Полный текст (1 372 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
هذا جوابُ محمدِ بنِ المظفرِ الشاميّ الشافعيِّ. ثم كتبَ بعدَهُ موافقةً له
على فُتياه، جماعةٌ من أعيانِ فقهاءِ بغدادَ: من الشافعيةِ والحنفيّةِ والحنبليَّةِ في
ذلكَ الزَّمانِ، وهو عصرُ الأربع مائةَ.
وهذا يخالفُ قولَ كثيرٍ من الشافعيَّةِ، في حمل كلامِ الشافعي على كراهةِ التنزيهِ.
والمعنى المقتضِي لتحريمِ الغناءِ: أنَّ النفوسَ مجبولة على حُبِّ الشهواتِ.
كما قالَ تعالى: (زُيِنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النسَاءِ) الآية، فجعلَ
النساءَ أوّلَ الشهواتِ المزينةِ.
والغناءُ المشتملُ على وصفِ ما جُبلتِ النفوسُ على حبِّه، والشَّغفِ به - من الصُّوَر الجميلةِ - يُثيرُ ما كمنَ في النفوسِ من
تلك المحبّةِ ويُشوِّقُ إليها، ويُحرِّكُ الطبعَ ويزعجُه، ويخرجُه عن الاعتدالِ.
ويؤُزُّه إلى المعاصِي أزًّا.
ولهذا قِيل: إنه رقيةُ الزنا.
وقد افتُتن بسماع الغناء، خلقٌ كثيرٌ فأخرَّجَهُم استماعُه إلى العشقِ، وفُتنوا
في دينهِم، فلو لم يرِد نصٌّ صريح في تحريمِ الغناءِ بالشعرِ الذي تُوصفُ فيه
الصُّورُ الجميلة لكانَ محرَّمًا بالقياسِ على النظرِ إلى الصُّورِ الجميلةِ التي يحرمُ
النظرُ إليها بالشهوةِ، بالكتابِ والسنةِ وإجماع من يُعتدُّ به من علماءِ الأمةِ.
فإنَّ الفتنةَ كَما تحصُلُ بالنظرِ والمشاهدةِ، فكذلك تحصُلُ بسماع الأوصافِ.
واجتلائِها من الشعرِ الموزونِ المحرك للشهواتِ.
ولهذا نهى النبيُّ ﷺ أن تصفَ المرأةُ المرأةَ لزوجها، كأنّه ينظرُ إليها.
لِمَا يُخشى من ذلكَ من الفتنةِ.
وقد جعلَ النبيُّ ﷺ زِنا العينينِ النظرَ.
وزنا الأذنينِ الاستماع.
وقالَ أبو هريرةَ ﵁: ثلاث فاتناتٌ مُفتناتٌ يُكببنَ في
стр. 1017
النارِ: رجلٌ ذُو صور حسنة، فاتنٌ مفتونٌ به يُكبُّ في النار، ورجلٌ ذو شعر
حسن، فاتن مفتون به يُكَمث في النارِ، ورجل ذو صوت حسن، فاتن مفتون به يُكبُّ في النارِ.
خرَّجَه حميد بن زنجويه في "كتابِ الأدَّبَ ".
* * *
стр. 1018
سُورَةُ القَمَرِ
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)
ومن أنواع عذابِهم سحبُهم في النَّارِ على وجوهِهم، قالَ اللَّهُ تعالى:
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) .
وقالَ تعالى: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) .
قالَ قتادةُ: يسحبُونَ في النارِ مرةً وفي الحميم مرةً، وقالَ تعالى:
(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) .
وقالَ قتادةُ: قالَ ابنُ عباس (صَعُودًا) : صخرة في جهنمَ يُسحَبُ
عليها الكافرُ على وجهِه.
وقالَ كعب: يقولُ اللَّهُ للإمامِ الجائرِ: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) .
فيُسحَبُ على وجهِه في النَّارِ، فينتثرُ لحمهُ وعظامُه ومخهُ.
وقالَ ثابتٌ أبو زيد القيسيُّ، عن عاصم الأحول، عن أبي منصورٍ مَولى
سليم أن ابنَ عباس قالَ: (يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ) .
قالَ أبو زيدٍ: أُراه قالَ: ينسلخُ كل شيءٍ عليه من جلدٍ ولحم وعروق وأعصابٍ حتَى
стр. 1019
يصيرَ في عقبيهِ جسدٌ من لحمِهِ مثلُ طولِه، وطولُهُ ستونَ ذراعًا، ثمَّ يُكسَى
جلدًا آخرَ، ثمَّ يسجرُ في الحميم.
خرَّجُه كلَّه ابنُ أبي حاتمٍ.
* * *
стр. 1020
سُورَةُ الرَّحْمَنِ
قوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)
إنَّ الشتاء له مشرقٌ ومغربٌ، والصيفَ كذلك، ولهذا ثَنَّاهما اللَّه تعالى في
قولِهِ: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) .
وجمعَهما في قولهِ: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) ، باعتبار مشارق الشتاءِ والصيفِ والخريفِ والربيع؛ فإن لكلِ يومٍ من السنةِ مطلعًا مشرقًا خاصا ومغربًا خاصا.
وأفردَهما في قوله: (رَبُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ، باعتبار الجنسِ.
* * *
قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)
وقد ضمِنَ اللَّهُ سبحانَهُ الجنةَ لمن خافَهُ من أهلِ الإيمانِ، فقالَ تعالَى:
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)
قال مجاهد: في هذه ِ الآية: اللَّهُ قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ، فمن أرادَ أن يعملَ شيئًا فخافَ مقامَ ربِّه عليه، فله جنتان.
وعنه أنه قال: هو الرجلُ يذنبُ فيذكرُ مقامَ اللَّهِ فيدعهُ.
وعنه قال: هو الرجلُ يهمُّ بالمعصيةِ فيذكرُ اللَّهَ فيترُكُها.
стр. 1021
وقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ: وعد اللَّهُ المؤمنينَ الذين خافُوا
مقامَهُ وأدَّوا فرائِضَهُ الجنةَ.
وعن الحسنِ، قالَ: قالتِ الجنةُ: يا ربِّ لمنْ خلقْتني، قالَ: لمن يعبدُني
وهو يخافُني.
وقال يزيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشخيرِ: كنَّا نحدَّثُ أنَّ صاحبَ النارِ الذي لا
تمنعُهُ مخافةُ اللَّهِ من شيءٍ خفي له.
وعن وهبِ بنِ منبهٍ، قال: ما عُبدَ اللَّهُ بمثلِ الخوفِ.
وقال أبو سليمانَ الدارانيُّ: أصلُ كل خيرٍ في الدنيا والآخرةِ الخوفُ من
اللَّهِ ، وكلُّ قلب ليسَ فيه خوفُ اللَّهِ فهو قلب خربٌ.
وقال وهيبُ بنُ الوردِ: بلغنا أنَّه ضُرب لخوفِ اللَّهِ مثل في الجسدِ، قيلَ:
إنما مثلُ خوفِ اللَهِ، كمثلِ الرجلِ يكونُ في منزلِهِ فلا يزالُ عامِرًا ما دامَ فيه
رتُه، فإذا فارقَ المنزلَ ربُّه وسكنَهُ غيرُه خربَ المنزلُ، وكذلكَ خوفُ اللَّهِ
تعالَى، إذا كانَ في جسدٍ لم يزلْ عامِرًا ما دامَ فيه خوفُ اللَهِ، فإذا فارقَ
خوفُ الله الجسدَ خربَ، حتى إنَّ المار يمرُّ بالمجلسِ من الناسِ فيقولونَ: بِئسَ
العبدُ فلان، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: ما رأيتم منه؟
فيقولونَ: ما رأينا منه شيئًا غيرَ أنَا نبغضه، وذلك أن خوفَ اللَّهِ فارقَ جسدَه، وإذا مر بهم الرجلُ فيه خوفُ اللَّهِ، قالُوا: نِعْمَ واللهِ الرجلُ، فيقولونَ: أيَّ شيءٍ رأيتم منه؟
فيقولونَ: ما رأينا منه شيئًا غيرَ أنَّا نحته.
وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ: الخوفُ أفضلُ من الرجاءِ ما كَانَ الرجلُ
صحيحًا، فإِذا نزلَ الموتُ فالرجاءُ أفضلُ.
стр. 1022
وسُئلَ ابنُ المبارك عن رجلينِ، أحدُهما خائفٌ والآخرُ قتيلٌ في سبيلِ اللَّهِ
، قال: أحبُّهما إلىَّ أخوفُهُما.
* * *
стр. 1023
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)
وقال محمدُ بن كعبٍ القُرظِيُّ في قولهِ تَعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) .
قال: تخفض رجالاً كانُوا في الدّنيا مرتفعينَ، وترفعُ رجالاً كانوا في الدُّنيا مخفوضين.
* * *
قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)
قالَ اللَّهُ تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) .
قالَ ابنُ عباسٍ؛ ظلٌّ من دخانٍ، وكذا قالَ مجاهدٌ وعكرمةُ وغيرُ واحدٍ.
وعن مجاهدٍ قالَ: ظل من دخانِ جهنمَ، وهو السَّمُومُ؛ وقالَ أبو مالكٌ:
اليحمومُ: ظلٌّ من دخانِ جهنمَ.
قالَ الحسنُ وقتادةُ في قولهِ: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) لا باردُ المدخلِ، ولا كريمُ المنظرِ؛ والسَّمُومُ: هو الريحُ
стр. 1024
الحارةُ، قالَه قتادةُ وغيرُه.
وهذه الآية ُ تضمنتْ ذكرَ ما يُتبردُ به في الدُّنيا من الكربِ والحرِّ وهو ثلاثة:
الماءُ والهواءُ والظلُّ، فهواءُ جهنمَ: السمومُ وهو الريحُ الحارَةُ الشديدةُ الحرِّ، وماؤُها الحميمُ الذي قدْ اشتدَّ حرُّهُ، وظلُّها اليحمومُ وهو قطعُ دخانِها، أجارَنا اللهُ من ذلك كلِّه بكرمِه ومنِّه.
وقالَ تعالى: (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) .
قالَ مجاهد:
هو دخانُ جهنمَ: اللهبُ الأخضرُ والأسودُ والأصفرُ الذي يعلو النَّارُ إذا
أُوقِدتْ.
قالَ السديُّ في قولهِ: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) ، قال: زعمُوا أن
شررَها ترمي به، كأصولِ الشجرِ ثمَّ يرتفعُ فيمتدُّ.
وقالَ القرظيُّ: على جهنمَ سور فما خرج من وراءِ سورِها يخرجُ منها في عظم القصورِ ولونِ القارِ.
وقال الحسنُ والضحاكُ في قوله: (كالْقَصْرِ) هو كأصولِ الشجرِ العظامِ.
وقالَ مجاهد: قطعُ الشجرِ والجبلِ.
وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ قالَ: شرر كالقصورِ والمدائنِ.
ورَوى عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ قالَ: (بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ)
يقولُ: كالقصرِ العظيم.
وفي "صحيح البخاريّ " عن ابنِ عباس، قالَ: كنا نرفعُ من الخشبِ
بقصرِ ثلاثةَ أذرع أو أقلَّ نرفعُه للشتاءِ، نُسميه القصرَ.
وقولُه: (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) ، قالَ ابنُ عباسٍ: حبالُ السفنِ
يُجمَعُ بعضُها إلى بعضٍ تكونُ كأوساطِ الرجالِ.
وقالَ مجاهد: هي حبالُ الجسورِ،
стр. 1025
وقالتْ طائفة: هي الإبلُ، منهم الحسنُ وقتادةُ والضحاكُ، وقالوا:
الصفرُ هي السودُ.
ورُوي عن مجاهدٍ أيضا.
وقالَ عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: (جِمَالَتٌ صُفْرٌ)
يقولُ: قِطَعُ النحاسِ.
قال اللَّهُ : (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) .
قال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) يقولُ: لهبُ النَّارِ (وَنُحَاسٌ) يقولُ: دخانُ النارِ. ْ
وكذا قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ وأبو صالح وغيرُهما إنَّ النحاسَ: دخانُ النَارِ.
وقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ عن ابنِ عباس (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ) قالَ: دخانٌ.
وقال أبو صالح: الشواظُ: اللهبُ الذي فوقَ النَّارِ ودونَ الدخانِ.
قالَ منصور عن مجاهدٍ: الشواظُ: هو اللهب الأخضرُ المتقطعُ.
وعنه قالَ: الشواظُ: قطعة من النَّارِ فيها خُضرة.
قالَ الحسينُ بنُ منصورٍ: أخرج الفضيلُ بنُ عياضٍ رأسه من خوخةٍ فقالَ
منصورٌ عن مجاهدٍ: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ)
، ثمَّ أدخلَ رأسَه فانتحَب ثم أخرجَ رأسَه، فقالَ: هو اللهبُ المنقطعُ
ولم يستطعْ أنْ يجيزَ الحديثَ.
وخرَّجَ النسائيُّ والترمذيُّ من حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"لا يجتمعُ غباز في سبيلِ اللَّهِ ودخانُ جهنمَ في جوفِ امرئ أبدًا "،
стр. 1026
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ أبي الدرداءَ عن النبيِّ ﷺ نحوَه.
* * *
قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)
قالَ اللَّهُ : (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) .
والنُّزلُ هو ما يعُدُّ للضيفِ عندَ قدومهِ، فدلتْ هذه الآياتُ على أنَّ أهلَ
النَّارِ يتحفُونَ عند دخولهِا بالأكلِ من شجرةِ الزقومِ والشربِ من الحميم، وهم إنَّما يُساقُونَ إلى جهنمَ عِطاشًا، كما قالَ تعالى:
(وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) .
قال أبو عمرانَ الجوني: بلغنا أنَّ أهلَ النَّارِ يبعثُون عِطاشًا ثمَّ
يقفُونَ مشاهدَ القيامةِ عِطَاشًا، ثمَّ قَرا: (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) قال مجاهد في تفسيرِ هذه الآيةِ: متقطعةٌ أعناقُهم عَطَشًا.
وقالَ مطرٌ الوراق: عطَاشًا: ظمَاءً.
وفي "الصحيحينِ " عن النبي ﷺ في حديثِ الشفاعة الطويل: "إنَّه يقالُ
стр. 1027
لليهودِ والنصارى: ماذا تبغُون؟
فيقولُون: عَطِشْنا ربَّنا فاسقِنا، فيُشارُ إليهم ألا تردِونَ
فيُحشرونَ إلى جهنمَ كأنَهما سرابٌ يحطمُ بعضُها بعضا، فيتساقطُونَ في النَّارِ".
وقالَ أيوبُ عن الحسنِ: ما ظنُكَ بقومِ قاموا على أقدامِهم خمسينَ ألفَ
سنةِ لم يأكُلوا فيها أكلةً ولم يشربُوا فيها شربةً حتَّى انقطعتْ أعناقُهم عطشًا
واحترقتْ أجوافُهم جُوعًا، ثُمَّ انصرفَ بهم إلى النَّارِ فيُسقَونَ من عينٍ آنيةٍ قدْ
آنَ حرُّها واشتدَّ نضجُها.
ورَوى ابنُ المبارك بإسناده عن كعبٍ، قالَ: إنَّ اللَّهَ ينظرُ إلى عبدهِ يومَ
القيامةِ وهو غضبانٌ، فيقولُ: خذُوه، فيأخذه مائة ألفِ ملكٍ أو يزيدُون.
فيجمعون بينَ ناصيتهِ وقدميه غضبًا لغضبِ اللَهِ، فيسحبونه على وجههِ إلى
النَّارِ، قالَ: فالنَّارُ أشدّ عليه غضبًا من غضبهم سبعينَ ضعفًا.
قال: فيستغيثُ بشرْبَةٍ، فيُسقى شربةً يسقطُ منها لحمُه وعصبُه، ثمَّ يركسُ - أو يدكسُ - في النَّارِ، فويلٌ لها من النَّارِ.
قال ابنُ المباركِ: حُدثتُ عن بعضِ أهلِ المدينةِ أنَّه يتفتتُ في أيديهم إذا
أخذُوه فيقولُ: ألا ترحمُوني، فيقولُون: كيفَ نرحمُك ولمَ يرحمك أرحمُ
الراحمِينَ.
وروى الأعمشُ عن مالكِ بن الحارثِ، قال: إذا طُرحَ الرجلُ في النارِ
هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعضِ أبوابها قيلَ: مكانَك حتَّى تُتْحَفَ، قال:
فيسُقى كأسًا من سُمِّ الأساودِ والعقاربِ، فيتميزُ الجلدُ على حدةٍ، والشعرُ
على حدةٍ، والعصبُ على حدةٍ، والعروقُ على حدةِ.
خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.
وروى محمدُ بنُ سليمانَ بنِ الأصبهانيّ، عن أبي سنانَ ضرار بنِ مرة،
стр. 1028
عن عبدِ اللَّه بنِ أبي الهذيلِ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ:
"إنَّ جهنمَ لما سِيقَ إليها أهلُها تلقتهُم فلفحتهُم لفحةً، فلم تدع لحمًا على عظم إلا ألقته على العرقوبِ "
خرَّجَه الطبرانيُّ ورفْعُه منكرٌ، فقد رواه ابنُ عيينة عن أبي سنانَ
عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي الهذيلِ أو غيرهِ من قولهِ لم يرفعْه.
ورواه محمدُ بنُ فضيل عن أبي سنانَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي الهذيلِ عن أبي هريرةَ من قولهِ في قولهِ تعالى: (لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ) ، قالَ: تلقاهُم جهنمُ يومَ القيامةِ فتلفحُهم لفحةً، فلا تتركُ لحما على عظمٍ إلا وضعتْهُ على العراقيبِ.
* * *
وأما شرابُهم فقالَ اللَّهُ تعالى: (فَشَارِبونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيم)
وقالَ تعالى: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) .
وقالَ تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) .
وقالَ تعالى: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) .
وقالَ تعالى: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) .
وقالَ تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) .
فهذه أربعةُ أنواع ذكرناها من شرابِهم، وقد ذكرَها اللَّهُ في كتابهِ:
النوعُ الأولُ: الحميمُ - قال عبدُ اللَّهِ بنُ عيسى الخراز، عن داودَ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباس: الحميمُ الحارُّ الذي يحرق.
стр. 1029
وقال الحسنُ والسديُّ: الحميمُ الذي قد انتهى حرُّهُ.
وقال جويبر عن الضحاكِ: يُسقى من حميم يُغلى من يومِ خلقَ اللَّهُ
السماواتِ والأرضَ إلى يومِ يُسقَونَه ويُصبُّ على رؤوسِهم.
وقالَ ابنُ وهب عن ابن زيد: الحميمُ دموعُ أعينهم في النارِ يجتمعُ في
حياض النارِ فيُسْقَونَه.
وقال تعالى: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) .
قال محمدُ بنُ كعبٍ: حميم أن: حاضرٌ، وخالفَه الجمهورُ، فقالوا: بل
المرادُ بالآن: ما انتهى حرُّه.
وقال شبيبٌ، عن عكرمَة، عن ابنِ عباسٍ: حميم آنٍ: الذي قد انتهى
غليُه.
وقال سعيدُ بنُ بشيرٍ عن قتادةَ: قد آنَ طبخُه، منذُ خلقَ اللَّه السماواتِ
والأرضَ، وقالَ تعالى: (تسْقَى مِنْ عَيْن آنِيَة) ، قال مجاهدٌ: قد بلغَ
حرُّها، وحانَ شربُها.
وعن الحسنِ، قالَ: كانت العربُ تقولُ للشيءِ إذا انتهى حرُّهُ حتى لا
يكون شيء أحرَّ منه: قد آنَ حرُّهُ، فقالَ اللَّهُ : (مِنْ عَينٍ آنِيَة)
يقول: قد أوقدَ اللَّهُ عليها جهنمَ منذُ خُلقتْ، وآنَ حرُّها.
وعنه قال: آنَ طبخُها منذُ خلقَ اللَّهُ السمواتِ والأرضَ.
وقال السديُّ: انتهى حرُّها، فليس بعدَه حرٌّ.
وقد سبقَ حديثُ أبي الدرداء، في دفع الحميم إليهم بكلاليبِ الحديدِ.
النوع الثاني: الغسَّاقُ - قال ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ: ما يسيلُ من بينِ جلدِ
стр. 1030
الكافرِ ولحمهِ.
وعنه قال: الغسَّاقُ: الزمهريرُ الباردُ، الذي يحرقُ من بردهِ.
وعن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو قال: الغسَّاقُ: القيحُ الغليظُ، لو أنَّ قطرةً منه
تُهرقُ في المغربِ، لأنتنتْ أهلَ المشرقِ، ولو أُهرِقَتْ في المشرقِ، لأنتنتْ أهلَ المغربِ.
وقال مجاهدٌ: غسَّاق: الذي لا يستطيعُون أنْ يذوقُوه من بردِه.
وقال عطيةُ: هو ما يغسِقُ من جلودِهم - يعني يسيلُ من جلودِهم.
وقال كعب: غسَّاق: عينٌ في جهنم يسيلُ إليها حمة كلُّ ذاتِ حمةٍ، من
حيةٍ وعقربٍ وغيرِ ذلك، فيستنقعُ؛ فيؤتَى بالآدَمي، فيُغمسُ فيها غمسةً
واحدةً، فيخرجُ وقد سقطَ جلدُه ولحمُه عن العظامِ؛ ويتعلقُ جلدُه ولحمُه في
عقبيهِ وكعبيهِ، ويجر لحمَه، كما يجر الرجلُ ثوبَه.
وقال السديُّ: الغسَّاق: الذي يسيلُ من أعينهِم من دموعِهم، يُسقونَه معَ
الحميمِ.
وروى دراجٌ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال:
" لو أن دلوًا من غسَّاقٍ، يُهرَقُ في الدنيا، لأنتنَ أهلَ الدُّنيا"
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ والحاكمُ وصححَه.
وقال بلال بنُ سعدٍ: لو أنَّ دلوًا من الغسَّاقِ، وُضعَ على الأرضِ، لماتَ
مَنْ عليها.
وعنه قال: لو أنَّ قطرةً منه، وَقَعتْ على الأرضِ، لأنتن مَن فيها.
خرَّجَه أبو نُعيمٍ.
стр. 1031
وقدْ صرحَ ابنُ عباسٍ في رواية عنه، ومجاهد، بأنَّ الغسَّاق ههنا هو الباردُ
الشديدُ البردِ.
ويدلُّ عليه قولُه تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) .
فاستثنى من البردِ الغسَّاقَ ومن الشرابِ الحميمَ.
وقد قيل: إن الغسَّاقَ هو الباردُ المنتن، وليس بعربيّ.
وقيل: إنَّه عربيّ، وإنه فَعّال من غسَقَ يَغسِقُ، والغاسقُ: الليلُ، وسُميَ غاسقًا لبردِه.
النوع الثالث: الصَّدِيدُ: - قال مجاهد في قولِه تعالى:
(وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) .
قال: يعني القيحَ والدَّمَ، وقالَ قتادةُ: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)
قال: ما يسيلُ من بينِ لحمِه وجلدهِ؛ قالَ: (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) .
قالَ قتادةُ: هلْ لكُم بهذا يدانِ، أم لكُم على هذا صبر؟
طاعةُ اللَّهِ أهونُ عليكُم -
يا قوم - فأطيعُوا اللَّهَ ورسولَه.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ، من حديثِ أبي أمامةَ، عن النبيِّ ﷺ ، في قوله: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ) .
قال: يقربُ إلى فيه فيكرعُهُ، فإذا أُدني منه، شَوى وجهَه، ووقعت فروةُ
رأسِه؛ فإذا شَرِبه قطَّعَ أمعاءَه، حتَّى يخرجَ من دبرِه، يقولُ اللَّهُ تعالى:
(وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَعَ أَمْعَاءَهُمْ) .
وقال: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) .
стр. 1032
وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ قالَ: في جهنَم
أوديةٌ من قيع تكتازُّ ثمَّ تُصَبُّ في فِيهِ.
وفي "صحيح مسلم " عن جابر عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"إن على اللهِ عهدًا لمن شَرِبَ المسكراتِ ليسقِيَه من طينةِ الخبالِ ".
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ: وما طينةُ الخبَالِ؟
قال: "عَرَقُ أهلِ النارِ أو عُصَارَةُ أهلِ النارِ.
وخرَّج الإمامُ أحمدَ والنسائيُ وابنُ ماجةَ وابنُ حبانَ في "صحيحه " من
حديثِ عبدِ اللَهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ عن النبي ﷺ نحوَه، إلا أنَّه ذكرَ ذلك في المرةِ الرابعةِ، وفي بعضِ الرواياتِ
"مِنْ عينِ الخبالِ ".
وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ نحوَه عن النبيِّ ﷺ إلا أنَّه قال: "من نهرِ الخبالِ ".
قِيلَ: يا أبا عبدِ الرحمنِ ما نهرُ الخبال؟
قالَ: نهرٌ من صديدِ أهلِ النَّارِ.
وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
وخرَّج أبو داود من حديثِ ابنِ عباس عن النبي ﷺ نحوَه، وقالَ:
"من طينةِ الخبالِ " قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ ما طينةُ الخبالِ؟
قالَ: "صديدُ أهلِ النَّارِ".
وفي روايةٍ أُخرى قالَ:
"ما يخرجُ من زهومة أهلِ النارِ وصديدهم ".
وخرَّجَ الإمامُ أحمدَ بمعناه أيضًا من حديثِ أبي ذرٍّ وأسماءَ بنتِ يزيد عن النبيِّ ﷺ .
وخرَّج الإمامُ أحمدَ وابنُ حبانَ في "صحيحهِ " من حديثِ أبي موسى
стр. 1033
عن النبي ﷺ قالَ: "مَنْ ماتَ وهو مدمنُ خمرٍ سقَاه اللَّهُ من نهرِ الغوطةِ"، قِيلَ: * وما نهرُ الغوطةِ؟
قال: "نهرٌ يخرجُ من فروج المومساتِ يؤذي أهلَ النَّارِ نتن فروجِهم ".
وقد سبقَ حديثُ عمرِو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ ﷺ في المتكبرين وفيه:
"يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال ".
النوعُ الرَّابعُ: الماءُ الذي كالمهلِ، خرَّج الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديثِ
دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ في قولهِ: (كَالْمُهْلِ) قال: "كعكرِ الزيتِ، فإذا قربَ إلى وجههِ سقطتْ
فروة وجههِ فيه ".
قالَ عطيةُ: سُئِلَ ابنُ عباسٍ عن قولهِ: (كَالْمُهْلِ) قال: غليظٌ كدردي
الزيتِ، قال عليٌّ بنُ أبي طالب عن ابنِ عباسٍ: أسود كمهلِ الزيتِ؛ وكذا
قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ وغيرُه.
قالَ الضحاكُ: أذابَ ابنُ مسعودٍ فضةً من بيتِ المال ثُمَّ أرسلَ إلى أهلِ
المسجدِ، فقالَ: من أحب أن ينظرَ إلى المهلِ فلينظرْ إلى هذا.
وقالَ مجاهد: بماء كالمهلِ: مثلُ القيح والدمِ أسود كعكرِ الزيتِ.
وخرَّج الطبرانيُّ من طريقِ تمام بنِ نجيح عن الحسنِ عن أنسٍ عن النبيِّ
ﷺ :
"لو أنَّ غَربًا جُعِلَ من حميم جهنمَ وجُعِلَ وسطُ الأرضِ لآذى نتن ريحهِ وشدَّةُ
حرِّه ما بينَ المشرقِ والمغربِ ".
وفي موعظةِ الأوزاعي للمنصورِ قال: بلغَني أنَّ جبريلَ قالَ للنبيِّ ﷺ :
стр. 1034
" لوأنَّ ذَنُوبًا من شرابِ جهنمَ صُبَّ في ماءِ الأرضِ جميعًا لقتل من ذاقه ".
خرجَ بعضُ المتقدمينَ فمر بكرومٍ بقرية يقال لها: طيزناباد، وكأنَّه كانَ
يُعصرُ فيها الخمرُ، فأنشدَ يقول:
بطيزناباد كَرْم ما مررتُ به. . . إلا تعجبتُ ممن يشربُ الماءَ
فهتف به هاتف يقول:
وفي جهنمَ ماءٌ ما تجرعهُ. . . حلقٌ فأبقى له في البطنِ أمعاء
* * *
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قولِهِ تعالى:
(لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) ، (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) .
قال: تأملتُ دخول اللامِ وخروجَها فرأيتُ المعنى: أنَّ اللامَ تقعُ للاستقبالِ، تقول: لأضربنَّك، أي: فيما بعدُ، لا في الحال، والمعنى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) أي: في مستقبلِ الزَّمان إذا تَمَّ فاستحصدَ، وذلك أشدُّ العذابِ، لأنَّها حالةُ انتهاء
стр. 1035
تعبِ الزراع، واجتماع الدَّيْنِ عليهِ، لرجاء القضاءِ بعدَ الحصاد مع فراغ
البيوتِ من الأقواتِ.
وأمَّا في الماء، فقال: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) أي: الآنَ، لأنَّا لو
أخَّرْنا ذلك لشربَ العطشانُ، وادَّخَرَ منه الإنسان.
* * *
قوله تعالى: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)
وكان من السلفِ من إذا رأَى النارَ اضطربَ وتغيرتْ حالُه، وقد قال تعالىَ
(نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) .
قال مجاهد وغيرُه: يعني أن نارَ الدنيا تذكرُ بنارِ الآخرةِ.
وقال أبو حيانَ التيمي:. سمعتُ منذُ ثلاثينَ سنة أو أكثرَ من ثلاثينَ سنة أنَّ
عبدَ الله بنَ مسعودٍ مَرَّ على الذينَ ينفخُونَ على الكيرِ فسقَطَ.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ.
وخرج ابنُ أبي الدنيا من روايةِ سعدِ بنِ الأخرمِ، قال: كنتُ أمشِيَ معَ ابنِ
مسعودٍ. فمرَّ بالحدادينَ وقد أخرجُوا حديدًا من النارِ، فقامَ ينظرُ إليه ويبْكِي.
وعن عطاءٍ الخراسانيِّ قال: كانَ أويس القرنيُّ يقفُ على موضِع الحدادينَ
فينظرُ إليه كيفَ ينفخونَ الكيرَ، ويسمعُ صوتَ النارِ فيصرخُ ثم يسقطُ.
وعن ابن أبي الذبابِ: أن طلحةَ وزيدًا مرَّا بكيرِ حدادٍ فوقَفَا ينظرانِ إليه
ويبكيانِ.
стр. 1036
قال الأعمشُ: أخبرني من رأى الربيعَ بن خثيم مرَّ بالحدادينَ فنظر إلى
الكيرِ وما فيه فخرَّ.
وقال مطر الوراقُ: كان حممةُ وهرمُ بنُ حيانَ إذا أصبحَا غدَيا فمرَّا بأكْوِرَةِ
الحدادينَ، فنظرَا إلى الحديدِ كيفَ ينفخُ، فيقفانِ ويبكيانِ، ويستجيرانِ من
النارِ.
وقال حمادُ بنُ سلمةَ عن ثابت: كانَ بشيرُ بنُ كعبٍ وقراءُ البصرةِ يأتونَ
الحدادينَ فينظرونَ إلى شهيقِ النارِ فيتعوذونَ باللَّهِ من النارِ.
وعن العلاءِ بنِ محمدٍ قالَ: دخلتُ على عطاءٍ السلميِّ فرأيتُه مغشيًّا عليه.
فقلتُ لامرأتِهِ: ما شأنُه؟
قالتْ: سجرتْ جارةٌ لنا التنورَ فلمَّا نظرَ إليه غُشِيَ عليهِ.
وعن معاويةَ الكنديِّ قالَ: مرَّ عطاءٌ السلميّ على صبيٍّ معهُ شعلةُ نارٍ
فأصابت النارَ الريحُ، فسمعَ ذلك منها، فغشِيَ عليهِ.
وقال الحسنُ: كان عمرُ ﵁ ربَّما توقدُ له النارُ ثم يدْني يديه منهَا، ثم يقولُ: يا ابنَ الخطابِ هلْ لكَ على هذا صبرٌ.
وكان الأحنفُ بنُ قيسٍ يجيءُ إلى المصباح بالليلِ فيضعُ أصبعهُ فيه، ثم
يقولُ: حِس حِس، ثم يقولُ: يا حنيفُ ما حملكَ على ما صنعتَ يومَ كذا.
ما حملكَ على ما صنعتَ يومَ كذا؟.
وقال البختريُّ بنُ حارثةَ: دخلتُ على عابدٍ، فإذَا بين يديهِ نارٌ قد أجَّجَهَا.
وهوَ يعاتبُ نفسهُ ولم يزلْ يعاتِبُها حتى ماتَ.
وكانَ كثير من الصالحينَ يذكرُ النارَ وأنواعَ عذابِها برؤيةِ ما يشبُههُ بها في
стр. 1037
الدُّنيا، أو يذكرُهُ بِهَا كرؤيةِ البحرِ وأمواجِهِ والرؤوسِ المشويةِ، وبكاءِ الأطفالِ، وفي الحرِّ والبردِ، وعند الطعامِ والشرابِ وغيرِ ذلكَ، وسنذكرُ ما تيسرَ من ذلكَ مفرَّقًا في مواضِعهِ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
وأنَّ منهم من كانَ يذكرُ النارَ بدخولِ الحمامِ، وروى ليثٌ عن طلحة قال:
انطلقَ رجلٌ ذاتَ يومٍ فنزعَ ثيابَهُ وتمرغَ في الرمضاءِ وهو يقولُ لنفسِهِ: ذوقي
نارَ جهنمَ ذوقي (نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا) ، جيفةٌ بالليلِ بطالةٌ بالنهارِ، فبينا
هو كذلك إذا أبصرَ النبيَّ ﷺ في ظلِّ شجرةٍ فأتاهُ، فقالَ: غلبتنِي نفسِي، فقالَ له النبيُّ ﷺ :
"ألم يكنْ لك بدٌّ من الذي صنعتَ؟
لقد فُتحتْ لك أبوابُ السماءِ، ولقد باهَى اللَهُ بكَ الملائكةَ"
خرَّجهُ ابنُ أبي الدنيا وهو مرسلٌ، وخرَّجَ الطبرانيُّ نحوَهُ من حديث بريدةَ موصولاً، وفي إسناده من لا يعْرفُ حالُه.
واللَّهُ أعلم.
* * *.
ومِن أعظم ما يُذكِّرُ بنارِ جهنمَ: النَّارُ التي في الدنيا، قال الله تعالى:
(نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا للْمُقْوِينَ) ، يعني أنَّ نارَ الدُّنيا جعلها اللَّه
تذكرةً تذكِّرُ بنارِ الآخرةِ.
مرَّ ابنُ مسعودٍ بالحدَّادين وقد أخرجُوا حديدًا من
النارِ، فوقفَ ينظرُ إليه ويبكي.
ورُوي عنه: أنَّه مرَّ على الذين ينفُخُون الكيرَ فسقطَ.
وكان أويس يقفُ على الحدَّادين فينظرُ إليهم كيف ينفخونَ الكيرَ، ويسمعُ
صوتَ النَّار، فيصرخُ، ثم يسقُطُ.
وكذلك الربيع بنُ خُثيم. وكان كثيرٌ من
"التخويف من النار! (٢٤ - ٢٥) .
стр. 1038
السَّلف يخرجونَ إلى الحدَّادينَ ينظرونَ إلى ما يصنعونَ بالحديدِ، فيبكونَ
ويتعوَّذون باللَّهِ من النَّارِ.
ورأى عطاءٌ السَّليمي امرأةً قد سجرت تنورَها، فغُشي عليه.
قال الحسنُ: كانَ عمرُ رُبَّما تُوقدُ له النَّارُ، ثم يُدني يدَه منها، ثم يقول: يا ابنَ الخطاب! هل لك على هذا صبرٌ؟
كانَ الأحنفُ بنُ قيسٍ يجيءُ إلى المصباح فيضعُ أُصبعَه فيه، ويقول:
حسِّ، ثمَّ يُعاتبُ نفسه على ذنوبهِ.
أجَّجَ بعضُ العبَّادِ نارًا بين يديه وعاتبَ نفسه، فلم يزلْ يعاتبُها حتى مات.
نارُ الدنيا جُزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنَّم، وغُسلَت بالبحر مرتين حتى
أشرقت وخفَّ حرُّها، ولولا ذلك ما انتفعَ بها أهلُ الدُّنيا، وهي تدعو اللَّهَ
ألا يعيدَها إليها.
قال بعضُ السَّلف: لو أُخرجَ أهلُ النار منها إلى نار الدنيا
لقالُوا فيها ألفَي عام.
يعني أنهم كانُوا ينامُون فيها ويرونها بردًا.
كان عمرُ يقول: أكثروا ذِكرَ النَّارِ؛ فإنَّ حرَّها شديدٌ، وإنَّ قعرها بعيدٌ.
وإنَّ مقامعها حديدٌ.
كان ابنُ عمر وغيرُه من السَّلف إذا شربوا ماءً باردًا بكوا وذكروا أمنيَّةَ أهل
النار وأنَّهم يشتهون الماء الباردَ، وقد حيلَ بينهم وبينَ ما يشتهون، ويقولون
لأهل الجنة: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) ، فيقولُونَ
لهم: إنَّ اللهَ قد حرَّمَهما على الكافرينَ.
والمصيبةُ العُظْمى حينَ تطبُقُ النَّارُ على أهلِها، وييأسونَ من الفرج، وهو الفزعُ الأكبرُ الذي يأمنُه أهل الجنةِ (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) .
стр. 1039
لو أبصرتْ عيْنَاكَ أهلَ الشَّقَا. . . سِيقوا إلى النَّار وقَدْ أُحْرِقُوا
شرابُهُمُ المُهْلُ في قَعْرِها. . . إذ خالَفُوا الرُّسْلَ وما صَدَّقُوا
تقولُ أُخراهُمْ لأولاهُمُ. . . في لُجج المُهْلِ وقد اغْرِقوا
قد كُنْتُمُ خُوِّفْتُمُ حَرَّها. . . لكن مِن النَيران لم تَفْرُقُوا
وَجِيء بالنَيران مَذْمُومَةً. . . شَرَارُها مِنْ حَوْلِها مُحْدِقُ
وقيلَ للنِّيران أنْ احْرِقي. . . وقيلَ للخُزَّان أن اطْبقُوا
* * *
(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)
[قال البخاري] : قَوْل اللَّهِ : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)
قَالَ ابن عبَّاسٍ: شكركُمْ.
قالَ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في "تفسيره ": نا هشيمٌ، عن جعفرِ بنِ إياس، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، في قولِه: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أي: شكرَكم
(أَنَّكُمْ تُكَذِّبونَ) قال: هو قولُهم: مُطرنَا بنوءِ كذَا وكذَا.
قال ابنُ عباسٍ: وما مُطرَ قومٌ إلا أصبحَ بعضُهَم به كافرًا، يقولونَ: مُطرنا
بنوءِ كذا وكذا.
ثمَّ خرَّج في سببِ نزولِها من روايةِ الكلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابنِ
عباسٍ.
وقد خرَّجه مسلمٌ في "صحيحه " من روايةِ عكرمةَ بنِ عمارٍ: حدثني
стр. 1040
أبو زميلٍ: حدثني ابنُ عباس، قال: مُطرَ الناسُ علَى عهدِ رسول اللَّهِ ﷺ .
فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ :
"أصبحَ مِنَ الناسِ شاكرٌ ومنهم كافر قالوا: هذا رحمة
وضعَها اللَّهُ، وقال بعضهم: لقد صدقَ نوءُ كذا وكذا"، فنزلتْ هذه الآية ُ: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) حتَّى بلغَ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) .
وروى عبدُ الأعلَى الثعلبيُّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ، عن عليٍّ، عن
النبيِّ ﷺ : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)
قال: "شكُرَكم، تقولُون. مُطرْنا بنوءِ كذَا وكذَا، ونجمِ كذَا وكلذَا".
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ.
وقال: حسن غريبٌ، لا نعرفه - مرفوعًا - إلا من حديث إسرائيلَ، عن
عبد الأعلى.
ورواه سفيانُ عن عبدِ الأعلَى - نحوَه -، ولم يرفَعْه.
ثم خرَّجه من طريقِ سفيانَ - موقوفًا على عليٍّ.
وكان سفيانُ ينكرُ علَى مَن رفعَه.
وعبدُ الأعلَى هذا، ضعَّفَه الأكثرونَ. ووثقه ابنُ معين.
وخرجَ القاضِي إسماعيلُ في كتابه "أحكامُ القرآن " كلامَ ابنِ عباسٍ بالإسنادِ
المتقدمِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أن ابنَ عباسٍ كان يقرؤها: (وتجعلون
شكركم) ، تقولونَ: على ما أنزلْتُ من الغيثِ والرحمةِ، تقولونَ: مُطرْنا بنوْءِ
كذا وكذا.
قال: فكان ذلك كفرًا منهم لِمَا أنعمَ اللَّهُ عليهم.
стр. 1041
نا إسماعيلُ: حدَّثني مالكٌ، عن صالح بنِ كيسانَ، عنْ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ
اللَّه بنِ عُتبَةَ بنِ مسعُوب، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قالَ: صلَّى لنا
رسولُ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الصُّبح بالحديبيةِ علَى إِثْرِ سماء كانتْ من اللَّيلِ، فلمَّا انصرفَ النَبيُّ ﷺ أقبلَ علَى النَّاسِ، فقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمُ؟ "
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: " أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافر فأمَّا من قالَ: مُطرْنَا
بفضلِ اللَّهِ ورحمتِهِ، فذلكَ مُؤْمنٌ بِي كافرٌ بالكوكَب، وأمَّا منْ قالَ: بنَوء كذَا وكذَا، فذلك كافرٌ بي مُؤْمنٌ بالكَوْكبِ".
قولُه: "على إثرِ سماءٍ"، أي: مطرٍ كانَ منَ الليلِ.
والعربُ تسمِّي المطرَ سماءً؛ لنزولهِ منَ السماءِ، كما قالَ بعضُهم:
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأرْضِ قَوْمٍ. . . رَعَيْنَاهُ وَإنْ كَانُوا غِضَابًا
وقولُهُ ﷺ : "هَلْ تدرونَ ماذَا قالَ ربكمْ؟ " -
وفي بعضِ الرواياتِ: "الليلةَ" -
وهي تدلُّ على أن اللَّه تعالى يتكلَّمُ بمشيئَتِه واختيارِه.
كما قالَ الإمامُ أحمدُ: لم يزلِ اللَّهُ متكلِّمًا إذا شاءَ.
وقولُه: " أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافر، فأمَّا من قالَ: مُطرْنَا بفضلِ اللَّهِ ورحمتِهِ، فذلكَ مُؤْمنٌ بِي كافرٌ بالكوكَبِ، وأمَّا منْ قالَ: بِنَوءِ كذَا وكذَا، فذلك كافرٌ بي مُؤْمنٌ بالكَوْكبِ".
يعني: أنَّ مَن أضافَ نعمةَ الغيثِ وإنزالهِ إلى الأرضِ إلى اللهِ
وفضلِه ورحمتهِ، فهو مؤمنٌ باللَّهِ حقًّا، ومَن أضافَه إلى الأنْواءِ، كما كانتِ
الجاهليةُ تعتادُه، فهو كافر باللَّهِ، مؤمنٌ بالكوكبِ.
стр. 1042
قال ابنُ عبدِ البرِّ: النوءُ في كلامِ العربِ: واحدُ أنْواءِ النجومِ، وبعضُهم
يجعلُه الطالعَ، وأكثرهُم يجعلُه الساقطَ، وقد تسمَّى منازلُ القمرِ كلُّها أنواءً، وهي ثمانية وعشرونَ.
وقال الخطابيُّ، النوْءُ واحدُ الأنواءِ، وهي الكواكبُ الثمانيةُ والعشرونَ التي
هي منازلُ القمرِ، كانوا يزعمونَ أنَّ القمرَ إذا نزل ببعضِ تلكَ الكواكبِ
مُطِروا، فجعل النبيُّ ﷺ سقوطَ المطرِ من فعلِ اللَّهِ دونَ غيرِه، وأبطل قولَهم. انتهى.
وقال غيرُه: هذه الثمانيةُ وعشرونَ منزلاً تطلعُ كلَّ ثلاثةَ عشرَ يومًا منزلَ
صلاةِ الغداةِ بالمشرقِ، فإذا طلعَ رقيبُه منَ المغربِ؛ فسمِّيت أنواءً لهذا المعنى.
وهو من الأضدادِ، يقال: ناءَ إذا طلعَ، وناء إذا غربَ، وناءَ فلان إذا
قربَ، وناء إذا بعدَ.
وقد أجرى اللَّهُ العادة بِمَجيء المطر عند طلوع كلِّ منزلٍ منها، كما أجرى
العادة بِمجيءِ الحرِّ في الصيف، والبردِ في الشتاءِ.
فإضافةُ نزولِ الغيثِ إلى الأنْواءِ، إنِ اعتقدَ أنَّ الأنواءَ هي الفاعلةُ لذلك.
المدبرةُ له دونَ اللَّهِ ، فقد كفرَ باللَّهِ، وأشركَ به كفرًا ينقله عن ملةِ
الإسلامِ، ويصيرُ بذلك مرتدا، حكمُه حكمُ المرتدينَ عن الإسلامِ، إن كان
قبل ذلك مسلمًا.
وإن لم يعتقدْ ذلكَ، فظاهرُ الحديثِ يدلُّ على أنه كفرُ نعمةِ اللَّهِ.
وقد سبقَ عنِ ابنِ عباس، أنه جعلَه كفرًا بنعمة اللَّهِ .
وقد ذكرنا في "كتابِ الإيمان " أن الكفرَ كفرانِ: كفر ينقلُ عن الملةِ، وكفر
стр. 1043
دون ذلكَ، لا ينقلُ عن الملة، وقد بوَّب البخاريُّ عليه هنالك.
فإضافةُ النِّعَم إلى غيرِ المنعم بها بالقول كفرٌ للمنعم في نعمهِ، وإن كان
الاعتقادُ يخالفُ ذلك.
والأحاديثُ والآثار متظاهرةٌ بذلك.
وفي "صحيح مسلمٍ"، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ألم تروا إلى ما قالَ ربُّكم؟
قال: ما أنعمتُ علَى عبادِي من نعمةٍ إلا أصبحَ فريقٌ منهم بها
كافرينَ، يقولون: الكوكب وبالكوكب ".
وروي من وجه آخر، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إن اللَهَ ليُبَيِّتُ القومَ بالنعمةِ، ثم يُصبحُونَ وأكثرُهم بها كافر لقولون: مُطِرْنا بنوْءِ كذا وكذا".
وروى أبو سعيدِ الخدريُّ، عن النبي ﷺ ، قال:
"لو أمسكَ اللَهُ القَطرَ عن الناسِ سبعَ سنينَ، ثم أرسلَه، كفرتْ طائفةٌ منهم، فقالوا: هذا من نوْءِ المِجْدَحِ ".
وروى أبو الدرداء، قال: مُطرنا على عهدِ رسول اللَّهِ ﷺ ذات ليلة، فأصبحَ رسول اللَّه ﷺ ورجلٌ يقول: مُطرنا بنوءِ كذا وكذا، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "قَلَّمَا أنعمَ اللًّهُ علَى قومٍ نعمةَ، إلا أصبحَ كثير منهم بِها كافرينَ ".
وفي "صحيح مسلمٍ"، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال:
стр. 1044
"أربعٌ في أمتِي مِن أمرِ الجاهليةِ، لا يتركونَهنُّ: الفَخْر في الأحساب، والطعنُ في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحةُ".
وخرج البخاريُّ في "صحيحه،، من روايةِ ابنِ عيينةَ، عن عبيدِ اللَّهِ:
سمعَ ابنَ عباس يقول: "خلالٌ من خلالِ الجاهليةِ: الطعنُ في الأنسابِ.
والنياحةُ"، ونَسِيَ الثالثةَ: قال سفيان: ويَقُولون: إنها "الاستسقاءُ بالأنواءِ".
وروي عن ابنِ عباسٍ - مرفوعًا - من وجهٍ آخر ضعيفٍ.
وخرج ابنُ حبانَ في "صحيحه " - معناه - من حديثِ أبي هريرةَ -
مرفوعًا.
وروى ابنُ عيينَةَ، عن إسماعيلَ بنِ أمية، أن النبي ﷺ سمع رجلاً في بعضِ أسفارِه يقول: مُطِرْنا ببعضِ عَثانين الأسدِ، فقال رسول اللَّهِ ﷺ :
"كذبتَ، بل هو سقي اللَّه ، ورزقُه ".
وذكر مالكٌ، أنه بلغَه عن أبي هريرةَ، أنه كانَ يقولُ: مُطِرْنا بنوْءِ
الفتح، ثم يتلو هذه الآية: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا) .
وذكر الشافعيُّ أنه بلغه، أن عمرَ سمع شيخًا يقول - وقد مطرَ الناسُ -:
أجَادَ مَا أَقْرَى المِجْدَح الليلةَ، فأنكر ذلك عمرُ عليه.
стр. 1045
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِه، عن سلم العلويِّ، قال: كنا عند أنسٍ.
فقال رجل: إنها لمخيلة للمطرِ، فقال أنس: إنها لربِّها لمطيعةٌ.
يشير أنسٌ إلى أنه لا يضافُ المطرُ إلى السحابِ، بلْ إلى أمرِ اللهِ ومشيئته.
وذكر ابنُ عبدِ البرِّ، عن الحسنِ، أنه سمعَ رجلاً يقول: طلع سهيلٌ، وبردَ
الليلُ، فكره ذلكَ، وقال: إن سهيلاً لم يأت قطُّ بِحَرٍّ ولا بردٍ.
قال: وكره مالكٌ أن يقول الرجلُ للغيم والسحابة: ما أخلقَها للمطرِ.
قال: وهذا يدل على أن القومَ احتاطُوا، فمنعوا الناسَ منَ الكلامِ بما فيه
أدنى متعلَّق مِن كلامِ الجاهليةِ في قولِهم: مُطرنا بنوءِ كذا وكذا. انتهى.
واختلف الناسُ في قول القائل: "مُطِرنْا بنوْءِ كذا وكذا" مِن غيرِ اعتقادِ
أهلِ الجاهليةِ: هو هو مكرُوه، أو محرَّمٌ؟
فقالت طائفةٌ: هو محرمٌ، وهو قول أكثرِ أصحابِنا، والنصوصُ تدل عليه.
كما تقدم.
وقال طائفة: هل مكرُوه، وهو قول الشافعيِّ وأصحابِه، وبعضِ أصحابِنا.
فأما إن قال: "مُطِرْنا في نوْء كذا وكذا"، ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنه يجوزُ، كقوله: "في وقت كذا وكذا"، وهو قولُ القاضِي أبي
يعلَى وغيرِه.
ورُوي عن عمرَ ﵁، أنه قالَ للعباسِ ﵁، وهو يستسقِي: يا عباسُ، كم بقيَ مِن نوْءِ الثرَيَّا؟
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن أهلَ العلم بها يزعمونَ أنها
تعترض بالأفقِ بعدَ وُقُوعِهَا سبعًا، فما مضتْ تلك السبعُ حتى أغيثَ الناسُ.
стр. 1046
رواه ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، عن ابنِ المسيبِ.
قال: حدثني من لا أتهمُ، عن عمرَ - فذكره.
والوجهُ الثاني: أنه يُكْرَه، إلا أن يقولَ مع ذلك: "برحمةِ اللهِ ".
وهو قولُ أبي الحسن الآمديِّ مِن أصحابِنا.
واستدلَّ للأول بما ذكرَ مالكٌ في "الموطإِ"، أنه بلغَه، أن النبي ﷺ كانَ يقولُ: "إذا نشأتْ بحريتها فَشَاءَمَتْ، فتلك عين غَدِيقة".
وهذا من البلاغاتِ لمالكٍ التي قيل: إنه لا يعرَفُ إسنادُها.
وقد ذكرَه الشافعى، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ أبي يحيى، عنْ إسحاقَ
بنِ عبدِ اللَّهِ، عنِ النبيّ ﷺ - مرسلاً -، قال: "إذا نشأتْ بَحْرِيَّة، ثم استحالتْ شاميةً، فهو أمطرُ لها".
قال ابنُ عبدِ البر: ابنُ أبي يحيى، مطعون عليه متروكٌ.
وإسحاقُ، هو: ابن أبي فروةَ، ضعيفٌ - أيضًا - متروكٌ.
وهذا لا يَحتَجُ به أحدٌ من أهل العلم.
قلت: وقد خرَّجَه ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الواقديِّ: نَا عبدُ الحكيم بنُ
عبدِ اللَّهِ بن أبي فروةَ: سمعتُ عوفَ بنَ الحارثِ: سمعتُ عائشةَ تقولُ:
سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ:
" إذا أنشاتِ السحابةُ بحرية، ثم تشاءَمت، فتلك عين "
أو قالَ: "عام غديقة ".
يعني: مطرًا كثيرًا.
стр. 1047
والواقديُّ: متروك - أيضًا.
والمعنى: أنَّ السحابةَ إذا طلعتْ بالمدينةِ من جهةِ البحرِ، ثمَّ أخذتْ إلى
ناحيةِ الشامِ، جاءتْ بمطرٍ كثير، وهو الغدَقُ.
قال تعالى: (لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) .
وقيَّده ابنُ عبدِ البرِّ: "غُدَيقةٌ" بضمِّ الغينِ بالتصغيرِ.
ومن هذا المعنى: قولُ اللَّهِ : (فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا) .
وفسَّره علي بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ ومَن بعدَهُما بالسحابِ.
قال مجاهدٌ: تحملُ المطر.
* * *
قال الله تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)
قال آدمُ بنُ أبي أياسٍ: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قالَ: تلا رسولُ اللًهِ ﷺ هذه الآيات: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) .
إلى قولِه: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) .
стр. 1048
إلى قولِه: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) .
قال: "إذا كانَ عندَ الموتِ قيلَ له هذا، فإن كانَ من أصحابِ اليمينِ أحبَّ لقاءَ اللَّهِ وأحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، وإن كانَ من أصحابِ الشمالِ كَرهَ لقاءَ اللَّهِ وكرهَ اللَّهُ لقاءَه ".
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، من طريقِ همّامٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، سمعتُ
عبدَ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى - وهو يتبعُ جنازةً يقولُ: حدثني فلانُ بن فلانِ.
سمعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ:
"مَن أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرهَ لقاءَ اللهِ كرهَ اللَّهُ لقاءَهُ ". فأكبُّ القوم يبكونَ.
قال: "ما يبكيكُم؟ " قالوا: إنا نكرهُ الموتَ.
قال: "ليسَ ذاك، ولكنَّه إذا حُضِرَ: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) .
فإذا بشرَ بذلكَ أحبَّ لقاءَ الله، واللَّهُ للقائه أحبُّ.
(وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) .
وفي قراءة ابن مسعود: (ثُمَّ تَصْلِيةُ جَحيم) .
فإذا بشرَ بذلكَ كرهَ لقاءَ اللَّهِ واللَّهُ للقائهِ أكْرَهُ ".
خرَّج ابنُ البراءِ في كتابِ "الروضةِ" من حديثِ عمرِو بن شَمِر - وهو
ضعيف جدًّا - عن جابر الجعفي، عن تميم بن حَذْلم، عن ابنِ عباس، عن
النبي ﷺ :
"ما من ميِّتٍ يموتُ إلا وهو يعرفُ غاسلَه، ويناشدُ حاملَه، إن كان بُشِّر
بَروح وريحانٍ وجنةِ نعيمٍ أن يعجِّلَه، وإن بُشِّرَ بنزلٍ من حميمٍ وتَصْليةِ جحيمٍ أن يحبسَهُ ".
وفي "صحيح البخاريّ "، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، عن النبي ﷺ قال:
"من أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَهُ لقاءَهُ، ومن كرهَ لقاءَ اللَّهِ كرهَ اللَّهُ لقاءَهُ "، فقالتْ عائشةُ، أو بعضُ أزواجهِ: إنا نكرهُ الموتَ.
قالَ: "ليس ذلكَ، ولكن المؤمنَ إذا حضرَه
стр. 1049
الموتُ بُشِّر برضوانِ اللهِ وكرامتهِ، فليسَ شيءٌ أحبَّ إليه مما أمامَهُ، فأحب لقاءَ اللهِ وأحبَّ اللَهُ لقاءَه، وإنَّ الكافرَ إذا حُضِر، بُشِّر بعذابِ اللهِ وعقوبتهِ، فليسَ شيءٌ كرهَ إليه ممَّا أمامَهُ، فكرهَ لقاءَ اللَّهِ وكرهَ اللَهُ لقاءَهُ ".
وقد رُوِيَ هذا المعنى عن النبيِّ ﷺ من وجوه متعددهِ.
وفي حديث زاذن، عن البراءِ بن عازبٍ، عن النبيّ ﷺ : "إنَّ نفسَ المؤمنِ يقالُ لها: اخْرجي أيتها النفسُ المطمئنةُ إلى مغفرة من اللَّهِ ورضوان، فتخرجُ وتسيلُ كما
تسيلُ القطرةُ من فيِّ السقاءِ، وإنَّ نفسَ الكافرِ يُقال لها: اخرجي أيتها النفسُ الخبيثةُ إلى غضبِ اللهِ وسخطه، فتتفرقُ في جسدِهِ، وتأبى أن تخرجَ، فيجذبونَها، فتنقطعُ معها العروقُ والعصبُ ".
وفي روايةِ عيسى بنِ المسيبِ عن عديِّ بن ثابت، عن البراءِ، عن النبيِّ
ﷺ قال:
"فتتفرق روحُهُ في جسدِهِ، كراهةَ أن تخرجَ لما ترى وتعاين، فيستخرِجُها.
كما يستخرجُ السفودَ من الصوفِ المبلولِ ".
وقد دلَّ القرآنُ على عذابِ القبرِ في مواضعَ أُخرَ كقولهِ تعالى:
(وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) .
وخرَّجَ الترمذي بإسناده، عن عليٍّ قالَ: مازِلْنا في شكٍّ من عذابِ
القبرِ حتى نزلتْ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) .
стр. 1050
وخرّج ابن حبانَ في "صحيحهِ "، من حديثِ حمَّادِ بنِ سلمَة، عن
محمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ ﷺ ، في قوله : (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) .
قال: "عذابُ القبرِ".
وقد روي موقوفًا، وروي من وجهٍ آخر عن أبي هريرةَ مرفوعًا.
وروي من وجه آخرَ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريّ، مرفوعًا وموقوفًا.
وسيأتي ذلك كلُّه إن شاءَ الله تعالى.
وقال آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدثنا المسعوديُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن المخارق، عن
أبيه، عن ابنِ مسعود ﵁، قالَ: إذا ماتَ الكافرُ أجلس في قبرِه، فيقالُ له: من ربك؟ وما دينُك؟
فيقولُ: لا أدري، فيضيَّقُ عليه قبُره، ثم قرأ ابنُ مسعود: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) ، قال: المعيشة الضنكُ: عذابُ القبرِ.
وروى شريك، عن ابنِ إسحاقَ، عن البراءِ، في قولهِ : (عَذَابًا
دُونَ ذَلِكَ) . قال: عذابُ القبرِ.
وكذا رُوي عن ابنِ عباسٍ، في قولِه : (لَنُذِيقَنَّهم مِّنَ الْعَذَابِ
الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكبَرِ) ، أنه عذابُ القبرِ.
وكذا قال قتادةُ، والربيعُ بنُ أنسٍ، في قولِه : (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ)
إحداهما في الدنيا، والأُخرى هي عذابُ القبرِ.
وقد تواترتِ الأحاديثُ عن النبيِّ ﷺ في عذابِ القبرِ والتعوّذِ منه.
стр. 1051
وفي "الصحيحينِ " عن مسروق عن عائشةَ ﵂، أنها سألتِ النبيَّ ﷺ عن عذابِ القبرِ، قال: "نَعمْ، عذابُ القبرِ حق" قالتْ عائشةُ ﵂: فما رأيتُ
رسولَ اللَّهِ ﷺ بعدَ ذلكَ صلَّى صلاةً إلا تعوَّذ من عذابِ القبرِ.
وفيهما عن عَمْر، عن عائشةَ ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
"إنّي رأيتكم تفتنونَ في القبورِ كفتنةِ الدَّجَّالِ "، قالتْ عائشةُ ﵂: فكنتُ أسمعُ رسولَ اللَّهِ ﷺ بعدَ ذلكَ يتعوّذُ من عذابِ القبرِ.
وفي "صحيح مسلم " عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه كان يعلِّمُهم هذا الدعاءَ كما يعلِّمُهُم السورةَ من القرآنِ:
"اللهُمّ إنِّي أعوذُ بكَ من عذابِ جهنَّمَ، وأعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المسيح الدجالِ، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المحيا والممات ".
وفيه - أيضًا -، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا فرغَ أحدُكم من التشهدِ الآخرِ، فليتعوَّذ باللَّهِ من أربع: من عذاب جهنَّم، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيح الدَّجالِ ".
وفي "صحيح مسلم " عن زيدِ بن ثابت، قال: بينما النبيُّ ﷺ في حائطِ بني النجارِ على بغلة له، ونحن معهُ، إذ حادتْ بهِ، فكادتْ أن تلقيَهُ، وإذا أَقْبُرٌ ستةٌ أو خمسةٌ أو أربعةٌ، فقال: "من يعرفُ أصحاب هذه الأقبُرِ؟ "
فقال رجلٌ: أنا، فقالَ: "متى ماتَ هؤلاءِ؟ "
فقال: ماتُوا في الإْشراكِ، فقالَ النبيُّ
стр. 1052
- ﷺ : "إن هذه الأمةَ تُبتلى في قبورِها، فلولا أن لا تَدافَنُوا لدعوتُ اللَّهَ أن يسمعَكُم من عذابِ القبرِ الذي أسمعُ منه ".
ثم أقبلَ علينا بوجهِهِ فقال: "تعوَّذوا باللَهِ من عذابِ النارِ"، فقالوا: نعوذُ باللَّهِ من عذابِ النارِ، فقالَ: "تعوَّذوا باللهِ من عذاب القبرِ".
قالوا: نعوذُ باللَّهِ من عذابِ القبرِ، فقال: "تعوَّذُوا باللهِ من الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ "، قالوا: نعوذ باللَّهِ من الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، قال: "تعوَّذوا باللهِ من فتنة الدجال "، قالوا: نعوذ باللَّه من فتنة الدجال.
وفي "صحيح مسلم " عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"لولا أن لا تدافنوا لدعوتُ اللَّهَ أن يسمعَكمُ من عذابِ القبرِ".
وفي "الصحيحينِ "، من حديثِ أبي أيوب الأنصاريِّ، قالَ: خرجَ علينا
النبي ﷺ وقد وجبتِ الشمسُ، فسمعَ صوتًا، فقالَ: "يهودُ تعذبُ في قبورِهَا".
وخرّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داود، من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ، قال:
خرجْنَا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في جنازةِ رجلٍ من الأنصارِ فانتهيْنَا إلى القبرِ ولمْ يُلحَد، ْ فجلسَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وجلسْنَا حولَهُ، كأنَّ على رؤوسِنَا الطيرُ، وفي
يده عود ينكتُ به الأرضَ، فرفعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رأسَهُ، فقالَ: "استعيذُوا باللهِ من عذابِ القبرِ"، مرتينِ أو ثلاثًا، وذكرَ الحديثَ بطولهِ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، من حديثِ أبي الزبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قالَ:
دخلَ النبيُّ ﷺ نَخْلاً لبني النجارِ، فسمعَ أصوات رجالٍ من بني النجارِ، ماتُوا في الجاهليةِ، يعذَّبونَ في قبورِهم، فخرجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فزعًا فأمَرَ
стр. 1053
أصحابَهُ أن يتعوَّذوا باللهِ من عذابِ القبرِ.
وخرَّجَه - أيضًا - من حديثِ أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، قالتْ:
دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا في حائطٍ من حوائطِ بني النجارِ، فيه قبور منهم، قد ماتُوا في الجاهليةِ، فسمعهم يعذبونَ، فخرجَ وهو يقولُ: "استعيذُوا باللَّهِ من عذابِ القبرِ"، قلتُ: يا رسولَ اللَّه ليعذَّبونَ في قبورِهم؟
قال: "نعم عذابًا تسمعُهُ البهائمُ ".
وفي "الصحيحينِ " عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ
مرَّ بقبرينِ، فقالَ: "إنهما ليَعذّبانِ، وما يعذبانِ في كبيرٍ، أما أحدُهما فكانَ لا يستترُ من البولِ، وأما الآخرُ فكانَ يمشِي بالنميمةِ"، ثم أخذ جريدةً رطبةً، فشقَّها باثنتينِ، ثم غَرَز على كلِّ قبرٍ منهُما واحدةً، قالوا: لِمَ فعلتَ هذا يا رسولَ اللهِ؟
قال: "لعلَّه يخففُ عنهُما ما لم يَيْبسا".
وقد رُوي هذا الحديثُ عن النبيِّ ﷺ بهذا المعنى مِنْ وجوه متعددةٍ، خرَّجَه ابنُ ماجةَ من حديثِ أبي بكرةَ، وفي حديثهِ:
"وأمَّا الآخرُ يعذَّبُ في الغِيبةِ".
وخرَّجه الخلالُ وغيرُه، من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، وفي بعضِ رواياتهِ:
"وأمَّا الآخرُ فكان يهْمِزُ الناسَ بلسَانِه، ويمشِي بينَهُم بالنميمةِ".
وخرّجَّه الطبرانيُّ من حديثِ عائشة ﵂، وأنسِ بنِ مالكٌ، وابنِ عمرَ ﵃.
стр. 1054
وخرَّجَه أبو يعلى الموصِلي وغيرُه، من حديثِ جابر، وفي حديثهِ:
"أمَّا أحدُهما فكانَ يغتابُ الناسَ ".
وخرَّجَه الإمامُ أحمد، من حديثِ أبي أمامةَ، وفي حديثهِ قالوا: يا نبيَّ
اللَّهِ، وحتى متى يعذبانِ؟
قال: " غَيْبٌ لا يعلَمُه إلا اللَّهُ، ولولا تمريجٌ في قلوبِكم
وتزيدُكُم في الحديثِ لسمعتُم ما أسمعُ ".
ورويَ من وجوهٍ أُخرَ.
وخرَّجَ النسائيُ، من حديثِ عائشةَ ﵂، قالتْ:
دخلَتْ عليَّ امرأةٌ من اليهودِ فقالَتْ: إنْ عذابَ القبرِ من البولِ، قلتُ: كذبتِ، قالتْ: بلَى، إنه ليقرظُ من الجلدِ والثوبِ، قالتْ: فخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى الصلاةِ، وقد ارتفعتْ أصواتُنا، فقالَ ﷺ : "ما هذا؟ "
فأخبرتُه بما قالتْ، فقالَ: "صَدَقَتْ ".
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابن ماجةَ، من حديثِ
عبدِ الرحمنِ بنِ حسنة، سمعَ النبي ﷺ يقولُ:
"أَلَم تعلمُوا ما لقيَ صاحبُ بني إسرائيلَ؛ كانُوا إذا أصابَهُم البولُ قطعُوا ما أصابَهُ البولُ، فنهاهُم فعذِّبَ في قبرهِ ".
وخرّج الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجةَ، من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال:
"أكثر عذاب القبر من البول ".
وروي موقوفًا على أبي هريرة ﵁.
وخرّج البزارُ، والحاكم، من حديثِ ابنِ عباس ﵄، عن النبيِّ ﷺ -
стр. 1055
قالَ: "إنّ عامَّة عذابِ القبرِ من البولِ، فتنزَّهُوا منه ".
وخرَّجَ الطبراني، والدارقطني، منِ حديثِ أنسٍ، عنِ النبى ﷺ قال:
"اتّقوا البولَ، فإنَّه أوَّلُ ما يحاسَبُ به العبدُ في القبرِ".
وخرّج ابنُ عدي، من حديث أنسٍ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مرَّ برجلٍ يعذبُ في قبرهِ من النميمةِ، ورجل يعذَّبُ في قبرهِ من الغيبةِ، ورجلٌ يعذَّب في قبرهِ من البولِ.
وخرَّجَ أيضًا، بإسنادٍ ضعيف، عن قتادةَ، عن أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال:
"فتنةُ القبرِ من ثلاثٍ: من الغيبةِ، والنميمةِ، والبولِ ".
ولكن روى عبدُ الوهابِ الخفَّاف، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قالَ: كان يُقال:
عذابُ القبرِ من ثلاثةِ أثلاثٍ: ثلثٌ من الغِيبةِ، وثلث من النميمةِ، وثلث من
البولِ.
خَرَّجه الخلالُ وهذا أصحُّ.
وخرَّجَ الأثرمُ والخلالُ من حديث ميمونة - مولاة رسول اللَّه ﷺ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لها؟
"يا ميمونةُ! إنَّ منْ أشدِّ عذابِ القبرِ من الغيبةِ والبولِ ".
وقد ذكرَ بعضُهم السر في تخصيص البولِ والغيبةِ والنميمةِ بعذابِ القبرِ.
وهوَ أنّ القبرَ أولُ منازلِ الآخرةِ، وفيه أنموذجُ ما يقعُ في يومِ القيامةِ من
العقابِ والثوابِ.
والمعاصِي التي يعاقبُ عليها العبدُ يومَ القيامةِ نوعانِ: حقُّ اللَّهِ، وحقُّ
العبادِ، وأولُ ما يُقضَى فيه يومَ القيامةِ من حقوقِ اللَّهِ الصلاةُ، ومن حقوقِ
العبادِ الدماءُ.
следующие страницы →