Полный текст (1 372 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
النُّبوَّاتِ، كما كان عندَ أهلِ الكتابِ، فمنَّ اللَّه عليهم بهذا الرسول وبهذا
الكتاب، حتى صاروا أفضلَ الأمم وأعلمَهم، وعرفُوا ضلالةَ منْ ضلَّ من
الأمم قبلَهم.
وفي كونِهِ منهم فائدتان:
إحداهما: أنَّ هذا الرَّسول كان أيضًا أميًّا كأمَّتهِ المبعوثِ إليهم، لم يقرأْ كِتابًا
قطُّ، ولم يخُطهُ بيمينهِ، كما قال اللَّه تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) الآيات، ولا خرجَ عن ديارِ قومهِ فأقامَ عندَ
غيرِهم حتَّى تعلَّم منهم شيئًا، بلْ لم يزل أُميًّا بين أمَّةٍ أمّيَّةٍ، لا يكتُبُ ولا يقرأُ
حتى كمَّلَ الأربعينَ من عُمره، ثمَّ جاءَ بعد ذلكَ بهذا الكتابِ المبين، وهذه
الشريعةِ الباهرةِ، وهذا الدِّينِ القيِّم، الذي اعترفَ حُذَّاقُ أهل الأرضِ
ونُظَّارُهُم أنَّه لم يقرع العالمَ ناموسٌ أعظمُ منه.
وفي هذا بُرهان ظاهر على صدقه.
والفائدة الثانية: التنبيهُ على أنَّ المبعوثَ فيهم - وهم الأمِّيُّون خُصوصًا أهل
مكَّةَ - يعرفُونَ نسبهُ، وشرفهُ، وصدقهُ، وأمانتهُ، وعفتهُ، وأنَّه نشأ بينهُم
معروفًا بذلك كلِّه، وأنَّه لم يكذبْ قطُّ؛ فكيفَ كان يدعُ الكذبَ على النَّاسِ
ثم يفترِي الكذبَ على اللَّه ، وهذا هو الباطِلُ، ولذلك سأل هِرقلُ
عن هذه الأوصافِ، واستدل بها على صدقِهِ فيما ادَّعاهُ من النّبَوةِ والرِّسالةِ.
وقوله: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) ، يعني: يتلُو عليهم ما أنزل اللَّهُ عليه
من آياتهِ المتلُوةِ، وهو القرآنُ، وهو أعظمُ الكُتبِ السَّماويَّةِ.
وقد تضمَّنَ من العلومِ والحكم، والمواعظِ، والقصصِ، والترغيبِ والترهيبِ، وذكرِ أخبارِ منْ سبقَ، وأخبارِ ما يأتي مِن البعثِ والنُّشور والجنَّةِ والنَّارِ، ما لم يشتمِلْ عليه كتابٌ غيرُهُ، حتَّى قالَ بعضُ العلماءِ: لو أنَّ هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في
стр. 1122
مُصحَفٍ في فلاةٍ من الأرضِ، ولم يُعلمْ منْ وضعهُ هناك، لشهدتِ العُقولُ
السَّليمةُ أنَّه منزلٌ مِن عندِ اللَهِ، وأنَّ البشرَ لا قدرةَ لهم على تأليفِ ذلك.
فكيف إذا جاءَ على يديْ أصدقِ الخلقِ وأبرِّهم وأتقاهُم، وقال إنَّه كلامُ
اللَّهِ، وتحدَّى الخلقَ كلَّهم أن يأتوا بسُورةِ من مثلِهِ، فعجزُوا.
فكيف يبقى مع هذا شكٌّ فيه؛ ولهذا قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) .
وقال تعالى: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَئا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .
فلو لم يكنْ لمحمدٍ ﷺ منَ المعجزاتِ الدالةِ على صدقهِ غيرُ هذا الكتابِ لكفاهُ، فكيفَ ولهُ من المعجزاتِ الأرضيةِ والسماويةِ ما لا يُحصَى.
وقوله: (يُزَكيهِمْ) : يعني أنَّه يُزكِّي قلوبَهم ويطهرُها من أدناسِ الشركِ
والفُجورِ والضلالِ؛ فإنَّ النفوسَ تزكو إذا طهرتْ من ذلك كلِّه، ومن زكتْ
نفسُه فقد أفلحَ، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا) .
وقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكى) .
وقوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .
يعني بالكتابِ القرآنَ، والمرادُ: ويعلّمُهم تلاوةَ ألفاظِهِ.
ويعني بالحكمةِ فهمَ معاني القرآنِ والعملَ بما فيه.
فالحكمةُ هي فهمُ القرآنِ والعملُ به، فلا يُكْتَفى بتلاوةِ ألفاظِ الكتابِ حتَّى
يُعلمَ معناهُ ويُعملَ بمقتضاهُ، فمن جُمعَ له ذلك كلُّه فقد أُوتِيَ الحكمةَ.
قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يؤْتَ الْحِكمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كثِيرًا) .
قالَ الفضيلُ: العلماءُ كثيرٌ، والحكماءُ قليلٌ.
وقال: الحكماءُ ورثةُ الأنبياءِ.
فالحكمةُ هي العلمُ النافعُ الذي يتبعُه العملُ الصالحُ. وهي نورٌ يقذفُ في
стр. 1123
القلبِ يُفهمُ بها معنى العلم المنزل من السَّماء، ويحُضُّ على اتِّباعِه والعملِ
به.
ومَن قال: الحكمةُ السنةُ، فقولُه حقٌّ؛ لأنًّ السنةَ تفسِّرُ القرآنَ وتبينُ معانيه
وتحُضُّ على اتباعِهِ والعملِ به؛ فالحكيمُ هو العالم المستنبطُ لدقائقِ العلم
المنتفع بعلمهِ بالعمل بهِ. ولأبي العتاهية:
وكَيْفَ تُحِبُّ أنْ تُدْعَى حكيمًا. . . وأنْتَ لِكُلِّ ما تَهْوَى رَكُوبَ
وتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهْرًا لِبَطْنِ. . . وَتَذْكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلا تَتُوبُ
وقوله: (وَإَن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) ، إشارة إلى ما كان النَّاسُ عليه
قبلَ إنزالِ هذا الكتابِ من الضلالِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى نظرَ حينئذٍ إلى أهلِ
الأرضِ، فمقتهُم، عربهُم وعجمهُم، إلا بقايا مِن أهلِ الكتابِ تمسَّكُوا بدينهِم الذي لم يُبدَّلْ ولم يُغيرْ، وكانوا قليلاً جدًّا.
فأمَّا عامَّةُ أهل الكتابِ فكانوا قد بدَّلُوا كُتُبَهُم وغيّرُوها وحرفُوها، وأدخلُوا
في دينهم ما ليسَ منه فضلّوا وأضلُّوا.
وأمَّا غيرُ أهلِ الكتابِ فكانُوا على ضلالٍ مُبينٍ؛ فالأميّون أهلُ شركِ يعبدَونَ الأوثانَ، والمجوسُ يعبدُونَ النيرانَ ويقولون بإلهينِ اثنينِ، وكذلك غيرهُم مِن أهلِ الأرضِ؛ منهم مَن كان يعبدُ النّجومَ، ومنهم مَن كان يعبدُ الشَّمسَ أو القمر، فهدَى اللَّه المؤمنينَ بإرسالِ محمَّدٍ ﷺ إلى ما جاءَ بهِ منَ الهُدى ودينِ الحقّ؛ وأظهرَ اللَّهُ دينهُ حتى بلغَ
مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فظهرتْ فيها كلمةُ التَّوحيدِ والعَمَل بالعدْلِ بعد أن
كانتْ الأرضُ كلُّها ممتلئةَ من ظُلمةِ الشِّركِ والظُّلم.
فالأميُّون هم العربُ، والآخرون الذين لم يلحقُوا بهم هم أهلُ فارسَ والرُّوم، فكانتْ أهلُ فارسَ مجوسًا، والرُّومُ نصارَى، فهدَى اللَّهُ تعالى جميعَ هؤلاءِ برسالةِ محمَّدٍ ﷺ إلى التوحيدِ.
стр. 1124
وقد رُئي الإمامُ أحمدُ بعد موتهِ في المنامِ، فسُئلَ عن حالهِ، فقال: لولا
هذا النبيُّ لكنَّا مجوسًا، وهو كما قال، فإنَّ أهل العراقِ لولا رسالة محمدٍ
ﷺ لكانوا مجوسًا، وأهلُ الشامِ ومصرَ والرومُ لولا رسالة محمدٍ ﷺ لكانوا نصارَى، وأهلُ جزيرة العرب لولا رسالةُ محمدٍ لكانوا مشركينَ عبادَ أوثانٍ.
ولكن رحمَ اللَّهُ عبادهُ بإرسالِ محمدٍ ﷺ فأنقذَهُم مِن الضَّلالِ، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) ، ولهذا قال اللَّه تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، فمن حصلَ له نصيبٌ من دين الإسلامِ فقد حصلَ له الفضلُ العظيمُ، قد عظمت عليه نعمةُ اللَّهِ، فما أحوجهُ إلى القيامِ بشكرِ هذه النعمةِ وسؤالهِ دوامَها والثَّباتَ عليها إلى المماتِ، والموتَ عليها، فبذلكَ تتمُّ النِّعمةُ.
فإبراهيمُ ﵇ هو إمامُ الحنفاء، المأمورُ محمَّدٌ ﷺ ومَن قبلُه منَ الأنبياءِ ﵈ بالاقتداء به، وهو الذي جعلهُ اللَّهُ للنَّاسِ إمامًا، وقدْ دعا هو وابنُه إسماعيلُ ﵇ بأن يبعثَ اللَّهُ في أهلِ مكَّةَ رسولاً منهُم موصوفًا بهذهِ الأوصافِ، فاستجابَ اللَّهُ لهما وجعلَ هذا النَبيَّ المبعُوثَ فيهم من ولدِ إسماعيلَ بن إبراهيمَ كما دعيا بذلك، وهو النَّبيُّ الذي أظهرَ دينَ إبراهيمَ الحنيفَ بعدَ اضمحلالهِ وخفائهِ على أهلِ الأرضِ فلهذا كان أولَى النَّاسِ بإبراهيمَ، كما قال تعالى:
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) .
وقال ﷺ : "إنَّ لكلِّ نبيٍّ وليًّا مِن النَّبيينَ وإن وليي إبراهيم "، ثم تلا هذه الآية.
стр. 1125
وكان ﷺ أشبهَ ولدِ إبراهيمَ بهِ صُورةً ومعنًى، حتى أنَّه أشبههُ في خُلَّةِ اللَّهِ تعالى، فقال: "إن الله اتَّخذنِي خليلاً كما اتَخذَ إبراهيمَ خليلاً".
* * *
قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)
[قال البخاري] : قَوْل اللَّهِ : (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
صلاةُ الجمعةِ فريضةٌ من فرائِض الأعيانِ على الرجالِ دونَ النساءِ، بشرائطَ
أُخَرَ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ، ومنهم من حكاه إجماعًا كابنِ المنذرِ.
وشذ من زعمَ أنها فرضُ كفاية من الشافعيةِ، وحكاهُ بعضُهم قولاً
للشافعيِّ، وأنكر ذلك عامةُ أصحابه حتى قال طائفةٌ منهم: لا تحلُّ حكايتُه
وحكاية الخطابي لذلك عن أكثرِ العلماءِ وهْمٌ منه، ولعله اشتبهَ عليه
الجمعةُ بالعيدِ.
وحكي عن بعضِ المتقدمينَ: أن الجمعةَ سنة.
وقد روى ابنُ وهبٍ، عن مالكٌ، أن الجمعةَ سنةٌ.
وحملَها ابنُ عبدِ البرّ على أهل القرى المختلَفِ في وجوب الجمعةِ عليهمْ
стр. 1126
خاصةً، دون أهلِ الأمصارِ.
ونقلَ حنبل، عن أحمدَ، أنه قال: الصلاةُ - يعني: صلاةَ الجمعةِ -
فريضة، والسعيُ إليها تطوعٌ، سنةٌ مؤكدةٌ.
وهذا إنما هو توقفٌ عن إطلاقِ الفرض على إتيانِ الجمعةِ، وأما الصلاةُ
نفسُها، فقد صرَّح بأنها فريضةٌ، وهذا يدلَّ على أن ما هو وسيلة إلى الفريضةِ ولا تتمُّ إلا به لا يطلقُ عليه اسمُ الفريضةِ، لأنه وإنْ كان مأمورًا به فليس مقصودًا لنفسهِ، بل لغيرهِ.
وتأوَّل القاضِي أبو يعلَى كلامَ أحمدَ بما لا يصحُّ.
وقد دلَّ على فرضيتها: قولُ اللَّهِ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) .
والمرادُ بالسعي: شدةُ الاهتمامِ بإتيانِها والمبادرةُ إليها،. فهو من سَعْي
القلوبِ، لا من سعي الأبدان، كذا قالَ الحسنُ وغيرُه، وسيأتي بسطُ ذلك
فيما بعدُ - إن شاء اللَّهُ .
وفي "صحيح مسلم " عن عبد اللَّهِ بنِ عمرَ وأبي هريرةَ، أنهما سمعا
رسول اللَّه ﷺ يقولُ على أعواد منبرهِ:
"لينتهينَّ أقوام عنْ ودعهمُ الجمعات، أو ليختمنَّ اللَهُ على قلوبهم، ثم ليكونُن منَ الغافِلين ".
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ
стр. 1127
أبي الجعدِ الضَّمريِّ - وكانتْ له صحبةٌ -، عن النبىِّ ﷺ قال:
"مَن تركَ الجمعةَ تهاونًا ثلاثَ مراتٍ طُبعَ على قلبهِ ".
وقالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسن. وخرَّجَهُ ابنُ حبانَ في "صحيحهِ ".
ورُوي معناهُ من وجوهٍ كثيرةٍ.
وفي "صحيح مسلم " عن ابنِ مسعودٍ، أن النَّبي ﷺ همَّ أن يحرقَ على مَن يتخلفُ عن الجمعةِ بيوتَهم.
وقد سبقَ ذكرُه.
وخرَّج أبو داود بإسنادٍ صحيح، عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"الجمعةُ حق واجبٌ في جماعة، إلا أربعة: عبدٌ مملوك أو امرأةٌ، أو صبي أو
مريض".
قال أبو داودَ: طارقُ بنُ شهاب رأَى النبي ﷺ
ولمْ يسمَعْ منه شيئًا.
قال البيهقيُّ: وقد وصلَه بعضُهم عن طارقٍ، عن أبي موسى الأشعرِي.
عن النبيِّ ﷺ ، وليس وصلُه بمحفوظٍ.
وخرجَ النسائيُّ من حديثِ حفصةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "رواحُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ ".
وخرَّج ابنُ ماجةَ من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن النبيَّ ﷺ خطبَهم، فقالَ في خُطبته:
"إن اللهَ فرضَ عليكمُ الجمعةَ في مقامي هذا، في يومِي هذا، في
стр. 1128
شهرِي هذا، من عامِي هذا إلى يوم القيامةِ، فمن ترَكها في حياتي أو بعدِي، وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ، استخفافًا بها أو جحودًا لها فلا جمعَ اللَهُ شملَه، ولا باركَ له في أمره، ألا ولا صلاةَ له، ولا زكاةَ له، ولا حجَّ له، ولا صومَ له، ولا بركةَ حتَّى يتوب، فمن تابَ تابَ اللَّهُ عليه ".
وفي إسنادِه ضعفٌ واضطرابٌ واختلافٌ، قد أشرْنا إلى بعضِه فيما تقدَم
في "أبواب الإمامةِ".
وفيه: دليلٌ على أن الجمعةَ إنما فُرضتْ بالمدينةِ؛ لأن جابرًا إنما صحبَ
النبي ﷺ وشهدَ خطبتَه بالمدينةِ، وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ.
ويدلُّ عليه - أيضًا -: أن سورةَ الجمعةِ مدنية، وأنه لم يثبتْ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يصلِّي الجمعةَ بمكةَ قبلَ هجرتهِ.
ونصَّ الإمامُ أحمدُ على أنَّ أولَ جمعة جُمِّعَتْ في الإسلامِ هي التي
جمعتْ بالمدينةِ مع مصعبِ بنِ عميرٍ.
وكذا قالَ عطاءٌ والأوزاعيُّ وغيرُهما.
وزعم طائفةٌ من الفقهاء: أن الجمعةَ فرضتْ بمكةَ قبلَ الهجرةِ؛ وأن النبىَّ
ﷺ كان يصلِّيها بمكةَ قبل أن يهاجرَ.
واستدلَّ لذلكَ: بما خرَّجه النسائيُّ في "كتاب الجمعةِ" من حديث المُعَافَى
ابنِ عمرانَ، عن إبراهيمَ بنِ طهمانَ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ.
قال: إن أولَ جمعةٍ جُمَعَتْ - بعدَ جمعةٍ جُمِّعَت معَ رسولِ اللَّه ﷺ بمكةَ -
بِجُواثاءَ بالبحرينِ - قريةٍ لعبدِ القيسِ.
وقد خرَّجه البخاريُّ - كما سيأتي في موضعه - من طريق أبي عامر
стр. 1129
العَقديِّ، عن إبراهيمَ بن طهمان، عن أبي جمرةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن أولَ
جمعةٍ جمعت - بعدَجمعةٍ في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ - في مسجدِ عبدِ القيسِ بجُواثى من البحرينِ.
وكذَا رواه وكيعٌ، عن إبراهيمَ بن طهمان، ولفظُه: إن أولَ جمعةٍ جمعتْ
في الإسلامِ - بعد جمعة جمعتْ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بالمدينةِ - لَجُمُعَةٌ جمعتْ بجواثاءَ - قرية من قرى البحرينِ.
خرَّجَه أبو داود.
وكذا رواه ابنُ المباركِ وغيرُه، عن إبراهيمَ بنِ طهمان.
فتبيَّن بذلكَ: أنَّ المعافى وهمَ في إسنادِ الحديثِ ومتنهِ، والصوابُ: رواية
الجماعةِ، عن إبراهيمَ بنِ طهمان.
ومعنى الحديثِ: أن أولَ مسجدٍ جمع فيه - بعدَ مسجدِ المدينةِ -: مسجد
جواثاءَ، وليس معناه: أنَّ الجمعةَ التي جمعت بجواثاء كانت في الجمعةِ الثانيةِ
من الجمعةِ التي جمعت بالمدينةِ، كما قد يُفْهَمِ من بعضِ ألفاظِ الرواياتِ؛ فإن
عبدَ القيسِ إنما وفَد على رسولِ اللَّه ﷺ عامَ الفتح، كما ذكرهَ ابنُ سعد، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه.
وليس المرادُ به - أيضًا - أن أولَ جمعةٍ جمعتْ في الإسلام في مسجدِ
المدينةِ، فإن أول جمعةٍ جمعتْ بالمدينةِ في نقيع الخَضَماتِ، قبل أن يقدمَ
النبيُّ ﷺ المدينةَ، وقبل أن يبنيَ مسجدَه.
стр. 1130
يدل على ذلك: حديثُ كعبِ بنِ مالكٌ، أنه كان كلَّما سمع آذانَ الجمعةِ
استغفرَ لأسعدَ بنِ زرارةَ، فسأله ابنُه عن ذلكَ، فقال: كانَ أولَ مَن صلَّى بنا صلاةَ الجمعةِ قبل مقدمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ من مكةَ في نقيع الخضماتِ، في هَزْم النَّبيتِ، من حرَّةِ بني بياضةَ.
قيل له: كم كنتم يومئذٍ؟
قال: أربعين رجلاً.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجةَ - مطوَّلاً.
وروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ في "كتاب السمر" له، عن الأوزاعيِّ، عمَّن
حدَّثَه، قال: بعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مصعَب بنَ عمير القرشيَّ إلى المدينةِ، قبل أن يهاجرَ النبيُّ ﷺ ، فقالَ: "اجمعْ مَنْ بها من المسلمين، ثم انظرِ اليومَ الذي تجمرُ فيه
اليهودُ لسبتِها، فإذا مالَ النهارُ عن شطرهِ فقم فيهمْ، ثم تزلَّفوا إلى اللَّهِ بركعتينِ ".
قال: وقالَ الزهرِيُّ: فجمع بهم مصعبُ بنُ عمير في دارٍ من دُورِ
الأنصارِ، فجمع بهم وهُم بضعةَ عشرَ.
قال الأوزاعيُّ: وهو أولُ من جمعَ بالناسِ.
وقد خرج الدارقطنيّ - أظنه في "أفرادِه " - من روايةِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ
غالبٍ الباهليِّ: نا محمدُ بن عبدِ اللَّهِ أبو زيد المدنيّ: ثنا المغيرةُ بنُ
عبدِ الرحمنِ: ثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ
عباسٍ، قالَ: أذِنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بالجمُعةِ قبلَ أن يهاجرَ، ولم يستطعْ رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يجمّعَ بمكةَ ولا يبيِّن لهم، وكتبَ إلى مصعبِ بنِ عمير:
"أما بعدُ، فانظرِ اليومَ الذي تجمرُ فيه اليهودُ لسبتِهم، فاجمعُوا نساءَكُم وأبناءَكم، فإذا مال النهار عن شطرهِ عند الزوالِ من يوم الجمعةِ فتقربوا إلى اللهِ بركعتينِ ".
стр. 1131
قال: فهوَ أولُ من جمَّع مصعبُ بنُ عميرٍ، حتى قدمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ، فجمَّع عند الزوالِ من الظهرِ، وأظهرَ ذلكَ.
وهذا إسناد موضوع، والباهليُّ هو: غلامُ خليلٍ، كذابٌ مشهور بالكذبِ.
وإنما هذا أصله من مراسيلِ الزهري، وفي هذا السياق ألفاط منكرة.
وخرج البيهقيُّ من روايةِ يونسَ، عن الزهريِّ، قال: بلغَنا أنَّ أولَ ما
جُمِّعتِ الجمعةُ بالمدينةِ قبلَ أن يقدمَها رسولُ اللهِ ﷺ ، فجمَع بالمسلمينَ مصعب بن عمير.
وروى عبد الرزاق في "كتابه " عن معمر، عن الزهريِّ، قال: بعث
رسول اللَّه ﷺ مصعبَ بنَ عميرٍ إلى أهلِ المدينة ليقرئَهمُ القرآنَ، فاستأذن رسولَ اللَّهَ ﷺ أنْ يجمِّع بهم، فأذِنَ له رسولُ اللَّهِ ﷺ وليس يومئذٍ بأميرٍ.
ولكنه انطلقَ يعلِّمُ أهلَ المدينةِ.
وذكر عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جريج، قال: قلتُ لعطاء: مَن أولُ من جمَّعَ
قال: رجل من بني عبدِ الدارِ - زعموا -، قلتُ: أفبأمر النبيِّ ﷺ ؟
قال: فَمَهْ؟!
وخرَّجه الأثرمُ من روايةِ ابنِ عيينَةَ، عن ابنِ جريج، وعندَه. قال: نعمْ.
فمَه؟! قال ابن عيينةَ: سمعتُ مَن يقولُ: هو مصعبُ بنُ عميرٍ.
стр. 1132
وكذلك نصَّ الإمامُ أحمدُ في - رواية أبي طالبٍ - على أنَّ النبي ﷺ أمر مصعبَ بنَ عميرٍ أن يجمَعِّ بهمْ بالمدينةِ.
ونص أحمدُ - أيضًا - على أنَّ أولَ جمعةِ جمِّعتْ في الإسلامِ هي الجمعة
التي جمعتْ بالمدينةِ مع مصعبِ بنِ عميرٍ.
وقد تقدَّم مثلُه عن عطاءِ والأوزاعيِّ.
فتبينَ بهذا: أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بإقامةِ الجمُعةِ بالمدينةِ.
ولم يُقمْها بمكةَ، وهذا يدلُّ على أنه كان قد فُرِضَت عليه الجمعةُ بمكةَ.
وممَّن قالَ: إن الجمعةَ فُرضَت بمكةَ قبلَ الهجرةِ: أبو حامدٍ الإسفرايينيُ من
الشافعيةِ، والقاضِي أبو يعلَى في "خلافه الكبير" من أصحابِنا، وابنُ عقيل
في "عمد الأدلةِ"، وكذلك ذكرهَ طائفةٌ من المالكيةِ، منهم: السهيليُّ وغيرُه.
وأما كونُه لم يفعلْه بمكةَ، فيُحمَل أنه إنما أُمرَ بها أنْ يقيمَها في دارِ
الهجرةِ، لا في دارِ الحربِ، وكانت مكةُ إذ ذاكَ دارَ حربِ، ولم يكنِ
المسلمونَ يتمكَّنونَ فيها من إظهارِ دينهم، وكانُوا خائفينَ على أنفسهم.
ولذلك هاجرُوا منها إلى المدينةِ، والجمعةُ تسقطُ بأعذار كثيرة منها الخوفُ
على النفسِ والمالِ، َ وقد أشار بعضُ المتأخرينَ من الشافعيةِ إلى معنًى آخرَ في الامتناع من إقامتِها بمكةَ، وهو: أن الجمعةَ إنما يُقصدُ بإقامتِها إظهارُ شعارِ الإسلامِ، وهذا إنما يُتمكنُ منه في دارِ الإسلامِ.
ولهذا لا تقامُ الجمعةُ في السجنِ، وإن كان فيه أربعونَ، ولا يعلمُ في ذلك
خلافٌ بينَ العلماءِ، وممَّن قالَه: الحسنُ، وابنُ سيرينَ، والنخَعيُّ، والثوريُّ،
стр. 1133
ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ وغيرُهم.
وعلى قياسِ هذا: لو كانَ الأسارى في بلدِ المشركينَ مجتمعينَ في مكانٍ
واحد؛ فإنهم لا يصلُّون فيه جمعةً، كالمسجونينَ في دارِ الإسلامِ وأولَى، لا
سيما وأبو حنيفةَ وأصحابُه يرونَ أن الإقامةَ في دارِ الحربِ - وإن طالتْ -
حكمُها حكمُ السفرِ، فتقصر فيها الصلاةُ أبدًا، ولو أقامَ المسلمُ باختيارهِ.
فكيف إذا كانَ أسيرًا مقهورًا؟
وهذا على قولِ مَن يرى اشتراطَ إذنِ الإمامِ لإقامةِ الجمعةِ أظهرُ، فأمَّا على
قولِ مَن لا يشترطُ إذنَ الإمامِ، فقد قال الإمامُ أحمدُ في الأمراءِ إذا أخَّروا
الصلاةَ يومَ الجمُعةِ: فيصلِّيها لوقتِها ويصليها مع الإمامِ، فحملَه القاضي أبو
يعلى في "خلافه " على أنهم يصلونها جمعةً لوقتِها.
وهذا بعيدٌ جدًّا، وإنَّما مرادهُ: أنهم يصلون الظهرَ لوقتِها، ثم يشهدونَ
الجمعةَ مع الأمراءِ.
وكذلك كانَ السلفُ الصالحُ يفعلونَ عند تأخيرِ بني أميةَ للجمعةِ عن
وقتِها، ومنهم مَن كانَ يومئُ بالصلاةِ وهو جالسٌ في المسجدِ قبلَ خروج
الوقتِ، ولم يكنْ أحدٌ منهم يصلِّي الجمُعةَ لوقتِها، وفي ذلك مفاسدُ كثيرةٌ
تسقطُ الجمعةُ بخشيةِ بعضِها.
وفي "تهذيبِ المدونةِ" للمالكيةِ: وإذا أتى من تأخيرِ الأئمةِ ما يُسْتنكَرُ
جمَّعَ الناسُ لأنفسِهم إن قدرُوا، وإلا صلَّوا ظهرًا، وتنفلُوا بصلاتِهم معَهم.
قال: ومَن لا تجبُ عليه الجمعةُ مثلُ المرضَى والمسافرينَ وأهلِ السجنِ
стр. 1134
فجائزٌ أن يجمِّعُوا.
وأراد بالتجميع هنا: صلاةَِ الظهرِ جماعةً، لا صلاةَ الجمعةِ؛ فإنه قالى
قبلَه: وإذا فاتتِ الجمعةُ من تجبُ عليهم فلا يجمِّعوا.
والفرقُ بين صلاةِ الظهرِ جماعةً يومَ الجمعةِ، ممَّن تجبُ عليه وممَّن لا تجبُ
عليه: أن من تجبُ عليه يُتَّهمُ في تركِها، بخلاف من لا تجبُ عليه فإن عذرَهُ
ظاهرٌ.
وقد رُويَ عن ابنِ سيرينَ، أن تجميعَ الأنصارِ بالمدينةِ إنما كان عنْ رأيهم.
من غيرِ أمرِ النبيِّ ﷺ بالكليَّةِ، وأن ذلكَ كان قبلَ فرضِ الجمعةِ.
قال عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ في "مسائله ": ثنا أبي: ثنا إسماعيلُ - هو:
ابنُ عليَّة -: ثَنا أيوبُ، عنْ محمدِ بنِ سيرينَ، قال: نبِّئتُ أنَّ الأنصارَ قبلَ
قدومِ رسولِ اللَّهِ ﷺ عليهم المدينةَ قالوا: لو نظرنَا يومًا فاجتمعنا فيه، فذكرنَا هذا الأمرَ الذي أنعمَ اللَّهُ علينا بهِ، فقالُوا: يوم السبتِ، ثُمَّ قالوا: لا نجامعُ اليهودَ في يومِهم.
قالوا: يوم الأحدِ، قالوا: لا نجامعُ النصارَى في يومِهم.
قالُوا: فيوم العروبةِ. قالَ: وكانُوا يسمُّون يومَ الجمعةِ: يوم العروبةِ.
فاجتمعوا في بيتِ أبي أمامةَ أسعد بن زرارة، فذبحت لهم شاةٌ، فكفتْهُمْ.
وروى عبدُ الرزاق في "كتابِه " عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن ابن سيرين.
قال: جمَّعَ أهلُ المدينةِ قبلَ أن يقدمَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وقبلَ أن تنزلَ الجمعةُ، وهم الذين سمَّوُها الجمعةَ، فقالتِ الأنصارُ: لليهودِ يومٌ يجتمعونَ فيه كلَّ ستةِ أيامٍ، وللنصارَى - أيضًا - مثلُ ذلك، فهلُمَّ فلنجعلْ يومًا نجتمعُ فيه،
стр. 1135
ونذكرُ اللَّهَ ، ونصلّي ونشكرهُ - أو كما قالوا -، فقالوا: يومُ السبتِ لليهودِ، ويومُ الأحدِ للنصارَى، فاجعلُوا يومَ العروبةِ، وكانوا يسمُّون يوم الجمعة: يومَ العروبةِ، فاجتمعُوا إلى أسعدَ بنِ زرارةَ، فصلَّى بهم وذكَّرَهم، فسمَّوه: يومَ الجمُعةِ حينَ اجتمعُوا إليه، فذبحَ أسعدُ بنُ زرارةَ لهم شاةً، فتغدَّوْا وتعشَّوْا من شاهِ واحده ليلتَهم، فأنزلَ اللَّهُ بعدَ ذلك:
(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ) .
فوقعَ في كلام الإمامِ أحمدَ: أن هذه هي الجمُعةُ التي جمعَها مصعبُ بنُ
عميرٍ، وهي التي ذكرَها كعبُ بنُ مالكٍ في حديثه، أنهم كانُوا أربعينَ رجلاً.
وفي هذا نظرٌ.
ويحتملُ أن يكونَ هذا الاجتماعُ منَ الأنصارِ كانَ باجتهادِهم قبلَ قدومِ
مصعب إليهم، ثم لمَّا قدمَ مصعب عليهم جمَّع بهم بأمرِ النبيِّ ﷺ ، وكانَ الإسلامُ حينئذ قد ظهرَ وفَشَا، وكان يمكنُ إقامةُ شعارِ الإسلامِ في المدينةِ، وأما اجتماعُ الأنصارِ قبلَ ذلكَ، فكانَ في بيت أسعدَ بنِ زرارةَ قبل ظهورِ الإسلامِ بالمدينةِ وفشوِّهِ، وكانَ باجتهادٍ منهم، لا بأمرِ النبيِّ ﷺ .
واللَّهُ أعلم.
* * *
[قال البخاري] : باب مِنْ أيْنَ تُؤتَى الجُمُعةُ، وعلَى مَنْ تجِبُ؟
لقوْلِ اللَّهِ : (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
стр. 1136
وقالَ عطاءٌ: إذَا كُنتَ فِي قَريةٍ جامعةٍ، فنُودِيَ بالصَّلاةِ مِن يومِ الجمُعةِ.
فحقّ عليكَ أن تشهدَهَا، سمعتَ النِّداءِ أو لمْ تسمعهُ.
وكانَ أنسُ بنُ مالكٍ فِي قصرهِ، أحيانًا يُجمِّعُ، وأحيانًا لا يُجمِّعُ، وهُو
بالزَّاويةِ على فرسخينِ.
تضمنَ هذا الذي ذكرَه مسألتين:
إحداهُما: أنَّ مَن هو في قريةٍ تقامُ فيها الجمعةُ، فإنه إذا نوديَ فيها بالصلاةِ
للجمعةِ وجبَ عليه السعيُ إلى الجمعةِ، وشهودُها، سواءٌ سمعَ النداءَ أو لم
يسمعْهُ وقد حكاه عن عطاءٍ.
وهذا الذي في القريةِ، إن كانَ من أهلِها المستوطنينَ بها، فلا خلافَ في
لزومِ السعي إلى الجمعةِ لهُ، وسواء سمع النداءَ أو لم يسمعْ، وقد نصَّ على
ذلك الشافعي وأحمدُ، ونقلَ بعضُهم الاتفاقَ عليهِ.
وإن كانَ من غيرِ أهلِها، فإن كانَ مسافرًا يباحُ له القصرُ، فأكثرُ العلماءِ
على أنه لا يلزمه الجمعةُ مع أهلِ القريةِ، وقد ذكرنَا فيما تقذم أن المسافرَ لا
جمعةَ عليه.
وحُكيَ عن الزهريِّ والنخعيِّ، أنه يلزمه تبعًا لأهلِ القريةِ.
ورُوي عن عطاءٍ - أيضًا -، أنه يلزمُه.
وكذا قال الأوزاعيُّ: إنْ أدرَكه الأذانُ قبلَ أن يرتحلَ فليجبْ.
وإن كانَ المسافرُ قد نوى إقامةً بالقريةِ تمنعُه من قصرِ الصلاةِ، فهلْ يلزمُه
الجمعة؛ فيه وجهانِ لأصحابِنا.
وأوجبَ عليه الجمعةَ في هذه الحالِ: مالكٌ وأبو حنيفةَ، ولم يوجبْها عليه
стр. 1137
الشافعيُّ وأصحابُه.
المسألةُ الثانيةُ: إنَّ مَن كان خارجَ القريةِ أو المصرِ الذي تقامُ فيه الجمعةُ، هل
تلزمُه الجمعةُ مع أهلِ القريةِ أو المصرِ، أم لا؟
هذا مما اختلَف فيه العلماءُ:
فقالتْ طائفةٌ: لا تلزمُ مَن كانَ خارجَ المصرِ أو القرية الجمعةُ مع أهلِه
بحالٍ، إذا كان بينَهم وبينَ المصرِ فرجة، ولو كانُوا من رِبْضِ المصرِ.
وهذا قولُ الثوري وأبي حنيفةَ وأصحابهِ، إلحاقًا لهم باهلِ القرَى؛ فإنَّ
الجمعةَ لا تقامُ عندَهم في القرَى.
وقال أكثرُ أهلِ العلم: تلزمُهم الجمعةُ مع أهلِ المصرِ أو القريةِ، مع القربِ
دونَ البعدِ.
ثم اختلفُوا في حذَ ذلك:
فقالتْ طائفة: المعتبرُ: إمكانُ سماع النداءِ، فمن كان من موضع الجمعةِ
بحيثُ يمكنُه سماعُ النداءِ لزمَه، وإلا فَلا. هذا قولُ الشافعيِّ وأحمدَ
وإسحاقَ.
واستدلُّوا: بظاهرِ قولِ اللهِ تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
ورُوي عن عبدِ اللَهِ بنِ عَمرو بنِ العاصِ وسعيدِ بنِ المسيبِ وعَمرِو بن
شعيب.
ورُويَ عن أبي أمامةَ الباهليِّ - معناه.
стр. 1138
وخرجَ أبو داود من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، عنِ النبيِّ
ﷺ :
"الجمعةُ علَى مَن سمِعَ النداء"
ورُويَ موقوفًا، وهو أشبهُ.
وروَى إسماعيلُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ
عطاءٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه - يرفعُه -، قال: "لينتهينَّ أقوام يسمعونَ النداءَ يومَ الجمعةِ، ثم لا يَشهدُونَها، أو ليطبعن اللَهُ على قلوبِهم، وليكونُنَّ من الغافلين، أو ليكونُنَّ من أهلِ النارِ ".
عبدُ العزيزِ هذا، شاميّ تكلَّموا فيه.
وقالت طائفةٌ: تجبُ الجمُعةُ على مَن بينَه وبينَ الجمعةِ فرسخٌ، وهو ثلاثةُ
أميالٍ، وهو قولُ ابنِ المسيبِ والليثِ ومالك ومحمدِ بنِ الحسنِ، وهو روايةٌ
عن أحمدَ.
ومِن أصحابِنا مَن قالَ: لا فرقَ بينَ هذا القولِ والذي قبلَه؛ لأن الفرسخَ
هو منتهَى ما يسمعُ فيه النداء - غالبًا -؛ فإن أحمدَ قالَ: الجمعة على من
سمع النداءَ، والنداءُ يسمعُ من فرسخ، وكذلكَ رواه جماعةٌ عن مالكٍ.
فيكونُ هذا القولُ والذي قبلَهُ واحدًا.
وخرج الخلالُ من روايةِ مندل، عن ابنِ جريج، عن عبدِ اللَّهِ بنِ محمدِ
ابنِ عقيل، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"عسَى أحدُكم أن يتخذ الصُّبَّة على رأسِ ميلين أو ثلاثةٍ، تأتي عليه الجمعةُ لا يشهدُها، ثم تأتي الجمعةُ لا يشهدُها - ثلاثًا - فيطبعُ على قلبهِ ".
مندلٌ فيه ضعفٌ.
وخرجَ الطبراني نحوَه من حديثِ ابنِ عمرَ - مرفوعًا.
стр. 1139
وفي إسنادِه: إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخوزيّ، وهو ضعيف.
وروى معدي بن سليمان، عن ابنِ عجلانَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ.
عن النبي ﷺ قال:
"ألا هل عسَى أحدُكم أن يتخذَ الصُّبة من الغنم على رأسِ ميلٍ أو
ميلين، فيتعذَّر عليه الكلأُ، فيرتفعُ، ثم تجيءُ الجمعةُ، فلا يجيءُ ولا يشهدُها، وتجيءُ الجمعة، فلا يشهدُها، وتجيءُ الجمعةُ، فلا يشهدها حتى يُطبعَ على قلبهِ ".
خرَّجَه ابنُ ماجةَ.
وخرَّجَه أبو بكر النجاد وابنُ عبدِ البرِ، وفي روايتهما: "ميلين أو ثلائة".
ومَعْدي هذا، تكلم فيه أبو زرعةَ وغيرُه.
وقال أبو حاتم: شيخ.
وقالت طائفة: تجبُ الجمعةُ على من بينَهُ وبينَهَا أربعةُ أميال.
ورُويَ عن ابن المنكدرِ والزهريِّ وعكرمةَ وربيعةَ.
ورويَ عن الزهريِّ - أيضًا - تحديدُه بستةِ أميال، وهي فرسخانِ.
وروي عن أبي هريرةَ، قال: تؤتَى الجمعةُ من فرسخينِ.
خرَّجَه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف.
وروى عبد الرزاق بإسنادٍ منقطع، عن معاذٍ، أنه كانَ يقومُ على منبر.
فيقول لقومٍ بينهُم وبينَ دمشقَ أربعُ فراسخٍ وخمسُ فراسخٍ: إن الجمعةَ
لزمتْكُم، وأن لا جمعة إلا معنا.
وبإسنادٍ منقطع، عن معاويةَ، أنه كانَ يأمرُ بشهودِ الجمعةِ مَن بينه وبينَ
стр. 1140
دمشقَ أربعة عشرَ ميلاً.
وقالَ بقيةُ، عن محمدِ بنِ زياد: أدركتُ الناسَ بحِمْص تبعثُ الخيلَ نهارَ
الخميسِ إلى جُوسيةَ وحماة والرَّستن يجلبون الناسَ إلى الجمعةِ، ولم يكن
يجمعُ إلا بحِمْص.
وعن عطاءٍ. إنه سئلَ: من كم يُؤتى الجمعةُ؟
قال: من سبعةِ أميالٍ.
وعنه، قالَ: يقال: من عشرةِ أميالٍ إلى بريدٍ.
وعن النخعيِّ، قالَ: تؤتى الجمعةُ من فرسخينِ.
وعن أبي بكر بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ، أنه أمرَ أهلَ قباء، وأهلَ ذي
الحليفةِ، وأهلَ القرى الصغار حولهُ: لا يجمِّعُوا، وأن يشهدوا الجمعةَ
بالمدينةِ.
وعن ربيعة - أيضًا -، أنه قالَ: تجبُ الجمعةُ على من إذا نودِيَ بصلاةِ
الجمعةِ خرجَ من بيتهِ ماشيًا أدركَ الجمعةَ.
وقالتْ طائفة: تجبُ الجمعةُ على من آواه الليلُ إلى منزلِهِ.
قال ابنُ المنذرِ: رويَ ذلكَ عن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وأنسٍ والحسنِ ونافع
مولى ابنِ عمرَ، وكذلكَ قالَ عكرمةُ والحكمُ وعطاءٌ والأوزاعيُ وأبو ثور.
انتهى.
وهو قولُ أبي خيثمةَ زهيرِ بنِ حربٍ وسليمان بن داود الهاشمي.
وحكى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ الشالنجيُّ، عن أحمدَ نحوَهُ، واختاره
الجوزجانيُ.
стр. 1141
وفيه حديث مرفوعٌ، من حديثِ أبي هريرةَ.
وقد ذكره الترمذي، وبيَّن ضعفَ إسنادِه، وأن أحمدَ أنكرهُ أشدَّ
الإنكارِ.
وفيه - أيضًا -، عن عائشةَ، وإسنادُه ضعيف.
وفيه - أيضًا - من مراسيلِ أبي قِلابَة، وفي إسنادِهِ ضعف.
وقالتْ طائفةٌ: تُؤتَى الجمعةُ من فرسخينِ، قالهُ النخعيُّ وإسحاقُ، نقله
عنه حرب.
لكنهما لم يصرِّحا بوجوبِ ذلكَ، وقد تقدَّم نحوُه عن غيرِ واحدٍ.
وخرجَ حرب من طريقِ ابنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنه كانَ
يجمعُ من الزاويةِ، وهي فرسخانِ.
وروى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنه كانَ يكونُ
بينَهُ وبين البصرةِ ثلاثةُ أميالٍ، فيشهدُ الجمعةَ بالبصرةِ.
وقد ذكرَ البخاريُّ عنهُ أنه كانَ أحيانًا لا يجمعُ.
وكذلكَ رُويَ عن أبي هريرةَ، أنه كانَ بالشجرةِ - وهي ذو الحليفةِ -، فكانَ أحيانًا يجمعُ، - وأحيانا لا يجمعُ.
وقد رويَ عنه الأمرانِ جميعًا.
وكذلكَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، كانَ في قصر بالعقيقِ، فكانَ أحيانًا يجمعُ.
وأحيانًا لا يجمعُ، وكان بينهُ وبينَ المدينةِ سبعةُ أميالي أو ثمانية.
стр. 1142
وكذلك رويَ عن عائشةَ بنتِ سعد، أنَّ أباها كانَ يفعل.
* * *
[قال البخاري] : بَابُ: المشي إلى الجُمُعةِ:
وقولِ اللَّهِ : (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
ومَنْ قالَ: السعيُ العملُ والذَّهابُ؛ لقولِهِ: (وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) .
وقالَ ابنُ عباسٍ: يحرمُ البيعُ حينئذٍ.
وقالَ عطاءٌ: تحرُمُ الصناعاتُ كلُّها.
وقالَ إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عنِ الزهري: إذا أذن الموذن يومَ الجمعةِ وهوَ
مسافر، فعليهِ أن يشهدَ.
اشتملَ كلامُه - هاهنا - على مسائلَ:
إحدَاها: المشيُ إلى الجمعة، وله فضل.
وفي حديثِ أوسِ بنِ أوسٍ، عن النبيِّ ﷺ :
"من بكَر وابتكرَ، وغسَّل واغتسلَ، ومشَى ولم يركبْ ". وقد سبقَ.
وفي حديثِ اختصامِ الملأ الأعْلَى: "إنهم يختصمونَ في الكفاراتِ والدرجاتِ.
والكفاراتُ إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ، والمشيُ على الأقدام إلى الجمُعاتِ ".
وقد خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديث معاذٍ.
стр. 1143
وله طرقٌ كثيرةٌ، ذكرتُها مستوفاةً في "شرح الترمذيّ ".
وروى ابنُ أبي شيبة بإسنادِ فيه انقطاعٌ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةَ كان يأتي
الجمعةَ ماشيًا، فإذا رجعَ رجعَ كيف شاءَ ماشيًا، وإن شاء راكبًا.
وفي روايةِ: وكان بين منزِله وبين الجمعةِ ميلانِ.
وعن أبي هريرةَ، أنه كان يأتي الجمعةَ من ذي الحليفة ماشيًا.
وذكر ابنُ سعد في "طبقاته " بإسناده، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كتب
ينهَى أن يركبَ أحد إلى الجمعةِ والعيدينِ.
وقال النخعيّ: لا يُركبُ إلى الجمعةِ.
المسألةُ الثانيةُ: أنه يستحمبّ المشيُ بالسكينةِ مع مقاربةِ الخُطَا، كما في سائرِ
الصلواتِ، على ما سبق ذكرُه في موضعه.
فأما قولُ اللَّهِ : (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ، فقد حملَه قومٌ من المتقدمين على ظاهره، وأنكرَ ذلك عليهم
الصحابةُ.
فروى البيهقيُّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ الصامتِ، قال: خرجتُ إلى
المسجدِ يومَ الجمعةِ، فلقيتُ أبا ذرٍّ، فبينا أنا أمشي إذ سمعتُ النداءَ، فرفعتُ
في المشي؛ لقولِ اللَّهِ : (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ، فجذبني جذبةً كدت أن ألاقيَه، ثم قال: أو لسْنَا في سعي؟
стр. 1144
فقد أنكرَ أبو ذرٍّ مَن فسر السعي بشدةِ الجري والعدْوِ، وبينَ أنَّ المشيَ إليها
سعيٌ؛ لأنه عمل، والعملُ يُسمَّى سعيًا، كما قالَ تعالى: (إِنَّ سَعْيكُمْ لَشَتَّى)
وقال: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) ، ومثلُ هذا كثيرٌ
في القرآن.
وبهذا فسَّرَ السعيَ في هذه الآية التابعونَ فمن بعدَهم، منهم: عطاءٌ.
ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وقتادةُ، ومحمدُ بنُ كعبٍ، وزيدُ بنُ أسلمَ، ومالكٌ.
والثوريُّ، والشافعي وغيرُهم.
وروي عن ابنِ عباسٍ - أيضًا - من وجهٍ منقطع.
ومنهم مَن فسَّر السعيَ بالجري والمسابقةِ، لكنه حملَه على سعي القلوبِ
والمقاصدِ والنياتِ دون الأقدامِ، هذا قولُ الحسنِ.
وجمع قتادةُ بين القولينِ - في رواية -، فقال: السعيُ بالقلبِ والعملِ.
وكان عثمانُ وابنُ مسعود وجماعةٌ من الصحابة يقرءونَها: "فامضُوا إلى
ذكرِ اللَّهِ ".
وقال النخعيُّ: لو قرأتُها (فَاسْعَوْا) لسعيتُ حتى يسقط ردائي.
ورُويَ هذا الكلامُ عن ابنِ مسعودٍ من وجهٍ منقطع.
المسألةُ الثالثةُ: في تحريمِ البيع وغيرِه مما يشتغلُ به عن السعي بعدَ النداءِ.
وقد حُكي عن ابنِ عباسٍ تحريم البيع وغيرِه.
وروى القاضِي إسماعيلُ في كتابه "أحكام القرآنِ " من رواية سليمانَ بنِ
معاذٍ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: لا يصلحُ البيعُ يومَ
الجمعةِ حين ينادَى بالصلاةِ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ فاشترِ وبِعْ.
стр. 1145
وبإسنادِهِ: عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قالَ: كانَ بالمدينةِ إذا نوديَ بالصلاةِ من
يومِ الجمعةِ نادَوْا: حرُمَ البيعُ، حرُمَ البيعُ.
وعن أيوبَ، قالَ: لأهلِ المدينةِ ساعة، وذلك عندَ خروج الإمامِ.
يقولون: حرُم البيعُ، حرُم البيعُ.
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كانَ يمنعُ الناسَ منَ البيع يومَ الجمعةِ إذا
نودِي بالصلاةِ.
وعن الحسنِ وعطاء والضحاكِ: تحريمُ البيع إذا زالتِ الشمسُ من يومِ
الجمعةِ.
وعن الشعبيِّ، أنه محرَّمٌ، وكذا قالَ مكحولٌ.
وحكى إسحاقُ بنُ راهويه الإجماعَ على تحريمِ البيع بعدَ النداءِ.
وحكى القاضي إسماعيلُ، عمَن لم يسمِّه، أن البيعَ مكرُوهٌ، وأنه استدل
بقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ) .
وردَّ عليه: بأن مَنْ فعل ما وجَب عليه وتركَ ما نُهِي عنه فهو خيرٌ له، كما
قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) .
وحُكي القولُ بأن البيعَ مردودٌ عن القاسم بنِ محمدٍ وربيعةَ ومالكٍ.
ورواه ابنُ عيينةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ أو غيرِه.
وهو مذهبُ الليثِ والثوريِّ وإسحاقَ وأحمدَ وغيرِهم من فقهاءِ أهلِ
الحديثِ.
وخالف فيه أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأصحابُهما وعبيدُ اللَّه العنبريُّ، وقالوا:
стр. 1146
البيعُ غيرُ مردودٍ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيًا عنه لذاتهِ بل لوقتهِ.
والأولون يقولون: النهي يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه، سواءٌ كان لذاتِ المنهيِّ
عنه أو لوقتهِ، كالصومِ يوم العيدِ، والصلاةِ وقتَ النهِي، فكذلك العقودُ.
وقال الثوريُّ - فيما إذا تصارفا ذهبًا بفضة وقبضا البعضَ، ثم دخل وقتُ
النداءِ يوم الجمعةِ -: فإنهما يترادَّان البيعَ.
وهذا يدلُّ على أن القبضَ عنده شرطٌ لانعقادِ الصرفِ، فلا يتمّ العقدُ إلا
به، وهو الصحيحُ عند المحققينَ من أصحابنا - أيضًا.
وأما ما ذكره عن عطاء، أنه تحرُم الصناعاتُ حينئذ، فإنه يرجع إلى أنه إنَّما
حرمَ البيعُ لأنه شاغلٌ عن السعي إلى ذكر اللَّه والصلاة، فكل ما قطع عن
ذلك فهو محرمٌ من صناعة أو غيرِها، حتى الأكلُ "والشربُ والنوم والتحدثُ
وغيرُ ذلك، وهذا قولُ الشافعيةِ وغيرهم - أيضًا.
لكن لأصحابنا في بطلانِ غيرِ البيع منَ العقودِ وجهانِ، فإن وقوعها بعد
النداءِ نادر، بخلافِ البيع، فإنَّه غالب، فلو لم يبطلْ لأدَى إلى الاشتغالِ عنِ
الجمعةَ بهِ، فتفوتُ الجمعةُ غالبًا.
وأكثرُ أصحابِنا حكَوُا الخلافَ في جوازِ ذلك، وفيه نظر؛ فإنه إذا وجبَ
السعيُ إلى الجمعة حرُمَ كل ما قطعَ عنه.
وقد رُويَ عن زيدِ بنِ أسلمَ، قالَ: لم يأمرُهُمُ اللَّهُ أن يذرُوا شيئًا غيرَه.
حرم البيع، ثم أذنَ لهم فيه إذا فرغُوا.
وهذا ضعيفٌ جدًّا، فإن البيعَ إنما خُصَّ بالذكرِ لأنَّه أكثرُ ما يقغ حينئذ مما
يُلهي عن السعي، فيشارِكُه في المعنى كلُّ شاغل.
стр. 1147
واستدل بعضُ أصحابنا على جوازِ غيرِ البيع منَ العقود بالصدقةِ، وقال:
قد أمرَ بها النبي ﷺ وهو يخطبُ.
وهذا لا يصحُّ؛ فإن الصدقةَ قربةٌ وطاعةٌ، وإذا وقعتْ في المسجدِ حيثُ لا
يكره السؤالُ فيه فلا وجْهَ لمنعها.
فإن ألحق بذلكَ عقدُ النكاح في المسجدِ قبلَ خروج الإمامِ كان متوجهًا.
مع أن بعضَ أصحابِنا قد خصَّ الخلافَ بالنكاح، وهو ابنُ عقيلٍ.
وعن أحمدَ روايةٌ: إنه يحرم البيعُ بدخول وقتِ الوجوبِ، وهو زوالُ
الشمسِ.
وقد سبقَ مثلُه عن الحسنِ، وعطاءٍ، والضحاكِ، وهو - أيضًا - قولُ
مسروقٍ، ومسلم بنِ يسارٍ، والثوريِّ، وإسحاقَ.
وقياسُ قولهم: إنه يجبُ السعيُ بالزوال، ويحرمُ حينئذٍ كلُّ شاغلٍ يشغلُ
والجمهورُ: على أنه لا يحرُم بدونِ النداءِ.
ثم الأكثرونَ منهم على أنه النداءُ الثاني الذي بَين يدي الإمامِ؛ لأنه النداءُ
الذي كان في عهد النبيِّ ﷺ ، فلا ينصرفُ النداءُ عند إطلاقهِ إلا إليه.
وفي "صحيح الإسماعيليِّ " من حديثِ الزهريِّ، عن السائبِ بنِ يزيدَ.
قال: كان النداءُ الذي ذكرَ اللَّهُ في القرآن يومَ الجمعةَ إذا خرجَ الإمامُ، وإذَا
قامتِ الصلاةُ في زمنِ النبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمرَ.
وعن أحمدَ روايةٌ: أنه يحرمُ البيعُ ويجبُ السعيُ بالنداء الأولِ.
وهو قولُ مقاتلِ بنِ حيَّانَ، قالَ: وقد كانَ النداءُ الأولُ قبلَ زوالِ الشمسِ.
стр. 1148
ونقله ابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ بنِ راهويه صريحًا.
وعن أحمدَ، أنه قال: أخافُ أن يحرمَ البيعُ، وإن أذن قبل الوقت.
ومجردُ الشروع في الأذانِ يحرمُ به البيعُ عند أصحابِنَا والشافعيةِ؛ لأنه
صارَ نداءً مشروعًا مسمْونًا من سنةِ الخلفاءِ الراشدين.
قال أصحابُنا: ولو اقتصر عليه أجزأ، وسقطَ فرضُ الأذانِ.
وعند أصحابِ الشافعيِّ: يحرمُ البيعُ بمجردِ الشروع في النداءِ الثانِي بين
يديِ الإمامِ، إذا كانَ قاطعًا عن السعي، فاما إن فعلَه وهو ماشٍ في الطريقِ
ولم يقفْ، أو هو قاعدٌ في المسجد كُره ولم يَحرمْ.
وهذا بعيدٌ، والتبايعُ في المسجدِ بعدَ الأذانِ يجتمعُ فيه نهيانِ؛ لزمانِهِ
ومكانهِ، فهو أولى بالتحريمِ.
المسألةُ الرابعةُ: حكِىَ عن الزهريِّ: أن المسافرَ إذا سمعَ النداءَ للجمعةِ، فعليه أن يشهدَها، وقد سبقَ ذكرُ ذلكَ عنه، وعن النخعيِّ والأوزاعيَ وعن عطاءٍ: أن عليه شهودَها، سمعَ الأذَان أو لم يسمعْه، وأن الجمهورَ على خلافِ ذلكَ.
وهل للمسافرِ أن يبيعَ ويشتريَ في المصِر بعدَ سماع النداءِ؛ فيه اختلافٌ
بينَ أصحابِنا، يرجعُ إلى أنَّ من سقطتْ عنه الجمعةُ لعذرٍ، كالمريضِ: هل له
أن يبيع بعد النداءِ، أم لا؛ فيه روايتانِ عن أحمدَ.
وأما من ليس مِن أهلِ الجمعةِ بالكلِّية، كالمرأة، فلها البيعُ والشراءُ بغيرِ
خلافٍ، وكذا العبدُ، إذا قلنا: لا يجبُ عليه الجمعةَ.
* * *
стр. 1149
[قال البخاري] : حدثنا آدمُ: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن
السَّائبِ بنِ يزيدَ، قالَ: كانَ النِّداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلهُ إذَا جلسَ الإمامُ على
المنبرِ، علَى عهدِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبي بكرِ وعُمرَ، فلمَّا كانَ عُثمانُ، وكثرُ النَّاسُ، زاد النِّداءَ الثَّالثَ على الزوراءِ.
قالَ أبو عبدِ اللَّهِ: الزَّورَاءُ: موضع بالسُّوقِ بالمدينةِ.
الأذانُ يومَ الجمعةِ قد ذكرَه اللَّهُ تعالَى في كتابه، في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ) .
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبهِ، وإنْ قيل: إن الأذان سنة، وهو الذي ذكره ابنُ أبي موسى من أصحابِنا، وقاله طائفة من الشافعيةِ - أيضًا.
وقد دلَّ الحديثُ على أن الأذانَ الذي كان على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ هو النداءُ الذي بين يديِ الإمامِ عند جلوسهِ على المنبرِ، وهذا لا اختلافَ فيه بين العلماءِ.
ولهذا قال أكثرُهم: إنه هو الأذانُ الذي يَمنع البيعَ، ويوجبُ السعيَ إلى
الجمعة، حيث لم يكن على عهدِ النبىِّ ﷺ سِواه.
وما ذكره ابنُ عبد البرِّ عن طائفةٍ من أصحابِهم، أن هذا الأذانَ الذي يمنع
البيعَ لم يكن على عهدِ النبي ﷺ وإنما أحدثه هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، فقد بيَّن ابنُ عبدِ البرِّ أن هذا جهل من قائلهِ؛ لعدم معرفته بالسنةِ والآثارِ.
فإن قال هذا الجاهلُ: إنه لم يكنْ أذانٌ بالكلِّية في الجمعةِ، فقد باهتَ.
ويكذِّبهُ قولُ اللَّه (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا)
стр. 1150
وإنْ زعمَ أن الأذانَ الذي كان في عهد النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ هو الأذانُ الأولُ الذي قبلَ خروج الإمامِ، فقد أبطلَ، ويكذبه هذا الحديثُ واجتماعُ العلماءِ على ذلكَ.
وقولُه في هذه الرواية: "أولُه إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ"، معناه: أن هذا
الأذانَ كانَ هو الأولَ، ثم تليه الإقامةُ، وتسُمَّى: أذانًا، كما في الحديثِ
المشهورِ: "بين كلّ أذانينِ صلاة.
وخرَّجَه النسائي من روايةِ المعتمرِ، عن أبيه، عن الزهريِّ، ولفظُه: كان
بلالاً يؤذن إذا جلسَ رسولُ اللَّهِ ﷺ على المنبرِ يومَ الجمعةِ، فإذا نزلَ أقامَ، ثم كان كذلك في زمنِ أبي بكرٍ وعمرَ، فلما زاد عثمانُ النداءَ الثالثَ صار هذا الثالثُ هو الأولَ، وصار الذي بين يدي الإمامِ هو الثاني.
وقد خرج أبو داود هذا الحديثَ من طريق ابن إسحاقَ، عنِ الزهريِّ.
عن السائبِ، قال: كان يؤذَّن بين يديْ رسولِ اللَّهِ ﷺ إذا جلسَ على المنبرِ يومَ الجمعةِ على بابِ المسجدِ، وأبي بكرٍ وعمرَ.
ففي هذه الروايةِ: زيادةٌ: أنَّ هذا الأذانَ لم يكنْ في نفسِ المسجدِ، بل
على بابهِ، بحيث يسمعه مَنْ كان في المسجدِ ومَن كان خارجَ المسجدِ، ليترك
أهلُ الأسواقِ البيعَ ويسرعُوا إلى السعي إلى المسجدِ.
وقولُه: "فلما كان عثمانُ " - يريد: لما وليَ عثمان - "وكثر الناسُ في زمنه
زادَ النداءَ الثالثَ على الزوراءِ"، وسمَّاه: ثالثًا؛ لأن به صارتِ النداءات
стр. 1151
للجمعةِ ثلاثةً، وإنْ كان هو أوَّلها وقوعًا.
وخرَّجَه ابن ماجةَ، وعنده - بعد قوله: "على دار في السوقِ، يقال لها:
الزورَاءُ" -: "فإذا خرج أذَنَ، وإذا نَزلَ أقامَ ".
وهو من روايةِ ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ.
وروى الزهريُّ، عن ابنِ المسيبِ: معنَى حديثهِ عن السائبِ بن يزيدَ، غيرَ
أنه قال: "فلمَّا كان عثمانُ كثرَ الناسُ، فزاد الأذانَ الأولَ، وأرادَ أن يتهيأ
الناسُ للجمعةِ".
خرَّجَه عبدُ الرزَّاقِ في "كتابه " عن معمرٍ، عنه.
وقد رواه إسماعيلُ بنُ يحيى التميميُّ - وهو ضعيفٌ جدًّا -، عن مِسعَر.
عن القاسم، عن ابن المسيبِ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: ما كان الأذانُ على عهدِ النبيِّ ﷺ يوم الجمعة إلا قُدَّامَ النبيّ ﷺ وهو على المنبرِ، فإذا نزلَ
أقامُوا الصلاةَ، فلما ولي عثمانُ أُمرَ أن يؤذَّن على المنارَة ليُسمعَ الناسَ.
خرَّجَه الإسماعيليُّ في مسند مسعرٍ، وقال في القاسم: هو مجهولٌ.
قلت: والصحيحُ المرسلُ.
وقد أنكر عطاءٌ الأذانَ الأولَ، وقال: إنما زادَه الحجاجُ.
قال: وإنما كانَ عثمانُ يدعو الناسَ دعاءً.
خرَّجَه عبد الرزاقِ.
стр. 1152
وقال عمرُو بنُ دينارٍ: إنما زادَ عثمانُ الأذانَ بالمدينةِ، وأما مكةُ فأوَّل من
زادَه الحجاجُ.
قال: ورأيت ابنَ الزبيرِ لا يؤذَّن له حتى يجلسَ على المنبرِ، ولا
يؤذَّن له إلا أذانٌ واحد يوم الجمعة.
خرَّجَه عبد الرزَّاقِ - أيضًا.
وروى مصعبُ بن سلامٍ، عن هشامِ بنِ الغازِ، عن نافع، عن ابن عمرَ.
قال: إنما كانَ رسول اللَّهِ ﷺ إذا قعدَ على المنبرِ أذنَ بلال، فإذا فرغَ النبيُّ ﷺ ّ من خطبتهِ أقام الصلاةَ، والأذانُ الأولُ بدعةٌ.
وروى وكيعٌ في "كتابه " عن هشامِ بنِ الغازِ، قال: سألتُ نافعًا عن
الأذانِ يومِ الجمعةِ؟
فقال: قال ابنُ عمرَ: بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وإن رآه الناسُ حسنًا.
وقال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ: لم يكن في زمانِ النبيِّ ﷺ إلا أذانَانِ: أذانٌ حين يجلسُ على المنبرِ، وأذانٌ حين تُقامُ الصلاةُ. قال: وهذا الأخيرُ شيءٌ أحدثه الناسُ بعدُ.
خرَّجَهُ ابنُ أبي حاتم.
وقال سفيانُ الثوريُّ: لا يُؤَذَّن للجمعةِ حتى تزول الشمسُ، وإذا أذنَ المؤذِّن
قام الإمامُ على المنبرِ فخطبَ، وإذا نزل أقامَ الصلاةَ. قال: والأذان الذي كان على عهدِ رسول اللَّهِ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ أذانٌ وإقامةٌ، وهذا الأذانُ الذي
стр. 1153
زادوه محدَثٌ.
وقال الشافعيُّ - فيما حكاه ابنُ عبدِ البرِّ -: أحبُّ إليَّ أن يكون الأذانُ يومَ
الجمعةِ حين يجلسُ الإمامُ على المنبرِ بينَ يديهِ، فإذا قعد أخذَ المؤذنُ في
الأذانِ، فإذا فرغَ قام فخطبَ.
قال: وكان عطاءٌ ينكرُ أن يكونَ عثمانُ أحدثَ
الأذانَ الثاني، وقال: إنما أحدثَه معاويةُ.
قال الشافعيُّ: وأيُّهما كانَ، فالأذانُ الذي كان على عهد النبيِّ ﷺ ، وهو الذي يُنَهى الناسُ عنده عن البيع.
ولأصحابِهِ في أذانِ الجمعةِ - على قولِهم: الأذانُ سنةٌ - وجهانِ:
أحدُهما: أنه سنةٌ - أيضًا.
والثاني: أنه للجمعةِ خاصةً فرضُ كفاية.
فعلى هذا: هل تسقطُ الكفايةُ بالأذانِ الأول، أوْ لا تسقطُ إلا بالأذان بين
يديِ الإمامِ؟ على وجهينِ - أيضًا.
ومنْ أصحابِنا من قال: يسقط الفرضُ بالأذانِ الأول، وفيه نظرٌ واللَّه
أعلم.
وقال القاضِي أبو يعلَى: المستحبُّ أن لا يؤذَّن إلا أذانٌ واحدٌ، وهو بعد
جلوسِ الإمام على المنبرِ، فإن أذِّنَ لها بعدَ الزَّوال وقبلَ جلوسِ الإمامِ جازَ.
ولم يُكْرَه.
ثم ذكرَ حديثَ السائبِ بنِ يزيدَ هذا.
ونقلَ حربٌ، عن إسحاقَ بنِ راهَويه: أن الأذانَ الأول للجمعةِ محدثٌ.
أحدثه عثمانُ، رأى أنه لا يسمعُه إلا أن يزيدَ في المؤذنين، ليُعلم الأبعدِين
стр. 1154
ذلك، فصار سنةً: لأن على الخلفاء النظرَ في مثل ذلك للناسِ.
وهذا يفهم منه أن ذلك راجغ إلى رأي الإمام، فإن احتاج إليه لكثرةِ الناس
فعلَه، وإلا فلا حاجةَ إليه.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)
[قال البخاري] : بابُ الخُطبةِ قائمًا:
وقالَ أنسٌ: بينَا النَّبيُّ ﷺ يخطبُ قائما.
حديثُ أنسٍ، هو الذي فيه ذكرُ الاستسقاءِ في الجمعةِ، وسيأتي - إن شاء
اللَّهُ فيما بعد.
حدثثا عُبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ القواريريُّ: نَا خالدُ بنُ الحارثِ: نَا عُبيدُ اللَّهِ بنُ
عمرَ، عنْ نافع، عن ابنِ عمرَ، قالَ: كانَ النَبِيُّ ﷺ يخطبُ قائمًا، ثم يقعدُ، ثُمَّ يقومُ كمَا يفعلُونَ الآن.
وفي الخطبةِ قائمًا أحاديثُ أُخَر.
وخرَّج مسلمٌ من حديثِ سماكِ، عن جابرِ بنِ سمُرةَ، قال: كانَ رسولُ
اللَّهِ ﷺ يخطبُ قائصًا، ثم يجلسُ، ثم يقومُ فيخطبُ قائمًا، فمن نبَّأكَ أنه
стр. 1155
كان يخطبُ جالسًا فقد كذبَ، فقد - واللهِ - صليتُ معهُ أكثرَ من ألفَي
صلاة.
وخرَّج مسلم بإسنادِه من حديثِ كعبِ بنِ عجرةَ، أنه دخلَ المسجدَ
وعبدُ الرحمنِ بنُ أمِّ الحكم يخطبُ قاعدًا، فقالَ: انظرُوا الخبيثَ، يخطبُ
قاعدًا، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) .
وخرجَ ابنُ ماجةَ من حديثِ إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، أنه
سُئلَ: أكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يخطبُ قائمًا أو قاعدًا؟
قال: أمَا تقرأُ: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) ؟
وهذا إسناد جيدٌ.
لكن رُوي، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ من قولهِ. وعن إبراهيمَ، عن
عبدِ الله منقطعًا.
واستدل بهذه الآيةِ على القيامِ في الخطبة جماعة، منهم: ابنُ سيرينَ، وأبو
عبيدةَ بن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودِ.
وإنما احتاجوا إلى السؤالِ عن ذلك، لأنه كان في زمن بني أميةَ من يخطبُ
جالسًا، وقد قيلَ: إن أولَ منَ جلسَ معاويةُ -: قاله الشعبيُّ والحسنُ
وطاوُس.
وقال طاوسٌ: الجلوسُ على المنبرِ يومَ الجمعةِ بدعةٌ.
стр. 1156
وقال الحسنُ: كان النبي ﷺ وأبو بكرِ وعمرُ وعثمانُ يخطبون قيامًا، ثم إن عثمانَ لما رقَّ وكبرَ كان يخطبُ، فيدركُه ما يدركُ الكبيرَ فيستريحُ ولا يتكلَّمُ، ثم يقومُ فيتمُّ خطبتَه.
خرَّجَه القاضي إسماعيلُ.
وخرج - أيضًا - من رواية ابنِ جريج، عن عطاءِ، أنه قال؛ أولُ من جعلَ
في الخُطْبةِ جلوسًا عثمانُ، حين كبرَ وأخذته الرعدةُ جلس هنيَّةً.
قيل له: هل كان يخطبُ عمرُ إذا جلسَ؟
قال: لا أدري.
وقد روي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كان يخطبُ الخطبةَ الأولَى جالسًا.
ويقوم في الثانيةِ.
خرَّجَه ابنُ سعد.
والظنُّ به أنه لم تبلغهُ السنةُ في ذلك، ولو بلغتْه كان أتبع الناسِ لها.
وقد قيل: إن ذلكَ لم يصح عنه؛ فإن الأثرمَ حكَى: أن الهيثمَ بنَ خارجةَ
قال لأحمدَ: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجلسُ في خطبته؟
قال: فظهر منه إنكارٌ لذلك.
وروايةُ ابنِ سعدٍ له عن الواقدفيَ، وهو لا يعتمدُ.
وقد رُوي عن ابنِ الزبيرِ - أيضًا - الجلوسُ في الخطبةِ الأولى - أيضًا.
خرَّجهُ القاضي إسماعيلُ.
واختلف العلماءُ في الخُطبةِ جالسًا: فمنهم مَن قالَ: لا يصح، وهو قولُ
стр. 1157
الشافعيِّ، وحكى روايته عن مالكٍ وأحمدَ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: أجمعُوا على أن الخطبةَ لا تكونُ إلا قائمًا لمن قدرَ على
القيامِ.
ولعلَّه أراد إجماعهم على استحبابِ ذلك؛ فإن الأكثرينَ على أنها تصحُّ
من الجالسِ، مع القدرةِ على القيامِ، مع الكراهةِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ، والمشهورُ عن أحمدَ، وعليه أصحابُه، وقولُ إسحاقَ - أيضا.
* * *
[قال البخاري] : حدثنا معاويةُ بنُ عمرو: ثنَا زائدةُ، عن حصينٍ، عن
سالم بنِ أبي الجعدٍ: ثنا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالَ: بينمَا نحنُ نُصلِّي معَ النبيِّ
ﷺ إذْ أقبلتْ عيرٌ تحملُ طعامًا، فالتفتُوا إليهَا حتَّى ما بقِي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشرَ رجلاً، فنزلتْ هذه الآية ُ: (وِإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِليْهًا وَتَرَكُوك قَائِمًا) .
وخرَّجَه في "التفسير"، عن حفصِ بنِ عمرَ، قال: ثنا خالدُ بنُ
عبدِ اللَّهِ: أبْنَا حصينٌ، عن سالم بنِ أبي الجعدِ - وعن أبي سفيانَ، عن جابرِ
ابنِ عبدِ اللهِ - فذكرَه بمعناه.
وفي هذه الروايةِ: متابعةُ أبي سفيانَ لسالم بنِ أبي الجعدِ على روايته عن
جابر، وإنما خرَّج لأبي سفيان متابعةً.
وقد خرَّجه مسلم بالوجهين - أيضًا.
стр. 1158
وفي أكثرِ رواياتهِ: أن النبيَّ ﷺ -كانَ يخطبُ يومَ الجمُعَة.
وفي رواية له: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يخطبُ قائمًا يومَ الجمُعَة - فذكرَه بمعناه.
وفي روايةٍ له: فلم يبقَ إلا اثنا عشرَ رجلاً، أنا فيهم.
وفي روايةٍ له - أيضا -: فيهم أبو بكرٍ وعمرُ - ﵄.
وقولُه في الرواية التي خرجها البخاريُّ: بيْنَا نحنُ نصلِّي معَ النبيِّ ﷺ "
لم يرِدْ به أنهمُ انفضُّوا عنه في نفسِ الصلاةِ، إنما أرادَ - واللَّهُ أعلمُ - أنهم
كانوا مجتمعينَ للصلاةِ، فانفضُّوا وتركُوه.
ويدلُّ عليه: حديثُ كعبِ بنِ عجرة، لما قال: انظُروا إلى هذا الخبيثِ
يخطبُ قاعِدًا، وقد قالَ اللَهُ تعالى: (انفَضوا إِلَيْهَا وَتَرَكوكَ قَائِمًا) .
وكذلك استدلالُ ابنِ مسعودٍ وخلقٌ من التابعينَ بالآيةِ على القيامِ في
وروى علي بنُ عاصم هذا الحديثَ عن حصينٍ، فقال فيه: فلم يبقَ معه
إلا أربعونَ رجلاً، أنا فِيهِمْ.
خرَّجه الدارقطنيُّ والبيهقي.
وعليٌّ بنُ عاصم، ليس بالحافظِ، فلا يُقبلُ تفردُه بما يخالفُ الثقاتِ.
وقد استدلَّ البخاريُّ وخلق من العلماءِ على أن الناسَ إذا نَفروا عن الإمامِ
وهو يخطبُ للجمعَةِ، وصلَّى الجمُعةَ بمن بَقي، جازَ ذلك، وصحَّت
جمعتهم.
стр. 1159
وهذا يرجع إلى أصل مختلَفٍ فيه، وهو: العددُ الذي تنعقدُ به الجمعةُ؟
وقد اختُلِفَ في ذلك:
فقالت طائفةٌ: لا تنعقدُ الجمعةُ بدون أربعينَ رجلاً، رُويَ ذلك عن
عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عتبةَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو قول الشافعيِّ
وأحمدَ - في المشهورِ عنه - وإسحاقَ، ورواية عن مالكٍ.
وقالت طائفة: تنعقد بخمسينَ، رُويَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - أيضًا -
وهو روايةٌ عن أحمدَ.
وقالت طائفة تنعقد بثلاثةٍ، منهم: ابنُ المباركِ والأوزاعيُّ والثوريُّ، وأبو
ثور، ورُوي عن أبي يوسفَ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ.
وقالت طائفةٌ: تنعقد بأربعةٍ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبَيه - في المشهور
عنهما - والأوزاعيِّ ومالكٍ والثوريّ - في رواية عنهما - والليثِ بنِ سعدٍ.
وحكي قولاً قديمًا للشافعيِّ، ومنهم مَن حكاه أنها تنعقدُ بثلاثةٍ.
وقالت طائفةٌ: يعتبر أربعونَ في الأمصارِ وثلاثةٌ في القرى، وحُكيَ روايةً
عن أحمدَ، صحَّحَها بعضُ المتأخرينَ مِن أصحابهِ.
وقالت طائفةٌ: تنعقدُ بسبعةٍ، وحُكيَ عن عكرمةَ، وروايةً عن أحمدَ.
وقالت طائفة: تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً، حكيَ عن ربيعةَ.
وقد قال الزهريُّ: إن مصعبَ بنَ عمير أول ما جمَّعَ بهم بالمدينةِ كانوا اثني
عشرَ رجلاً.
стр. 1160
وتعلَّق بعضُهَم لهذا الحديثِ بحديثِ جابرٍ المخرج في هذا البابِ.
وقال طائفة: تنعقدُ الجمُعةُ بما تنعقدُ به الجماعةُ، وهو رجلانِ، وهو قولُ
الحسنِ بنِ صالح وأبي ثورٍ - في روايةٍ - وداودَ، وحُكيَ عن مكحولٍ.
وتعلَّق القائلونَ بالأربعينَ بحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، أنَّ أولَ جمُعةٍ جمَّع
بهم أسعدُ بنُ زرارةَ، كانوا أربعينَ، وقد سبقَ ذكرُه في أولِ "كتابِ الجمُعةِ".
وقد ذكرَ القاضي أبو يعلَى وغيرُه وجهَ الاستدلالِ به: أنَّ الجمُعةَ فُرضت
بمكةَ، وكان بالمدينةِ من المسلمينَ أربعة وأكثرُ ممَّن هاجر إليها وممَّن أسلم بها.
ثم لم يصلُّوا كذلك حتى كملَ العددُ أربعينَ، فدلَّ على أنها لا تجبُ على أقل
منهم، ولم يُثبتْ أبو بكرٍ الخلالُ خلافَه عن أحمد في اشتراطِ الأربعينَ.
قال: وإنما يُحْكَى عن غيرِه، أنه قال بثلاثة، وبأربعةٍ، وبسبعةٍ، ولم يذهبْ
إلى شيء من ذلك، وهذا الذي قاله الخلالُ هوَ الأظهرُ. واللَّهُ أعلمُ.
وفي عددِ الجمُعةِ أحاديثُ مرفوعةٌ، لا يصحُّ فيها شيء، فلا معنى
لذكرِها.
وإذا تقرَّر هذا الأصلُ، فمَن قالَ: إن الجمُعةَ تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً أو
بدونِهم، فلا إشكالَ عنده في معنى حديثِ جابرٍ؛ فإنه يحملُه على أن النبيَّ
ﷺ صلَّى الجمُعَة بمَن بقي معَه، وصحتْ جمعتُهم.
ومَن قال: لا تصحُّ الجمعةُ بدون أربعينَ، فإنه يشكلُ عليه حديثُ جابرٍ.
وقد أجاب بعضُهم: بأن الصحيحَ أنهم انفضُّوا وهو في الخطبة.
قال: فيحتملُ أنهم رجعُوا قبلَ الصلاةِ، أو رجعَ مَن تمَّ به الأربعونَ، فجمًّع بهم.
قال: والظاهرُ أنهم انفضُّوا ابتداءً سوى اثني عشرَ رجلاً، ثم رجعَ منهم تمامُ
следующие страницы →