وقال رجل لأبي أمامة: رأيتُ في المنام كَأَنَّ الملائكة تصلي عليكَ كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلستَ؟ فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم صَلَّتْ عليكمُ الملائكة ثم قرأ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١).
خرجه الحاكم.
* * *
[ومن أبطأ به عمله]:
• قوله ﵌: "ومَنْ بطَّأَ به عَمَلُه لم يُسْرِعْ به نَسَبُه".
معناه: أن العملَ هو الذي يبلغ بالعبد درجاتِ الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٢) فمن أبطأ به عَمَلُه أن يبلغَ به المنازِلَ العاليةَ عند الله لم يُشرِع به نَسَبُهُ؛ فيُبلِغَه تلك الدرجاتِ، فإنَّ الله تعالى رتّبَ الجَزَاءَ على الأعمال، لا على الأنساب كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣).
• وقد أمر الله تعالى بالمسَارَعَةِ إلى مَغْفِرتِهِ ورحمتِه بالأعمال كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٥).
• قال ابن مسعود: يأمُر الله بالصراط، فيُضْرَبُ على جهنم، فيمر الناسُ على قدر أعمالهم، زُمَرًا زُمَرًا أوئلهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر المطر، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعيًا، وحتى يمر الرجل مشيًا (٦) حتى يمر آخرهم يَتَلبّطُ على بطنه، فيقول:
стр. 982
يا رب! لم بَطَّأتَ (١) بي؟ فيقول: "إني لم أبطئ بك؛ إنما بطَّأ لك عملُك".
* * *
[فاشتروا أنفسكم بالإيمان والعمل]:
• وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) يا معشر قريش! اشْتَرُوا أنفُسَكم من الله لا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شيْئًا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية (٣) عمة النبي ﵌! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت؛ لا أغني عنك من الله شيئًا (٤).
* * *
[إن أوليائي منكم المتقون]:
• وفي رواية خارج الصحيحين.
إن أوليائي منكم المتّقون، لا يأتي (٥) الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم، فتقولون يا محمد! فأقول: قَدْ بَلَّغت".
• وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: إن أوليائي المتقون يومَ القيامة وإن كان نسبٌ أقربَ من نسب، يأتى النَّاسُ بالأعمال وتأتُوني بالدُّنيا تحملونها على رقابِكم، تقولون: يا محمد! يا محمد! فأقول هكذا وهكذا وأعرض في كِلَا عِطْفيْهِ (٦).
стр. 983
• وخَرَّجَ البزارُ من حديثِ رفاعةَ بنِ رافع: أن النبيَّ ﵌ قال لعمر: اجْمَعْ لي قومَك، يعني قريشًا، فجمعهم فقال: إن أوليائي منكُم المتَّقُونَ، فإن كنتُم أولئك فذلك، وإلا فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتوني بالأثقال فيُعَرضَ عنكم (١) ".
• وخرجه الحاكم مختصرًا وصححه (٢).
• وفي المسند، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﵌ لما بعثه إلى اليمن خرج معه يُوصِيهِ، ثم التفت، فأقبل بوجهه إلى المدينة فقال: إن أولى الناس بِيَ المتقون من كانوا وحيث كانوا (٣).
стр. 984
• وخرجه الطبراني وزاد فيه: "إن أهلَ بيتي هؤلاء يَرون أنهم أولى الناس بي وليس كذلك إنَّ أوليائي منكم المتقون مَنْ كانوا وحَيْثُ كانوا" (١).
ويشهد لهذا كله ما في الصحيحين، عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﵌ يقول: إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء؛ وإنما وليي الله وصالح المؤمنين (٢).
يشير إلى أن ولايته لا تُنال بالنسب وإن قَرُبَ، وإنما تُنَالُ بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكملَ إيمانًا وعملًا؛ فهو أعظم ولايةً له، سواء كان له نسب قريب أو لم يكن.
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
لعمرك ما الإنسانُ إلا بدينِه … فلا تَتْرُكِ التَّقْوى اتكالًا على النّسَبْ
لقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ … وقد وضع الشركُ الشَّقِيَّ (٣) أبا لهبْ
* * *
стр. 985
الحديث السابع والثلاثون
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎، قالَ:
إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيئاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يعْمَلْها كتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وَإِن هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَه حَسنَةً كامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَها اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَة.
رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [في صَحِيْحَيْهِمَا بِهَذِهِ الحُرُوف.
فَانْظُرْ يَا أَخِي وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ إِلَى عَظِيمِ لُطْفِ اللَّهِ تعَالَى وَتَأَمَّلْ هذِهِ الألْفَاظَ.
وَقَوْله: "عِنْدَهُ" إِشَارَةٌ إِلَى الاعْتِنَاءِ بِهَا.
وَقوْلُهُ: "كامِلَةً" للِتَّأْكِيدِ وَشِدَّةِ الاعْتِنَاءِ بهَا.
وَقالَ في السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا ثم تَركَهَا كَتَبَها الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فَأَكدهَا بِكامِلَةٍ وَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبَهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً فَأَكَّدَ تَقْلِيلَهَا بِوَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُؤَكِّدْهَا بِكَامِلَةٍ، فَللَّهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ، سُبْحَانَهُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، وبَاللَّهِ التَّوْفِيقُ].
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجاه من رواية الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس (١) وفي رواية لمسلم (٢) زيادة في آخر الحديث وهي - "ومحاها الله، ولا يهلكُ على الله إلا هَالكٌ".
وفي هذا المعنى أحاديث متعددة.
стр. 986
• فخرجا في الصحيحين من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: يقول الله: "إذا أرادَ عَبْدِي أن يعملَ سيئةً فلا تكتُبُوهَا عليه حتى يعملها، فإن عَملَها؛ فاكْتُبُوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعملَ حَسَنةً فلم يَعْمَلْهَا؛ فَاكْتُبُوها له حَسَنة فإن عملها؛ فاكْتُبُوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف".
وهذا لفظ البخاري (١).
• وفي رواية لمسلم: قال الله تعالى: "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها، فأنا أكتبها له بمثلها".
• وقال رسول الله ﵌: قالت الملائكة: رب! ذاك عبدك يريد أن يعملَ سيئةً وهو أبْصَرُ به قال: ارقبُوه، فإن عَمِلَها؛ فاكتبُوها له بمثلها، وإنْ تركَها فاكتبوها له حسنة، إنما تركَها من جرّائي.
• وقال رسول الله ﵌: إذا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إسْلَامَهُ؛ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلها تُكْتبُ له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكُلُّ سيئةٍ يعملُها تُكْتَبُ بمثلها حتى يلقى الله تعالى (٢).
• وفي الصحيحين عن أبي هريرة (٣)، عن النبي ﵌ قال:
стр. 987
"كل عمل ابن آدم يضاعَف: الحَسَنَةَ عَشْرُ أمثالِها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصيامَ، فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوتَهُ وطَعَامَهُ وشَرَابَهُ مِنْ أجْلي".
وفي رواية لمسلم بعد قوله إلى سبعمائة ضعف: "إلى ما يشاء الله" (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن النبي ﵌ قال: "يقول الله : "من عمل حسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر (٢) ".
• وفيه أيضًا عن أنس، عن النبي ﵌ قال: "مَنْ هَمّ بحسنة فلم يَعْمَلْهَا كُتِبَت له حَسَنة فإِن عَمِلَهَا كُتِبَتْ له عَشْرًا ومَنْ هَمَّ بسيئة فَلَم يَعْمَلْها لم يُكْتَبْ عليه شَيءٌ؛ فإن عَمِلَهَا كُتِبتْ عليه سيئةٌ واحِدةٌ (٣).
• وفي المسندِ عن خريم بن فاتك، عن النبي ﵌: قال " [و] (٤) من هم بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعَرَهَا قلْبَه وحَرَصَ عليها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ومَنْ عَمِلَهَا كُتِبَت له واحدة، ولم تضاعَفْ عليه، ومن عمل حسنة كانت (٥) له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقةً في سبيل الله كانت له بسبعمائة
стр. 988
ضعْفٍ (١) ".
[ماذا تضمنت هذه النصوص؟]:
وفي المعنى أحاديث أخر متعددة فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات والسيئاتِ والهمِّ بالحسنةِ والسيئةِ فهذه أربعَة أنواع:
[الأول مما تضمنته: مضاعفة الحسنات]:
• النوعُ الأوّل: عَمَلُ الحسنات فتضاعَفُ الحسنة بعشْرِ أَمثالها إلى سبعمِائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة.
فمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات، وقد دل عليه قوله تعالى - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٢).
وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له فدل عليه قوله تعالى:
стр. 989
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف.
• وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: جاء رَجُلٌ بناقةٍ مَخْطُومَةٍ فقال: يا رسول الله! هذه في سبيل الله. فقال: "لك بها يومَ القيامة سَبْعُمَائةِ ناقة" (٢).
• وفي المسند بإسناد فيه نظر عن أبي عُبيدة بنِ الجرَّاح ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أنفَقَ نفقَةً فاضلة في سبيل الله فَبسبعِمائةٍ، ومَنْ أنْفَقَ عَلَى نفسِه وأَهْلِه (٣) أو عاد مريضًا أو ماز (٤) أذى، فالحسنة بعشر أمثالها (٥) ".
стр. 990
• وخَرَّجَ أبو داود من حديث سَهْل بنِ مُعَاذ، عن النبي ﵌ قال: "إن الصَّلَاةَ والصِّيَامَ والذّكْرَ يُضَاعفُ على النفقة في سبيل الله بسبعمائة (١) ضعف".
• وروى ابن أبي حاتم بإسناده (٢) عن الحسن، عن عِمْرَانَ بن حُصَين (٣) عن النبي ﵌ قال: "من أرسل نفقةً في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعُمائة درهم، ومَنْ غزا بنفسه في سبيل الله، فله بكل دِرْهَم سَبعُمِائة ألف درهم" ثم تلا هذه الآية - ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).
• وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لما نزلت هذه الآية - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: قال رسول الله ﵌: "ربِّ! زِدْ أُمّتي" فأنزلَ الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فقال: رب! زد أمتي، فأنزل الله تعالى - ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥).
• وخرّج الإمامُ أحمد من حديث علي بن زيد بن جُدْعَانَ، عن أبي عثمان النّهديِّ، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: "إنَّ الله ليُضاعِفُ الحسنةَ أَلفي أَلْفِ حَسَنَةً".
стр. 991
• ثم تلا أبو هريرة - ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
• وقال: "إذا قال الله أَجْرًا عظيمًا؛ فمن يقدُرُه قَدْرَه؟ ".
• وروي عن أبي هريرة موقوفًا.
• وخرج الترمذي من حديث ابن عمر (٢) مرفوعًا (٣) مَنْ دَخَل السُّوقَ فقال: لا إله إلا الله وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت [وهو حي لا يموت] بيده الخَيْرُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قدير كتَب الله له أَلْفَ ألفِ حسنَةً، ومَحَا عَنْهُ ألفَ ألفِ سيئة ورَفَعَ له ألفَ ألفِ درجة (٤).
• ومن حَدِيثِ تَمِيم الدَّاريِّ مرفوعًا: "من (٥) قال: أشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا لم يتّخِذْ صاحِبة ولا ولدًا، ولم يكن له كُفُوًا أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كتبَ الله له أربعين ألفَ ألفِ حسَنَةً".
وفي كلا الإسنادين ضعف.
• وخرج الطبراني بإسناد ضعيف أيضًا، عن ابن عمر مرفوعًا.
"مَنْ قال: سُبْحانَ الله! كَتَبَ الله له مائة ألفِ حَسَنة وأربعة وعشرين ألف حسنة" (٦).
• وقوله في حديث أبي هريرة: "إلا الصيامَ؛ فإنه لي وأنا أجزي به" (٧).
стр. 992
يدل على أن الصِّيَامَ لا يعلم قدر مضاعفة ثوابه؛ إلا الله تعالى؛ لأنه أفضل أنواع الصبر، وإنما يوفى الصابرون أجْرَهُمْ بغَيْرِ حِسَابٍ.
• وقد رُوي هذا المعنى عن طائفة من السلف منهم كعب وغيره.
• وقد ذكرنا فيما سبق في شرح حديث "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه (١) " أن مضاعفة الحسنات زيادةً على العَشْر تكون بحسب حُسْنِ الإسلام كما جاء ذلك مُصَرَّحًا به في حديث أبي هريرة وغيره (٢) ويكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسبِ فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسَب الحاجة إليه.
• وذكرنا من حديث ابن عمر أن قوله:- ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٣).
نزلت في الأعراب وأن قوله ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤) نزلت في المهاجرين.
* * *
[النوع الثاني عمل السيئات]:
• النوع الثاني: عمل السيئات، فتكتَب السيئة بمثلها من غيرِ مضَاعفة، كما قال الله تعالى: - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٥).
• وقوله: "كُتِبت له سيئةً واحدة" إشارة إلى أنها غيرُ مَضَاعَفَةٍ.
• كما صرح في حديث آخر (٦) لكنَّ السّيئة تَعْظُمُ أحيانًا بشرف الزمان أو المكان كما قال تعالى: - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٧).
• قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية:
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في كلهنّ ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهنّ حُرُمًا وعظّم حُرُماتِهِنَّ وجعَلَ الذنبَ فيهنّ أعظمَ والعملَ الصالحَ والأجر أعظم (٨).
стр. 993
وقال قتادة في هذه الآية: - "اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلم في كل حال غير طائل ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما يشاء تعالى ربنا (١) ".
• وقد روى في حديثين مرفوعين أن السّيئاتِ تُضاعَف في رمضان ولكنّ إسْنَادَهُمَا لا يصح.
• وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢).
• قال ابنُ عمر: الفسوق: ما أصيبَ من معاصي الله صيدًا كان أو غَيْرَهُ.
• وعَنْهُ قال: الفُسُوقُ إتيانُ مَعاصِي الله في الحَرَمِ.
• وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) وكان جماعة من الصحابة يتَّقُون سُكْنَى الحرم؛ خشيةَ أرتكابِ الذنوب فيه.
• منهم ابنُ عباسٍ، وعبدُ الله بن عمرو بنِ العاص.
وكذلك كان عمر بنُ عبد العزيز يفعل.
وكان عبدُ الله بن عَمْرِو بن العاص يقول: "الخطيئة فيه أعظم".
• وروى عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لأن أُخْطِئَ سَبْعينَ خطيئةً يعني بغير مكة: أَحبُّ إليَّ مِنْ أَن أُخطئ خطيئةً واحدةً بمكة.
• وعن مجاهد قال: تُضاعَفُ السيئاتُ بمكةَ كما تضاعفُ الحسنات.
• وقال ابنُ جريح: "بلغني أن الخطيئة بمكة بمائةِ خطيئة والحسنَةُ على نحو ذلك.
• وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد في شيء من الحديث: "إن السيئةَ تُكْتَبُ
стр. 994
بأكثَرَ مِنْ واحدة؟.
قال: لا؛ ما سمعنا إلا بمكة. لتعظيم البلد، ولو أن رجالًا بِعَدَنِ أَبْيَنَ همّ (١).
وقال إسحاق بن راهويه: كما قال أحمد.
وقوله: "لو أنّ رَجُلًا بعدن أبين همّ .. " هو من قول ابن مسعود، وسنذكره فيما بعد (٢) إن شاء الله تعالى، وقد تُضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته بالله وقُرْبِهِ منه فإن مَنْ عَصَى السلطان على بساطه أعظمُ جُرْمًا ممن عصاه على بُعْدٍ.
• ولهذا توعَّدَ الله خاصة عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء وإن كان قد عصمهم منها، ليبين لهم فضلَه عليهم، بعصمتهم من ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ (٣).
• وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).
• وكان علي بن الحسين يتأوّلُ في آل النبي ﵌ من بني هاشم. مثل ذلك (٥) لقربهم من النبي ﵌.
* * *
[النوع الثالث: الهم بالحسنات]:
• النوع الثالث: الهمُّ بالحسنات، فتُكَتَبُ حَسَنَةً كاملةً وإن لم يعملها كما في حديث ابن عباس وغيره.
• وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم كما تقدم (٦) إذا تحدّث عبدي بأن يعملَ حسنة؛ فأنا أكتبها له حسنة.
والظاهر أن المراد بالتحدّث حديثُ النفس وهو الهمّ.
стр. 995
• وفي حديث خُرَيم بن فاتك: "مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحَرَصَ عليها كتبت له حسنة" (١).
وهذا يدل على أن المراد بالهمّ هنا هو العزم المصمِّم الذي يوجد معه الحرصُ على العمل، لا مجرد الخطْرة التي تَخْطُر ثم تَنْفَسِخ من غير عزم ولا تصميم.
• قال أبو الدرداء: "من أتى فِرَاشَهُ وهو ينوي أن يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كُتِبَ له ما نَوَى".
• وروي عنه مرفوعًا وخرجه ابن ماجه مرفوعًا (٢).
• قال الدارقطني: المحفوظ الموقوف.
• وروي معناه من حديث عائشة عن النبي ﵌ (٣).
• وروي عن سعيد بن المسيب قال: من هَمَّ بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزو فحيل بينه وبين ذلك بلغه الله تعالى ما نوى.
• وقال أبو عمران الجوني: ينادَى الملك! اكتب لفلان كذا وكذا؛ فيقول: يا رب! إِنه لم يعمله، فيقول الله: إنه نواه.
• وقال زيد بن أسلم: كان رجلٌ يطوف على العلماء يقول: من يدلني على عمل لا أزال منه لله عاملًا؛ فإني لا أحبُّ أن يأتي علَيَّ ساعة من الليل والنهار؛ إلا وأنا عاملٌ لله تعالى؟ فقيل له: وقد وجدت حاجتك؛ فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فَتَرْتَ أو تركْتَ فهُمَّ بعمله، فإنَّ الهامَّ بعمل الخير كفاعله.
ومتى اقترن بالنية قولٌ أو سعيٌ تأكد الجزاء والتَحَقَ صاحِبُه بالعامل.
• كما رَوى أبو كبشة، عن النبي ﵌ قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتّقي فيه ربّه، ويصلُ فيه رَحِمَهُ، ويعلم لله فيه
стр. 996
حقًّا، فهذا بأفضَلِ المنَازِلِ.
وعَبْدٌ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا؛ فهو صادِقُ النية، فيقول: لو أنّ لي مالًا لعملتُ بعمل فلانٍ؛ فهو بنيته (١) فأجرهما سواء.
وعبدٌ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا [فهو يخبطُ] في ماله بِغَيْرِ عِلْمٍ لا يتَّقي فيه رَبَّهُ، ولا يصلُ فيه رَحِمَهُ، ولا يعلم لله فيه حقًّا؛ فهذا بأخبثِ المنازل.
وعبدٌ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا؛ فهو يقول: لو أن لي مالًا؛ لعملتُ فيه بعمل فلان؛ فهو بنيته (٢) فِوْزرُهُمَا سواء".
• خرجه الإمام أحمدُ والترمذيُّ، وهذا لفظه، وابنُ ماجه (٣) وقد حُمِلَ قولُه: "وهما في الأجر سواء" على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مُضاعفته، فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل، دون من نواه ولم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه لكُتب لمن همّ بحسنة ولم يعملها عشْرُ حسنات، وهو خلاف النصوص كلها؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ (٤) قال ابن عباس وغيره: "القاعدون المفضّلُ عليهم المجاهدُون درجة هم القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدونَ من غير أهل الأعذار" (٥).
* * *
[النوع الرابع: الهم بالسيئات]:
• النوع الرابع: الهمُّ بالسيئات من غير عمل لها ففي حديث ابن عباس أنها تُكْتب
стр. 997
له حسنة كاملة وكذلك في حديث أبي هريرة، وأنس وغيرهما أنها تُكْتَبُ حسنة وفي حديث أبي هريرة قال: إنما تركها من جرائي، يعني من أجلي.
• وهذا يدل على أن المراد مَنْ قَدَر على ما همَّ به من المعصية فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة، لأن تركه للمعصية بهذا القصد عملٌ صالح.
• فأما إن همَّ بمعصيةٍ ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو مراعاة لهم، فقد قيل إنه يعاقبُ على تركها بهذه النية؛ لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرّم.
• وكذلك قصدُ الرياء للمخلوقين محرّم فإذا اقترن به تركُ المعصية لأجله عُوقب على هذا الترك.
• وقد خرج أبو نعيم بإسناد (١) ضعيفٍ عن ابن عباس قال: يا صاحبَ الذنب! لا تأمننَّ (٢) سوء عاقبته وَلَمَا يتبعُ الذنبَ أَعْظَمُ من الذنب إذا عملته، فذكر كلامًا وقال: وخَوْفُكَ من الريح إذا حَرَّكَتْ ستْرَ بابك، وأنتَ على الذنب، ولا يضطربُ فؤادُك من نظر الله إليك أعظمُ من الذنب إذا عملته (٣).
• وقال الفضيل بن عياض: كانوا يقولون تركُ العمل للناس رياءٌ والعملُ لهم (٤) شِرْكٌ.
• وأما إن سَعَى في حُصُولِهَا بما أمكنَهُ ثم حالَ بينَهُ وبَيْنَهَا القَدَرُ فقد ذَكَر جماعةٌ أنه يُعَاقَبُ عَلَيْهَا حينئذ، لقول النبي ﵌: "إن الله تَجَاوز لأمتي عما حدّثَتْ به أنفسَها ما لم تَتَكَلّم به أو تَعمل (٥).
стр. 998
ومَنْ سَعَى في حصول المعصيةِ جهْدَهُ ثم عجز عنها فقد عمل (١) وكذلك قول النبي ﵌: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل (٢) فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حَريصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِه (٣) ".
стр. 999
• وقوله "ما لم تكلَّمْ به أو تعمل".
• يدل على أن الهامَّ بالمعصية إذا تكلم بما همّ به بلسانه؛ فإنه يعاقب على الهمّ حينئذ؛ لأنه قد عَمِلَ بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه (١).
• ويدل على ذلك حديث الذي قال: "لو أن لي مالًا لعملت فيه ما عمل فلان". يعني الذي يعصي الله في ماله قالَ: "فَهُمَا في الوِزْرِ سَوَاءٌ" (٢).
• ومن المتأخرين من قال: لا يعاقبُ على التكلم بما همَّ به ما لم تكن المعصية التي همَّ بها قولًا محرَّمًا كالقذف والغِيبةِ والكذبِ؛ فأما ما كان مُتَعلَّقُها العمل بالجوارح؛ فلا يأثم بمجرد التّكَلم بما (٣) همَّ به.
وهذا قد يستدل له بحديث (٤) أبي هريرة المتقدّم: "وإذا تحدث بأن يعمل (٥) سيئة فأنا أغفرها لهُ، ما لم يعملها (٦) ".
• ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس جمعًا بينه وبين قوله: ما لم تكلم به أو تَعْمل (٧).
وحديث أبي كبشة يدلّ على ذلك صريحًا؛ فإن قول القائل بلسانه: "لو أن لي مالًا لعملتُ فيه بالمعاصي كما عمل فلان" ليس هو العمل بالمعصية التي همّ بها، وإنما أَخْبَرَ عما همّ به فقط، مما متعلَّقُه إنفاقُ المال في المعاصي، وليس له مَالٌ بالكلية.
وأيضًا فالكلامُ بذلك محرم، فكيف يكون معفوًّا عنه، غَيْرَ مُعَاقَبٍ عليه؟.
* * *
[ماذا إذا انفسخت نيته وفَترت عزيمته؟]:
وأما إن انفسخَتْ نِيتُه وفَتَرتْ عزيمتُه من غير سبب منه؛ فهل يعاقَبُ على ما هم به من المعصية أم لا؟ هذا على قسمين:
[الخواطر]:
• أحدهما: أن يكون الهمُّ بالمعصية خاطرًا خَطَر، ولم يساكنه صاحبه، ولم يعقد
стр. 1000
قلبه عليه، بل كرهه ونفِر منه فهذا معفوّ عنه، وهو كالوساوس الرديئة التي سئل النبي ﵌ عنها فقال: "ذاك صريحُ الإيمان" (١).
• ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) - شق ذلك على المسلمين وظنوا دُخولَ هذه الخواطر فيه؛ فنزلت الآية التي بعدها وفيها قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٣) فبينت أن ما لا طاقة لهم به؛ فهو غيرُ مؤاخَذٍ به ولا مكلّفٍ به.
وقد سَمَّى ابنُ عباس وغيرهُ ذلك نَسْخًا.
ومرادُهم أن هذه الآية أزالت الإبهامَ الواقع في النفوس من الآية الأولى.
• وبينت أن المراد بالآية الأولى: العزائم المصمَّمُ عليها.
ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخًا.
[العزائم]:
• القسم الثاني: العزائم المصَمَّمة التي تقع في النفوس، وتدوم، ويساكنها صاحبها.
[وهي نوعان: الأول]:
• فهذا أيضًا نوعان: أحدهما: ما كان عملًا مستقلًا بنفسه من أعمال القلوب كالشكِّ في الواحدانية أو النبوَّةِ أو البعث، أو غير ذلك من أصول (٤) الكفر والنفاق (٥) أو اعتقاد تكذيب ذلك فهذا كله يعاقَبُ عليه العبدُ ويصير بذلك كافرًا ومنافقًا.
• وقد روي عن ابن عباس: أنه حمل قوله تعالى: - ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٦) على مثل هذا.
• وروي عنه حَمْلُها على كتمان الشهادة كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٧).
стр. 1001
• ويلحق بهذا القسم سائر المعاصي المتعلقة بالقلوب كمحبة ما يُبْغِضُه الله، وبُغْضِ ما يحبُّه الله، والكبر والعُجْبِ، والحسَد، وسوءِ الظَّنِّ بالمسلم من غير موجب، مع أنه قد رُوي عن سفيان أنه قال في سوء الظن: إذا لم يترتبْ علَيْهِ قولٌ أو فعلٌ؛ فهو معفّو عنه.
• وكذلك رُوي عن الحسن أنه قال في الحسد.
ولعل هذا محمولٌ من قولهما على ما يجده الإنسان ولا يمكنه دفعه؛ فهو يكرهه، ويدفعه عن نفسه ولا (١) يندفِعُ (٢) لا على ما يساكنه ويستروح إليه، ويعيد حديث نفسه به ويُبْديه.
[النوع الثاني وأقوال العلماء فيه]:
• والنوع الثاني: ما لم يكن من أعمال القلوب، بل كان من أعمالِ الجوارح كالزنا، والسرقة وشرب الخمر، والقتل، والقذف، ونحو ذلك إذا أصر العبد على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يظهر له أثر في الخارج أصلًا فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء.
• أحدهما يؤاخذ (٣) به.
• قال ابن المبارك: سألتُ سفيانَ الثَّوْرِيَّ: أيؤاخذ العَبْدُ بِالْهَمَّة؟ فقال: إذا كانَتْ عَزْمًا أُوخذ بها (٤).
• ورجح هذا القول كثيرٌ من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم، واستدلوا له بنحو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٦) وبنحو قول النبي ﵌: "الإثم ما حاكَ في صَدْرِك وكرهتَ أن يَطّلعَ عليه النَّاسُ" (٧).
وحملوا قوله ﷺ : "إن الله تجاوزَ لأمتي عمَّا حدَّثَتْ به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعْمَلْ" (٨) على الخطرات.
• وقالوا: ما ساكنه العبد، وعقد قلبه عليه؛ فهو مِنْ كسبه (٩) وعمله؛ فلا يكون
стр. 1002
معفوًّا عنه.
ومن هؤلاء مَنْ قال: إنه يعاقبُ عليه في الدنيا بالهموم والغموم.
• وروى ذلك عن عائشة موقوفًا ومرفوعًا (١) وفي صحته نظر.
• وقيل بل يحاسب العبد به يوم القيامة يقفه الله عليه، ثم يعفو عنه، ولا يعاقبه به فتكون عقوبته المحاسبة.
وهذا مروي عن ابن عباس، والربيع بن أنَس، وهو اختيار ابن جرير (٢).
• واحتج له بحديث ابن عمر في النجوى (٣) "وذاك" ليس فيه عموم.
وأيضًا فإنه وارد في الذنوب المستورة في الدنيا لا في وساوس الصدور.
• والقول الثاني: لا يؤاخذ بمجرد النية مطلقًا.
ونسب ذلك إلى نص الشافعي، وهو قولُ ابنِ حامد، من أَصْحَابنَا عملًا بالعمومات.
• وروى العوفي عن ابن عباس: ما يدل على مثل هذا القول.
* * *
• وفيه قول ثالث: أنه لا يؤاخذ بالهمّ بالمعصية؛ إلا بأن يهمَّ بارتكابها في الحرم كما روى السدي، عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود، قال: "ما مِنْ عبدٍ يَهمُّ بخطيئة فلم يعملها فتكتبَ عليه، ولو همّ بقتل الإنسان عند البيت، وهو بعدنِ أبْينَ أذاقه الله من عذاب أليم وقرأ عبد الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤) خرجه الإمام أحمد وغيره (٥).
стр. 1003
• وقد رواه عن السدي شعبة، وسفيان، فرفعه شعبة، ووقفه سفيان، والقول قولُ سفيان في وقفه (١).
• قال الضحاك: إن الرجلَ لَيَهُمُّ بالخطيئة بمكة وهو بأرضٍ أُخْرَى فتكتب عليه ولم يعملها.
وقد تقدم عن أحمد وإسْحاقَ ما يدل على مثل هذا القول.
وكذا حكاه القاضي أبو يعلى؛ عن أحمد.
• وروى أحمد في رواية المروزي حديث ابن مسعود هذا.
• ثم قال أحمد: يقول: - من يُرِدْ فيه بإلحادٍ (٢) قال أحمد: لو أن رجلًا بعدَنِ أَبْينَ (٣)
стр. 1004
همّ بقتل رَجُلٍ في الحرم هذا قول الله تعالى: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هكذا قال ابن مسعود ﵀.
• وقد رد بعضهم هذا إلى ما تقدَّم من المعاصي التي مُتَعَلَّقُها القَلْبُ وقال: الحرمُ يجب احترامه وتحريمه (١) وتعظيمه بالقلوب.
فالعقوبة على ترك هذا الواجب.
وهذا لا يصحّ؛ فإن حُرْمَةَ الحرم ليست بأعظمَ من حُرْمَة محرِّمِهِ والعزْمُ على معصية الله عزمٌ على انتهاك محارِمه، ولكن لو عزم على ذلك قصدًا لانتهاك (٢)، حُرْمة الحرم، واستخفافًا بحرمته؛ فهذا كما لو عَزَمَ على فعل معصية بقصد (٣) الاستخفاف بحرمة الخالق تعالى؛ فيكفرُ بذلك.
وإنما ينتفى الكفرُ عنه إذا كان هَمُّهُ بالمعصية بمجرد نَيْل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهوله عن قصد مخالفة الله، والاستخفافِ بهيبته، وبنظره.
ومتى اقترن العملُ بالهمّ فإنه يعاقبُ عليه، سواءٌ كان الفعل متأخِّرًا أو متقدِّمًا.
فمن فعل محرمًا مرة ثم عزم على فعله متى قدر عليه فهو مُصِرٌّ على المعصية، ومعاقَبٌ على هذه النية، وإن لم يَعُدْ إلى عمله إلا بعد سنين عديدة.
• وبذلك فسر ابنُ المبارك وغيره الإصرارَ على المعصية.
وبكل حال، فالمعصية إنما تُكْتَبُ بمثلها من غير مضاعفةٍ فتكون العُقُوبَة على المعصية، ولا ينضم إليها الهمُّ بها إذ لو ضُمَّ إلى المعصية الهمُّ بها لعُوقِبَ على عمل المعصية عقوبتين، ولا يقال: فهذا يلزم مثلُه في عمل الحسنة فإنه (٤) إذا عملها بعد الهمّ بها أثيبَ على الحسنة، دون الهمّ بها، لأنا نقول: هذا ممنوعٌ فإنّ مَنْ عَمِلَ حَسنة كُتبت له عشر أمثالها، فيجوز أن يكون بعض هذه الأمثال جزاء للهمّ بالحسنة والله أعلم.
• وقوله في حديث أبن عباس في رواية مسلم: "أو محاها الله (٥) " يعني أن عملَ السيئة إما أن تُكْتَبَ لعاملها سيئةً واحدة، أو يَمْحُوَهَا الله بما شاء من الأسباب كالتوبة، والاستغفار، وعملِ الحسنات.
стр. 1005
• وقد سبق الكلام على ما يمحى (١) به السيئات في شرح حديث أبي ذرّ "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تَمْحُهَا".
* * *
[ولا يهلك على الله إلا هالك؟]:
وقوله بعد ذلك "ولا يَهْلِكُ على الله إلا هالِكٌ".
يعني بعد هذا الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات، والتجاوزِ عن السيئات لا يهلك على الله إلا مَنْ هلك، وألقى بيديه (٢) إلى التَّهلُكَةِ، وتَجرَّأ على السيئات، ورغب عن الحسنات، وأَعرضَ عنها.
• ولهذا قال ابنُ مسعود: ويل لمن غَلَبَ وُحْدَانُهُ عشراتِهِ (٣).
• وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس مرفوعًا: هلك من غلب واحده عشرًا (٤).
• وخرج الإمام أحمد (٥) ...................................
стр. 1006
وأبو داود (١) والنسائي (٢) والترمذي (٣) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال
стр. 1007
رسول الله ﵌: "خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يَسيرٌ ومَنْ يعملُ بهما قليل يسبح الله في (١) دبر كل صلاة عشرًا ويحمده عشرًا ويكبره عشرًا قال: دذلك خمسون ومائةً باللسان، وألفٌ وخمسمائة في الميزان وإذا (٢) أخذت مضْجَعَكَ تسَبّحه وتكبّره، وتَحْمَدُهُ مائةً، فتلك مائةٌ باللسان، وألفٌ في الميزان، فأيّكُم يعملُ في اليوم والليلةِ ألفين وخَمْسَمائة سيئة؟ ".
• وفي المسند عن أبي الدرداء عن النبي ﵌ قال: لا يدعْ أحَدٌ منكم (٣) أن يعملَ لله ألفَ حسنةٍ حين يُصبح، يقول: سبحان الله وبحمده مائة مرّة، فإِنها ألفُ حسنةٍ؛ فإنه لن يَعْمَلَ إن شاءَ الله تعالى مثلَ ذلك في يَوْمهِ منَ الذنوبِ، وَيكون ما عملَ من خيرٍ سوى ذلك وافرًا" (٤).
* * *
стр. 1008
الحديث الثامن والثلاثون
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ :
"إِنَّ اللهَ تَعَالَى قالَ: مَنْ عادَى لي وَليًّا فَقَد آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ، حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بهِ، وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ التِي يَمْشِي بِهَا؛ وإنْ سَأَلَنِي لأُعْطيَنَّهُ، وَلَئِن اسْتَعَاذَ بي لأُعِيذَنَّهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري من دون بقية أصحاب الكتب.
خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة (١) قال: حدثنا خالد بن مخلد قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﵌.
فذكر الحديث بطوله (٢).
стр. 1009
• وزاد في آخره "وما تَردَّدْتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن: يكره الموت وأنا أكره مَسَاءته".
وهو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة، عن خالد وليس هو في مسند أحمد، مع أن خالد بن مَخْلد القَطَواني تكلّم فيه الإمام أحمد وغيره وقالوا: له مناكير (١) وعطاء الذي في إسناده قيل: إنه ابن أبي رباح، وقيل: إنه ابن يسار؛ وأنه وقع
في بعض نسخ الصحيح منسوبًا كذلك (١).
• وقد روي هذا الحديث من وجوه أخر، لا تخلو كلها عن مقال.
فرواه عبدُ الواحد بن ميمون أبو حمزة مولى عروة بن الزبير، عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: [قال الله ] من آذى لي وليًّا فقد استحَلّ مُحَاربتي، وما تَقرّب إليّ عَبْدِي بمثل أداء فرائضي، وإنّ عَبْدي ليتقرّب إليَّ بالنوافلِ حتَّى أحِبَّهُ فإذا أَحْبَبْتُه كنتُ عينَه التي يُبْصرُ بها، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها وفؤادَهُ الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به، وإن دعاني أجَبْتُهُ، وإنْ سألني أعطيتُه وما ترددْتُ في شيء أنا فاعله تَردُّدِي عن موته، وذلك أنه يكره الموتَ وأنا أكرهُ مَسَاءَتَهُ.
• خرجه ابن أبي الدنيا وغيره.
• وخرجه الإمام أحمد بمعناه (٢).
стр. 1015
• وذكر ابن عديّ أنه تفرد به عبد الواحد هذا عن عروة (١).
• وعبد الواحد هذا - قال فيه البخاري: منكرُ الحديث (٢) ولكن خرجه الطبراني، حدثنا هارون بن كامل قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم: قال: حدثنا إبراهيم بن سويد المدني قال: حدثنا أبو حَزْرةَ: يعقوبُ بنُ مجاهد قال: أخبرني عروة، عن عائشة، عن النبي ﵌ فذكره.
وهذا إسناد (٣) جيد، ورواته (٤) كلهم ثقات مخرّج لهم في الصحيح (٥) سوى شيخ الطبراني؛ فإنه لا يحضرني الآن معرفةُ حاله.
стр. 1016
ولعل الراوي قال: حدثنا أبو حمزة؛ يعني عبد الواحد (١) بن ميمون؛ فخيل للسامع أنه قال أبو حَزْرَةُ ثم سماه من عنده بناء على وهمه (٢) والله أعلم.
стр. 1017
وخرج الطبراني وغيره من رواية عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﵌ قال: يقول الله تعالى: "منْ أهان لي وليًّا؛ فقد بارزني بالمحاربة، ابن آدم! إنك لن تُدْرك ما عندي؛ إلا بأداءِ ما افترضْتُ عليك، ولا يزال عبْدي يتحبب (١) إليَّ بالنوافل حتى أحبّه، فأكون قلبَه الذي يعقل به، ولسانَه الذي ينطق به، وبصرَهُ الذي يُبْصِرُ به، فإذا دَعَاني أَجَبْتُهُ، وإذا سألني أعطيته، وإذا استنصَرَنِي نَصَرْتُهُ، وأَحَبُّ عبادة عبدي إليّ النصيحة".
عثمان وعلي بن يزيد: ضعيفان (٢).
وقال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: هو منكر جدًّا.
وقد روي من حديث عليّ، عن النبي ﵌ بإسناد (٣) ضعيف.
خرجه الإسماعيلي في مسند علي.
وروي من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف (٤).
وخرجه الطبراني وفيه زيادات في لفظه.
ورويناه من وجه آخر عن ابن عباس وهو: ضعيف أيضًا.
وخرجه الطبراني وغيره من حديث الحسن بن يحيى الخُشَني، عن صدقة بن عبد الله الدمشقي، عن هشام الكناني، عن أنس، عن النبي ﵌، عن جبريل عن ربه تعالى قال:
стр. 1018
من أهان لي وليًّا فقد بَارَزَني بالمحاربة، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله ما تردَّدْتُ في قبض نفسِ عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه، وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابا من العبادة فأكفُّه عنه لا يدخله عجب؛ فيفسده ذلك، وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتنفَّل حتى أُحِبَّهُ، ومن أحببتُه كنتُ له سَمْعًا، وبَصَرًا، ويدًا، ومؤيدًا، دعاني؛ فأجبته، وسألني؛ فأعطيته، ونصح لي، فنصحت له، وإن من عبادي من لا يُصْلِحُ إيمانَهُ؛ إلا الغني ولو أفقرتُه، لأفْسَدَهُ ذلك، وإنّ من عبادي من لا يُصْلِحُ إيمانَهُ؛ إلا الفقر، وإن بَسَطتُ له؛ لأفسَدَه ذلك، وإِنّ مِن عبَادي مَنْ لا يُصْلِحُ إيمانه، إلا الصّحة، ولو أسْقمتُه لأفسَدَه ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه؛ إلا السقم، ولو أصححتُه؛ لأفسدَة ذلك؛ إني أدبّر عِبَادي بعلمي بما في قلوبهم إني عليمٌ خَبِيرٌ.
والخشني، وصدقة: ضعيفان، وهشام لا يُعرَف (١).
وسئل ابنُ معين عن هشام هذا: مَنْ هو؟ قال: لا أَحَدَ.
يعني أنه لا يعتبر به.
وقد خرج البزَارُ بعضَ الحديث من طريق صدقة عن عبد الكريم الجزري، عن أنس.
وخرج الطبراني من حديث الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة حدثني زر بن حُبَيْش، سمعت حُذَيفة يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى أَوْحَى إليَّ يا أخا المرسلين! ويا أخا المنذرين! أنذر قومك أن لا يدخلوا بيتًا من بيوتي ولأحدٍ عِنْدهم مظلمة؛ فإني أَلْعنُه ما دامَ قائمًا بين يدي يصلي حتى يرد تلك الظلّامةَ على أهلها، فأكونَ سمعَه الذي يسمع به، وأكونَ بصرَه الذي يبصِرُ به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكونَ جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة".
وهذا إسناد جيد، وهو غريب جدًّا (٢) ".
стр. 1019
[عود إلى شرح الحديث]:
ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري.
وقد قيل: إنه أشرف حديث روي في ذكر الأولياء (١).
[من عادى لي وليًّا]:
قوله تعالى: "من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب" يعني: فقدْ أعلمتُه بأني مُحارِبٌ له؛ حيث كان محارِبًا لي بمعاداته أوليائي.
ولهذا جاء في حديث عائشة: "فقد استحل محاربتي" وفي حديث أبي أمامة وغيره: "فقد بارزني بالمحاربة".
وخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف عن معاذ بن جبل، سمع النبي ﵌ يقول: "إن يَسيرَ الرياء شِرْكٌ، وإنّ مَنْ عَادَى لله وليًّا فقد بارزَ اللهَ بالمحارَبة، وإنّ اللهَ تعالى يُحِبُّ الأبرارَ الأتْقِيَاءَ الأخْفِياءَ الذين إذا غابوا لم يُفْتَقَدُوا، وإنْ (٢) حَضَرُوا لم
стр. 1020
يُدْعَوْا، ولم يُعْرَفُوا، [قلوبهم] (١) مصَابيحُ الهدَى، يخرجون من كل غَبْرَاءَ مُظْلِمة" (٢).
فأولياء الله تجبُ موالاتهم، وتحرمُ معاداتُهم؛ كما أن أعداءَه تجب معاداتهم، وتَحْرُمُ مُوَالَاتُهُمُ.
قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤).
ووصف أحبّاءَهُ الذين يحبّهم ويُحِبُّونَهُ بأنَّهُمْ أَذِلَّةٌ علَى المؤمنينَ، أعِزّةٌ علَى الكَافِرِين (٥).
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده، عن وهب بن منبه، قال: إن الله تعالى قال لموسى ﵇ حين كلَّمه: "اعلم أنه مَنْ أهانَ لي وليًّا أو أخافه؛ فقد بارزني بالمحارَبة، وبَادأَني وعَرَّضَ نفسه، ودَعَاني إليها وأَنا أسرعُ شيءٍ إليَّ نُصْرَة أوليائي. أفيظُن الذي يحاربني أن يقوم لي؟ أو يظن الذي يعازّني أن يُعْجزَني؟ أَم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة؟ فلا أكِلُ نُصْرَتَهُمْ إلى غَيْري؟ " (٦).