← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 10460

جمال القراء وكمال الإقراء - ط المأمون

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (746 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعنه ﷺ : "التمسوها في الخامسة والسابعة والتاسعة". وذلك لما علم النبي ﷺ أنها تنتقل فيما أُرِي، والله أعلم. وعن النبي ﷺ : "نزلت صحف إبراهيم ﵇ أولَ ليلة من شهر رمضان، ونزلت التوراة على موسى ﵇ في ست من شهر رمضان، ونزل الزبور على داود ﵇ في اثنتي عشرة من شهر رمضان، ونزل الإنجيل على عيسى ﵇ في ثماني عشرة من شهر رمضان، وأنزل الله الفرقان على محمد ﷺ في أربع وعشرين من شهر رمضان ". فهذا الإنزال يريد به ي أولَ نزول القرآن عليه. وقوله : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) يشمل الإنزالين. ومعنى ليلة القدر: ليلة الجلالة والعظمة.

стр. 37

وقيل: القَدْرُ: مصدر من قولهم: قَدَرَ الشيْءَ يَقْدِرُهُ قَدْراً. لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره، أو لأن القرآن أنزل فيها، وفيه تِبيان كل شيء. * * * أَسمَاءُ القُرآن القرآن اسم من أسماء هذا الكتاب العزيز، وهو منقول من المصدر. ودخول اللام فيه كدخولها في الفضل ودخولها في الفضل كدخولها في العباس، وإنما تدخل في العباس، ونحوه؛ لأنها بمنزلة الصفات الغالبة نحو: الصعِق. كذا قال سيبويه، والخليل. وكأنه أراد الذي يعبس؛ فلهذا المعنى دخلت اللام، ومن لم يرد هذا المعنى قال: عباس، وحارث، ويدل على صحة مذهبهما أنهم لم يدخلوا اللام في ثور وحجر ونحو ذلك مما نقل إلى العلمية، وليس بصفة، ولا مصدر، وإنما دخلت اللام فيما نقل عن المصدر؛ لأن المصدر يوصف به، فهو كالحارث. وأيضاً فإنهم إذا قالوا: الفضل لحظوا فيها معنى الزيادة، كما لحظوا المغنى المقدم ذكره في الصفة. والقرآن: معناه: الجمع، من قولهم قرأت الشيء، أي جمعته؛ يدل على ذلك قوله : (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) أي: فإذا جمعناه فاتبع جمعه.

стр. 38

فإن قيل: فكيف يصح على ما ذكرت من أن معناه الجمع أن يقال: إن علينا جمعه وجمعه، وقد قال الله : (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) ؟ قلت: قال أبو علي: الجمعٍ أعم، والقرآن أخص. فحسن التكرير لذلك، كما يجوز: أعلمْتُ زيدا، وأنذرته؛ لأن الإنذار أخص؛ لأن كل منذر مُعلم وليس كل مُعْلم مُنذراً. كذلك قرأت وجمعت، قرأت أخص من جمعت، وإذا جاز استعمال المعنى الواحد بلفظين مختلفينَ نحو: أقوى وأقفر فأن يجوز فيما تختص فيه إحدى الكلمتين بمعنى ليس للأخرى أولى وعن ابن عباس: كان النبي ﷺ إذا ألقى إليه جبريل ﵉ القرآن يعجل لحرصه، وخوفه أن ينساه، فيساوقه في قراءته، ويحرك شفتيه، وحرك ابن عباس شفتيه، فقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه لك وقرآنه.

стр. 39

ووزن قُرْآن: فُعْلان، وحقه ألَّا ينصرف، للعلمية والزيادة. فأما قوله : (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) فقال أبو علي: قرآنا: حال من القرآن في أول الآية. قال: ولا يمتنع أن يتنكر ما جرى في كلامهم معرفة من نحو هذا. قال: من ثم أجاز الخليل في قولهم: ياهِنْدُ هِنْدٌ بَيْنَ خِلْبٍ وكَبِدْ

стр. 40

أن يكون المعنى: يا هند أنت هند بين خلب وكبد، فجعله نكرة. لوصفه له بالظرف قال: ومثل ذلك قوله: علا زيدنا يوم النقا رأسَ زيدكم وأما قوله : (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ) فقال أبو علي: يجوز أن يكون مفعولاً. والتقدير: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) وأنزلنا قرآناً -، قال: ولا يجوز أن ينتصب على الحال من أجل حرف العطف. قال: ألا ترى أنك لا تقول: جاءني زيد وراكباً. قال: ويجوز أن يعطف على ما يتصل به على حذف المضاف. أي: (وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً) وذا قرآن. وكان ابن كثير لا يهمز القرآن، ويقول: القرآن إنما هو اسم مثل التوراة، والإنجيل، وجوز أن يكون من "قرنت الشيء بالشيء". قال أبو علي: وهذا سهو ممن ظنه، لأن لام الفعل من قرأت هَمْزة، ومن قرنت نون، والنون في قرآن

стр. 41

زائدة. وفي قرنت أصل، وهي لام الفعل. قال: ونرى أن الإشكال وقع له من أجل تخفيف الهمزة من قُرآن لَمَّا حذفت، وألقيت حركتها، فصار لفظه كلفظة فُعَاْل من قُرَان وليس مثله. قال: ولو سميت رجلًا بقُران مخفف الهمزة لم تصرفه في المعرفة. كما لا تصرف عثمان اسم رجل، ولو سميته بقرآن من قرنت لا نصرف. وهذا سهو من أبي علي، وما كان مثل هذا يذهب على ابن كثير، وإنما ذهب ابن كثير إلى أنه اسم من أسماء الكتاب العزيز، فيكون على قوله له اسمان: قرآن من قرأت، وقُران من قرنت. وهذا واضح لا إشكال فيه. ومن أسمائه الفرقان قال الله : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) وهو منقول من المصدر، وهو من المصادر التي جاءت على فُعْلان نحو: الغُفْران والكُفْران، وقال أبو عبيدة: "تقديره قولهم: رجل قُنْعان. أي يرضى به الخصمان ويقنعان " فهو على هذا منقول من الصفة. وإلى هذا القول ذهب أبو علي، وإنما ذهب أبو علي في القرآن إلى أنه مصدر في الأصل، وفي الفرقان إلى ما ذكرناه. قال: لأن الدلالة قد قامت

стр. 42

علىٍ أن القرآن لا يجوز أن يكون صفة، كما قامت على جواز كون الفرقان صفة. قال: وذلك أن الله قال: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فلو كانت صفة لم تجز هذه الإضافة؛ لأن الصفة لا تضاف إلى الفاعل؛ لأن اسم الفاعل هو الفاعل في المعنى، والشيء لا يضاف إلى نفسه. قال: فلو كان القرآن صفة، كما أن الفرقان صفة في قول أبي عبيدة لم تجز فيه هذه الِإضافة، فدل جوازها على أنه مصدر في الأصل، ولا يمتنع أن يضاف المصدر إلى الفاعل. كما لا يمتنع إضافته إلى المفعول؛ لأنه غير الفاعل، كما أنه غير المفعول. وأجاب عن أنه لو كان صفة لجرى على موصوف كما قيل: رجل قُنْعان وأُجري صفة على موصوف، فقال: لا يمتنع أن يكون صفة، وإن لم يجرِ على الموصوف؛ لأن كثيراً من الصفات استعمل استعمال الأسماء: من ذلك: هذا عبد، ورأيت عبداً، وهو في الأصل صفة، ولا يكادون يقولون: رجل عبد، وكذلك صاحب؛ ولذلك لم تعمل إعمال أسماء الفاعلين نحو: ضارب، وآكل، وحسن لهذا ترخيمه في نحو: أَصَاحِ تَرَى بُرَيْقَاً هَبَّ وَهْنَاً. . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 43

وإن لم يرخموا من هذا الضرب من الأسماء غيره. قال: وكذلك الأجرع، والأبطح، والأدهم، ولذلك كسروه أجارع وأباطحٍ وأبارق. ولو لم تستعمل استعمال الأسماء لما تَعَدَّوا فيه فُعلا وفعلانا. كأحمر، وحُمْر وحُمْران. فإذا كثر في كلامهم هذا النحو من الصفات التي جرت مجرى الأسماء في أنها لمَ تجرِ على الموصوف، وفي أنها كسرت تكسير الأسماء، لم يدل امتناعهم من إجراء الفرقان صفة على موصوفه على أنه ليس بصفة. قال: ويقوي كونه صفة مجيئه على وزن جاءت عليه الصفات كعُرْيان، وخُمْصان. وقال أبو عبيدة في قول الله : (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ) وفي قوله تعالى: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ)

стр. 44

(الفرقان) ما فرق بين الحق والباطل،؛ لأن المسلمين علت كلمتهم يوم بدر بالقهر والغلبة، كما نصروا في الفرقان بالحجة. وقيل: المعنى في قوله : (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) وآتيناكم الفرقان كقوله: . . . . . . . . . .. مُتَقَلًداً سيفاً ورمحا وقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوْسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ) يبطل هذا التأويل، ولكن يجوز في الآيتين جميعاً أن يريد بالفرقان البرهان الذي فرق بين الحق والباطل. نحو: انقلاب العصا، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، وغير ذلك من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام.

стр. 45

وقيل الفرقان: انفراق البحر، وردَّ أبو علي هذا القول؛ لأن الفرقان قد استعمل في هذه الآيات في معانٍ لا في أعيان؛ ولأن مصدر فرقت قد جاء في القرآن (فرقاً) ولم يجئ: (فرقاناً) قال: وإن كان بعض أمثلة المصادر قد جاء على مثال فُعْلان. قال أبو عبيدة: "سمي فرقاناً لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر"، وقال أبو عبيدة: الفرقان عند النحويين مصدر فرقت بين الشيء والشيء أفرق فرقاً وفرقاناً. وعن ابن عباس: الفرقان المخرج، قال الله تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) أي بياناً، ومخرجاً من الشبهة، والضلال. وأنشدوا لمزرّد: بادر الليل أن يبيت فلما. . . أظلم الليل لم يجد فرقانا

стр. 46

ومن أسمائه الكتاب: سمي بذلك لأن الكَتْب: الجمع، يقال: كتب إذا جمع الحروف بعضها إلى بعض. وتكتب بنو فلان أي اجتمعوا، فسمي بذلك لما اجتمع فيه من المعاني كالأمر والنهي، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والحلال والحرام، ونبأ ما كان وما يكون وما يحتاج إليه من أمر الدين، وتفصيل ما اختلف فيه من الأحكام. قال الله : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) وقال : (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) . ولذلك سُمِّي قرآنًا، لأنه قد جمع فيه كل "شيء. وقال أبو عبيدة: "سمي قرآنًا؛ لأنه جمع السور وضمها، وكذلك نسميته بالكتاب أيضاً". وقال أبو علي: الكتاب مصدر "كتب" قال: ودليل ذلك انتصابه عما قبله في قوله، (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) وقوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا) قال: فمذهب سيبويه في هذا النحو أنه لما قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)

стр. 47

دل هذا الكلام على "كُتِبَ عَلَيْكُمْ"، وكذلك قوله : (وَمَا كَانَ لِنَفْس أنْ تَمُوتَ) دل على "كتب الله موته". ومدة حياته، فانتصب بـ "كتب" الذي دل عليه الفعل المظهر. قال: ومذهب غيره، من أصحابه، أنه انتصب بالفعل الظاهر. وكيف كان الأمر فقد ثبت من ذلك أن الكتاب مصدر كالوعد. والصنع من قوله : (وَعْدَ اللَّهِ) و (صُنْعَ اللَّهِ) في انتصابهما بما ذكر قبلهما من قوله : (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) وقوله : (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ) ثم قال بعد ذلك (وَعْدَ اللَّهِ) قال: وسُمي به التنزيل بدلالة قوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) ثم قال: والمراد بالمصدر الذي هو الكتاب: المكتوب، كما يقال: الخلق، ويراد به المخلوق لا الحدث، تقول: جاءني الخلق، وكلَّمت الخلق، والدرهم ضرب الأمير. والثوب نسج اليمن، أي: مضروبه، ومنسوج اليمن. وقول النبي ﷺ : "الراجع في هبته" أي: موهوبه.

стр. 48

قال: فما تأولناه في قولنا في الكتاب المسمى به التنزيل: إنه يراد به المكتوب، أرجح عندي من قول بن قال: إنه سُمِّي بذلك لما فرض فيه. وأوجب العمل به. قال: ألا ترى أن جميع التنزيل مكتوب، وليس كله مفروضاً. قال: وإذا كان كذلك كان العامل الشامل لجميع المسمى أولى مما كان بخلاف هذا الوصف. وهذا الذي رجحه أبو علي ليس براجح؛ لأن قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير قد علم المراد منه، وأن الضرب الذي هو الغلض الذي قد انقضى، وذهب، لا يصح أن يكون موجوداً. ومشارًاً إليه، فتعين أن المراد بالضرب المضروب، وليس كذلك الكتاب؛ لأنه اسم منقول من المصدر كفضل، وإنما سُمِّي القرآن كتاباً؛ لأن معنى "كتب الشيء" جمعه، وضم بعضه إلى بعض، وكذلك القرآن. وقول من قال: إنما سُمِّي كتاباً؛ لأنه يقال: كتب الله كذا بمعنى أوجبه. وفرضه، كقوله : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) فسمِّي القرآن كتاباً لما فيه من الواجبات التي كتبها أرجح من قول أبي على؛ لأن الشيء يُسفى ببعض ما فيه، ثم إن قول أبي على يوهم أن ليس إلَّا هذا القول، وقوله. وأوضح من القولين، وأصح قول من قال: هو مَنْقُول من المصدر الذي هو معنى الجمع، والضم. ومن أسمائه الذكر قال الله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)

стр. 49

وهو منقول من المصدر. والذكر: الموعظة، والذكر: الشرف.. ومن أسمائه الوحي قال المؤمنون كلهم: القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله. وقال الله : (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) وهو من قولهم: وحى يحي وحياً، قال الشاعر: وَحَى لها القرارَ فاسْتَقَرَّتِ ويقال: أوحى يوحي إيحاءً، ومعناه: الإفهام بإيماء، أو إشارة. وقال بعض العلماء: الوحي قذف في القلوب، فكأنه سمي وحيًاً؛ لأن الملك كان يَفْهَمُه النبي ﷺ ، ولا يفهم عنه سواه، كما سمْوا ضرب الأمثال وحياً من جهة اللفظ، وذلك أن يضرب الرجل لصاحبه مثلًا فيعرف به أمرا بينهما، ولا يفهمه سواه. وكل من أشار إلى معنى من غير إفصاح، فبلغ بذلك المراد، فقد أوحى. ومن أسمائه التنزيل

стр. 50

يقال: جاء في التنزيل كذا، كما يقال: جاء في القرآن، وهو منقول من المصدر، يقال: نزل تنزيلًا، قال الله : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) . ومن أسمائه القصص قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) والقصص، في العربية: اتباع الأثر، قال الله : (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) قال الله : (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) وأمر القرآن قصصه الذي قصه: أي اتبعه، وألقاه إلى غيره كما قفاه، واتبع فيه أثر الملك. ومن أسمائه الروح قال الله : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) سُمِّي روحًا؛ لأنه تحيى به القلوب، والدين، قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) . ومن أسمائه المثاني قال الله : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ)

стр. 51

سُمِّي مثاني؛ لأن القصص، والأنباء ثنيت فيه: أي كررت. يقال: ثنيت الشيء إذا كَررْتَه. وسماه الله الهُدى، والبيان، والتبيان والموعظة، والرحمة، والبشير، والنذير، والعزيز الذي لا يرام، فلا يُؤتى بمثله، ولا يستطاع إبطاله، والحكيم، وهو إما بمعنى المُحْكَم، بفتح الكاف، أو المحكِم، بكسرها من قولهم: حَكَمَةُ الدابة لأنها تردها عن الجور؛ لأنه يرد العباد إلى القصد. والمهيمن، وهو الشاهد، والبلاغ، قيل: - لأنه يكفي من غيره. والشفاء، والمجيد، لشرفه على كل كلام، والنور، قال الله عز وجل: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) . وتسمَّى فاتحة الكتاب أيضاً المثاني، فهو اسم مشترك، وتسمى سورة الحمد أُم الكتاِب، وفاتحة الكتاب. سميت أم الكتاب؛ لأن أمم كل شيء أصله، ولما كانت مقدمة الكتاب العزيز، فكانت كأنها أصله. قيل لها أم الكتاب، وأم القرآن، وسفيت الفاتحة؛ لأن القرآن العزيز افتتح بها. ومن قال: إنها أول ما نزل، قال: سميت فاتحة الكتاب؛ لأن الوحي افتتح بها. وروى أبو هريرة، وأبى بن كعب أن النبي ﷺ قال:

стр. 52

"هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي فاتحة الكتاب". وسميت السببع المثاني؛ لأنها تُثَنى في كل ركعة، وقيل: لأنها نزلت بمكة، ثم ثُنَيَت فنزلت بالمدينة، وقيل: لأن الله استثناها لهذه الأمة، وذخرها لها مما أنزله على غيرها ". ومنع أنس، وابن سيرين أن تسمَّى أم الكتاب، وأم القرآن، قالا: لأن ذلك اسم اللوح المحفوظ، قال الله : (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا) والحديث يردُّ ما قالا، وقد تكون الأسماء مشتركة. فإن قيل: فما فائدة نزولها مرة ثانية؟ قلت: يجوز أن تكون نزلت أول مرة على حرف واحد، ونزلت في الثانية ببقية وجوهها نحو: "ملك ومالك" و " السراط / والصراط، ونحو ذلك.

стр. 53

وفي القرآن العزيز السبْع الطوَل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، وقيل: براءة. وقد توهم عثمان ﵁ أن الأنفال وبراءة سورة واحدة؛ فلذلك وضعها في السبع الطوَل، ولم يكتب بينهما البسملة، وكانتا تدعيان في زمن رسول الله ﷺ القرينتين. والطُوَل: جمع طُولى، والطولى تأنيث الأطول، وعن النبي ﷺ : "أعطاني ربي مكان التوراة السبع الطوَل، ومكان الإنجيل المثاني " وهي السور التي ثنيت فيها القصص. وفي القرآن المئون، وهو ما بلغ مئة آية، أو ما قرب من ذلك. وفي القرآن المفصَّل، وعن رسول الله ﷺ : "أعطيت السبع الطوَل مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصَّل وسمِّي المفصَّل بذلك لكثرة انفصال بعضه من

стр. 54

بعض، وسمي المفصَّل أيضاً المُحْكَم؛ لأنه لم ينسخ منه شيء. وأول المفصَّل سورة الحجرات، وقيل: سورة (ق) ، وعن ابن عباس: المفصَّل أوله من سورة (والضحى) ؛ لأنه يفصل من تلك السورة بين كل سورتين بالتكبير. وعن زِر بن حُبَيْش: قرأت القرآن كله في المسجد الجامع بالكوفة علي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فلما بلغت الحواميم، قال لي أمير المؤمنين: يا زر: قد بلغت عرائس القرآن. وقال بعض الأئمة من السلف ﵃: في القرآن ميادين، وبساتين ومقاصير، وعرائس، وديابيج، ورياض. فميادين القرآن ما افتتح بـ (الم) وبساتينه المفتتح ب (الر) ، ومقاصيره الحامدات، وعرائسه المسبحات. وديابيجه آل حم، ورياضه المفصَّل. وقالوا: الطواسين، والطواسيم وآل حم، والحواميم، وأنشد أبو عبيدة: وبالطواسيم التي قد ثُلِّثت. . . وبالحواميم التي ق دسُبِّعت

стр. 55

وألقاب سور القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، وتسمَّى سورة العقود بالعقود والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة وكانوا يسمونهما القرينتين، وتسمَّى براءة سورة العذاب، قال حذيفة ﵀: إنكم تسفونها سورة التوبة، وإنما هي سورة العذاب. والله ما تركتْ أحداً إلَّا نالت منه، وتسمَّى المقشقشة؛ لأنها تقشقش من النفاق أي تبرئ منه، وتسمَّى المبعثرة؛ لأنها بعثرت عن أسرار المنافقين. والحافرة؛ لأنها حفرت عن أسرارهم، والمخزية، والفاضحة، والمنكلة والمدمدمة، والمشرِّدة، وسورة التوبة؛ لقوله : (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) إلى قصة كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وسورة يونس ﵇، وسورة هود ﵇، وإنما

стр. 56

سُميت به دون من ذكر فيها من الأنبياء لخفة اسمه، ولم يقل: سورة نوح؛ لأن السورة الأخرى تسمى سورة نوح، ولم يقل: سورة لوط؛ لأن قصته لم ينفزد بها دون إبراهيم ﵇، وسورة يوسف ﵇، وسورة الرعد، وسورة إبراهيم ﵇، وسورة الحجر، وسورة النحل. وتسمى سورة النعم، وسورة النعيم، وسبحان، وتسمى سورة الإسراء. وسورة بني إسرائيل، وسورة الكهف، وكهيعص، وتسمى سورة مريم عليها السلام، وطه، وتسمى سورة الكليم، وسورة "اقترب " الأنبياء. وتسمى سورة الأنبياء ﵈، وسورة الحج، وقد أفلح، وتسمى سورة المؤمنين، وسورة النور، وسورة الفرقان، وطسم، وتسمى الشعراء، وطس، وتسمى سورة النمل، وسورة سليمان ﵇، وطسم. وتسمى سورة القصص، و (المَ أحَسِب الناسُ) وتسمى سورة العنكبوت، و (ألمَ غلِبتِ الرومُ) ، وتسمى سورة الروم، والسورة التي بعدها تسمى سورة لقمان، وبعدها السجدة، وبعدها الأحزاب، وبعدها سورة سبأ، وبعدها فاطر، وتسمى سورة الملائكة، وبعدها يس، وهي قلب القرآن، وقال ﷺ : "وقلب القرآن يس "، وبعدها "والصافات " وسورة (ص) وتسمى سورة داود ﵇، وسورة الزمر، وتسمى سورة الغرف، وسورة غافر، وتسمى سورة المؤمن، وحَم السجدة، وتسمى فصلت، وتسمى أيضاً سورة المصابيح، وحم عسق، وتسمى الشورى، ويليها الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية،

стр. 57

وتسمى الشريعة، ثم الأحقاف ثم سورة محمد ﷺ وتسمى سورة القتال، ثم سورة الفتح، ثم الحجرات، ثم سورة (ق) ويقال لها: سورة الباسقات، ثم الذاريات، ثم الطور، ثم النجم، ثمً (افتربت الساعة) وتسمى سورة القمر، ثم سورة الرحمن ، ثم الواقعة، ثم الحديد ثم المجادلة، ثم الحشر، ثم سورة الممتحنة، بفتح الحاء. والممتحَنة: سُبَيْعَة بنت الحارث، وتسمى أيضاً سورة المودَّة، وسورة الامتحان، ثم سورة الصف، وتسمى سورة الحواريين ثم سورة الجمعة. ثم سورة المنافقين، ثم سورة التغابن، ثم سورة الطلاق، وتسمى سورة النساء القصرى، ثم سورة التحريم، وتسمى أيضاً سورة النبي ﷺ ، ثم تبارك، وتسمى الملك، والواقية، والمنجية، والمانعة، والمنَّاعة، ثم سورة (ن) وتسمى سورة القلم، ثم الحاقة، ثم سأل سائل، ويقال لها: سورة الواقع، وسورة المعارج، ثم سورة نوح ﵇، ثم (قل أوحي) ، وتسمى سورة الجن، وسورة الوحي، ثم سورة المزمل، ثم سورة المدثر، ثم سورة (لا أقسم) وتسمى سورة القيامة ثم (هل أتى) وتسمى سورة الإنسان، ثم المرسلات، ثم (عم يتساءلون) وتسمى سورة النبأ، وسورة التساؤل، ثم النازعات، وتسمى سورة الساهرة، وسورة الطامة، ثمَّ (عبس) وتسمى سورة السفرة، ثم (إذا الشمس كورت) ويقال لها: سورة التكوير، وتسمى أيضاً (كُوِّرَتْ) ثم (إِذَا السماءُ انْفَطَرَتْ) ويقال لها:

стр. 58

سورة الانفطار، وتسمى أيضاً (انفطرت) ، ثم المطففين، وتسمى سورة التطفيف، ثم (إِذَا السمَاءُ الشَقت) ويقال لها: سورة الانشقاق، ويقال لها أيضاً: (انشقت) ، ثم سورة البروج، ثم سورة الطارق، ثم سورة الأعلى ، ثم سورة الغاشية، ثم سورة والفجر، ثم سورة البلد، ثم سورة والشمس، ثم سورة (والليل "، ثم سورةً والضحى، ثم سورة ألم نشرح، ثم سورة والتين،، ثم سورة اقرأ وتسمى سورة العلق، وسورة القلم، ثم سورة القدر، ثم سورة لم يكن، وتسمى سورة البرية، والبينة، والقيمة، والانفكاك، ثم إِذا زُلزِلَت، وتسمى سورة الزلزلة، والزلزال، ويقال لها أيضاً: زلزلت ثم (والعاديات) ثم القارعة، ثم (أَلْهَاكُمُ) وتسمى سورة التكاثر، ثم والعصر، ثم الهمزة، ثم سورة الفيل. ثم سورة قريش، وهما سورتان، وعن جعفر الصادق، وأبي نَهِيْك أن ذلك سورة واحدة من غير فصل، ث أرأيت، وتسمى سورة الدِّين، وسورة الماعون، ثم سورة (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ)

стр. 59

وتسمى سورة الكوثر، ثم قل يا أيها الكافرون، ويقال لها: الكافرون، ويقال: سورة الكافرين، ويقال لها أيضاً: سورة العبادة، ثم سورة النصر، وتسمى سورة التوديع لما فيها من الإيماء إلى وفاة رسول الله ﷺ ، ثم سورة تبت، وتسمى سورة المسد، ثم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) وتسمى سورة الإخلاص، وسورة الأساس لاشتمالها على توحيد الله ، وهو أساس الدين، ثم سورة الفلق، ثم سورة النَاس. ويقال لهما: المعوذتان، والمشقشقتان من قولهم: شقشق البعير إذا هدر. وشقشق العصفور، وخطيتب مشقشق وخطيب ذو شِقْمثمقَة، والشقشِقَة التي يخرجها البعير من فيه إذا هاج كالرئة، شبَّه الخطيب بالفحل. وهاتان سورتان من القرآن بإجماع الأمة. ويروى عن ابن مسعود أنه كان يحكهما من المصاحف، ويقول: لا تزيدوا في كتاب الله ما ليس منه، فإن كان هذا صحيحًا عنه فسببه أنه رأى رسول الله ﷺ . يعوذ بهما سِبْطَيْه، فظن أنهما عوذتان. والمسلمون كلهم على خلاف ذلك. ومثل هذا ما حكي عن أبى أنه زاد في مصحفه سورتين: إحداهما تسمى سورة الخلع، وهي: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك، ونؤمن بك

стр. 60

ولا نكفرك، ونخلع، ونترك من يهجرك. وتسمى الثانية سورة الحمد، وهي: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي، ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق. فهذا أيضاً مما أجمع المسلمون على خلافه. والسورة في اللغة: الرفعة، والاعتلاء، قال النابغة: ألم ترَ أن اللهَ أعطاك سُورةَ. . . يُرى كل مَلْك دونَها يَتَذَبذَبُ" أي منزلة، ومرتبة عالية لا ينالها ملك. وقال عدي:

стр. 61

نَماني وأَنْماني إلى السوْر والعُلا. . . أبٌ كان أبَّاءَ الذنِيةِ بارعا ويقال: ساوره أي واثبه؛ لأن كلل واحد منهما يطلب أن يعلو الآخر. وسَوْرة الغضب من ذلك؛ لأن الغضبان يريد أن يرتفع، ويعلو. قال أبو عُبَيْدة: وقد تهمز السورة. قال: فمن همزها جعلها من أسارت، أي أبقيت بقية، وفضلة. قال: كأنها قطعة من القرآن على حدة. قلت: بل يجوز أن تكون السؤرة، بالهمز بمعنى السورة، بغير همز، وإنما همزها من همز لمجاورة الواو الضمة، كما قيل: السؤْق في السوْق، فتكون السورة سميت بذلك لرفعتها، وعلو شانها، أو لأنها رفعة ومرتبة لمن أنزلت عليه. والآية في العربية: الدلالة على الشيء والعلامة، وسميت آيات القرآن بذلك؛ لأنها علامات، وشواهد، ودلالات على صدق النبي ﷺ وعلى الحلال والحرام، وسائر الأحكام. وقالوا للراية: آية؛ لأنها علامة

стр. 62

يستدلون بها، وقال زهير: أَرَانِي إذَا ما شئتُ لاقَيْتُ آيةً. . . تُذَكرُنِي بعضَ الذي كُنْتُ نَاسِيَا أي علامة وأمارة. وقال النابغة: توهمتُْ آيات لها فعرفتُها. . . لِسِتةِ أعوام وَذَاْ العامُ سابعُ وقال الله : (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) أي علامة، ودلالة على صدق ما جاء به نبيكم ﷺ . وقال : (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وأما قولهم: "جاؤوا بآيتهم"، فقال أبو عمرو: بجماعتهم، إذا جاؤوا، ولم يَدَعُوا وراءهم شيثًا. وقيل: كان الأصل في قولهم: جاؤوا

стр. 63

بآيتهم، للراية، ثم كثر حتى قيل للجماعة: آية، وإن لم تكن معهم راية، قال البُرْج بنُ مُسْهِر: خَرَجْنَا مِنَ النقْبَيْنِ لا حَى مثلنا. . . بآياتِنا نُزْجِي اللقَاحَ المَطَافِلا وقال بعضهم: سُميتَ آيات القرآن بذلك؛ لأنها جماعة حروف، أو كلمات. وأصل آية عند سيبويه: أَوَية، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وجعل سيبويه موضع العين واواً دون الياء، قال: لأن ما كان موضع العين منه واو، واللام ياء أكثر مما موضع العين منه واللام ياء، لأن مثل شويت أكثر من حييت. والنسب إليها أوَوِي. وقال الفرَاء: آية: فاعلة، والأصل أَيَيَة، ولكنها خففت، فذهبت منها اللام، وجمع آية: آي وآيات وآياي على أفعال، وأنشد أبو زيد:

стр. 64

لم يُبْقِ هذا الدهْرُ من آيائِهِ. . . غيرَ أثافيهِ وأَوْتدائِهِ وآية الرجل: شخصه، يقال منه: تائيته، وتآييْته مثل تفعلته وتفاعلته إذا قصدت آيته. وقالت امرأة لابنتها: الحِصْنُ أَدْنى لو تَأئيْتِهِ. . . من احَثْيِكِ التُّرْبَ على الراكبِ - ويروى: لو تآييته بالمد. وقوارع القرآن: الآيات التي يُتَعَوذُ بها، ويُتَحَصنُ، وسمَيت بذلك؛ لأنها تقمع الشيطان، وتقرعه، وتصرف كل مخوف، وتدفعه، كآية الكرسى، والمعوذتين، ويس، و (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ونحوها.

стр. 65

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإفصاح الموجز في إيْضاح اِلمعجز لاريب في عجز البلغاء، وقصور الفصحاء عن معارضة القرآن العظيم، وعن الإتيان بسورة من مثله في حديث الزمان والقديم، وذلك ظاهر مكشوف ومتيقن معروف لا سيما القوم الذين تحداهم رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا ذوي حرص على تكذيبه، والرد عليه، وحالهم معه معروفه في معاداته، ومعاندته، وإظهار بغضه، وأذاه، وقذفه بالجنون والشعر، والسحر. فكيف يترك من هذه حاله معارضته، وهو قادر عليها، ومماثلته، وهو وأصل إلبها، هذا وهو ينادي عليهم بقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) مع ما فيه من سبهم، وسب آبائهم، ووصفهم بالجهل، والعجز، وإيعادهم بالعذاب، والنكال، وسوء المنقلب، ورميهم بالكذب، والافتراء وتقبيح ألافعال، وتهجين ما هم عليه من الأحكام الفاسدة، وإطالة القول في ذلك، وفي شرح أحوالهم، واستقباح أعمالهم فيما أعد لهم من الهوان، والنكال في الدنيا والضآل. أليس هذا وشبهه مما يحملهم على المعارضة لو كانوا قادرين عليها. ومما يجذبهم إلى المناظرة لو وجدوا سبيلاً إليها، وحالهم في الجدال معلومة، وأمورهم في تفاخرهم، وطلبهم الترفع مفهومة، وقد كانوا

стр. 66

يجعلون أموالهم دون أعراضهم، ويهون عليهم كل مستصعب في بلوغ أغراضهم، فإذا هجاهم شاعر جدُّوا في معارضته، وإجابته، واستعانوا على ذلك بمن يحسنه، ويظهر عليه في مقاولته، ومحاورته، فلا ريب إذن في أنهم راموا ذلك فما أطاقوه، وحاولوه فما استطاعوه، وأنهم رأوا نَظْماً عجيباً خارجاً عن أساليب كلامهم، ورصفاً بديعاً مبايناً لقوانين بلاغتهم ونظامهم، فأيقنوا بالقصور عن معارضته، واستشعروا العجز عن مقابلته، وهذا هو الوجه في إعجاز القرآن، كما قال بعضهم: القرآن لا يدركه عقل، ولا يقصر عنه فهم. وأما ما تضمنه القرآن العزيز من الإخبار عن المغيّب فليس ذلك مما تحداهم به، ولكنه دليل على صدق الرسول ﷺ وأنه كلام علام الغيوب وكذلك أيضاً دلالة حال الرسول ﷺ في كونه أمياً لا معرفة له. ولا يحسن أن يقرأ، ولا وقف على شيء من أخبار الأمم الساللَّه حتى إنه لا يقول الشعر، ولا ينظر في الكتب، ثم إنه قد أتى بأخبار القرون الماضية. والأمم الخالية، وبما كان من أول خلق الأرض، والسماء إلى انقضاء الدنيا، وهم يعلمون ذلك من حاله، ولا يشكون فيه، فهذه الحال دليل قاطع بصدقه ﷺ . ولكن إعجاز القرآن من قِبَلِ أنه خارج في بديع نظمه. وغرابة أساليبه عن معهود كلام البشر، مختص بنمط غريب لا يشبه شيئاً من القول فيِ الرصف والترتيب، لا هو من قبيل الشعر، ولا من ضروب الخطب والسجع يعلم من قائله أنه خارج عن المألوف مباين للمعروف. فتناسب في البلاغة، متشابه في البراعة، بريء من التكلف، منزه عن التصنع والتعسف. وكلام البشر، وإن كان من فصيح بليغ، يظهر فيه. إذا طال، تفاوت، واختلاف، وإخلال. والقرآن العزيز على ذوق واحد إن بشر، أو أنذر، أو وعظ وحذر، أو قصَّ وأخبر، أو نهى أو أمر. وليس ذلك لرؤساء الكلام، وفحول النظام، فقد يجيد بعضهم المدح، ويقصر في ضده، وفي وصف الخيل، وسير الليل، دون وصف الحرب والجود والمطر والسيل. والقرآن العزيز كله وإن أطَال في هذه المعاني التي

стр. 67

ذكرتها، أو أوجزَ على قَرِيٍّ واحد لا تعثر فيه على اختلاف، ولا أنت لتقصير بواجد. فلا يشك في صحة نزوله من عند الله ذو بصيرة. ولا قدرة لأحد من البشر على أن يأتي بمثله في إحكام معانيه، وانتظام ألفاظه، وبديع منهاجه. ولقد عجزت العرب مع قدرتها على التصرف في الكلام والفصاحة، وفروع البلاغة عن معارضة سوره، ومن السور ما يقل عدده، وقد أعلمهم أنهم لا يقدرون على ذلك، فنطق لسان الحال بعجزهم، ووقوع إياسهم من الوصول إلى شيء منه، وانحرفوا إلى القتال. وبذل الأموال في المعاندة. فالقرآن إذًا لهذا السبب أعظم آياته ﷺ ، وأوضح الأدلة على صحة نبوته؛ ولهذا قال الله : (لاَ رَيْبَ فيْهِ) أي لا يرتاب فيه ذو لب. فإن قيل: ما معنى قولكم: النظم الغريب، والرصف العجيب؟ وهل ثم زائد على تعليق الكلام بعضه ببعض؟ وذلك الاسم بالاسم، والفعل بالاسم، والحرف بهما؟. وهذا موجود في كلام العرب. فبأي شيء باين القرآن كلام العرب؟ قيل: ما كل ما يحيط به العلم تؤديه الصفة، ولكن ألست تفضل كلام البلغاء، والخطباء على غيره؟ وترى أيضاً فلانًا أبلغ من فلان، وأخطب، وأشعر، وأفصح؟ فبأي شيء حصلت هذه التفرقة؟ فكذلك عرفت العرب، ومن يعلم البلاغة من غيرهم مباينة القرآن العزيز سائر الكلام، وذلك بصحة الذوق، وسلامة الطبع، ولطف الحس حتى إن منهم من يعرف شعر الشاعر وإن دلس بغيره، ويفصله مما دلس

стр. 68

به، ويقول: هذا كلام فلان. ولقد رفع إلى الخليفة شعر صالح بن عبد القدوس في شيء من الكفر، فلما مثل بين يديه أنكر أن يكون ذلك من قوله، فأنشده غير ذلك مما اعترف به، فقال: هذا من نسبة ذاك، فقتله. فانظر كيف عرف شعره، وأسلوبه، واتحاد طريقه حتى قضى بأنه كله شيء واحد، وإن لم يكن في الثاني شيء مما في الأول. وقد يكون كلام البشر فصيحًا مليحاً موصوفًا بالجودة، وإنه مطابق للمعنى، سليم من التعمق، والتعسف، والتكلف، بريء من النقصان والزيادة، حسن المجاورة، تتبع الكلمة الكلمة التي تناسبها، وتكون بها أولى من غيرها، خفيف على السمع، حلو في النطق، جارٍ على المعتاد من كلام الفصحاء، والبلغاء، ومع ذلك فلا يقارب القرآن في شيء من ذلك، ولا يدانيه.

стр. 69

فإن قيل: فأي فائدة في تكرير القصص فيه، والأنباء؟ قيل: لذلك فوائد: منها: أن يقول المعاند، والجاحد: كيف أعارض مثلاً قصة موسى. وقد سردتها، وأوردتها على أفصح القول، وأحسنه، وسبقت إلى ذلك. فلم يبق لي طريق إلى المعارضة؟ فيقال له: ها هى قد جاءت في القرآن العزيز على أنحاء ومبانٍ فائت بها أنت، ولو على بناء واحد. ومنها: أنهم لَمَّا عجزوا عن الإتيان بسورة مثله أتاهم بسور مماثلة في المعنى، والنظم، والقصة؛ وذلك أنْكى لقلوبهم. ومنها: أن كل واحد لا يقدر على كل سورة، فجاءت هذه السور فيها هذه القصص على قدر قوى البشر، فمن أطاق هذه حفظها، ومن لم يطق حفظ الأخرى لينال الضعيف نحو ما نال القوي. ومنها: أن إعادة هذه القصص المتحدة على الأنحاء المختلفة مع التماثل في حسن النظم أبلغ في الفصاحة، وأعظم في المعجزة. فكانت تلك المعاني كعرائس تجَلَّى في ملابس مختلفة رائقة إذا رأيت الواحدة قلت: هذه، فإذا رأيت الأخرى قلت: بل هذه، فإذا جاءت الأخرى قلت: لا بل هذه، حتى لا تُفَضل واحدة على أخرى. ولا يقدر بليغ، ولا ناقد في الفصاحة على ذلك أبداً. فإن قيل: فهل في إقامته البراهين، وإيراد الدلائل على الوحدانية بذكر السموات والأرض، وتصريف الرياح والسحاب، وبأنه لو كان فيهما إله آخر لفسدتا. وعلى البعث بإنزال الماء، وإحياء الأرض بعد موتها. وبالنشأة الأولى إلى غير ذلك إعجاز؟ قلت: الإعجاز من جهة إيراد هذه

стр. 70

الحجج في الأساليب العجيبة، والبلاغة الفائقة، فهو راجع إلى ما قدمناه من نظم القرآن، وإعجازه. وأمَّا كونها براهين قاطعة فهو دليل على صدق النبي ﷺ ؛ لأنه لم يكن من أهل هذا، ولا قومه، ولا يعرف شيئاً منه، فلا اكتراث بعد ذلك بما أظهره حاسد، أو معاند، أو جاهل من شك. أو ارتياب يظهر لضعيف يُكَفِّرُهُ. ومن آيات الله ، وتمام حكمته أن تعاطى مسيلمة الكذاب

стр. 71

معارضته، فأتى بما جعله ضُحْكَة للعالمين ليظهر بذلك مضمون خبره الصادق بأن المعارضة ممتنعة، وأن المماثلة مندفعة. ولقد حكي عن عمرو بن العاص. ﵀ أنه مرَّ باليمامة. فاتى مسيلمة الكذاب ليختبر ما عنده، فقال له مسيلمة: ما الذي نزل على صاحبكم في هذه الأيام؟ فقال عمرو: نزل عليه: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) فقال مسيلمة: قد نزل على نحو من هذا. فقال له عمرو: وما ذلك؟ فقال: يا وبر يا وبر أذنان وصدر وسائرك حقر نقر كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب. فقد خرج مسيلمة بهذا الكلام عن كلام العقلاء، ودخل في

стр. 72

تخليط المجانين. فأما من قال في قوله : "فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) إن الهاء تعود إلى النبي ﷺ أي من مثل محمد ﷺ في أمْيته لا يعرف هو، ولا قومه ما في القرآن من الأنباء، واستشهد على صحة ما ذهب إليه بقوله : (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) فكلام من ركب الخطر، ولم ينعم النظر؛ لأن كلامه يقتضي أن بعض الناس يقدر على الإتيان بمثله، وهم العلماء بالسير، والممارسون للكتب، وهذا يبطله قوله : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) . والقرآن كلامُ رب العالمين غير مخلوق عند أهل الحق، وعلى ذلك أئمة المسلمين كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعى، وأحمد بن حنبل، وعامة الفقهاء، والعلماء. وقال جميع المعتزلة: إن كلام الله تعالى مثل كلام المخلوقين وإن البشر يقدرون على الإتيان بمثله، وبما هو أفصح منه، وإنما منعوا من ذلك في بعض الأوقات. والدليل على

стр. 73

أن القرآن - غير مخلوق قول الله : (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) . فلو كان القرآن مخلوقًا لكان مخلوقاً بقول آخر، وأدى ذلك إلى أن لا يوجد منه سبحانه فعل أبداً؛ إذ لا بد أن يوجد قبل ذلك الفعل أفعال هي أقوال ليس لها غاية، وذلك محال، ثم إن المخلوقات قسمان: جِسْمٌ وعَرَض. فلو كان القرآن مخلوقاً كان إما جسماً، وإا عَرضاً. والجسم يقوم بنفسه، فلو كان القرآن جسمًا لكان قائمًا بنفسه، ويلزم من ذلك وجود كلام غير قائم بمتكلم، ولا يصح أيضاً أن يكون عرضًا مخلوقًا لأنه لو كان كذلك لم يخل أن يقوم بنفس - البارئ ، أو بغيره، أو لا في محل. والله تعالى ليس بمحل للحوادث، فاستحال أن يخلقه في نفسه، وكذلك لا يصح أن يخلقه في غيره؛ لأنه كان يكون كلاماً للذي خلق فيه وصفة له كالعلم، والإرادة المخلوقين في الأجسام، ألا ترى أنهما صفتان لمن قامتا به دون الخالق لهما، وكذلك أيضاً يستحيل أن يخلقه لا في شيء، كما استحال فعل حركة ولون لا في شيء، وأيضاً، فإنه لو كان عرضًا لوجب أن يفنى في الثاني من حال حدوثه، ويلزم من ذلك أن يكون البارئ في وقتنا هذا لا آمراً بشيء، ولا ناهياً عنه، ولا مخبراً بشيء، وذلك خلاف ما عليه الأمة. وقال شيخ من رؤساء المعتزلة، يقال له: مَعْمَر: إن الله تعالى ليس له كلام، وإن موسى إنما سمع كلام الشجرة، وإن الله تعالى عز قوله لم يأمر قط، ولم ينه عن شيء، ولا تكلم ألبتة. نسال الله العفو والعافية مما صارت إليه هذه الفرقة وغيرها من فرق الضلال.

стр. 74

منازلُ الإِجلال والتَّعْظِيم في فَضائل القرآن العظيم روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الرب : من شغله القرآن، وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ". وعن أبي أمامة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ ثلث القرآن فقد أوتي ثلث النبوة، ومن قرأ ثلثي القرآن فقد أوتي ثلثي النبوة، ومن قرأ القرآن كله فقد أوتي النبوة كلها". وقال مالك بن عُبادة الغافقى: عهد إلينا رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: "عليكمٍ بالقرآن، فإنكم سترجعون إلى قوم يشتهون الحديث عني، فمن عقل شيئا فليحدث به، ومن قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ بيتاً، أو قال مقعداً من جهنم" قال: لا أدري أيهما قال.

стр. 75

وقال رجل لأبي الدرداء: إن إخواناً لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام، ويأمرونك أن توصيهم، فقال: أقرئهم السلام، واؤمرهم أن يربطوا القرآن بخزائمهم، فإنه يحملهم على القصد والسهولة، ويجنبهم الجَوْر والحُزُوْنة". وقال خئاب بن الأرت: - تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لست تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه. وعن أنس بن مالك قال: - قال رسول الله ﷺ : "القرآن شافع مُشَفعٌ، وماحِل مُصدقٌ، من شَفع له القرآنُ يومَ القيامة نجا، ومَنْ مَحِلَ به القرآنُ
следующие страницы →