وفي "مسند الإمامِ أحمدَ" عن معاذِ بنِ أنس: أن رجلاً قال:
يا رسول اللَّه، أيُّ الجهادِ أعظمُ أجْرًا؟
قال: "أكثرُهُم للَّه ذِكرًا" قال: فأيُّ الصائمين أعْظمُ أجْرًا؟
قال: "كثرُهُم للهِ ذِكْرًا".
قال: ثم ذكر الصلاة، والزكاة، والحج، والصدقة كلُّ ذلك ورسولُ اللَّه ﷺ يقول: " أكثرُهُم للَّه ذِكرًا".
فقال أبو بكر؛ يا أبا حفص، ذهب الذَّاكرون بكُلِّ خيرٍ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أجَل ".
وقد خرَّجه ابنُ المباركِ، وابنُ أبي الدنيا من وجوهٍ أُخَر مُرْسلةٍ، وفي
بعْضِها: أي الحاجّ خير؟
قال: "أكثرهم ذكرًا للَّه " وفي بعْضِها: أيُّ الحاجِّ أعظمُ
أجْرًا؟
قال: "أكثرهُم للهِ ذِكرًا" وذكر بقيةَ الأعمالِ بمعْنى ما تقدم، فهذا كُلُّه
بالنسبةِ إلى الحاج.
فأمَّا أهلُ الأمصارِ فإنَّهم يشاركون الحاجَّ في عشْرِ ذي الحجَّة، في الذكر.
وإعدادِ الهَدْي، فأمَّا إعدادُ الهَدْي فإنَّ العشْر تُعَدُّ فيه الأضاحي، كما يسُوقُ
أهلُ الموسم الهَدْي، ويُشاركونهم في بعضِ إحرامِهِمْ، فإنَّ منْ دخلَ عليه
العَشْرُ وأرادَ أنْ يُضحي، فلا يأخُذْ منْ شعرِهِ ولا منْ أظفارِهِ شيئًا، كما روتْ ذلك أمُّ سلمة عن النبي ﷺ .
خرَّج حديثَها مسلمٌ، وأخذَ بذلك الشافعي، وأحمدُ، وعامَّةُ فقهاءِ الحديثِ.
ومنهم منْ شرَطَ أنْ يكونَ قد اشترى هدْيَه قبْلَ العشْرِ.
وأكْثرُهُم لم يَشْرُطوا ذلك.
وخالف فيه مالكٌ، وأبو حنيفة، وكثير من الفقهاءِ، وقالوا: لا يُكره شيءٌ
стр. 1262
من ذلك، واستدلُّوا بحديث عائشةَ: "كُنْتُ أفتِلُ قلائدَ الهدْي لرسولِ اللَّه
ﷺ فلا يُحَرَّم عليه شيء أحلَّهَ اللَّهُ له ".
وأجابَ كئيرٌ منْ أهلِ القولِ الأولِ: بأنه يُجْمع بين الحديثينِ، فيؤخَذُ
بحديثِ أمّ سلمةَ فيمن يُريد أن يُضحّي في مصره، وبحديثِ عائشةَ فيمن
أرْسلَ بهَدْيه مع غيرِهِ، وأقام في بلدِهِ.
وكان ابنُ عمرَ إذا ضَحَّى يومَ النَّحْرِ حَلَقَ رأسه، ونصَّ أحمدُ على
ذلك.
* * *
قوله تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)
قال تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) والشَّفع ضدُّ الوتْرِ: فالوترُ: الفردُ
والشَّفع الزَّوْج.
ولهذا فُسِّرَ "الشَّفع " في الآية بالخَلْقِ، لأنَّ الخلقَ كُلَّهُ زوج، قال تعالى:
(وَمِن كلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) ، وقال: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) .
وفُسِّر "الوِتْرُ" باللَّه لأنَّه وِتْر يُحبُّ الوِتْر.
* * *
قوله تعالى (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) .
стр. 1263
قال اللَّه : (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) .
وقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) .
قال الربيعُ بنُ أنسٍ في قولِهِ: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى) قال:
كُشِفَ عنْها غِطَاؤها.
وقال تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) .
وروى العلاءُ بنُ خالد الكاهليُّ، عن أبي وائل، عن ابنِ مسعودٍ، عن
النبيِّ ﷺ قال:
"يُؤتى يومئذ بجهنَّم لها سبْعون ألفَ زِمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبْعون ألفَ
ملَك يجرُّونها" خرَّجه مسلمٌ من طريقِ حفصِ بنِ غياث، عن العلاءِ به.
وخرَّجه الترمذيُّ من طريقِ سفيانَ عن العلاءِ موقوفًا على ابنِ مسعودٍ، ورجَّح وقْفه العقيليُّ والدارقطنيُّ.
وخرَّج ابنُ أبي حاتم منْ طريقِ عُبيدِ اللَّهِ بنِ الوليدِ الوصافيُّ، عن عطيةَ.
عن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: لما نزلتْ هذه الآية: (وَجِيءَ يَوْمَئذٍ بِجَهَنَّمَ)
تغيَّر لونُ النبى ﷺ وعُرِفَ ذلك في وجْههِ حتَّى اشتدَّ ذلك على أصحابِهِ، فسألوه فقال:
"إنه جاءني جبريلُ فأقْرأني هذه الآيةَ "
قال: "كيف يُجاءُ بها؟
стр. 1264
قال: يَجيءُ بها سبْعونَ ألفَ ملَكٍ يقودونها بسبعينَ ألف زمامٍ تشرد مرة، لو تُركتْ لأحرقتْ أهلَ الجمع ومَنْ عليه، ثم تُعْرضُ جهنَّم فتقول: ما لي وما لكَ يا محمد، لقد حرَّمَ اللَّه لحْمَك عليَّ، فلا يبقى أحدٌ إلا قال: نفْسِي نفْسِي، ومحمدٌ ﷺ يقول: أُمَّتي
أُمَّتي " الوصافيُّ شيح صالحٌ لا يحفظ فكثرتِ المناكيرُ في حديثِهِ.
وخرَّج أبو يعلى الموصليُّ من حديثِ أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ الخدريَ
عن النبيِّ ﷺ قال:
"إذا جَمَع اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، يومَ القيامةِ أقبلتِ النارُ.
يركبُ بعضُها بعضًا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزةِ ربي لتخلُنَّ بيني وبين أزواجي أو لأغشينَّ الناسَ عنقًا واحدًا، فيقولون: مَنْ أزواجُكِ؟
فتقولُ: كل متكبِّرٍ جبَارٍ".
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديثِ الأعمشِ عن أبي صالح، عن
أبي هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ قال:
"يخرجُ يومَ القيامةِ عنقٌ من النارِ لها عينانِ تُبْصرانِ.
وأذنانِ تَسمعانِ، ولسان ينطقُ، تقولُ: إني وُكِّلتُ بثلاثةٍ: بكُل جبارٍ عنيدٍ، وبكلِّ مَنْ دعا مع اللَّه إلهًا آخرَ، وبالمصوِّرين "
وصحَّحه الترمذيُّ وقد قِيل: إنه ليسَ بمحفوظ
بهذا الإسنادِ، وإنَّما يرويه الأعمشُ عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ، فقد روى
الأعمشُ وغيرُ واحد عن أبي سعيدٍ، عن النبي ﷺ قال: "يخرجُ عنقٌ من النارِ يتكلمُ، يقولُ: وُكَلتُ اليومَ بثلاثةٍ: بكلّ جبارٍ عنيدٍ، ومن جَعَلَ مع اللهِ إلهًا آخرَ، ومنْ قتَلَ نفْسًا بغير نفسٍ، فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمراتِ جهنَّم "
خرَّجه الإمامُ أحمد، وخرَّجه البزار، ولفظُه:
"يخرجُ عنق من النارِ يتكلَّمُ بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ،
стр. 1265
لها عينانِ تُبصرُ بهما، ولها لسان تتكلَّم به، فتقولُ: إني أمرتُ بِمَنْ جعلَ مع اللَّه إلهًا آخر، وبكُلِّ جبار عنيد، وبِكُلِّ من قتل نفْسًا بغير نفسٍ، فتنطلقُ بهم قبْلَ سائرِ الناسِ بخمسمائة عامٍ "
وقد رُوي عن عطية عن أبي سعيدٍ موقوفًا.
وروى ابنُ لهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، عن القاسم، عن عائشة عن
النبيِّ ﷺ قال:
"يخرجُ عنقٌ من النارِ، فتنطوي عليهم وتتغيَّظُ عليهم، ويقول ذلك
العنقُ: وُكلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بمن دعا مع الله إلهًا آخر، ووكِّلتُ بمن لا يؤمن بيوم الحسابِ، ووكِّلتُ بكلِّ جبار عنيدٍ، فتنطوي عليهم، فتطرحُهُم في غمراتِ جهنَّم "
خرَّجه الإمامُ أحمدُ.
ورُوي عن شهرِ بنِ حوشب عن أسماءَ بنتِ يزيدَ عن النبي ﷺ قال:
"يخرجُ عنقٌ من النارِ فيظلّ الخلاتق كلَّهم، فيقولُ: أمرتُ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ، ومن زعم أنَه عزيزٌ كريم ومن دعا مع اللَّه إلهًا آخر".
ورواهُ أبو المنهالِ سيارُ بنُ سلامةَ عن شهرِ بنِ حوشبٍ عن ابنِ عباسٍ
موقوفًا، قالَ: إذا كان يومُ القيامة خرجَ عنق من النارِ فأشرفتْ على الخلائقِ
لها عينانِ تبصرانِ ولسان فصيحٌ تقولُ: إني وُكِّلتُ بكلِّ جبارٍ عنيد.
فتلقُطُهم من الصفوفِ فتحبسهم في نارِ جهنَّم، ثم تخرجُ ثانيًا فتقولُ: إنِّي
وكلتُ بمن آذَى اللَّه ورسولَه فلتقطُهم من الصفوف فتحبسُهُم في نارِ جهنَّم.
ثم تخرجُ ثالثةً، قال أبو المنهالِ: أحسبُ أنها قالتْ: إني وُكِّلتُ اليومَ
بأصحابِ التصاويرِ فتلقطُهُم من الصفوفِ فتحبسهم في نارِ جهنَّم.
وفي حديثِ الصورِ الطويلِ الذي خرَّجه إسحاقُ بنُ راهويه وأبو يعْلَى
الموصليُّ وغيرُهما بإسنادٍ فيه ضعف عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : "ثم يأمرُ
стр. 1266
اللَّهُ تعالى جهنَّم فيخرجُ منها عنق ساطعة مظلمة فيقولُ: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا
الْمُجْرِمُونَ) إلى قوله: (أَفَلَمْ تَكونُوا تَعْقِلُونَ) ".
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الشعبيِّ، عن أبي هريرة، قال:
"يُؤتَى بجهنَّم تقاد بسبعينَ ألف زمامٍ آخذٌ بكلِّ زمامِ سبعونَ ألفَ ملك، وهي تمايلُ عليهم حتَّى توقف عن يمينِ العرشِ، ويلقي اللَهُ عليها الذل يومئذٍ، فيوحِي اللَّهُ إليها ما هذا الذلُّ؟
فتقول: يا ربِّ أخافُ أن يكونَ لك فيَّ نقمةٌ، فيوحي
اللَّهُ إليها: إنما خلقتُكِ نقمة وليس لي فيك نقمةٌ، ويوحي اللَّهُ إليها فتزفرُ
زفرةً لا تبقي دمعةً في عين إلا جرتْ، ثم تزفرُ أخرى فلا يَبْقَى ملَكٌ مقربٌ
ولا نبي مرسلٌ إلا صعقَ، إلا نبيكم نبي الرحمة ﷺ يقولُ: "ياربِّ أُمَّتي أُمَّتي".
وروى عبدُ اللَّه بنُ الإمامِ أحمدَ بإسنادِهِ عن أبي عبدِ اللَّه الجدليِّ، عن
عبادة بن الصامتِ وكدب قالا: يخرجُ عنقٌ من النارِ فيقولُ: أمرتُ بثلاثة:
بمن جعلَ مع اللَّه إلهًا آخر، وبكلِّ جبارٍ عنيدٍ، وبكُل معتد، ألا إني أعرفُ
بالرجلِ من الوالد بولدِهِ والمولودِ بوالدِهِ.
* * *
[قالَ البخاريُّ] : حدثنا أبو اليمانِ: نا شُعَيْبٌ، عن الزُّهريِّ: أخبرني
سعيدُ بنُ المسيب وعطاءُ بنُ يزيد الليثي، أن أبا هريرة أخبرهما أنَّ الناس
قالوا: يا رسول اللَّه: هل نَرَى ربَّنا يومَ القيامة؟
قال: "هل تُمَارُون في القمر ليْلةَ البدْرِ ليس دُونَه سحابٌ "
قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: "هل تُمارُون في رؤيةِ
стр. 1267
الشمس ليس دونها سحابٌ؟ "
قالوا: لا.
قال: "فإنكم ترونه كذلك، يُحْشرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فيقولُ: مَنْ كان يعبدُ شيئا فليتَبعْهُ، فمنهم من يتبعُ الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمَّةُ فيها منافقوها، فيأتيهم اللهُ، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولون: هذا مكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عرفْنَاه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربُّكم فيقولون: أنت ربُّنا، فيدعوهم، ويُضْربُ الصراطُ بيْنَ ظهراني جهتم، فأكونُ أول من يجُوزُ من الرسلِ
بأمَّته، ولا يتكلَّمُ يومئذ أحدٌ إلا الرسل، وكلامُ الرسلِ يومئذ: اللَّهمَّ سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليبُ مثلُ شوْكِ السَّعدانِ، هل رأيتُم شوْك السَّعْدان؟! قالوا: نعم.
قال: "فإنها مثلُ شوْكِ السَّعْدان، كير أنه لا يعلمُ قدرَ عِظَمها إلا اللَّهُ، تخطفُ الناسَ بأعمالهم، فمنهم من يُوبقُ بعملِهِ، ومنهم من يُخَرْدَلُ، ثمَ ينْجُوا، حتى إذا أراد اللَّه رحمةَ من أرادَ منْ أهل النار، اْمرَ اللَهُ الملائكةَ أنْ يُخْرِجوا من النَّارِ منْ كان يعبُدُ اللَّه، فيُخْرِجُوهم ويعرفُونَهُم بآثارِ السجود.
وحرَّم اللَّهُ على النارِ أن تأكل أثر السجودِ، فيخْرُجون من النَارِ، فكُل ابنِ آدمَ تأكله النارُ إلا أثرَ السجودِ، فيخْرُجُون من النَّارِ قد امتحشوا، فيُصبُّ عليهم ماءُ الحياةِ فينبتونَ كما تنبُتُ الحبَّةُ في حميلِ السيل ".
وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ المشركينَ الذين كانوا يعبدونَ في الدنيا من
دون اللَّه آلهة يتبعون المهتَهم التي كانوا يعبدون يوم القيامة، فيردنهم النار.
كما قال تعالى في حقِّ فرعون: (يَقْدُمُ قوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) .
ويبقى من كان يعبدُ اللَّهَ وحدَه ظاهرًا، مؤمنًا كان أو منافقًا، فهؤلاءِ
стр. 1268
ينظرونَ من كانُوا يعبدونه في الدنيا، وهو اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له.
ففي هذا الحديث: أنَّ اللَّه يأتيهم أولَ مرة فلا يعرفونه، ثم يأتيهم في المرة
الثانية فيعرفونه.
وقد دلَّ القرآن على ما دلَّ عليه هذا الحديث في مواضعَ، كقوله
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ)
وقال: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ)
وقال: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) .
ولم يتأولِ الصحابة ولا التابعونَ شيئًا من ذلك، ولا أخرجُوه عن مدلوله.
بل رُوي عنهم ما يدلُّ على تقريرِه والإيمانِ به وإمرارِه كما جاء.
وقد رُوي عن الإمامِ أحمدَ، أنه قال في مجيئِهِ: هو مجيءُ أمرِهِ.
وهذا مما تفرَّدَ به حنبلٌ عنه.
فمن أصحَابنا من قال: وهِمَ حنبلٌ فيما رَوى، وهو خلافُ مذهبه المعروفِ
المتواتر عنه.
وكان أبو بكر الخلاَّلُ وصاحبُه لا يثبتان بما تفرد به حنبلٌ، عن أحمدَ
روايةً.
ومن متأخرِيهم من قال: هو روايةٌ عنه، بتأويلِ كلِّ ما كان من جنسِ
المجيءِ والإتيانِ ونحوهِما.
ومنهم من قال: إنَّما قال ذلك إلزامًا لمن ناظرَهُ في القرآن، فإنهم استدلُّوا
стр. 1269
على خلقِهِ بمجيءِ القرآنِ، فقال: إنَّما يجيءُ ثوابُهُ، كقولِهِ: (وَجَاءَ رَبُّكَ) .
أي: كما تقولون أنتم في مجيءِ اللَّه أنه مجيءُ أمر.
وهذا أصحُّ المسالكِ في هذا المرويِّ.
وأصحابُنا في هذا على ثلاثِ فرقٍ:
فمنهم من يثبتُ المجيءَ والإتيانَ، ويصرحُ بلوازمِ ذلك في المخلوقاتِ.
وربما ذكروه عن أحمدَ من وجوهٍ لا تصحُّ أسانيدُها عنه.
ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره.
ومنهم من يقرُّ ذلك، ويُمِرُّه كما جاء، ولا يفسِّره، ويقولُ: هو مجيءٌ
وإتيانٌ يليقُ بجلالِ اللَّه وعظمتِهِ سبحانه.
وهذا هو الصحيحُ عن أحمدَ، ومن قبلَه منَ السلفِ، وهو قولُ إسحاقَ
وغيرِه من الأئمةِ.
وكان السلفُ ينسبونَ تأويلَ هذه الآياتِ والأحاديثِ
الصحيحةِ إلى الجهميةِ.
لأن جهمًا وأصحابَهُ أولُ منِ اشتُهِرَ عنهم أنَّ اللَّه تعالى منزهٌ عما دلتْ
عليه هذه النصوصُ بأدلةِ العقولِ التي سمَّوْها أدلةً قطعيةً هي المحكماتُ.
وجعلُوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهاتُ، فعرضُوا ما فِيهَا على تلكَ
الخيالاتِ، فقبِلُوا ما دلَّتْ على ثبوتِهِ بزعمهم، وردُّوا ما دلتْ على نفيه
بزعمهم، ووافقَهم على ذلك سائرُ طوائفِ أهلِ الكلامِ من المعتزلةِ وغيرِهم.
وزعمُوا أنَّ ظاهرَ ما يدلُّ عليه الكتابُ والسنةُ تشبيهٌ وتجسيمٌ وضلالٌ.
واشتقُّوا من ذلك لمن آمنَ بما أنزل اللَّهُ على رسولِهِ أسماءً ما أنزلَ اللَّه بها من
стр. 1270
سلطان، بل هي افتراءٌ على اللَّه، ينفِّرون بها عن الإيمانِ باللَّه ورسولِهِ.
وزعمُوا أنَّ ما وردَ في الكتابِ والسنة من ذلك - مع كثرتِهِ وانتشارِهِ - من
بابِ التوسع والتجوزِ، وأنه يحملُ على مجازاتِ اللغةِ المستبعدةَ، وهذا من
أعظم أبوابِ القدح في الشريعةِ المحكمة المطهرةِ، وهو من جنسِ حملِ
الباطنيةِ نصوصَ الإخبارِ عن الغيوبِ كالمعادِ والجنَّة والنارِ على التوسع والمجازِ
دونَ الحقيقةِ، وحملِهم نصوصَ الأمرِ والنهي على مثلِ ذلك، وهذا كلُّه
مروق عن دينِ الإسلام.
ولم ينهَ علماءُ السلفِ الصالح وأئمةُ الإسلامِ كالشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهما
عن الكلامِ وحذَّرُوا عنه، إلا خوفًا من الوقوع في مثلِ ذلك، ولو علمَ هؤلاءِ الأئمةُ أنَّ حملَ النصوصِ على ظاهرِها كفر لوجبَ عليهم تبيينُ ذلك وتحذير الأُمَّة منه " فإنَّ ذلك من تمامِ نصيحة المسلمين، فكيفَ كان ينصحونَ الأُمَّةَ فيما يتعلقُ بالأحكامِ العملية ويدَعُون نصيحتَهم فيما يتعلقُ بأصولِ
الاعتقاداتِ، هذا من أبطلِ الباطلِ.
قال أبو عبد الرحمنِ السلميّ الصوفيُّ: سمعتُ عبد الرحمن بن محمد بن
جابر السلميَّ يقول: سمعتُ محمدَ بنَ عقيلِ بنِ الأزهرِ الفقيهَ يقولُ: جاء
رجلٌ إلى المزني يسأله عن شيءِ من الكلامِ، فقال: إنِّي أكرهُ هذا، بل أنْهى
عنه، كما نهَى عنه الشافعي؛ فإني سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: سئلَ الليث عن
الكلامِ والتوحيد، فقال مالكٌ: محالٌ أن يُظنَّ بالنبى ﷺ أنه علَّم أُمته الاستنجاءَ ولم يعَلمْهُمُ التوحيدَ، فالتوحيدُ ما قاله النبيُّ ﷺ :
"أمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولُوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالُوها عصموا مني دماءَهم وأموالَهم "
стр. 1271
فما عصَم الدمَ والمالَ فهو حقيقةُ التوحيدِ. انتهى.
وقد صحَّ عن ابنِ عباسٍ أنه أنكر على من استنكرَ شيئًا من هذه
النصوصِ، وزعمَ أنَّ اللَّه منزهٌ عما تدلُّ عليه.
فروى عبدُ الرزاقِ في "كتابِهِ " عن معمر، عن ابنِ طاووسَ، عن أبيه.
قال: سمعتُ رجلاً يحدِّثُ ابنَ عباسٍ بحديثِ أبي هريرة: "تحاجَّتِ الجنةُ
والنارُ"، وفيه: "فلا تمتلئُ حتَى يضع رِجْله " - أو قال: "قدمَهَ فيها"
قال: فقامَ رجلٌ فانتفضَ، فقال ابنُ عباسٍ: ما فرقُ هؤلاءِ، يجدونَ رقةً عند محكمِهِ، ويهلكُون عند متشابهه.
وخرَّجه إسحاقُ بنُ راهويه في "مسندِهِ " عن عبدِ الرزاق.
ولو كانَ لذلكَ عندَهُ تأويل لذكرهُ للناسِ ولم يسعْه كتمانُه.
وقد قابَل هؤلاءِ المتكلمينَ طوائف آخرون، فتكلَّموا في تقريرِ هذه
النصوصِ بأدلة عقلية، وردُّوا على النفاةِ، ووسَّعوا القولَ في ذلك، وبيَّنوا أن لازَم النَّفْي التعطيلُ المحضُ.
وأما طريقةُ أئمة أهلِ الحديثِ وسلفِ الأمَّة: فهي الكفُّ عن الكلامِ في
ذلك من الطرفينِ، وإقرارُ النصوصِ، وإمرارِها كما جاءتْ، ونفي الكيفيةِ
عنها والتمثيلِ.
وقد قال الخطابيُّ في "الأعلامِ": مذهبُ السلفِ في أحاديثِ الصفاتِ:
الإيمانُ، وإجراؤها على ظاهرِها، ونفيُ الكيفيةِ عنها.
стр. 1272
ومن قال: الظاهرُ منها غيرُ مرادٍ، قيلَ له: الظاهرُ ظاهرانِ: ظاهرٌ يليقُ
بالمخلوقينِ ويختصُّ بهم، فهو غيرُ مراد، وظاهرٌ يليقُ بذي الجلالِ والإكرامِ.
فهو مرادٌ، ونفيهُ تعطيلٌ.
ولقد قال بعضُ أئمةِ الكلامِ والفلسفةِ من شيوخ الصوفيةِ الذي يحسنُ به
الظنَّ المتكلمونَ: إن المتكلمينَ بالغُوا في تنزيهِ اللَّهِ عن مشابهةِ الأجسامِ.
فوقعُوا في تشبيهه بالمعاني، والمعانِي محدَثةٌ كالأجسامِ، فلم يخرجُوا عن
تشبيهه بالمخلوقاتِ.
وهذا كلُّه إنَّما أتى من ظنِّ أن تفاصيلَ معرفةِ الجائزِ على اللَّه والمستحيلِ
عليه يُؤخذُ من أدلةِ العقولِ، ولا يُؤخذُ مما جاءَ به الرسولُ.
وأمَّا أهلُ العلم والإيمانِ، فيعلَمون أنَّ ذلك كلَّه متلقًى مما جاء به الرسولُ ﷺ وأنَّ ما جاءَ به من ذلك عن ربِّه فهو الحقُّ الذي لا مزيدَ عليه، ولا عدولَ عنه، وأنه لا سبيل لتلقي الهُدى إلا منه، وأنه ليس في كتاب اللَّه ولا سنة رسولِهِ الصحيحة ما ظاهرُه كفرٌ أو تشبيهٌ أو مستحيلٌ، بل كلُّ ما أثبته اللَّهُ لنفسِهِ، أو أثبته له رسولُهُ ﷺ ، فإنه حق وصدقٌ، يجبُ اعتقادُ ثبوتِهِ مع نفْي التمثيلِ عنه، فكما أنَّ اللَّهَ ليس كمثلِهِ شيء في ذاتِهِ، فكذلك في صفاتِهِ.
وما أُشكلَ فهمُهُ من ذلك، فإنه يقالُ فيه ما مدَح اللَّه الراسخينَ من أهل
المحلم، أنهم يقولون عند المتشابهاتِ: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
وما أمر به رسولُ الله ﷺ في متشابِهِ الكتابِ، أنه يُردُّ إلى عالمِهِ، واللَّهُ يقول الحقَّ ويهدي السبيلَ.
стр. 1273
وكلمةُ السلفِ وأئمةِ أهلِ الحديثِ متفقة على أنَّ آياتِ الصفاتِ وأحاديثَها
الصحيحةَ كلَّها تُمَر كما جاءتْ، من غير تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، ولا تحريفٍ ولا
تعطيلٍ.
قال أبو هلالٍ: سأل رجل الحسنَ عن شيءٍ من صفة الربِّ .
فقال: أمِرُّوها بلا مثال.
وقال وكيع: أدركتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالد وسفيانَ ومِسْعرًا، يحدِّثون
بهذه الأحاديثِ، ولا يفسِّرون شيئًا.
وقال الأوزاعيُّ: سُئلَ مكحولٌ والزهريُّ عن تفسيرِ هذه الأحاديثِ، فقالا:
أمِرَّها على ما جاءتْ.
وقال الوليدُ بنُ مسلم: سألتُ الأوزاعيَّ ومالكًا وسفيانَ وليثًا عن هذه
الأحاديثِ التي فيها الصفةُ والقرآنُ، فقالوا: أمِرُّوها بلا كيفٍ.
وقال ابنُ عيينةَ: ما وصفَ اللَّهُ به نفسَهُ فقراءتُهُ تفسيرُه، ليسَ لأحدٍ أن
يفسرَهُ إلا اللَّهُ .
وكلامُ السلفِ في مثلِ هذا كثير جدًّا.
وقال أشهبُ: سمعتُ مالكًا يقولُ: إيَّاكم وأهلَ البدع.
فقيلَ: يا أبا عبد اللَّه، وما البدعُ؟
قال: أهلُ البدع الذين يتكلمونَ في أسماءِ اللَّه وصفاتِهِ
وعلمِهِ وقدرتِهِ ولا يسكتونَ عما سكتَ عنه الصحابةُ والتابعونَ لهم بإحسانٍ.
خرَّجه أبو عبد الرحمن السلميُّ الصوفيُّ في كتابِ "ذمِّ الكلامِ ".
стр. 1274
وروى - أيضًا - باسانيدِهِ ذمَّ الكلامِ وأهلِهِ عن مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأبي
يوسُفَ، ومحمدٍ وابن مهدي، وأبي عبيدِ، والشافعيِّ، والمزنيِّ، وابن خزيمة.
وذكر ابنُ خزيمةَ النهيَ عنه عن مالكٌ والثوريِّ والأوزاعي والشافعي وأبي
حنيفةَ وصاحبيه وأحمدَ وإسحاقَ وابنِ المبارك ويحعى بنِ يحيى ومحمد بنِ
يحى الذُّهليِّ.
وروى السلميّ - أيضًا - النهيَ عن الكلامِ وذمَّه عن الجنيدِ وإبراهيم
الخواصِ.
فتبيَّنَ بذلك أن النهي عن الكلامِ إجماعٌ من جميع أئمةِ الدين من المتقدمينَ
من الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ والصوفيةِ، وأنه قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيَ
وأحمد وإسحاقَ وأبي عبيدٍ وغيرِهم من أئمة المسلمينَ.
ومن جملة صفاتِ اللَّه التي نؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءتْ عندهم:
قولُه تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) ونحو ذلك مما دلَّ على إتيانه
ومجيئهِ يومَ القيامة.
وقد نصَّ على ذلكَ أحمدُ وإسحاقُ وغيرُهما.
وعندهما: أن ذلك من أفعالِ اللَّه الاختياريةِ التي يفعلُها بمشيئَتِهِ واختيار.
وكذلك قالَه الفضيلُ بنُ عياضٍ وغيرُه من مشايخ الصوفيةِ أهلِ المعرفةِ.
وقد ذكرَ حربٌ الكرْمانيُّ أنه أدركَ على هذا القولِ كلَّ مَن أخذَ عنه العلمَ
في البلدانِ، وسمى منهُم: أحمدَ وإسحاقَ والحميدي وسعيدَ بنَ منصورٍ.
وكذلكَ ذكرَه أبو الحسنِ الأشعريِّ في كتابِهِ المسمَّى بـ "الإبانة"، وهو من
أجلِّ كتبِهِ، وعليه يعتمدُ العلماءُ وينقلُون منه، كالبيهقي وأبي عثمان الصابونيِّ
стр. 1275
وأبي القاسم ابنِ عساكرٍ وغيرِهم.
وقد شرحَهُ القاضي أبو بكرِ ابنُ الباقلانيِّ.
وقد ذكرَ الأشعريُّ في بعص كتبِهِ أن طريقةَ المتكلمينَ في الاستدلالِ على
قدَمِ الصانع وحدوثِ العالَم بالجواهرِ والأجسامِ والأعراضِ محرمةٌ عندَ علماء
المسلمين.
وقد رُوي ذمُّ ذلك وإنكارُه ونسبتُه إلى الفلاسفة عن أبي حنيفةَ.
وقال ابن سريج: توحيدُ أهلِ العلم وجماعةِ المسلمين: الشهادتان.
وتوحيدُ أهلِ الباطنِ من المسلمينَ: الخوضُ في الأعراضِ والأجسامِ، وإنَّما
بُعِث النبيُّ ﷺ بإنكارِ ذلك.
خرَّجه أبو عبد الرحمن السلمي.
وكذلك ذكره الخطابيُّ في رسالتهِ في "الغنية عن الكلامِ وأهلِهِ ".
وهذا يدلُّ على أن ما يؤخذُ من كلامِهِ في كثيرٍ من كتبِهِ مما يخالفُ ذلك
ويوافقُ طريقةَ المتكلمينَ فقد رجعَ عنه، فإن نفيَ كثيرٍ من الصفاتِ إنما هو
مبنيٌ على ثبوتِ هذه الطريقةِ.
قال الخطابيُّ في هذه الرسالةِ في هذه الطريقةِ في إثباتِ الصانع: إنما هو
شيءٌ أخذهُ المتكلمونَ عن الفلاسفةِ، وإنما سلكتِ الفلاسفةُ هذه الطريقةَ لأنهم لا يُثبتون النبوَّاتِ ولا يرون لها حقيقةً، فكان أقوى شيءٍ عندَهم في الدلالةِ على إثباتِ هذه الأمورِ ما تعلَّقوا به من الاستدلالِ بهذه الأشياءِ، فأمَّا مثبتو النبوَّاتِ، فقد أغناهم اللَّهُ عن ذلك، وكفاهم كلفةَ المؤنةِ في ركوبِ هذه الطريقةِ المتعرِّجةِ التي لا يُؤمَنُ العنتُ على مَن ركبَها، والإبداع والانقطاعُ
стр. 1276
على سالِكها.
ثم ذكرَ أن الطريقَ الصحيحةَ في ذلك: الاستدلالُ بالصنعةِ على صانعها.
كما تضمَّنه القرآنُ، وندب إلى الاستدلالِ به في مواضعَ، وبه تشهدُ الفطرُ
السليمةُ المستقيمةُ.
ثم ذكر طريقتَهم التي استدلُّوا بها، وما فيها من الاضطراب والفسادِ
والتناقضِ والاختلافِ.
ثم قال: فلا تشتغلْ - رحمكَ اللَّهُ - بكلامهِم، ولا تغترَّ بكثرةِ مقالاتهم.
فإنَّها سريعةُ التهافتِ، كثيرةُ التناقضِ، وما من كلامٍ تسمعُه لفرقة منهم إلا
ولخصومِهِم عليه كلامٌ يوازيه ويفارقُه، فكل بكلٍّ معارضٌ، وبعضهم ببعضٍ
مقابلٌ.
قال: وإنَّما يكونُ تقدُّمُ الواحدِ منهم وفلجه على خصمِهِ بقدرِ حظّه من
الثبات والحذقِ في صنعةِ الجدالِ والكلامِ، وأكثرُ ما يظهرُ به بعضُهم على
بعضٍ إَنّما هو إلزامٌ من طريقِ الجدلِ على أصولِ مؤصلة لهم، ومناقضات
على مقالاتٍ حفظُوها عليْهم [. . .] (١) تقودها وطردها، فمَّنَ تقاعدَ عن شيءَّ
مَنها سمَّوْه من طريقِ [. . .] (١) جعلوه مبطلاً، وحكموا بالفلج لخصمِه عليه.
والجدلُ لا يقومُ به حقٌّ [. . .] (١) به حجة.
وقد يكون الخصمانِ على مقالتينِ مختلفتينِ، كلاهما باطل، ويكونُ
الحقُّ في ثالث غيرهما، فمناقضةُ أحدِهما صاحبَه غيرُ مصحِّح
مذهبَه، وإن كانَّ مَفسدًا به قولَ خصمِهِ، لأنهما مجتمعان معًا في الخطأ.
стр. 1277
مشتركان فيه، كقول الشاعر:
حُجَج تهَافَتُ كالزَّجاج (١) تخَالُها. . . حقًّا وكُلٌّ واهِن مكسُورُ
ومتى كان الأمرُ كذلك، فإنَّ أحدًا من الفريقينِ لا يعتمدُ في مقالتِه التي
نصرَها أصلاً صحيحًا، وإنَّما هو أوضاع وآراءُ تتكافأ وتتقابلُ، فيكثر المقالُ، ويدومُ الاختلافُ، ويقلُّ الصوابُ، كما قال تعالى:
(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) ، فأخبرَ تعالى أنَّ ما كثرَ فيه الاختلافُ فليسَ من عندِهِ، وهو من أدلِّ الدليلِ على أنَّ مذاهبَ المتكلمين مذاهبُ فاسدة، لكثرة ما يوجدُ فيها من الاختلافِ المفضي بهم إلى التكفيرِ والتضليلِ.
وذكرَ بقيةَ الرسالةَ، وهي حسنة متضمِّنة لفوائدَ جليلةٍ، وإنما ذكرْنا هذا
القدرَ منها ليتبيَّن به أنَ القواعدَ العقليةَ التي يدَّعي أهلُها أنه قطعيات لا تقبلُ
الاحتمالَ، فتردُّ لأجلِها - بزعمِهم - نصوصُ الكتابِ والسنةِ وتصرفُ عن
مدلولاتها، إنما هي عندَ الراسخينَ شبهاتٌ جهلياتٌ، لا تساوِي سماعَها، ولا
قراءتَها، فضلاً عن أنْ يُردَّ لأجلها ما جاءَ عن اللَّه ورسولِهِ، أو يحرفَ شيء
من ذلك عن مواضعِهِ.
وإنَّما القطعياتُ ما جاءَ عن اللَّهِ ورسولِهِ من الآياتِ المحكماتِ البينات.
والنصوصِ الواضحاتِ، فتردُّ إليها المتشابهاتُ، وجميعُ كتبِ اللَّه المنزلةِ متفقة
على معنًى واحدٍ، وإن ما فيها محكماتٌ ومتشابهاتٌ، فالراسخونَ في العلم
يؤمنونَ بذلك كلِّه، ويردونَ المتشابهَ إلى المحكم، ويكلُون ما أُشْكِلَ عليهم
стр. 1278
فهمُه إلى عالمِهِ، والذين في قلوبِهِم زيغٌ يتبعونَ ما تشابَهُ منه ابتغاءَ الفتنة
وابتغاءَ تأويلِهِ، فيضربونَ كتابَ اللَّه بعضَه ببعض، ويردُّون المحكمَ.
ويتمسكونَ بالمتشابهِ ابتغاءَ الفتنةِ، ويحرّفون المحكمَ عن مواضعِه، ويعتمدونَ
على شبهاتٍ وخيالاتٍ لا حقيقةَ لها، بلْ هي من وساوسِ الشيطانِ
وخيالاتِهِ، يقذفُها في القلوبِ.
فأهلُ العلم والإيمانِ يمتثلون في هذه الشبهاتِ ما أمرُوا به من الاستعاذةِ
باللَّه، والانتهاء عما ألقاه الشيطانُ، وقد جعلَ النبيُّ ﷺ ذلك من علاماتِ الإيمانِ، وغيرُهم فيصغونَ إلى تلك الشبهاتِ، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات، لا حرمةَ لها في نفسها وليس لها معنىً يصحُّ، فيجعلون تلك الألفاظ - محكمةً لا تقبلُ التأويلَ، فيردُّون كلامَ الله ورسولِهِ إليها، ويعرضونه عليها، ويحرّفونه عن مواضعِه لأجلها.
هذه طريقةُ طوائف أهلِ البدع المحضةِ من الجهميةِ والخوارج والروافضِ
والمعتزلةِ ومن أشبَههُم، وقد وقعَ في شيء من ذلك كثيرٌ من المتأخرينَ
المنتسبين إلى السنة من أهلِ الحديثِ والفقهِ والتصوفِ من أصحابِنا وغيرِهم في
بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ.
وأمَّا السلفُ وأئمةُ أهلِ الحديثِ، فعلى الطريقةِ الأولى، وهي الإيمانُ
بجميع ما أثبتَهُ اللَهُ لنفسه في كتابِهِ، أو صحَّ عن رسولِ اللَّه ﷺ أنه أثبتَه له، مع نفي التمثيلِ والكيفيةِ عنه، كما قالَه ربيعةُ ومالكٌ وغيرُهما من أئمةِ الهدى في الاستواء، ورُوي عن أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين، وقال مثلَ ذلك غيرُهم من العلماء في النزولِ، وكذلك القولُ في سائر الصفاتِ، واللهُ الموفقُ.
стр. 1279
وقولُه ﷺ :، فأكون أولَ من يجوزُ بأمَّتِه حتى يقطع الجسرَ بأمَّتِه.
وروي: "يجيزُ"، وهما لغتان، يقال: جُزتُ الوادِي وأجزتُه، وهما
بمعنىً.
وعن الأصمعى، قال: أجزته: قطعتُه، وجزته: مشيتُ عليه.
وقولُه: "منهم الموبَقُ بعملِه" أي: الهالك.
وقولُه: "ومنهم المخردلُ"، هو بالدالِ المهملةِ والمعجمةِ -: لغتانِ مشهورتانِ، والمعنى: المقطَّعُ، والمراد - واللَّه أعلم -: أن منهم من يهلكُ فيقعُ في النارِ، ومنهم من تقطعه الكلاليب التي على جسرِ جهنَّم، ثم لا ينجوُ ولا يقع في النارِ.
وقيل: معناه أنه ينقطعُ عن النجاةِ واللحاقِ بالناجينِ.
والمقصودُ من تخريج الحديثِ بطولهِ في هذا البابِ: أنَّ أهلَ
التوحيدِ لا تأكل النار منهم مواضعَ سجودِهِم، وذلك دليلٌ على فضلِ
السجودِ عندَ اللهِ وعظمتِهِ، حيث حرَم على النارِ أن تأكل مواضعَ سجودِ أهلِ التوحيدِ.
واستدل بذلك بعضُ من يقول: إنَّ تارك الصلاةِ كافرٌ، فإنَه تأكلُه النارُ
كلَّه، فلا يبقى حالُه حالَ عصاةِ الموحدينَ.
وهذا فيمَنْ لم يصل للهِ صلاةً قطُّ ظاهرٌ.
وقولُه: "امتُحِشوا" أي: احترقوا، وضُبطت هذه الكلمة بفتح التاءِ والحاءِ.
وفي بعضِ النسخ بضم التاء وكسرِ الحاءِ.
стр. 1280
و"الحِبَّةُ" بكسر الحاء، قال الأصمعي: كُلُّ نبتٍ له حبٌّ فاسْمُ جميع ذلك
الحبِّ الحِبَّةُ، وقال الفراء: الحِبةُ: بذور البقلِ، وقال أبو عمروٍ: الحِبَّةُ نبت
ينبت في الحشيش صغارٌ.
وقال الكسائيُّ: الحِبَّةُ بذرُ الرياحين، واحدتها حبَّةٌ، وأما الحِنطة فهو الحبُّ
لا غير، يعني الفتح.
و"الحميل ": ما حمله السيل من كل شيءٍ، فهو حميلٌ بمعنى محمول.
كقتيل بمعنى مقتول.
* * *
стр. 1281
سُورَةُ البَلَدِ
قوله تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)
رَوى عطيةُ عن ابنِ عمرَ في قولِهِ تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) .
قال: جبلُ زلزالٍ في جهنَّمَ.
وروى ابن أبي حاتمم بإسناده عن كعب، قال: اقتحام العقبة في كتاب اللَّه
- يعني: قوله: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) - سبعين درجة في النار.
وعن ضمرة قال: سمعت أبا رجاء قال: بلغني أن العقبة التي ذكر اللَّه في
كتابه: مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة.
وعن عطية، عن ابن عمر، قال في العقبة: "جبل في جهنم، أفلا أجاوزه
بعتق رقبة؟! ".
وعن مقاتل بن حيان، قال: هي عقبة في جهنم، قيل: بأي شيء تقطع؟
قال: رقبة.
وفي "الصحيحين "، ولفظه للبخاري عن ابن عمر قال: رأيت في المنام
أنه جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، ثم لقيني ملك
في يده مقمعة من حديد، قالوا: لن تُرعَ، نِعْمَ الرجلُ أنت لو كنت
стр. 1282
تكثر الصلاة من الليل، فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا
هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده
مقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رءوسهم أسفلهم.
وعرفت رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على
حفصة، فقصتها حفصة على رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إن عبد الله رجل صالح".
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)
قال اللَّه : (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) .
وقال : (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) .
وقال: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) .
وقال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) .
قال مجاهدٌ: هذه نعَمٌ من اللَّه متظاهرة يقرِّرُكَ بها كيما تشكر.
وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية، فبكى، فسُئلَ عن بكائِهِ، فقال: هل بِتَّ ليلةً
شاكرًا للَّه أن جعلَ لك عينينِ تُبصر بهما؟ هل بِتَّ ليلةً شاكرًا للَّه أنْ جعلَ
لك لسانًا تنطقُ به؟ وجعلَ يعدِّدُ من هذا الضَّرْبِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: إنَّ رجلاً بُسِطَ له
стр. 1283
منَ الدنيا، فانتُزِعَ ما في يديه، فجعل يحمَدُ اللَّه ، ويُثني عليه.
حتَّى لم يكنْ له فراشٌ إلا بوري فجعلَ يحمدُ اللَّهَ، ويُثني عليه، وبُسِطَ
لآخرَ من الدنيا، فقال لصاحبِ البُوري (١) : أرأيتك أنتَ على ما تحمدُ اللَّهَ ؟
قال: أحْمَدُهُ على ما لو أُعْطِيتُ به ما أعْطيَ الخلْقُ، لم أُغطِهِمْ إيَّاه.
قال: وما ذاك؟
قال: أرأيت بصرَك؟ أرأيتَ لسانَك؟ أرأيتَ يديك؟ أرأيتَ
رجلَيْك؟
وبإسنادِهِ عن أبي الدرداءِ أنه كان يقولُ: الصحَّةُ غِنى الجسدِ.
وعن يونسَ بنِ عبيدٍ: أنَّ رجلاً شكا إليه ضيقَ حالِهِ، فقال له يونسُ:
أيسُرُّك أنَّ لك ببصرِك هذا الذي تُبْصِرُ به مائةَ ألف درهم؟
قال الرجل: لا.
قال: فبرجليك؟
قال: لا، قال: فذكَّره نِعَمَ اللَّه عليه، فقال يونسُ: أرى
عندك مِئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجةَ.
وعن وهبِ بنِ مُنبِّهٍ، قال: مكتوبٌ في حكمةِ آلِ داودَ: العافيةُ المُلك
الخفيُ.
وعن بكرٍ المزنيِّ، قال: يا ابنَ آدمَ، إنْ أردتَ أنْ تعلم قدرَ ما أنعم اللَّه
عليك، فغمِّض عينيك.
وفي بعض الآثارِ: كم منْ نِعمَةٍ للَّه في عرقٍ ساكنٍ.
وفي "صحيح البخاري" عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "نعْمتانِ مغْبُون فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحَّةُ والفراغُ ".
стр. 1284
سُورَةُ الشَّمْسِ
قال الله : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)
والمعنى قد أفلحَ من زكَّى نفسَهُ بطاعةِ اللَّه، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي.
فالطاعةُ تُزكِّي النفسَ وتُطهرُها، فترتفعُ، والمعاصي تُدسِّي النَّفْسَ، وتقمعُها، فتنخفضُ، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب.
* * *
وذلك لا يجوز على اللَّهِ تعالى.
والمعنى: وما قلى أحدًا قط، ثم قال:
(وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لكَ مِنَ الأُولَى) ولم يقلْ: خير على الإطلاقِ، وإنَّما المعنى خير
لك ولمن آمن بك.
وقوله: (فَآوَى) ولم يقلْ: فآواك، لأنه أرادَ: آوى بك إلى يومِ القيامةِ.
* * *
قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)
وقال لنبيه ﷺ : (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) .
والمرادُ وجدَك غيرَ عالم بما علَّمَك من الكتابِ والحكمةِ، كما قالَ تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) فالإنسانُ يُولدُ مفطورًا على قبولِ الحقّ، فإنْ هداه اللَّهُ سبَّبَ له منْ يعلمُهُ الهُدى، فصارَ مهتديًا بالفعلِ بعدَ أن كان مهتديًا بالقوَّةِ، وإنْ خذَلَهُ قيَّضَ له من يعلِمُهُ ما يُغيرُ فطرتَه، كما قال ﷺ :
"كلُّ مولود يولد على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدَانِهِ ويُنصرانِهِ ويمجِّسانِهِ ".
* * *
стр. 1287
سُورَةُ الشَّرْح
قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)
وقولُهُ ﷺ : "فإنَّ مع العسرِ يُسرًا" هو مُنتزعٌ من قولِهِ تعالى: (سَيَجْعَل اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يسْرًا) .
وقولُه : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) .
وخرَّج البزارُ في "مسندِهِ " وابنُ أبي حاتمٍ - واللفظُ له - من حديثِ أنسٍ
عن النبيّ ﷺ قال:
"لو جاءَ العُسْرُ، فدخلَ هذا الجُحْر، لجاءَ اليسرُ حتَى يدخلَ
عليه فيُخْرِجَه "، فأنزل اللَّهُ : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) .
وروى ابنُ جريرٍ وغيرُه من حديثِ الحسنِ مرسلاً نحوَه، وفي حديثِه:
فقال النبيُّ ﷺ :
"لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرينِ ".
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن ابنِ مسعود، قال:
" لو أنَّ العسرَ دخلَ في جحرٍ لجاءَ اليسرُ حتَّى يدخل معه، ثم قال: قال اللَّهُ تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) .
وبإسنادِهِ أنَّ أبا عبيدةَ حُصِرَ فكتبَ إليه عمرُ يقول: مهما ينزل بامرئٍ شدَّة
стр. 1288
يجعلُ اللَّه له بعدَها فرجًا، وإنَه لن يَغْلِبَ عسرٌ يسرينِ، وإنه يقول:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) .
ومن لطائف أسرارِ اقترانِ الفرج بالكربِ واليُسرِ بالعسرِ: أن الكربَ إذا
اشتدَّ وعَظُمَ وتناهى، حصلَ للعبدِ الإياسُ من كَشْفِهِ من جهةِ المخلوقين.
وتعلَّقَ قلبُه بالله وحدَهُ، وهذا هو حقيقةُ التوكُلِ على اللَّه، وهو من أعظم
الأسبابِ التي تُطلَبُ بها الحوائجُ، فإنَّ اللَّهَ يكفي من توكَّل عليه"، كما قال:
(وَمَن يَتَوَكلْ عَلَى اللهِ فَهوَ حَسْبُهُ) .
وروى آدمُ بنُ أبي إياسٍ في "تفسيره" بإسنادِهِ عن محمدِ بنِ إسحاقَ قال:
جاء مالكٌ الأشجعي إلى النبي ﷺ فقال: أُسِرَ ابْنِي عوفٌ، فقالَ له: "أرسل إليه: إن رسول الله ﷺ يأمرُكَ أن تُكثِرَ من قولِ: لا حول ولا قوة إلا باللَّهِ "، فأتاه
الرسولُ فأخبرَه، فأكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وكانوا قد
شدُّوه بالقدِّ فسقطَ القدُّ عنه، فخرجَ فإذا هو بناقةٍ لهم فركبَها، فأقبلَ فإذا هو بسَرح القومِ الذي كانوا شدُّوه، فصاح بهم، فاتبعَ آخرُها أوَّلَها،، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالبابِ، فقال أبوه: عوف وربِّ الكعبةِ، فقالتْ أُمُّه: واسوأتاه، عوفٌ كئيبٌ يالمُ لما فيه منَ القدِّ، فاستبقَ الأبُ والخادمُ إليه، فإذا عوفٌ قدْ ملأ الفناءَ إبلاً، فقصَّ على أبيه أمرَه وأمرَ الإبلِ فأتى أبوه
رسولَ اللَّهِ ﷺ فأخبره بخبرِ عوف وخبرِ الإبل، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ :
"اصنع بها ما أحببتَ، وما كنتَ صانعًا لإبلك ".
ونزل: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .
стр. 1289
قال الفُضيلُ: واللَّه لو يئستَ من الخلقِ حتَّى لا تريدَ منهم شيئًا، لأعطاكَ
مولاكَ كُلَّ ما تُريد.
وذكر إبراهيمُ بنُ أدهم عن بعضِهم، قال: ما سألَ السائلون مسألةً هي
ألحفُ منْ أن يقولَ العبدُ: ما شاء اللَّهُ، قال: يعني بذلك التَّفويضَ إلى اللَّه
.
وقال سعيدُ بنُ سالمٍ القداح: بلغني أنَّ موسى ﵇ كانتْ له إلى
اللَّهِ حاجةٌ، فطلبَها، فأبطاتْ عليه، فقال: ما شاء اللَّه، فإذا حاجتُه بيْنَ
يديه، فعجبَ، فأوحى اللَّهُ إليه: أما علمتَ أنَّ قولَك: "ما شاءَ اللَهُ " أنجحُ ما طُلِبتْ به الحوائج.
وأيضًا فإنَّ المؤمنَ إذا استبطأ الفرَجَ، وأيسَ منه بعدَ كثرةِ دعائِهِ، وتضرُّعِه.
ولم يظهرْ عليه أثرُ الإجابةِ يرجعُ إلى نفسِهِ باللائمةِ، وقال لها: إنَّما أُتيتُ من
قِبَلكِ، ولو كان فيكِ خير لأُجِبتُ، وهذا اللومُ أحبُّ إلى اللَّه من كثيرٍ من
الطًّاعاتِ، فإنَّه يُوجبُ انكسارَ العبدِ لمولاهُ واعترافَهُ له بأنَّه أهل لما نزلَ به من
البلاءِ، وأنه ليسَ بأهل لإجابةِ الدعاءِ، فلذلك تُسرعُ إليه حينئذ إجابةُ الدعاء وتفريجُ الكربِ، فإنه تعالى عندَ المنكسرةِ قلوبُهم من أجلِه.
قال وهبٌ: تعبَّدَ رجل زمانًا، ثمَّ بدت له إلى اللَّهِ حاجةٌ، فصامَ سبعينَ
سبتًا، يأكلُ في كُلِّ سبتٍ إحدى عشرةَ تمرةً، ثم سألَ اللَّهَ حاجتَهُ فلم يُعطَها، فرجعَ إلى نفسِهِ فقال: منكِ أُتيتُ، لو كان فيكِ خير أعطيتِ حاجتَك، فنزلَ إليه عندَ ذلك ملَكٌ، فقال: يا ابنَ آدمَ ساعتُك هذه خير من عبادتِك التي مضت، وقد قضى اللَّه حاجتَك.
خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.
стр. 1290
ولبعضِ المتقدمين في هذا المعنى:
عسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى. . . له فرجَّاً ممَّا ألحَّ به الدَّهرُ
عسى فرَج يأتي به اللَّهُ إنَه. . . لهُ كُل يومٍ في خَليقتِهِ أَمْرُ
إذا لاح عسر فارج يسرًا فإنَّه. . . قضى اللَّهُ أنَّ العُسرَ يتبعُهُ اليُسر
* * *
стр. 1291
سُورَةُ التِّينِ
قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)
وفي "الصحيح ": "أن إبراهيمَ ﵇ إذا شفَعَ في أبيه، قيل له: يا
إبراهيمُ انظرْ ما وراءَك، فإذا هو بذيخ ملطَّخ فيُؤخَذُ بقوائِمِهِ ويُلقى في
النَارِ"، والذيخُ: الضبعُ الذكرُ.
وقال أبو العالية في قولهِ تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)
قال: في النَّارِ في صورةِ خنزيرٍ.
خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.
قال ابنُ مسعود: إذا أرادَ اللَّه تعالى أنْ لا يُخْرِجَ منها أحدًا غيَرَ صورَهم
وألوانَهم فلا يُعرفُ منهم أحدٌ.
* * *
стр. 1292
سُورَةُ العَلَقِ
قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)
[قالَ البخاريُّ] : قال ابنُ عباسٍ: حدثني أبو سفيانَ في حديثِ هرقلَ.
فقال: يأمرنا - يعني: النبيَّ ﷺ بالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعفافِ.
حديث أبي سفيانَ هذا قد خرَّجَه البخاريُّ بتمامِهِ في أولِ كتابِهِ، وهو يدلُّ
على أنَّ النبي ﷺ كان أهمُّ ما يأمرُ به أُمته الصلاةَ، كما يأمرُهم بالصدق والعفافِ، واشتهر ذلك حتى شاعَ بين الملَلِ المخالفينَ له في دِينه، فإنَّ أبا سفيان كان حينَ قال ذلك مُشْرِكًا، وكان هِرقْلُ نَصْرانيًا، ولم يزل ﷺ منذ بُعث يأمر بالصدقِ والعفافِ، ولم يزلْ يصلي - أيضًا - قبل أن تُفْرَض الصلاة.
وأولُ ما أُنزل عليه سورةُ: (اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ) ، وفي آخرها:
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) .
إلى قوله: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) .
وقد نَزَلَتْ هذه الآياتُ بسببِ قولِ أبي جَهْلٍ: لئن رأيتُ محمدًا ساجدًا
عندَ البيتِ لأطأنَّ على عنُقِهِ.
وقد خرَّج هذا الحديثَ مسلم في "صحيحهِ "، وقد ذَكَرنا في أولِ كتابِ:
стр. 1293
"الوضوءِ" حديثَ أسامةَ، أن جبريلَ نزَل على النبي ﷺ في أولِ الأمرِ، فعلَّمه الوضوءَ والصلاة.
وذكر ابنُ إسحاقَ: أنَّ الصلاةَ افتُرضتْ عليه حينئذِ، وكانَ هو ﷺ وخديجةُ يُصلِّيان.
والمرادُ: جنسُ الصلاةِ، لا الصلواتِ الخمسِ.
والأحاديثُ الدالةُ على أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يصلي بمكةَ قبلَ الإسراءِ كثيرة.
لكن قد قيلَ: إنَّه كان قد فُرض عليه ركعتانِ في أولِ النَّهارِ وركعتان في
آخرِه فقط، ثم افتُرِضَتْ عليه الصلواتُ الخمس ليلةَ الإسراءِ، قاله مُقاتل
وغيرُه.
وقالَ قتادةُ: كان بدءُ الصلاةِ ركعتينِ بالغَداةِ، وركعتينِ بالعَشيِّ.
وإنَّما أرادَ هؤلاء: أنَّ ذلك كان فرضًا قبل افتراضِ الصلواتِ الخمسِ ليلةَ
الإسراءِ.
وقد زعم بعضُهم: أن هذا هو مُرادُ عائشةَ بقولِها: فُرضَت الصلاةُ ركعتين
ركعتين، وقالوا: إنَّ الصلواتِ الخمس فُرضَتْ أوَّلَ ما فُرضَتْ أربعًا
وثلاثًا وركعتين على وجهِها.
وضعَّف الأكثرون ذلك، وقالُوا: إنما أرادتْ عائشةُ فرضَ الصلواتِ الخمس
ركعتينِ ركعتينِ سِوى المغربِ.
стр. 1294
وقد ورد من حديثِ عَفيفٍ الكنْدي، أنَّه رأى النبيَّ ﷺ يُصلي بمكةَ حين زالت الشمسُ ومعه علي وخديجةُ، وأن العباسَ قال له: ليس على هذا الدِّينِ أحدٌ غيرُهم.
وقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ في "خصائص عليٍّ".
وقد طعن في إسناده البخاريُّ في "تاريخه " والعُقيلي وغيرُ واحدٍ.
وقد خرَّج الترمذي من حديث أنسٍ، قال: بُعثَ النبي ﷺ يومَ الاثنينِ، وصلى عليٌّ يومَ الثُّلاثاء. "
وإسناد ضعيف.
وقد خرَّجه الحاكم من حديث بُريدةَ، وصحَّحَه.
وفيه فى ليلٌ على أنَّ الصلاةَ شُرعت من ابتداء النبوة، لكنَّ الصلواتِ الخمسِ
لم تُفرض قبلَ الإسراء بغيرِ خلافٍ.
وروى الرَّبيعُ، عن الشافعي، قال: سمعتُ ممن أثق بخبره وعلمه يذكر
أنَّ اللَّهَ تعالى أنزل فرضًا في الصلاة، ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني
بالفرضِ في الصلواتِ الخمسِ.
قال الشافعي: كأنَّه يعني قولَ الله : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)
ثم نسخه في
стр. 1295
السورةِ معهُ بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُتَي اللَّيْلِ) الآية.
إلى قوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرآنِ) ، فنُسِخَ قيامُ الليل، أو نصفه، أو أقل، أو أكثر بما تيسَّر.
قالَ الشافعيُّ: ويقال نُسخ ما وُصف في المزمل بقولهِ اللَّهِ : (أَقِمِ
الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) ودلوكُ الشمس: زَوالُها (إِلَى غَسَقِ اللَّيْل) العَتمَة
(وَقُرانَ الْفَجْرِ) الصبح (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ)
فأعلمه أنَّ صلاةَ الليل نافلةٌ لا فريضة، وأن الفرائض فيما ذكرَ من ليلٍ أو
نهار.
قال: ويُقال في قولِ اللَّه : (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُون) المغربُ
والعشاءُ (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الصبحُ (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيا) العصرُ (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهرُ. انتهى.
وقد رُوي عن طائفةٍ من السَّلفِ تفسيرُ هاتينِ الآيتينِ بنحوِ ما قالَه
الشافعي، فكلُّ آيةٍ منهما متضمِّنةٌ لذكر الصلواتِ الخمسِ، ولكنَّهما نزلتا بمكةَ بعدَ الإسراءِ. واللَّهُ أعلم.
وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ الصلواتِ الخمسِ إنَما فُرضَتْ ليلةَ الإسراءِ.
واختلفوا في وقتِ الإسراء:
فقيل: كانَ بعدَ البعثةِ بخمسةَ عشرَ شهرًا، وهذا القولُ بعيدٌ جدًّا.
وقيل: إنَّه كان قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنين، وهو أشهرُ.
وقيل: قبلَ الهجرةِ بسنةٍ واحدةٍ.
وقيل: قبلَها بستةِ أشهرٍ.
стр. 1296
وقيل: كانَ بعدَ البعثةِ بخمسِ سنين، ورجحه بعضُهم، قال: لأنَّه لا
خلاف أن خديجة صلَّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيَتْ قبل
الهجرة بمدةٍ، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقد أجمع العلماءُ على
أن فرض الصلاة كان ليلةَ الإسراء.
قلت: حكايته الإجماعَ على صلاة خديجةَ معه بعد فَرض الصلاةِ غَلَط
مَحْضْ، ولم يَقُل هذا أحَدٌ ممن يُعْتَدُّ بقوله.
وقد خرج أبو يَعلَى الموصلي والطبرانيُّ من حديث إسماعيلَ بن
مُجالدٍ، عن أبيه عن الشَّعبي، عن جابر، أن رسولَ اللَّه ﷺ سُئل عن خديجةَ؛ فإنها ماتت قبل أنْ تَنزل الفرائض والأحكام؟
فقال: "أبصرتها على نهر من أنهار الجنة، وفي بيت من قَصَب، لا لغو فيه ولا نَصَبٌ ".
وروى الزُّبيرُ بنُ بكَّارِ، بإسنادِ ضعيفٍ، عن يُونُسَ عن ابنِ شهابٍ، عن
عُروَةَ، عن عائشةُ، قالت: تُوفِّيتْ خديجةُ قبل أن تُفرض الصلاةُ.
وقد فرَّق بعضهم بين الإسراء والمعراج، فجعل المعراج إلى السماوات كما
ذكره اللَّه في سورة النَّجم، وجعل الإسراء إلى بيت المقدسِ خاصةً، كما
ذَكَره اللَّه في سورة (سبحان) وزَعَم أنهما كانا في ليلتين مختلفتين، وأن
الصلوات قُرضت ليلةَ المعراج لا ليلةَ الإسراء.
وهذا هو الذي ذكره محمدُ بن سَعْدٍ في "طبقاته " عن الواقديِّ بأسانيدَ
له متعددة، وذَكَر أن المعراج إلى السماء كان ليلةَ السبت لسبعَ عشرةَ خَلَتْ
من شهر رمضانَ قبل الهجرة بثمانيةَ عشرَ شهرًا من المسجد الحرام، وتلك
الليلةَ فرُضت الصلواتُ الخمس، ونزل جبريل فصلى برسول اللَّه ﷺ -
стр. 1297
الصلوات في مواقيتها، وأن الإسراء إلى بيت المقدس كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من
شهر ربيع الأولِ قبل الهجرة بسنةٍ، من شِعْبِ أبي طالب.
وما بوَّب عليه البخاري أن الصلوات فرضت في الإسراء يدل على أن
الإسراء عنده والمعراج واحد. واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)
قال اللَّهُ تعالَى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) .
قال أبو هريرةَ: الزبانيةُ: الملائكةُ.
وقال عطاء: هم الملائكةُ الغلاظُ الشدادُ.
وقال مقاتل: هم خزنةُ جهنَّمَ.
وقال قتادةُ: الزبانيةُ في كلامِ العربِ: الشرطُ.
وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ: الزبانيةُ رؤوسُهُم في الأرضِ وأرجلُهُم في السماءِ، خرَّجَهُ ابنُ أبي حاتم وخرجَ أيضًا بإسناده عن المنهالِ بنِ عمرو قالَ:
إذا قالَ اللَّهُ تعالَى: (خُذُوهُ فَغلُّوهُ) ابتدرهُ سبعونَ ألفَ ملك، وإن الملكَ
منهم ليقولُ هكذا، يعني: يفتحُ يديهِ، فيلقي سبعينَ ألفًا في النارِ.
* * *
стр. 1298
سُورَةُ القَدْرِ
قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)
في "الصحيحينِ " عن أبي سعيد الخُدريّ ﵁، قال: كانَ رسول اللَّهِ ﷺ يعتكِفُ في العشرِ الأوسطِ من رمضانَ، فاعتكفَ عامًا، حتَّى إذا كانتْ ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهي الليلةُ التي يخرُجُ في صبيحتها من اعتكافِهِ.
قال: "من كانَ اعتكفَ معي فليعتَكِفِ العشرَ الأواخِر، وقد أريتُ هذه الليلةَ ثم أنسيتُها، وقد رأيتُني أسجدُ في ماء وطين من صبيحتِها، فالتمسُوهَا في العشرِ الأواخرِ، والتمسوها في كلِّ وتر".
فمطرتِ السَّماءُ تلكَ الليلةَ، وكان المسجدُ على عريشٍ، فوكفَ المسجدُ.
فبصُرتْ عيناي رسول اللَّه ﷺ على جبهتهِ أثرُ الماءِ والطِّينِ من صُبح إحدى وعشرين، هذا الحديثُ يدل على أنَّ النبىَّ ﷺ كان يعتكفُ العشرَ الأوسطَ من شهرِ رمضانَ؛ لابتغاءِ ليلةِ القدرِ فيه، وهذا السِّياقُ يقتضِي أنَّ ذلك تكرَّر منه ﷺ .
وفي روايةٍ في "الصحيحينِ " في هذا الحديثِ: أنه اعتكفَ العشرَ الأوَل،
стр. 1299
ثم اعتكفَ العشرَ الأوسطَ، ثم قالَ: "إني أُتيتُ، قيلَ لي: إنها في العشر الأواخر - فمن أحبَّ منكُم أن يعتكفَ فليعتِكفْ "، فاعتكفَ الناسُ معه.
وهذا يدلُّ على أنَّ ذلكَ منه قبلَ أن يتبين لهُ أنَّها في العشر الأواخر، ثم
لمَّا تبين له ذلك اعتكفَ العشرَ الأواخرَ حتَّى قبضَه اللَّه ، كما رواه
عنه عائشة وأبو هريرة وغيرُهما.
ورُوي أنَّ عمرَ ﵁ جمعَ جماعةً من الصحابةِ، فسألهم عن ليلةِ القدرِ، فقالَ بعضُهم: كنَّا نراها في العشرِ الأوسطِ، ثم بلغنا أنها في العشرِ الأواخر.
وخرَّج ابنُ أبي عاصم في كتاب "الصيام " وغيرُه من حديث خالدِ بن
محدُوج، عن أنيى: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ:
"التمسُوها في أوَل ليْلَةٍ، أو في تسعٍ، أو في أربع عشرةَ".
وخالدٌ هذا فيه ضعفٌ، وهذا يدلُّ على أنَّها تُطلبُ في ليلتين
من العشرِ الأوَل، وفي ليلة من العشر الأوسطِ، وهي أربع عشرةَ، وقد
سبق من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا:
"إن الإنجيلَ أنزِل لثلاث عشرة من رمضانَ ".
وقد ورد الأمر بطلب ليلةِ القدْر في النصفِ الأواخرِ من رمضانَ.
وفي أفراد ما بقي من العشرِ الأوسطِ من هذا النصف، وهما ليلتانِ: ليلةُ
سبعَ عشرةَ، وليلةُ تسعَ عشرةَ.
أمَّا الأولُ: فخرَّجه الطبراني، من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن أُنيسٍ، أنه سألَ
النبيَّ ﷺ عن ليلةِ القدر، فقالَ:
"رأيتُها ونسيتُها، فتحرَّها في النّصفِ الأواخرِ".
ثم عادَ فسالهُ، فقال: "التمسْها في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين تَمضِي من الشهرِ".
.
стр. 1300
ولهذا المعنى - واللَّهُ أعلمُ - كان أبيّ بن كَعب يقنُتُ في الوتر في ليالي
النصف الأواخرِ؛ لأنَّه يُرجى فيه ليلةُ القدرِ.
وأيضًا فكُلُّ زمانٍ فاضلٍ من ليلٍ أو نهار، فإنّ آخرَه أفضلُ من أوَّلِه، كيومِ
عرفَةَ، ويومِ الجُمعة، وكذلك الليلُ والنَّهار عمومًا؛ آخِرُهُ أفضل من أوَّلهِ.
ولذلك كانتِ الصلاةُ الوسطَى صلاةَ العصْر، كما دلَّتِ الأحاديثُ الصحيحةُ
عليه، وآثار السَّلفِ الكثيرةُ تدُلُّ عليهِ، وكذلكَ عشرُ ذي الحجةِ والمحرمِ "
آخرُهما أفضلُ من أوَّلهِمَا.
وأمَّا الثاني: ففي "سننِ أبي داود" عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا:
"اطلُبُوها ليلةَ سبع عشرةَ مِن رَمضانَ، وليلةَ إحدَى وعشرين، وليلةَ ثلاثٍ وعشرين "، ثم سكتْ.
وفي روايةٍ: "ليلةَ تسعَ عشرةَ"، وقيلَ: إنَّ الصحيحَ وقْفُه على ابنِ مسعودٍ، فقد صحَّ عنه أنَّه قال: تحرُّوا ليلةَ القدْرِ ليلةَ سبعَ عشرةَ، صباحيَّةَ بدرٍ، أو إحدى وعشرين، وفي روايةٍ عنه، قالَ:
"ليلةَ سبعَ عشرةَ، فإنْ لم يكن ففي تسعَ عشرةَ".
وخرَّج الطبرانيُّ من روايةِ أبي المُهزِّم، وهو ضعيف، عن أبي هريرةَ
مرفوعًا، قال:
"التمسُوا ليلةَ القدْرِ في سبعَ عشرةَ أو تسعَ عشرةَ، أو إحدى وعشرين.
أو ثلاثٍ وعشرين، أو خمسٍ وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسعٍ وعشرين ".
ففي هذا الحديثِ: التماسُها في أفرادِ النصفِ الثاني كلها، ويروى من حديثِ
عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَ ﷺ كانَ إذا كان ليلةَ تسعَ عشرةَ من رمضانَ شدَّ المئزرَ وهجرَ الفراشَ حتى يُفطرَ.
قال البخاريُّ: تفرَّد به عُمرُ بن مسكينٍ، ولا يتابع عليهِ، وقد رُويَ عن