← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقيل: كانَ بعدَ البعثةِ بخمسِ سنين، ورجحه بعضُهم، قال: لأنَّه لا خلاف أن خديجة صلَّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيَتْ قبل الهجرة بمدةٍ، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقد أجمع العلماءُ على أن فرض الصلاة كان ليلةَ الإسراء. قلت: حكايته الإجماعَ على صلاة خديجةَ معه بعد فَرض الصلاةِ غَلَط مَحْضْ، ولم يَقُل هذا أحَدٌ ممن يُعْتَدُّ بقوله. وقد خرج أبو يَعلَى الموصلي والطبرانيُّ من حديث إسماعيلَ بن مُجالدٍ، عن أبيه عن الشَّعبي، عن جابر، أن رسولَ اللَّه ﷺ سُئل عن خديجةَ؛ فإنها ماتت قبل أنْ تَنزل الفرائض والأحكام؟ فقال: "أبصرتها على نهر من أنهار الجنة، وفي بيت من قَصَب، لا لغو فيه ولا نَصَبٌ ". وروى الزُّبيرُ بنُ بكَّارِ، بإسنادِ ضعيفٍ، عن يُونُسَ عن ابنِ شهابٍ، عن عُروَةَ، عن عائشةُ، قالت: تُوفِّيتْ خديجةُ قبل أن تُفرض الصلاةُ. وقد فرَّق بعضهم بين الإسراء والمعراج، فجعل المعراج إلى السماوات كما ذكره اللَّه في سورة النَّجم، وجعل الإسراء إلى بيت المقدسِ خاصةً، كما ذَكَره اللَّه في سورة (سبحان) وزَعَم أنهما كانا في ليلتين مختلفتين، وأن الصلوات قُرضت ليلةَ المعراج لا ليلةَ الإسراء. وهذا هو الذي ذكره محمدُ بن سَعْدٍ في "طبقاته " عن الواقديِّ بأسانيدَ له متعددة، وذَكَر أن المعراج إلى السماء كان ليلةَ السبت لسبعَ عشرةَ خَلَتْ من شهر رمضانَ قبل الهجرة بثمانيةَ عشرَ شهرًا من المسجد الحرام، وتلك الليلةَ فرُضت الصلواتُ الخمس، ونزل جبريل فصلى برسول اللَّه ﷺ -

стр. 1297

الصلوات في مواقيتها، وأن الإسراء إلى بيت المقدس كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من شهر ربيع الأولِ قبل الهجرة بسنةٍ، من شِعْبِ أبي طالب. وما بوَّب عليه البخاري أن الصلوات فرضت في الإسراء يدل على أن الإسراء عنده والمعراج واحد. واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) قال اللَّهُ تعالَى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) . قال أبو هريرةَ: الزبانيةُ: الملائكةُ. وقال عطاء: هم الملائكةُ الغلاظُ الشدادُ. وقال مقاتل: هم خزنةُ جهنَّمَ. وقال قتادةُ: الزبانيةُ في كلامِ العربِ: الشرطُ. وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ: الزبانيةُ رؤوسُهُم في الأرضِ وأرجلُهُم في السماءِ، خرَّجَهُ ابنُ أبي حاتم وخرجَ أيضًا بإسناده عن المنهالِ بنِ عمرو قالَ: إذا قالَ اللَّهُ تعالَى: (خُذُوهُ فَغلُّوهُ) ابتدرهُ سبعونَ ألفَ ملك، وإن الملكَ منهم ليقولُ هكذا، يعني: يفتحُ يديهِ، فيلقي سبعينَ ألفًا في النارِ. * * *

стр. 1298

سُورَةُ القَدْرِ قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) في "الصحيحينِ " عن أبي سعيد الخُدريّ ﵁، قال: كانَ رسول اللَّهِ ﷺ يعتكِفُ في العشرِ الأوسطِ من رمضانَ، فاعتكفَ عامًا، حتَّى إذا كانتْ ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهي الليلةُ التي يخرُجُ في صبيحتها من اعتكافِهِ. قال: "من كانَ اعتكفَ معي فليعتَكِفِ العشرَ الأواخِر، وقد أريتُ هذه الليلةَ ثم أنسيتُها، وقد رأيتُني أسجدُ في ماء وطين من صبيحتِها، فالتمسُوهَا في العشرِ الأواخرِ، والتمسوها في كلِّ وتر". فمطرتِ السَّماءُ تلكَ الليلةَ، وكان المسجدُ على عريشٍ، فوكفَ المسجدُ. فبصُرتْ عيناي رسول اللَّه ﷺ على جبهتهِ أثرُ الماءِ والطِّينِ من صُبح إحدى وعشرين، هذا الحديثُ يدل على أنَّ النبىَّ ﷺ كان يعتكفُ العشرَ الأوسطَ من شهرِ رمضانَ؛ لابتغاءِ ليلةِ القدرِ فيه، وهذا السِّياقُ يقتضِي أنَّ ذلك تكرَّر منه ﷺ . وفي روايةٍ في "الصحيحينِ " في هذا الحديثِ: أنه اعتكفَ العشرَ الأوَل،

стр. 1299

ثم اعتكفَ العشرَ الأوسطَ، ثم قالَ: "إني أُتيتُ، قيلَ لي: إنها في العشر الأواخر - فمن أحبَّ منكُم أن يعتكفَ فليعتِكفْ "، فاعتكفَ الناسُ معه. وهذا يدلُّ على أنَّ ذلكَ منه قبلَ أن يتبين لهُ أنَّها في العشر الأواخر، ثم لمَّا تبين له ذلك اعتكفَ العشرَ الأواخرَ حتَّى قبضَه اللَّه ، كما رواه عنه عائشة وأبو هريرة وغيرُهما. ورُوي أنَّ عمرَ ﵁ جمعَ جماعةً من الصحابةِ، فسألهم عن ليلةِ القدرِ، فقالَ بعضُهم: كنَّا نراها في العشرِ الأوسطِ، ثم بلغنا أنها في العشرِ الأواخر. وخرَّج ابنُ أبي عاصم في كتاب "الصيام " وغيرُه من حديث خالدِ بن محدُوج، عن أنيى: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "التمسُوها في أوَل ليْلَةٍ، أو في تسعٍ، أو في أربع عشرةَ". وخالدٌ هذا فيه ضعفٌ، وهذا يدلُّ على أنَّها تُطلبُ في ليلتين من العشرِ الأوَل، وفي ليلة من العشر الأوسطِ، وهي أربع عشرةَ، وقد سبق من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: "إن الإنجيلَ أنزِل لثلاث عشرة من رمضانَ ". وقد ورد الأمر بطلب ليلةِ القدْر في النصفِ الأواخرِ من رمضانَ. وفي أفراد ما بقي من العشرِ الأوسطِ من هذا النصف، وهما ليلتانِ: ليلةُ سبعَ عشرةَ، وليلةُ تسعَ عشرةَ. أمَّا الأولُ: فخرَّجه الطبراني، من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن أُنيسٍ، أنه سألَ النبيَّ ﷺ عن ليلةِ القدر، فقالَ: "رأيتُها ونسيتُها، فتحرَّها في النّصفِ الأواخرِ". ثم عادَ فسالهُ، فقال: "التمسْها في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين تَمضِي من الشهرِ". .

стр. 1300

ولهذا المعنى - واللَّهُ أعلمُ - كان أبيّ بن كَعب يقنُتُ في الوتر في ليالي النصف الأواخرِ؛ لأنَّه يُرجى فيه ليلةُ القدرِ. وأيضًا فكُلُّ زمانٍ فاضلٍ من ليلٍ أو نهار، فإنّ آخرَه أفضلُ من أوَّلِه، كيومِ عرفَةَ، ويومِ الجُمعة، وكذلك الليلُ والنَّهار عمومًا؛ آخِرُهُ أفضل من أوَّلهِ. ولذلك كانتِ الصلاةُ الوسطَى صلاةَ العصْر، كما دلَّتِ الأحاديثُ الصحيحةُ عليه، وآثار السَّلفِ الكثيرةُ تدُلُّ عليهِ، وكذلكَ عشرُ ذي الحجةِ والمحرمِ " آخرُهما أفضلُ من أوَّلهِمَا. وأمَّا الثاني: ففي "سننِ أبي داود" عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "اطلُبُوها ليلةَ سبع عشرةَ مِن رَمضانَ، وليلةَ إحدَى وعشرين، وليلةَ ثلاثٍ وعشرين "، ثم سكتْ. وفي روايةٍ: "ليلةَ تسعَ عشرةَ"، وقيلَ: إنَّ الصحيحَ وقْفُه على ابنِ مسعودٍ، فقد صحَّ عنه أنَّه قال: تحرُّوا ليلةَ القدْرِ ليلةَ سبعَ عشرةَ، صباحيَّةَ بدرٍ، أو إحدى وعشرين، وفي روايةٍ عنه، قالَ: "ليلةَ سبعَ عشرةَ، فإنْ لم يكن ففي تسعَ عشرةَ". وخرَّج الطبرانيُّ من روايةِ أبي المُهزِّم، وهو ضعيف، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، قال: "التمسُوا ليلةَ القدْرِ في سبعَ عشرةَ أو تسعَ عشرةَ، أو إحدى وعشرين. أو ثلاثٍ وعشرين، أو خمسٍ وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسعٍ وعشرين ". ففي هذا الحديثِ: التماسُها في أفرادِ النصفِ الثاني كلها، ويروى من حديثِ عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَ ﷺ كانَ إذا كان ليلةَ تسعَ عشرةَ من رمضانَ شدَّ المئزرَ وهجرَ الفراشَ حتى يُفطرَ. قال البخاريُّ: تفرَّد به عُمرُ بن مسكينٍ، ولا يتابع عليهِ، وقد رُويَ عن

стр. 1301

طائفة من الصحابةِ. إنَّها تُطلبُ ليلةَ سبعَ عشرةَ، وقالُوا: إن صبيحتَها كانَ يومَ بدرٍ، رويَ عن علي، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بنِ أرقمَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعمرِو ابنِ حريثٍ، ومنهم من رُويَ عنه، أنَّها ليلةُ تسعَ عشرةَ. رُوي عن علي، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بن أرقمَ. والمشهورُ عندَ أهلِ السِّيرِ والمغازي: أنَّ ليلةَ بدْرٍ كانتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ. وكانت ليلةَ جُمعةٍ، وروي ذلك عن علي، وابنِ عباسٍ وغيرهما، وعن ابنِ عباسٍ، رواية ضعيفة أنَّها كانت ليلةَ الاثنين. وكان زيد بن ثابتٍ لا يُحيي ليلةً من رمضان، كما يُحيى ليلةَ سبعَ عشرةَ. ويقول: إنَّ اللَّه فرَّق في صبيحتها بين الحقِّ والباطلِ، وأذلَّ في صبيحتها أئمةَ الكفرِ. وحكى الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن أهل المدينة: أنَّ ليلةَ القدْر تُطلبُ ليلةَ سبعَ عشرةَ، قال في رواية أبي داود فيمن قال لامرأته: أنت طالقٌ ليلة القدر، قال: يعتزلُها إذا دخلَ العشرُ، وقبل العشر، أهلُ المدينة يرونها في السبع عشرةَ، إلا أنَّ المثبتَ عن النبي ﷺ في العشْرِ الأواخر. وحكي عن عامر بن عبدِ اللَّهِ بن الزُّبيرِ: أنَّه كانَ يُواصِلُ ليلةَ سبعَ عشرةَ. وعن أهلِ مكةَ أنَّهمُ كانُوا لا ينامونَ فيها، ويعتمرونَ. وحُكِيَ عن أبي يوسُفَ ومحمد، صاحِبي أبي حنيفةَ: أنَّ ليلةَ القدْرِ في النصفِ الأواخرِ من رمضانَ من غيرِ تعيينٍ لها بليلةٍ، وإن كانتْ في نفسِ الأمرِ عندَ اللَّهِ مُعينةً. ورويَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قالَ: ليلةُ القدْرِ ليلةُ سبعَ عشرةَ، ليلةُ جمعة. خرَّجه ابنُ أبي شيبة. وظاهرُه أنَّها إنما تكونُ ليلةَ القدرِ إذا كانتْ ليلةَ جمعةٍ، لتُوافق ليلةَ بدرٍ، وروَى أبو الشيخ الأصبهاني بإسنادٍ

стр. 1302

جَيِّدٍ، عن الحسنِ، قالَ: إنَّ غلامًا لعثمانَ بنَ أبي العاص، قالَ لهُ: يا سيِّدي، إن البحرَ يعذُبُ في هذا الشهر في ليلةٍ، قال: فإذا كانتْ تلك الليلةُ فأعلِمني، قال: فلما كانتْ تلكَ الليلةُ أذنَه، فنظرُوا فوجدوه عذبًا، فإذا هي ليلةُ سبعَ عشرةَ. ورُويَ من حديثِ جابرٍ، قالَ: كان رسولُ اللَّه ﷺ يأتي قُباءً صبيحةَ سبعَ عشرةَ من رمضانَ، أيَّ يومٍ كان. خرَّجَه أبو موسى المدينيّ. وقد قيلَ: إنَّ المعراجَ كانَ فيها أيضًا، ذكرَ ابنُ سعدٍ، عن الواقديّ، عن أشياخِهِ: أنَّ المعراجَ كانَ ليلةَ السبتِ لسبعَ عشرةَ خلتْ من رمضانَ قبلَ الهجرة إلى السماءِ، وأن الإسراءَ كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من ربيع الأوَّل قبلَ الهجرةِ بسنةٍ إلى بيتِ المقدسِ، وهذا على قولِ مَن فرَّق بين المعراج والإسراءِ؛ فجعلَ المعراجَ إلى السَّماء، كما ذُكر في سورةِ النجم؛ والإسراءَ إلى بيتِ المقدسِ خاصَّةً، كما ذُكرَ في سورةِ سبحانَ. وقد قيلَ: إنَّ ابتداءَ نبوَّةِ النبيِّ ﷺ كان في سابعَ عشرَ رمضان، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: نزلَ جبريلُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ليلةَ السبتِ وليلةَ الأحدِ، ثم ظهر له بحراءَ برسالةِ اللَّهِ يومَ الاثنين لسبعَ عشرةَ خلتْ من رمضانَ. وأصحُّ ما روي في الحوادث في هذه الليلة أنَّها ليلةُ بدْرٍ. كما سبقَ أنَّها كانتْ ليلةَ سبعَ عشرَة. وقيلَ: تسعَ عشرةَ، والمشهورُ أنَّها كانتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ، كما تقدَّمَ. وصبيحتُها هو يومُ الفرقانِ، يوم التقى الجمعانِ، وسُمِّي يومُ الفرقانِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى فرَّق فيه بينَ الحقِّ والباطلِ، وأظهرَ الحقَّ وأهلَهُ على الباطلِ وحزْبهِ،

стр. 1303

وعلَتْ كلمةُ اللَّهِ وتوحيدُه، وَذُلَّ أعداؤهُ من المشركينَ وأهلِ الكتاب، وكان ذلكَ في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ؛ فإن النبيَّ ﷺ قدمَ المدينةَ في ربيع الأولِ في أول سنةٍ من سني الهجرةِ، ولم يُفرضْ رمضان في ذلكَ العامِ، ثم صامَ عاشوراءَ، وفُرضَ عليه رمضانُ في ثاني سنةٍ، فهو أوَّل رمضان صامهُ وصامَه المسلمون معه. ثم خرَجَ النبي ﷺ لطلبِ عيرٍ من قريش قدمتْ من الشامِ إلى المدينةِ في يوم السبتِ لاثنتي عشرةَ ليلةً خلتْ من رمضانَ، وأفطرَ ﷺ في خروجهِ إليها. قال ابنُ المُسيّب: قال عُمر: غزونَا مع رسولِ اللَّه ﷺ غزوتينِ في رمضانَ يومَ بدْرٍ، ويومَ الفتح، وأفطرنَا فيهما، وكان سببُ خروجِه حاجةَ أصحابِه، خصوصًا المهاجرين (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) . وكانتْ هذه العِيرُ فيها أموالٌ كثيرةٌ لأعدائِهِم الكفار الذينَ أخرجُوهم من ديارِهم وأموالِهم ظُلمًا وعُدوانًا، كما قالَ اللَّهُ تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) . فقصدَ النَبيُّ ﷺ أن يأخذ أموالَ هؤلاء الكفار الظالمين المعتدين على أولياءِ اللَّهِ وحزبه وجندهِ، فيردَّها على أولياءِ اللَّه وحزبهِ المظلومينَ المخرجينَ من ديارِهِم وأموالِهِم ليتقوُّوا بها على عبادةِ اللَّهِ وطاعتِهِ وجهادِ أعدائِهِ، وهذا مما أحلَّه اللَّهُ لهذه الأمَّة؛ فإنَّه أحلَّ لهم الغنائمَ، ولم تحل لأحدٍ قبلَهم، وكان عدَّةُ من معهُ ثلثمائة وبضعةَ عشرَ، وكانوا على عدَّةِ أصحابِ طالُوتَ الذين جازُوا معه النهرَ، وما جازَه معه إلا مؤمنٌ.

стр. 1304

وفي "سنن أبي داودَ" من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرو، قالَ: خرجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ بدر في ثلاثمائةِ وخمسةَ عشرَ من المقاتلةِ، كما خرجَ طالُوت، فدعا لهم رسولُ اللَّه ﷺ حينَ خرجُوا، فقالَ: "اللهمَّ، إنَّهم حُفَاةٌ فاحْملهُم، وإنَّهم عُراةٌ فاكسُهُم، وإنهم جياعٌ فأشبعْهُم ". ففتحَ اللَّهُ يومَ بدرٍ، فانقلبُوا حينَ انقلبوا وما فيهم رجلٌ إلا وقد رجع بجملِ أو جملين، واكتسوا وشبعُوا، وكان أصحابُ النبي ﷺ حين خرجُوا على غايةٍ من قلَّة الظهرِ والزاد؛ فإنَّهم لم يخرجوا مستعدين لحربٍ، ولا لقتالٍ، إنَّما خرجُوا لطلبِ العير، فكانَ معهُم نحو سبعينَ بعيرًا يعتقبونها بينهم، كُل ثلاثة على بعير. وكان للنبيِّ ﷺ زميلان، فكانوا يعتقبونَ على بعير واحدِ، فكان زميلاه يقولان لَهُ: يا رسولَ اللَّه، اركبْ حتَّى نمشيَ عنك، فيقولُ: ما أنتما بأقوَى على المشي منِّي، ولا أنا بأغنى عن الأجرِ منكُما، ولم يكنْ معهُمَا إلا فرسانِ، وقِيلَ: ثلاثة، وقيل: فر سٌ واحدٌ للمقدادِ. وبلغَ المشركينَ خروجُ النبيِّ ﷺ لطلبِ العيرِ، فأخذَ أبو سُفيان بالعِير نحو الساحلِ، وبعثَ إلى أهلِ مكَّة يخبرُهُم الخيرُ، ويطلبُ منهم أن ينفروا لحمايةِ عِيرهم، فخرجُوا مستصرخين، وخرجَ أشرافُهم ورؤساؤُهم، وسارُوا نحوَ بدْرٍ، واستشارَ النبيُّ ﷺ المسلمينَ في القتالِ فتكلَّم المهاجرونَ فسكتَ عنهُم. وإنما كانَ قصدُه الأنصارَ لأنَه ظنَّ أنَهم لم يبايعوه إلا على نُصْرته على من قصدهُ في ديارِهِم، فقام سعد بنُ عُبادةَ، فقالَ: إيَّانا تريدُ، يعني الأنصارَ. والذي نفسِي بيدِه، لو أَمرتَنا أن نَخِيضَها البحرَ لأخضناها، ولو أمرْتنا أن

стр. 1305

نضربَ أكبادَها إلى برك الغمادِ لفعلنا، وقال له المقدادُ: لا نقُول لكَ كمَا قالَ بنو إسرائيل لموسى: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ولكن نقاتلُ عن يمينِكَ وشمالك، وبينَ يديكَ، ومِن خلفكَ. فَسُرَّ النبيُّ ﷺ بذلك وأجمعَ على القتالِ. وبات تلكَ الليلةَ، ليلةَ الجمعةِ سابعَ عشرَ رمضانَ قائمًا يُصلّى ويبكِي ويدعُو اللَّه ويستنصرُهُ على أعدائِهِ. وفي "المسندِ" عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قالَ: "لَقَدْ رأيتُنا وما فينا إلا نائمٌ، إلا رسولُ اللَّهِ ﷺ تحتَ شجرة يُصلِّي ويبكي حتَى أصبحَ ". وفيه عنه أيضًا، قال: أصابنا طَشٌّ من مطرٍ، يعني ليلَةَ بدْرٍ، فانطلقنا تحتَ الشَّجرِ والحَجَفِ نستظلُّ بها من المطرِ، وبات رسولُ الله ﷺ يدعو ربَّهُ، ويقول: "إن تُهْلكْ هذه الفئةَ لا تُعْبَدْ". فلمَّا أن طلعَ الفجر نادى: الصلاةَ عبادَ اللَّهِ، فجاءَ الناسُ من تحت الشَّجر والحجفِ، فصلَّى بنا رسولُ اللَّه ﷺ . وحثَّ على القتال. وأمدَّ اللَّهُ تعالى نبيَّهُ والمؤمنينَ بنصرٍ من عندِه وبجند من جندِه، كما قالَ تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) .

стр. 1306

وفي "صحيح البخاريِّ " أنَّ جبريلَ قالَ للنبي ﷺ : "ما تَعُدُّون أهلَ بدرٍ فيكم؟ قال: " مِن أفْضَل المسلمين " أو كلمة نحْوَهَا، قال: وكذلك مَن شهِدَ بدْرًا من الملائكة". وقال اللَّهُ تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) . وقال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) . ورُوي أنَّ النبيَّ ﷺ لما رآهمُ قالَ: "اللهمََّ، إن هؤلاءِ قُريشٌ قد جاءتْ بخُيلائها يُكَذبون رسولَك، فانجِزْ لي ما وَعدْتَنِي ". فأتاه جبريلُ، فقال: "خُذْ قبضةً من تُراب فارمهم بها"، فأخذَ قبضةً من حصْباءِ الوادي فرمَى بها نحوَهم، وقال: "شاهتِ الوُجُوه " فلم يبقَ مُشركٌ إلا دخلَ في عينيهِ ومنْخرِه وفمه شيءٌ، ثم كانتِ الهزيمةُ. وقال حكيمُ بنُ حزامٍ: سمعنا يومَ بدرٍ صوتًا وقع من السَّماء كأنَّه صوتُ حصاةٍ على طَسْتٍ، فرمى رسول اللَّه ﷺ تلكَ الرَّميةَ، فانهزمنا، ولما قدمَ الخبرُ على أهلِ مكةَ قالُوا لمن أتاهُم بالخبرِ: كيفَ حالُ الناسِ؟ قال: لا شيءَ، واللَّهِ إن كانَ إلا أن لقيناهُم فمنحناهم أكتافنا. يقتلُونا ويأسرُونا كيفَ شاؤُوا، وأيْمُ اللَّهِ، مع ذلكَ ما لمتُ النَّاسَ، لقينا رجالاً على خيلٍ بُلق بين السَّماءِ والأرضِ ما يقومُ لها شيءٌ. وقتلَ الله صَّنَاديدَ كفارِ قريشٍ يومئذٍ، منهم عُتبةُ بنُ ربيعةَ، وشيبةُ. والوليدُ بنُ عتبةَ، وأبو جهلٍ، وغيرُهم، وأسرُوا منهم سبعينَ، وقصَّة بدرٍ يطولُ استقصاؤها، وهي مشهورةٌ في التفسيرِ وكتبِ الصحاح والسنن والمسانيدِ والمغازي والتواريخ وغيرها، وإنما المقصودُ هاهنا التنبيةُ على بعضِ مقاصدها.

стр. 1307

وكان عدوُّ اللَّه إبليسُ قد جاء إلى المشركينَ في صورةِ سُراقةَ بن مالكٍ. وكانت يدُهُ في يدِ الحارث بن هشامٍ، وجعل يُشجعهم ويعدُهم ويمنَيهم، فلمَّا رأى الملائكةَ هربَ وألقى نفسه في البحر. وقد أخبرَ اللَّهُ عن ذلك بقوله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) . وفي "الموطأ" حديثٌ مرسلٌ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ما رُؤِي الشَّيطانُ أحقرَ ولا أدحَر ولا أصغرَ من يوم عرفَةَ، إلا ما أُرِي يوْمَ بدر". قيل: وما رأى يومَ بدرٍ؟ قال: "رأى جبريلَ يزعُ الملائكة"، فإبليس عدوُّ اللَّهِ يسعَى جهدَه في إطفاءِ نورِ اللَّه وتوحيدهِ، ويُغرِي بذلك أولياءَه من الكفَّار والمنافقين، فلمَّا عجزَ عن ذلكَ بنصرِ اللَّهِ نبيَّه وإظهارِ دينه على الدِّينِ كُلِّه، رضِيَ بإلقاءِ الفتن بين المسلمينَ. واجْتَزَى منهُم بمحقرَاتِ الذنوبِ حيثُ عجزَ عن ردِّهم عن دينهِم؛ كما قالَ النبيُّ ﷺ : "إنَّ الشيطانَ قد أيسَ أن يعبدهُ المصلُّونَ في جزيرةِ العربِ، ولكن في التحريشِ بينَهمُ ". خرَّجهُ مسلمٌ من حديثِ جابرٍ، وخرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ عمروِ بنِ الأحوصِ، قالَ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ في حجةِ الوداع: "ألا أنَّ الشَّيطانَ قد أيسَ أن يُعبدَ في بلدكُم هذا أبدًا، ولكنْ سيكونُ له طاعةٌ في بعضِ ما تحتقرُون من أعمالُكم، فيرضَى بها".

стр. 1308

وفي "صحيح الحاكم " عن ابنِ عبَّاس أنَّ النبيَّ ﷺ خطبَ في حجةِ الوداع، فقال: "إنَّ الشيطان قد يئس أن يُعبدَ بأَّرَضكم، ولكنَّه يرضَى أن يُطاعَ فيما سِوى ذلكَ؛ فيما تحاقرونَ من أعمالِكم؛ فيرضَى بها فاحذَروا. يا أيُّها الناسُ، إنِّي قد تركتُ فيكم ما إنْ اعتصمتُم به فلن تضِلُّوا أبدًا: كتابَ اللَّه، وسُنَّةَ نبيِّه ﷺ ". ولم يعظم على إبليسَ شيء أكبرُ مِن بعثةِ محمدٍ ﷺ ، وانشارِ دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، فإنَّه أيسَ أن تعودَ أمّته كلُّهم إلى الشرك الاكبر. قال سعيدُ بنُ جُبَير: لمَّا رأى إبليسُ النبيَّ ﷺ قائمًا بمكَةَ يصلِّي رَنَّ، ولمَّا افتتح النبيُّ ﷺ مكَّةَ رَنَّ رنَّةً أخرى؛ اجتمعتْ إليه ذريته، فقال: ايئسوا أن تردوا أمَّة محمد ﷺ إلى الشرك بعدَ يومكم هذا، ولكن افتنُوهم في دينهم. وأفشُوا فيهم النوحَ والشِّعرَ. خرَّجَه ابنُ أبي الدنيا. وخرَّج الطبرانيّ بإسنادِه، عن مجاهدٍ، عن أبي هريرة، قال: "إنَّ إبليسَ رَنَّ لمَّا أُنزلتْ فاتحةُ الكتابِ، وأُنزِلَتْ بالمدينةِ". والمعروفُ هذا عن مجاهدٍ من قوله، قال: رنَّ إبليسُ أربعَ رنَّاتٍ: حينَ لُعنَ، وحينَ أُهبطَ من الجنَّة، وحينَ بُعثَ محمدٌ ﷺ ، وحين أُنزلت فاتحةُ الكتاب، وأُنزلتْ بالمدينة. خرَّجه وكيعٌ وغيرُه. وقال بعضُ التابعين: لمَّا أُنزلتْ هذه الآية ُ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) الآية. بكى إبليسُ، يشيرُ إلى شدَّةِ حزنهِ بنزولِها، لما فيها من الفرح لأهلِ الذنوبِ، فهو لا يزالُ في همٍّ وغمٍّ وحُزنٍ منذُ بُعثَ النبيُّ ﷺ لما رأى منه ومن أمَّتهِ ما يُهمُّه ويُغِيظُه.

стр. 1309

قال ثابت: لمَّا بُعثَ النبيُّ ﷺ ، قال إبليسُ لشياطينه: لقد حدثَ أمر فانظرُوا ما هُو، فانطلقُوا، ثم جاؤُوه، فقالُوا: ما ندري، قال إبليسُ: أنا آتيكم بالخبر، فذهبَ وجاءَ، قالَ: قد بُعثَ محمد ﷺ ، فجعل يُرسِلُ شياطينَه إلى أصحابِ النبيِّ ﷺ فيجيؤون بصُحفهم ليسَ فيها شيء، فقال: ما لكُم لا تُصيبون منهم شيئًا؛ قالوا: ما صحِبْنا قوما قطُّ مثلَ هؤلاءِ؛ نُصيبُ منهم ثم يقومونَ إلى الصلاةِ، فيُمْحَى ذلك، قالَ: رُويدًا! إنَّهُم عسَى أنْ يفتحَ اللَّهُ لهُمُ الدنيا، هنالكَ تُصِيبُون حاجَتكم منُهم. وعن الحسنِ، قالَ: قالَ إبليسُ: سَوَّلتُ لأمَّةِ محمدٍ المعاصِي، فقطعُوا ظهرِي بالاستغفارِ، فسوَّلتُ لهم ذنوبًا لا يستغفرونَ منها، يعني الأهواءَ. ولا يزالُ إبليسُ يرى في مواسم المغفرة والعتقِ من النار ما يسُوءُه؛ فيومُ عرفةَ لا يُرى أصغرَ ولا أحقرَ ولا أدحَر فيه منه؛ لما يرى من تنزُلِ الرَّحمةِ وتجاوُزِ اللَّهِ عن الذُّنوبِ العظامِ، إلا ما رُؤي يومَ بدْرٍ. وَرُويَ أنَّه لمَّا رأى نزولَ المغفرةِ للأمَّةِ في حجَّةِ الوداع يومَ النَّحرِ بالمزدلفةِ. أهوَى يحثِي على رأسِهِ الترابَ، ويدعوُ بالويل والثبور، فتبسَّم النبيُّ ﷺ ممَّا رأى من جزع الخبيثِ، وفي شهرِ رمضانَ يلطفُ اللَهُ بأمَّةِ محمدٍ ﷺ فيغلُّ فيه الشياطينَ ومردةَ الجنّ حتَّى لا يقدروا على ما كانُوا يقدرونَ عليه في غيره من تسويل الذنوب، ولهذا تقل المعاصي في شهر رمضان في الأمَّة لذلك. ففي "الصحيحين " عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا دَخلَ رمضانُ فُتحتْ أبوابُ السَّماءِ، وغُلِّقتْ أبوابُ جهنَّم، وسُلسلت الشَّياطينُ "،

стр. 1310

ولمسلم: "فُتحتْ أبوابُ الرَّحمةِ"، وله أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "إذا جاء رمضان فتِّحت أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقتْ أبوابُ النّار، وصُفِّدتِ الشياطينُ ". وخرَّج منه البخاري ذِكرَ فتح أبوابِ الجنَةِ. وللترمذي وابن ماجةَ عنه عن النبيِّ ﷺ ِ، قال: "إذا كان أوَّلُ ليلةٍ من شهر رمضانَ صُفِّدتِ الشَّياطينُ ومردةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النَّارِ، فلم يُفتح منها باب؛ وفُتحت أبوابُ الجنَّة، فلم يُغلَقْ منها بابٌ؛ ويُنادِي منادٍ: يا باغيَ الخير أقبلْ، ويا باغيَ الشر أقصِرْ، وللَّهِ عُتقاءُ من النّارِ، وذلك في كُلِّ ليلة". وفي رواية للنسائي: "وتُغَلُّ فيه مردةُ الشياطينِ ". وللإمامِ أحمد عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "أُعطِيتْ أمَّتي في رمضانَ خمسَ خصالٍ، لم تُعْطَه أمةٌ قبلَهم: خُلُوفُ فم الصَّائم أطيبُ عندَ اللَّه مِن ريح المِسْكِ، وتستغفرُ لهم الملاِئكةُ حتَى يُفطِروا، ويُزيِّنُ اللَهُ كُل يوم جنَّته، ثم يقولُ: يُوشِكُ عِبادِي الصالحون أن يُلقُوا عنهم المؤونَةَ والأذَى ويصيرُوا إليك، وتُصفَّدُ فيه مردةُ الشّياطينِ، فلا يخلُصُون فيه إلى ما كانوا يخلُصُون إليه في غيره، ويُغفرُ لهم في آخرِ ليلة". قيل: يا رسولَ اللَّه، أهِي ليلةُ القَدْرِ؟ قال: "لا، ولكنَّ العاملَ إنَّما يُوفَّى أجرَه إذا قضَى عملَه ". وفي ليلة القدر تنتشرُ الملائكةُ في الأرض، فيبطُلُ سُلطانُ الشَّياطِين، كما قال اللَّه تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) . وفي "المسند" عن أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ -

стр. 1311

أنه قال: "الملائكةُ تلك الليلة في الأرض أكثرُ من عدَدِ الحَصى". وفي "صحيح ابن حبَّان "، عن جابرٍ ﵁، عن النبي ﷺ قال في ليلةِ القدْرِ: "لا يخرجٌ شيطانُها حتَّى يخرُجَ فجرُها". وفي "المسند" من حديث عُبادةَ بن الصَّامت، عن النبيِّ ﷺ أنَه قال في ليلة القدر: "لا يَحِلّ لكَوكبِ أن يُرْمَى به فيها حتَّى يُصبحَ، وأن أمَارَتَها أنَّ الشَّمسَ تخرُجُ صبيحتَها مُستويةً ليسَ لهَا شُعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدْرِ، لا يحلُّ للشَّيطانِ أن يخرجُ معها يومئذ". ورُوِي عن ابن عبَّاسٍ ضى، قال: إنَّ الشيطان يطلُعُ مع الشَّمسِ كُلَّ يومٍ إلا ليلةَ القدرِ، وذلك أنَّها تطلُع لا شعاعَ لها. وقال مجاهدٌ في قوله تعالى: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) ، قال: سلام أن يحدُثَ فيها داءٌ أو يستطيعَ شيطانٌ العملَ فيها، وعنه قال: ليلةُ القدْرِ ليلة سالمة لا يحدثُ فيها داءٌ، ولا يُرسلُ فيها شيطان، وعنه قال: هي سالمةٌ لا يستطيعُ الشيطانُ أن يعملَ فيها سُوءًا، ولا يُحدثُ فيها أذىً. وعن الضحَّاك عن ابن عباس، قال: في تلك الليلة تصفدُ مردةُ الجنِّ، وتُغَلُّ عفاريتُ الجنِّ، وتُفتحُ فيها أبوابُ السماءِ كلُّها، ويقبلُ اللَّهُ فيها التوبةَ لكُلِّ تائبٍ؛ فلذلك قال: (سَلامٌ هِيَ حَتَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) . ويُروى عن أبي بن كعبٍ ﵁، قال: لا يستطيعُ الشَّيطانُ أن يُصيبَ فيها أحدًا بخبلٍ أو داءٍ أو ضربٍ من ضُرُوبِ الفسادِ، ولا ينفُذُ فيها سِحْرُ ساحِرٍ. ويُروى بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنسً مرفوعًا: "أنَّه لا تَسْرِي نجومُها، ولا تنبحُ كلابُها". وكل هذا يدُل على كفِّ الشياطين فيها عن انتشارِهم في الأرض،

стр. 1312

ومنعِهم من استراقِ السَّمع فيها من السَّماء. ابنَ آدَم، لو عرفتَ قدْرَ نفسكَ ما أهنتَها بالمعاصِي، أنتَ المختارُ من المخلوقات، ولك أُعدَّتِ الجنَّة، إن اتقيتَ فهي أقطاعُ المتقين، والدنيا أقطاعُ إبليس، فهو فيها من المنظرينَ، فكيفَ رضِيتَ لنفسِكَ بالإعراض عن أقطاعِكَ ومزاحمةِ إبليسَ على أقطاعِه، وأن تكونَ غدًا مَعَهُ في النَّار من جملة أتباعِهِ؛ إنَّما طردناهُ عن السَّماء لأجلك حيثُ تكبَّر عن السّجود لأبيك، وطلبْنا قربكَ " لتكونَ من خاصتنا وحزبنا، فعاديْتَنا وواليْتَ عَدُوَّنا. (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) . * * *

стр. 1313

سُورَة الزَّلزَلَة قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) وخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ من حديثِ ابنِ لَهيعةَ، قالَ: حدثني عطاءُ ابنُ دينارٍ. عن سعيدِ بنِ جُبير في قولِ اللَّه : (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) قالَ: كان المسلمونَ يرونَ أنَّهُم لا يُؤجرونَ على الشَّيءِ القليلِ إذا أَعطؤه، فيجيءُ المسكينُ، فيستقلُّون أن يُعطوه تمرةً وكِسرةً وجُوزةً ونحوَ ذلك، فيردُّونه، ويقولونَ: ما هذا بشيء، إنما نُؤجر على ما نُعطِي ونحنُ نحبُّه. وكانَ آخرونَ يرونَ أنَّهم لا يُلامونَ على الذَّنبِ اليسيرِ مثل الكذبةِ والنظرةِ والغيبةِ وأشباه ذلكَ، يقولونَ: إنَّما وعدَ اللَّهُ النارَ على الكبائرِ، فرغَّبهم اللَّهُ في القليلِ من الخيرِ أن يعملُوه، فإنَّه يُوشِكُ أن يكُثر، وحذرهُمُ اليسيرَ من الشرِّ، فإنَّه يُوشِكُ أن يكثُرَ فنزلتْ: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَةٍ) يعني: وزنَ أصغرِ النمل (خَيْرًا يَرَهُ) يعني في كتابِهِ، ويسُرُّهُ ذلكَ قال: يُكتب لكلِّ برً وفاجرٍ بكلِّ سيئةٍ سيئةٌ واحدةٌ، وبكلِّ حسنةٍ عشرُ حسناتٍ، فإذَا كانَ يومُ القيامةِ، ضاعفَ اللَّهُ حسناتِ المؤمنِ أيضًا بكلِّ واحده عشرًا، فيمحُو عنه بكلِّ حسنةٍ عشرَ سيئاتٍ، فمن زادتْ حسناتُه على سيئاتهِ مثقالَ ذرَّ، دخل الجنة. وظاهرُ هذا أنه تقعُ المقاصةُ بين الحسناتِ والسيئاتِ، ثم تسقطُ الحسناتُ

стр. 1314

المقابلةُ للسيئاتِ، ويُنظرُ إلى ما يفضُلُ منها بعدَ المقاصةِ، وهذا يُوافقُ قولَ منْ قال: بأنَّ من رجحتْ حسناتُه على سيئاته بحسنة واحد أُثيبَ بتلكَ الحسنةِ خاصة، وسقطَ باقِي حسناتِهِ في مقابلةِ سيئاتِهِ، خلافًا لمن قالَ: يُثابُ بالجميع، وتسقُط سيئاته كأنَّها لم تكنْ. وهذا في الكبائرِ، أمَّا الصغائرُ، فإنَه قد تُمحى بالأعمالِ الصالحةِ مع بقاءِ ثوابهِا، كما قالَ ﷺ : "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفعُ به الدرجاتِ: إسباغُ الوضوء على المكارِهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ". فأثبتَ لهذهِ الأعمالِ تكفيرَ الخطَايا ورفعَ الدرجات. وكذلكَ قولُه ﷺ : "مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له مائة مرة، كتبَ له مانةُ حسنةٍ، ومُحيتْ عنه مِائة سينةٍ، وكانتْ لة عدلَ عشرَ رقابٍ ". فهذَا يدل على أن الذكرَ يمحُو السيئاتِ، ويبقَى ثوابه لِعاملِهِ مضاعَفًا. وكذلك سيئاتُ التائبِ توبةً نصُوحًا تُكفرُ عنهُ، وتبقى له حسناتُه، كما قالَ اللَّهُ تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) . وقالَ : (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) .

стр. 1315

فلمَّا وصفَ هؤلاءِ بالتَّقوى والإحسانِ، دلَّ على أنَّهم ليسُوا بمصرِّين على الذُّنوبِ، بلَ هم تائبونَ مِنْهَا. وقوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) يدخلُ فيه الكبائرُ. لأنها أسوأُ الأعمالِ، وقالَ: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) فرتَّبَ على التقوى المتضمنةِ لفعلِ الواجباتِ وتركِ المحرَّمات. تكفيرَ السيئاتِ وتعظيمَ الأجرِ، وأخبرَ اللَّهُ عَن المؤمنين المتفكِّرين في خلق السماواتِ والأرض أنَّهم قالُوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) . وأخبرَ أنَّه استجابَ لهم ذلكَ، وأنَّه كفَّر عنهم سيئاتِهم، وأدخلهم الجناتِ. وقولُه: (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) فخصَّ الذنوبَ بالمغفرةِ. والسيئات بالتَّكفيرِ، فقد يقالُ: السيئاتُ تخصُّ الصغائرَ، والذنوبُ يرادُ بها الكبائر، فالسيئاتُ تكفر، لأن اللَّه جعل لها كفاراتٍ في الدنيا شرعيةً وقدريةً، والذنوبُ تحتاجُ إلى مغفرة تقي صاحبَها مِنْ شرِّها، والمغفرةُ والتكفيرُ متقاربانِ، فإنَّ المغفرةَ قد قيل: إنها سَتْرُ الذُّنوبِ، وقيلَ: وقايةُ شر الذنبِ مع سترِهِ، ولهذا يسمَّى ما سترَ الرأسَ ووقاهُ في الحربِ: مِغْفَرًا، ولا يسمَّى كلُّ ساترٍ للرأس مغفرًا، وقد أخبرَ اللَّهُ عن الملائكةِ أنَّهم يدعونَ للمؤمنينَ التائبينَ بالمغفرةِ ووقايةِ السيئاتِ والتكفيرِ مِنْ هذا الجنس، لأنَّ أصلَ الكفرِ السترُ والتغطيةُ أيضًا. وقد فرَّق بعضُ المتأخرينَ بينهما بأنَّ التكفيرَ محوُ أثرِ الذَّنب، حتَى كأنَّه لم

стр. 1316

يكنْ، والمغفرة تتضمن - مع ذلكَ - إفضالَ اللهِ على العبد وإكرامه، وفي هذا نظر. * * * دخلتِ امرأةٌ على عائشةَ، قد شُلَّت يدُها فقالتْ: يا أمَّ المؤمنينَ، بتُّ البارحةَ صحيحةَ اليدِ وأصبحتُ شلاء!! قالتْ عائشةُ: وما ذاك؟ قالتْ: كان لي أبوانِ موسرانِ، كانَ أبي يعطي الزكاةَ، ويُقْرِي الضيفَ، ويعطِي السائلَ، ولا يحقرُ من الخيرِ شيئًا إلا فعلَهُ، وكانتْ أمِّي امرأةً بخيلةً ممسكةً، لا تصنعُ في مالِهَا خَيرًا، فمات أبي ثم ماتتْ أمِّي بعدَ شهرين، فرأيتُ البارحةَ في منامِي أبي، وعندَهُ ثوبانِ أصفرانِ، بينَ يديه نهرٌ جار، قلتُ: يا أبته ما هذا؟ قال يا بنية: من يعملُ في هذه الدنيا خيرًا يره، هذا أعطانيه اللَهُ تعالى. قلتُ: فما فعلتْ أمِّي؟ قالَ: وقد ماتتْ أمُّكِ؟ قلتُ: نَعم، قالَ: هيهات عُدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذاتَ الشمالِ، فالتفتُّ عن شمالِي فإذا أنا بأمِّي قائمةٌ عريانةٌ مؤتزرةٌ بخرقةٍ، بيدِها شُحيمةٌ تنادي: وا لهفاه وا حزناه وا عطشاه!! فإذا بلغَهَا الجهدُ دلكتْ تلك الشحيمةَ براحتِهَا ثم لحسَتها، وإذا بينَ يديها نهر جارٍ، قلتُ: أيا أُمَّاه! ما لكِ تنادينَ العطشَ وبين يديكِ نهرٌ جارٍ؟ قالت: لا أتركُ أن أشربَ منه، قلتُ: أفلا أسقيكِ؟ قالتْ: وددتُ أنكِ فعلتِ، فغرفتُ لها غرفةً فسقيتُها، فلمَّا شربتْ نادَى مناد من ذاتِ اليمينِ: ألا من سَقَى هذه المرأةَ شُلَّت يمينُهُ، مرتينِ، فأصبحتُ شلاء اليمينِ، لا أستطيعُ أن أعملَ بيمِيني. قالتْ لها عائشةُ: وعرَفْتِ الخرقةَ؟ قالتْ: نعم يا أمَّ المؤمنينَ، وهي التي

стр. 1317

رأيتُها عليْهَا، ما رأيتُ أمي تصدَّقت بشيءٍ قط، إلا أنَّ أبي نحر ذاتَ يومٍ ثورًا، فجاءَهُ سائلٌ فعمدتْ أمِّي إلى عظم عليه شُحيمةٌ فناولتها إياهُ، وما رأيتُها تصدقتْ بشيءٍ إلا أنَّ سائلاً جاء يسألُ، فعمدت أمِّي إلى خرقةٍ فناولتْها إياهُ. فكبَّرتْ عائشةُ ﵂ وقالتْ: صدقَ اللَّهُ، وبلَّغَ رسولُهُ ﷺ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) . أخرَّجَه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه "الترغيب والترهيب " من طريق أبي الشيخ الأصبهاني الحافظ، بإسناد حسن. * * *

стр. 1318

سُورَةُ التَّكَاثُرِ قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) هذه النعم مما يُسئلُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة، ويُطالب به، كما قالَ : (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) . وخرَج الترمذيُّ وابنُ حبَّانَ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "إنَ أوَّلَ ما يُسألُ عنه العبد يومَ القيامة مِن النعيم، فيقولُ له: ألم نصحَّ لك جِسمَكِ ونُرْويكَ من الماءِ الباردِ؟ ". وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: النعيمُ: الأمنُ والصحةُ. ورويَ عنه مرفوعًا. وقال علي بن أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) ، قال: النعيمُ: صحَّةُ الأبدانِ والأسماع والأبصارِ، يسألُ اللَّهُ العبادَ: فيما استعملُوها؟ وهو أعلمُ بذلك منهم، وهو قولُه تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) . وخرَّجَ الطبرانيُّ من روايةِ أيوبَ بنِ عُتبةَ - وفيه ضعفٌ - عن عطاءٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : "من قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ، كانَ لهُ بها عهدٌ عندَ اللَّهِ، ومن قالَ: سبحانَ اللَهِ وبحمدِهِ، كتِبَ له بها مائةُ ألفِ حسنةٍ، وأربعةٌ وعشرونَ ألف حسنةٍ" فقالَ رجلٌ: كيفَ نَهلِكُ بعدَ هذا يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "إنَّ الرجلَ ليأتي يومَ

стр. 1319

القيامة بالعملِ، لو وُضِعَ على جبلٍ لأثقله، فتقومُ النِّعمَةُ مِن نِعم اللَّهِ، فتكاد أن تستنفدَ ذلك كلَّه، إلا أن يتطاول اللَّه برحمته ". وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ فيه ضعف - أيضًا - عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "يُؤتى بالنعمِ يومَ القيامةِ، وبالحسناتِ والسيئاتِ، فيقولُ الله لنعمةِ مِنْ نعمهِ: خذي حقكِ من حسناتِهِ فما تتركُ له حسنةً إلا ذهبتْ بِهَا". وبإسناده عن وهبِ بنِ منبهٍ، قالَ: عبدَ اللَّهَ عابدٌ خمسينَ عامًا، فأوحى اللَّهُ إليه: إنِّي قد غفرتُ لكَ، قال: يا ربِّ، وما تغفرُ لي ولم أذنبْ؟ فأذِنَ اللَّهُ لعرْقٍ في عنقه فضرب عليه، فلم ينم، ولم يُصلِّ، ثم سكنَ وقامَ، فأتاه مَلَكٌ، فشكا إليه ما لقيَ من ضربان العرقِ، فقالَ الملكُ: إنَّ ربَّك يقول: "عبادتُك خمسين سنة تعدلُ سكون ذا العرقِ ". وخرَّج الحاكمُ هذا المعنى مرفوعًا من روايةِ سليمانَ بنِ هرمٍ القرشيِّ عن محمدِ بنِ المنكدرِ عن جابر عن النبيِّ ﷺ : أن جبريل أخبرهُ أن عابدًا عبدَ اللَّهَ على رأسِ جبلٍ في البحرِ خمسَ مائةِ سنةَ، ثم سأل ربَّه أن يقبضهُ وهو ساجد، قال: فنحنُ نمُرُّ عليهِ إذا هبطْنَا وإذا عرَجنا، ونجدُ في العلمِ أنه يُبعث يومَ القيامةِ، فيوقف بينَ يدي الله ، فيقول الربُّ : أدخلوا عبدي الجنةَ برحمتِي، فيقولُ العبدُ: يا ربِّ، بعملِي، ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يقولُ اللَّهُ للملائكةِ: قايسُوا عبدِي بنعمَتي عليه وبعملِهِ، فيجدونَ نعمةَ البصرِ قد أحاطتْ بعبادَة خمسِ مائةِ سنةٍ، وبقيتْ نِعَمُ الجسدِ لهُ، فيقولُ: أدخلوا عَبْديَ النارَ، فيُجرُّ إلى النارِ، فينادِي رَبَّه: برحمتكَ أدخلني الجنةَ، برحمتكَ،

стр. 1320

فيدخلُه الجنةَ، قالَ جبريلُ: إنما الأشياء برحمةِ اللَّهِ يا محمد. وسُليمانُ بن هرمٍ، قال العقيليُّ: هو مجهولٌ وحديثُه غيرُ محفوظ. وروى الخرائطيُّ بإسناد فيه نظرٌ، عن عبدِ اللَهِ بن عمرٍو مرفرعًا: "يُؤتَى بالعبدِ يومَ القيامةِ، فيُوقَفُ بين يدي اللَّهِ، فيقولُ لملائكتهِ: انظرُوا في عملِ عبدِي ونعمتِي عليهِ، فينظرونَ فيقولونَ: ولا بقدْرِ نعمةٍ واحدةٍ من نِعَمكَ عليهِ، فيقولُ: انظروا في عملِهِ سيِّئه وصالحِهِ، فينظرونَ فيجدونَ كَفَافًا، فيقولُ: عبدِي، قد قبلتُ حسناتِك، وغفرتُ لك سيِّئاتِكَ، وقد وهبتُ لكَ نِعَمِي فيمَا بينَ ذلكَ ". * * *

стр. 1321

سُورَةُ الهُمَزَةِ قالّ اللَّهٍ تعالّى: (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) قال محمدُ بنُ كعبٍ القرظيّ في قولهِ: (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) قال: تأكُلهُ النارُ إلى فؤادِهِ، فإذا بلغتْ فؤادَهُ أنشئ خلقُهُ. عن ثابتٍ البنانيِّ أنه قرأ هذه الآيةَ ثم قال: تحرقُهُم إلى الأفئدةِ وهم أحياءٌ لقد بلغَ منهم العذابُ ثم يبكي. وقال اللَّه : (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) . قال صالحُ بن حيانَ عن ابنِ بريدةَ في قولهْ (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) قالَ: تأكلُ العظمَ واللحمَ والمخَّ ولا تذرُهُ على ذلك. وقال السديُّ: لا تُبقي من جلودِهم شيئًا ولا تذرُهُم من العذابِ. وقالَ أبو سنانَ: لا تذرُهُم إذا بُدِّلُوا خلقًا جديدًا. وقالَ أبو رزينٍ في قولهِ: (لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ) قال: تلفحُ وجههُ لفحةً تدعه أشدَّ سوادًا من الليلِ، قال قتادةُ (لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ) : حراقةٌ للجلدِ. خرَّجَه كلَّهُ ابنُ أبي حاتمٍ وغيره. وقال اللَّهُ تعالَى: (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) . قال: تحرقُ كلَّ شيءٍ منهُ ويبقى فؤادُهُ يصيحُ. وعن ابنِ زيدٍ قالَ: تقطَّعُ عظامُهُم ثم

стр. 1322

يجددُ خلقُهم وتبدلُ جلودُهم. وروى ابنُ مهاجرٍ عن مجاهدٍ في قوله: (نَزاعَةً لِّلشَوَى) تنزعُ الجلدَ، وعنه قالَ: تنزعُ اللحمَ ما دونَ العظم. * * * قوله تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) وقد وصفَ اللَهُ أبوابَها أنها مغلقة على أهلِهَا فقالَ: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) وقال تعالَى: (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ) . قال مجاهدٌ: هي بلغةِ قريشٍ: أصدَ البابَ أغلقَهُ يعني قولَهُ: (مُّؤْصَدَةٌ) وقالَ مقاتل: يعني أبوابها مطبقةً عليهم، فلا يفتحُ لها باب، ولا يخرجُ منها غمٌ، ولا يدخلُ فيها روحٌ آخرَ الأبدِ. وقد وردَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ خرَّجهُ ابنُ مردويه من طريقِ شجاع بنِ أشرسَ حدثنا شريكٌ، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) قال: "مطبقة"، ولكن رفعَهُ لا يصح. وقد خرَّجَهُ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في "تفسيره" عن شريكٍ بهذا الإسنادِ موقوفًا عن أبي هريرةَ، ورواهُ إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن أبي صالح من قولهِ ولم يذكرْ فيهِ أبا هريرةَ، وكذا قالَ عطاء الخراساني وغيرُه في "المؤصدةِ" أنها المطبقةُ. وعن الضحاكِ قالَ: حائطٌ لا بابَ لهُ، ومرادُه - واللهُ أعلمُ - أن الأبوابَ أطبقتْ فصار الجدارُ كانه لا بابَ لهُ، وقولُه تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) . معناه: أطبقت عليهم بعمدٍ، قال قتادة: وكذلك

стр. 1323

هو في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بعمد بالباءِ، قال عطيةُ: هي عمدٌ من حديدٍ في النارِ. وقالَ مقاتلٌ: أطبقتِ الأبوابُ عليهم ثم شدتْ بأوتادٍ من حديد حتى يرجعَ عليهم غمُّها وحرهُا. وعلى هذا فقوله: (مُمَدَّدَةٍ) صفة للعمدِ يعني أن العمدَ التي أوثقتْ بها الأبوابُ ممددة مطولة، والممدودُ الطويلُ أرسخُ وأثبتُ من القصيرِ. وفي "تفسيرِ العوفيِّ " عن ابنِ عباس في قولهِ: (فِي عَمَد مُّمَدَّدَةٍ) قالَ: هيَ عليهم مغلقةٌ أدخلهُم في عمد فمدتْ عليهِم بعمادٍ وفي أعناقِهم السلاسلُ فسدتْ به الأبوابَ وقيلَ: إن الممددةَ صفةٌ للأبوابِ. رواه شبيبُ بنُ بشير عن عكرمةَ عن ابنِ عباسِ وقيلَ: المرادُ بالعمدِ الممددةِ: القيودُ الطوالِ. رواهُ إسماعيلُ بنُ أبي خالدِ عن أبي صالح، ورواهُ أبو خبابُ الكلبيُّ عن زبيدٍ عن إبراهيمَ، قالَ: قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودِ في قولهِ تعالى: (فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَة) قالَ: هيَ الأدهمُ، وقد تقدَّم أن عبدَ اللَّهِ كانَ يقرؤُهَا بعمد والأدْهَمُ: القيدُ. وكذا قالَ ابنُ زيد في قولِه: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) قالَ: في عمدٍ من حديدٍ مغلولينَ فيه، وتلك العمدُ من نارِ قد احترقتْ من النارِ فهي ممددة لهم. وقيلَ: إن المرادَ بالعمدِ الممددةِ: الزمانُ الذي لا انقطاعَ له. قاله أبو فاطمةَ. وقال السدي: من قراهَا (فِي عَمَد) يعني بالفتح فهيَ عمد من نار، ومن قرأهَا في (عُمُد) يعني بالضَمِّ فهو أجل ممدود. وقال سعيدُ بنُ بشير عن قتادةَ: (مُّؤْصَدَة) أي: مطبقةٌ أطبقَهَا اللَّهُ عليهم فلا ضوءَ فيها ولا فرجَ ولا خروجَ منها آخرَ الأبدِ.

стр. 1324

وهذا الإطباقُ نوعانِ: أحدُهما: خاصٌّ لمن يدخلُ في النارِ أو مَن يريدُ التضييقَ عليهِ، أجارنا اللَّهُ من ذلكَ، قال أبو توبة اليزنيّ: إنَّ في النارِ أقوامًا مؤصدةٌ عليهم كما يطبقُ الحقُّ على طبقِهِ، خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ. والثاني: الإطباقُ العامُّ وهو إطباقُ النارِ على أهلِها المخلدينَ فِيهَا. وقد قالَ سفيانُ وغيرُه في قولِهِ تعالى: (لا يَحْزنهُمُ الْفَزَعُ الأَكبَرُ) قالوا: هو طبقُ النارِ على أهلِها. وفي حديثِ مسكينَ أبي فاطمةَ عن اليمانِ بنِ يزيدِ، عن محمدِ بن حميرِ. عن محمدِ بنِ عليِّ، عن أبيهِ، عن جدّهِ عن النبيّ ﷺ في خروج الموحدينَ من النارِ، قالَ: "ثم يبعثُ اللَهُ ملائكةً معهمُ مساميرُ من نارِ وأطباقُ من نار، فيطبقونَهَا على من بقي فيها ويسمرونَها بتلكَ المساميرِ، يتناساهمُ الجبارُ على عرشِهِ من رحمته، ويشتغلُ عنهم أهلُ الجنةِ بنعيمِهم ولذاتِهم " خرَّجهُ الإسماعيليُّ وغيره، وهو حديثٌ منكر؛ قاله الدارقطنيُّ. وروى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن سعيدِ بنِ جبيرِ، قالَ: ينادِيَ رجلٌ في شعبِ من شعابِ النارِ مقدارَ ألف عامِ، يا حَنَّان يا مَنَّان، فيقولُ اللَّهُ تعالى: يا جبريلُ أخرجْ عبدِي، فيجدُها مطبقةٌ، فيقولُ: يا رب إنَّها عليهم مطبقة مؤصدةٌ. وقال قتادةُ عن أبي أيوبَ العتكيُّ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو: إذَا أجابَ اللَّهُ أهلَ النارِ بقوله: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تكَتِمُونِ) أطبقتْ عليهم. فيئسَ القومُ بعدَ تلكَ الكلمةِ، وإن كانَ إلا الزفيرُ والشهيقُ.

стр. 1325

وقال أبو الزعراء عن ابنِ مسعودٍ: وإذا قيلَ لهمُ: (اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) أطبقتْ عليهم فلم يخرجْ منهم أحد. وقال أبو عمرانَ الجوني: إذا كانَ يومَ القيامةِْ أمرَ اللَّهُ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ. وكلِّ شيطانٍ مريدٍ، وبكلِّ من يخافُ في الدنيا شره العبيدِ، فأوثقُوا بالحديدِ. ثم أمرَ بهم إلى جهنَم التي لا تبيدُ، ثم أوصدَهَا عليهم ملائكةُ ربِّ العبيدِ. قالَ: فلا واللَّه لا تستقرّ أقدامُهم على قرارِ أبدًا، ولا واللَّهِ لا ينظرونَ فيها إلى أديمِ سماءٍ أبدًا، ولا واللَّهِ لا تلتقي جفونُ أعينهِم على غمضِ نومٍ أبدًا. ولا واللَّهِ لا يذوقونَ فيها باردُ شرابِ أبدًا. وفي معنى إطباقِ النارِ على أهلِهَا يقولُ بعضُ السلفِ ﵃: ألبسُوا النضيجَ من النحاسِ، ومنعوا خروجَ الأنفاسِ، فالأنفاسُ في أجوافِهِم تترددُ، والنيرانُ على أبدانِهم توقدُ، قد أطبقتْ عليهم الأبوابُ وغضبَ عليهم ربُّ الأربابِ، وأنشدَ بعضُهم في هذا المعنى: لو أبصرتْ عيناكَ أهلَ الشَّقَا. . . سِيقُوا إلى النارِ وقدْ أُحرِقُوا يَصْلَونَها حينَ عَصَوا ربهم. . . وخالفُوا الرسلَ وما صدَّقُوا تقولُ أخرَاهُم لأولاهُمُ. . . في لجج المهلِ وقد أغْرِقُوا قد كنتمُ حذرتمُ حرهَا. . . لكنْ من النيرانِ لم تَفْرَقُوا وجيءَ بالنيرانِ مزمُومةً. . . شَرَارُهَا مِنْ حولِهَا محرقُ وقيلَ للنيرانِ أنْ أحرِقي. . . وقيلَ للخزانِ أنْ أطبقُوا - وقد وردَْ في بعضِ أحاديثِ الشفاعةِ فتحُ بابِ النارِ، فخرجَ الطبرانيُّ من

стр. 1326

روايةِ الغباسِ بنِ عوسجةَ، حدثني مطر أبو مُوسى مولَى آل طلحةَ، عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : "إنَّى آتي جهنَّم فأضربُ بابَها، فيفتحُ لي فأدخُلها، فأحمدُ اللَّهَ بمحامد ما حمَدهُ بها أحدٌ قبلي مثلَهَا ولا يحمدُه أحدٌ بعدي، ثم أخرجُ منها من قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ مخلصًا، فيقومُ إليَّ ناسٌ من قريشٍ فينتسبونَ إليَّ، فأعرف نسبَهُم ولا أعرفُ وجوهَهُم فاتركهم في النارِ" إسنادُه ضعيفٌ. * * *

стр. 1327

سُورَةُ الفِيلِ قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) كانت قصَّةُ الفيلِ توطِئةً لنبوَّتِهِ وتقدمَةً لظُهوره وبعثتِهِ ﷺ ، وقد قصَّ اللَّه تعالى ذلك في كتابه فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) . فقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) استفهامُ تقريرٍ لِمن سمع هذا الخطابَ، وهذا يدُلُّ على اشتهارِ ذلكَ بينهم ومعرفتِهم به، وأنَّه ممّاً لا يخفَى علمُه على العربِ، خصوصًا قريش وأهل مكَّةَ، وهذا أمر اشتهرَ بينهُم وتعارفُوه، وقالوا فيه الأشعارَ السَّائرةَ. وقد قالتْ عائشة ﵂: رأيتُ قائدَ الفيلِ وسَائِسَهُ بمكَّةَ أعميينِ يستطعمانِ. وفي هذه القصَّة ما يدلُّ على تعظيم مكَّةَ، واحترامِها واحترامِ بيتِ اللَّه الذي فيها، وولادةُ النًّبيِّ ﷺ عقيبَ ذلك تدُلُّ على نبوَّته ورسالتهِ، فإنَّه ﷺ بعثَ بتعظيمِ هذا البيتِ وحجِّه والصلاة إليهِ، وكانَ هذا البلدُ هو موطِنه ومولده. فاضطرَّه قومُهُ عندَ دعوتِهِم إلى اللًّهِ تعالى إلى الخُروج منه كُرهًا بما نالوه منه

стр. 1328

مِنَ الأذَى، ثم إن اللَّه تعالى ظفَّرهُ بهم، وأدخلهُ عليهم قهرًا، فملكَ البلدَ عنوةً، وملكَ رقابَ أهلهِ، ثمَّ منَّ عليهِم وأطلقهم وعفا عنهم، فكانَ في تسليطِ نبيِّه ﷺ على هذا البلدِ وتمليكهِ إياه ولأمَّتهِ منْ بعدِهِ ما دلَّ على صحَّةِ نبوَّتهِ، فإنَّ اللَّهَ حبسَ عنه من يُريدُه بالأذى وأهلكهُ، ثم سلَّطَ عليه رسولهُ وأمَّتهُ كما قال ﷺ : "إنَّ اللَّه حبسَ عن مكَّةَ الفيلَ وسلَّطَ عليها رسولهُ والمؤمنينَ ". فإنَّ الرسولَ ﷺ وأُمته إنَّما كان قصدُهم تعظيمَ البيتِ وتكريمهُ واحترامَهُ. ولهذا أنكرَ النبيُّ ﷺ يومَ الفتح على منْ قال: اليومَ تُستحلُّ الكعبةُ، وقال: "اليومَ تُعظَّمُ الكعبةُ". وقد كان أهلُ الجاهليةِ غيَّروا دينَ إبراهيمَ وإسماعيلَ بما ابتدَعوه من الشِّركِ وتغييرِ بعضِ مناسكِ الحجِّ، فسلَّطَ اللَّهُ رسولهُ وأُمته على مكَّةَ فطهرُوها مِن ذلك كله، وردُّوا الأمرَ إلى دينِ إبراهيمَ الحنيفِ، وهو الذي دعا لهم مع ابنه إسماعيلَ عند بناءِ البيت أن يبعثَ اللَّه فيهم رسولاَ منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمةَ، فبعثَ اللَّهُ فيهم محمَّدًا ﷺ من ولدِ إسماعيلَ بهذه الصِّفةِ، فطهَّرَ البيتَ وما حولَه من الشِّركِ، وردَّ الأمرَ إلى دينِ إبراهيمَ الحنيفِ، والتوحيد الذي لأجلهِ بُنيَ البيتُ، كما قال تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) . وأمَّا تسليطُ القرامطةِ على البيتِ بعد ذلك، فإنَّما كانَ عقوبةً بسببِ ذنوبِ النَّاسِ، ولم يصلُوا إلى هدمِهِ ونقضِهِ ومنع النَّاسِ من حجّهِ وزيارتِهِ، كما كان يفعلُ أصحابُ الفيلِ لو قدرُوا على هدمِهِ وصرفِ النَّاسِ عن حجِّهِ،

стр. 1329

والقرامطةُ أخذُوا الحجرَ والبابَ، وقتلوا الحاجَّ وسلبُوهم أموالَهم، ولم يتمكّنوا من منع النَّاسِ من حجِّهِ بالكُليَّةِ، ولا قدرُوا على هدمِهِ بالكليةِ، كما كانَ أصحابُ الفيلِ يقصدُونهُ، ثم أذَلَّهم اللَّهُ بعدَ ذلكَ وخذلَهم وهتكَ أستارَهُم، وكشفَ أسرارَهُم. والبيتُ المُعظَّمُ باقٍ على حالِهِ من التَّعظيم، والزّيارة، والحجِّ والاعتمارِ. والصلاةِ إليه، لم يبطُلْ شيء من ذلك عنه بحمدِ اللَّهَ ومنِّهِ، وغايةُ أمرِهم أنَّهم أخافُوا حاجَّ العراقِ حتَّى انقطعُوا بعضَ السِّنين، ثم عادُوا، ولم يزلِ الَلَّهُ يمتحنُ عبادَهُ المؤمنينَ بما يشاءُ من المحن، ولكن دينه قائم محفوظٌ لا يزالُ تقومُ به أُمَّة من أُمَّةِ محمدٍ ﷺ لا يضرُّهُم منْ خذلَهم حتَّى يأتِيَ أمر اللَّهِ وهُمْ على ذلك، كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) . وقد أخبرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ هذا البيتَ يُحجّ ويُعتمرُ بعدَ خروج يأجوج ومأجوجَ، ولا يزالُ كذلك حتَّى تُخرّبهُ الحبشة، ويلقونَ حجارتهُ في البحر، وذلك بعدَ أنْ يبعثَ اللَّهُ ريحًا طيِّبةً تقبضُ أرواحَ المؤمنينَ كلِّهم، فلا يبقى في الأرضِ مؤمنٌ، ويسرَى بالقرآنِ من الصدُورِ والمصاحِفِ، فلا يبقَى في الأرضِ قراَنٌ، ولا إيمانٌ، ولا شيء مِن الخيرِ، فبعدَ ذلك تقومُ السَّاعةُ، ولا تقومُ إلا على شرارِ النَّاسِ. * * *

стр. 1330

سُورَةُ المَاعُون قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) وقد وردتْ آثار كثيرة عن السلفِ في تاركِ الصلاةِ عمدًا، أنَّه لا تُقبلُ منه صلاةٌ، كما رُوي عن الصدِّيقِ ﵁، أنَّه قالَ لعُمرَ في وصيتهِ له: إنَّ للَّهِ حقًّا باللَّيلِ لا يقبلُهُ بالنهارِ، وحقًّا بالنهارِ لا يقبلُهُ باللَّيلِ. يشيرُ إلى صلواتِ اللَّيلِ والنهارِ. وفي حديب مرفوع: "ثلاثةٌ لا يُقبلُ لهُمْ صلاة"، ذكرَ منهم: "الذي لا يأتي الصلاةَ إلا دبارًا" - يعني: بعدَ فواتِ الوقتِ. خرَّجه أبو داود وابنُ ماجةَ من حديثِ عبدِ اللَّه بن عمرو - مرفوعًا. وفي إسنادهِ ضعفٌ. ولكن مجرد نفي القبولِ لا يستلزمُ عدمَ وجوبِ الفعلِ، كصلاةِ السَّكرانِ في مدةِ الأربعينِ، وصلاةِ الآبقِ والمرأةِ التي زوجُها عليها ساخطٌ. فإنْ قِيلَ: فقد قالَ تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) . وفسَّره الصحابةُ بإضاعةِ مواقيتها. وكذَا قالَ ابنُ مسعودٍ في المحافظةِ على الصلاةِ: أي المحافظة على مواقيتها، وأنَّ تركَها كفر.

стр. 1331

ففرقُوا بين تركِها وبينَ صلاتِها بعدَ وقتِها. وقدْ أمرَ النبيُّ ﷺ بالصلاةِ خلفَ منْ أخبرَ أنه يضيعُ الصلاةَ ويُصلِّيها لغيرِ وقتِها، وهذا يدلُّ على أنَّ صلاتَهم صحيحةٌ. وقد سُئِلَ عنِ الأمراءِ وقتَالِهم؟ قالَ: "لا، مَا صَلَّوا، وكانتْ علَى هذا الوجهِ ". فدلَّ على إجزائِها. قيل: السهوُ عن مواقيتِ الصَّلاةِ لا يستلزمُ تعمد التأخيرِ عنِ الوقتِ الحاضرِ، فإنَّه قدْ يقعُ على وجهِ التهاونِ بتأخيرِ الصلاةِ حتَّى يفوتَ الوقتُ - أحيانًا - عن غيرِ تعمدٍ لذلك، وقد يكونُ تأخيرُها إلى وقتِ الكراهةِ، أو إلى الوقتِ المشتركِ الذي يجمعُ فيه أهلُ الأعذارِ عندَ جمهورِ العلماءِ، وغيرُهم على رأي طائفة من المدنيين. وهذه الصلاةُ كلُّها مجزِئةٌ، ولا يكونُ المصلِّي لها كالتاركِ بالاتفاقِ - وقد سُئَلَ سعيدُ بنُ جُبير، عن قوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) . فدخلَ المسجدَ، فرأَى قومَّاً قد أخَّروا الصلاةَ، لا يُتمُّونَ رُكُوعًا ولا سجُودًا، فقالَ: الذي سألْتَني عنهُم هُم هؤلاء. وهذه الصلاةُ مثلُ الصلاةِ التي سمَّاها النبيُّ ﷺ : "صلاة المنافقين ". وهكذا كانتْ صلاةُ الأمراءِ الذين أمرَ النبيُّ ﷺ بالصلاةِ خلفهم نافلةً، فإنَّهم كانوا يُؤخِّرُون العصرَ إلى اصفرارِ الشَّمسِ، ورُبَّما أخَّرُوا الصلاتينِ إلى ذلك الوقتِ، وهو تأخير إلى الوقتِ المشتركِ لأهلِ الأعذارِ، وكغيرِهم عندَ طائفةٍ من العلماءِ. فليسَ حُكمهُم حكمَ منْ تركَ الصلاةَ؛ فإنَّ التاركَ هو المُؤخِّرُ عمدًا إلى

стр. 1332

وقتِ مُجمع على أنَّه غيرُ جائز، كتأخيرِ صلاةِ اللَّيلِ إلى النهارِ، وصلاةِ النهارِ إلى اللَّيلِ عمدًا، وتأخيرِ الصبح إلى بعدِ طلوع الشمسِ عمدًا. * * *

стр. 1333

سُورَةُ النَّصْرِ قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) جاءَ في حديثٍ أنَّها: "تَعْدِل ربعَ القرآنِ ". وهيَ مدنية بالاتفاقِ؛ بمعْنَى: أنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى المدينةِ، وهِيَ مِنْ أواخرِ ما نَزَلَ. وفي "صحيح مسلم " عَن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: آخرُ سورةٍ نَزَلَت من القرآنِ جميعًا: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) . واختُلفَ في وقتِ نزولِهَا، فقيلَ: نزلتْ في السَّنَة الَّتي تُوفِّيَ فيهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ . وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" عَنْ محمدِ بنِ فُضيلٍ عَنْ عطاء عَنْ سعيدِ بنِ جبيرٍ عَنْ ابنِ عباسٍ قالَ: لما نزلَتْ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "نُعِيَتْ إليَّ نفسي " بأنَّه مقبوضٌ في تلكَ السنة. عطاءٌ هو ابنُ السائب اختلطَ بآخِرَةٍ.

стр. 1334

ويشهدُ لهُ مَا أخرجَهُ البزارُ في "مسندِهِ " والبيهقي مِنْ حديثِ موسى بنِ عبيدةَ عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ دينار وصدقةَ بنِ يسار عَنْ ابنِ عُمَرَ قال: نزلتْ هذه السورةُ علَى رسول اللَّهِ ﷺ بمنًى، وهوَ في أوسطِ أيامِ التشريقِ في حَجَّةِ الوداع (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فَعَرِفَ أنَّه الوداعُ، فأمرَ براحلتِهِ القصواءَ، فرُحلتْ لَهُ، ثمَّ ركبَ، فوقفَ للناسِ بالعقبةِ، فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ - وذكرَ خطبةً طويلة". هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، ومُوسى بنُ عبيدةَ قال أحمدُ: لا تحلُّ عِنْدِي الروايةُ عنْهُ. وعنْ قتادةَ قال: عاشَ رسول اللَّهِ ﷺ بَعْدَهَا سنتينِ. وهذا يَقْتَضِي أَنَّها نزلتْ قَبْلَ الفتح، وهذا هو الظاهرُ لأنَّ قولَهُ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يَدُلُّ دلالةً ظاهرة على أنَّ الفتحَ لم يكنْ قَدْ جاءَ بعدُ، لأنَّ "إذَا" ظرفٌ لِمَا يُستقبلُ مِنَ الزَّمانِ، هذا هو المعروفُ في استعمَالِهَا، وإنْ كانَ قَدْ قِيلَ: إنَّها تَجيءُ للماضِي كقولِهِ: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) . وقوله: (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) . وقدْ أُجيبَ عَنْ ذلكَ بأنَّه أُريدَ أَنَّ هذا شأنُهم ودأبهُم، لم يُرِدْ بِهِ الماضي بِخُصُوصِهِ، وسنذكرُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال بعد نزول هذهِ السورةِ: "جاءَ نصرُ اللَّهِ والفتح، وجاءَ أهلُ اليمنِ ". ومجيءُ أهْلِ اليَمَنِ كانَ قبلَ حَجَّةِ الوداع.

стр. 1335

قولُه تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) . أمَّا نصرُ اللَّهِ فهُوَ معونتُه علَى الأعداءِ حتَّى غَلَبَ النبيُّ ﷺ العربَ كلَّهم، واستولَى عليهِم مِنْ قريشٍ وهوازنَ وغيرِهم، وذكرَ النقَاشُ عنْ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النصرَ: هو صُلْحُ الحديبيةِ. وأمَّا الفتحُ فقيلَ: هُوَ فتحُ مكةَ بخصوصِهَا، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: لأنَّ العربَ كانتْ تنتظرُ بإسلامِهَا ظهورَ النبي ﷺ على مكةَ. وفي "صحيح البخاريِّ " عَنْ عمرِو بنِ سلمةَ قالَ: لمَّا كانَ الفتحُ بادَرَ كُلُّ قومٍ بإسلامِهِم إلى رسولِ اللَّه ﷺ وكانتِ الأحياءُ تلوَّمُ بإسلامِهَا فتحَ مكةَ فيقولونَ: دعُوهُ وقومَه، فإنْ ظهرَ عليهِم فهوَ نبي ﷺ . وعن الحسنِ قالَ: لمَّا فتحَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مكةَ، قالتِ العربُ: أمَّا إذا ظَفَر محمدٌ بأهلِ مكةَ، وقدْ أجارَهُمُ اللَّهُ مِنْ أصحابِ الفيلِ فليسَ لكم به يدانِ، فدخلُوا في دينِ اللَّهِ أفواجًا. وقيلَ: إنَّ الفتحَ يَعُمُّ مكةَ وغيرَها مما فُتِحَ بَعْدَهَا من الحصونِ والمدائنِ. كالطائفِ وغيرِها مِنْ مُدنِ الحجازِ واليمنِ وغيرِ ذلكَ، وهُوَ الذي ذكرهُ ابنُ عطيةَ. وقولُهُ: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا) . المرادُ بالنَّاسِ العمومُ على قولِ الجمهورِ، وعَنْ مقاتل: أنَّهم أهل اليمنِ. وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" مِنْ طريقِ شعبةَ عَنْ عمرِو بن مرةَ عَنْ أبي البَخْتريِّ عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ قالَ: لمّا نزلتْ هذه السورةُ:
следующие страницы →