← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

• وقد روي معناه من وجوه أخرى كلها فيها ضعف. • وأما حديث: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه" فإنما يدل علَى أنه إذا عَلم أنه لا يُطيقُ الأذَى ولا يَصْبِرُ عليه، فإنه لا يتعرَّض حينئذ للأمر. وهذا حق. وإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر كذلك. قاله الأئمة، كسفيان وأحمد والفضيل بن عياض، وغيرهم. • وقد روي عن أحمد، ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب. قال في رواية أبي داود: نحن نرجو إن أنكرَ بقلبه؛ فقد سَلِمَ، وإن أنكره بيده؛ فهو أفضل (١). وهذا محمول على أنه يَخَافُ كما صَرَّح بذلك في رواية غير واحد. • وقد حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنْكَارِ المنكرِ على من يَعلم أنه لا يُقْبل منه. وصَحَّحَ القول بوجوبه. وهو قول أكثر العلماء. • وقد قيل لبعض السلف في هذا؟ فقال: يكون لك معذرة. وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السَّبْتِ أنهم قالوا: لِمَنْ قال لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢). وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به: ففي

стр. 912

سنن أبي داود (١) وابن ماجه (٢) والترمذي (٣) عن أبي ثعلبة الخشنى أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٤)؟ فقال: سألت عنها خبيرًا .. أما والله! لقد سألتُ عنها رسول الله ﵌ فقال: "بل ائتَمِروا بالمعروفِ وانْهَوْا عن المنكر حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطَاعًا، وهَوًى مُتَّبعًا ودُنْيَا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كُلِّ ذي رَأىٍ برأيه؛ فعليكَ بنفسك وَدَعْ عَنْكَ أمرَ العوامّ". • وفي سنن أبي داود، عن عبد الله بن عمرو (٥) قال: فبينما نحن حول رسول الله ﵌ إذ ذكَر الفتنةَ فقال: إذا رَأَيتُمُ النَّاس مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وخَفّتْ أمانَاتهُمْ وكانوا هكذا وشَبَّكَ بن أَصَابِعِه، فقمتُ إليه فقلت له: كيفَ أفعلُ عند ذلك؟ جعلني الله فداك؟ قال: الْزَمْ بيتَك، وامْلِكْ عليكَ لسانَكَ، وخذ بما تعرِفُ، ودَعْ ما تُنْكِرُ، وعليك بأمر خاصّة نفسِكَ، ودَعْ عنكَ أمرَ العامة (٦). • وكذلك روى عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ

стр. 913

ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) قالوا: لم يأت تأويلها بعد؛ إنما تأويلها في آخر الزمان. وعن ابن مسعود قال: إذا اختلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلْبِسْتُم شِيَعًا، وذاق بعضكم بأسَ بعض؛ فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو (٢) حينئذ تأويل هذه الآية. • وعن ابن عمر قَال: هذه الآية لأقوام يجيئون مِنْ بَعْدِنَا إن قالوا لم يُقْبَلْ منهما. • وقال جُبَيْرُ بن نُفَيْر: عن جماعة من الصحابة قالوا: إذا رأيتَ شحًّا مُطاعًا وهوًى متّبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليكَ حينئذ بنفسك لا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلّ إذا اهْتَدَيْتَ. • وعن مكحول قال: "لم يأت تأويلها بَعْدُ إذا هابَ الواعظُ، وأنكر الموعوظ، فعليك حينئذ بنفسك لا يضركَ مَنْ ضَلّ إذا اهتديتَ. • وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: يا لها من ثقة ما أَوْلقَهَا! ومنْ سَعَةٍ ما أوسعها!. وهذا كله قد يحمل على أن مَنْ عجز عن الأمر بالمعروف، أو خاف الضرر سقط عنه. وكلام ابن عمر يدل على أن مَنْ كَلِمَ أنه لا يُقْبَلُ منه لما يَجب عليه، كما حكى رواية عن أحمد. وكذا قال الأوزاعي: مُرْ (٣) مَنْ تَرى أن يقبل منكَ. • وقوله ﵌ في الذي ينكر بقلبه: (وذلك أضعف الإيمان). يدل على أن الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر من خصال الإيمان، ويدلّ على أن مَنْ قدَر على خَصلة من خصال الإيمان وفَعلَها كان أفضلَ ممن تركها عجزًا عنها (٤). • ويدل على ذلك أيضًا قوله ﵌ في حق النساء: "أمَّا نقصانُ دينها فإنها تمكثُ الأيامَ واللياليَ لا تُصلِّي" (٥) يشير إلى أيام الحيض، مع أنها ممنوعة من الصلاة حينئذ، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها؛ فَدَلَّ على أن مَن قدر على واجب

стр. 914

وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورا في تركه والله أعلم. * * * • وقوله ﵌: "من رأى منكم منكرًا". يدل على أن الإنكار يتعلق (١) بالرؤية، فلو كان مستورًا فلم يره، ولكن عَلِم به؛ فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يعرض (٢) له، وأنه لا يفتش على ما (٣) اسْتَراب به. • وعنه رواية أخرى أنه يكشف (٤) المغطا إذا تحققه. [ماذا لو سمع صوت غناء محرم؟]: ولو سمع صوتَ غِنَاء مُحَرَّم، أو آلاتِ الملاهي، وعلم المكانَ التي هي فيه (٥) فإنه يُنْكِرُها: لأنه قد تحقّق المنكر، وعلم موضعَه فهو كما رآه. [تَسَوُّر الجدران]: نص عليه أحمد وقال: إذا لم (٦) يعلم مكانَهُ فلا شيء عليه وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر؛ فقد أنكره الأئمةُ مثلُ سفيان الثوري وغيره، وهو داخل في التجسس المنهى عنه. • وقد قيل لابن مسعود: إنّ فلانا تقطُر لحيته خَمْرًا؟ فقال: نهانا الله عن التجسس (٧). [متى يجوز التجسس؟]: • وقال القاضي أبو يعلى في كتاب "الأحكام السلطانية": إن كان في المنكر الذي

стр. 915

غلب على ظنه الاستسرارُ به بإخبار ثقة عنه انتهاك حرمةٍ يفوت استدراكها، كالزنا، والقتل جاز التجسس والإقدام على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم. وإن كان دون ذلك في الرتبة؛ لم يجز التجسسُ عليه، ولا الكشفُ عنه. [حدود المنكر الذي يجب إنكاره]: والمنكر الذي يجب إنكارهُ ما كان مُجْمَعًا عليه. • فأما المختلف فيه؛ فمن أصحابنا من قال: لا يجبُ إنكارهُ على من فعله مجتهدًا فيه أو مُقلّدًا لمجتهد تقليدا سَائغًا. واستثنى القاضي في الأحكام السلطانية ما ضَعُفَ فيه الخلافُ وكان ذريعةً إلى محظور متَّفَقٍ عليه؛ كربا النقد: الخلاف فيه ضعيف؛ وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه. وكنكاح المتعة؛ فإنه ذريعة إلى الزنا. • وذُكر عن أبي إسحاق بن شاقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صُرَاحًا، وعن ابن بطة أنه قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إذا كان تأول فيه تأويلا؛ إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة أو طلق ثلاثة في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبةُ والنَّكَالُ. • والمنصوص عن أحمد: الإنكارُ على اللاعب بالشطرنج. وتأوله القاضي على من لعب بها بغير اجتهاد، أو تقليد سائغ. وفيه نظر؛ فإن المنصوص عنه، أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغُ مراتبِ الإنكار مع أنه لا يفسق بذلك عنده؛ فدلَّ على أنه ينكر كلّ مختلف فيه ضَعُف الخلاف فيه؛ لدلالة السنة على تحريمه، ولا يخرج فاعله المتأوّل، من العدالة بذلك والله أعلم. • وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاتَه، ولا يقيمُ صُلْبَهُ من الركوع والسجود مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك. [الدوافع إلى الأمر والنهي]: • واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يحمل عليه رجاء ثوابه. وتارة: خوفُ العقاب في تركه.

стр. 916

وتاره: الغضبُ لله على انتهاك محارمه. وتارة: النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهما فيه من التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة. وتارة: يحمل عليه: إجلال الله وإعظامه ومحبته وأنه أهل أن يطاع فلا يُعْصَى ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارِمه بالنفوس والأموال. • كما قال بعض السلف: وددت أن الخلق كلّهم أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِضَ بالمقاريضَ (١). وكان عبد الملك بنُ عمرَ بن عبد العزيز رحمهما الله يقول لأبيه: وددت أنى غلت بي وبك القُدورُ في الله تعالى. [كيف يهون الأذى على الآمر والناهي؟]: ومن لحظ هذا المقام والذي قبله هان عليه كلُّ ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه كما قال ذلك النبي ﵌ لمّا ضَرَبَهُ قومُه فجعل يمسحُ الدَّمَ عن وجهه ويقول "رب اغفر لقومى؛ فإنهم لا يعلمون" (٢).

стр. 917

[تعين الرفق في الإنكار]: وبكل حال فيتعين (١) الرفق في الإنكار. • قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ إلا من كان فيه ثلاث خصال. رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى. عدل بما يأمر، عدل بما ينهى. عالم بما يأمر، عالم بما ينهى (٢). • وقال أحمد: "الناس محتاجون إلى مُدارَاةٍ ورفق". الأمرُ بالمعروف بلا غلظة؛ إلا رجل معلنٌ بالفسق؛ فلا حُرْمَةَ له. قال: وكان أصحابُ ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون مهلا رحمكم الله مهلا رحمكم الله (٣). • وقال أحمد: يأمر بالرفق والخضوع؛ فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه (٤) والله أعلم. * * *

стр. 918

الحديث الخامس والثلاثون عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَحاسَدُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا؛ المسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ؛ لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ - بحَسْبِ امْرِيءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمالُهُ وَعِرْضُهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي سعيد: مولى عبد الله بن عامر بن كُرَيْزٍ عن أبي هريرة (١). • وأبو سعيد هذا لا يعرف اسمه. • وقد روى عنه غَيْرُ واحد، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال ابن المديني: هو مجهول. • وروى هذا الحديث سفيان الثوري فقال فيه: عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ووهم في قوله سعيد بن يسار؛ إنما هو سعيد مولى ابن كُرَيْزٍ قاله أحمد، ويحيى، والدارقطني، وقد رُوي بعضه من وَجْهٍ آخر. وخرجه الترمذي من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "المسلم أخو المسلم؛ لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه، وماله، ودمه، التقوى هاهنا،

стр. 919

بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (١). وخرج أبو داود من قوله كل المسلم إلى آخره (٢). • وخرجاه (٣) في الصحيحين من رواية الأعرج، عن أبي هريرة ﵁؛ عن النبي ﵌ قال: "لا تحاسَدُوا ولا تَنَاجَشُوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا وكونوا عبادَ الله إخوانًا" (٤). • وخرجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة (٥).

стр. 920

• وخرج الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع، عن النبي ﵌ قال: "كلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وعرْضُهُ ومَالُهُ، المسْلِمُ أَخُو المسْلِم لا يظلمه ولا يَخْذُله، والتَّقْوَى ها هنا - وأومأ بيده إلى القلب - وَحَسْبُ أمرئٍ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسْلِمَ" (١). • وخرج أبو داود آخره فقط (٢). • وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، عن النبي ﵌ قال: "المسلم أخو المُسْلِم لا يظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُه" (٣). • وخرجه الإمام أحمد ولفظه: "المسْلِمُ أخو المسْلِم، لا يظلِمُه ولا يخذلُه ولا يحقرُه وحسب امرئ من الشر أن يحقرَ أخاه المسلم (٤).

стр. 921

• وفي الصحيحين عن أنس، عن النبي ﵌ قال: "لا تباغضُوا ولا تحاسَدُوا ولا تدابَرُوا وكونوا عبادَ الله إخوانا" (١). • ويروى معناه من حديث أبي بكرٍ الصديق مرفوعًا وموقوفًا" (٢). * * * [معنى قوله ﷺ : "لا تحاسدوا"]: • فقوله ﵌ "لا تحاسَدُوا". يعني لا يَحْسُدْ بعضُكم بعضًا، والحسد مَرْكوزٌ في طباع البشَر، وهو أن الإنسان يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ من جنسه في شيء من الفضائل ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام. [أقسام الناس في الحسد]: • فمنهم مَنْ يسعى في زوال نعمة المحسُود بالبَغْي عليه بالقول والفعل. • ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه. • ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقلٍ إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما. [الحسد المذموم]: وهذا هو الحسد المذموم المنْهِيُّ عنه. وهو كان ذنْبَ إبليسَ؛ حيث كان حسدَ آدمَ ﵇ لمَّا رآه قد فاق على

стр. 922

الملائكة بأن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره؛ فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أُخْرِجَ منها. • ويروى عن ابن عمر: أن إبليس قال لنوح: اثنتان بهما أُهِلكُ بني آدم: الحسَد، وبالحسد لُعِنْتُ وجُعلْتُ شيطانًا رجيمًا. والحرص: - أبيح آدمَ الجنة كلَّها؛ فأصبت حاجتي منه بالحرص. • خرجه ابن أبي الدنيا. * * * [اليهود والحسد]: وقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضعَ من كتابه: (القرآن) كقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) - وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢). [من آثار الحسد]: وخرج الإمام أحمد (٣) والترمذي (٤) من حديث الزبير بن العوام، عن النبي ﵌ قال: "دب إليكم داءُ الأمم قبلَكُم الحسَدُ والبَغْضَاءُ والبَغْضَاءُ هي الحالقةُ، حالقة الدين لا حَالِقَةُ الشَّعرِ، والذي نفس محمد بيده، لا تُؤْمِنُوا حتى تحابُّوا، أوَلا أنبِّئكُمْ بشِيءٍ إذَا فَعَلْتُموهُ تحابَبْتُم أفشُوا السَّلام بينكُم". • وخرج أبو داود (٥) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال:

стр. 923

"إياكم والحسَدَ، فإنّ الحسدَ يأكُلُ الحسَنَاتِ كَما تأكلُ النَّارُ الحطَبَ أو قال العُشْبَ". • وخرج الحاكم وغيره (١) من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "سيصيب أمتي داءُ الأمم قالوا: يا نَبِيَّ الله! وما داءُ الأمم؟ قال: الأشرُ والبَطَرُ والتَّكَاثُرُ والتَّنَافُسُ في الدنيا والتباغُضُ والتَّحَاسُد حتَّى يكونَ البَغْيُ ثم الهرْجُ". [أنواع أخرى من الحاسدين]: وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ على المحسود بقول ولا فِعل. • وقد روي عن الحسن: أنه لا يأثم بذلك. • وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة. وهذا على نوعين: • أحدهما: أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد عن نفسه؛ فيكون مغلوبًا على ذلك؛ فلا يأثم به. • والثاني: من يُحَدِّثُ نفسَه بذلك اختيارًا، ويعيدُه ويُبْدِئُه في نفسه مُسْتَرْوِحًا إلى تمنِّي زوالِ نعمةِ أخيه. فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية.

стр. 924

[في العقاب على ذلك خلاف]: وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء وربما يُذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى لكن هذا يَبْعُدُ أن يَسْلَم من البَغْي على المحسود بالقول فيأثم بذلك. [وقسم آخر]: وقسم آخر؛ إذا حسد لما يتمن زوال نعمة (١) المحسود بل يسعي في اكتساب مثْل فضائِلِه، ويتمنى أن يكون مثلَه، فإن كانت الفَضائلُ دنيويةً فلا خيرَ في ذلك؛ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ (٢). وإن كانت فضائل دينية؛ فهو حسن. [فضيلة الغبطة]: وقد تمنى النبي ﵌ لنفسه الشهادة في سبيل الله (٣). • وفي الصحيحين (٤) عنه ﵌ قال: "لا حسد إلا في اثنتين:

стр. 925

رجلٍ آتاه اللهُ مالًا؛ فهو يُنْفِقه آناءَ الليل وآناءَ النهار، ورجل آتاه الله القرآنَ، فهو يَقُوم به آناءَ الليل وآناءَ النهار". وهذا هو الغبطة وسماه حسدًا من باب الاستعارة. [وقسم أرقى]: وقسم آخر إذا وجد (١) من نفسه الحساد سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء (٢) الإحسان إليه، والدعاء له، ونشرِ فضائله، وفي إزالة ما وَجَدَ له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبّةِ أن يكون أخوه (٣) المسلم خيرًا منه وأفضلَ. وهذا من أعلى درجات الإيمان. وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٤) وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٥). [قوله ﷺ : "ولا تناجشوا"]: وقوله ﷺ : "ولا تناجشوا" فسره كثيرون من العلماء بالنجش في البيع وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها إما لنفع البائع بزيادة الثمن له أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه. * * * • وفي الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي ﵌، أنه نهى عن النَّجْش (٦).

стр. 926

• وقال ابن أبي أوفى: الناجِشُ آكلُ ربًا خائن. ذكره البخاري (١). [آراء العلماء في هذه الصفقة أو في هذا النوع]: • قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن فاعلَهُ عاصٍ لله تعالى إذا كانَ بالنهى عالمًا (٢). واختلفوا في البيع: • فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه. • ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائع أو من واطأه البائع على النَّجْش فَسد؛ لأنّ النهي هنا يعودُ إلى العاقد نفسه. وإن لم يكن كذلك لم يفسد لأنه يعود إلى أجنبي. • وكذا حكي عن الشافعي أنه علَّلَ صحة البيع بأن البائع غيرُ الناجش. وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقًا. وهو قول أبي حنيفة ﵀، ومالكٍ ﵀، والشافعي ﵀، وأحمدَ ﵀ في رواية عنه. إلا أن مالكًا وأحمد أثبتا للمشتري الخيار - إذا لم يعلم بالحال، وغُبِنَ غَبْنًا فاحشًا يخرج عن العادة.

стр. 927

وقدَّرَهُ مالك وبعض أصحاب أحمد بثلث الثمن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ فله ذلك. وإن أراد الإمساكَ فإنه يحطُّ ما غُبِن به من الثمن. ذكره أصحابنا. * * * [احتمال آخر لتفسير التناجش]: ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك؛ فإن أصل النَّجْش في اللغة إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة ومنه سُمِّىَ الناجشُ في البيع ناجِشًا، ويسمى الصائد في اللغة ناجِشًا؛ لأنه يثير (١) الصيد بحيلته عليه، وخداعِه له، وحينئذ فيكون المعنى: لا تخادعوا، ولا يعامل (٢) بعضكم بعضًا بالمكر والاحتيال. وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصالُ الأذى إلى المسلم إما بطريق الأَصالة (٣) وإما أجتلاب نفعه بذلك. ويلزم منه وصولُ الضرر إليه، ودخولُه عليه وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (٤). • وفي حديث ابن مسعود، عن النبي ﵌: "من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار" (٥).

стр. 928

• وقد ذكرنا فيما تقدم (١) حديث أبي بكر الصديق المرفوع: "ملْعُونٌ من ضَارَّ مُسْلِمًا أو مَكرَ به". خرجه الترمذي. * * * [ما الذي يشمله مفهوم التناجش؟]: فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهى عنه: جميعُ أنواع المعاملات بالغش ونحوه كتدليس العيوب وكتمانها، وغِشِّ المبيعِ الجيد بالرّدِيء، وغَبْنِ المسْتَرْسِل (٢)

стр. 929

الذي لا يَعْرِفْ الممَاكَسَة. وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم وما أحسن قول أبي العتاهية: ليس دُنْيا إِلا بدينٍ وليس الد … ينُ إلا مكارِمَ الأخلاق إنما المكرُ والخديعةُ في النا … رِ هما مِنْ خِصَال أَهل النِّفاقِ وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه وهمُ الكفار والمحاربون؛ كما قال النبي ﵌: "الحربُ خدْعة" (١).

стр. 930

[معنى قوله ﷺ : "ولا تباغضوا]: قوله: ﷺ : "ولا تباغضوا". نهي للمسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى، بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة والإخوةُ يتحابّون بينهم ولا يتباغضون. • وقال النبي ﵌: "والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تدْخلوا الجنةَ حتّى تُؤمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحابُّوا، أولا أدُلُّكُم على شَيءٍ إذا فعلتُمُوه تحاببتم أَفشُوا السلامَ بينَكُم" خرجه مسلم (١). وقد ذكرنا فيما تقدم أحاديثَ في النهي عن التباغُض والتحاسد. * * * [تحريم كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء]: وقد حرم الله على المؤمنين ما يُوقِعُ بينهم العداوة والبغضاء كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢) وامتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٣) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (٤). [تحريم النميمة]: • ولهذا المعنى حُرِّم المشيُ بالنميمة لما فيها من إيقاع العداوةِ والبغْضاءِ ورُخِّصَ في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغَّبَ الله في الإصلاح بينهم كما قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥) وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ

стр. 931

الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١) وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢). • وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء عن النبي ﵌ قال: "ألا أخْبرُكُمْ بأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلاةِ والصِّيَام والصَّدقة؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إصْلاحُ ذَاتِ البَيْن فإن فَسَادَ ذاتِ البَيْنِ هِي الحَالقةُ" (٣). • وخرج الإمام أحمد وغيره من حديث أسماء بنت يزيد، عن النبي ﵌ قال: "ألا أنبئكم بشراركم؟ " قالو!: بلى، يا رسول الله! قال: "المشَّاؤون بالنَّمِيمَةِ، المفَرِّقونَ بَينْ الأحِبَّةِ، الباغُون للبُرَآءِ العَيَبَ" (٤). [البغض في الله ليس منهيا عنه]: وأمّا البُغضُ في الله؛ فهُوَ مِنْ أَوْثَق عُرَى الإيمان، وليس داخلًا في النهي، ولو ظهر لرجل مِنْ أخيه شر؛ فَأَبغَضهُ عَلَيه وكانَ الرَّجلُ معذُورًا فيه في نفس الأمر أثيبَ المبغِضُ له وإن عُذِرَ أخُوهُ كما قال عمر: "إنا كُنَّا نَعْرِفُكُم إِذْ رَسُولُ الله ﵌ بين أظهرنا، وإذ ينزل الوحى، وإذ ينبئنا الله مِن أخباركم ألا وإن رسول الله ﵌ قد انطُلِقَ به، وانقطع الوحى، وإنما نَعْرِفُكُم بما نُخبركم ألا مَنْ أظهَرَ منكم لنا خيْرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومَنْ أظهرَ منكم شرًّا ظننا به شرًّا وأبْغَضْنَاهُ عليه؛ سرائركم بينكم وبين ربكم تعالى (٥) ".

стр. 932

وقال الربيع بن خُثَيم: لو رأيتَ رَجُلًا يُظْهِرُ خَيْرًا، ويُسِرّ شرًّا، أحببتَه عليه؛ آجَرَكَ الله على حبك الخيرَ. ولو رأيتَ رجلًا يُظْهِر شَرًّا ويُسِرُّ خَيْرًا أبغضته عليه؛ آجرك الله على بغضك الشر. * * * [الاختلاف في الدين طريق للتباغض]: ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كَثر بسبب ذلك تباغضُهم وتلاعنُهم، وكلٌّ منهم يُظْهرُ أنه يُبْغِضُ لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورًا، وقد لا يكون معذورًا، بل يكون متبعًا لهواه، مقصرًا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه؛ فإنَّ كثيرًا من البغض لذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعا، وإن أُريد أنه لا يقول إلا الحقَّ فيما خولِفَ فيه. • فهذا الظن قد يُخْطئ ويُصيب، وقد يكون الحاملَ على الميل إليه مجرَّدُ الهوى والإلف أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البُغض لله. فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه؛ خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرم. * * * [أمر ينبغي التفطن له: الانتصار للحق لا للمذهب]: وههنا أمر خفي ينبغي التفطن له. وهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا، ويكون مجتهدًا فيه، مأجورًا على اجتهاده فيه، موضوعًا عنه خطؤُه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لِكَوْن متبوعه قد قاله بحيث إنه لو (١) قاله غيره من أئمة الدين لما قَبِلَهُ، ولا انتصر له، ولا والى مَنْ وافقه، ولا عادى مَنْ خَالَفَهُ، وهو (٢) مع هذا يظن أنه إنما ينتصر (٣) للحق لمنزلة متبوعه، وليس كذلك؛ فإن متبوعه إنما كان قصدُه الانتصارَ للحقِّ وإن أخطأ في اجتهاده. • وأما هذا التابع فقد شاب (٤) انتصارَه لما يظنه الحقَّ إرادةُ عُلوِّ متْبُوعِهِ، وظُهورِ

стр. 933

كلمته وأن لا ينسب إلى الخطأ. وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق؛ فافهم هذا؛ فإنه مُهِمٌّ عظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. * * * [قوله ﷺ : "ولا تدابروا"]: • قوله "ولا تدابروا" قال أبو عبيد: "التدابر: الصارمة والهِجْرَان مأخوذٌ من أن يُولِّى الرجل صاحبَه دُبُرَهُ، ويُعرضَ عنه بوجهه، وهو التقاطع". • وخرج مسلم (١) من حديث أنس، عن النبي ﵌ قال؟ "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله تعالى" وخرجه أيضًا بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ وفي الصحيحين عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: لا يَحلُّ لمسلم أن يَهْجُرَ أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصدُّ هذا، ويصد هذا وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام" (٢). • وخرج أبو داود (٣) من حديث أبي خراش السلمي عن النبي ﵌ قال: "منْ هَجَر أخاه سنةً فهو كسَفْكِ دَمِهِ". وكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية. * * *

стр. 934

[القاطعة لأجل الدين]: فأمّا لأجل الدين فتجوز الزيادة على الثلاثة؛ نصَّ عليه الإمامُ أحمد، واسْتَدلَّ بقصة الثلاثة الذين خُلّفوا وأمر النبي ﵌ بهجرانهم، لما خاف منهم النفاق (١)، وأباح هجرانَ أهلِ البدع المغلّظَةِ، والدعاة إلى الأهْواء. وذكر الخطابي أن هجرة (٢) الوالد لولده، والزوج لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوز الزيادة فيه على الثلاث؛ لأن النبي ﵌ هجر نساءه شهرًا (٣). [الهجران هل يقطعه السلام؟]: واختلفوا: هل ينقطع الهجران بالسلام؟ فقالت طائفة: ينقطع بذلك. • روي: عن الحسن، ومالك في رواية ابن وهب (٤)، وقاله طائفة من أصحابنا. • وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال (٥): "لا يحل لمؤمن أن يَهْجُرَ مؤمنًا فوق ثلاثٍ؛ فإن مرَّتْ به ثَلاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَليُسَلمْ عليه، فإن ردَّ ﵇؛ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه؛ فقد باءَ بالإثْمِ، وَخَرَجَ المسْلِمُ مِنْ الهجْرة" (٦). • ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخر من الرد عليه. • فأما مع الردِّ إذا كان بينهما قبْل الهِجْرة مودَّةٌ ولم يعودا (٧) إليها ففيها نظر. • وقد قال أحمد: في رواية الأثرم، وسئل عن السلام يقطع الهجران؟ فقال: قد

стр. 935

يسلم عليه، وقد صَدَّ عنْه ثم قال: قال (١) ﵌: "يلتقيان فيصدُّ هذا ويصدُ هذا" فإذا كان قد عوّده أن يُكَلِّمَهُ أو يصافحه (٢). • وكذلك روي عن مالك أنه قال: لا تنقطع الهجرة بدون العود إلى الودة. [التفرقة في هذا بين الأقارب وغيرهم]: وفرق بعضهم بين الأقارب والأجانب فقال في الأجانب: تزول الهجرة بينهم بمجرد السلام، بخلاف الأقارب. وإنما قال هذا لوجوب صلة الرحم. [ولا بيع بعضكم على بيع بعض]: • قوله ﵌: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض". قد تكاثر النهي عن ذلك؛ فقي الصحيحين عن أبي هريرة (٣)، عن النبي ﵌ قال: "لا يبيعُ المؤمنُ على بيع أخيه، ولا يخطبُ على خطبة أخيه". • وفي رواية لمسلم: "لا يَسُمِ المسلم على سَوْم أخيه، ولا يخطبُ على خِطْبَتِهِ (٤). • وخرجا من حديث ابن عمر (٥)، عن النبي ﵌ قال: "لا

стр. 936

يبيعُ الرَّجُلُ على بَيْع أخيه، ولا يخطبُ على خِطْبَة أخيه؛ إلا أَنْ يأْذَنَ لَهُ". • ولفظه لمسلم. وخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر (١)، عن النبي ﵌ قال: "المؤمنُ أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاعَ على بَيْع أخيه، ولا يخطبَ على خِطْبَةِ أخيه حَتَّى يَذَر". وهذا يدل (٢) على أن هذا حق للمسلم على المسلم؛ فلا يساويه الكافر في ذلك بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطبَ على خِطبته، وهو قول الأوزاعي، وأحمد؛ كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده. [الجمهور على العموم]: وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن النهي عامٌّ في حق المسلم والكافر، واختلفوا: هل النهي للتحريم أو التنزيه؟ [ثم اختلفوا في نوعية النهي]: فمن أصحابنا من قال: هو للتنزيه دون التحريم. • والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه؛ للتحريم. [وفي صحة البيع والنكاح]: • واختلفوا: هل يَصحُّ البَيْعُ على بَيْع أخيه والنكاحُ على خِطبته؟ فقال أبو حنيفة ﵀، والشافعي ﵀، وأَكْثَرُ أصحابنا: يصح. وقال مالك؛ في النكاح: إنه إن لَم يدْخُلْ بها، فُرِّقَ بينهما وإن دخل بها لم يفرَّقْ. • وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع والنكاح إنه باطل بكل حال وحكاه عن أحمد. [معنى البيع على البيع وعلة تحريمه]: ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكونَ قد باع منه شيئًا فيَبْذُلَ للمشترى سِلْعَتهُ ليشتريها ويفسخ بَيْعَ الأول.

стр. 937

وهل يختص ذلك بما إذا كان البَذْلُ في مدّة الخيار بحيث يتمكن المشتري من الفسخ فيه أم هو عام في مدة الخيار وبعدها؟ فيه اختلاف بين العلماء. • [و] قد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنه عام في الحالين، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا، ومنهم من خَصَّهُ بما (١) إذا كان في مدة الخيار وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مُشَيش (٢)، ومنصوص الشافعي. والأول أظهر؛ لأن المشتري وإن لم يتمكَّن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار، فإنه إذا رغبَ في رَدِّ السلعة الأولى على بائعها فإنه يتسبّب في رَدِّهَا عليه بأنواع من الطرق المقتضية (٣) لضرره ولو بالإلحاح عليه في المسألة. وما أدّى إلى ضَرَرِ المسلم كان مُحَرَّمًا والله أعلم. * * * [وكونوا عباد الله إخوانا]: • وقوله ﵌: "وكونوا عباد الله إخوانا". هذا ذكره النبي ﵌: كالتعليل لما تقدم. وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضهم على بعض كانوا إخوانا. [وسائل الأخوَّة]: وفيه أَمْرٌ باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانًا على الإطلاق، وذلك يدخل فيه أداءُ حقوق المسلم على المسلم من رَدِّ السلام، وتشميتِ العاطس، وعيادَةِ المريض، وتشييعِ الجِنازة (٤)، وإجابة الدعوة، والابتداء بالسلام عند اللقاء، والنصح بالغيب. [والأمر بالتهادي]: • وفي الترمذي عن أبي هريرة (٥) عن النبي ﵌ قال: "تهادَوْا؛

стр. 938

فإن الهدية تُذهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ". • وخرجه غيره. ولفظه: "تهادَوْا تحابُّوا" (١).

стр. 939

وفي مسند البزار عن أنس عن النبي ﵌ قال: "تهادَوْا؛ فإن الهدية تَسُلُّ السخيمة" (١). [والتصافح]: • ويروى عن عمر بن عبد العزيز يرفع الحديث قال: "تصافحوا؛ فإنه يذهب الشحناء وتهادَوْا (٢) ". وقال الحسن: "المصافحة تزيد في المودة". وقال مجاهد: بلغني أنه إذا تراءى التحابان، فضحكَ أَحَدُهما إلى الآخر وتصافحا تَحاتَّت خَطَاياهُما كما يتحات الورَقُ من الشجر، فقيل له: إن هذا ليَسِيرٌ من العمل قال: تقول يسيرٌ والله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). * * * [المسلم أخو المسلم]: • وقوله ﵌: "المسْلم أخو المسلِم لا يظْلِمُهُ ولا يخذُلُه ولا يَكْذِبُه ولا يَحْقِرُهُ". هذا مأخوذ من قوله تعالى -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٤). فإذا كان المؤمنون إخوةً أُمِرُوا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها، ونُهُوا عما يُوجبُ تنَافُرَ القلوبِ واخْتلافَها وهذا من ذاك. [إيصال النفع لهُ ومنع الضرر عنه]: وأيضًا؛ فإن الأخ من شأنه أن يوصل إلى أخيه (٥) النفع، ويكفَّ عنه الضَّرَر، ومن

стр. 940

أَعظم الضرر الذي يجب كفه عن الأخ المسلم: [الظلم] (١). وهذا لا يختص بالمسلم؛ بل هو محرم في حق كل أحد. وقد سبق الكلام على الظلم مستوفى عند ذكر حديث أبي ذر الإلهي: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا" (٢). * * * [نصره ظالما أو مظلوما]: ومن ذلك خذلان المسلم لأخيه؛ فإن المؤمن مأمور أن ينصر أخاه كما قال النبي ﵌: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوما؛ فكيف أنصره ظالما؟ قال: "تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه". • خرجه البخارى بمعناه من حديث أنس (٣). • وخرجه مسلم بمعناه من حديث جابر (٤). * * * [من آثار نصرة المسلم وخذلانه]: وخرج أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله (٥)، عن النبي

стр. 941

صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما مِن امْرِئٍ مُسْلم (١) يخذلُ امْرأ مُسْلِمًا في مَوْضع تُنْتَهَكُ فيه حُرْمَتُه، ويُنْتَقَصُ فيه مِنْ عِرْضِه إلا خَذَله الله في موضع يُحبُّ فيه نُصْرَتَهُ، ومَا مِن امْرئ يَنْصُرُ مُسلِمًا في موضع يُنْتَقَضُ فيه مِن عِرْضِهِ، ويُنتَهك فيه من حرْمَتِهِ؛ إلا نصَرَهُ الله في موضع يُحبُّ فيه (٢) نُصْرَتَهُ". • وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، عن النبي ﵌ قال: "مَنْ اُذِلَّ عنده مُؤمِنٌ فلم يَنْصُرْهُ وهو يقدر على أن يَنْصُرَهُ؛ أذله الله على رُؤوسِ الخَلائِق يَوْمَ القِيَامَةِ (٣). • وخرج البزار من حديث عمران بن حصين، عن النبي صلى عليه وآله وسلم قال: "من نصر أخاه بالغيب وهو يستطع نصره؛ نصره الله، في الدنيا والآخرة (٤) ". * * * [ومن حق المسلم: أن لا يحدثه أخوه إلا صدقا]: ومن ذلك كذب السلم لأخيه. فلا يحل له أن يحدثه فيكذبه بل لا يحدثه إلا صدقًا. • وفي مسند الإمام أحمد، عن النواس بن سمعان، عن النبي ﵌ قال: كَبُرت خِيانةً أَن تحدِّث أَخاك حديثًا هو لك مُصَدّقٌ وأنتَ به كاذِبٌ (٥).

стр. 942

[وتحريم احتقاره]: • ومن ذلك احتقار المسلم لأخيه المسلم. وهو ناشئ عن الكبر كما قال النبي ﷺ : "الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ النَّاس". خرَّجَهُ مُسْلِمُ من حديث ابن مسعود (١). • وخرجه الإمام أحمد. وفي رواية له: "الكبر سَفَهُ الحق وازدراء الناس" (٢). وفي رواية: "وغمص الناس". وفي رواية، زيادة: "فلا يراهم شيئًا (٣) ".

стр. 943

[وتحريم ازدرائه والاستكبار عليه والسخرية منه]: وغمص الناس: الطعن عليهم وازدراؤهم. • قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (١) فالمتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النقص فيحتقرهم، ويزدريهم، ولا يراهم أهلا لأن يقومَ بحقوقهم، ولا أن يقبلَ من أحد منهم (٢) الحق إذا أوردوه عليه. * * * [معنى قوله ﷺ : "التقوى ههنا"]: • وقوله ﵌: "التقوى هَهُنا" ويشيرُ إلى صَدْره ثلاثَ مَرَّاتٍ. فيه إشارةٌ إلى أن كَرَمَ الْخَلْقِ عند الله بالتقوى فَرُبَّ من يَحْقِرُه (٣) الناس لضعفه وقلةِ حظّه من الدنيا وهو أعظم قدرًا عند الله تعالى، مِمَّنْ له قَدْرٌ في الدنيا، فإنَّ الناس إنما يتفاوتون بحسب التقوى كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٤) وسئل النبي ﵌: مَنْ أكرمُ الناس؟ قال: "أتقاهم لله تعالى" (٥).

стр. 944

• وفي حديث آخر: "الكَرَمُ التَّقْوى" (١). والتقوى أصلها في القلب كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢). وقد سبق (٣) ذِكرُ هذا المعنى في الكّلام على حديث أبي ذر الإلهي عند قوله: "لو أن أوّلكم وآخِركم وإنسكم: جنّكُم كانوا على أتقى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ منْكم مَا زَادَ ذلك في مُلْكِي شيئا". [لا ينظر الله إلى الصور بل إلى القلوب]: وإذا كان أصلُ التقوى في القلوب؛ فلا يطلع أحدٌ على حقيقتها؛ إلا الله تعالى كما

стр. 945

قال ﵌: (١) "إن الله لا ينظرُ إلى صُوَرِكُم وأمْوالِكُم ولكن يَنْظُر إلى قُلُوبكُمْ وَأعْمَالِكم". وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورةٌ حسنةٌ أو مالٌ أو جاهٌ أو رياسةٌ في الدنيا قَلْبُهُ خرابًا من التقوى، ويكونُ مَنْ ليس له شيءٌ من ذلك قلبُه مملوءًا من التقوى، فيكونُ أكرم عند الله تعالى. [المتواضعون والجنة]: بل ذلك هو الأكْثَرُ وقوعًا، كما في الصحيحين عن حارثة بن وَهْب، عن النبي ﵌ قال: "ألا أُخْبرُكم بأهْل الجنة؟ كُلّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لو أقسم على الله لأَبره، ألا أخبِرُكم بأهْلِ النَّار؟ كُلّ عتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكبِرٍ (٢) ".

стр. 946

[المستكبرون والنار]: • وفي المسند عن أنس عن النبي ﵌ قال: "أما أهل الجنة: فكلُّ ضَعِيفٍ مُسْتَضْعَفٍ أشْعَث ذِي طِمْريْنِ لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، وأما أهْلُ النَّار فكلّ جِعْظَريٍّ جَوَّاظٍ جَمَّاع منَّاعٍ ذِي تَبَعٍ (١) ". • وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: "تَحاجَّتِ الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة: [ما لي] (٢) لا يدخلني إلا ضُعفَاءُ الناس وسَقَطُهُم؟ فقال الله تعالى للجنة: أنتِ رَحْمَتي أرحَمُ بكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وقال للنار: أنتِ عَذَابِي أعذّبُ بك مَنْ أشَاءُ مِنْ عِبَادِي (٣) ". • وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سَعيد عن النبي ﵌ قال: "افتخَرَتِ الجنَّةُ والنار فقالت النارُ: يا رب! يدخلني الجبابرةُ والمتكبرون والملوك والأشراف وقالت الجنة: يا رب! يدخلنى الضعفاء والفقراء والمساكين". وذكر الحديث (٤).

стр. 947

[لا يسوغ تقويم الناس بظواهرهم]: • وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: "مر رجل على رسول الله ﵌ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رَجُلٌ من أشرافِ الناس، هذا والله حَرِيّ إن خَطَبَ أن يُنْكَحَ وإنْ شَفَع أن يُشَفّع، وإن قال أن يُسْتَمَعَ لقوله، قال: فَسَكَتَ النبيُّ ﵌ ثم مرَّ رَجُلٌ آخر فقال له (١) رسولُ الله ﵌: ما رأيك في هذا؟ قال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خَطَبَ أن لا يُنْكَحَ، وإن شَفَعَ أن لا يُشْفَعَ، وإن قال أن لا يُسْمَعَ (٢) لقوله، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خير من ملء الأرض من (٣) مثل هذا". • وقال محمد بن كعب القُرَظي في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (٤) قال: "تخفضُ رِجَالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفعُ رِجَالًا كانُوا في الدنيا مخْفُوضِينَ".

стр. 948

[بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم وقيمة الكبر وعواقب المتكبر]: • قوله ﵌: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم). يعني يكفيه من الشر احتقاره أخاه السلم، فإنه إنما يحتقر أخاه السلم لِتَكَبُّرِهِ عليه، والكِبْرُ مِنْ أَعْظَمِ خِصَال الشَّرِّ. • وفي صحيح مسلم عن النبي ﵌ أنه قال: "لا يدخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قلبه مثقال ذرة من كبر (١) ". وفيه أيضا عنه أنه قال: "العِزُّ إزَارُهُ، والكِبرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فمن ينازعني عذبته (٢) ". فمنازعة الله تعالى صفاتِه التي لا تليق بالمخلوق؛ كفى بها شرا. • وفي صحيح ابن حبان، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﵌ قال: "ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل ينازع الله رداءه (٣) فإن رداءَهُ الكبرياءُ، وإزَارَهُ العِزُّ، ورجل في شك من أمر الله تعالى والقنوط من رحمة الله (٤). • وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة (٥) عن النبي ﵌ قال: "من قال: هَلَكَ الناسُ، فهو أهْلَكُهم". قال مالك: إذَا قالَ ذلك تحزنا لما يرى في الناس، يعني في دينهم؛ فلا أرى به بأسا

стр. 949

وإذا قال ذلك عُجْبًا بنفسه، وتصاغرًا للناس؛ فهو المكْرُوهُ الذي نهى عنه (١). ذكره أبو داود في سننه (٢). * * * [كل المسلم على المسلم حرام وتحريم إيذاء المسلم بأية صورة]: • قوله ﵌: (كُلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه). هذا مما كان النبي ﵌ يخطب به في المجامع العظيمة؛ فإنه خطب به في حجة الوداع يوم النحر، ويوم عرفة، واليوم الثاني من أيام التشريق، وقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومِكُمْ هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا (٣) ". • وفي رواية للبخارى وغيره " وأبشاركم (٤) ". • وفي رواية: "فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلَّغت اللهم هل

стр. 950

بلغت (١) ". • وفي رواية: ثم قال: "ألا ليبلغ الشاهد الغائب (٢) ". • وفي رواية للبخاري: "فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها (٣) ". وفي رواية: "دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا البلد إلى يوم القيامة حتى دفعة يدفعها مسلم مسلمًا يريد بها سوءًا (٤) حرام". • وفي رواية قال: "المؤمن حرام على المؤمن، كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام أن يأكله أو يغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن يلطمه، ودمه عليه حرام أن يسفكه، وحرام عليه أن يدفعه دفعة تُعْنتُه" (٥). • وفي سنن أبي داود عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﵌ فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حَبْل، معه فأخذها ففزع؛ فقال النبي ﵌: "لا يحل لمسلم أن يُروِّعَ مسلمًا" (٦). • وخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه
следующие страницы →