَامعٍ بدَّدْتُ ما يَجْمعُ!؟
следующие страницы →