Полный текст (1 372 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
ويكره الخروجَ منه أشدَّ من كراهةِ التحريقِ بالنيرانِ.
كما في "المسندِ" عن أبي رزينٍ العقيلي، أنه سألَ النبيَّ ﷺ عن الإيمانِ، فقالَ:
"أنْ تشهَدَ أنْ لا إِله إلا اللَهُ، وحدَه لا شريكَ لَهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنْ يكونَ اللَهُ ورسولُه أحبَّ إليكَ مما سواهُما، وأن تحرق في النَّارِ أحبُّ إليكَ من أنْ تشركَ باللهِ، وأن تحبَّ غير ذي نسبٍ لا تحبه إلا للَّه، فإذَا كنتَ كذلكَ فقد دخلَ حبُّ الإيمانِ في قلبك، كما دخلَ حبُّ الماءِ للظمآنِ في اليوم القائظ ".
وفي "المسند" - أيضًا -: أن النبيَّ ﷺ وصَّى معاذَ بن جبل، فقال له - فيما وصاه به -:
"لا تشركْ باللَّهِ شيئًا، وإن قُطِّعْتَ وحُرِّقت ".
* * *
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
وقوله ﷺ :
"المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يَخذُلُه، ولا يَكذِبُه، ولا يَحقِرُه ".
هذا مأخوذٌ من قولِهِ : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
، فإذا كانَ المؤمنونَ إخوةً أُمروا فيمَا بينَهُم بما يُوجبُ تآلُفَ
القلوبِ واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوبِ واختلافَها، وهذا من
ذاكَ.
وأيضا: فإنَّ الأخَ مِنْ شأنِهِ أن يوصِلَ إلى أخيه النَّفعَ، ويكفَّ عنه الضررَ.
ومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كَفُّه عَنِ الأخ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ
стр. 982
بالمسلم، بل هو محرَّمٌ في حق كلِّ أحدٍ، وقد سبق الكلامُ على الظلْمِ
مستوفيًا عند ذكرِ حديث أبي ذر الإلهي:
"يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلم على نفسِي، وجعلتُه بينَكُم مُحرَّمًا فلا تَظَالَمُوا".
ومِنْ ذلكَ: خِذْلانُ المسلم لأخيهِ، فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ أن يَنْصُرَ أخاه، كما قالَ النبيُّ ﷺ :
"انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مظلومًا".
قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أنصُرُهُ مظلومًا، فكيفَ أنصرُهُ ظالمًا؟
قالَ: "تمنعُه عَنِ الظلم، فذلكَ نَصْرُك إيَّاهُ ".
خرَّجهُ البخاريُّ بمعناهُ من حديثِ أنسٍ.
وخرَّجهُ مسلمٌ بمعناه من حديثِ جابرٍ.
وخرَّج أبو داود من حديثِ أبي طلحةَ الأنصاريِّ وجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ.
عن النبيِّ ﷺ ، قالَ:
"ما مِنْ امرئٍ مسلمٍ يَخذُلُ امْرءًا مُسلمًا في موضعٍ تُنتهكُ فيه
حُرمتُه، ويُنتقصُ فيه من عِرضهِ إلا خذلهُ اللَهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتهُ، وما من امرئٍ ينصُرُ مُسلمًا في موضع يُنتقصُ فيه من عِرضِهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتهِ إلا نصرَه اللَّه في موطن يُحبُّ فيه نُصرتَهُ ".
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ أبي أمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ عنِ النَّبيِّ
ﷺ قالَ:
"مَنْ أُذِلَّ عندهُ مؤمنٌ فلم ينصُرْه وهو يَقْدِرُ على أنْ ينصُره أذلَّهُ اللَّهُ على
رءوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ".
وخرَّج البزارُ من حديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ، عن النَّبيَ ﷺ قال:
стр. 983
"مَنْ نصرَ أخاهُ بالغَيبِ وهو يستطيعُ نصرَه نصرهُ اللَّهُ في الدنيا والآخرةِ".
ومن ذلكَ: كذبُ المسلم لأخيه، فلا يُحِل له أن يُحدِّثه فيكذبهُ، بل لاْ يُحدِّثه إلا صدقًا.
وفي "مسندِ الإمام أحمدَ" عن النَّوَّاس بنِ سَمعانَ، عن النبيِّ
ﷺ قالَ:
"كَبُرَت خيانة أنْ تُحدِّثَ أخاكَ حديثًا هو لك مُصدِّق وأنتَ به كاذبٌ ".
ومن ذلكَ: احتقارُ المسلم لأخيهِ المسلم، وهو ناشئ عن الكِبْر، كما قالَ النبيُّ ﷺ :
"الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغمْطُ النَّاسِ ".
خرَّجه مسلمٌ من حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁.
وخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وفي روايةٍ لهُ: "الكِبْرُ سَفَهُ الحَقِّ، وازدراءُ الناسِ "، وفي روايةٍ: "وغمصُ الناسِ "، وفي روايةٍ زيادةٌ: "فلا يَراهم شيئًا".
وغمصُ النَّاسِ: الطَّعْنُ عليهم وازدراؤهُم.
وقالَ اللَّهُ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) .
فالمتكبرُ ينظرُ إلى نفسِهِ بعينِ الكمالِ، وإلى غيره بعينِ النَّقصِ، فيحتقرُهُم ويزدريهِم، ولا يراهمُ أهلاً لأنْ يقومَ بحقُوقِهِم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحدٍ منهمُ الحقَّ إذا أوردَهُ عليهِ.
* * *
قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)
[قَال البخاريُّ] : بَاب إذا لم يكُنِ الإسلامُ علَى الحقيقةِ وكان على
стр. 984
الاستسلامِ أوِ الخوْفِ مِنَ القَتْلِ:
لقولِهِ : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) .
فَإِذَا كانَ على الحقيقةِ فهُوَ علَى قولِهِ: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ) .
وَقولِهِ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) .
معنى هذا الكلامِ: أن الإسلامَ يُطلقُ باعتبارينِ.
أحدُهما: باعتبارِ الإسلامِ الحقيقيِّ، وهو دينُ الإسلامِ الذي قالَ اللَّهُ فيهِ:
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ) .
وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) .
والثاني: باعتبارِ الاستسلامِ ظاهرًا، مع عدمِ إسلامِ الباطنِ إذا وقَع خوفًا.
كإسلامِ المنافقينَ.
واستدلَّ بقوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) .
وحملَهُ على الاستسلامِ خوفًا وتقيةً.
وهذا مرويٌّ عن طائفةٍ من السلفِ، منهم: مجاهدٌ وابنُ زيدٍ ومقاتلُ بنُ
حيانَ وغيرُهم.
وكذلك رجَّحه محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ، كما رجَّحه البخاريُّ؛ لأنهما لا
يفرقانِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ، فإذا انتفى أحدُهما انتفَى الآخرُ.
وهو اختيارُ ابنِ عبدِ البرِّ، وحكاهُ عن أكثرِ أهلِ السنةِ من أصحابِ مالكٍ
стр. 985
والشافعيِّ وداودَ.
وأما من يفرقُ بين الإسلامِ والإيمانِ، فإنه يستدلُّ بهذه الآيةِ على الفرقِ
بينهُما، ويقول: نفيُ الإيمانِ عنهم لا يلزمُ منه نفيُ الإسلامِ، كما نَفَى الإيمانَ
عن الزاني والسارقِ والشاربِ، وإن كان الإسلامُ عنهم غيرَ منفيً.
وقد وردَ هذا المعنى في الآيةِ عن ابنِ عباسٍ وقتادَة والنخَعيِّ.
ورُوي عن ابنِ زيدٍ - معناه - أيضًا.
وهو قولُ الزهريِّ وحمادِ بنِ زيدٍ وأحمدَ.
ورجَّحه ابنُ جريرٍ وغيرُه.
واستدلُّوا به على التفريقِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ.
وكذا قال قتادةُ في هذه الآيةِ، قال: (قُولُوا أَسْلَمْنَا) : شهادةَ أن لا إله إلا
اللَّهُ، وهو دينُ اللَّهِ، والإسلامُ درجةٌ، والإيمانُ تحقيقٌ في القلب.
والهجرةُ في الإيمانِ درجةٌ، والجهادُ في الهجرةِ درجةٌ، والقتلُ في سبيل الله درجةٌ.
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.
فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصلُ الدينِ، والإيمان ما قام بالقلوبِ
من تحقيقِ التصديقِ بالغيب، فهؤلاء القومُ لم يحقَقُوا الإيمانَ في قلوبِهم.
وإنما دخلَ في قلوبِهم تصديق ضعيفٌ، بحيثُ صحَّ به إسلامُهم.
ويدلُّ عليه: قولُه تعالى: (وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) .
واختلفَ مَنْ فرَّق بين الإسلامِ والإيمانِ، في حقيقة الفرقِ بينهما:
стр. 986
فقالت طائفةٌ: الإسلامُ كلمةُ الشهادتينِ، والإيمانُ العملُ.
وهذا مرويٌّ عن الزهري وابنِ أبي ذئبٍ، وهوَ روايةٌ عن أحمدَ، وهي
المذهبُ عند القاضي أبي يعلَى وغيرِه من أصحابهِ.
ويشبه هذا: قولَ ابنِ زيدٍ في تفسير هذه الآية، قال: لم يصدِّقُوا إيمانَهم
بأعمالهم، دردَّ اللَّه عليهم، وقال: (لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قولُوا أَسْلَمْنَا) .
فقال: الإسلامُ إقرارٌ والإيمانُ تصديقٌ.
وهو قولُ أبي خيثمةَ وغيرِه من أهلِ الحديثِ.
وقد ضعَّفَ ابنُ حامدٍ من أصحابِنا هذا القولَ عن أحمدَ، وقال: الصحيحُ
أن مذهَبَه أن الإسلامَ قولٌ وعملٌ، روايةً واحدةً، ولكن لا تدخلُ كلّ
الأعمالِ في الإسلامِ كما تدخلُ في الإيمانِ.
وذكر: أنَّ المنصوصَ عن أحمدَ، أنه لا يكفرُ تاركُ الصلاةِ، فالصلاةُ من
خصالِ الإيمانِ دونَ الإسلامِ، وكذلك اجتنابُ الكبائرِ من شرائطِ الإيمانِ دونَ الإسلام.
كذا قالَ، وأكثرُ أصحابنا: أن ظاهرَ مذهبِ أحمدَ تكفيرُ تاركِ الصلاةِ، فلو
لم تكنِ الصلاةُ من الإسلامِ، لم يكنْ تاركُها عندَه كافرًا.
والنصوصُ الدالةُ على أن الأعمالَ داخلةٌ في الإسلامِ كثيرة جدًّا.
وقد ذهَب طائفةٌ إلى أن الإسلامَ عامٌّ، والإيمانَ خاصٌّ، فمنِ ارتكبَ
الكبائرَ خرجَ من دائرةِ الإيمان الخاصةِ إلى دائرةِ الإسلامِ العامَّةِ.
هذا مرويٌّ عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليٍّ.
وضعفه ابنُ نصرِ المروزيُّ، من جهة راويه عنه، وهو فضيل بنُ يسار،
стр. 987
وطعنَ فيه.
ورُوي عن حمادِ بنِ زيدٍ نحو هذا - أيضًا.
وحُكي روايةً عن أحمدَ - أيضًا -؛ فإنه قال - في رواية الشالنجيِّ - في
مرتكبِ الكبائرِ: يخرجُ من الإيمانِ، ويقعُ في الإسلامِ.
ونقل حنبلٌ، عن أحمدَ - معناه.
وقد تأوَّلَ هذه الروايةَ القاضي أبو يعلَى، وأقرَّها غيرَه، وهي اختيارُ أبي
عبدِ اللَّهِ ابن بطةَ وابنِ حامدٍ، وغيرِهما من الأصحابِ.
وقالت طائفةٌ: الفرقُ بينَ الإسلامِ والإيمانِ: أن الإيمانَ هو التصديقُ.
تصديقُ القلبِ، فهو علمُ القلبِ وعملُه، والإسلامُ الخضوعُ والاستسلامُ
والانقيادُ، فهو عملُ القلبِ والجوارح.
وهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ، وقد حكاهُ أبو الفضلِ التميميُّ عن أصحابِ
أحمدَ، وهو قولُ طوائفَ منَ المتكلمينَ.
لكن المتكلمونَ عندَهُم أن الأعمالَ لا تدخلُ في الإيمانِ، وتدخلُ في
الإسلامِ، وأما أصحابُنا وغيرُهم من أهلِ الحديثِ، فعندهم أن الأعمالَ تدخل في الإيمانِ، مع اختلافِهم في دخولِها في الإسلامِ، كما سبق.
فلهذا قالَ كثير من العلماءِ: إن الإسلامَ والإيمانَ تختلفُ دلالتُهما بالإفراد
والاقترانِ، فإن أُفردَ أحدُهما دخلَ الآخرُ فيه، وإن قُرنَ بينهما كانا شيئينِ
حينئذ.
وبًهذا يجمعُ بينَ حديثِ سؤالِ جبريلَ عن الإسلامِ والإيمانِ، ففرَّق النبي
ﷺ بينهما، وبينَ حديثِ وفدِ عبدِ القيسِ حيث فسَّر فيه النبيُّ ﷺ الإيمانَ
стр. 988
المنفرد بما فسَّر به الإيمانَ المقرونَ في حديثِ جبريلَ.
وقد حكى هذا القولَ أبو بكرٍ الإسماعيليّ عن كثيرٍ من أهلِ السنةِ
والجماعة.
ورُويَ عن أبي بكرِ بنِ أبي شيبة ما يدلُّ عليهِ.
وهو أقربُ الأقوالِ في هذه المسألةِ وأشبهُها بالنصوصِ. واللَّهُ أعلمُ.
والقولُ بالفرقِ بين الإسلام والإيمانِ مرويٌّ عن الحسنِ وابنِ سيرينَ وشريكٍ
وعبدِ الرحمنِ بنِ مهديً ويحيى بنِ معينٍ، ومؤمَّلِ بنِ إهابٍ، وحُكي عن
مالك - أيضًا.
وقد سبقَ حكايتُه عن قتادةَ، وداودَ بنِ أبي هندٍ، والزهرىِّ، وابنِ أبي
ذئبٍ، وحمادِ بنِ زيدٍ، وأحمدَ، وأبي خيثمةَ.
وكذلك حكاهُ أبو بكرِ بنُ السمعانيِّ عن أهلِ السنةِ والجماعةِ جملةً.
فحكايةُ ابنِ نصرٍ وابنِ عبدِ البرِّ عن الأكثرينَ التسويةَ بينهما غيرُ جيِّدٍ.
بل قد قيلَ: إن السلفَ لم يُروَ عنهم غيرُ التفريقِ. واللَّهُ أعلمُ.
وخرَّج البخاريُّ في هذا البابِ:
حديثَ: الزُّهريّ، عن عامِر بن سعدٍ، عَن أبيهِ، أنَّ النبيَّ ﷺ أعطَى رهطا، وسعد جَالسٌ، فتركَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رجُلاً، هُو أعجبُهُم إليَّ، فقلتُ: يَا رسُولَ اللَّهِ، مَا لكَ عن فُلانٍ، فواللَّهِ، إنِّي لأراهُ مُؤمنًا؟
فقالَ: "أَو مسلمًا"، فسكتُّ قليلاً، ثمَّ غلبني ما أعلمُ منهُ، فقلتُ: يارسولَ اللَّهِ، ما لك عن فلانٍ؛ فواللَّهِ إنّي لأراهُ مُؤمنًا؛ قالَ: "أو مُسلمًا"، فسكتُّ قليلاً، ثمَّ غلبني ما أعلمُ منهُ، فعدتُ لمقالتِي، وعادَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ثمَّ قالَ: "يا سعدُ، إنِّي
стр. 989
لأعطي الرجل، وغيرهُ أعجبُ إلي منهُ، خشيةَ أن يكبَّهُ اللَهُ في النارِ".
خرَّجَه من طريقِ: شعيب، عن الزهري.
ثم قال: رواهُ يُونسُ وصالح ومعمرٌ وابنُ أخي الزُّهري، عن الزُّهري.
وقد رواهُ ابنُ أبي ذئبٍ - أيضًا -، عن الزهريِّ - كذلك.
ورواه العباسُ الخلالُ، عن الوليدِ بنِ مسلم، عن ابنِ وهب ورشدينَ بنِ
سعد، عن يونُسَ، عن الزهريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عبد الرحمنِ بنِ عوف، عن
أبيه، عن النبيِّ ﷺ . "
وأخطأ في ذلكَ -: نقلَه ابنُ أبي حاتمٍ الرازيُّ، عن أبيهِ.
فهذا الحديثُ محمولاً عند البخاريِّ على أن هذا الرجلَ كانَ منافقًا، وأن
الرسولَ ﷺ نفى عنه الإيمانَ، وأثبتَ له الاستسلامَ دونَ الإسلامِ الحقيقيِّ.
وهو - أيضًا - قولُ محمدِ بنِ نصر المروزيّ.
وهذا في غايةِ البعدِ، وآخرُ الحديثِ يردُّ على ذلك، وهو قولُ النبيّ ﷺ
"إني لأعطي الرجلَ وغيرُه أحبُّ إليَّ منه ".
فإن هذا يدل على أن النبي ﷺ وكَلَه
إلى إيمانه، كما كان يعطي المؤلفةَ قلوبُهم، ويمنعُ المهاجرينَ والأنصار.
وزعمَ عليٌّ بن المدينيَ في كتابِ " العللِ " له: أن هذا من بابِ المزاح منَ
النبي ﷺ فإنه كانَ يمزحُ ولا يقولُ إلا حقًّا، فأوهم سعدًا أنه ليس بمؤمنٍ بل مسلم، وهما بمعنًى واحد، كما يقول لرجل يمازحُه - وهو يدعي أنه أخ لرجل -، فيقول: إنما أنتَ ابنُ أبيه، أو ابنُ أمِّه، وما أشبَه ذلكَ، مما يوهمُ
стр. 990
الفرقَ، والمعنَى واحد.
وهذا تعسفٌ شديد.
والظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أن النبيَّ ﷺ زجرَ سعدًا عن الشهادةِ بالإيمانِ؛ لأن الإيمانَ باطن في القلبِ لا اطلاعَ للعبدِ عليه، فالشهادةُ به شهادة على ظنٍّ، فلا ينبغي الجزمُ بذلك، كما قال:
"إن كنتَ مادحًا لا محالةَ، فقل: أحسِبُ فلانًا كذا، ولا أزكِّي على اللَّهِ أحدًا".
وأمرَه أن يشهدَ بالإسلامِ؛ لأنه أمرٌ مطَّلع عليه.
كما في "المسندِ" عن أنسٍ - مرفوعًا -: "الإسلامُ علانيةٌ والإيمانُ في
القلبِ ".
ولهذا كرِه أكثرُ السلفِ أن يطلقَ الإنسانُ على نفسه أنه مؤمن، وقالوا: هو
صِفةُ مدح، وتزكية للنفسِ بما غابَ من أعمالِها، وإنما يشهدُ لنفسِه بالإسلامِ؛ لظهورِه.
فأما حديثُ: "إذا رأيتمُ الرجلَ يعتادُ المسجدَ، فاشهدُوا له بالإيمانِ ".
فقد خرَّجهُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ درَّاج، عن أبي الهيثم
عن أبي سعيدٍ - مرفوعًا.
وقال أحمد: هو حديثا منكرٌ.
ودراجٌ له مناكيرُ. واللهُ أعلمُ.
стр. 991
وهذا الذي ذكرَه البخاريُّ في هذا البابِ، من الآية والحديثِ إنما يطابق
التبويبَ، على اعتقادِه: أنه لا فرقَ بين الإسلامِ والإيمانِ.
وأما على قولِ الأكثرينَ بالتفريقِ بينهما، فإنما ينبغي أن يُذكرَ في هذا البابِ
قولُه : (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) .
فإنَّ الجمهورَ على أنه أرادَ استسلامَ الخلقِ كلهم له وخضوعَهم، فأما المؤمنُ
فيستسلمُ ويخضعُ طوعًا، وأما الكافرُ فإنه يضطرُ إلى الاستسلام عند الشدائدِ
ونزولِ البلاءِ به كرهًا، ثم يعودُ إلى شركِه عندَ زوالِ ذلك كلِّه، كما أخبرَ اللَّهُ عنهم بذلكَ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ.
والحديثُ الذي يطابقُ البابَ - على اختيارِ المفرقينَ بينَ الإسلام والإيمان -
قولُ النبيِّ ﷺ - في ذكر قرينهِ من الجنِّ -:
"ولكنَّ اللَّهَ أعاننِي عليه، فأسلَمُ ".
وقد رُوي بضمِّ الميم وفتحِها:
فمن رواهُ بضمِّها، قال: المرادُ: أي: أنا أسلمُ من شرِّه.
ومن رواه بفتحها، فمنهم من فسَّره بأنه أسلمَ من كفرِه، فصار مسلمًا.
وقد وردَ التصريحُ بذلكَ في روايةِ خرَّجها البزارُ في "مسندِه "، بإسنادٍ
فيه ضعفٌ.
ومنهم من فسَّره بأنه استسلمَ وخضعَ وانقادَ كرهًا. وهو تفسير ابنِ عيينة
وغيرهِ.
فيطابقُ على هذا ترجمةَ البابِ. واللَّهُ أعلم.
* * *
стр. 992
قال المحقِّقون مِنَ العُلماءِ: كلُّ مؤمِنِ مُسلم، فإنَّ من حقَّق الإيمانَ، ورسخَ
في قلبِهِ، قام بأعمالِ الإسلامِ، كما قالَ ﷺ :
"ألا وإن في الجسدِ مُضغة، إذا صلحتْ، صلَّحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدتْ، فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهيَ القلبُ ".
فلا يتحقَّقُ القلبُ بالإيمانِ إلا وتنبعِثُ الجوارحُ في أعمالِ الإسلامِ، وليسَ كلُّ
مسلم مؤمنًا، فإنَّه قد يكونُ الإيمانُ ضعيفًا، فلا يتحقَّقُ القلبُ به تحقُّقًا تامًّا.
معَ عملِ جوارحِهِ بأعمالِ الإسلامِ، فيكونُ مسلمًا وليس بمؤمنِ الإيمانَ التامَّ
كما قالَ تعالَى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) ، ولم يكونُوا مُنافقينَ بالكُلَيَّةِ على أصحِّ
التفسيرينِ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وغيرِه، بل كانَ إيمانُهم ضعيفًا، ويدلُّ عليه
قولُه تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) .
يعني: لا ينقُصعكم من أجورِها، فدلَّ على أنَّ معهم من الإيمانِ ما تُقبلُ به
أعمالُهم.
وكذلك قولُ النبيِّ ﷺ لسعد بن أبي وقَّاص لمَّا قال له: لمْ تعطِ فلانًا وهو مؤمنٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ :
"أو مسلمٌ " يُشيرُ إلى أنَّه لم يُحقق مقامَ الإيمانِ.
وإنما هو في مقامِ الإسلامِ الظَّاهرِ، ولا ريبَ أنَّه متى ضعفَ الإيمانُ الباطنُ.
لزمَ منه ضعفُ أعمالِ الجوارح الظاهرةِ أيضًا، لكن اسمَ الإيمانِ يُنفى عمَّن
تركَ شيئًا مِن واجباتهِ، كَمَا في قوله: "لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمن ".
وقد اختلفَ أهلُ السُّنةِ: هل يُسمَّى مؤمنًا ناقصَ الإيمانِ، أو يقالُ: ليسَ
стр. 993
بمؤمنٍ، لكنَّهُ مسلمٌ، على قولينِ، وهمَا روايتانِ عن أحمدَ.
وأمَّا اسمُ الإسلامِ، فلا ينتفِي بانتفاءِ بعضِ واجباتِهِ، أو انتهاكِ بعضِ
محرَّماتِهِ، وإنما يُنفَى بالإتيانِ بما يُنافيهِ بالكُلِّيَّةِ، ولا يُعرَفُ في شيءٍ من السُّنَّةِ
الصَّحيحةِ نفيُ الإسلامِ عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، كما يُنفَى الإيمانُ عمَّن
تركَ شيئًا من واجباتِهِ، وإنْ كانَ قد وردَ إطلاقُ الكُفرِ على فعلِ بعضِ
المحرَّماتِ، وإطلاقُ النِّفاقِ أيضًا.
واختلفَ العلماءُ: هل يُسمَّى مرتكبُ الكبائرِ كافرًا كفرًا أصغر أو منافقًا
النِّفاق الأصغرَ، ولا أعلمُ أنَّ أحدًا منهم أجازَ إطلاقَ نفي اسم الإسلامِ عنهُ.
إلا أنه رُوي عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قالَ: ما تاركُ الزكَاةِ بمسلم.
ويُحتملُ أنَّه كان يراه كافرًا بذلكَ، خارجًا عنِ الإسلام.
وكذلكَ رُوي عن عمرَ فيمن تمكَّن مِنَ الحجِّ، ولم يحجَّ أنهم ليسُوا
بمسلمينَ، والظَّاهرُ أنَّه كانَ يعتقدُ كفرَهم، ولهذا أرادَ أن يضربَ عليهمُ
الجزيةَ، يقولُ: لم يدخُلُوا في الإسلامِ بعدُ، فهُم مستمرُّونَ على كتابيتِهِم.
وإذا تبيَّن أنَّ اسمَ الإسلامِ لا ينتفي إلا بوجودِ ما ينافيهِ، ويُخرجُ عن الملَّةِ
بالكلِّيَّةِ، فاسمُ الإسلامِ إذا أُطلِقَ أو اقترنَ به المدحُ، دخلَ فيهِ الإيمانُ كلُّه منَ
التَّصديقِ وغيرِه.
وخرَّج النَّسائيُّ مِن حديثِ عقبةَ بنِ مالكٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثَ سريَّةً،
стр. 994
فغارت على قوم، فقال رجل منهم: إنِّي مُسلم، فقتلُه رجل منَ السَّريَّة.
فنُمي الحديثُ إلىَّ رَسول اللَّه ﷺ ، فقال فيه قولاً شديدًا، فقال الرجلُ: إنَّما قالها تعوُّذًا مِنَ القتلِ، فقال النبيُّ ﷺ : "إن اللَّه أبَى عليَّ أن أقتلَ مؤمنًا" ثلاثَ مرَاتٍ.
فلولا أنَّ الإسلامَ المطلقَ يدخُلُ فيه الإيمانُ والتَّصديقُ بالأصول الخمسةِ، لم
يصِر من قال: "أنا مسلم" مؤمنًا بمجرَّدِ هذا القول، وقد أخبرَ اللَّه تعالى عن
ملكةِ سبإٍ أنها دخلتْ في الإسلامِ بهذهِ الكلمةِ وقالت: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) .
وأخبرَ عن يوسفَ ﵇ أنه دعَا بالموتِ على الإسلامِ.
وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ الإسلامَ المطلقَ يدخُلُ
فيهِ ما يدخلُ في الإيمان مِنَ التَّصديق.
وفي "سننِ ابنِ ماجةَ " عن عدي بنِ حاتمٍ، قال: قال لي رسول اللَّهِ
ﷺ :
"يا عديُّ، أسلمْ تسلمُ! ، قلتُ: وما الإسلامُ؟
قال: "تشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وتشهدُ أني رسولُ اللَّه، وتؤمنُ بالأقدارِ كلِّها، خيرِها وشرِّها حلوِها ومرِّها".
فهذا نصّ في أنَّ الإيمانَ بالقدرِ مِنَ الإسلامِ.
* * *
стр. 995
سُورَةُ (ق)
قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)
وقد قال كثير من السلف في قول اللَّه : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) :
إن الذي عن اليمينِ كاتبُ الحسناتِ، والذي عن الشمالِ كاتبُ السيئاتِ، منهم: الحسنُ، والأحنفُ بنُ قيسٍ، ومجاهد، وابنُ جريج، والإمامُ أحمدُ.
وزادَ ابنُ جريج، قالَ: إن قعدَ فأحدُهُما عن يمنيِهِ، والآخرُ عن شمالِهِ.
وإن مَشَى فأحدُهُما أمامَهُ والآخرُ خلفَهُ، وإن رقدَ فأحدُهُما عندَ رأسِهِ والآخرُ عند رجليهِ.
وعلى هذا، فقد يخلو اليمينُ عن الملكِ إذا مَشى أو رقدَ.
وحديثُ أبي أمامةَ فيه أن الذي على الشمالِ هو القرينُ.
يريد به: الشيطانَ الموكل بالعبدِ، كما في "صحيح مسلم " عن ابن
مسعودٍ، عن النبيّ ﷺ ، قالَ:
"ما منكُم من أحد إلا وقد وُكَل به قرينُهُ من الجن
وقرينُه من الملائكة". قالوا: وإياك يا رسولَ اللَّهِ؟
قالَ: "وإياي، ولكنَّ الله أعانني عليه، فلا يأمُرُني إلا بخير ".
стр. 996
وقد وردَ في حديثٍ خرَّجهُ الطبرانيُّ من حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ -
مرفوعًا -: "إنَّ القرينَ هو كاتبُ السيئاتِ ".
وإسنادُه شاميٌّ ضعيف.
* * *
قالَ اللَّهُ : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) .
وقد أجمعَ السَّلفُ الصَّالحُ على أنَّ الذي عن يمينه يكتُبُ الحسناتِ، والذي
عن شماله يكتبُ السيئات، وقد رُويَ ذلكَ مرفوعًا من حديث أبي أمامةَ
بإسنادٍ ضعيف.
وفي "الصحًيح " عن النبيِّ ﷺ :
"إذا كانَ أحدُكُم يُصلِّي، فإنه يُناجي ربَّه والملكُ عن يمينهِ ".
ورُويَ من حديثِ حُذيفةَ مرفوعًا: "إنَّ عن يمينِهِ كاتبُ الحسناتِ ".
واختلفُوا: هل يكتبُ كلَّ ما تكلَّم به، أو لا يكتبُ إلا ما فيه ثواب أو
عِقاب؟ على قولينِ مشهورينِ.
وقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباس: يُكتبُ كلُّ ما تكلمَ به من خيرٍ أو
стр. 997
شرٍّ حتى إنه ليكتبُ قولَهُ: أكلتُ وشربتُ، وذهبتُ وجئتُ، حتى إذا كانَ يومُ الخميسِ عُرضَ قولُه وعملُه، فأقرَّ منه ما كانَ فيه من خيرٍ أوشرٍّ، وألقى
سائرَهُ، فذلكَ قولُه تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) .
وعن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، قالَ: ركبَ رجل الحمارَ، فعثرَ بهِ، فقال: تعسَ
الحمارُ، فقالَ صاحبُ اليمينِ: ما هيَ حسنة أكتُبُها، وقال صاحبُ الشمالِ: ما هي سيئة فأكتبها، فأوحَى اللَّه إلى صاحبِ الشمالِ: ما تركَ صاحبُ اليمينِ من شيء، فاكتبهُ، فأثبتَ في السيئاتِ "تَعِسَ الحمارُ".
وظاهرُ هذا أنَّ ما ليسَ بحسنةٍ، فهو سيئة، وإن كانَ لا يُعاقبُ عليها، فإنَّ
بعضَ السيئاتِ قد لا يُعاقبُ عليهَا، وقد تقعُ مكفَّرةً باجتنابِ الكبائرِ، ولكنَّ
زمانَها قد خسرهُ صاحبُها حيثُ ذهبتْ باطلاً فيحصلُ له بذلكَ حسرةٌ في
القيامةِ وأسفٌ عليه وهو نوعُ عقوبةٍ.
* * *
وروى عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ (مَا يَلْفِط
مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، قال: يُكتبُ كلُّ ما تكلَّم به من خيرٍ
وشرٍّ، حتَّى إنَّه ليُكتبُ قولُه: أكلتُ، وشربتُ، وذهبتُ، وجئتُ، ورأيتُ، حتَّى إذا كانَ يومُ الخميسِ عُرضَ قولُه وعملُه فأقِرُّ منه ما كانَ فيهِ من خيرٍ أو شرٍّ
стр. 998
وأُلقيَ سائرُه، فذلكَ قولُه تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)
خرَّجه ابنُ أبي حاتم وغيرُه.
فهذا يدُلُّ على اختصاصِ يومِ الخميسِ بعرضِ الأعمال لا يوجدُ في غيرهِ.
وكانَ إبراهيمُ النَّخعِيُّ يبكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتبكي إليه، ويقول:
اليومَ تُعرضُ أعمالُنا على اللهِ .
فهذا عرضٌ خاصٌّ في هذينِ اليومينِ غيرُ العرضِ العامِّ كل يوم، فإنَّ ذلكَ
عرضٌ دائمٌ كلَّ يوم بكرةً وعشيَّا.
ويدل على ذلك ما في "الصحيحين " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قال:
"يتعاقبُونَ فيكُم ملائكة بالليلِ، وملائكةٌ بالنَّهارِ.
فيجتمعونَ في صلاةِ الصّبح، وصلاةِ العصرِ، فيسألُ الذينَ باتوُا فيكُم، وهو أعلمُ: كيفَ تركتُم عِبادي؟
فيقولونَ: أتيناهُم وهم يُصلُّون، وتركنَاهُم وهم يُصلُّون ".
وفي "صحيح مسلم " عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قامَ فينا
رسول اللَّهِ ﷺ بخمسِ كلماتٍ، فقال:
"إنَّ اللَّه لا ينامُ، ولا ينبغِي له أن ينامَ، يخفضُ القسطَ ويرفعه، يُرفعُ إليه عملُ الليلِ قبلَ النهارِ وعملُ النَّهار قبلَ الليلِ، حجابُه
النورُ، لو كشفه لأحرقتْ سُبحاتُ وجههِ ما انتهَى إليه بصرُه من خلقِهِ ".
ويُروى عن ابنِ مسعود، قال: إنَّ مقدارَ كُلِّ يوم من أيامكم عند ربكم
ثنتا عشرةَ ساعةً، فتُعرضُ عليه أعمالُكُم بالأمسِ أوَّل النَّهارِ اليومَ، فينظرُ فيها ثلاثَ ساعات، وذكر باقيهُ.
كان الضحَّاكُ يبكِي آخرَ النَّهارِ، ويقول: لا أدري ما رُفعَ من عملِي.
يا مَن عملُه معروضٌ على مَن يعلمُ السِّر وأخفى، لا تُبهرجْ فإنَّ
стр. 999
النَّاقِدَ بصيرٌ.
السُّقمُ على الجِسم لهُ تردادُ. . . والعُمرُ مضَى وزلَّتي تزدادُ
ما أبعدَ شُقَّتِي وما لي زَادُ. . . ما أكثرَ بهرجي ولي نقَّاد
* * *
قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)
فقوله ﷺ فيما يرويهِ عن ربِّه:
"يا عبادِي إنِّي حرمتُ الظُّلمَ على نفسِي ".
يعني: أنَّه منعَ نفسَهُ من الظلم لعباده، كمَا قالَ : (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) ، وقالَ: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) .
وقال: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) .
وقال: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) .
وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) .
وقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة) .
وقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) .
والهضمُ: أن يُنقَصَ من جزاءِ حسناتِهِ، والظُّلمُ: أن يُعاقب
بذنوبِ غيرِه، ومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ.
وهو مما يدلُّ على أنَّ اللَّهَ قادرٌ على الظلم، ولكنَّهُ لا يفعلُه فضلاً منه
وجُودًا، وكرمًا وإحسانا إلى عبادِهِ.
وقد فسرَ كثيرٌ من العلماءِ الظلمَ: بأنه وضعُ الأشياءِ في غيرِ موضِعِهَا.
وأمَّا من فسَّره بالتَّصرُّفِ فِي ملك الغيرِ بغيرِ إذنِهِ - وقد نقلَ نحوه عن إياسِ
ابنِ معاويةَ وغيرِه - فإنهم يقولون: إنَّ الظُّلْمَ مستحيلٌ عليه، وغيرُ متصوَرٍ في حقِّه، لأن كلَّ ما يفعلُه فهو تصرُّف في ملكه، وبنحو ذلكَ أجابَ أبو الأسودِ
стр. 1000
الدؤليُّ لعمران بنِ حصينٍ حين سألهُ عن القدرِ.
وخرَّج أبو داودَ، وابنُ ماجةَ من حديث أبي سنانٍ سعيدِ بنِ سنانٍ، عن
وهب بنِ خالدٍ الحمصيِّ، عن ابنِ الدَّيلميًّ أنَّه سمعَ أُبيَّ بنَ كعبٍ يقولُ: لو
أنَّ اللًّهَ عذَّب أهلَ سماواتِهِ وأهلَ أرضهِ؛ لعذَّبهُم وهو غيرُ ظالمٍ لهُم، ولو
رحمهُم، لكانتْ رحمتُه خيرًا لهم من أعمالِهِم.
وأنه أتى ابنَ مسعودٍ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ، ثم أتى زيدَ بن ثابت، فحدَّثه عن النبيِّ ﷺ بمثلِ ذلك.
وفي هذا الحديثِ نظرٌ، ووهبُ بنُ خالدٍ ليسَ بذاكَ المشهورِ بالعلم، وقد
يُحملُ على أنَّه لو أرادَ تعذيبَهُم لقدَّرَ لهم ما يعذبهم عليهِ، فيكونُ غيرَ ظالم
لهُم حينئذٍ.
وكونه خلقَ أفعالَ العبادِ وفيها الظلمُ لا يقتضِي وصفَه بالظُّلم سبحانه
وتعالى، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائرِ القبائح التي يفعلُها العبادُ، وهي خلقُه
وتقريرُه، فإنَّه لا يُوصفُ إلا بأفعاله لا يُوصفُ بأفعال عبادِه، فإنَّ أفعالَ عبادِهِ
مخلوقاتُه ومفعولاتُه، وهو لا يُوصفُ بشيءٍ منها، إنًّما يوصَفُ بما قامَ بهِ من
صفاتِهِ وأفعالِهِ، واللَّهُ أعلم.
* * *
قوله تعالى: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)
قوله: (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ) ، وقال تعالى: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) .
стр. 1001
وُفسِّرَ "الحفيظُ " ههُنا بالحافظ لأوامرِ اللَّهِ، وفُسِّرَ بالحافظِ لذنوبهِ حتَّى يرجعَ
عنهَا، وكلاهُما يدخلُ في الآية.
ومن حفظَ وصيَة اللَّهِ لعبادِهِ وامتثَلهَا فهوَ داخل أيضًا، والكلُّ يرجعُ إلى
معنى واحدٍ.
وقد وردَ في بعضِ ألفاظِ حديثِ يومِ المزيدِ في الجنةِ، "أن اللَّهَ تعالَى يقولُ
ْلأهلِ الجنةِ، إذا استدعاهُم إلى زيارتِهِ وكشفَ لهم الحجَب: "مرحبًا بعبادي
الذين حفظُوا وصيَّتي، ورعَوا عهدِي، وخافوني بالغيبِ، وكانُوا منِّي على كلِّ حالٍ مشفقينَ ".
فأمرُه ﷺ لابنِ عباسٍ أن يحفظَ اللَّهَ، يدخلُ فيهِ هذا كلُّه.
ومن أعظم ما يجبُ حفظُه من المأموراتِ الصلواتُ الخمسُ. قالَ اللَّه
تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَئ) .
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) .
وقال النبيُّ ﷺ :
"من حافظَ عليها كانَ له عندَ اللَّهِ عهدًا أن يدخلَهُ الجنةَ". الحديث.
وفي حديثٍ آخرَ: "من حافظَ عليهنَّ كنَّ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامةِ".
الحديث.
стр. 1002
وكذلكَ الطهارةُ، فإنها مفتاحُ الصلاةِ، وقالَ النبي ﷺ : "لا يحافظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ ".
ومما أمرَ اللَّهُ بحفظه الأيمانُ، لما ذكرَ كفارةَ اليمينِ قالَ: (ذَلِكَ كفارَة أَيْمَانِكُمْ
إِذَا حلَفْتمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) ، فإن الأيمانَ كثيرًا ما تقع من الناسِ
وموجباتها مختلفةٌ.
فتارة يجبُ فيها كفارةُ يمين، وتارةً يجبُ بها كفارة
مغلظة، وتارةً يلزمُ بها المحلوفُ عليهِ من طلاق ونحوِه.
فمن حفظَ أيمانَهُ دلَّ على دخولِ الإيمانِ في قلبِهِ.
وكانَ السلفُ كثيرًا يحافظونَ على الأيمانِ.
فمنهم من كانَ لا يحلفُ باللَّهِ ألبتَّة، ومنهم من كانَ يتورعُ حتى يكفرَ فيما شكَّ فيه من الحنثِ.
ووصى الإمامُ أحمدُ ﵀ عند موتِهِ أن يخرجَ عنه كفارةُ يمينٍ.
وقال: أظنُّ أنِّي حنثتُ في يمينٍ حلفتُها.
وقد رُويَ عن أيوبَ ﵇ أنه كان إذا مرَّ باثنينِ يحلفانِ باللَّهِ ذهب
فكفرَ عنهُما، لئلا يأثمانِ وهما لا يشعرانِ.
ولهذا لما حلفَ على ضربِ امرأتِهِ مائةَ جلدةٍ، أفتاهُ اللَّهُ بالرخصةِ لحفظِهِ
لأيمانِهِ وأيمانِ غيرِه.
وقد اختلفَ العلماءُ: هل تتعدَّى الرخصةُ إلى غيرِه أم لا؟
وقال يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ: بلغَنِي أنَّ من حملةِ العرشِ من يسيلُ من
عينيهِ أمثالُ الأنهارِ من البكاءِ، فإذا رفعَ رأسَهُ قالَ: سبحانكَ ما تُخشَى
حقَّ خشيتكَ، فيقولُ اللَهُ تعالى: لكن الذينَ يحلفونَ باسمي كاذبينَ
стр. 1003
لا يعلمونَ ذلكَ.
وقد وردَ التشديدُ العظيمُ في الحلفِ الكاذبِ باللَّهِ، ولا تصدرُ كثرةُ الحلفِ
باللَّهِ إلامن الجهلِ باللَّهِ تعالَى، وقلةِ هيبتهِ في الصدورِ.
ومما يلزمُ المؤمن حفظَهُ رأسهُ وبطنَهُ، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ المرفوع:
"الاستحياءُ من اللَّهِ حقَّ الحياءِ أن يحفظَ الرأسَ وما وعَى، ويحفظَ البطنَ وما
حوَى".
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ.
وحفظُ البطنِ وما حَوى: يتضمُن حفظَ القلبِ عن الإصرارِ على محرمٍ.
وقد جمَع اللَّهُ ذلكَ كلَّه في قولِه تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) .
ويدخلُ في حفظِ البطنِ وما حَوى: حفظُه من إدخالِ الحرامِ إليهِ من
المأكولاتِ والمشروباتِ.
ومما يجبُ حفظُه من المنهياتِ: حفظُ اللسانِ والفرج.
وفي حديثِ أبي هريرةَ ﵁:
"من حفظ ما بين لحييهِ وما بينَ رجليهِ دخلَ الجنةَ".
خرَّجه الحاكم.
وخرَّجه البخاريُّ من حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁
عن النبيِّ ﷺ ولفظه:
"من يضمنُ لي ما بينَ لحييهِ ورجليهِ، أضمنُ له الجنةَ".
وفي "مسند الإمام أحمد"
عن أبي موسى عن النبيِّ ﷺ قالَ: "من حفظَ ما بين فقميه وفرجيهِ دخلَ الجنةَ".
стр. 1004
وقد أمرَ اللَّهُ بحفظِ الفرج خاصةً ومدحَ الحافظين له قالَ اللَّهُ تعالى:
(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فروجَهُمْ) .
وقال تعالى: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهًمْ وَالْحَافِظَاتِ) .
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) .
وقد روى عن أبي إدريس الخولاني أن أول ما وصَّى اللَّهُ آدمَ عندَ إهباطه
إلى الأرضِ بحفظِ فرجِهِ، وأن لا يضعَهُ إلا في حلالٍ.
* * *
وقوله ﷺ : "يحفظكَ " يعني: أنَّ من حفظَ حدودَ اللَّهِ، وراعَى حقوقَه، حفظَهُ اللَّهُ، فإنَّ الجزاءَ من جنسِ العملِ، كمَا قالَ تعالى: (أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكمْ) ، وقال: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) .
وقال: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصرْكُمْ) .
وحفظُ اللَّهِ لعبدِهِ يدخلُ فيه نوعانِ:
أحدُهما: حفظُه له في مصالح دنياهُ، كحفظِهِ في بدنِهِ وولدِهِ وأهلِهِ ومالِهِ.
قالَ اللَّهُ : (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ منْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) .
قال ابنُ عباسٍ: هم الملائكةُ يحفظونَهُ بأمرِ اللَّهِ فإذَا جاءَ القدرُ
خلَّوا عنهُ.
وقال عليٌّ ﵁: إنَّ مع كلِّ رجل ملكينِ يحفظانِهِ مما لم يقدَّر فإذا جاءَ القدرُ خلَّيا بينهُ وبينهُ، وإنَّ الأجل جُنَّة حصينة.
стр. 1005
وقال مجاهدٌ: ما مِن عبدٍ إلا له ملكٌ يحفظُه في نومِهِ ويقظتِهِ من الجن
والإنسِ والهوامِّ، فما من شيءٍ يأتيهِ إلا قالَ: وراءَك، إلا شيئًا أذنَ اللَّهُ فيه
فيصيبُهُ.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ من حديثِ ابنِ عمرَ، قالَ:
لم يكنْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يدعُ هؤلاءِ الدَّعواتِ حين يُمسي وحين يُصبحُ: "اللهمَّ إني أسألُكَ العافية في الدنيا والآخرةِ، اللهمَّ إني أسألك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنيايَ وأهلِي ومالِي، اللهمَّ استُر عورتي، وآمن روعاتي، واحفظنِي من بين يديَ ومن خلِفي.
وعن يميني وعن شالِي ومن فوقِي، وأعوذُ بعظمتِكَ أن أُغتَالَ من تحتِي ".
ومَن حفظَ اللَّهَ في صباهُ وقوتِه، حفظَهُ اللَهُ في حالِ كبرهِ وضعفِ قوّته.
ومتَّعهُ بسمعِهِ وبصر وحولهِ وقوَّته وعقلِهِ.
كان بعضُ العلماءِ قد جاوزَ المائةَ سنة وهو ممتَّعٌ بقوَّته وعقلِهِ، فوثب يومًا
وثبةً شديدةً، فعُوتبَ في ذلكَ، فقالَ: هذه جوارحُ حفظناهَا عن المعاصِي في
الصِّغر، فحفظَهَا اللَّهُ علينا في الكبرِ.
وعكسُ هذا: أن بعضَ السلف رأى شيخًا يسألُ الناسَ، فقالَ: إن هذا
ضيَّع اللَّهَ في صغرِه، فضيَّعهُ اللَّهُ في كبره.
وقد يحفظُ اللَّهُ العبدَ بصلاحِهِ بعدَ موتِهِ في ذريَته، كَما قِيل في قولِه
تعالى: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا) : إنَّهما حُفظا بصلاح أبيهما.
قال سعيدُ بن المسيب لابنِهِ: لأزيدن في صلاتِي مِن أجلكَ، رجاءَ أن
стр. 1006
أُحفظَ فيكَ، ثم تلا هذه الآية: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا) .
وقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ما منْ مؤمنٍ يموتُ إلا حفظَهُ اللَّهُ في عقبِهِ وعقبِ عقبهِ.
وقال ابنُ المنكدرِ: إن اللَّهَ ليحفظُ بالرجلِ الصالح ولدَه وولدَ ولده
والدويراتِ التي حولَهُ، فما يزالونَ في حفظٍ من اللَّهِ وسترٍ.
ومتى كانَ العبدُ مشتغلاً بطاعةِ اللَّهِ، فإن اللَّهَ يحفظُهُ في تلكَ الحالِ، وفي
"مسندِ الإمامِ أحمدَ" عن النبيِّ ﷺ ، قالَ:
"كانتِ امرأةٌ في بيتٍ، فخرجتْ في سريَّة من المسلمينَ، وتركتْ ثنتي عشرة عنزا وصيصيتها كانتْ تنسجُ بِهَا، قالَ: ففقدتْ
عنزًا لها وصيصيتها، فقالتْ: يا ربِّ، إنَّكَ قد ضَمنتَ لمنْ خرجَ في سبيلِكَ أن تحفظَ عليهِ، وإنِّي قد فَقدتُ عنزًا من غنمِي وصيصيتِي، وإنِّي أنشُدُكَ عنزِي وصيصيتي ".
قالَ: وجعلَ رسولُ اللهِ ﷺ يذكر شدَّة مناشدتِهَا ربَّها ﵎، قال رسول اللَّهِ ﷺ :
"فأصبحت عنزُها ومثلُها، وصيصيتُها ومثلُها ".
والصيصيةُ: هي الصِّنارةُ التي يُغزلُ بها ويُنسجُ.
فمن حفظَ اللَّهَ حفظهُ اللَّهُ من كلِّ أذى.
قال بعضُ السلفِ: من اتقى اللَّهَ، فقد حفظَ نفسَهُ، ومن ضيَع تقواهُ، فقد ضيَّع نفسَهُ، واللهُ الغنيّ عنهُ.
ومن عجيبِ حفظِ اللَّه لمن حفظَهُ أن يجعلَ الحيواناتِ المؤذيةِ بالطبع حافظةً
له من الأذَى، كما جرى لسفينةَ مولَى النبيِّ ﷺ حيث كُسرَ به المركبُ، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسدَ، فجعلَ يمشِي معهُ حتَّى دلَّه على الطريقِ، فلمَّا أوقفَهُ عليها، جعلَ يُهمهِمُ كأنَّه يُودِّعُهُ، ثم رجعَ عنه.
стр. 1007
ورُوي أنَّ إبراهيمَ بنَ أدهم كانَ نائمًا في بستانٍ وعنده حيةٌ في فمها طاقةُ
نرجسٍ، فما زالت تذبُّ عنه حتَّى استيقظ.
وعكسُ هذا، أن من ضيعَ اللَّه، ضيَّعهُ اللَّهُ، فضاع بين خلقِهِ حتى يدخلَ
عليه الضررُ والأذى ممنَ كانَ يرجُو نفعَهُ من أهلهِ وغيرِهم، كما قالَ بعضُ
السلفِ: إني لأعصِي اللَّهَ، فأعرِفُ ذلكَ في خُلُقِ خادمِي ودابتي.
النوعُ الثانِي من الحفظِ: وهو أشرفُ النوعينِ: حفظُ اللَّهِ للعبدِ في دينهِ
وإيمانهِ، فيحفظُه في حياتِه من الشبهاتِ المُضِلَّةِ، ومن الشهواتِ المحرَّمةِ.
ويحفظُ عليه دينه عند موتِهِ، فيتوفاه على الإيمانِ.
قال بعضُ السلفِ: إذا حضرَ الرجلُ الموتَ يقالُ للملكِ: شمَّ رأسَهُ، قالَ:
أجدُ في رأسِهِ القرآنَ، قالَ: شمَّ قلبه، قال: أجد في قلبهِ الصيامَ، قال: شمَّ قدميهِ، قالَ: أجد في قدميه القيامَ، قالَ: حفظَ نفسَه، فحفظهُ اللَّهُ.
وفي "الصحيحينِ " عن البراءِ بن عازبٍ عن النبيِّ ﷺ أنه أمرَهُ أن يقولَ عندَ منامِهِ: "إن قبضتَ نفسِي، فارحمْهَا، وإنْ أرسلتَها، فاحفظهَا بما تحفظُ به عبادَك الصالحينَ ".
وفي حديثِ عمرَ أن النبيَّ ﷺ علَّمَهُ أن يقولَ:
"اللَّهمَّ احفظِني بالإسلام قائمًا، واحفظِني بالإسلامِ قاعِدًا، واحفظنِي بالإسلامِ راقِدًا، ولا تُطعْ فيَّ عدوًّا ولا حاسِدًا".
خرَّجَه ابنُ حبانَ في "صحيحه ".
وكان النبيُّ ﷺ يودع من أرادَ سفرًا، فيقولُ: "أستودع الله دينكَ وأمانتَكَ وخواتِيمَ عملك "،
стр. 1008
وكان يقولُ: "إن اللهَ إذَا استُودِعَ شيئا حفظهُ ".
خرَّجَهُ النسائيُّ وعيره
وفي الجملةِ، فإنَّ اللَّهَ يحفظُ على المؤمنِ الحافظِ لحدودِ دينهِ.
ويحُولُ بينه وبين ما يُفسدُ عليه دينَه بأنواع منَ الحفظ، وقد لا يشعرُ العبدُ
ببعضِهَا، وقد يكونُ كارِهًا له، كما قالَ في حقِّ يوسُف ﵇:
(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) .
قال ابنُ عباسٍ في قوله تعالَى: (أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .
قال: يحولُ بين المؤمنِ وبين المعصيةِ التي تجرهُ إلى النارِ.
وقال الحسنُ - وذكرَ أهلَ المعاصِي -: هانُوا عليهِ، فعَصوْه، ولو عزُّوا عليه لعصمَهُم.
وقال ابنُ مسعودٍ: إنَّ العبدَ ليهمُّ بالأمرِ من التجارةِ والإمارةِ حتى يُيسر لهُ.
فينظرُ اللَهُ إليه فيقولُ للملائكةِ: اصرفوه عنهُ، فإنهُ إن يسرتُهُ له أدخلتُه النارَ، فيصرفه اللَّهُ عنهُ، فيظلُّ يتطيَّرُ يقولُ: سبقنِي فلانٌ دهانِي فلان، وما هو إلا فضلُ اللَّهِ .
وخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ أنسٍ عن النبيِّ ﷺ :
" يقولُ اللَهُ : إن من عبادِي من لا يُصلحُ إيمانَهُ إلا الفقرُ، وإن بسطتُ عليه أفسدَهُ ذلكَ، وإن من عبادِي من لا يصلحُ إيمانَه إلا الغِنى، ولو أفقرتُه، لأفسدَهُ ذلكَ، وإنَّ من عبادِي من لا يصلحُ إيمانَهُ إلا
الصّحَّةُ، ولو أسقمتُهُ لأفسدَهُ ذلكَ، وإنَّ من عبادِي مَن لا يصلحُ إيمانُه إلا السقمُ،
стр. 1009
ولو أصححتُهُ لأفسدَهُ ذلكَ، وإن من عبادِي من يطلبُ بابَا من العبادةٍ فأكفُّه عنهُ، لكيلا يدخلهُ العُجبُ، إني أدبرُ عبادِي بعلمِي بما في قلوبِهِم، إنِّي عليمٌ خبيرٌ.
* * *
قوله تعالى: (مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)
قال الفضيلُ في قولِهِ تعالى: (مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)
قال: "هو الرجلُ يذكرُ ذنوبَهُ في الخلاءِ فيستغفرُ اللهَ منهَا".
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)
وقال الحكمُ: سُئِل أبو مجلز عن الرجلِ يضعُ إحْدَى رجليهِ على الأُخْرَى؟
فقالَ: لا بأسَ بِهِ، إنَما هذا شيء قالهُ اليهودُ: إن اللَّهَ لَمَّا خَلقَ السماواتِ
والأرضَ استراحَ، فجلسَ هذه الجلسةَ، فأنزلَ اللَّهُ :
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) .
خرَّجه أبو جعفر ابنُ أبي شيبةَ في "تاريخِهِ ".
وقد ذكرَ غيرُ واحدِ من التابعينَ: أنَّ هذهْ الآيةَ نزلت بسببِ قولِ اليهود:
إنَّ اللَّهَ خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامِ ثم استراحَ في اليومِ السابع.
منهُم: عِكرمةُ وقتادةُ.
стр. 1010
فهذا كلامُ أئمةِ السلفِ في إنكارِ ذلكَ ونسبتهِ إلى اليهودِ، وهذا يدلُّ على
أن الحديثَ المرفوعَ المرويّ في ذلكَ لا أصلَ لرفعِهِ، وإنَّما هو متلقى عن
اليهودِ، ومَن قالَ: إنَّه على شرطِ الشيخينِ فقدْ أخطأ.
وهو من روايةِ محمدِ بنِ فُليح بنِ سليمانَ، عن أبيهِ، عن سعيدِ بنِ
الحارثِ، عن عُبيدِ بنِ حُنين: سمعَ قتادةَ بنَ النعمانِ يحدثُهُ، عن النبيِّ ﷺ بمعنى قولِ أبي مُجلز.
وفي آخرِه: وقالَ : " إنها لا تصلحُ لبشر".
وعُبيد بنُ حُنين، قيلَ: إنه لمْ يسمعْ من قتادةَ بنِ النعمانِ -:
قالَهُ البيهقيُّ.
وفُليحٌ، وإن خرَّج له البخاريُّ فقد سبقَ كلامُ أئمةِ الحفاظِ في تضعيفِهِ.
وكان يحيى بنُ سعيدٍ يقشعِرُّ من أحاديثِهِ، وقال أبو زُرعةَ - فيما رواه عنه
سعيد البرذعيّ -: فُليحٌ واهي الحديثِ، وابنُهُ محمدٌ واهي الحديثِ.
ولو كان النبي ﷺ يروِي عن ربِّه أنه قالَ:
"إنها لا تصلحُ لبشرٍ"
لم يفعله رسول اللَّه ﷺ ، ولو كان قد انتسخ فِعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلمُ أصحابهِ به، وأتبعهم لهديه وسنته.
وقد رُوي عن قتادَة بنِ النعمانِ من وجهٍ آخر منقطع، من روايةِ سالمٍ أبي
النضر، عن قتادةَ بنِ النعمانِ - ولم يدركْهُ -، أنه رَوَى عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن ذلكَ.
خرَّجه الإمامُ أحمد.
وهذا محتملٌ، كما رواه عنه جابرٌ وغيرُه. فأما هذه الطَّامةُ، فلا تحتملُ
أصلاً.
стр. 1011
وقد قيلَ: إن هذا مما اشتبهَ على بعضِ الرواةِ فيه ما قالَهُ بعضُ اليهود.
فظنه مرفوعًا فرفَعَهُ، وقد وَقَعَ مثلُ هذا لغيرِ واحدٍ من متقدمِي الرواةِ، وأُنكرَ ذلك عليهِم، وأنكرَ الزبيرُ على من سَمِعَهُ يحدثُ عن النبيِّ ﷺ ، وقالَ: إنَّما حكاه النبي ﷺ عن بعضِ أهلِ الكتابِ.
فرَوَى مسلمُ بنُ الحجاج في "كتابِ التفصيلِ" والبيهقيُّ في "المدخلِ " من
روايةِ ابنِ أبي الزِّناد، عن هشامِ بن عُروةَ، عن عبدِ اللهِ عُروةَ، عن عُروةَ.
أن الزبيرَ سمع رجلاً يحدثُ حديثًا عن النبيّ ﷺ ، فاستمعَ الزبيرُ له، حتَى إذا قَضَى الرجلُ حديثَه قال لهُ الزبيرُ: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللهِ ﷺ ؟
قال الرجلُ: نعم.
فقالَ الزبيرُ: هذا وأشباهه مما يمنعَنا أن نحدثَ عن رسولِ
اللَّه ﷺ ، قد - لعمرِي - سمعتُ هذا من رسولِ اللَّهِ ﷺ وأنا يومئذٍ حاضر، ولكنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ابتدأ هذا الحديثَ، فحدثناهُ عن رجلٍ من أهلِ الكتابِ
حدَّثه إياه، فجئتَ أنتَ بعد أن تقضَّى صدرُ الحديثِ وذكرُ الرجلِ الذي من
أهلِ الكتابِ، فظننتَ أنه من حديث رسولِ اللَّه ﷺ .
وروى مسلمٌ - أيضًا - في "كتابِ التفصيلِ " بإسنادٍ صحيح، عن بُكيرِ
ابنِ الأشَج، قالَ: قال لنا بُسر بنُ سعيدٍ: أيها الناسُ، اتقوا الله، وتحفظُوا في الحديثِ، فواللَّهِ لقد رأيتُنَا نجالسُ أبا هريرةَ، فيحدثنا عن رسول اللَّهِ ﷺ .
ويحدثُنا عن كعبٍ، ثم يقومُ، فأسمعُ بعضَ من كانَ معنا يجعلُ حديثَ
رسول اللَّهِ ﷺ عن كعب، ويجعل حديثَ كعبٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 1012
ولو ذكرنا الأحاديثَ المرفوعةَ التي أُعِلَّت بأنها موقوفة: إمَّا على عبدِ
اللَّهِ بن سلام، أو على كعبٍ، واشتبهتْ على بعضِ الرواةِ فرفَعَها، لطالَ
الأمرُ.
* * *
стр. 1013
سُورَةُ الذَّارِيَاتِ
قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)
وقال سفيانُ الثوريُّ: قرأ واصِلٌ الأحدبُ هذه الآية: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) ، فقالَ: ألا إنَّ رزقي في السماءِ وأنا أطلبُه في
الأرضِ؟ فدخل خَربةً، فمكث ثلاثا لا يُصيب شيئًا، فلمَّا كان اليومُ الرابعُ، إذ هو بدوخَلَّةٍ من رُطَبٍ، وكانَ له أخ أحسن نيةً منه، فدخلَ معه فصارتَا
دوخَلَتينِ، فلم يزلْ ذلك دأبُهما حتَّى فرَّق الموتُ بينهما.
* * *
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)
إن اللَّهَ تعالى خلقَ الخلقَ وأوجدَهُم لعبادَتِهِ الجامعةِ لخشيتهِ ورجائه ومحبتهِ
كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .
وإَنَّما يُعبدُ اللَّهُ سبحانه بعد العلم به ومعرفتهِ، فبذلكَ خلقَ السمواتِ والأرضَ وما فيهما للاستدلالِ بهمَا على توحيدِهِ وعظمتِهِ كما قالَ تعالَى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢) .
وقد عُلِمَ أنَّ العبادةَ إنما تُبنى على ثلاثةِ أصول: الخوفِ، والرجاءِ، والمحبةِ.
стр. 1014
وكلٌّ منهما فرضٌ لازِم، والجمعُ بين الثلاثةِ حتم واجبا، فلهذا كانَ
السلفُ يذمونَ من تعبَّدَ بواحدٍ منها وأهملَ الآخَرَينِ، فإن بدعَ الخوارج ومن
أشبهَهُم إنما حدثتْ من التشديدِ في الخوفِ والإعراضِ عن المحبةِ والرجاءِ.
وبدعُ المرجئةِ نشأتْ من التعلقِ بالرجاءِ وحدَهُ والإعراض عن الخوفِ، وبدعُ
كثيرٍ من أهلِ الإباحةِ والحلول ممن يُنسبُ إلى التعبدِ نشأتْ من إفرادِ المحبةِ
والإعراضِ عن الخوفِ والرجاءِ.
وقد كثُرَ في المتأخرينَ المنتسبينَ إلى السلوكِ تجريدُ الكلامِ في المحبةِ وتوسيعُ
القول فيها بما لا يُساوي على الحقيقةِ مثقال حبةٍ، إذ هو عار عن الاستدلال
بالكتابِ والسنةِ، وخال من ذكرِ كلامِ مَنْ سلفَ من سلفَّ الأمةِ وأعيانِ
الأئمةِ، وإنَّما هو مجردُ دعاوى، قد تُشرِفُ بأصحابِهَا على مَهَاوِي، وربما
استشهدُوا بأشعارِ عشاقِ الصورِ، وفي ذلكَ ما فيه من عظيم الخطرِ، وقد
يحكونَ حكاياتِ العشاقِ، ويشيرونَ إلى التأدبِ بما سلكُوه من الآدابِ
والأخلاق، وكل هذا ضررُه عظيمٌ، وخطرُه جسيم، وقد يكثِر ذكرَ المحبةِ.
ويعيدُها ويبديها مَنْ هو بعيدٌ عن التلبسِ بمقدماتِها ومبادِيها، وما أحسنَ قول
ذي النونِ رحمه اللَهُ تعالى وقد ذُكِرَ عنده الكلامُ في المحبةِ فقال:
"اسكُتُوا عن هذه المسألةِ لا تسمعُهَا النفوسُ فتدَّعِيها"، فإن النفوسَ ممتلثة من الكبرِ والفخرِ والغرورِ، "والمتشبعُ بمما لم يُعطَ كلابسِ ثوبي زور".
وكثير ما تقترنُ دعوى المحبةِ بالشطح والإدلال وما ينافي العبوديةَ من الأقوال والأفعال.
* * *
стр. 1015
سُورَةُ النَّجْم
قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)
وقدْ أفْتَى قاضي القضاةِ أبو بكرٍ محمدُ بنُ المظفرِ الشاميُّ الشافعيُّ - وكانَ
أحدَ العُلماءِ الصَّالحينَ الزُّهادِ، الحاكمينَ بالعدلِ وكانَ يُقالُ عنْهُ: لو رُفِعَ
مذهبُ الشافعيِّ من الأرضِ لأمْلاهُ من صدرِه - بتحريمِ الغناءِ، وهذه صورةُ
فُتياهُ بحروفِهَا، قال: لا يجُوزُ الضربُ بالقضيبِ ولا الغناءُ ولا سماعُه، ومن
أضافَ هذا إلى الشافعيِّ فقدْ كذبَ عليهِ.
وقد نصَّ الشافعيّ في كتابِ "أدبِ القضاءِ": أنَّ الرجلَ إذا داوَم على سماع الغناءِ، رُدّتْ شهادته، وبطلتْ عدالتُه.
وقال اللَّه تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) .
قاِل ابنُ عباسٍ: معناه تُغَنُّون بلغةِ حِمير.
وقال اللَّهُ عزَّ جلَّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) جاءَ في التفسير: أنه الغناءُ والاستماعُ إليهِ.
ورُوي عن رسُول اللَّهِ ﷺ أنَّه قالَ:
"إن اللهَ كَرِهَ صوتينِ أحمقَينِ فاجِرَينِ: صوتٌ عند نعمة، وصوتٌ عندَ مصيبة".
يُريد بذلكَ الغناءَ والنوحَ.
وقال ابنُ مسعود: الغناًءُ خِطبةُ الزِّنا.
وقالً مكحول: الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ، كما ينبتُ السَّيلُ البقْلَ. واللَّه أعلم.
стр. 1016
هذا جوابُ محمدِ بنِ المظفرِ الشاميّ الشافعيِّ. ثم كتبَ بعدَهُ موافقةً له
على فُتياه، جماعةٌ من أعيانِ فقهاءِ بغدادَ: من الشافعيةِ والحنفيّةِ والحنبليَّةِ في
ذلكَ الزَّمانِ، وهو عصرُ الأربع مائةَ.
وهذا يخالفُ قولَ كثيرٍ من الشافعيَّةِ، في حمل كلامِ الشافعي على كراهةِ التنزيهِ.
والمعنى المقتضِي لتحريمِ الغناءِ: أنَّ النفوسَ مجبولة على حُبِّ الشهواتِ.
كما قالَ تعالى: (زُيِنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النسَاءِ) الآية، فجعلَ
النساءَ أوّلَ الشهواتِ المزينةِ.
والغناءُ المشتملُ على وصفِ ما جُبلتِ النفوسُ على حبِّه، والشَّغفِ به - من الصُّوَر الجميلةِ - يُثيرُ ما كمنَ في النفوسِ من
تلك المحبّةِ ويُشوِّقُ إليها، ويُحرِّكُ الطبعَ ويزعجُه، ويخرجُه عن الاعتدالِ.
ويؤُزُّه إلى المعاصِي أزًّا.
ولهذا قِيل: إنه رقيةُ الزنا.
وقد افتُتن بسماع الغناء، خلقٌ كثيرٌ فأخرَّجَهُم استماعُه إلى العشقِ، وفُتنوا
في دينهِم، فلو لم يرِد نصٌّ صريح في تحريمِ الغناءِ بالشعرِ الذي تُوصفُ فيه
الصُّورُ الجميلة لكانَ محرَّمًا بالقياسِ على النظرِ إلى الصُّورِ الجميلةِ التي يحرمُ
النظرُ إليها بالشهوةِ، بالكتابِ والسنةِ وإجماع من يُعتدُّ به من علماءِ الأمةِ.
فإنَّ الفتنةَ كَما تحصُلُ بالنظرِ والمشاهدةِ، فكذلك تحصُلُ بسماع الأوصافِ.
واجتلائِها من الشعرِ الموزونِ المحرك للشهواتِ.
ولهذا نهى النبيُّ ﷺ أن تصفَ المرأةُ المرأةَ لزوجها، كأنّه ينظرُ إليها.
لِمَا يُخشى من ذلكَ من الفتنةِ.
وقد جعلَ النبيُّ ﷺ زِنا العينينِ النظرَ.
وزنا الأذنينِ الاستماع.
وقالَ أبو هريرةَ ﵁: ثلاث فاتناتٌ مُفتناتٌ يُكببنَ في
стр. 1017
النارِ: رجلٌ ذُو صور حسنة، فاتنٌ مفتونٌ به يُكبُّ في النار، ورجلٌ ذو شعر
حسن، فاتن مفتون به يُكَمث في النارِ، ورجل ذو صوت حسن، فاتن مفتون به يُكبُّ في النارِ.
خرَّجَه حميد بن زنجويه في "كتابِ الأدَّبَ ".
* * *
стр. 1018
سُورَةُ القَمَرِ
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)
ومن أنواع عذابِهم سحبُهم في النَّارِ على وجوهِهم، قالَ اللَّهُ تعالى:
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) .
وقالَ تعالى: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) .
قالَ قتادةُ: يسحبُونَ في النارِ مرةً وفي الحميم مرةً، وقالَ تعالى:
(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) .
وقالَ قتادةُ: قالَ ابنُ عباس (صَعُودًا) : صخرة في جهنمَ يُسحَبُ
عليها الكافرُ على وجهِه.
وقالَ كعب: يقولُ اللَّهُ للإمامِ الجائرِ: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) .
فيُسحَبُ على وجهِه في النَّارِ، فينتثرُ لحمهُ وعظامُه ومخهُ.
وقالَ ثابتٌ أبو زيد القيسيُّ، عن عاصم الأحول، عن أبي منصورٍ مَولى
سليم أن ابنَ عباس قالَ: (يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ) .
قالَ أبو زيدٍ: أُراه قالَ: ينسلخُ كل شيءٍ عليه من جلدٍ ولحم وعروق وأعصابٍ حتَى
стр. 1019
يصيرَ في عقبيهِ جسدٌ من لحمِهِ مثلُ طولِه، وطولُهُ ستونَ ذراعًا، ثمَّ يُكسَى
جلدًا آخرَ، ثمَّ يسجرُ في الحميم.
خرَّجُه كلَّه ابنُ أبي حاتمٍ.
* * *
стр. 1020
سُورَةُ الرَّحْمَنِ
قوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)
إنَّ الشتاء له مشرقٌ ومغربٌ، والصيفَ كذلك، ولهذا ثَنَّاهما اللَّه تعالى في
قولِهِ: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) .
وجمعَهما في قولهِ: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) ، باعتبار مشارق الشتاءِ والصيفِ والخريفِ والربيع؛ فإن لكلِ يومٍ من السنةِ مطلعًا مشرقًا خاصا ومغربًا خاصا.
وأفردَهما في قوله: (رَبُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ، باعتبار الجنسِ.
* * *
قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)
وقد ضمِنَ اللَّهُ سبحانَهُ الجنةَ لمن خافَهُ من أهلِ الإيمانِ، فقالَ تعالَى:
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)
قال مجاهد: في هذه ِ الآية: اللَّهُ قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ، فمن أرادَ أن يعملَ شيئًا فخافَ مقامَ ربِّه عليه، فله جنتان.
وعنه أنه قال: هو الرجلُ يذنبُ فيذكرُ مقامَ اللَّهِ فيدعهُ.
وعنه قال: هو الرجلُ يهمُّ بالمعصيةِ فيذكرُ اللَّهَ فيترُكُها.
следующие страницы →