← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

[المستكبرون والنار]: • وفي المسند عن أنس عن النبي ﵌ قال: "أما أهل الجنة: فكلُّ ضَعِيفٍ مُسْتَضْعَفٍ أشْعَث ذِي طِمْريْنِ لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، وأما أهْلُ النَّار فكلّ جِعْظَريٍّ جَوَّاظٍ جَمَّاع منَّاعٍ ذِي تَبَعٍ (١) ". • وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: "تَحاجَّتِ الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة: [ما لي] (٢) لا يدخلني إلا ضُعفَاءُ الناس وسَقَطُهُم؟ فقال الله تعالى للجنة: أنتِ رَحْمَتي أرحَمُ بكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وقال للنار: أنتِ عَذَابِي أعذّبُ بك مَنْ أشَاءُ مِنْ عِبَادِي (٣) ". • وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سَعيد عن النبي ﵌ قال: "افتخَرَتِ الجنَّةُ والنار فقالت النارُ: يا رب! يدخلني الجبابرةُ والمتكبرون والملوك والأشراف وقالت الجنة: يا رب! يدخلنى الضعفاء والفقراء والمساكين". وذكر الحديث (٤).

стр. 947

[لا يسوغ تقويم الناس بظواهرهم]: • وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: "مر رجل على رسول الله ﵌ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رَجُلٌ من أشرافِ الناس، هذا والله حَرِيّ إن خَطَبَ أن يُنْكَحَ وإنْ شَفَع أن يُشَفّع، وإن قال أن يُسْتَمَعَ لقوله، قال: فَسَكَتَ النبيُّ ﵌ ثم مرَّ رَجُلٌ آخر فقال له (١) رسولُ الله ﵌: ما رأيك في هذا؟ قال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خَطَبَ أن لا يُنْكَحَ، وإن شَفَعَ أن لا يُشْفَعَ، وإن قال أن لا يُسْمَعَ (٢) لقوله، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خير من ملء الأرض من (٣) مثل هذا". • وقال محمد بن كعب القُرَظي في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (٤) قال: "تخفضُ رِجَالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفعُ رِجَالًا كانُوا في الدنيا مخْفُوضِينَ".

стр. 948

[بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم وقيمة الكبر وعواقب المتكبر]: • قوله ﵌: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم). يعني يكفيه من الشر احتقاره أخاه السلم، فإنه إنما يحتقر أخاه السلم لِتَكَبُّرِهِ عليه، والكِبْرُ مِنْ أَعْظَمِ خِصَال الشَّرِّ. • وفي صحيح مسلم عن النبي ﵌ أنه قال: "لا يدخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قلبه مثقال ذرة من كبر (١) ". وفيه أيضا عنه أنه قال: "العِزُّ إزَارُهُ، والكِبرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فمن ينازعني عذبته (٢) ". فمنازعة الله تعالى صفاتِه التي لا تليق بالمخلوق؛ كفى بها شرا. • وفي صحيح ابن حبان، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﵌ قال: "ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل ينازع الله رداءه (٣) فإن رداءَهُ الكبرياءُ، وإزَارَهُ العِزُّ، ورجل في شك من أمر الله تعالى والقنوط من رحمة الله (٤). • وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة (٥) عن النبي ﵌ قال: "من قال: هَلَكَ الناسُ، فهو أهْلَكُهم". قال مالك: إذَا قالَ ذلك تحزنا لما يرى في الناس، يعني في دينهم؛ فلا أرى به بأسا

стр. 949

وإذا قال ذلك عُجْبًا بنفسه، وتصاغرًا للناس؛ فهو المكْرُوهُ الذي نهى عنه (١). ذكره أبو داود في سننه (٢). * * * [كل المسلم على المسلم حرام وتحريم إيذاء المسلم بأية صورة]: • قوله ﵌: (كُلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه). هذا مما كان النبي ﵌ يخطب به في المجامع العظيمة؛ فإنه خطب به في حجة الوداع يوم النحر، ويوم عرفة، واليوم الثاني من أيام التشريق، وقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومِكُمْ هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا (٣) ". • وفي رواية للبخارى وغيره " وأبشاركم (٤) ". • وفي رواية: "فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلَّغت اللهم هل

стр. 950

بلغت (١) ". • وفي رواية: ثم قال: "ألا ليبلغ الشاهد الغائب (٢) ". • وفي رواية للبخاري: "فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها (٣) ". وفي رواية: "دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا البلد إلى يوم القيامة حتى دفعة يدفعها مسلم مسلمًا يريد بها سوءًا (٤) حرام". • وفي رواية قال: "المؤمن حرام على المؤمن، كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام أن يأكله أو يغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن يلطمه، ودمه عليه حرام أن يسفكه، وحرام عليه أن يدفعه دفعة تُعْنتُه" (٥). • وفي سنن أبي داود عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﵌ فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حَبْل، معه فأخذها ففزع؛ فقال النبي ﵌: "لا يحل لمسلم أن يُروِّعَ مسلمًا" (٦). • وخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه

стр. 951

وآله وسلم قال: "لا يأخذْ أحدكم عصَا أخيه لاعبًا جادًّا، فمن أخذ عصَا أخيه؟ فَليَرُدها إليه" (١). • قال أبو عبيد (٢) يعنى أن يأخذ متاعه لا يريد سرقته، إنما يريد إدخال الغيظ عليه، فهو لاعب في مذهب السَّرِقَةِ جادّ في إدخال الروع والأذى عليه. • وفي الصحيحين عن ابن مسعود، عن النبي ﵌ قال: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يَحزُنُه". ولفظه لمسلم (٣). • وخرج الطبراني من حديث ابن عباس، عن النبي ﵌ قال؟ "لا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن (٤) ". • وخرج الإمام أحمد، من حديث ثوبان، عن النبي ﵌ قال:

стр. 952

"لا تُؤْذُوا عبادَ الله، ولا تعيّروهم ولا تطلبُوا عوراتِهِمْ فإنَّه مَنْ طَلَبَ عَورَةَ أخِيهِ المسْلم طَلَبَ الله عَوْرَتَهُ، حتَّى يفْضحَهُ في بَيْتِهِ" (١). • وفي صحيح مسلم (٢) عن أبي هريرة أن النبي ﵌ سئل عن الغيبة فقال: "ذِكْركَ أخاكَ بما يَكْرَهُ " قال: أرأيتَ إن كان فيه ما أقولُ؟ فقال: "إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لما يكن فيه ما تقولُ؛ فقد بَهَتَّه". فتضمنت هذه النصوص كلها، أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه من قول، أو فعل، بغير حق. • وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٣) وإنما جعل الله المؤمنين إخوة ليتعاطفوا ويتراحموا. • وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير، عن النبي ﵌ قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (٤) ". • وفي رواية لمسلم: "المؤمنون كرجلٍ واحد إن اشتْكَى رأسُهُ تَدَاعَى له سَائِرُ الجسَدِ بالحمى والسهر" (٥). • وفي رواية له أيضًا:

стр. 953

"المسلمون كرجلٍ واحد إن اشتكَى عينُهُ اشتكى كلُّه، وإن اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه" (١). • وفيهما عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا (٢) ". • وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: "المؤمن مرآة المؤمن [و] المؤمن أخو المؤمن، يكفُّ عنه ضيعتَه ويحوطُه مِنْ وَرَائه" (٣). • وخرجه الترمذي (٤) ولفظه "إن أحَدَكُم مِرْآةُ أخيه، فإن رَأَى بِهِ أذى، فَلْيُمِطهُ عَنْهُ". قال رجل لعمر بن عبد العزيز: "اجعل كبير المسلمين عندك أبا، وصغيرهم ابنًا، وأوسطَهم أخًا، فأي أولئك تحب أن تسيء إليه؟! ". • ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي: "ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه؛ فلا تضره، وإن لم تُفْرِحْه، فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمّه". * * *

стр. 954

الحديث السادس والثلاثون عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً عَنِ كُرَبِ الدُّنْيَا: نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُربِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ: يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَة، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا: سَتَرَةُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا: سَهَّلَ اللّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، ومَا جَلَسَ (١) قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللّهُ فِيمَنْ عنْدَهُ، وَمَنْ بَطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرجه مسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢). • واعترض عليه غير واحد من الحفاظ في تخريجه (٣). • منهم أبو الفضل الهروي، والدارقطني، فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش قال: حُدِّثتُ عن أبي صالح؛ فتبين أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، ولم يذكره من حدثه عنه. ورجح الترمذيّ وغيره هذه الرواية (٤).

стр. 955

وزاد بعض أصحاب الأعمش في متن الحديث: "ومن أقال مسلمًا أقالَ الله عَثْرَتَهُ

стр. 956

يَوْمَ القِيَامَةِ" (١). • وخرجا في الصحيحين من حديث ابن عمر، عن النبي ﵌ قال: "المسْلمُ أخو المسْلِم لا يظلِمُهُ ولا يُسْلِمُه ومَنْ كان في حاجَةِ أخيهِ كان الله في حاجته، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلم كُرْبة فَرَّجَ الله عَنْه كُرْبة من كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَة وَمَنْ سَتَرَ مُسْلمًا سَتَرَهُ اللّهُ يَوْمَ القيامة" (٢). • وخرج الطبراني من حديث كعب بن عُجْرَةَ، عن النبي ﵌ قال: "من نَفَّس عن مُؤمِنٍ كُرْبَةً من كُرَبِه، نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن سَتَر على مؤمن عورته، سَتَر الله عورته، ومن فرَّجَ عن مُؤمن كربة فرَّج الله عنه كربته" (٣). • وخرج الإمام أحمدُ من حَدِيث مَسْلَمَةَ بنِ مَخْلد، عن النبي ﵌ قال: "من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نَجَّى مَكْرُوبًا، فَكَّ الله عنْه كُرْبَةً من كُرَبِ يَوْمِ القيامة، وَمَنْ كان في حَاجةِ أخِيه، كانَ اللهُ في حَاجتِه" (٤). * * * [من نفس عن مؤمن كربة]: • فقوله ﵌: "من نَفَّسَ عنَ مؤمِنٍ كُرْبَةً من كُربِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً من كرب يَوْم القِيَامَةِ".

стр. 957

هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرتِ النُّصوصُ بهذا المعنى، كقوله ﵌: "إنما يَرْحَمُ الله من عباده الرحماء" (١). وقوله: "إنّ الله يُعذِّبُ الذينَ يُعَذبُونَ النَّاسَ في (٢) الدُّنْيَا". والكُرْبَة: هي الشدة العظيمة التي توقع صَاحِبها في الكَرْب، وتنفيسها أن يخفف عنه منها، مأخود من تنفس الخناق كأنه يرخي له الخناق حتى يأخذ نَفَسًا. والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيلَ عنه الكربة فتنفرجَ عنه كُربَتُه، ويزولَ هَمُّهُ وغمّه. * * * [جزاء التنفيس والتفريج]: فجزاء التنفيس التنفيس وجزاء التفريج التفريج.

стр. 958

• كما في حديث ابن عمر. وقد جُمع بينهما في حديث كعْب بن عُجْرة. • وخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أيُّما مُؤمِنٍ أَطْعَمَ مؤمنًا على جُوعٍ؛ أطْعَمَهُ الله يوم القيامة مِن ثمار الجنَّة، وأيُّما مُؤمِن سَقَى مُؤمِنًا عَلَى ظَمَأ؛ سَقَاهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ الرحِيقِ المخْتُومِ، وأَيُّمَا مؤمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ؛ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّة" (١). • وخرجه الإمام أحمد بالشك في رفعه (٢)، وقيل إن الصحيح وقفه. • وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: "يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قطّ، وأجْوَعَ ما كانوا قطُّ، وأَظْمَأَ مَا كَانُوا قَطُّ، وأنْصَبَ ما كانوا قط؛ فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن عفا لله أعفاه الله" (٣). • وخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعًا أن رجلًا من أهل الجنة يُشْرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان! هل تعرفني؟ فيقول: لا والله! ما أعْرِفُكَ، مَنْ أنتَ؟ فيقول: أنا الذي مررتَ بي في دار الدنيا فاستسقيتني شَرْبةً من ماء؛ فسقيتُك قال: قد عرفتُ، قال: فاشْفَعْ لِي بها عنْدَ رَبِّكَ، قال: فيَسْأَلُ الله تَعَالى، فيقولُ: شَفِّعْنِي فيه، فيأمرُ به فَيُخْرَجُ من النار (٤). * * * [حكمة الاقتصار على كربة من كرب يوم القيامة]: • وقوله: "كُربة من كُرَبِ يَوْم القِيَامَةِ" ولم يقل من كُرَب الدّنيا والآخرة كما قال (٥) في التيسير والستر، وقد قيل في مناسبة ذلك أن الكُرَبَ هي الشدائد العظيمة، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا بخلاف الإعسار والعَوْرات المحتاجة إلى الستر؛ فإن

стр. 959

أحدًا لا يكاد يخلو في الدنيا (١) من ذلك ولو بتعسر بعض (٢) الحاجات المهمة. • وقيل لأن كُرَبَ الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء فادخر الله جزاءَ تنفيسِ الكرب عنده لينفس به كُرَبَ الآخرة. * * * [ودليل ذلك]: • ويدل على ذلك قولُ النبي ﵌: "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُسمِعهم الداعي، ويَنْفُذُهم البصر، وتدنو الشمس منهم فيبلغ الناس من الغم والكرب (٣) مالا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما قد بلغكم؟ (٤) ألا تنتظرون من يشفع لكم إلى (٥) ربكم؟ وذكر حديث الشفاعة (٦). • خرجاه بمعناه من حديث أبي هريرة. وخرجا من حديث عائشة، عن النبي ﵌ قال: "تحشرون (٧) حُفَاةً عُرَاةً غُرُلًا قالت: فقلت: يا رسولَ الله! الرِّجالُ والنساءُ يَنْظُرُ بعضهم إلى بعض؟ (٨) فقال: الأمْرُ أشدُّ مِن أنْ يُهِمَّهُمْ ذلك (٩) ". • وخرجا من حديث أبن عمر، عن النبي ﵌ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٠) قال: يقوم أحدهم في الرشح إلى أنصاف أذُنَيْه (١١).

стр. 960

[الناس في عرق الآخرة]: • وخرجا من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ قال: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عَرَقُهُمْ في الأرض سَبْعين ذِرَاعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم". ولفظه للبخاري (١) ولفظ مسلم. "إن العرق ليذهب في الأرض سبعين ذراعًا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم" (٢). • وخرج مسلم من حديث المقداد، عن النبي ﵌ قال: "تدنو الشمس من العباد حتى تكون قدرَ ميل أو ميلين؛ فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم: • فمنهم من يأخذهُ إلى عقبيه. • ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه. • ومنهم من يأخذه إلى حَقْويْهِ. • ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا (٣) ". * * * [والأعمال الصالحة هي الظلال يومئذ]: • وقال ابن مسعود (٤): "الأرض كُلّها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها فيعرق الرجل حتى يرشح عرقه في الأرض قدر قامة، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه

стр. 961

وما مسه الحساب، قال: فمِمَّ ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس يصنع بهم. • وقال أبو موسى: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة وأعمالهم تُظِلُّهُم أو تُضْحيهمْ (١). • وفي المسند من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" (٢). * * * [ومن يسر على معسر]: • قوله ﷺ : (ومن يَسر علَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللّهُ عَلَيْهِ في الدنْيَا والآخرة). هذا أيضًا يدل على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة. • وقد وصف الله يوم القيامة؛ بأنه يوم عسير، وأنه على الكافرين غَيْرُ يَسير. فدل على أنه يُيسَّر على غيرهم. • وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ (٣). والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إما بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجب كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤) وتارة بالوضع عنه إن كان غريمًا؛ وإلا فبإعطائه ما يزول له إعْسَارُهُ. وكلاهما له فضلٌ عظيمٌ. [وآثار ذلك]: • وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: كان تاجر يداين الناسَ، فإذا رأى معسرًا قال لصبيانه: تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يَتَجَاوَزَ عنا؛

стр. 962

فتجاوز الله عنه (١). • وفيهما عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري، سمعا النبي ﵌ يقول: مات رجل، فقيل له: [ما كنت تعمل؟] فقال: كنت أبايع الناس؛ فأتجاوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر (٢). • وفي رواية قال: كنت أنظر المعسر وأتجوّز في السكة أو قال في النقد: فغفر له (٣). • وخرجه مسلم من حديث أبي مسعود، عن النبي ﵌. • وفي حديثه: فقال الله: "نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه (٤) ". • وخرَج أيضًا من حديث أبي قتادة، عن النبي ﵌ قال: "من سره أن ينجيه الله من كُرَب يوَم القيامة فَلْيُنَفِّسْ عن معسر أو يضع عنه" (٥). • وخرج أيضًا من حديث أبي اليَسَر، عن النبي ﵌ قال: "من أنظر مُعْسِرًا أو وَضَعَ عنه؛ أظله الله في ظلِه، يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ" (٦). • وفي المسند عن ابن عمر، عن النبي ﵌ قال: "مَنْ أراد أن تُستَجَابَ دعوتُهُ و [أن] تُكْشَفَ كُرْبَتُه فليفرِّجْ عن مُعْسِرٍ" (٧).

стр. 963

[ومن ستر مسلمًا]: • وقوله ﵌: "ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة". هذا مما تكاثرت النصوص بمعناه. [ومن كشف عورة أخيه المسلم وآثار ذلك]: • وخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﵌ قال: "من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته" (١). • وخرج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النبي ﵌ يقول: "مَنْ ستر مؤمنًا في الدنيا (٢) على عورة ستره الله يوم القيامة" (٣).

стр. 964

• وقد روي عن بعض السلف أنه قال: "أدركتُ قومًا لم يكن لهم عُيوبٌ فذكروا عيوبَ الناسِ، فذكر الناس لهم عُيُوبًا وأدركتُ أقوامًا كانت لهم عيوبٌ فكفّوا عن عيوب الناس فَنُسِيَتْ عيوبُهم". أو كما قال. • وشاهد هذا الحديث حديث أبي بَرْزة، عن النبي ﵌ أنه قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابُوا المسلمين ولا تَتَّبِعُوا عوراتهم فإِنه من اتّبع عوراتهم تَتَبَّع الله عورَته، ومن تَتَبَّع الله عورتَهُ يَفْضَحْه في بَيْتِهِ". خَرَّجَهُ الإمامُ أَحمدُ وأبو داود (١). • وخرج الترمذي معناه من حديث ابن عمر (٢). [الناس في المعاصي قسمان]: • واعلم أن الناس على ضربين. [الأول: المستور]: • أحدهما: من كان مستورًا لا يُعْرَفُ بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو

стр. 965

زلة؛ فإنه لا يجوز كشفها ولا هتكها (١) ولا التحدّثُ بها؛ لأن ذلك غِيبَةٌ محرَّمة. • وهذا هو الذي وردت فيه هذه النصوص؛ وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٢). • والمراد: إشاعة (٣) الفاحشة على المؤمن المستتر (٤) فيما وقع منه، أو اتُّهم به وهو بريء (٥) منه؛ كما في قصة الإفك. • قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة؛ فإن ظهور معاصيهم، عيب في أهلِ الإسلام، وأولى الأمور: سترُ العيوب. ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا وأقر بحد (٦) ولم يفسره، لم يستفسر؛ بل يؤمر بأن يرجعَ ويستر (٧) نفسه كما أمر النبي ﵌ ماعزًا والغامدية وكما لم يستفسر الذي قال له [أصبتُ حدَّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ] (٨). • ومثل هذا لو أوخذ بجريمته، ولم يَبْلُغ الإمامَ؛ فإنه يُشْفَعُ له حتَّى لا يَبْلُغَ الإمام. • وفي مثله جاء الحديث عن النبي ﵌: "أقِيلُوا ذوِي الهيآتِ عَثَرَاتِهمْ". • خرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة (٩). [والثاني: المجاهر بالمعاصي]: • والثاني: مَنْ كان مشتهرًا بالمعَاصي، مُعْلِنا بها ولا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له؛ فهذا هو الفاجر المعلن، وليس له غِيبة، كما نص على ذلك الحسنُ البَصْرِي وغيرُه.

стр. 966

• ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره لتُقَام عليه الحدود. • وصرح بذلك بعضُ أصحابنا، واستدل بقول النبي ﵌: "واغد يا أنيس! على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها (١) ". • ومثل هذا لا يُشْفَعُ له إذا أخِذَ ولو لم يَبْلُغ السلطان، بل يُترك حتى يُقامَ عليه الحد؛ لينكفَّ شره (٢) ويرتدعَ به أمثاله. • قال مالك: مَنْ لم يُعرَفْ منه أذى للناس، وإنما كانت منه زلة، فلا بأس أن يشفع له، ما لم يبلغ الإمام. وأما من عُرفَ بشر أو فسادٍ؛ فلا أُحبّ أن يشْفَع له أحد، ولكن يُترك حتى يُقامَ عليه الحد. حكاه ابنُ المنذر وغيره. • وكره الإمامُ أحمد رفعَ الفساق إلى السلطان بكل حال. وإنما كرههه لأنهم غالبًا لا يقيمون الحدودَ على وجهها، ولهذا قال: إن علمتَ أنه يُقيم عليه الحدَّ فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلًا فمات، يعني: لم يكن قتله جائزًا. [ماذا لو تاب أحدهما؟]: ولو تاب أحد من الضرب الأول كان الأفضلُ له أن يتوبَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويَسْتُرَ على نفسه.

стр. 967

• وأما الضرب الثاني: فقيل: إنه كذلك، وقيل: بل الأَولَى له أن يأتي الإمام ويُقِرُّ على نفسه مما يوجب الحد، حتى يُطهِّرَهُ. * * * [والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه]: • قوله: "والله في عَوْن العَبْدِ مَا كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ". وفي حديث ابن عمر "ومَنْ كان في حاجَة أخيه، كان الله في حاجته". • وقد سبق في شرح الحديث الخامس والعشرين، والسادس والعشرين فضلُ قضاء الحوائج والسعي فيها. • وخرج الطبراني من حديث عمر مرفوعًا: "أفضلُ الأعمال: إدخالُ السرورِ على المؤمِنِ، كسَوْتَ عورته، أو أشبعتَ جَوْعَتَهُ، أو قَضَيتَ له (١) حاجة". • وبعث الحسن البصري قومًا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: "مُرُّوا بثابت البُنَاني فخذوه معكم، فأتَوْا ثابتًا، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش! أما تعلم أن مَشْيَك في حاجة أخيك المسلم خيرٌ لك من حجة بعد حجة؟!. فرجعوا إلى ثابت فترك اعتكافه وذهب معهم. • وخرج الإمام أحمد من حديث ابنة (٢) الخبَّاب بن الأرتّ قالت: خرج خبّاب في سَرِيّة، فكان النبي ﵌ يتعاهدنا حتى يحلب عنزًا لنا في جَفْنَةٍ لنا فتمتلئ حتى تفيض، فلما قدم خباب حلبها فعاد حلابها إلى ما كان. • وكان أبو بكر الصديق ﵁، يَحْلُبُ للحيّ أغنامهم، فلما استخلَفَ قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى! وإني لأرجو أن لا يغيرني ما

стр. 968

دخلتُ فيه عن شيء كنتُ أفعله أو كما قال. وإنما كانوا يقومُون بالحلاب؛ لأن العرب كانت لا تحلُبُ النِّسَاءُ منهمُ، وكانوا يستقبحون ذلك، وكان الرجال إذا غابُوا احتاج النساء إلى من يحلُبُ لهنَّ. • وقد روي عن النبي ﵌ أنه قال لقوم: "لا تسقوني حَلَبَ امرأة" (١) وكان عمر يتعاهد الأرامل؛ فيستقي لهم الماء بالليل. • ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة؛ فدخل إليها طلحة نهارًا فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها ما يصنع هذا الرجل عندك قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني، ويُخْرِجُ عَني الأذى فقال: ثَكِلَتْكَ أمكَ يا طلحة! أَعثراتِ عمر تتبع (٢). • وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن. • وقال مجاهد: صحبت ابنَ عمر في السفر لأخدُمه فكان يخدُمني (٣). وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه في السفر أن يخدُمهم. • وصحب رجل قومًا في الجهاد فاشترط عليهم أن يخدُمهم؛ فكان إذا أراد أحد منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه قال: هذا من شَرْطي، فيفعله؛ فمات، فجردوه للغسل فرأوا على يده مكتوبًا من أهل الجنة، فنظروا فإذا هي كتابةٌ بين الجلد واللحم. • وفي الصحيحين عن أنس قال: "كنا مع النبي ﵌ في السفر فمنَّا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حارٍّ أكْثَرُنَا ظِلًّا صاحبُ الكساء، ومنا من يَتَّقي الشَّمْسَ بيده قال: فسقط الصُّوام، وقام المفطِرُونَ فَضَرَبُوا الأبنية، وَسَقَوا الركاب، فقال رسول الله ﵌: "ذهَبَ المفْطِرُونَ اليَوْمَ بالأجْر (٤) ".

стр. 969

• ويروى عن رجل من أسلم، أن النبي ﵌ أتي بطعام في بعض أسفاره، فأكل منه، وأكل أصحابُهُ، وقبَض الأسلمي يده فقال له رسول الله ﵌: مالك؟ قال: إني صائم قال: فما حملك على ذلك؟ قال: كان معي ابناي (١) رجلان يرحلان بي ويخدماني فقال: "ما زال لهم الفضل عليك بعد". • وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﵌ قدموا يثنون على صاحب لهم خيرًا قالوا: ما رأينا مثل فلان قطّ! ما كان في مسير؛ إلا كان في قراءة، ولا نزلنا منزلًا؛ إلا كان في صلاة، قال: فمن كان يكفيه ضيعته حتى ذكر؛ مَنْ كان يَعْلِفُ جَمَلَه أو دابته؟ قالوا نحن، قال: فكُلُّكُمْ خَيْر منه (٢). * * * [العلم طريق الجنة]: • قوله ﵌: "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة". وقد رَوى هذا المعنى أيضًا أبو الدرداء، عن النبي ﵌ (٣). وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخلُ فيه سلوكُ الطريق الحقيقي، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوكُ الطرق المعنوية، المؤدية إلى حصول العلم، مثل حفظه، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهم له، ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم. * * * • وقوله ﵌: "سهل الله له طريقًا إلى الجنة" قد يراد بذلك أن الله يسهل له العلم الذي طلبه، وسلك طريقه وييسره عليه فإن العلم طريق موصل إلى الجنة.

стр. 970

وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١). • قال بعض السلف: هل من طالب علم فيعانَ عليه (٢)؟. • وقد يراد أيضًا: أن الله ييسر لطالب العلم إذا قَصَدَ أبصلبه وَجْه الله تعالى والانتفاعَ به، والعملَ بمقتضاه، فيكونُ سببًا لهدايته، ولدخول الجنة بذلك. • وقد ييسر الله لطالب العلم علومًا أخر، ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى الجنة، كما قيل: مَنْ عَمِلَ بما علم أورثه الله عِلْمَ ما لم يَعْلم. وكما قيل: "ثواب الحسنة: الحسنةُ بعدها". • وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٤). • وقد يدخل في ذلك أيضًا: تسهيلُ طريق الجنة الحِسِّي يوم القيامة، وهو الصراط، ومما قبله وما بعده من الأهوال فَيُيَسَّرُ ذلك على طالب العلم للانتفاع به، فإن العلم يدل على الله من أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقه ولم يُعْرِّجْ عنه، وصل إلى الله تعالى، وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فَسَهُلَتْ عليه الطرق الموصّلةُ إلى الجنة كلها في الدنيا وفي الآخرة؛ فلا طريق إلى معرفة الله، وإلى الوصول إلى رضوانِه، والفوزِ بقربه، ومجاورَته في الآخرة؛ إلا بالعلم النافع، الذي بعث الله به رُسُلَه، وأنزل به كُتُبه، فهو الدليل عليه، وبه يُهْتَدى في ظلمات الجهل والشُّبَهِ والشُّكُوكِ، ولهذا سمى الله كتابه نورًا؛ لأنَّه يُهْتَدَى به في الظُّلُماتِ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). [مثل العلماء مثل النجوم]: • وَمَثَّل النبي ﵌ حَمَلةَ العلم الذي جاء به؛ بالنجوم التي يُهْتدى بها في الظلمات.

стр. 971

• ففي المسند، عن أنس، عن النبي ﵌ قال: "إن مثلَ العلماء في الأرض كَمَثل النُّجوم في السماء يُهْتَدَى بها في ظُلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تَضِلّ الهداة" (١). وما دام العلم باقيًا في الأرض؛ فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حملته، فإذا ذهب حملته ومن يقوم به، وقع الناس في الضلال، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌ قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صُدُور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ الناس رُءوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلوا فَأَفْتَوا بغير عِلْم فَضَلُّوا (٢) وأضلوا". وذكر النبي ﵌: يومًا رفْع الطم فقيل له: كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءَنَا وأبناءنا؟! فقال النبي ﷺ : "هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟ ". • فسئل عبادةُ بنُ الصامت عن هذا الحديث فقال: لو شئتُ لأخبرتُك بأول علم يُرفعُ من الناس: الخشوع (٣). وإنما قال عُبَادَةُ: هذا لأن العِلْم قسمان: أحدهما: ما كان ثمرتُه في قلب الإنسان، وهو العلم بالله تعالى، وأسمائِه، وصفاتِهِ، وأفعالِهِ المقتضي لخشيته، ومهابته، وإجلاله والخضوع له، ومحبته ورجائه، ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك. فهذا هو العلم النافع. • كما قال ابن مسعود: إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وَقَع

стр. 972

في القلب فَرَسَخَ فيه نفع. [العلم علمان]: وقال الحسن: العلم علمان: علم على اللسان؛ فذاك حجة الله على بني آدم، وعلم في القلب فذاك العلم النافع. • والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان وهو حجة الله كما في الحديث (١): "القرآن حجة لك أو عليك". [أول ما يرفع: العلم النافع]: • فأول ما يرفع من العلم: العلم النافع، وهو العلم الباطن الذي يخالِطُ القلوبَ ويُصْلِحُها، ويبقى علم اللسان حجة فيتهاون الناس به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته فلا يبقى إلا القرآن في المصاحف وليس ثمَّ مَنْ يَعْلَمُ معانِيَهُ ولا حُدُودَهُ ولا أَحْكَامَهُ ثم يسرى به في آخر الزمان فلا يبقى في المصاحف ولا في القلوب منه شيءٌ بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة. • كما قال ﵌: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" (٢). • وقال: "لا تقوم الساعة وفي الأرض أحد يقول: الله الله" (٣). * * * [الجلوس للعلم والقرآن والذكر في المساجد]: قوله ﷺ : "وما جلس قومٌ في بيتٍ من بُيُوتِ الله يتلونا كتابَ الله ويتدارسُونَهُ

стр. 973

بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغَشِيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده". هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته. • وهذ إن حُمِلَ على تعلّم القرآن وتعليمه؛ فلا خلاف في استحبابه. • وفي صحيح البخاري، عن عثمان، عن النبي ﵌ قال: "خَيْرُكُم مَنْ تَعَلَّم القرآنَ وعَلَّمه (١) ". قال أبو عبد الرحمن السلمي: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا. وكان قد علَّم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجاج بن يوسف. وإن حُمل على ما هو أعم من ذلك دخل فيه الاجتماع في المساجد على دراسة القرآن مطلقًا. • وقد كان النبي ﵌ أحيانًا يأمر من يقرأ القرآن ليستمع قراءته كما أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه وقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" (٢). • وكان عمر يأمر مَن يقرأ عليه وعَلَى أصحابه وهم يستمعون، فتارة يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبةَ بنَ عَامر. • وسئل ابنُ عباس: أيّ العمل أفضل؟ قال: ذكر الله، قال: وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطَوْن فيه كتابَ الله فيما بينهم ويتدارَسُونَهُ؛ إلا أظلتهُمْ الملائكة بأَجْنِحَتِهَا، وكانوا أضيافَ الله ما داموا على ذلك؛ حتى يفيضوا (٣) في حديث غيره. • وروى مرفوعًا والموقوف أصح. • وروى يزيد الرقاشي عن أنس قال: كانوا إذا صَلَّوا الغداة قَعَدُوا حِلَقًا حِلَقًا

стр. 974

يقرؤون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله تعالى. وروى عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌ قال: "ما مِن قَومْ صَلَّوْا صلاةَ الغداة، ثم قعدُوا في مُصَلَّاهم يتعاطَوْن كتابَ الله، ويتدارسونه؛ إلا وكل الله بهم ملائكة يستغفرونَ لهم حتَّى يخوضُوا في حديث غيره". وهذا يدل على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن. ولكن عطية فيه ضعف. • وقد روى حرب الكرماني بإسناده عن الأوزاعي: أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال: أخبرني حسَّان بنُ عطية أن أوّلَ من أحدثها في مسجد دمشق، هشام بنُ إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مروان؛ فأخذ الناس بذلك. • وبإسناده عن سعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن سليمان أنهما كانا يدرسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت (١) والأوزاعي في المسجد لا يُغَيّر عليهم. • وذكر حرب أنه رأى أهلَ دمشق، وأهلَ حمص، وأهلَ مكة، وأهل البصرة يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصُّبح لكنَّ أهلَ الشام يقرؤون القرآن كُلَّهُمْ جملة من سورة واحدة بأصوات عالية، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون؛ فيقرأ أحدهم جملة من عَشْرِ آيات والناس ينصتون ثم يقرأ آخر عشرًا (٢) حتى يَفْرُغُوا. • قال حرب: وكلُّ ذلك حَسَنٌ جميلٌ وقد أنكرَ ذلك مالك على أهل الشام. • قال زيد بن عبيد الدمشقي: قال لي مالك بن أنس: بلغني أنكم تجلسون حِلَقًا تقرؤون؟ فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا قال: فقلت: هذا طريف؟ قال: وطريف رجل يقرأ ويجتمع الناس حوله؟ فقال: هذا عن غَيْرِ رأينا. • وقال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفرْوي (٣) سمعنا مالك بن أنس يقول الاجتماع بكرة بعد صلاة الفجر؛ لقراءة القرآن بدعة؛ ما كان أصحابُ رسول الله ﵌، ولا العلماءُ بعدهم على هذا كانوا إذا صَلَّوْا يخلو كلٌّ بنفسه، ويقرأ

стр. 975

ويذكر الله تعالى، ثم ينصرفون من غير أن يكلِّم بعضُهم بعضًا اشتغالًا بذكر الله. • فهذه كلها محدثة. وقال ابنُ وهب: سمعتُ مالكًا يقول: لما تكن القراءة في المسجد من أمر الناس القديم. • وأول من أحدث ذلك في المسجد: الحجاجُ بنُ يوسف قال مالك: وأنا أكره ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف. • وقد روى هذا كلَّه أبو بكر النيسابوريُّ في كتاب مناقب مالك ﵀. واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذكر. والقرآن أفضل أنواع الذكر. ففي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: "إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهلَ الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادَوْا هَلُمُّوا إلى حاجتكم فيحفُّونَهُمْ بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألُهم ربُّهمْ وهو أعلم بهم ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبّحونَكَ، ويكبِّرونَك، ويحمَدونك ويمجِّدونك فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله! ما رأوك فيقول (١): كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رَأوْكَ كانوا أشدَّ لك عبادةً، وأشَدَّ لك (٢) تمجيدًا وتحميدًا وأكثر لك تسبيحًا فيقول: فما يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رَأَوْهَا؟ فيقولون: لا والله يا رب! ما رأوها فيقول: كيف لو أنهم (٣) رَأوْهَا؟ فيقولون: لَوْ أنهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طلبًا، وأشدَّ فيها رغبةً قال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُون؟ فيقولون: من النار قال: يقول. فهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا والله يا رب ما رَأَوْها. فيقول: كيف لو رَأوْهَا فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشدَّ منها فرارًا وأشدّ لها مخافة، فيقول الله تعالى: أشْهدُكم أني قد غَفَرْتُ لهم! فيقول مَلك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجته: قال: هم الجُلسَاءُ، لا يشقى جليسهم" (٤).

стр. 976

• وفي صحيح مسلم عن معاوية، أن رسول الله ﵌ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده لما هدانا للإسلام، ومَنَّ علينا به، فقال: "آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك؟ " قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك. قال: "أما إني لَمْ أسْتَحْلِفْكُمْ لتُهْمَة لكم ولكنه (١) أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة" (٢). وخرج الحاكم من حديث معاوية قال: كُنتُ مع النبي ﵌ يومًا، فدخل المسجد، فإذا هو بقوم في المسجد قعود فقال النبي ﵌: ما أقعدكم؟ قالوا: صلَّينا الصلاة المكتوبة، ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ فقال رسول الله ﵌: "إن الله إذا ذَكر شيئًا تعاظم ذكره (٣) ". • وفي المعنى أحاديث أخر متعددة، وقد أخبر النبي ﵌ أن جزاء الذين يجلسون في بيت الله يتدارسون كتاب الله أربعةُ أشياء: * * * [نزول السكينة]: • أحدها: تنزّلُ السكينة عليهم. • وفي الصحيحين، عن البراء بن عازب قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف،

стр. 977

وعنده فرس [مربوط بشطنين] فتغشَّتْهُ سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسهُ ينفِرُ منها، فلما أصبح؛ أتى النبيَّ ﵌ فذكر ذلك له فقال: "تلك السَّكينَة تَنَزَّلَتْ للقرآن" (١). • وفيهما أيضًا، عن أبي سعيد أن أُسَيْدَ بن حُضَير بينما هو ليلةً يقرأ في مِرْبَدِه إذْ جَالتْ فَرَسُه فقرأ ثم جَالت أخرى، فقرأ ثم جالت أيضًا؛ قال (٢) أُسَيْدٌ: فخشيتُ أن تطأ يحيى [يعني ابنه] قال: فقمت إليها فإذا مِثْلُ الظّلة فوقَ رأسي فيها أمثال السُّرُجِ عَرَجت في الجوّ حتى ما أراها قال: فَغَدَا على النبي ﵌ فذكر ذلك له فقال ﷺ : "تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحَتْ يراها الناسُ ما تستتر منهم (٣) ". • واللفظ لمسلم فيهما (٤).

стр. 978

• روى ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن سعد بن مسعود، أن رسول الله ﵌ كان في مجلس، فرفع بصره إلى السماء، ثم طأطأ بصره ثم رفعه، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى، يعني أهلَ مجلسٍ أمامه؛ فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة، فلما دنت منهم، تكلم رجل منهم بباطل؛ فرفعت عنهم (١). وهذا مرسل. [غشيان الرحمة]: • والثاني غشيان الرحمة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). • وخرج الحاكم من حديث سَلْمان: أنه كان في عِصَابةٍ يذكرون الله تعالى فمر بهم رسولُ الله ﵌ فقال: "ما كنتُم تقولون؟ " فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأردْت أن أشارِكَكُمْ فيها" (٣). • وخرج البزار من حديث أنس عن النبي ﵌ قال: "إن لله سيارةً من الملائكة يطلبون حِلَقَ الذكرِ، فإذا أتوا عليهم حفّوا بهم، ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى ربِّ العزة ﵎ فيقولون: ربَّنا! أتينَا على عِبَادٍ من عبادِكَ يُعظّمُون آلاءكَ، ويتْلُونَ كِتابَك، ويُصَلّون على نبيك ﷺ ويسألونَكَ لآخرتهم ودنياهم؟ فيقول الله ﵎: غشّوهُم برحمتي فيقولون: يا رب! (٤) إن فيهما فلانًا الخطاءَ، إنما اعتنقهم اعتناقًا فيقول ﵎: غشّوهم برحمتي [إنهم الجلساء لا يشقى جليسهم] " (٥).

стр. 979

[والملائكة تحف بهم]: • والثالث: أن الملائكة تحف بهم، وهذا مذكور في هذه الأحاديث التي ذكرناها. • وفي حديث أبي هريرة المتقدم: (١) "فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا". • وفي رواية الإمام أحمد: "عَلَا بعضُهم على بعض حتى يبلغوا العرش (٢) ". وقال خالد بن معدان يرفع الحديث: "إن لله ملائكةً في الهواء يَسيحُون بين السماء والأرض يلتمسون الذِّكْرَ فإذا سَمِعُوا قومًا يَذْكرونَ اللهَ تعالى قالوا: رُوَيدًا زَادَكم الله، فَينْشُرُونَ أجنحتَهم حولهم حتى يصعد كلّ منهم إلى العَرْشِ". • خرجه الخلال في كتاب السنة. * * * [ويذكرهم الله فيمن عنده]: • الرابع: أن الله يذكُرُهُمْ فيمَنْ عنده. وفي الصحيحين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حينَ يذْكُرُني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرتُه في ملإٍ خير منهم" (٣).

стр. 980

• وهذه الخصال الأربع لكل مجتمِعينَ على ذكر الله تعالى. • كما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، وأبي سعيد؛ كلاهما: عن النبي ﵌ قال: إن لأهل ذِكرِ الله تعالى أربعًا تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده (١) وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢) وذكر الله تعالى لعبده، هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته، ومباهاته به، وتنويهُه بذكره. • قال الربيعُ بنُ أنس: إن الله ذَاكِرٌ مَنْ ذكره، وزائدٌ من شكره ومعذبٌ من كفره. • قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٣). وصلاةُ الله على عبده هي: ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويهُهُ بذكره؛ كذا قال أبو العالية. ذكره البخاري في صحيحه (٤).

стр. 981

وقال رجل لأبي أمامة: رأيتُ في المنام كَأَنَّ الملائكة تصلي عليكَ كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلستَ؟ فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم صَلَّتْ عليكمُ الملائكة ثم قرأ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١). خرجه الحاكم. * * * [ومن أبطأ به عمله]: • قوله ﵌: "ومَنْ بطَّأَ به عَمَلُه لم يُسْرِعْ به نَسَبُه". معناه: أن العملَ هو الذي يبلغ بالعبد درجاتِ الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٢) فمن أبطأ به عَمَلُه أن يبلغَ به المنازِلَ العاليةَ عند الله لم يُشرِع به نَسَبُهُ؛ فيُبلِغَه تلك الدرجاتِ، فإنَّ الله تعالى رتّبَ الجَزَاءَ على الأعمال، لا على الأنساب كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣). • وقد أمر الله تعالى بالمسَارَعَةِ إلى مَغْفِرتِهِ ورحمتِه بالأعمال كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). • وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٥). • قال ابن مسعود: يأمُر الله بالصراط، فيُضْرَبُ على جهنم، فيمر الناسُ على قدر أعمالهم، زُمَرًا زُمَرًا أوئلهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر المطر، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعيًا، وحتى يمر الرجل مشيًا (٦) حتى يمر آخرهم يَتَلبّطُ على بطنه، فيقول:

стр. 982

يا رب! لم بَطَّأتَ (١) بي؟ فيقول: "إني لم أبطئ بك؛ إنما بطَّأ لك عملُك". * * * [فاشتروا أنفسكم بالإيمان والعمل]: • وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) يا معشر قريش! اشْتَرُوا أنفُسَكم من الله لا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شيْئًا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية (٣) عمة النبي ﵌! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت؛ لا أغني عنك من الله شيئًا (٤). * * * [إن أوليائي منكم المتقون]: • وفي رواية خارج الصحيحين. إن أوليائي منكم المتّقون، لا يأتي (٥) الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم، فتقولون يا محمد! فأقول: قَدْ بَلَّغت". • وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: إن أوليائي المتقون يومَ القيامة وإن كان نسبٌ أقربَ من نسب، يأتى النَّاسُ بالأعمال وتأتُوني بالدُّنيا تحملونها على رقابِكم، تقولون: يا محمد! يا محمد! فأقول هكذا وهكذا وأعرض في كِلَا عِطْفيْهِ (٦).

стр. 983

• وخَرَّجَ البزارُ من حديثِ رفاعةَ بنِ رافع: أن النبيَّ ﵌ قال لعمر: اجْمَعْ لي قومَك، يعني قريشًا، فجمعهم فقال: إن أوليائي منكُم المتَّقُونَ، فإن كنتُم أولئك فذلك، وإلا فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتوني بالأثقال فيُعَرضَ عنكم (١) ". • وخرجه الحاكم مختصرًا وصححه (٢). • وفي المسند، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﵌ لما بعثه إلى اليمن خرج معه يُوصِيهِ، ثم التفت، فأقبل بوجهه إلى المدينة فقال: إن أولى الناس بِيَ المتقون من كانوا وحيث كانوا (٣).

стр. 984

• وخرجه الطبراني وزاد فيه: "إن أهلَ بيتي هؤلاء يَرون أنهم أولى الناس بي وليس كذلك إنَّ أوليائي منكم المتقون مَنْ كانوا وحَيْثُ كانوا" (١). ويشهد لهذا كله ما في الصحيحين، عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﵌ يقول: إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء؛ وإنما وليي الله وصالح المؤمنين (٢). يشير إلى أن ولايته لا تُنال بالنسب وإن قَرُبَ، وإنما تُنَالُ بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكملَ إيمانًا وعملًا؛ فهو أعظم ولايةً له، سواء كان له نسب قريب أو لم يكن. وفي هذا المعنى يقول بعضهم: لعمرك ما الإنسانُ إلا بدينِه … فلا تَتْرُكِ التَّقْوى اتكالًا على النّسَبْ لقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ … وقد وضع الشركُ الشَّقِيَّ (٣) أبا لهبْ * * *

стр. 985

الحديث السابع والثلاثون عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎، قالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيئاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يعْمَلْها كتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وَإِن هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَه حَسنَةً كامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَها اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَة. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [في صَحِيْحَيْهِمَا بِهَذِهِ الحُرُوف. فَانْظُرْ يَا أَخِي وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ إِلَى عَظِيمِ لُطْفِ اللَّهِ تعَالَى وَتَأَمَّلْ هذِهِ الألْفَاظَ. وَقَوْله: "عِنْدَهُ" إِشَارَةٌ إِلَى الاعْتِنَاءِ بِهَا. وَقوْلُهُ: "كامِلَةً" للِتَّأْكِيدِ وَشِدَّةِ الاعْتِنَاءِ بهَا. وَقالَ في السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا ثم تَركَهَا كَتَبَها الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فَأَكدهَا بِكامِلَةٍ وَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبَهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً فَأَكَّدَ تَقْلِيلَهَا بِوَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُؤَكِّدْهَا بِكَامِلَةٍ، فَللَّهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ، سُبْحَانَهُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، وبَاللَّهِ التَّوْفِيقُ]. * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجاه من رواية الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس (١) وفي رواية لمسلم (٢) زيادة في آخر الحديث وهي - "ومحاها الله، ولا يهلكُ على الله إلا هَالكٌ". وفي هذا المعنى أحاديث متعددة.
следующие страницы →