← Акыда

Акыда · id 10458

القول السديد شرح كتاب التوحيد ط الوزارة

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (218 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

[باب قول الله تعالى فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا] فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب. وعن ابن عباس - في معنى الآية-: قال: لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة لتطيعانني أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله فأبيا أن

стр. 177

يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم. وله بسند صحيح عن قتادة، قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته. وله بسند صحيح عن مجاهد، في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: أشفقا أن لا يكون إنسانا. وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. فيه مسائل: الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله. الثانية: تفسير الآية. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها. الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم. الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة. باب قول الله تعالى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ مقصود الترجمة أن من أنعم الله عليهم بالأولاد، وكمل الله لهم النعمة بهم بأن جعلهم صالحين في أبدانهم، وتمام ذلك أن يصلحوا في دينهم، فعليهم أن يشكروا الله على إنعامه وأن لا يعبدوا أولادهم لغير الله، أو يضيفوا النعم لغير الله، فإن ذلك كفران للنعم مناف للتوحيد.

стр. 178

[باب قول الله تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ] ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ يشركون. وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز. وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها.

стр. 179

فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها حسنى. الثالثة: الأمر بدعائه بها. الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين.

стр. 180

الخامسة: تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد. باب قول الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أصل التوحيد إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله من الأسماء الحسنى، ومعرفة ما احتوت عليه من المعاني الجليلة، والمعارف الجميلة، والتعبد لله بها ودعاؤه بها. فكل مطلب يطلبه العبد من ربه من أمور دينه ودنياه. فليتوسل إليه باسم مناسب له من أسماء الله الحسنى، فمن دعاه لحصول الرزق فليسأله باسمه الرزاق، ولحصول رحمة ومغفرة فباسمه الرحيم الرحمن البر الكريم العفو الغفور التواب ونحو ذلك. وأفضل من ذلك أن يدعوه بأسمائه وصفاته دعاء العبادة، وذلك باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها، وتمتلئ بأجل المعارف. فمثلا أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلوب تعظيما لله وإجلالا له. وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة لله وشوقا له وحمدا وشكرا. وأسماء العز والحكمة والعلم والقدرة تملأ القلب خضوعا لله وخشوعا وانكسارا بين يديه. وأسماء العلم والخبرة والإحاطة والمراقبة والمشاهدة تملأ القلب مراقبة لله في الحركات والسكنات وحراسة للخواطر عن الأفكار الردية والإرادات الفاسدة. وأسماء الغنى واللطف تملأ القلب افتقارا واضطرارا إليه، والتفاتا إليه كل وقت، في كل حال. فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته، وتعبده بها لله لا يحصل العبد في الدنيا أجل ولا أفضل ولا أكمل منها، وهي أفضل العطايا من الله لعبده، وهي روح التوحيد وروحه. ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخالص، والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكمل من الموحدين. وإثبات الأسماء والصفات هو الأصل لهذا المطلب الأعلى. وأما الإلحاد في أسماء الله وصفاته فإنه ينافي هذا المقصد العظيم أعظم منافاة. والإلحاد أنواع: إما أن ينفي الملحد معانيها كما تفعله الجهمية ومن تبعهم. وإما بتشبيهها بصفات المخلوقين كما يفعله المشبهة من الرافضة وغيرهم. وإما بتسمية المخلوقين بها كما يفعله المشركون حيث سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، فاشتقوا لها من أسماء الله الحسنى، فشبهوها بالله ثم جعلوا لها من حقوق العبادة ما هو من حقوق الله الخاصة. فحقيقة الإلحاد في أسماء الله هو الميل بها عن مقصودها لفظا أو معنى، تصريحا أو تأويلا أو تحريفا، وكل ذلك مناف للتوحيد والإيمان.

стр. 181

[باب لا يقال السلام على الله] في الصحيح عن ابن مسعود ﵁، قال: «كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : " لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام» . فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية.

стр. 182

الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله. باب لا يقال السلام على الله وقد بين ﷺ هذا المعنى بقوله: «فإن الله هو السلام» فهو تعالى السلام السالم من كل عيب ونقص، وعن مماثلة أحد من خلقه له، وهو المسلم لعباده من الآفات والبليات، فالعباد لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، بل هم الفقراء إليه، المحتاجون إليه في جميع أحوالهم، وهو الغني الحميد.

стр. 183

[باب قول اللهم اغفر لي إن شئت] في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له» .

стр. 184

ولمسلم: «وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» . فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة» . الرابعة: إعظام الرغبة. الخامسة: التعليل لهذا الأمر. باب قول اللهم اغفر لي إن شئت الأمور كلها وإن كانت بمشيئة الله وإرادته، فالمطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة، والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كسؤال العافية والرزق وتوابع ذلك، قد أمر العبد أن يسألها من ربه طلبا ملحا جازما، وهذا الطلب عين العبودية ومخها. ولا يتم ذلك إلا بالطلب الجازم الذي ليس فيه تعليق بالمشيئة، لأنه مأمور به، وهو خير محض لا ضرر فيه، والله تعالى لا يتعاظمه شيء. وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين سؤال بعض المطالب المعينة التي لا يتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أن حصولها خير للعبد. فالعبد يسأل ربه ويعلقه على اختيار ربه له أصلح الأمرين، كالدعاء المأثور: " اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ". وكدعاء الاستخارة. فافهم هذا الفرق اللطيف البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها، وأن الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وبين طلب الأمور التي لا يدري العبد عن عواقبها، ولا رجحان نفعها على ضرها، فالداعي يعلقهما على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة ورحمة ولطفا.

стр. 185

[باب لا يقول عبدي وأمتي] في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» . فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي. الثانية: لا يقول العبد ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي.

стр. 186

الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي. الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ. باب لا يقول عبدي وأمتي وهذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول عبدي وأمتي إلى فتاي وفتاتي، تحفظا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور ولو على وجه بعيد، وليس حراما، وإنما الأدب كمال التحفظ بالألفاظ الطيبة التي لا توهم محذورا بوجه. فإن الأدب في الألفاظ دليل على كمال الإخلاص، خصوصا هذه الألفاظ التي هي أمس بهذا المقام.

стр. 187

[باب لا يرد من سأل بالله] عن ابن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ : «من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» . رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح. فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله. الثالثة: إجابة الدعوة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه» .

стр. 188

[باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة] عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» . رواه أبو داود.

стр. 189

فيه مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه. باب لا يرد من سأل بالله وباب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة الباب الأول خطاب للمسؤول: وأنه إذا أدلى على الإنسان أحد بحاجة وتوسل إليه بأعظم الوسائل، وهو السؤال بالله، أن يجيبه احتراما وتعظيما لحق الله، وأداء لحق أخيه حيث أدلى بهذا السبب الأعظم. والباب الثاني خطاب للسائل: وأن عليه أن يحترم أسماء الله وصفاته، وأن لا يسأل شيئا من المطالب الدنيوية بوجه الله، بل لا يسأل بوجهه إلا أهم المطالب وأعظم المقاصد وهي الجنة بما فيها من النعيم المقيم، ورضا الرب والنظر إلى وجهه الكريم والتلذذ بخطابه، فهذا المطلب الأسنى هو الذي يسأل بوجه الله. وأما المطالب الدنيوية والأمور الدنية وإن كان العبد لا يسألها إلا من ربه فإنه لا يسألها بوجهه.

стр. 190

[باب ما جاء في اللو] وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾

стр. 191

وفي الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» .

стр. 192

فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران. الثانية: النهي الصريح عن قول: " لو " إذا أصابك شيء. الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع، مع الاستعانة بالله. السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز. باب ما جاء في اللو اعلم أن استعمال العبد للفظة: " لو " على قسمين: مذموم ومحمود. أما المذموم فكأن يقع منه أو عليه أمر لا يحبه فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فهذا من عمل الشيطان، لأن فيه محذورين: أحدهما: أنها تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن الذي ينبغي له إغلاقه وليس فيها نفع. الثاني: أن في ذلك سوء أدب على الله وعلى قدره فإن الأمور كلها والحوادث دقيقها وجليلها بقضاء الله وقدره، وما وقع من الأمور فلا بد من وقوعه، ولا يمكن رده، فكان في قوله: لو كان كذا أو لو فعلت كذا كان كذا، نوع اعتراض ونوع ضعف إيمان بقضاء الله وقدره. ولا ريب أن هذين الأمرين المحذورين لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد إلا بتركهما. وأما المحمود من ذلك فأن يقولها العبد تمنيا للخير أو تعليما للعلم والخير. كقوله ﷺ : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولأهللت بالعمرة» ، وقوله في الرجل المتمني للخير: «لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمل فلان» ، و «لو صبر أخي موسى ليقص الله علينا من نبأهما» . أي في قصته مع الخضر. وكما أن " لو " إذا قالها متمنيا للخير فهو محمود، فإذا قالها متمنيا للشر فهو مذموم. فاستعمال " لو " تكون بحسب الحال الحامل عليها. إن حمل عليها الضجر والحزن وضعف الإيمان بالقضاء والقدر أو تمني الشر كان مذموما. وإن حمل عليها الرغبة في الخير والإرشاد والتعليم كان محمودا ولهذا جعل المصنف الترجمة محتملة للأمرين.

стр. 193

[باب النهي عن سب الريح] عن أبي بن كعب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به» . صححه الترمذي. فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح.

стр. 194

الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. الرابعة: أنها قد تؤمر بخير، وقد تؤمر بشر. باب النهي عن سب الريح وهذا نظير ما سبق في سب الدهر، إلا أن ذلك الباب عام في سب جميع حوادث الدهر، وهذا خاص بالريح، ومع تحريمه فإنه حمق وضعف في العقل والرأي، فإن الريح مصرفة مدبرة بتدبير الله وتسخيره فالساب لها يقع سبه على من صرفها، ولولا أن المتكلم بسب الريح لا يخطر هذا المعنى في قلبه غالبا لكان الأمر أفظع من ذلك، ولكن لا يكاد يخطر بقلب مسلم.

стр. 195

[باب قول الله تعالى يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ] ٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل.

стр. 196

وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته. ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ﷺ وأن يظهره الله على الدين كله. وهذا هو ظن السوء، الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح. وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق. فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله

стр. 197

بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده. فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء. ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك: هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه. باب قول الله تعالى ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وذلك أنه لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر الله به من أسمائه وصفاته وكماله وتصديقه بكل ما أخبر به، وأنه يفعله، وما وعد به من نصر الدين وإحقاق الحق وإبطال الباطل، فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان. وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية المنافية للتوحيد؛ لأنها سوء ظن بالله ونفي لكماله، وتكذيب لخبره وشك في وعده. والله أعلم.

стр. 198

[باب ما جاء في منكري القدر] وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر. ثم استدل بقول النبي ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . رواه مسلم. وعن عبادة بن الصامت: أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد

стр. 199

طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» . يا بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» . وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» . وفي رواية لابن وهب قال رسول الله ﷺ : «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار» . وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء، لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ . حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه.

стр. 200

وفيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان به. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنه م نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط. باب ما جاء في منكري القدر قد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة: أن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن لم يؤمن بهذا فإنه ما آمن بالله حقيقة. فعلينا أن نؤمن بجميع مراتب القدر: فنؤمن أن الله بكل شيء عليم، واعده كتب في اللوح المحفوظ جميع ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وأن الأمور كلها بخلقه وقدرته وتدبيره. ومن تمام الإيمان بالقدر: العلم بأن الله لم يجبر العباد على خلاف ما يريدون بل جعلهم مختارين لطاعاتهم ومعاصيهم.

стр. 201

[باب ما جاء في المصورين] عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» . أخرجاه. ولهما عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» . ولهما عن ابن عباس، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم» . ولهما عنه مرفوعا: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ

стр. 202

فيها الروح، وليس بنافخ» . ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : " أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته ". فيه مسائل: الأولى: التغليط الشديد في المصورين. الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله، لقوله: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ". الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم؛ لقوله: " فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة ". الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم. السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت. باب ما جاء في المصورين وهذا من فروع الباب السابق أنه لا يحل أن يجعل لله ندا في النيات والأقوال والأفعال، والند هو المشابه ولو بوجه بعيد. فاتخاذ الصور الحيوانية تشبه بخلق الله، وكذب على الخلقة الإلهية وتمويه وتزوير، فلذلك زجر الشارع عنه.

стр. 203

[باب ما جاء في كثرة الحلف] وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب» . أخرجاه. وعن سلمان، أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» . رواه الطبراني بسند صحيح.

стр. 204

وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قربه مرتين أو ثلاثة؟ - ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويطهر فيهم السمن» . وفيه عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» . وقال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار. فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الإيمان. الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة. الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه. الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون.

стр. 205

السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة وذكر ما حدث بعدهم. السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد. باب ما جاء في كثرة الحلف أصل اليمين إنما شرعت تأكيدا للأمر المحلوف عليه، وتعظيما للخالق، ولهذا وجب أن لا يحلف إلا بالله، وكان الحلف بغيره من الشرك. ومن تمام هذا التعظيم أن لا تحلف بالله إلا صادقا. ومن تمام هذا التعظيم أن يحترم اسمه عن كثرة الحلف، فالكذب وكثرة الحلف تنافي التعظيم الذي هو روح التوحيد.

стр. 206

[باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وعن بريدة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية أوصاه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا. فقال: «اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا

стр. 207

ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال- أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله؛ ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟» . رواه مسلم.

стр. 208

فيه مسائل: الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا. الثالثة: قوله: " اغزوا بسم الله في سبيل الله ". الرابعة: قوله: " قاتلوا من كفر بالله ". الخامسة: قوله: " استعن بالله وقاتلهم ". السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء. السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه المقصود من هذه الترجمة البعد والحذر من التعرض للأحوال التي يخشى منها نقض العهود والإخلال بها، بعدما يجعل للأعداء المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله. فأنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه، وتركا لتعظيم الله وارتكابا لأكبر المفسدتين كما نبه عليه ﷺ . وفي ذلك أيضا تهوين للدين والإسلام وتزهيد للكفار به، فإن الوفاء بالعهود خصوصا المؤكدة بأغلظ المواثيق من محاسن الإسلام الداعية للأعداء المنصفين إلى تفضيله واتباعه.

стр. 209

[باب ما جاء في الإقسام على الله] عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك» . رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. فيه مسائل: الأولى: التحذير من التألي على الله. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. الرابعة: فيه شاهد لقوله: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة " إلى آخره. الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. * * *

стр. 210

[باب لا يستشفع بالله على خلقه] عن جبير بن مطعم ﵁، قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فقال النبي ﷺ : " سبحان الله، سبحان الله! " فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: " ويحك! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه» . وذكر الحديث، رواه أبو داود.

стр. 211

فيه مسائل: الأولى: إنكار على من قال: " نستشفع بالله عليك ". الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة. الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: " نستشفع بك على الله ". الرابعة: التنبيه على تفسير " سبحان الله ". الخامسة: أن المسلمين يسألونه ﷺ الاستسقاء. باب الإقسام على الله وباب لا يستشفع بالله على خلقه وهذان الأمران من سوء الأدب في حق الله، وهو مناف للتوحيد. أما الإقسام على الله فهو في الغالب من باب العجب بالنفس والإدلال على الله، وسوء الأدب معه، ولا يتم الإيمان حتى يسلم من ذلك كله. وأما الاستشفاع بالله على خلقه فهو تعالى أعظم شأنا من أن يتوسل به إلى خلقه، لأن رتبة المتوسل به غالبا درن رتبة المتوسل إليه، وذلك من سوء الأدب مع الله، فيتعين تركه، فإن الشفعاء لا يشفعون عنده إلا بإذنه، وكلهم يخافونه فكيف يعكس الأمر فيجعل هو الشافع، وهو الكبير العظيم الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الكائنات بأسرها.

стр. 212

[باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك] باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك عن عبد الله بن الشخير ﵁، قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله ﵎ "، قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: " قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» . رواه أبو داود بسند جيد.

стр. 213

وعن أنس ﵁: «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال: يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » . رواه النسائي بسند جيد. فيه مسائل: الأولى: تحذير الناس من الغلو. الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: " أنت سيدنا ". الثالثة: قوله: " لا يستجرينكم الشيطان " مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. الرابعة: قوله: " ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي ". باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك تقدم نظير هذه الترجمة وأعادها المصنف اهتماما بالمقام، فإن التوحيد لا يتم ولا يحفظ ويحصن إلا باجتناب جميع الطرق المفضية إلى الشرك، والفرق بين البابين أن الأول فيه حماية التوحيد بسد الطرق الفعلية، وهذا الباب فيه حمايته وسده بالتأدب والتحفظ بالأقوال. فكل قول يفضي إلى الغلو الذي يخشى منه الوقوع في الشرك فإنه يتعين اجتنابه ولا يتم التوحيد إلا بتركه. والحاصل أن تمام التوحيد بالقيام بشروطه وأركانه ومكملاته ومحققاته، وباجتناب نواقضه ومنقصاته ظاهرا وباطنا، قولا وفعلا وإرادة واعتقادا. وقد مضى من التفاصيل ما يوضح ذلك.

стр. 214

[باب ما جاء في قول الله تعالى وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] ِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عن ابن مسعود ﵁ قال: «جاء حبر الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على أصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية» .

стр. 215

وفي رواية لمسلم: «والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله» . وفي رواية للبخاري: «يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع» . أخرجاه. ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: «يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» .
следующие страницы →