← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

يكونُ مشتركًا بين المسلمينَ كلِّهم، من وُجِدَ منهم ومن لم يوجدْ بعد ذلك. ويبينُ هذا أنَّ الله تعالى نسبَ الغنيمةَ للغانمين، فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ) ، فأمَّا الأرضُ فأضافها إلى الرسول لقولِهِ: (مَا أفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) إشارةً إلى أن كلَّ قريية يفيئُها اللَّهُ على أمتِهِ إلى يومِ القيامةِ، فهي مضافةٌ إلى الرسول غيرُ مختصةٍ بالغانمين، والإمامُ يقومُ مقامَ الرسول في قسمتِها بالاجتهاد. وقولُهُ: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) من الأرض خاصة وقد صحَّ عن عطاءِ بن السائب والحسنِ البصري وغيرِهما من السلفِ أنهم قالُوا: الأرضُ فيءٌ وإن أخذتْ بقتالٍ وتقدَّم ذكرُ ذلك عن جماعة من العلماءِ يدلُّ على ذلك أنَّه جعلها لثلاثةِ أصنافٍ المهاجرينَ والأنصارِ ومن جاء بعدَهم من المسلمين، وهذا لا يمكنُ في المنقولاتِ قطعًا، لأنَّ المنقولاتِ تستهلكُ ويختصُّ به من يأخذُهُ فلا يمكنُ اشتراكُ جميع المسلمينَ فيه، وقد قيلَ: إنَّ هذه الآية نزلتْ في قرى عرينةَ التي فتحتْ على النبي ﷺ ، أو فيها وفي قرى بني قريظة والنضير وحنين، وقيلَ: بل الآية ُ تعمُّ كلَّ ما فتحَ إلى آخر الدهر، وهو أصحُ، وإن كانَ سببُ نزولها في قرى عرينة، فإنَّ سبب الثزولِ لا يختص الحكمَ العامَّ. قال معمرٌ: بلغنَا أن هذه الآيةَ نزلتْ في الجزيرةِ والخراج، وخراج القُرى. يعني القُرى تؤدِّي الخراجُ ذكرُهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وكذا قال الحسنُ بنُ صالح: أن الفيءَ ما أُخذَ من الكفارِ بصلح من جزيةٍ أو خراج، وكذا فسر أحمدُ الفيءَ بأنه ما صولح عليه من الأرضين وجزيةِ الرؤوس وخراج الأرضِ. وقال: فيه حق لجميع المسلمين، ولم يذكرْ في هذه الآيةِ بغيرِ إيجافٍ، كما ذكرهُ في

стр. 1087

الآية الأولى، وقد تقدَّم عن مجاهدٍ أنه حمل الآية الأولى على خيبر وقريظةَ مع ما فيها من نفي الإيجافِ، فما لم يذكرْ فيه نفيُ الإيجافِ أوْلى أن يحملَ على حالةِ القتالِ، فمن هنا قالتْ طائفة من السلف: المرادُ به ما أخذَهُ المسلمونَ بقتالٍ من الأرضِ. ذكرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ عن أبيه عن المغيرة بنِ عبد الرحمن، قالَ ابنُ إسحاقَ: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكرٍ دخلَ حديثُ أحدُهما في الآخر. قال: أنزلَ اللَّهُ تعالى في بني النضير سورة الحشرِ، فكانتْ أموالُ بني النضير مما لم يوجفِ المسلمونَ عليه خيلاً ولا ركابًا، فجعل اللَّهُ أموالَهم لنبيِّه ﷺ يضَعُها حيثُ شاءَ، ثم قالَ: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) ما أوجفَ المسلمون عليه بالخيل والركابِ، وفُتحَ بالحربِ فللَّه وللرسول ولذي القربى، فهذا قسم آخرُ بينَ المسلمين على ما وضَعهُ اللَّهُ فقسم الفيءَ لمن سمَّى من المهاجرينَ والأنصارِ، لمن جاء بعدهم. خرَّجه القاضي إسماعيلُ. ونحو هذا قالَ قتادةُ ويزيد بن رومانَ: وأن هذه القرى مما أخذ بالقتال لكنَهم قالوا: نُسخ ذلك بآيةِ الأنفالِ، فإن أرادوا النسخَ الاصطلاحي، وهو رفعُ الحكم، فلا يصحُّ؛ لأنَّ آيةَ الأنفالِ نزلت عقبَ بدرٍ قبلَ بني النضير. وإن أرادُوا أنها بينت أمرَهَا وأنَّ المرادَ بآيةِ الحشرِ خُمسُ الغنيمةِ خاصةً، وهذا قولُ عطاءٍ الخراسانيِّ ذكرهُ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في "تفسيرِهِ " عن أبي شيبةَ عنه على تقديرِ أن يكونَ المرادُ الخمسَ خاصة بآيةِ الحشر أنها بينت أنَّ خُمسَ الغنيمةِ لا يختصُّ بالأصنافِ الخمسِ، بل يشتركُ فيها جميعُ المسلمين كان متوجّها، ويستدلُّ بذلك على أن مصرف الخمسِ كلَّه مصرفُ الفيء، وهو

стр. 1088

أقوى الأقوالَ، وهو قولُ مالكٌ وقرره عمرُ بنُ عبد العزيزِ في رسالتِهِ في الفيءِ تقريرًا بليغًا شافيًا ﵁. فهذه ثلاثة أقوال في الآية إذا قلنا: إنَّ الفيءَ هنا ما أخذَ بقتالٍ، هل هي منسوخة أو أن المرادَ بها خمسُ الغنيمةِ أو أنَّ المرادَ بها الأرضُ خاصةً، وهذا الثالثُ أصحُّ ويقررُ هذا أنَّ الفيءَ يستعملُ كثيرًا فيما أخذ بقتالٍ. وروى إبراهيمُ بنُ طهمانَ عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: "أفاءَ اللَّه على رسولِهِ خيبرَ فأقرَّهم رسولُ اللَّه ﷺ كما كانُوا"، وذكرَ الحديث. وروى يحيى بنُ سعيد عن بشير بنِ يسار أنَّ رسول اللَّه ﷺ لما أفاء اللهُ عليه خيبرَ قسمَها ستةً وثلاثينَ سهمًا، وذكرَ الحديث. خرَّجه أبو داود. وإذا تقرَّرَ هذا فمن رأى دخولَ الأرضِ في آية الغنيمةِ خاصةً أوجبَ قسمتَها بين الغانمينَ، ومن رأى دخولَها في آية الفيءِ خاصةً فمنهم من أوجب إرصادَهَا للمسلمينَ عمومًا، كقول مالكٍ وأصحابِهِ، ومنهم من خير بين ذلك وبين قسمتِها، وهو قولُ الأكثرين، ثمَّ إنَّ أبا عبيد زعمَ أنَّ الصحابةَ ﵃ رأوا دخولَها في كلتا الآيتَيْنِ، فلذلكَ منهم من أشارَ بقسمتِها ومنهُم من أشارَ بحبسِها، وردَّ ذلك أصحابُ مالكٌ، وقالُوا: لو دخلتْ في آيةِ الغنيمةِ لكانتْ حقًّا للغانمينَ كالمنقولاتِ، فكيف يخيرُ الإمامُ بين إعطائها لأهلِها المستحقين لها وبين منعِهم حقّهم. وقد يقالُ: إنَّ من رأى قسمتَها كالزبير وبلالٍ ﵄، وهو أولُ اختيارَيِّ عمرَ ﵁ لم يكنْ مأخذُهُ في ذلك دخولَها في آيةِ الغنيمة، وإنما يكونُ

стр. 1089

مأخذُهُم في ذلكَ أنها لما كانت فيئًا لجميع المسلمين، وحقًّا مشتركا بينهم جاز تخصيصُ الغانمينَ بها لأنهم من جملةِ المسلمين، ولهم خصوصيةٌ على غيرِهم بحصولِ هذه الأرضِ بقتالِهم عليها، فإذا كانتِ المصلحةُ في تخصيصِهم بها جازَ، وهذا كما أقطع عثمانُ ﵁ جماعةً من الصحابة بعض أرضِ السوادِ إقطاعَ تمليكٍ، ونظيرهُ وقفُ الإمامِ بعضَ أراضي بيتِ المالِ على بعضِ المسلمين، وقد أفتى بجوازِ ذلك ابنُ عقيل من أصحابنا وطوائفُ من أصحاب الشافعي وأبي حنيفةَ، ومن الشافعية من منع ذلك. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) من ملك نفسَهُ وقهرَهَا ودانَها: عزَّ بذلكَ " لأنه انتصرَ على أشدِّ أعدائهِ وقهرهُ وأسرهُ واكتفَى شرَّه قال اللَهُ تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، فحصرَ الفلاحَ في وقايةِ شحِّ نفسِهِ، وتطلُّعِها إلى ما مُنعتْ منهُ، وحرصِها على ما يُضيرُها مما تشتهيهِ: من علوٍّ وترفع، ومالٍ وجاهٍ وأهلٍ ومسكنٍ، ومأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وغيرِ ذلكَ. فإنَّها تتطلعُ إلى ذلكَ كلِّه وتشتهِيهِ، وهو عينُ هلاكِهَا ومنه ينشأ البغيُ والحسد والحقدُ. فمن وقِيَ شح نفسه فقد قهرهَا وقصرَهَا على ما أُبيحَ لها وأُذنَ لها فيه، وذلكَ عين الفلاح. * * *

стр. 1090

قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) فأفضلُ الأعمالِ: سلامةُ الصدرِ من أنواع الشَّحناءِ كلّها، وأفضلها السَّلامةُ من شحناءِ أهلِ الأهواءِ والبدع التي تقتضِي الطعنَ على سلفِ الأمةِ. وبغضَهم والحِقدَ عليهم، واعتقادَ تكفيرِهم أو تبديعِهم وتضليلِهم، ثم يلي ذلكَ سلامةُ القلبِ من الشَّحناءِ لعمومِ المسلمينَ، وإرادةُ الخيرِ لهُم. ونصيحتُهم، وأن يُحبَّ لهم ما يُحبُّ لنفسهِ. وقد وصفَ اللَهُ تعالى المؤمنين عمومًا بأنَّهم يقولون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) . وفي "المسندِ" عن أنسٍ أن النبيَّ ﷺ قال لأصحابِهِ ثلاثةَ أيامٍ: "يطلُعُ عليكم الآنَ رَجُل مِن أهلِ الجنةِ" فيطلُعُ رجل واحدٌ، فاستضافهُ عبدُ اللَّهِ بن عمرو، فنامَ عنده ثلاثاً لينظرَ عملَه، فلم ير له في بيته كبيرَ عملٍ، فأخبرَه بالحال، فقال له: هو ما ترى، إلا أني أبيتُ وليسَ في قلبي شيءٌ على أحدٍ من المسلمين. فقالَ عبدُ اللهِ: بهذا بلغَ ما بلغَ. وفي "سُننِ ابنِ ماجةَ ": عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قالَ: قِيل: يا رسول اللَّهِ، أيُّ الناسِ أفضلُ؟ قال: "كُلُّ مُخْمُوم القلبِ، صدوقِ اللِّسانِ ". قالوا: صَدوقُ اللسانِ نعرفُه، فما مَخمُومُ القلبِ؟ قال: "هو التَّقِيُ النَّقِيُ الذي لا إثْمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حسدَ".

стр. 1091

قال بعضُ السَّلفِ: أفضلُ الأعمالِ سلامةُ الصُّدُورِ، وسخاوةُ النُّفوسِ. والنصيحةُ للأمَّةِ، وبهذه الخصالِ بلغَ منْ بلغَ، لا بكثرةِ الاجتهادِ في الصَّومِ والصَّلاةِ. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) وأعظمُ الشدائدِ التي تنزلُ بالعبدِ في الدنيا الموتُ، وما بعده أشدّ منه إن لم يكنْ مصيرُ العبدِ إلى خيرٍ، فالواجبُ على المؤمنِ الاستعدادُ للموتِ وما بعدَهُ في حال الصحةِ بالتقوى والأعمالِ الصالحةِ، قالَ اللَّهُ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) . فمن ذكرَ اللَّهَ في حالِ صحتِهِ ورخائِهِ، واستعدَّ حينئذٍ للقاءِ اللَّهِ بالموتِ وما بعدَهُ، ذكرَهُ اللَهُ عندَ هذه الشدائدِ، فكانَ معهُ فيها، ولطفَ به، وأعانَهُ، وتولاهُ، وثبّتَه على التوحيدِ، فلقيهُ وهو عنه راضٍ، ومن نسِيَ اللَّهَ في حالِ صحته ورخائِهِ، ولم يستعد حينئذ للقائِهِ، نسيهُ اللَّهُ في هذه الشدائدِ، بمعنى أنًّه أعرضَ عنهُ، وأهملَهُ، فإذا نزلَ الموتُ بالمؤمنِ المستعدِّ لهُ، أحسنَ الظن بربِّهِ، وجاءتْهُ البُشْرَى مِنَ اللَهِ فأحبَّ لقاءَ اللهِ، وأحبَّ اللَّهُ لقاءَه، والفاجرُ بعكسِ ذلكَ، وحينئذٍ يفرحُ المؤمنُ، ويستبشرُ بما قدَّمَهُ مما

стр. 1092

هو قادم عليهِ، ويندمُ المفرطُ، ويقولُ: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) . قال أبو عبدِ الرحمنِ السُّلَّمي قبلَ موتِهِ: كيفَ لا أرجُو ربِّي وقد صُمْتُ له ثمانينَ رمضانَ؟ وقال أبو بكر بنُ عياشٍ لابنه عندَ موتِهِ: أترى اللَّه يضيعُ لأبيكَ أربعينَ سنةً يختمُ القرآن كُلَّ ليلة؟ وختمَ آدمُ بنُ أبي إياس القرآنَ وهو مسجًّى للموتِ، ثم قالَ: بحُبِّي لكَ. إلا رفقتَ بي في هذا المصرع؛ كنتُ أُؤمِّلُك لهذا اليوم، كنتُ أرجوكَ، لا إله إلا اللَّه، ثم قُضِي. ولما احتُضِرَ زكريا بنُ عدي، رفعَ يديهِ، وقالَ: اللهمّ إنِّي إليكَ لمشتاق. وقال عبدُ الصمدِ الزاهدُ عند موتِهِ: سيِّدي لهذهِ الساعةِ خبَّأتُكَ، ولهذا اليومِ اقتنيتُكَ، حقِّق حُسْنَ ظنِّي بكَ. وقال قتادةُ في قولِ اللَّهِ : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّه مَخْرَجًا) قال: من الكربِ عندَ الموتِ. وقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباس في هذه الآيةِ: يُنجيهِ من كلِّ كرب في الدنيا والآخرةِ. وقال زيدُ بنُ أسلمَ في قولهِ : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) . قال: يُبشر بذلكَ عند موتِهِ، وفي قبرِهِ. ويومَ يُبعثُ، فإنَّه لفي الجنةِ، وما ذهبتْ فرحةُ البشارةِ من قلبهِ.

стр. 1093

وقال ثابت البنانيُّ في هذه الآيةِ: بلغنا أن المؤمنَ حيثُ يبعثه اللَّه من قبره. يتلقاهُ ملكاهُ اللذانِ كانَا معه في الدنيا، فيقولانِ لهُ: لا تخفْ ولا تحزنْ. فيؤمِّنُ اللَّهُ خوفَه، ويُقرُّ اللَّهُ عينَه، فما مِنْ عظيمة تغشى الناسَ يومَ القيامة إلا هي للمؤمنِ قرَّةُ عينٍ لما هداهُ اللَّهُ، ولما كانَ يعملُ في الدُّنيا. * * *

стр. 1094

سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعتُ الوزير يقول في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كفَروا) ، قال: المعنى: لا تَبْتلِيْنا بأمر يوجبُ افتتانَ الكفارِ بِنَا، فإنَّه إذا خُذِلَ المتُقي ونُصِر العاصي فُتِنَ الكافرُ. وقال: لو كان مذهبُ هذا صحيحًا ما غُلِب. * * * قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) وقد رُويَ عن ابنِ عباس ﵄ في قولهِ تعالى: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) ، قالَ: كانتِ المرأةُ إذا أتتِ النَّبيَّ ﷺ ، حلَّفها باللَّهِ: ما خرجتِ من بُغضِ زوج، وباللَّهِ: ما خرجتِ رغبةً بأرضٍ عن أرضٍ، وباللَّهِ: ما خرجتِ التماسَ دُنيا، وباللَّه: ما خرجت إلا حُبًّا للَّهِ ورسولهِ. خرَّجهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جرير، والبزَّاَرُ في "مسنده "، وخرَّجه الترمذي في بعضِ نسخ كتابهِ مختصرًا. * * *

стр. 1095

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) [قالَ البخاريُّ] : حدَّثنا أبُو اليمانِ: أنا شُعيبٌ، عن الزُّهريِّ: أخبرنِي أبُو إدريسَ عائذُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّهِ، أنَّ عبادةَ بنَ الصامتِ - وكانَ شهدَ بدرًا، وهوَ أحدُ النُّقباءِ ليلةَ العقبةِ -، أنَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: - وحولَهُ عصابةٌ منْ أصحابِهِ -: "بايعُونِي على أنْ لا تُشركوا باللهِ شيئًا، ولا تَسرقُوا، ولا تزنُوا، ولا تقتُلُوا أولادكمْ، ولا تأتُوا بُبهتانٍ تفترُونَهُ بينَ أيديكُمْ وأرجُلكُمْ، ولا تعصوا فِي معرُوفٍ، فمنْ وفَّى منكُمْ فأجرُهُ على اللهِ، ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئًا فعُوقِبَ بهِ في الدُّنيا فهُوَ كفَّارةٌ ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئا ثُمَّ ستَرَهُ اللَهُ فهوَ إلى اللَّهِ، إن شاءَ عفَا عنهُ، وِإنْ شَاءَ عاقبهُ ". فبايعْنَاهُ علَى ذلكَ. هذا الحديث؛ سمعه أبو إِدْريس [. . .] ، عن عقبة بن عامر، عن عبادة. وزيادة "عقبة" في إسناده وَهْم. وقد خرجَ البخاريُّ الحديثَ في "ذكرِ بيعة العقبة" وفي "تفسير سورة الممتحنة" من كتابه هذا، وفيه: التصريحُ بانَّ أبا إدريس أخبره به عبادة،

стр. 1096

وسمعه منه. وكان عبادةُ قد شهدَ بدرًا، وهو أحدُ النقباءِ ليلةَ العقبةِ، حيثُ بايعتِ الأنصارُ النبي ﷺ قبلَ الهجرةِ. لكنْ؛ هلْ هذه البيعةُ المذكورةُ في هذا الحديثِ كانت ليلةَ العقبةِ، أم لا؟ هذا وقعَ فيه تردُّد. فرواهُ ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، وذكرَ في روايتِهِ، أنَّ هذه البيعةَ كانتْ ليلةَ العقبةِ.. وروى ابنُ إسحاقَ - أيضًا -، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ مرثد ابنِ عبدِ اللَّهِ، عن الصُّنابحي، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قالَ: كنتُ فيمن حضرَ العقبةَ الأُولى، وكنَّا اثني عشرَ رجلاً، فبايعنا رسولَ اللَّه ﷺ على بيعةِ النسَاءِ، وذلكَ قبلَ أن تفرضَ الحربُ على أنْ لا نشركَ باللًّهِ شيئًا، ولا نسرقَ، ولا نزني - الحديث. خرَّجَهُ الإمامُ أحمد، من روايةِ ابنِ إسحاقَ - هكذا. وكذا رواه الواقديُّ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب. وخرَّجاهُ في "الصحيحين "، من حديثِ الليثِ بنِ سعدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن الصنابحيِّ، عن عبادةَ، قالَ: إني من النقباءِ الذينَ بايعُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، بايَعَنا على أنْ لا نشركَ باللَّهِ شيئًا - فذكرَ الحديثَ.

стр. 1097

وليس هذا بالصريح في أنَّ هذه البيعةَ كانتْ ليلةَ العقبةِ. ولفظُ مسلم بهذه الروايةِ: عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قالَ: إنِّي من النقباءِ الذينَ بايعُوا رسولَ اللَّه ﷺ . وقالَ: بايعناهُ على أن لا نشركَ - الحديث. وهذا اللفظُ؛ قد يُشعرُ بأنَّ هذهِ البيعةَ غيرُ بيعةِ النقباءِ. وخرَّجَهُ مسلمٌ، من وجهٍ آخرَ، من روايةِ أبي قلابَة، عن أبي الأشعثِ. عن عبادةَ، قالَ: أخذَ علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، كما أخذَ على النساءِ: أنْ لا نشركَ باللَّه شيئًا. وهذا قد يُشعرُ بتقدمِ أخذهِ على النساءِ على أخذِهِ عليهِم. وخرجَ مسلمٌ حديثَ عبادةَ، من رواية أبي إدريس عنه، وقال في حديثه: "فتلا علينا آية النساء: (أَن لاَّ يشْرِكنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) الآية ". وخرَّجَه البخاريُّ في "تفسيرِ سورة الممتحنة" من رواية ابنِ عيينةَ، عن الزهريِّ، وقالَ فيه: وقرا آيةَ النساءِ، وأكثرُ لفظِ سفيانَ: وقرا الآيةَ. ثم قالَ: تابعهُ عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ - في الآيةِ. وكذا خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ، وعندَهُما: فقرأ عليهم الآيةَ. زاد الإمامُ أحمدُ: التي أخذت على النساءِ: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ) . وهذا تصريحٌ بأنَّ هذه البيعةَ كانتْ بالمدينةِ؛ لأن آيةَ بيعةِ النساءِ مَدنية.

стр. 1098

وروى هذا الحديثَ سفيانُ بن حسينٍ، عن الزهريِّ، وقال في حديثه: إنَّ النبيَّ ﷺ قال لهم: "أيكمْ يبايعني على هؤلاء الآياتِ الثلاثِ؟ " ثُمَّ تلا هذه الآيةَ: (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكوا بِهِ شَيْئًا) ، حتى فرغ من الثلاثِ آيات. خرَّجَه الهيثم بن كليبٍ في "مسندهِ ". وسفيانُ بنُ حسينِ، ليسَ بقويِّ، خصوصًا في حديثِ الزهريِّ، وقد خالفَ سائرَ الثقاتِ من أصحابهِ في هذا. وقد روى عبادةُ بنُ الصامتِ، أنهم بايعُوا النبيَّ ﷺ على السمع والطاعة، في المنشطِ والمكرَهِ، وأن لا ينازعُوا الأمرَ أهلَه، وأن يقولوا بالحق. فهذه صفةٌ أخرى، غيرَ صفةِ البيعةِ المذكورةِ في الأحاديثِ المتقدمةِ. وهذه البيعةُ الثانيةُ مخرجةٌ في "الصحيحينِ " من غيرِ وجهِ عن عبادةَ. وقد خرَّجها الإمامُ أحمد، من روايةِ ابنِ إسحاقَ: حدثني عبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عبادةَ بن الصامت، عن جدِّهِ عبادةَ - وكانَ أحدَ النقباءِ -. قالَ: بايعنا رسولَ اللَّه ﷺ بيعةَ الحربِ، وكانَ عبادةُ من الاثني عشرَ الذينَ بايعُوا في العقبةِ الأولى على بيعةِ النساءِ على السمع والطاعةِ، في عُسرِنا ويُسرِنا - وذكرَ الحديث. وهذه الروايةُ، تدلُّ على أنَّ هذه البيعةَ هي بيعةُ الحربِ، وأن بيعةَ النساءِ كانتْ في العقبةِ الأُولى، قبلَ أن تفرضَ الحربُ.

стр. 1099

فهذا قد يُشعرُ بأنَّ هذه البيعةَ كانتْ بالمدينةِ، بعد فرضِ الحربِ، وفي هذا وقد خرَّجهُ الهيثمُ بنُ كليبٍ في "مسندِهِ "، من روايةِ ابنِ إدريس، عن ابنِ إسحاقَ ويحيى بنِ سعيد وعبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ، أنَّ أباهُ حدَّثه، عن جدِّهِ قالَ: بايعنَا رسولَ اللَّهِ ﷺ في العقبةِ الآخرةِ على السمع والطاعةِ - فذكره. وخرَّجَهُ ابنُ سعدِ من وجهٍ آخرَ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ - مرسلاً. وخرجَ الإمامُ أحمدُ من وجهٍ آخر، عن عبادةَ، أنَّهم بايعُوا النبيَّ ﷺ هذه البيعةَ على السمع والطاعةِ - الحديث، وقال فيه -: وعلى أن ننصرَ النبيَّ ﷺ إذا قدِمَ علينا يثربَ، فنمنعهُ مما نمنعُ منه أنفسَنَا. وهذا يدلُّ على أن هذه البيعة كانتْ قبلَ الهجرةِ، وذلكَ ليلةَ العقبة. وخرَّج - أيضًا - هذا المعنى من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ هذه البيعة كانتْ للسبعينَ، بشعبِ العقبةِ. وهي البيعةُ الثانيةُ، وتكونُ سميتْ هذه البيعةُ الثانيةُ: "بيعةَ الحربِ "؛ لأن فيها البيعةَ على منع النبيِّ ﷺ ، وذلكَ يقتضِي القتالَ دونَهُ، فهذا هو المرادُ بالحربِ، وقد شهدَ عبادةُ البيعتينِ معًا. ويحتملُ أن النبيَّ ﷺ كانَ يبايعُ أصحابَه على بيعةِ النساءِ قبلَ نزولِ آيةِ مبايعتهنَّ، ثم نزلتْ الآيةُ بموافقةِ ذلكَ.

стр. 1100

وفي "المسندِ"، عن أمّ عطيةَ، أن النبيَّ ﷺ لما قدمَ المدينةَ جمع النساءَ،. فبايعهنَّ على هذهِ الآيةِ، إلى قولهِ: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْروفٍ) . وهذا قبلَ نزولِ سورةِ الممتحنةِ؛ فإنها إنَّما نزلتْ قبلَ الفتح بيسيرٍ. واللَّهُ أعلمُ بحقيقةِ ذلكَ كلِّه. وأمَّا ما بايعهم عليه، فقد اتفقت رواياتُ حديثِ عبادةَ، من طرقه الثلاثةِ عنهُ، أنهم بايعُوه على أن لا يشركُوا باللهِ، ولا يسرقُوا، ولا يزنُوا، ولا يقتلُوا. وفي بعضِ الروايات: لا يقتلُوا أولادَهُم، كما في لفظِ الآيةِ. وفي بعضِهَا: لا يقتلُوا النفسَ التي حرَّم اللَّهُ. وهذه روايةُ الصُّنابحي، عن عبادةَ. ثم إنَّ منَ الرواةِ من اقتصرَ على هذه الأربع، ولمْ يزد عليهَا. ومنهمْ من ذكرَ في روايةِ المبايعةِ على بقيةِ ما ذكرَ في الآيةِ، كما في روايةِ البخاريِّ المذكورةِ هاهنا. ومنهم من ذكرَ خصلةً خامسةً بعد الأربع، ولكنْ لمْ يذكرْهَا باللفظِ الذي في الآيةِ. ثم اختلفُوا في لفظِها: فمنهم من قالَ: "ولا ننتهبُ ". وهيَ روايةُ الصنابحى عن عبادةَ المخرَّجةُ في "الصحيحينِ ".

стр. 1101

ومنهمْ مَنْ قالَ: "ولا يَعْضَهُ بعضُنا بعضًا". وهي روايةُ أبي الأشعثِ، عن عبادةَ. خرَّجَها مسلم. ومنهم من قالَ: "ولا يغتبْ بعضُنا بعضًا". - وهي روايةُ الإمام أحمد. وأما الخصلةُ السادسةُ، فمنهمُ من لم يذكرْهَا بالكليةِ، وهي روايةُ أبي الأشعثِ التي خرَّجَها مسلم. ومنهُم من ذكرَها، وسمَّاها: "المعصية"، فقالَ: "ولا نعصِي "، كما في روايةِ الصنابحي. وفي روايةِ أبي إدريسَ: "ولا تعصُوا في معروفٍ ". فأمَّا الشركُ والسرقةُ والزنا والقتلُ، فواضحٌ. وتخصيصُ قتلِ الأولادِ بالذكرِ في بعضِ الرواياتِ، موافقٌ لِمَا وردَ في القرآنِ في مواضِعَ، وليسَ له مفهومٌ، وإنَّما خصص بالذكرِ للحاجةِ إليهِ، فإنَّ ذلكَ كان معتادًا بين أهلِ الجاهليةِ. وأما الإتيانُ ببهتانٍ يفترونَهُ بين أيدِيهم وأرجلِهم، على ما جاءَ في روايةِ البخاريِّ، فهذا يدل على أن هذا البهتانَ ليسَ مما تختصُ به النساءُ. وقد اختلفَ المفسرونَ في البهتانِ المذكورِ في آيةِ بيعةِ النساءِ:

стр. 1102

فأكثرهُم فسرُوه، بإلحاقِ المرأةِ بزوجِهَا ولدًا من غيرِهِ. رواه عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسِ. وقاله مقاتلُ بنُ حيانَ وغيرُه. واختلفُوا في معنى قولهِ: (بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) : فقيل: لأنَّ الولدَ إذا ولدتهُ أمه سقطَ بين يديها ورجليها. وقيلَ: بل أرادَ بما تفتريه بين يديها، أن تأخذَ لقيط فتلحقه بزوجها، وبما تفتريه بين رجليها، أن تلده من زنا، ثم تلحقه بزوجِها. ومن المفسرينَ من فسرَ البهتانَ المُفترى بالسحرِ. ومنهم من فسَّره بالمشي بالنميمةِ، والسعي في الفسادِ. ومنهم من فسَّرهُ بالقذفِ والرمي بالباطلِ. وقيل: البهتانُ المفترى يشملُ ذلك كلَّه، وما كانَ في معناهُ. ورجحه ابنُ عطيةَ وغيرُه. وهو الأظهرُ؛ فيدخلُ فيه كذبُ المرأةِ فيما ائتُمنتْ عليه من حملٍ وحيضٍ. وغيرِ ذلكَ. ومن هؤلاءِ من قالَ: أرادَ بما بين يدَيها حفظَ لسانِها وفمها ووجهِها عمَّا لا يحلُّ لها، وبما بينَ رجليهَا حفظَ فرجِهَا، فيحرمُ عليها الافتراء ببهتانٍ في ذلك كلّه. ولو قيلَ: إنَّ من الافتراءِ ببهتانِ بين يديها: خيانةُ الزوج في مالهِ الذي في بيتها، لم يبعدْ ذلكَ.

стр. 1103

وقد دلَّ مبايعةُ النبيِّ ﷺ الرجالَ علَى أنْ لا يأتوا ببهتانٍ يفترونَه بينَ أيْديهم وأرجُلِهمْ أنَّ ذلكَ لا يختصُّ بالنساءِ. وجميعُ ما فُسئَر به البهتانُ في حقِّ النساءِ يدخلُ فيه الرجال - أيضًا -. فيدخلُ فيه استلحاقُ الرجلِ ولدَ غيره، سواء كان لاحقًا غيره أو غيرَ لاحق. كولدِ الزنا، ويدخلُ فيه الكذبُ والغيبةُ. وقد قالَ النبيُّ ﷺ : "إِنْ كانَ في أخيكَ ما تقولُ فقد اغْتبتَه، وإنْ لم يكنْ فيه ما تقولُ فقد بهتَهُ ". خرَّجَهُ مسلمٌ. وكذلكَ القذفُ، وقد سمَّى اللَّهُ قذفَ عائشةَ بهتانًا عظيمًا. وكذلكَ النميمةُ من البهتانِ. وفي روايةِ أبي الأشعثِ، عن عبادةَ: "ولا يَعْضَه بعضُكُم بعضًا". والعضِيهَة: النميمة. وفي "صحيح مسلم "، عن ابنِ مسعود - مرفوعًا -: "ألا أُنبئُكُم ما العضْهُ؛ هي النميمةُ القَالَةُ بين الناس ". وروى إبراهيمُ الهَجَري، عن أبي الأحوصِ، عن ابنِ مسعود، قالَ: كنا نسمِّي العضيهة السحرَ، وهو اليوم: قيلَ وقالَ. وفسر إسحاقُ بن راهويه العضيهةَ في حديثِ عبادةَ بن الصامتِ، قال: لا يبهتْ بعضُكم بعضًا.

стр. 1104

نقله عنه محمدُ بنُ نصر. وذكر أهلُ اللغةِ: أن العضيهةَ: الشتيمة، والعضيهة: البهتانُ، والعاضهة. والمستعضهة: الساحرةُ والمستسحرةُ. وفي روايةِ الصنابحيِّ: "ولا ننتهبُ "، والنُّهبَةُ من البهتانِ؛ فإنَّ المنتهبَ يبهتُ الناسَ بانتهابه منه ما يرفعونَ إليه أبصارَهُم فيه. وكل ما بهتَ صاحبَه وحيَّره وأدْهشه من قولٍ أو فعل لم يكنْ في حسابِهِ فهو بهتانٌ، فأخذُ المالِ بالنُّهْبى أو بالدعاوَى الكاذبةِ بهتانٌ. وقد قالَ تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) . وفي "المسندِ" والترمذي والنسائي، عن صفوانَ بنِ عسَّالٍ، أن اليهودَ سألوا النبيَّ ﷺ عن التسع آياتٍ البيناتِ التي أوتيها موسَى، فقالَ: "لا تشركوا باللَّهِ شيئًا، ولا تزنوا، ولا تقتلُوا النفسَ التي حرمَ اللَهُ إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحرُوا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطانٍ فيقتلُه، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفُوا محصنةً، ولا تفروا من الزحفِ، وعليكم اليهودَ خاصةً أن لا تعدُوا في السبتِ ". فلم يذكرْ في هذا الحديث البهتانَ المفترى بلفظهِ، ولكن ذكرَ ممَّا فسر به البهتانَ المذكورَ في القرآنِ عدةَ خصال: السحرَ، والمشيَ ببريء إلى السلطانِ، وقذفَ المحصناتِ. وهذا يشعرُ بدخولِ ذلك كلِّه في اسم البهتانِ.

стр. 1105

وكذلك الأحاديثُ التي ذكرَ فيها عدَّ الكبائرِ، ذكرَ في بعضِها: القذفَ. وفي بعضِها: قولَ الزورِ، أو شهادةَ الزورِ، وفي بعضها: اليمينَ الغموسِ. والسحرَ، وهذا كلُّه من البهتانِ المفترى. وأما الخصلةُ السادسةُ، فهي المعصيةُ، وتشملُ جميعَ أنواع المعاصِي، فهو من بابِ ذكرِ العامِّ بعد الخاصّ. وهو قريبٌ من معنى قولهِ تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وقولهِ تعالى: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْروفٍ) . وفي بعضِ ألفاظِ حديثِ عبادةَ: "ولا تعصُوا في معروف ". وفي بعضها: "ولا تعصوني في معروف ". وقد خرَّجَها البخاريُّ في موضع آخرَ. وكلُّ هذا إشارةٌ إلى أن الطاعةَ لا تكونُ إلا في معروفٍ، فلا يطاعُ مخلوقٌ إلا في معروفٍ، ولا يطاعُ في معصيةِ الخالقِ. وقد استنبَط هذا المعنى من هذه الآيةِ طائفةٌ من السلفِ. فلو كان لأحدٍ من البشرِ أن يطاعَ بكلِّ حالٍ، لكانَ ذلك للرسولِ ﷺ ، فلمَّا خُصَّتْ طاعتُه بالمعروفِ، مع أنه لا يأمرُ إلا بما هو معروفٌ، دلَّ على أن الطاعةَ في الأصلِ للَّهِ وحدَه، والرسولُ مبلغ عنه، وواسطةٌ بينه وبينَ عبادِه. ولهذا قالَ تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) . فدخلَ في هذه الخصلةِ السادسةِ: الانتهاءُ عن جميع المعاصِي، ويدخلُ فيها - أيضًا -: القيامُ بجميع الطاعاتِ على رأي من يرى أن النهيَ عن شيءٍ

стр. 1106

أمر بضدَه. فلما تمتْ هذه البيعةُ على هذه الخصالِ؛ ذكرَ لهم النبيُّ ﷺ حكمَ من وفَّى بها، وحكمَ من لم يَفِ بها عندَ اللَّهِ . فأما مَن وفَّى بها، فأخبرَ أن أجرَه على اللَّهِ، كذا في روايةِ أبي إدريسَ وأبي الأشعث عن عبادةَ. وفي روايةِ الصنابحيِّ، عنه: "فالجنةُ إِن فعلنَا ذلك ". وقد قالَ اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) . وفُسرَ الأجرُ العظيمُ بالجنةِ -: كذا قالَه قتادةُ وغيرُه من السلفِ. ولا ريبَ أن منِ اجتنبَ الشركَ والكبائرَ والمعاصِي كلَّها فله الجنةُ، وعلى ذلك وقعتْ هذه البيعةُ وإن اختصرَ ذلكَ بعضُ الرواةِ، فأسقطَ بعضَ هذهِ الخصال. وأماً من لم يوفِّ بها، بل نكثَ بعضَ ما التزم بالبيعةِ تركَه للَّهِ والمرادُ: ما عدا الشركِ منَ الكبائرِ - فقسمَه إلى قسمينِ: أحدُهما: أن يعاقَب به في الدنيا، فأخبرَ أن ذلك كفارةٌ له. وفي رواية: "فهو طهورٌ له ". وفي روايةٍ: "طهور له، أو كفارةٌ" - بالشك. ورواه بعضُهُم: "طهور وكفارةٌ" - بالجمع. وقد خرَّجَها البخاريُّ في موضع آخرَ من "صحيحهِ ". وروى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ حديثَ أبي إدريسَ، عن عبادَةَ، وقال

стр. 1107

فيه: "فأُقيم عليه الحدُّ، فهو كفارةٌ له ". وفي رواية أبي الأشعثِ عن عبادةَ: "ومن أتى منكُم حدًّا، فأقيم عليه فهُوَ كفارة". خرَّجَه مسلمٌ. وهذا صريحٌ في أن إقامةَ الحدودِ كفاراتٌ لأهلِها. وقد صرحَ بذلك سفيانُ الثوريّ. ونصَّ على ذلك أحمدُ - في روايةِ عبدوس بنِ مالكٍ العطارِ، عنه. وقال الشافعيُّ: لم أسمعْ في هذا البابِ أن الحدَّ كفارةٌ أحسنَ من حديثِ عبادةَ. وإنما قال هذا؛ لأنه قد رُوي هذا المعنى عن النبيّ ﷺ من وجوهٍ متعددةٍ، عن عليٍّ، وجريرٍ، وخزيمةَ بنِ ثابتٍ، وعبد اللَّه بن عمرو وغيرهم. وفي أسانيدِها كلِّها مقال، وحديثُ عبادةَ صحيح ثابتٌ. وقد روى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما أدرِي الحدودُ طهارةٌ لأهلها، أم لا؟ " وذكر كلامًا آخرَ. خرَّجَه الحاكم، وخرج أبو داود بعضُ الحديثِ. وقد رواه هشامُ بنُ يوسفَ، عن معمرٍ، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريِّ - مرسلاً.

стр. 1108

قال البخاريُّ في "تاريخه ": المرسلُ أصحُّ. قال: ولا يثبتُ هذا عن النبيِّ ﷺ ، وقد ثبت عنه أن الحدودَ كفارةٌ. انتهى. وقد خرَّجَه البيهقيّ من روايةِ آدمَ بنِ أبي إياسِ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ - مرفوعًا - أيضًا. وخرَّجَه البزارُ من وجه آخرَ، فيه ضعفٌ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ - مرفوعًا - أيضًا. وعلى تقديرِ صحتهِ، فيحتملُ أن يكونَ النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلَمه ثم علِمه، فأخبرَ به جزمًا. فإن كانَ الأمرُ كذلكَ فحديثُ عبادةَ إذنْ لم يكن ليلةَ العقبةِ بلا تردد؛ لأن حديثَ أبي هريرةَ متأخرٌ عن الهجرةِ، ولم يكنِ النبيُّ ﷺ علم حينئذ أن الحدود كفارة، فلا يجوز أن يكون قد أخبرَ قبلَ الهجرةِ بخلافِ ذلك. وقد اختلفَ العلماءُ: هل إقامةُ الحدِّ بمجردِه كفارة للذنب من غيرِ توبةٍ أم لا؟ على قولين: أحدُهما: أن إقامةَ الحدِّ كفارة للذنبِ بمجردِه، وهو مرويٌّ عن عليِّ بنِ أبي طالبِ وابنهِ الحسنِ، وعن مجاهدٍ وزيدِ بنِ أسلمَ، وهو قولُ الثوريِّ والشافعيِّ وأحمدَ، واختيارُ ابنِ جريرٍ وغيرِه من المفسرينَ. والثاني: أنه ليس بكفاره بمجردهِ، فلا بدَّ من توبةٍ، هو مرويٌّ عن صفوانَ ابنِ سليمٍ وغيرِه.

стр. 1109

ورجَّحهُ ابنُ حزمٍ وطائفةٌ من متأخرين المفسرينَ، كالبغويِّ وأبي عبدِ اللَّهِ ابنِ تيميةَ وغيرِهما. واستدلُّوا بقولهِ تعالَى - في المحاربينَ -: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) . وقد يجابُ عن هذا، بأن ذكرَ عقوبةِ الدنيا والآخرةِ لا يلزمُ اجتماعهُما. فقد دل الدليلُ على أن عقوبةَ الدنيا تسقطُ عقوبةَ الآخرةِ. وأما استثناءُ الذينَ تابوا، فإنما استثناهُم من عقوبةِ الدنيَا خاصةً، ولهذا خصَّهم بما قبلَ القدرةِ، وعقوبةُ الآخرةِ تندفعُ بالتوبةِ، قبلَ القدرةِ وبعدَها. ويدل على أن الحدَّ يطهرُ الذنبَ: قولُ ماعزٍ للنبيِّ ﷺ : إني أصبت حدًّا، فطهرني. وكذلك قالتْ له الغامديةُ، ولم ينكرْ عليهما النبيُّ ﷺ ذلكَ، فدلَّ على أن الحدَّ طهارةٌ لصاحبهِ. ويدخلُ في قولِ النبيِّ ﷺ : "من أصابَ شيئًا من ذلك، فعوقبَ به فى الدنيا فهو كفارتُه " العقوباتُ القدريةُ، من الأمراضِ والأسقامِ. والأحاديثُ في تكفيرِ الذنوبِ بالمصائبِ كثيرةٌ جدًّا. وهذه المصائبُ يحصلُ بها للنفوسِ من الألم نظيرُ الألم الحاصلِ بإقامةِ الحدِّ وربما زادَ على ذلكَ كثيرًا. وقد يقالُ في دخولِ هذه العقوباتِ القدريةِ في لفظِ حديثِ عبادةَ نظرٌ. لأنهُ قابلَ من عوقبَ في الدنيا سترُ اللهِ عليه، وهذه المصائبُ لا تنافي السترَ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 1110

والقسمُ الثاني: أن لا يعاقبَ في الدنيا بذنبهِ، بل سترَ عليه ذنبه، ويعافَى من عقوبتهِ. فهذا أمرُه إلى اللَّهِ في الآخرةِ، إن شاءَ عذَّبه، وإن شاءَ عفَا عنهُ. وهذا موافقٌ لقولِ اللهِ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) . وفي ذلك ردٌّ على الخوارج والمعتزلةِ في قولِهم: إن اللَّه يخلِّدُه في النارِ إذا لم يَتُبْ.. وهذا المستورُ في الدنيا له حالتان: إحدَاهُما: أن يموتَ غيرَ تائبٍ، فهذا في مشيئة اللَّهِ، كما ذكرنا. والثانيةُ: أن يتوبَ من ذنبهِ. فقال طائفة: إنه تحت المشيئةِ - أيضًا. واستدلُّوا بالآيةِ المذكورةِ، وحديثِ عبادةَ. والأكثرونَ على أن التائبَ من الذنبِ مغفورٌ له، وأنه كمن لا ذنبَ له. كما قال تعالى: (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) ، وقال: (أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ من رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) . فيكونُ التائبُ حينئذ ممن شاءَ اللَّهُ أن يغفرَ له. واستدلَّ بعضُهم - وهو: ابنُ حزمٍ - بحديثِ عبادةَ هذا على أن من أذنبَ ذنبًا، فإنَّ الأفضلَ له أن يأتيَ الإمامَ، فيعترفَ عنده؛ ليقيمَ عليه الحدَّ، حتى

стр. 1111

يكفَّر عنه، ولا يبقى تحتَ المشيئةِ في الخطرِ. وهذا مبنِي على قوله: إن التائبَ في المشيئةِ. والصحيحُ: أن التائبَ توبةً نصوحًا مغفورٌ له جزمًا، لكن المؤمنَ يتَّهِم توبتَه، ولا يجزمُ بصحَّتها، ولا بقبولها، فلا يزالُ خائفًا من ذنبهِ وَجِلاً. ثم إنَّ هذا القائلَ لا يرى أن الحدَّ بمجردِه كفارةٌ، وإنما الكفارةُ التوبةُ. فكيف لا يقتصرُ على الكفارةِ، بل يكشفُ سترَ اللَّهِ علمِه؛ ليقامَ عليه ما لا يكفِّرُ عنه. وجمهورُ العلماءِ على أنَّ من تابَ من ذنبٍ، فالأفضلُ أن يسترَ على نفسهِ، ولا يقرَّ به عند أحدٍ، بل يتوبُ منه فيما بينَه وبين اللَّه . روي ذلك عن أبي بكرٍ وعمَر وابنِ مسعودٍ وغيرِهم. ونصَّ عليه الشافعِيُّ. ومن أصحابهِ وأصحابِنا مَن قال: إن كان غيرَ معروفٍ بينَ الناسِ بالفجورِ فكذلكَ، وإن كان معلنًا بالفجورِ مشتهرًا به؛ فالأولى أن يقرَّ بذنبه عند الإمامِ؛ ليطهرَه منه. وقد رُويَ، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال لمعاذٍ: "إذَا أحدثتَ ذنبًا فأحدِثْ عنده توبة، إن سرًّا فسرًّا، وإن علانية فعلانية". وفي إسنادِه مقالٌ. وهو إنما يدلُّ على إظهارِ التوبةِ، وذلك لا يلزمُ منه طلبُ إقامةِ الحدّ. وقد وردت أحاديثُ تدل على أنَّ من سترَ اللَّهُ عليه في الدنيا، فإنَّ اللَّه

стр. 1112

يسترُ عليه في الآخرةِ، كحديثِ ابنِ عمرَ في النجوى. وقد خرَّجه البخاريُّ في "التفسيرِ". وخرَّج الترمذيُّ وابنُ ماجةَ عن على - مرفوعًا: "من أذنبَ ذنبًا في الدنيا، فستره اللَّهُ عليه، فاللهُ أكرمُ أن يعودَ في شيءٍ قد عفَا عنه ". وفي "المسندِ" عن عائشةَ - مرفوعًا -: "لا يسترُ اللَهُ على عبدٍ ذنبًا في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرةِ". ورُوي مثلُه عن على وابنِ مسعودٍ، من قولِهما. وقد يحملُ ذلك كلُّه على التائبِ من ذنبهِ، جمعًا بين هذه النصوصِ وبينَ حديثِ عُبادةَ هذا. وأصحُّ الأحاديثِ المذكورةِ هاهنا حديثُ ابنِ عمَر في النجوى، وليس فيه تصريحٌ بأنَّ ذلك عامّ لكل من سترَ عليه ذنبَه. واللَّهُ تعالى أعلمُ. وقد قيل: إن البيعةَ سُمّيت بيعةً؛ لأن صاحبَها باعَ نفسَه للَّه. والتحقيقُ: أن البيعَ والمبايعةَ مأخوذانِ من مدِّ الباع؛ لأنَّ المتبايعَينِ للسلعةِ كلٌّ منهما يمدُّ باعَه للآخرِ ويعاقدُه عليها، وكذلك مَن بايعَ الإمامَ ونحوَه. فإنه يمدُّ باعَه إليه ويعاهدُه ويعاقدُه على ما يبايعُه عليه. وكان النبيُّ ﷺ يبايعُ أصحابَه عند دخولِهم في الإسلامِ على التزام أحكامهِ، وكانَ أحيانًا يبايعُهم على ذلك بعد إسلامِهم؛ تجديدًا للعهدِ؛

стр. 1113

وتذكيرًا بالمقامِ عليه. وفي "الصحيحينِ " عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أَتى النساءَ في يومِ عيد، وتلا عليهنَّ هذهِ الآيةَ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) الآية. وقال: "أنتُن على ذلكَ؟ " فقالتِ امرأةٌ منهن: نعم. وفي "صحيح مسلم" عن عوفِ بنِ مالكٌ، قال: كنَّا عندَ النبيِّ ﷺ تسعةً أو ثمانيةً أو سبعةً، فقال: "ألا تبايعونَ رسولَ اللَّهِ ﷺ ؟ " وكنَّا حديثَ عهدٍ ببيعةٍ، فقلنا: قد بايعناكَ يا رسولَ اللَّهِ، فقال: "ألا تبايعون رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بايعناك يا رسول اللَّه، ثم قال: "ألا تبايعونَ رسولَ اللَّهِ ﷺ ؟ ". فبسطْنا أيديَنا، وقلنا: قد بايعناكَ يا رسولَ اللَّهِ، فعلامَ نبايعُكَ؟ فقال: "أن تعبدُوا اللَّهَ لا تشركوا به شيئًا، والصلواتِ الخمسِ، وتطيعُوا"، وأسرَّ كلمةً خفيةً: "ولا تسألُوا الناس شيئًا". وحديثُ عبادةَ المذكورُ هاهنا في البيعة قد سبقَ أنه يحتملُ أنه كان ليلةَ العقبةِ الأولَى، فيكونُ بيعةً لهم على الإسلامِ والتزامِ أحكامِه وشرائعِه. وقد ذكرَ طائفة من العلماءِ، منهم: القاضِي أيو يعلَى في كتابِ "أحكامِ القرآنِ " من أصحابِنا - أن البيعةَ على الإسلامِ كانتْ من خصائصِ النبيِّ ﷺ . واستدلُّوا، بأن الأمرَ بالبيعةِ في القرآنِ يخصُّ الرسولَ بالخطابِ بها وحده. كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) .

стр. 1114

ولما كانَ الامتحانُ وجه الخطابَ إلى المؤمنينَ عمومًا، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) . فدلَّ على أنه يعمُّ المؤمنينَ. وكذلكَ قولُه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) . وهذا أمر يختصُّ به الرسولُ ﷺ لا يشركُه فيه غيرُه. ولكن قد رُوي عن عثمانَ، أنه كان يبايعُ على الإسلامِ. قال الإمامُ أحمدُ: حدثنا مسكينُ بنُ بكير، قال: ثنا ثابتُ بنُ عجلانَ. عن سليمٍ أبي عامر، أن وفدَ الحمراءِ أتوا عثمان بنَ عفانَ، يبايعونَه على الإسلامِ، وعلى مَنْ وراءهم، فبايَعهم على أن لا يشركوا باللَّهِ شيئًا، وأن يقيمُوا الصلاةَ، ويؤتُوا الزكاةَ، ويصومُوا رمضانَ، ويدَعُوا عيدَ المجوسِ، فلما قالُوا، بايعَهم. وقد بايعَ عبدُ اللهِ بنُ حنظلةَ الناسَ يومَ الحَرَّةِ على الموتِ، فذُكرَ ذلك لعبدِ اللَّه بنِ زيد الأنصاريِّ، فقالَ: لا أبايعُ على هذا أحدًا بعدَ رسول اللَّه ﷺ . ً خرَّجَهُ البخاريُّ في "الجهاد". وإنما أنكرَ البيعةَ على الموتِ، لا أصلَ المبايعةِ. وقالَ أبو إسحاقَ الفزاريُّ: قلتُ للأوزاعيِّ: لو أن إمامًا أتاه عدوٌّ كثيرٌ،

стр. 1115

فخافَ على من معه، فقال لأصحابِهِ: تعالَوْا، نتبايعُ على أن لا نفرَّ، فبايعُوا على ذلكَ؟ قال: ما أحسنَ هذا. قلتُ: فلو أن قومًا فعلُوا ذلك بينهُم دونَ الإمامِ؟ قال: لو فعلُوا ذلك بينهم شبه العقدَ في غيرِ بيعةٍ. * * *

стр. 1116

سُورَةُ الصَّفِ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) لمَّا حاسَبَ المتَّقُون أنفسَهم خافوا من عاقبةِ الوعظِ والتَّذكيرِ. قال رجلٌ لابن عبَّاسٍ: أريدُ أن آمرَ بالمعروفِ وأنهى عن المنكرِ. فقال لهُ: إنْ لم تخشَ أن تفضحكَ هذه الآياتُ الثلاثُ فافعلْ، وإلا فابدأْ بنفسكَ، ثم تلاْ (أَتَاْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفسَكُمْ) . وقوله تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) . وقوله حكايةً عن شُعيبٍ ﵇: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) . قال النَّخعيُّ: كانُوا يكرهُونَ القصص؛ لهذه الآياتِ الثلاثِ. قيل لمورِّق العجلي: ألا تعظُ أصحابَكَ؟ قال: أكرهُ أن أقول ما لا أفعل. تقدَّمَ بعضُ التابعينَ ليصلِّي بالنَّاسِ إمامًا، فالتفتَ إلى المأمُومين يُعدِّل الصُّفوفَ، وقال: اسْتَوُوا، فُغشِيَ عليه، فسُئلَ عن سَببِ ذلكَ، فقال: لمَّا قلتُ لهُم: استقيمُوا، فكَرتُ في نفسِي، فقلتُ لهَا: فأنتِ، هل استقمتِ مع اللَّهِ طرفةَ عينٍ؟ مَا كُلُّ مَنْ وَصَفَ الدَّواء يستعمِلُه. . . ولا كُلُّ مَنْ وَصَفَ التُّقَى ذو تُقَى وَصَفْتُ التُقَى حتَّى كأنِّي ذو تُقًى. . . ورِيحُ الخَطَايا مِن ثِيابي تَعْبَقُ ومع هذا كلِّه فلا بُدَّ للناسِ من الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكرِ، والوعظِ

стр. 1117

والتذكيرِ، ولو لم يِعِظِ النَّاسَ إلا مَعْصُوم مِن الزَّللِ، لم يعِظْ بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ أحدٌ لأنه لا عِصْمَةَ لأحدٍ بعدَهُ. لئن لم يَعظِ العاصِينَ مَنْ هُوَ مُذْنِب. . . فَمَنْ يَعِظِ العَاصِينَ بَعْدَ مُحمَّدٍ ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ فيه ضعف، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ِ، قال: "مُروا بالمعروفِ وإن لم تعملُوا به كُلِّه، وانَهْوا عن المنكَرِ وإن لم تنتهوا عنه كُلِّهِ ". وقيل للحسنِ: إنَّ فلانا لا يَعِظُ، ويقولُ: أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفعلُ. فقال الحسن: وأَيُّنا يفعلُ ما يقولُ؟! ودَّ الشيطانُ أنَّه قد ظفِرَ بهذا، فلم يأمُرْ أحدٌ بمعروفٍ ولم ينهَ عن مُنْكَرٍ. وقال مالكٌ، عن ربيعة: قال سعيدُ بن جُبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهَى عن المنكرِ حتى لا يكونَ فيه شيء، ما أَمَرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا نَهَى عن مُنْكرٍ. قال مالكٌ: وصدَقَ، ومَن ذا الذي ليس فيه شيءُ؟! مَنْ ذا الَّذي ماساءَ قَطْ. . . ومَنْ لَهُ الحُسْنَى فَقَطْ خطب عُمَرُ بنُ عبد العزيز ﵀ يومًا، فقال في موعظته: إنِّي لأقُولُ هذه المقالَةَ وما أعلمُ عند أحدٍ من الذُّنوبِ أكثرَ ممَّا أعلمُ عنْدِي. فأستغفِرُ اللَّهَ وأتوبُ إليه. وكتبَ إلى بعض نوَّابِهِ على بعضِ الأمصار كتابًا يعِظُهُ فيه، فقال في آخره: وإنِّي لأعِظُكَ بهذا، وإنِّي لكثيرُ الإسْرافِ على نَفْسِي، غيرُ مُحكم لكثيرٍ من أمْرِي، ولو أن المرءَ لا يعظُ أخاهُ حتى يُحكمَ نفسهُ إذًا لتواكلَ الناسُ الخيرَ، وإذاً لرُفِعَ الأمر بالمعروفِ والنَهْيُ عن المُنْكَرِ. وإذاً لاستُحِلَّتِ المَحارِمُ، وقَلَّ الواعِظُونَ والسَّاعون للَّه بالنصِيحةِ في

стр. 1118

الأرض، فإنَّ الشيطان وأعوانَه يَودُّون أن لا يأمُرَ أَحدٌ بمعروف ولا يَنْهَى عن مُنْكَرٍ، وإذا أمَرَهُم أحدٌ أو نَهاهُم، عَابُوه بما فيهِ وبما ليس فيه. كما قيل: وأُعْلِنَتِ الفواحِشُ في البوادِي. . . وصارَ النَّاسُ أعْوَانَ المريبِ إذا ما عِبْتُهُم عَابُوا مَقَالِي. . . لِما في القَوْمِ مِن تلكَ العُيوبِ وَوَدُّوا لو كَفَفنا فاسْتَوَيْنا. . . فصَارَ النَّاسُ كالشيءِ المشوبِ وكنَّا نَسْتَطِبُّ إذا مَرِضْنَا. . . فصارَ هلاكُنا بيدِ الطَّبِيبِ * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) عيسى آخِرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وقد قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) . وقد كان المسيحُ ﵇ يحُضُّ على اتَباعِهِ، ويقولُْ إنَّه يُبعَثُ بالسَّيفِ، فلا يمنعنَّكُم ذلك منه. ورُوي عنه أنَّه قالَ: سوف أذهبُ أنا ويأتِي الذي بعدِي لا يَتَحمَّدُكم بدعْواهُ، ولكنْ يَسُلُّ السَّيفَ فتدخلُونَه طَوعًا وكُرْهًا. وفي "المسند" عن أبي الدَّرْدَاء ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّ اللَّهَ أوْحَى إلى عِيسى ﵇: "إنِّي باعث بعدَكَ أمَّةً، إن أصابهُمْ ما يُحبُّونَ حَمِدُوا

стр. 1119

وشكرُوا، وإنْ أصابهُم ما يكرهُونَ، احتسبُوا وصبرُوا، ولا حِلمَ ولا عِلمَ. قال: يا ربِّ! كيفَ هذا ولا حِلمَ ولا عِلم؟ قال: أعْطِيهم مِن حِلمِي وعِلمِي ". قال ابنُ إسحاق: حدَّثني بعضُ اهْلِ العلْم أنَّ عيسَى ابنَ مريمَ - عليه السَّلام - قال: إنَّ أحبَّ الأُممِ إلى اللَّهِ لأُمَّةُ أحمدَ. قيلَ له: وما فضلُهم الذي تذكرُ؟ قال: لم تُذلَّل "لا إلهَ إلا اللَّه " على ألسُنِ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَم تذليلَها على ألسنتِهِم. * * *

стр. 1120

سُورَةُ الجُمُعَةِ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) . قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) . وقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) . ومعلومٌ أنَّه لم يُبعث في مكَّةَ رسولٌ منهم بهذه الصفةِ غيرُ محمَّدٍ ﷺ ، وهو مِن ولدِ إسماعيلَ، كما أنَّ أنبياءَ بني إسرائيلَ مِن ولدِ إسحاق. وذكر اللَّهُ تعالى أنَّه مَنَّ على المؤمنينَ بهذه الرِّسالةِ، فليسَ للَّهِ نعمة أعظم من إرسال محمدٍ ﷺ يهدِي إلى الحقِّ وإلى صراط مستقيم. وقوله: (فِي الأمِّيِّينَ) - والمرادُ بهم العَرَبُ - تنبيهٌ لهم على قدرِ هذه النِّعمةِ وعظمِها، حيثُ كانوا أميينَ لا كِتابَ لهم، وليسَ عندَهم شيء من آثارِ

стр. 1121

النُّبوَّاتِ، كما كان عندَ أهلِ الكتابِ، فمنَّ اللَّه عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضلَ الأمم وأعلمَهم، وعرفُوا ضلالةَ منْ ضلَّ من الأمم قبلَهم. وفي كونِهِ منهم فائدتان: إحداهما: أنَّ هذا الرَّسول كان أيضًا أميًّا كأمَّتهِ المبعوثِ إليهم، لم يقرأْ كِتابًا قطُّ، ولم يخُطهُ بيمينهِ، كما قال اللَّه تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) الآيات، ولا خرجَ عن ديارِ قومهِ فأقامَ عندَ غيرِهم حتَّى تعلَّم منهم شيئًا، بلْ لم يزل أُميًّا بين أمَّةٍ أمّيَّةٍ، لا يكتُبُ ولا يقرأُ حتى كمَّلَ الأربعينَ من عُمره، ثمَّ جاءَ بعد ذلكَ بهذا الكتابِ المبين، وهذه الشريعةِ الباهرةِ، وهذا الدِّينِ القيِّم، الذي اعترفَ حُذَّاقُ أهل الأرضِ ونُظَّارُهُم أنَّه لم يقرع العالمَ ناموسٌ أعظمُ منه. وفي هذا بُرهان ظاهر على صدقه. والفائدة الثانية: التنبيهُ على أنَّ المبعوثَ فيهم - وهم الأمِّيُّون خُصوصًا أهل مكَّةَ - يعرفُونَ نسبهُ، وشرفهُ، وصدقهُ، وأمانتهُ، وعفتهُ، وأنَّه نشأ بينهُم معروفًا بذلك كلِّه، وأنَّه لم يكذبْ قطُّ؛ فكيفَ كان يدعُ الكذبَ على النَّاسِ ثم يفترِي الكذبَ على اللَّه ، وهذا هو الباطِلُ، ولذلك سأل هِرقلُ عن هذه الأوصافِ، واستدل بها على صدقِهِ فيما ادَّعاهُ من النّبَوةِ والرِّسالةِ. وقوله: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) ، يعني: يتلُو عليهم ما أنزل اللَّهُ عليه من آياتهِ المتلُوةِ، وهو القرآنُ، وهو أعظمُ الكُتبِ السَّماويَّةِ. وقد تضمَّنَ من العلومِ والحكم، والمواعظِ، والقصصِ، والترغيبِ والترهيبِ، وذكرِ أخبارِ منْ سبقَ، وأخبارِ ما يأتي مِن البعثِ والنُّشور والجنَّةِ والنَّارِ، ما لم يشتمِلْ عليه كتابٌ غيرُهُ، حتَّى قالَ بعضُ العلماءِ: لو أنَّ هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في

стр. 1122

مُصحَفٍ في فلاةٍ من الأرضِ، ولم يُعلمْ منْ وضعهُ هناك، لشهدتِ العُقولُ السَّليمةُ أنَّه منزلٌ مِن عندِ اللَهِ، وأنَّ البشرَ لا قدرةَ لهم على تأليفِ ذلك. فكيف إذا جاءَ على يديْ أصدقِ الخلقِ وأبرِّهم وأتقاهُم، وقال إنَّه كلامُ اللَّهِ، وتحدَّى الخلقَ كلَّهم أن يأتوا بسُورةِ من مثلِهِ، فعجزُوا. فكيف يبقى مع هذا شكٌّ فيه؛ ولهذا قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) . وقال تعالى: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَئا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) . فلو لم يكنْ لمحمدٍ ﷺ منَ المعجزاتِ الدالةِ على صدقهِ غيرُ هذا الكتابِ لكفاهُ، فكيفَ ولهُ من المعجزاتِ الأرضيةِ والسماويةِ ما لا يُحصَى. وقوله: (يُزَكيهِمْ) : يعني أنَّه يُزكِّي قلوبَهم ويطهرُها من أدناسِ الشركِ والفُجورِ والضلالِ؛ فإنَّ النفوسَ تزكو إذا طهرتْ من ذلك كلِّه، ومن زكتْ نفسُه فقد أفلحَ، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا) . وقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكى) . وقوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) . يعني بالكتابِ القرآنَ، والمرادُ: ويعلّمُهم تلاوةَ ألفاظِهِ. ويعني بالحكمةِ فهمَ معاني القرآنِ والعملَ بما فيه. فالحكمةُ هي فهمُ القرآنِ والعملُ به، فلا يُكْتَفى بتلاوةِ ألفاظِ الكتابِ حتَّى يُعلمَ معناهُ ويُعملَ بمقتضاهُ، فمن جُمعَ له ذلك كلُّه فقد أُوتِيَ الحكمةَ. قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يؤْتَ الْحِكمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كثِيرًا) . قالَ الفضيلُ: العلماءُ كثيرٌ، والحكماءُ قليلٌ. وقال: الحكماءُ ورثةُ الأنبياءِ. فالحكمةُ هي العلمُ النافعُ الذي يتبعُه العملُ الصالحُ. وهي نورٌ يقذفُ في

стр. 1123

القلبِ يُفهمُ بها معنى العلم المنزل من السَّماء، ويحُضُّ على اتِّباعِه والعملِ به. ومَن قال: الحكمةُ السنةُ، فقولُه حقٌّ؛ لأنًّ السنةَ تفسِّرُ القرآنَ وتبينُ معانيه وتحُضُّ على اتباعِهِ والعملِ به؛ فالحكيمُ هو العالم المستنبطُ لدقائقِ العلم المنتفع بعلمهِ بالعمل بهِ. ولأبي العتاهية: وكَيْفَ تُحِبُّ أنْ تُدْعَى حكيمًا. . . وأنْتَ لِكُلِّ ما تَهْوَى رَكُوبَ وتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهْرًا لِبَطْنِ. . . وَتَذْكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلا تَتُوبُ وقوله: (وَإَن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) ، إشارة إلى ما كان النَّاسُ عليه قبلَ إنزالِ هذا الكتابِ من الضلالِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى نظرَ حينئذٍ إلى أهلِ الأرضِ، فمقتهُم، عربهُم وعجمهُم، إلا بقايا مِن أهلِ الكتابِ تمسَّكُوا بدينهِم الذي لم يُبدَّلْ ولم يُغيرْ، وكانوا قليلاً جدًّا. فأمَّا عامَّةُ أهل الكتابِ فكانوا قد بدَّلُوا كُتُبَهُم وغيّرُوها وحرفُوها، وأدخلُوا في دينهم ما ليسَ منه فضلّوا وأضلُّوا. وأمَّا غيرُ أهلِ الكتابِ فكانُوا على ضلالٍ مُبينٍ؛ فالأميّون أهلُ شركِ يعبدَونَ الأوثانَ، والمجوسُ يعبدُونَ النيرانَ ويقولون بإلهينِ اثنينِ، وكذلك غيرهُم مِن أهلِ الأرضِ؛ منهم مَن كان يعبدُ النّجومَ، ومنهم مَن كان يعبدُ الشَّمسَ أو القمر، فهدَى اللَّه المؤمنينَ بإرسالِ محمَّدٍ ﷺ إلى ما جاءَ بهِ منَ الهُدى ودينِ الحقّ؛ وأظهرَ اللَّهُ دينهُ حتى بلغَ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فظهرتْ فيها كلمةُ التَّوحيدِ والعَمَل بالعدْلِ بعد أن كانتْ الأرضُ كلُّها ممتلئةَ من ظُلمةِ الشِّركِ والظُّلم. فالأميُّون هم العربُ، والآخرون الذين لم يلحقُوا بهم هم أهلُ فارسَ والرُّوم، فكانتْ أهلُ فارسَ مجوسًا، والرُّومُ نصارَى، فهدَى اللَّهُ تعالى جميعَ هؤلاءِ برسالةِ محمَّدٍ ﷺ إلى التوحيدِ.

стр. 1124

وقد رُئي الإمامُ أحمدُ بعد موتهِ في المنامِ، فسُئلَ عن حالهِ، فقال: لولا هذا النبيُّ لكنَّا مجوسًا، وهو كما قال، فإنَّ أهل العراقِ لولا رسالة محمدٍ ﷺ لكانوا مجوسًا، وأهلُ الشامِ ومصرَ والرومُ لولا رسالة محمدٍ ﷺ لكانوا نصارَى، وأهلُ جزيرة العرب لولا رسالةُ محمدٍ لكانوا مشركينَ عبادَ أوثانٍ. ولكن رحمَ اللَّهُ عبادهُ بإرسالِ محمدٍ ﷺ فأنقذَهُم مِن الضَّلالِ، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) ، ولهذا قال اللَّه تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، فمن حصلَ له نصيبٌ من دين الإسلامِ فقد حصلَ له الفضلُ العظيمُ، قد عظمت عليه نعمةُ اللَّهِ، فما أحوجهُ إلى القيامِ بشكرِ هذه النعمةِ وسؤالهِ دوامَها والثَّباتَ عليها إلى المماتِ، والموتَ عليها، فبذلكَ تتمُّ النِّعمةُ. فإبراهيمُ ﵇ هو إمامُ الحنفاء، المأمورُ محمَّدٌ ﷺ ومَن قبلُه منَ الأنبياءِ ﵈ بالاقتداء به، وهو الذي جعلهُ اللَّهُ للنَّاسِ إمامًا، وقدْ دعا هو وابنُه إسماعيلُ ﵇ بأن يبعثَ اللَّهُ في أهلِ مكَّةَ رسولاً منهُم موصوفًا بهذهِ الأوصافِ، فاستجابَ اللَّهُ لهما وجعلَ هذا النَبيَّ المبعُوثَ فيهم من ولدِ إسماعيلَ بن إبراهيمَ كما دعيا بذلك، وهو النَّبيُّ الذي أظهرَ دينَ إبراهيمَ الحنيفَ بعدَ اضمحلالهِ وخفائهِ على أهلِ الأرضِ فلهذا كان أولَى النَّاسِ بإبراهيمَ، كما قال تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) . وقال ﷺ : "إنَّ لكلِّ نبيٍّ وليًّا مِن النَّبيينَ وإن وليي إبراهيم "، ثم تلا هذه الآية.

стр. 1125

وكان ﷺ أشبهَ ولدِ إبراهيمَ بهِ صُورةً ومعنًى، حتى أنَّه أشبههُ في خُلَّةِ اللَّهِ تعالى، فقال: "إن الله اتَّخذنِي خليلاً كما اتَخذَ إبراهيمَ خليلاً". * * * قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) [قال البخاري] : قَوْل اللَّهِ : (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) . صلاةُ الجمعةِ فريضةٌ من فرائِض الأعيانِ على الرجالِ دونَ النساءِ، بشرائطَ أُخَرَ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ، ومنهم من حكاه إجماعًا كابنِ المنذرِ. وشذ من زعمَ أنها فرضُ كفاية من الشافعيةِ، وحكاهُ بعضُهم قولاً للشافعيِّ، وأنكر ذلك عامةُ أصحابه حتى قال طائفةٌ منهم: لا تحلُّ حكايتُه وحكاية الخطابي لذلك عن أكثرِ العلماءِ وهْمٌ منه، ولعله اشتبهَ عليه الجمعةُ بالعيدِ. وحكي عن بعضِ المتقدمينَ: أن الجمعةَ سنة. وقد روى ابنُ وهبٍ، عن مالكٌ، أن الجمعةَ سنةٌ. وحملَها ابنُ عبدِ البرّ على أهل القرى المختلَفِ في وجوب الجمعةِ عليهمْ
следующие страницы →