سُورَةُ آلِ عِمْرَان
قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ)
إنَّ الشهادتينِ منْ خصالِ الإسلامِ بغير نزاع، وليسَ المرادُ الإتيانَ بلفظِهِمَا
دونَ التَّصديقِ بهما، فعُلِمَ أنَّ التصديق بهِمَا، داخلٌ في الإسلامِ، وقد فسَّرَ
الإسلامَ المذكورَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ) .
بالتَوحيدِ والتَّصديقِ، طائفةٌ من السلفِ، منهُم محمدُ بنُ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ.
وأمَّا إذا نُفِيَ الإيمانُ عنْ أحدٍ، وأُثبتَ له الإسلامُ، كالأعرابِ الَّذينَ أَخبرَ
اللَّهُ عنهُم، فإنَه ينتفِي عنهُم رسُوخُ الإيمانِ في القلبِ، وتثبُتُ لهم الشاركةُ
في أعمالِ الإسلامِ الظاهرةِ مع نوع إيمان يُصحِّحُ لهم العملَ، إذْ لولا هذا
القدرُ منَ الإيمانِ، لم يكونُوا مسلمينَ، وإنَّما نَفَى عنهُمُ الإيمانَ، لانتفاءِ ذوقِ
حقائقه، ونقصِ بعضِ واجباتِهِ، وهذَا مبنيٌّ على أنَّ التصديقَ القائمَ بالقلوبِ
يتفاضل.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)
المحبةُ الصحيحةُ تقتضِي المتابعةَ والموافقةَ في حبِّ المحبوباتِ وبغضِ
стр. 178
المكروهاتِ، قالَ : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .
قال الحسنُ: قال أصحابُ النبيِّ ﷺ : يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُحبّ ربَّنا حبًّا شديدًا، فأحبَّ اللَّه أن يجعلَ لحبّه علمًا، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية.
وفي "الصحيحين " عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ثلاثٌ منْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهُمَا، وأنْ يُحبَّ المرءَ لا يُحبُه إلا للَّهِ، وأنْ يكره أن يرْجِعَ إلى الكُفرِ بعد إذ أنقذَهُ اللَّهُ منه كما يكرَهُ أنْ يُلقَى في النارِ".
فمنْ أحبَّ اللَّهَ ورسولَهُ محبةً صادقةً من قلبِهِ، أوجبَ له ذلكَ أنْ يحبَّ
بقلبِهِ ما يُحبُّه اللَّهُ ورسولُهُ، ويكرهُ ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُهُ، ويرضَى بما يَرضَى اللَّهُ رسولُهُ، ويسخطُ ما يسخطهُ اللَّهُ ورسولُهُ، وأنْ يعملَ بجوارحِهِ بمقتضَى هذا الحبِّ والبغضِ، فإنْ عملَ بجوارِحِهِ شيئًا يخالفُ ذلكَ، بأن ارتكبَ بعض ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُه، أو تركَ بعضَ ما يحبهُ اللَّهُ ورسولُهُ مع وجوبِهِ والقدرةِ عليه، دل ذلكَ على نقصِ محبَّته الواجبةِ، فعليهِ أن يتوبَ من ذلكَ ويرجعَ إلى تكميلِ المحبةِ الواجبةِ.
قال أبو يعقوب النَّهْرُجُوريُّ: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّه ولم يوافقِ
اللَّهَ في أمرِهِ، فدعواهُ باطلةٌ، وكلُّ محب ليسَ يخافُ اللَّهً، فهو مغرور.
стр. 179
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: ليسَ بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم
يحفظْ حدودَهُ.
وسُئلَ رُويمٌ عن المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميع الأحوالِ، وأنشدَ:
ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سمعًا وطاعةً. . . وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلاً ومرْحبًا
ولبعضِ المتقدمينَ:
تعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه. . . هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنيعُ
لو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه. . . إنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ
فجميعُ المعاصِي تنشأُ من تقديمِ هوى النفوسِ على محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ.
وقد وصفَ اللَهُ المشركينَ باتِّباع الهَوى في مواضعَ منْ كتابِهِ، وقال تعالى:
(فَإِن لَّم يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاه بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) .
وكذلكَ البدعُ إنَّما تنشأُ من تقديمِ الهَوى على الشَّرع، ولهذا يُسمَّى أهلُها
أهلَ الأهواءِ.
وكذلكَ المعاصِي إنَّما تقعُ من تقديمِ الهوى على محبةِ اللَّهِ، ومحبةِ ما
يحبه.
وكذلك حَبُّ الأشخاصِ: الواجبُ فيه أنْ يكونَ تبعًا لما جاءَ بهِ الرسولُ
ﷺ .
فيجبُ على المؤمنِ محبةُ اللَّهِ ومحبةُ من يحبُّهُ اللَّهُ من الملائكةِ والرسلِ
والأنبياءِ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ عمومًا، ولهذا كانَ من علاماتِ
وجودِ حلاوةِ الإيمانِ أن يُحبَّ المرءَ لا يحبُه إلا للَّهِ، ويحرِّمَ موالاةَ أعداءِ اللهِ
ومن يكرهُهُ اللَّهُ عمومًا، وقد سبقَ ذلكَ في موضع آخرَ، وبهذا يكونُ الدِّينُ
стр. 180
كلُّه للِّهِ. و"منْ أحبَّ للَّهِ وأبغضَ للِّهِ، وأعطَى للهِ، ومنع للهِ، فقدِ استكملَ الإيمانَ ".
ومن كانَ حُبُّه وبُغضُه وعطاؤه ومنعُه لِهَوى نفسِهِ، كانَ ذلك نقصًا في
إيمانِهِ الواجبِ، فيجبُ عليه التَّوبةُ من ذلكَ والرُّجوعُ إلى اتِّباع ما جاء به
الرسول ﷺ من تقديمِ محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ، وما فيهِ رضا اللَّهِ ورسولِهِ على هوى النفوسِ ومراداتِهَا كلِّها.
قال وهيبُ بنُ الوردِ: بلغَنَا - واللَّهُ أعلمُ - أنَّ موسى ﵇ قالَ: يا ربَ أوصِني؟
قال: أوصيكَ بي، قالَهَا ثلاثاً، حتَّى قال في الآخرةِ:
أوصيكَ بي أن لا يعرضَ لكَ أمرٌ إلا آثرتَ فيه محبَّتِي على ما سِواها، فمنْ
لم يفعلْ ذلكَ لم أزكِّهِ ولم أرحمْهُ.
والمعروفُ في استعمال الهَوى عند الإطلاقِ أنَّه الميلُ إلى خلافِ الحق، كما
في قولِهِ : (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .
وقالَ: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) .
وقد يُطلقُ الهوى بمعنى المحبةِ والميلِ مطلقًا، فيدخلُ فيه الميل إلى الحقِّ
وغيرِهِ، وربَّما استُعْمِلَ بمعنى محبةِ الحقِّ خاصةً والانقيادِ إليه.
وسئلَ صفوانُ بنُ عسَّالٍ: هل سمعتَ من النبيِّ ﷺ يذكرُ الهَوى؟
فقال: سأله أعرابيٌّ عن الرجل يُحبُّ القومَ ولم يلحقْ بِهِم، فقال: "المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ ".
стр. 181
ولمَّا نزلَ قولُهُ : (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) ، قالتْ عائشةُ للنبيِّ ﷺ : ما أرَى ربَّك إلا يُسارِعُ في هواك.
وقال عمرُ في قصة المشاورةِ في أُسارَى بدرٍ: فهوَى رسولُ الله ﷺ ما قالَ أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قلتُ، وهذا الحديثُ مما جاء استعمالُ الهَوى فيه بمعنى المحبةِ المحمودةِ.
وقد وقعَ مثلُ ذلكَ في الآثارِ الإسرائيليةِ كثيرًا، وكلامُ
مشايخ القومِ وإشاراتُهم نظمًا ونثرًا يكثُر فيها هذا الاستعمال.
وممَّا يناسبُ معنى الحديثِ من ذلكَ قولُ بعضهِم:
إن هواكَ الَّذي بقلْبِي. . . صَيرنِي سامِعًا مطِيعًا
أخذتَ قلْبي وغَمْضَ عيني. . . سَلَبتنِي النَّومَ والهُجُوعا
فذَرْ فؤادِي وخُذْ رُقادِي. . . فقالَ: لا بلْ هُمَا جميعًا
* * *
قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧"
[قالَ البخاريُّ] : وقال ابنُ عباسٍ: (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)
стр. 182
: للمسجدِ يخدُمُها.
هذا من روايةِ عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ.
وقاله - أيضًا -: مُجاهد، وعكرمة، وقتادةُ، والربيعُ بنُ أنسٍ وغيرُهم.
وقال قتادةُ والربيعُ وغيرُهما: كانوا يُحَرِّرُونَ الذكورَ من أولادِهِم للكنيسةِ
يخدُمُها، فكانتْ تظن أنَّ ما في بطنِهَا ذكرًا، فلمَّا وضعتْ أنثى اعتذرتْ من
ذلكَ إلى اللَّهِ، وقالتْ: (وَلَيْسَ الذَّكَر كالأُنثَى) ، لأنَ الأنثى لا
تقْوى على ما يقْوَى عليه الذكرُ من الخدمةِ، ولا تستطيعُ أن تلازمَ المسجدَ في
حيضِها، فقالَ اللَّهُ : (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبول حَسَنٍ) - يعني:
أنَّ اللَّهَ قبِلَ نَذْرَها، وإنْ كان أنثَى، فإنه أعلمُ بما وضعتْ، وهذا كان في دينِ بني إسرائيلَ.
وقد ذكَرَ طائفة من المفسرينَ: أنَّ هذا كانَ شرعًا لهُم، وأنَّ شرْعَنا غيرَ
موافقٍ له.
وخالفهُم آخرونَ:
قال القاضي أبو يَعْلَى في "كتاب أحكام القرآنِ ": هذا النذرُ صحيح في
شريعتِنَا، فإنَّه إذا نذَرَ الإنسانُ أن ينَشِّئَ ولدَهُ الصغيرَ على عبادةِ اللَّهِ وطاعتِهِ
وأنْ يعلمَه القرآنَ والفقهَ وعلومَ الدِّينِ صَحَّ النذرُ.
وهذا الذي قالَهُ حقٌّ، فقدْ قالَ النبيُّ ﷺ :
"من نذَرَ أن يطيعَ اللهَ فليطعْه ".
فلو نذرَ أحد أن يخدُمَ مسجدا للَّهِ لزِمَه الوفاءُ بذلكَ مع القدرةِ،
стр. 183
وأمَّا إنْ نذَرَ أن يجعلَ ولده للَّهِ ملازمًا لمسجدٍ يخدُمُه ويتعبَّدُ فيه، فلا يبعد أن
يلزمَهُ الوفاءُ بذلكَ، فإنَّه نذرُ طاعةٍ فيلزمه أن يجرِّد ولدَه لما نذرَهُ له، ويجبُ
على الولدِ طاعةُ أبيه إذا أمرَهُ بطاعةِ اللِّهِ .
وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على أن الكافرينِ إذا جعَلا ولدهُمَا الصغيرَ مسلمًا
صار مسلمًا بذلكَ.
ولو وقفَ عبْدَهُ على خدمةِ الكعبةِ صحَ - نصَّ عليه أحمدُ - أيضًا.
ونصَّ في عبدٍ موقوفٍ على خدمةِ الكعبةِ أنَّه إذا أبَى أن يخدُمَ بيعَ واشتُري
بثمنِهِ عبد يخدمُ مكانَهُ.
ورَوَى سعيدُ بنُ سالم القداحُ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن أبيهِ، أنَّ معاويةَ
أخدَمَ الكعبةَ عبيدًا بعثَ بهم إليها، ثم اتَّبعتطْ ذلك الولاةُ بعدَهُ. خرَّجه
الأزْرقي.
* * *
قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)
قال اللَّهُ تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) .
قالَ أبو هريرةَ ﵁ في هذه الآيةِ:
يجيئونَ بهِم في السَّلاسلِ حتَّى يُدخلونَهُم الجنَّةَ.
وفي الحديثِ المرفوع: "عجبَ ربُّك من قومٍ يُقَادُون إلى الجنَّةِ بالسّلاسلِ ".
стр. 184
فالجهادُ في سبيلِ اللَّهِ دعاءُ الخلْقِ إلى الإيمانِ باللَّهِ ورسولِهِ بالسَّيفِ
واللسان، بعدَ دعائهِم إليه بالحجَّةِ والبرهانِ.
وقد كانَ النبيُّ ﷺ في أولِ الأمرِ
لا يقاتلُ قومًا حتى يدعُوهم.
فالجهادُ به تعلُو كلمةُ الإيمانِ، وتتسعُ رُقْعَةُ الإسلامِ، ويكثُرُ الداخلون فيه.
وهو وظيفةُ الرُّسل وأتباعهم، وبه تصيرُ كلمةُ اللَّهِ هي العُليا.
والمقصودُ منه أن يكونَ الدِّينُ كلُّه للَّهِ، والطاعةُ له، كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) .
والمجاهدُ في سبيلِ اللَّه هو المقاتلُ لتكونَ
كلمةُ اللَّهِ هي العُليا خاصَّة.
* * *
قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
وقد وصفَ اللَّهُ في كتابِهِ أهلَ الجنةِ ببذل النَّدى وكفِّ الأذى ولو كانَ
الأذَى بحقٍّ فقال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) .
فهذا حال معاملتِهِم للخلقِ، ثم وصفَ قيامَهُم بحقِّ الحقِّ فقالَ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .
стр. 185
فوصفَهُم اللَّهُ عندَ الذنوبِ والاستغفارِ وعدمِ الإصرارِ وهو حقيقةُ التوبةِ
النصوح.
وقريبٌ من هذهِ الآيةِ قولُهُ تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) .
والعقبةُ قد فسَّرَها ابنُ عباس بالنارِ.
وفسَّرها ابنُ عمرَ بعقبةٍ في النارِ كما تقدَّم، فأخبرَ سبحانَهُ أنَّ اقتحامَهَا.
وهو قطعُها ومجاوزتُها يحصلُ بالإحسانِ إلى الخلقِ، إما بعتقِ الرقبةِ وإما بالإطعامِ في المجاعة، والمطعَمُ إما يتيمٌ من ذوي القُربى أو مسكينٌ قد لصِقَ بالترابِ فلم يبقَ له شيءٌ، ولا بدَّ مع الإحسانِ أن يكونَ من أهلِ الإيمانِ، والآمرُ لغيرِهِ بالعدلِ والإحسانِ، وهو التواصِي بالصبرِ والتواصي بالمرحمةِ، وأخبرَ سبحانَهُ أنَّ هذه الأوصافَ:
أوصافُ أصحابِ الميمنةِ.
* * *
قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
[قالَ البخاريُّ] : "بابُ: خوفِ المؤمنِ أنْ يَحْبَطَ عملُهُ وهو لا يَشْعُرُ":
стр. 186
وقال إبراهيمُ التَيْمي: ما عرضتُ قوْلِي على عملي إلا خشيتُ أن أكُونَ
مُكَذَّبًا.
وقال ابنُ أبي مليكةَ: أدركتُ ثلاثينَ منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، كلُّهم يخافُ النِّفاقَ على نفسِهِ، ما منهم أحدٌ يقولُ: إنَّه على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ.
ويذكَرُ عنِ الحسنِ: ما خافَهُ إلا مُؤمنٌ، ولا أَمِنَهُ إلا مُنافقٌ.
وما يحذَرُ منَ الإصرارِ على النفاق والعصيانِ من غيرِ توبة؛ لقولِ اللَّهِ
تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمون) .
مرادُ البخاريِّ بهذا البابِ: الردُّ على المرجئةِ، القائلين بأنَّ المؤمنَ يقطعُ
لنفسهِ بكمالِ الإيمان، وأنَّ إيمانَهُ كإيمانِ جبريلَ وميكائيلَ، وأنَّه لا يخافُ على
نفسِهِ النفاقَ العمليًّ ما دام مؤمنًا.
فذكر عن إبراهيمَ التيميِّ، أنَّه قال: ما عرضتُ قولي على عملي إلا
خشيتُ أن أكونَ مكذَّباً.
وهذا معروفٌ عنه.
وخرَّجه جعفر الفريابيُّ، بإسنادٍ صحيح عنه، ولفظُه: ما عرضتُ قولي
على عملي إلا خشيتُ أن أكون كذابًا.
ومعناهُ: أنَّ المؤمنَ يصفُ الإيمانَ بقولِهِ، وعمَلُهُ يقصرُ عن وصفِه، فيخشى
على نفسه أن يكونَ عملُه مكذبا لقولهِ.
كما رُوي عن حذيفةَ، أنَّه قال: المنافقُ الذي يصفُ الإسلامَ، ولا يعملُ
له.
وعن عمرَ، قالَ: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكمُ المنافقُ العليمُ.
قالُوا: وكيفَ
стр. 187
يكونُ المنافقُ عليمًا؟
قالَ: يتكلمُ بالحكمةِ، ويعملُ بالجورِ - أو قال: بالمنكرِ.
وقال الجعدُ أبو عثمانَ: قلتُ لأبي رجاءٍ العطارديِّ: هل أدركتَ منْ
أدركتَ من أصحابِ رسول اللِّهِ ﷺ ّ يخشَونَ النفاق؟ قال: نعم، إنِّي أدركتُ - بحمدِ اللَهِ - منهم صدرًا حسنًا، نعم، شديدًا، نعم، شديدًا - وكان قد أدركَ عمرَ.
وممَّن كان يتعوذُ من النفاقِ ويتخوَّفه من الصحابةِ: حذيفةُ وأبو الدرداءِ
وأبو أيوب الأنصاريُّ.
وأما التابعونَ، فكثير:
قال ابنُ سيرينَ: ما عليَّ شيء أخوفُ من هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) .
وقالَ أيوبُ: كلُّ آيةٍ في القرآنِ فيها ذكرُ النفاقِ، فإنِّي أخافُها على نفسِي.
وقال معاويةُ بنُ قرَّةَ: كان عُمَرُ يَخْشاهُ، وآمنُهُ أنا؟!
وكلامُ الحسنِ في هذا المعنى كثيرٌ جدا، وكذلك كلامُ أئمةِ الإسلامِ
بعدَهم.
قال زيدُ بنُ أبي الزرقاءِ، عن سفيانَ الثوريِّ: خلافُ ما بيننا وبينَ المرجئةِ
ثلاثٌ. نقول: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، وهم يقولون: الإيمانُ قول ولا عملٌ.
ونقولُ: الإيمانُ يزيدُ وينقصُ، وهم يقولونَ: لا يزيدُ ولا ينقصرُ.
ونحنُ نقول: النفاقُ، وهمْ يقولونَ: لا نفاقَ.
وقال أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن الأوزاعيِّ: قد خاف عمرُ على نفسِهِ
النفاقَ، قال: فقلتُ للأوازعيِّ، إنهم يقولون: إن عمرَ لم يخفْ أن يكون
стр. 188
يومئذٍ منافقًا حين سأل حذيفة، لكن خافَ أن يُبتَلَى بذلك قبلَ أن يموتَ
قال: هذا قولُ أهلِ البدع.
وقال الإمامُ أحمدُ - في روايةِ ابنِ هانئٍ - وسئلَ: ما تقول فيمن لا
يخافُ النفاقَ على نفسِه؟ فقال: ومن يأمنُ على نفسِه النفاقَ؟
وأصلُ هذا: يرجعُ إلى ما سبقَ ذكْرُهُ من أن النفاقَ أصغرُ وأكبرُ.
فالنفاقُ الأصغرُ هو نفاقُ العملِ، وهو الذي خافه هؤلاءِ على أنفسهم.
وهو بابُ النفاقِ الأكبرِ، فيُخْشى على من غلبَ عليه خصال النفاقِ الأصغرِ في حياتِهِ أن يخرِجَه ذلك إلى النفاقِ الأكبرِ، حتى ينسلخَ من الإيمانِ بالكليةِ. طما قال اللَّهُ تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ) .
وقال: (وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) .
والأثرُ الذي ذكرَهُ البخاريُّ عن ابنِ أبي مليكةَ، هو معروفٌ عنه من روايةِ
الصلتِ بنِ دينارٍ، عنه.
وفي الصلتِ ضعفٌ.
وفي بعضِ الرواياتِ عنهُ، عنِ ابنِ أبي مليكةَ، قال: أدركتُ زيادةً على
خمسمائةٍ من أصحابِ رسول اللَّهِ ﷺ ، ما ماتَ أحدٌ منهم إلا وهو يخافُ النفاقَ على نفسِهِ.
وأما الأثرُ الذي ذكرَهُ عن الحسنِ، فقال: ويُذْكَر عنِ الحسنِ، قال: ما
خافَه إلا مؤمنٌ، ولا أَمِنَهُ إلا منافقٌ.
стр. 189
فهذا مشهور عن الحسنِ، صحيحٌ عنه.
والعجبُ من قولِه في هذا: "ويُذْكَرُ".
وفي قولِهِ في الذي قبلَهُ:
"وقالَ ابنُ أبي مليكةَ" جزمًا.
قال الإمامُ أحمدُ في "كتاب الإيمانِ " له: حدثنا مؤمل، قال: سمعتُ
حمَّادَ بنَ زيد، قال: ثنا أيوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: واللَّهِ، ما أصبحَ
على وجهِ الأرض مؤمن، ولا أمسَى على وجهها مؤمن، إلا وهو يخافُ
النفاقَ على نفسه، وما أمِنَ النفاقَ إلا منافق.
حدثنا روحُ بنُ عبادةَ، قالَ: ثنا هشام، قالَ: سمعتُ الحسنَ يقولُ: واللَّهِ.
ما مضى مؤمن ولا بقي إلا يخافُ النفاقَ، ولا أمِنَهُ إلا منافق.
وروى جعفرُ الفريابيُّ في "كتاب صفة المنافقِ " من حديثِ جعفرِ بنِ
سليمانَ، عن معلَّى بنِ زيادٍ، قال: سمعتُ الحسنَ يحلفُ في هذا المسجدِ
باللَّهِ الذي لا إله إلا هو، ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاقِ
مشفقٌ، ولا مضى منافق قطُّ ولا بقيَ إلا وهو منَ النفاقِ آمِن.
قال: وكانَ يقولُ: من لم يخفِ النفاقَ فهو منافقٌ.
وعن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عنِ الحسنِ، قال: إنَّ القومَ لما رأوْا هذا النفاقَ
يغُولُ الإيمانَ لم يكن لهم همّ غيرَ النفاقِ.
والرواياتُ في هذا المعنى عن الحسنِ كثيرةٌ.
وقولُ البخاريِّ بعدَ ذلكَ: "وما يحذرُ من الإصرارِ على النفاقِ والعصيانِ
стр. 190
من غيرِ توبة، لقولِ اللَّهِ تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .
فمرادُه: أنَّ الإصرارَ على المعاصِي وشعبِ النفاق من غيرِ توبة؛ يُخشى
منها أن يعاقبَ صاحبُها بسلبِ الإيمانِ بالكليَّة، وبالوصولِ إلى النفاقِ الخالصِ
وإلى سوءِ الخاتمةِ، نعوذُ باللَّهِ من ذلكَ، كما يقال: إنَّ المعاصي بريدُ الكفرِ.
وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ
ﷺ ، قال: "ويل لأقْماع القولِ، ويل للذين يُصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون ".
وأقماعُ القولِ: الذين آذانهم كالقمع، يدخلُ فيه سماعُ الحقِّ من جانبٍ.
ويخرجُ من جانبٍ آخرَ، لا يستقرُّ فيه.
وقد وصفَ اللَّهُ أهلَ النارِ بالإصرارِ على الكبائرِ، فقال: (وَكانُوا يُصِرُّونَ
عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيم) .
والمرادُ بالحنثِ: الذنبُ الموقِعُ في الحنْثِ، وهوَ الإثمُ.
وتبويبُ البخاريِّ لهذا البابِ يناسبُ أن يذكرَ فيه حبوطَ الأعمالِ الصالحةِ
ببعضٍ الذنوبِ، كما قال تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكمْ وَأَنتمْ لا تَشْعُرُونَ) .
قال الإمامُ أحمدُ: حدثنا الحسنُ بنُ موسى، قالَ: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ.
عن حبيب بنِ الشهيد، عن الحسنِ، قالَ: ما يرى هؤلاءِ أن أعمالاً تحبطُ
أعمالاً، واللًّهُ يقولُ: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ) إلى قوله: (أَن تَحْبَطَ
أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ) .
стр. 191
وما يدل على أن هذا - أيضًا - قولُ اللَّهِ : (يَا أَيهَا الَذِينَ آمَنُوا لا
تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى) الآية.
وقال: (أَيَوَدُّ أَحَدُكم أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ من نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) الآية.
وفي "صحيح البخاريِّ "، أن عمر سألَ الناسَ عنها، فقالُوا: اللَّه أعلمُ.
فقال ابنُ عباس: ضربتْ مثلاً لعمل. قال عمرُ: لأيِّ عملٍ؟
قال ابنُ عباسٍ: لعملٍ. قال عمرُ: لرجل غني يعملُ بطاعةِ اللَّهِ، ثم يبعثُ اللَّهُ إليه الشيطان فيعملُ بالمعاصي، حتى أغرقَ أعمالَه.
وقال عطاء الخراساني: هو الرجلُ يختمُ له بشركٍ أو عملِ كبيرةٍ، فيحبطُ
عملَه كلَّه.
وصحَّ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال:
"من ترك صلاةَ العصرِ حبطَ عملُهُ ".
وفي "الصحيح " - أيضًا -: "أنَّ رجلاً قال: واللَّهِ، لا يغفرُ اللَّهُ لفلانٍ، فقالَ اللهُ: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفرَ لفلانٍ، قد غفرتُ لفلانٍ وأحبطتُ عملَك ".
وقالتْ عائشةُ: أَبْلِغِي زيدًا، أنه أحبطَ جهادَه مع رسول اللَّهِ ﷺ ، إلا أن يتوب.
وهذا يدلُّ على أن بعضَ السيئاتِ تحبطُ بعضَ الحسناتِ، ثم تعودُ بالتوبةِ
منها.
стр. 192
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيره"، من روايةِ أبي جعفرَ، عن الربيع بن
أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يرونَ أنه لا يضرّ مع الإخلاص ذنبٌ، كما لا ينفعُ مع الشركِ عملٌ صالحٌ، فأنزلَ الله : (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعوا اللَّهَ وَأَطِيعوا الرَّسولَ وَلا تبْطِلُوا أَعْمَالَكمْ) .
فخافُوا الكبائرَ بعدُ أن تحبطَ الأعمالَ.
وبإسنادهِ، عن الحسنِ، في قولِهِ: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) ، قال: بالمعاصي.
وعن معمرٍ، عن الزهري، في قولِهِ تعالى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم) قال:
بالكبائر.
وبإسنادِهِ، عن قتادةَ، في هذه الآيةِ، قال: من استطاعَ منكم أن لا يبطلَ
عملاً صالحًا عملَه بعملٍ سيئٍ فليفعلْ، ولا قوةَ إلا باللَّهِ، فإن الخير ينسخُ
الشرَّ، وإن الشرَّ ينسخُ الخير، وإن مِلاكَ الأعمالِ خواتيمُها.
وعن السّدِّيِّ، قال في هذه الآية: يقول: لا تعصوا الرسولَ ﷺ فيما يأمرُكم به من القتالِ، فتبطل حسناتُكم
وعن مقاتلِ بنِ حيان، قال: بلغَنَا أنها نزلتْ فشقَّت على أصحابِ النبيِّ
ﷺ وهم يومئذ يروْنَ أنه ليس شيءٌ من حسناتِهِم إلا هي مقبولةٌ، فلما نزلتْ هذه الآيةُ، قال أبو بكرٍ:
ما هذا الذي يبطلُ أعمالنا؟ فبلغني - واللهُ أعلمُ -
أنهم ذكروا الكبائرَ التي وجبتْ لأهلها النارُ، حتى جاءت الآيةُ الأخرى: (إِنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) .
فقال ابنُ عمرَ: لما جاءتْ هذه الآية ُ، كفَفْنا عن القولِ في ذلك، وردَدْنا إلى اللَّهِ ،
стр. 193
وكنا نخافُ على من رَكبَ الكبائرِ والفواحشَ أنها تهلكُه.
والآثارُ عن السلفِ في حبوطِ بعضِ الأعمالِ بالكبيرةِ كثيرة جدًّا، يطولُ
استقصاؤها.
حتَّى قالَ حذيفةُ: قذفُ المُحْصنةِ يَهدِمُ عملَ مائة سنةٍ.
وخرَّجه البزار عنه مرفوعًا.
وعن عطاءٍ، قال: إنَّ الرجل ليتكلَّمُ في غضبِهِ بكلمةٍ، يهدِم بها عملَ
ستينَ سنةٍ، أو سبعينَ سنةٍ.
وقال الإمامُ أحمدُ - في روايةِ الفضلِ بنِ زيادٍ، عنه -: ما يؤمنُ أحدُكم
أن ينظرَ النظرةَ، فيحبطَ عملُه.
وأمَّا مَن زعم أن القولَ بإحباطِ الحسناتِ بالسيئاتِ قولُ الخوارج والمعتزلةِ
خاصةً، فقد أبطلَ فيما قال، ولم يقفْ على أقوالِ السلفِ الصالح في ذلك.
نعم، المعتزلةُ والخوارجُ أبطلُوا بالكبيرةِ الإيمانَ كلَّه، وخلَّدُوا بها في النارِ.
وهذا هو القولُ الباطلُ، الذي تفرَدُوا به في ذلك.
ثم خرَّج البخاريُ في هذا البابِ حديثينِ:
أحدُهما: حديث: شُعْبةَ، عن زُبيدٍ، قالَ: سألتُ أبا وائل عن المُرْجئة؟
فقالَ: حدَّثني عبدُ اللَّهِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "سبابُ المسلم فُسُوقٌ وقِتالُهُ كفرٌ".
فهذا الحديثُ ردَّ به أبو وائلٍ على المرجئةِ، الذي لا يُدخلون الأعمالَ في
стр. 194
الإيمانِ، فإن الحديثَ يدلُّ على أنَّ بعضَ الأعمالِ يسمَّى كفرًا، وهو قتالُ
المسلمينَ، فدلَّ على أنَّ بعضَ الأعمالِ يسمَّى كفرًا، وبعضَها يسمَّى إيمانًا.
وقد اتهمَ بعضُ فقهاءِ المرجئة أبا وائلٍ في روايةِ هذا الحديثِ.
وأما أبو وائلٍ، فليس بمتهمٍ، بل هو الثقةُ العدلُ المأمونُ.
وقد رواه معه، عن ابنِ مسعودٍ - أيضًا - أبو عمرٍو الشيبانيُّ وأبو الأحوصِ
وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ.
لكن، فيهم من وقفَه.
ورواه - أيضًا - عن النبيِّ ﷺ : سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وغيرُه.
ومثلُ هذا الحديثِ: قولُ النبيِّ ﷺ :
"لا ترجعوا بعدِي كفارًا، يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ".
وقد سبقَ القولُ في تسميةِ بعضِ الأعمالِ كفرًا وإيمانًا مستوفًى في
مواضعَ.
قال أبو الفرج زينُ الدّينِ ابنُ رجبٍ: وقد ظهرَ لي في القرآن شاهدٌ
لتسميةِ القتالِ كفرًا، وهو قولُه تعالى - مخاطبًا لأهلِ الكتابِ -:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) .
стр. 195
والمعنى: أنَّ اللَّهَ حرَّم على أهلِ الكتابِ أن يقتلَ بعضُهم بعضًا، أو يخرجَ
بعضُهم بعضًا من دارِه، وكان اليهودُ حلفاء الأوسِ والخزرج بين المدينة، فكانَ إدْا وقعَ بينَ الأوسِ - أو الخزرج - وبينَ اليهودِ قتالٌ، ساعدَ كل فريقٍ من اليهودِ بحلافه من الأوسِ والخزرج على أعدائِهم، فقتلوهم معهم.
وأخرجُوهم معهُم من ديارِهم، بعد أن حُرِّم عليهم ذلكَ في كتابهِم وأقرُّوا
بهِ، وشهدُوا به، ثُمَّ بعدَ أن يؤسَرَ أولئكَ اليهودُ يفدوهُم هؤلاءِ الذين
قاتلُوهم، امتثالاً لما أُمِروا به في كتابِهم من افتداءِ الأسرى منهم.
فسمَّى اللَّهُ فعلَهم للافتداءِ لإخوانهم إيمانًا بالكتابِ، وسمَّى
قتلَهم وإخراجَهم من ديارِهم كفرًا بالكتابِ، فدلتْ هذه الآية ُ على أنَّ القتالَ والإخراجَ من الديارِ إذا كان محرَّمًا يسمَّى كفرًا، وعلى أن فعلَ بعضِ
الطاعاتِ يسمَّى إيمانًا؛ لأنه سمَّى افتداءهم للأسارى إيمانًا.
وهذا حسنٌ جدًّا، ولم أرَ أحدًا من المفسرينَ تعرَّض له، وللَّهِ الحمدُ والمنَّةُ.
والحديثُ الثاني:
حديث: عُبادةَ بنِ الصامتِ، أنَّ النبيَّ ﷺ
خرَجَ يُخبرُ بليْلةِ القدْرِ، فتَلاحَى رَجُلانِ من المسلمينَ، فقالَ: "إنِّي خرجتُ لأخْبِرَكُم بليلةِ القدْرِ، وإنَّه تلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ فَرُفِعَتْ، فعسى أن يكون خيرًا لكُم، التمسُوها في السَّبعْ والتِّسع والخَمْسِ ".
إنَّما خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ في هذا البابِ، لذكرِ التلاحي.
والتلاحي: قد فسِّر بالسبابِ، وفسِّر بالاختصامِ والمُمَاراةِ من دونِ سبابِ.
стр. 196
ويؤيدُ هذا: أنه جاء في روايةٍ في "صحيح مسلم ": "فجاء رجلانِ
يحتقَّان "أيْ: يطلبُ كلُّ واحدٍ منهما حقَّه من الآخرِ، ويخاصمُه في ذلكَ.
فمن فسَّره بالسبابِ احتملَ عنده إدخال البخاريِّ للحديثِ في هذا البابِ:
أنَّ السباب تُعجَّلُ عقوبتُه حتى يُحرمَ المسلمونَ بسببِه معرفةَ بعضٍ ما يحتاجُون
إليه من مصالح دينهم.
وإنما رجا النبيُّ ﷺ أن يكون ذلك خيرًا، لأن إبهامَ ليلةِ القدْرِ أدْعى إلى قيام العشر كلِّه - أو أوْتَارِه - في طلبِها، فيكونُ سببًا لشدةِ الاجتهادِ وكثرتِه، ولكنَّ بيانَ تلك الليلةِ ومعرفتَهم إياها بعينِها له مزيةٌ على إبهامِها، فرُفِع ذلك بسبب التلاحي.
فدلَّ هذا الحديثُ على أن الذنوبَ قد تكون سببًا لخفاءِ بعضِ معرفةِ ما
يحتاجُ إليه في الدِّينِ.
وقال ابنُ سيرينَ: ما اختلفَ في الأهلِ (١) حتى قُتلَ عثمانُ.
فكلَّما أحدثَ الناسُ ذنوبًا أوجب ذلك خفاءَ بعضِ أمورِ دينِهِم عليهم.
وقد يكونُ في خفائِه رخصةٌ لمن ارتكبَه، وهو غيرُ عالمٍ بالنهي عنه، إذ لو
علِمَه ثم ارتكبَه لاستحقَّ العقوبةَ.
ومَن فسَّر التلاحي بالاختصامِ، قال: مرادُ البخاريِّ بإدخالهِ هذا الحديثَ
في هذا البابِ: أنَّ التلاحِي من غيرِ سبابٍ ليس بفسوق، ولا يترتَّبُ عليه
حكمُ الفسوقِ، لأنه كان سببًا لما هو خيرٌ للمسلمينَ.
стр. 197
وهذا هو الذي أشارَ إليه الإسماعيليُّ.
وفيه نظر. واللَّهُ أعلمُ.
ويحتملُ أن يكونَ مرادُ البخاريِّ: أن السبابَ ليس بمخرج عن الإسلامِ.
مع كونِه فسوقا، ولهذا قالَ في الحديثِ: "فتلاحى رجلانِ من المسلمين ".
فسمَّاهُما مسلمينِ مع تلاحِيهما.
وفي "مسندِ البزارِ" من حديثِ معاذٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قالَ: "إنَّ أولَ شيءٍ نهاني عنه ربِّي بعد عبادةِ الأوثانِ شربُ الخمرِ، وملاحاةُ الرِّجالِ ".
وفي إسنادِهِ: عمرُو بنُ واقدٍ الشاميُّ، وهو ضعيف جدًّا.
وإنما حُرمتِ الخمرُ بعدَ الهجرةِ بمدةٍ.
ولكن رواه الأوزاعيُّ، عن عروةَ بنِ رُوَيم - مرسلاً.
خرَّجه أبو داودَ في "مراسيلِهِ ".
* * *
قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)
فالعبدُ يحتاجُ إلى الاستعانةِ باللَّهِ والتوكلِ عليهِ في تحصيلِ العزمِ، وفي
العملِ بمقتضَى العزمِ بعدَ حصولِ العزمِ، قالَ اللَّهُ: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) .
стр. 198
والرشدُ: هو طاعةُ الله ورسولِه، قالَ اللهُ تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) .
وكان النبيُّ ﷺ يقولُ في خطبتِهِ: "من يطع اللَّهَ ورسولَهُ فقدْ رَشَد، ومن يعصِ اللهَ ورسولَهُ فقد غَوَى".
والرشدُ ضِدُّ الغَيِّ، قال تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .
فمن لم يكنْ رشيدًا فهوَ إمَّا غاوٍ وإمَّا ضال، كما قالَ تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) .
فالغاوي: من تعمَّدَ خلافَ الحقِّ، والضالُّ: من لم يتعمَّدْ.
والعزمُ نوعانِ: أحدُهما: عزمُ المريدِ على الدخولِ في الطريقِ، وهو من
البداياتِ.
والثانِي: العزمُ على الاستمرارِ على الطاعاتِ بعدَ الدخولِ فيها، وعلى
الانتقالِ من حالٍ كامل إلى حالٍ أكملَ منهُ، وهو مِنَ النهاياتِ، ولهذا سمَّى
اللَّهُ تعالى خواصَّ الرسلِ وهم أُولُو العزمِ، وهم خمسةٌ، وهم أفضلُ
الرسلِ، فالعزمُ الأولُ يحصِّلُ للعبدِ الدخولَ في كلّ خيرٍ والتباعُد من كلِّ شر
إذْ به يحصلُ للكافرِ الخروجُ من الكفرِ والدخولُ في الإسلامِ، وبه يحصلُ
للعاصِي الخروجُ من المعصيةِ والدخولُ في الطاعةِ، فإذا كانتِ العزيمةُ صادقةً.
وصمَّمَ عليها صاحبُها، وحملَ على هَوَى نفسِهِ وعلى الشيطانِ حملةً صادقةً
ودخلَ فيما أُمِرَ به من الطاعاتِ؛ فقد فازَ.
وعونُ اللَّهِ للعبدِ على قدرِ قوةِ عزيمتِهِ وضعفِهَا، فمنْ صمَّمَ على إرادةِ
стр. 199
الخيرِ أعانَهُ وثبته؛ كما قِيل:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتى العزائمُ. . . وتأتِي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
قال أبو حازمٍ: إذا عَزَمَ العبدُ على تركِ الآثامِ أتتْهُ الفتوح.
يشيرُ إلى ما يفتحُ عليه بتيسيرِ الإنابةِ والطاعةِ ومقاماتِ العارفينَ.
سُئِلَ بعضُ السلفِ: متى ترتحلُ الدُّنيا من القلبِ؟
قال: إذا وقعتِ العزيمةُ، ترحلتِ الدنيا من القلبِ
ودرجَ القلبُ في ملكوتِ السماءِ، وإذا لم تقع العزيمةُ اضطربَ القلبُ ورجعَ
إلى الدُّنيا، مَنْ صدقَ العزيمةَ يئسَ منه الشيطانُ، ومتى كانَ العبدُ مترددًا طمعَ فيه الشيطانُ وسوَّفَهُ ومنَاه، يا هذا، كلما رآكَ الشيطانُ قد خرجتَ من مجلسِ الذكرِ كما دخلتَ، وأنت غيرُ عازمٍ على الرشدِ فرِحَ بك إبليسُ، وقال: فديتُ من لا يفلحُ.
* * *
قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)
إنَّ أعظم نعم اللَّهِ على هذه الأُمَّة إظهارُ محمدٍ ﷺ لهم وبعثتهُ وإرسالُهُ إليهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) .
فإنَّ النِّعْمةَ على الأُمَّةِ بإرسالِهِ أعظمُ من النِّعْمةِ عليهم بإيجادِ السماءِ.
والأرضِ، والشَّمسِ، والقمرِ، والرِّياح، والليلِ، والنَّهارِ، وإنزال المطرِ،
стр. 200
وإخراج النباتِ، وغيرِ ذلك؛ فإنَّ هذه النِّعمة كلَّها قد عمَّتْ خلْقًا من بني آدمَ كفَرُوا باللَّهِ وبرُسُلهِ وبلقاءهِ، فبدّلوا نعمةَ اللَّهِ كفرًا.
وأمَّا النِّعْمةُ بإرسالِ محمدٍ ﷺ ، فإنَّ بها تمَّتْ مصالحُ الدنيا والآخرةِ، وكَمُلَ بسببها دينُ اللهِ الذي رَضيَهُ لعبادِه، وكان قبولُه سببَ سعادَتِهِم في دُنياهم وآخرتِهِم، فصيامُ يومٍ تجدَّدَتْ فيه هذه النِّعمُ من اللَّه على عبادهِ المؤمنينَ حسنٌ جميلٌ، وهو من بابِ مقابلةِ النِّعم في أوقاتِ تجدُّدِها بالشكر.
ونظيرُ هذا صيامُ يومِ عاشوراءَ حيث أنجَى اللَّهُ فيه نوحًا من الغرقِ، ونجَّى فيه
موسى وقوْمَه من فرعون وجنودِهِ، وأغرقهم في اليمِّ، فصامَهُ نوح وموسى
شكرًا للَّهِ، فصامَهُ رسول اللَّهِ ﷺ متابعةً لأنبياءِ اللَّهِ، وقال لليهودِ: "نحنُ أحقُّ بموسى منكم " فصامه وأمَرَ بصيامِهِ.
وقد رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتحرَّى صيامَ يومِ الاثنينِ ويومِ الخميس، رُوي ذلك عنه من حديثِ عائشةَ، وأبي هريرةَ، وأسامةَ بن زيدٍ.
وفي حديثِ أُسامةَ أنَّه سأله عن ذلك، فقال ﷺ : "إنَّهما يومان تُعرَضُ فيهما الأعمالُ على رَبِّ العالمين، فأُحِبُّ أن يُعْرَضَ عمَلِي وأنا صائم".
وفي حديثِ أبي هريرةَ، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال، "إئه يُغْفَرُ فيهما لكل مسلم، إلا مُهْتجِرَيْنِ، يقولُ: دعْهُما حتى يصطلحا".
стр. 201
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة مرفوعًا: "تفتح أبوابُ الجنةِ يومَ الاثنين
والخميس، فيُغْفَرُ لكلّ عبدٍ لا يُشْركُ باللَّهِ شيئًا، إلا رجلٌ كانتْ بينه وبين أخيه شحناءُ.
فيقالُ: أنظِرُوا هذين حتَّى يصْطلحا".
ويُروى من حديثِ أبي أمامة مرفوعًا:
"تُرْفع الأعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ.
فيُغْفَرُ للمستغْفِرينَ، ويُتركُ أهلُ الحِقْدِ بحقدِهِم ".
وفي "المسندِ" عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ :
"إنَّ أعمالَ بني آدمَ تُعْرَضُ على اللَّهِ ﵎ عشيّةَ كلِّ خميسٍ، ليلة الجُمعة، فلا يُقْبَل عَمَلُ قاطع رَحِم ".
كان بعضُ التابعينَ يبْكي إلى امرأته يومَ الخميسِ وتبكي إليه، ويقول:
اليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا على اللَّهِ .
يا من يُبَهْرِجُ بعملِهِ، على مَنْ تُبَهْرِجُ، والناقدُ بصيرٌ؛ يا منْ يُسوِّفُ بتطويلِ
أمَلِه، إلى كمْ تسوِّفُ والعُمُرُ قصير؟
صرُوفُ الحَتْفِ مُتْرَعَةُ الكؤوسِ. . . تُدارُ على الرَّعايا والرُّؤوسِ
فلا تتْبَعْ هواكَ فكل شَخْصٍ. . . يصيرُ إلى بِلى وإلى دُرُوسِ
وخَفْ مِن هوْلِ يومٍ قمطريرٍ. . . مَخُوفٍ شرةُ ضنْكٍ عبُوسِ
فما لَكَ غيرُ تقوى اللَهِ زادًا. . . وفِعْلُكَ حين تُقْبَرُ من أنيسِ
فحَسِّنْهُ ليُعْرضَ مُستقيمًا. . . ففي الاثنينِ يُعرَضُ والخميسِ
* * *
стр. 202
قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)
أما الأنبياءُ عليهمُ الصلأةُ والسلامُ، فليسَ فيهم شكّ أنَّ أرواحَهم عندَ اللَّه
في أعلى عليين.
وقد ثبتَ في "الصحيح " أنَّ آخرَ كلمة تكلَّم بها النبيُّ ﷺ عند موتِهِ أنْ قالَ: "اللَّهُمَّ الرفيقُ الأعلى" وكرَّرها حتى قبضَّ.
وقال رجل لابنِ مسعود: قُبضَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فأينَ هُو؟ قال: في الجنةِ.
وأمَّا الشهداءُ فأكثرُ العلماءِ على أنهم في الجنةِ، وقد تكاثرتِ الأحاديثُ
بذلك.
ففي "صحيح مسلم " عن مسروق، قالَ: سألنا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودَ ﵁، عن هذه الآيةِ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ، فقالَ: أما إنا قدْ سألنا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلكَ، فقال: "أرواحُهُم في جوفِ طيرٍ خضرٍ، لها قناديلُ معلقة بالعرشِ، تسرحُ في الجنةِ حيثُ شاءتْ، ثم تأوي إلى تلكَ القناديلِ، فاطَّلع إليهم ربُّهم اطلاعة، فقالَ:
هل تشتهونَ شيئًا؛ قالُوا: أيَّ شيء نشتهي ونَحنُ نسرحُ من الجنةِ حيثُ شِئنا، ففعلَ ذلكَ بهم ثلاثَ مرات، فلمَّا رأوَا أنَّهم لم يُتركوا من أنْ يُسألوا، قالُوا: يا ربَّ نريدُ أن تردَّ أرواحَنا في أجسادِنا حقى نقتلَ في سبيلِكَ مرة أُخرى، فلمَّا رأى أنْ ليسَ لهم حاجةً تُرِكُوا ".
стр. 203
روى الإمام أحمدُ، وأبو داودَ، والحاكم، من حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ.
عن ابنِ عباسٍ ﵂، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لمَّا أصيبَ إخوانُكم بأحدٍ جعلَ اللَّهُ أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تردُ أنهارَ الجنةِ، وتأكلُ من ثمارِها، وتأوِي إلى
قنادِيلَ من ذهبٍ، معلقةٍ في ظلِّ العرشِ، فلمَّا وجدُوا طيبَ مأكلهِم ومشربِهِم ومقيلِهم، قالُوا: من يبلغُ عنَّا إخوانَنا أنا أحياءٌ في الجنةِ نرزقُ، لئلا ينكُلوا عن الحربِ، ولا يزهدُوا في الجهادِ؟ " قال: "فقال اللَّهُ : أنا أبلِّغُهم عنكُم، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ".
وخرَّج أبو عبد اللَّهِ بن منده وغيرُهُ، حدثنا إسماعيلُ بنُ المختارِ عن عطيةَ.
عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قال:
"أرواحُ الشهداءِ في طيرٍ خضرٍ، ترعى في رياضِ الجنةِ، ثم يكونُ مأواها إلى قناديلَ معلقةٍ بالعرشِ، فيقولُ لهم الربّ :
هلْ تعلمونَ ك رامةً أكرمَ مِنْ كرامةٍ أَكْرَمتُكُموها؟
فيقولون: لا، إنَّا وَدَدْنا أنك رددتَ أرواحَنا في أجسادنا حتى نقاتلَ مرةً أخرى، فنقتلَ في سبيلِكَ ".
وخرَّج أبو الشيخ الأصبهانيُّ وغيرُهُ، من طريقِ عبدِ اللَّهِ بنِ ميمونَ، عن
عمِّه مصعبِ بنِ سليمٍ، عن أنسٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "يبعثُ اللَهُ الشهداءَ من حواصلِ طيرٍ بيضٍ كانُوا في قناديلَ معلقةٍ بالعرشِ ".
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ وصححه، من حديثِ عمرِو بنِ دينارٍ.
عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 204
قالَ: "إنَّ أرواح الشهداءِ في طير خضر، تعْلُقُ من شجرِ الجنة".
كذا رواه عمرُو، عنِ الزهريّ، ورواه سائرُ أصحابِ الزهريِّ عنه، ولم يذكرُوا: الشهداءَ، إنَّما ذكروا نسمةَ المؤمنِ وسيأتِي حديثُهم إن شاءَ اللَّهُ.
وقد ذكرنا فيما تقدم حديثَ أبي عبادةَ عيسى بنِ عبدِ الرحمنِ، عن
الزهريِّ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن إسماعيلَ بنِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن
أبيه، عن النبيِّ ﷺ في شهداءِ أحدٍ، وهو منكر، وأبو عبادةَ هذَا: ضعيفٌ جدًّا.
وخرَّج ابنُ منده، من طريقِ معاويةَ بنِ صالح، عن سعيدٍ بنِ سويدٍ، أنّه
سألَ ابنَ شهابٍ عن أرواح المؤمنينَ فقالَ: بلغني أن أرواحَ الشهداءِ كطيرٍ
خضرٍ معلقة بالعرشِ، تغدُو ثم تروحُ إلى رياضِ الجنةِ، تأتي ربَّها
في كلِّ يومٍ تسلِّمُ عليه، وهذا أشبهُ.
وكذا قال الضحاكُ، وإبراهيمُ التيميُّ، وغيرُهما من السلفِ، في أرواح
الشهداءِ.
وخرَج ابنُ منده، من طريقِ عبدِ الرحمن بن زيادِ بنِ أنعمَ، عن حِبَّانَ بنِ
أبي جبلةَ، قالَ: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إنَّ الشهداءَ إذا استشهدُوا أنزلَ اللَّهُ جسدًا كأحسنِ جسد، ثم يقالُ لروحه: ادخلي فيه، فينظر إلى جسدهِ الأولِ ما يُفْعلُ به، ويتكلمُ فيظنُ أنهم يسمعونَ كلامَه، وينظرُ بهِم، فيظنُّ أنهم ينظرونَه، حتى تأتيَه أزواجُه - يعني الحورَ العينِ - فيذهبْنَ بِهِ ".
ويشهدُ لهذه النصوصِ - أيضًا - ما في "الصحيحينِ " عن جابرٍ، قالَ:
стр. 205
قالَ رجل يومَ أُحُدٍ: أين أنا إنْ قتلتُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "في الجنة"، فألقى تمراتٍ كنَّ في يدهِ، ثم قاتلَ حتى قُتِلَ.
وفي "صحيح مسلم " عن أنسٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأصحابِهِ يومَ بدرٍ:
"قومُوا إلى جنة عرضُها السماواتُ والأرضُ ".
وذكر قصةَ عميرِ بن الحمامِ.
وفي "صحيح البخاريِّ " عن المغيرةِ بن شعبةَ، قالَ: أخبرنا نبيُّنا ﷺ عن رسالةِ ربِّنا أنه من قُتِلَ صارَ إلى الجنةِ.
و"فيه " - أيضًا - عن المسورِ بنِ مَخْرَمةَ، ومروانَ بنِ الحكم، أنَّ عمرَ
﵁، قال للنبيِّ ﷺ يومَ الحديبيةِ: أليسَ قتلانا في الجنةِ وقتلاهُم في النارِ؟
قال: "بلَى".
وفي "صحيح مسلم" عن أبي مُوسى، عن النبيِّ ﷺ
قالَ: "إنَّ أبوابَ الجنةِ تحتَ ظلالِ السيوفِ ".
وفي "صحيح البخاريِّ " عن أنسٍ ﵁، قالَ: أصيبَ حارثة يومَ بدرٍ - وهو غلامٌ - فجاءتْ أمُّه إلى النبيِّ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، قد عرفتَ منزلةَ حارثةَ مِنِّي، فإن يكنْ في الجنةِ صبرتُ واحتسبتُ، وإن تكن الأُخرى ترى ما أصنعُ؟
قالَ: "ويحكِ أو هبلتِ؟ جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنهُ في جنةِ الفردوسِ ".
стр. 206
وخرَّج الترمذيُّ، والحاكم، من حديثِ أبي هريرةَ ﵁.
عن النبيِّ ﷺ قالَ: "رأيتُ في الجنةِ جعفرًا يطيرُ مع الملائكةِ".
وخرَّج الحاكم من حديثِ ابنِ عباس ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال:
"دخلتُ البارحةَ الجنةَ فنظرتُ فيها، فإذا جعفرُ يطيرُ مع الملائكةِ، وإذا حمزةُ متكئٌ على سرير".
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو يَعْلى، وابنُ أبي الدنيا، من حديثِ ثابتٍ.
عن أنسٍ ﵁، قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ تعجبُهُ الرؤيا الحسنةُ، فكانَ فيما يقولُ: "هل رأى أحا منكم رؤْيا؟ "
فإذا رأى الرجلُ الذي لا يعرفُه الرؤْيا، سألَ عنه، فإن أخبرَ عنه بمعروفٍ كان أعجبَ لرؤياه، قال: فجاءتِ امرأةٌ فقالتْ:
يا رسولَ اللَّهِ، رأيتُ في المنامِ كأنَي خرجتُ فأُدْخِلتُ الجنةَ، فسمعتُ وجبةً
ارتجتْ لها الجنةُ، فإذا أنا بفلانٍ وفلان وفلانٍ، حتى عدَّتْ اثني عشرَ رجلاً -
وبعثَ رسولُ اللَّه ﷺ سرية قبل ذلكَّ فَجيءَ بهم عليهم ثيابٌ طلس تشخبُ أوداجُهم، فقالَ: "اذهبوا بهم إلى نهرِ البيذخ، فغمسُوا فيه، فأخرجُوا ووجوهُهم كالقمرِ ليلةَ البدرِ، وأُتوا بكراسي من ذهبٍ فأقعدوا عليها، وجيءَ بصحفةٍ من ذهب فيها
بسر، فأكلوا من بُسره ما شاءُوا فما يقلِّبونَها لوجهٍ إلا أكلوا
من فاكهةٍ ما شاءُوا".
قالتْ: وأكلتُ معهُم، قال: فجاءَ البشيرُ من تلك السريةِ، فقال: يا
رسولَ اللَّه! كان كذا وكذا، وأصيبَ فلان وفلان حتى عدَّ اثني عشر رجلاً، فقالَ: عليًّ بالمرأةِ" فقال: "قصِّي رؤياكَ على هذا" فقال الرجلُ: هو كما قالتْ، أصيب فلان وفلان.
стр. 207
وروى ابنُ عيينةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي يزيدَ، سمعَ ابنَ عباسٍ، يقول:
أرواحُ الشهداءِ تجول في حواصلِ طيرٍ خضرٍ، تعْلُقُ في ثمرِ الجنةِ.
وروى معمر، عن قتادةَ، قالَ: بلغنا أن أرواحَ الشهداءِ في حواصلِ طيرٍ
بيضٍ، تأكلُ من ثمارِ الجنةِ.
وروى أبو عاصم، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ عمرٍو، قال: أرواحُ الشهداءِ في أجوافِ طيرٍ كالزرازيرِ، يتعارفونَ
ويرزقونَ من ثمرِ الجنةِ.
وروى ابنُ المباركِ، عن زائدةَ، حدَّثنا ميسرةُ الأشجعيُّ، عن عكرمةَ، عن
ابنِ عباسٍ، عن كعبٍ ﵁، قال: جنةُ المأوَى: جنةٌ فيها طير خضرٌ، ترعى فيها أرواحُ الشهداءِ.
كذا رواه عطيةُ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: قلت لكعبٍ: إني أسألُك عن أشياءَ
فإنْ كانتْ في كتابِ اللَّهِ فحدِّثْني، وإن لم يكنْ في كتابِ اللَّهِ فلا تحدثني.
فذكرَ مسائلَ، فقال كعبٌ: ما سألْتَني عن شيءٍ إلا وهوَ في كتابِ اللَّهِ، قال: وأمَّا جنةُ المأوى فإنَّها جنة فيها أرواحُ الشهداءِ، في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تأوي إلى قناديلِ الجنةِ.
وروى أبو المغيرةِ عبدُ القدوسِ بن الحجاج، حدثنا عمرُو بنُ عمرَ
الأحموسي، عن السفرِ بنِ نسيرٍ، قال: سئلَ أبو الدرداء عنْ أرواح الشهداءِ
فقال: هي طيرٌ خضرٌ، معلقةٌ في قناديلَ تحت العرشِ، تسرحُ في الجنةِ حيثُ
شاءتْ، ثم ترجعُ إلى قناديلِها.
وروى ليثٌ عنِ أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: أرواحُ
стр. 208
الشهداءِ طيرٌ خضرٌ في قناديلَ تحتَ العرشِ تسرحُ في الجنةِ حيثُ شاءتْ، ثم
تأوِي إلى قناديلِها.
ورُوي عن مجاهد، أنه قالَ: ليس الشهداءُ في الجنة، ولكنَّهم يرزقونَ
منها. ً
فروى آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحِ، عن مجاهدٍ في
قولِهِ تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءِّ عِندَ رَبِّهِم
يرْزَقُونَ) الآية.
قال: يقول: أحياءٌ عندَ ربِّهم يرزقونَ من ثمرِ الجنةِ، ويجدونَ ريحَها وليسُوا فيها.
وروى ابنُ المباركِ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس هم في
الجنةِ، ولكنَّهم يأكلونَ من ثمارِهَا، ويجدونَ ريحَهَا.
وقد يستدل لقولِهِ بما رواه ابنُ إسحاقَ، عن عاصمٍ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عن
محمودِ بنِ لبيدٍ، عن ابن عباسٍ ﵄، قال: قال رسولُ اللَّهِ
ﷺ : "الشهداءُ على بارقِ نهر بباب الجنة، في قبة خضراءَ، يخرجُ عليهم رزقُهم من الجنةِ بكرةً وعشيًّا". ًً
وخرَّجه ابنُ منده، ولفظُه: "على بارقِ نهر في الجنةِ".
وهذا يدلُّ على أنَّ النهرَ خارجٌ من الجنةِ، وابنُ إسحاقَ مدلسٌ، وليس
يصرحُ بالحديثِ هنا، ولعلَّ هذا في عمومِ الشهداءِ، والذينَ في القناديلِ التي
تحتَ العرشِ خواصُّهم، ولعلَّ المرادَ بالشهداءِ هنا من هو شهيدٌ من غيرِ قَتْلٍ.
стр. 209
في سبيلِ اللَّهِ، كالمطعونِ والمبطون والغريقِ وغيرِهم ممنْ وردَ النصُّ بأنه
شهيدٌ.
والأحاديثُ السابقةُ كلُّها فيمن قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ، وبعضُها صريحٌ في
ذلكَ.
وفي بعضِها أن الآيةَ نزلتْ في ذلك، وهو قولُهُ تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَ
الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) الآية، والاَية نصٌّ في المقتولِ في سبيلِ اللَّهِ.
وقد يطلقُ الشهيدُ على من حقَّقَ الإيمانَ وشهدَ بصحتِهِ بقولِهِ، كما قال
تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) .
قالَ ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهد، في هذه الآية يقولُ: يشهدونَ على
أنفسِهِم بالإيمانِ باللَّهِ.
وروى سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قالَ: كلُّ مؤمنٍ صدِّيقٌ وشهيدٌ.
ثم قرأ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ همُ الصِّدِيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) .
وخرج ابن أبي حاتمٍ، من رواية رِشدين بنِ سعدٍ، عن ابنِ عقيلٍ، عن
أبيه عن أبي هريرةَ ﵁، قالَ: كلُّكم صديقٌ وشهيد، قيلَ له: ما تقولُ يا أبا هريرة؟ قالَ: اقرأوا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُم الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) .
وخرَّج ابنُ جريرٍ، من طريقِ إسماعيلَ بنِ يحيى التيمي،
стр. 210
عن ابنِ عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن البراءِ بن عازدب، عن النبيّ ﷺ قالَ: "مؤمنو أمتِي شهداءٌ" ثم تلا رسولُ اللَّهِ هذه الآيةَ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلهِ أوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) ، وإسماعيلُ هذا: ضعيفٌ جدًّا.
ويَعضَدُ هذا ما وردَ في تفسير قولِه تعالى: (لِّتَكونوا شهَدَاء عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) من شهادةِ هذه الأمةِ للأنبياءِ عليهم
السلامُ بتبليغ رسالاتِهم.
وبكلِّ حالٍ فالأحاديثُ المتقدمةُ كلُّها في الشهيدِ المقتولِ في سبيلِ اللَّهِ عزَّ
وجلَّ لا تحتملُ غيرَ ذلكَ، وإنَّما النظرُ في حديثِ ابنِ إسحاقَ هذا واللَّهُ
أعلمُ.
وأما بقيةُ المؤمنينَ سوى الشهداءِ؛ فينقسمونَ إلى: أهلِ تكليف، وغيرِ أهلِ
تكليفٍ؛ فهذانِ قسمانِ:
أحدُهما: غيرُ أهل التكليفِ: كأطفالِ المؤمنينَ.
فالجمهورُ على أنهم في الجنة، وقد حكى الإمامُ أحمدُ الإجماعَ على
ذلك.
وقال - في روايةِ جعفرِ بنِ محمدٍ -: ليسَ فيهم اختلافٌ، يعني أنهم في
وقالَ - في روايةِ الميمونيّ -: لا أحدَ يشكُّ أنَّهم في الجنةِ.
وذكر الخلالُ من طريقِ حنبل، عن أحمدَ، قالَ: نحن نقرُّ بأنّ الجنةَ قد
خلقتْ، ونؤمنُ بها، والجنةُ والنار مخلوقتانِ، قال اللَّهُ : (النَّارُ
يُعْرَضونَ عَلَيْهَا غُدوًّا وَعَشِيًّا) ، لآلِ فرعونَ، وقالَ: أرواحُ ذراري
стр. 211
المسلمينَ، في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تسرحُ في الجنةِ، يكفلُهم أبوهم إبراهيمُ.
فيدلُّ هذا على أنهما قد خلقَتا.
وكذلكَ نصَّ الشافعيُّ على أن أطفال المسلمينَ في الجنةِ.
وجاء صريحًا عن السلفِ على أنَّ أرْواحهم في الجنةِ كما روى الليثُ، عن
أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: إنَّ أرواحَ الشهداءِ في أجوافِ
طيرٍ خضرٍ، تسرحُ بهم في الجنةِ حيث شاءُوا، وإن أرواحَ ولدانِ المسلمينَ
في أجوافِ عصافيرَ في الجنة، تسرحُ بهم في الجنة حيثُ شاءتْ فتأوِي إلى
قناديلَ معلقةٍ في العرشِ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.
ورواه الثوريُّ والأعمشُ، عن أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، من قولِه، لم يذكرِ
ابنَ مسعودٍ.
وخرَّج البيهقيُّ، من طريقِ عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، عن كعبٍ، نحوَه.
وخرَّج الخلالُ، من طريقِ ليثٍ، عن أبي الزبيرِ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ.
قالَ: إنَّ في الجنةِ لشجرةً لها ضروعٌ كضروع البقرِ، يغذَّى به ولدانُ أهلِ
الجنةِ، حتَّى إنَّهم ليستنونَ استنانَ البكارةِ.
وخرَّج ابنُ أبي حاتمِ بإسنادهِ، عن خالدِ بن معدانَ، قالَ: إنَّ في الجنةِ
شجرةً يقال لها: طُوبى ضروعٌ كلُّها، تُرْضِعُ صبيانَ أهلِ الجنةِ، وإنّ سقْطَ
المرأةِ يكونُ في نهرٍ من أنهارِ الجنةِ، يتقلبُ فيه حتى تقومَ الساعةُ، فيبعثُ ابنَ
أربعينَ سنةٍ.
ويدلُّ على صحةِ ذلك ما في "صحيح مسلمٍ" عن أنسٍ قالَ: لما تُوفِّي
стр. 212
إبراهيمُ ﵇، قالَ النبيُّ ﷺ :
"إنَّ إبراهيمَ ابني، وإنه ماتَ في الثدْي، وإنَّ له لظئرَيْنِ فيكفَلانِ رِضاعَهُ في الجنةِ"
وخرَّجَ ابنُ ماجةَ نحوَه من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄.
وحْرَّج الإمامُ أحمد نحوَه من حديثِ البراءِ بن عازبٍ.
وروى سعيدُ بن منصورٍ، عن إسماعيلَ بنِ عياشٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عثمانَ
بنِ خُثَيْم، عن مكحولٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:
"إن ذرارِي المؤمنينَ أرواحُهم في عصافيرَ في شجرٍ في الجنةِ، يلقاهُم أبوهُم إبراهيمُ ﵇ ".
وكذا رواه عليٌّ بنُ عثمانَ اللاحقيُّ، عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن أبنِ خُثَيْم.
عن مكحولٍ، إلا أنه قالَ: عصافيرُ حْضر في الجنةِ. وهذا مرسلٌ، ولفظه
يشبُه لفظَ الحديثِ الذي احتجَ به الإمامُ أحمدُ على خلقِ الجنةِ، كما تقدَّم.
وقد رُويَ متصلاً من وجهٍ آخرَ، من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثابتِ بنِ
ثوبانَ، عن عطاءِ بنِ قُرة، عن عبدِ اللَّهِ بنِ ضمرةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"ذرارِي المؤمنينَ يكفلُهم إبراهيمُ ﵇ في الجنةِ"
خرَّجه ابنُ حبانَ في "صحيحِه " والحاكمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ.
وخرَّجهُ الإمامُ أحمد، عن موسى بن داودَ، عن ابنِ ثوبانَ، إلا أنَّه ذكرَ
أنَّ موسى شكَّ في رفعهِ.
ولكنْ رواهُ غيرُ واحدٍ، عن ثوبانَ، ولم يشكُّوا في رفعِهِ.
стр. 213
ورُويَ من وجهٍ آخرَ، من روايةِ مؤملٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ الأصبهانيِّ.
عن أبي حازمً، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أولادُ المسلمين في جبلٍ في الجنةِ، يكفلُهم إبراهيمُ وسارةُ ﵉ فإذا كان يومُ القيامةِ دُفعوا إلى آبائِهِم ".
وكذا رواه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ نمير، عن وكيع، عن سفيانَ مرفوعًا.
ورواهُ ابنُ مهدي وأبو نعيم، عن سفيانَ، موقوفًا، قال الدارقطنيُّ:
والموقوفُ أشبهُ.
ومما يستدلُّ لهذا - أيضًا - ما خرَّجه البخاريُّ عن سمرةَ بتِ جندبٍ.
عن النبيِّ ﷺ أنَّه رأى في منامِهِ جبرائيل وميكائيل أتياه فانطلَقَا بهِ، وذكر حديثًا طويلاً، وفيه: "فإذا روضة خضراءُ فيها شجرةٌ عظيمةٌ وإذا شيخٌ في أصلِها حولَهُ صبيانُ، فصعدَا بي الشجرةَ وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسنَ منها، فإذا فيها رجالٌ وشيوخ وشبابٌ وفيها نساءٌ وصبيانٌ "، وذكرَ الحديثَ وفيه: "قالا: فأمَّا الشيخُ الذي رأيتَ في أصلِ الشجرةِ فذاك إبراهيمُ، وأمَّا الصبيانُ الذي رأيتَ حولَه فأولادُ الناسِ ".
وفي روايةٍ: "فكل مولودٍ ماتَ على الفطرةِ، وأمَّا الدارُ التي دخلتَ أولاً فدارُ عامةِ المؤمنينَ، وأمَّا الدارُ الأخرى فدار عامةِ الشهداءِ ".
ورواه ابنُ خلدةَ، عن أبي رجاءٍ العطارديِّ، عن سمرةَ، وفي حديثِه:
"قلتُ: فالذينَ في الروضة؟
قال: أولئكَ الأطفالُ، وُكِّلَ بهم إبراهيمُ ﵇، يربِّيهم إلى يوم القيامةِ".
стр. 214
وخرَّج الطبرانيُّ، والحاكم، من حديثِ سليم بنِ عامرٍ، عن أبي أمامةَ.
عن النبيِّ ﷺ قال: "بينَا أنا نائم انطلقَ بي إلى جبل وعرٍ"، فذكرَ الحديثَ، وفيه: "ثمَّ انطلقَ بي حتى أشرفتُ على غلمانٍ يلعبونَ بين نهرين، قلتُ: مَنْ هؤلاءِ؟
قال: ذراري المؤمنينَ يحضنُهم أبوهم إبراهيمُ ﵇ ثم انطلقَ بي حتى أشرفتُ على ثلاثة نفرٍ، قلتُ: من هؤلاءِ؟
قال: إبراهيمُ وموسى وعيسى ﵈ وهم ينتظرونك ".
وذهبتْ طائفةٌ إلى أنَّه يشهدُ لأطفالِ المؤمنينَ عمومًا أنهم في الجنةِ ولا
يُشهد لآحادِهِم، كما يُشهدُ للمؤمنينَ عمومًا أنهم في الجنةِ، ولا يشهد
لآحادهم وهو قولُ إسحاقَ بن راهويه، نقله عنه إسحاقُ بنُ منصورٍ وحربٌ
في مسائلِهما، ولعلَّ هذا يرجعُ إلى الطفل المُعَيَّنِ لا يُشْهَد لأبيه بالإيمانِ، فلا
يُشْهدُ له حينئذٍ أنه من أطفالِ المؤمنين، فيكونُ الوقفُ في آحادهم كالوقفِ في
إيمانِ آبائِهم.
وحكى ابنُ عبد البرِّ عن طائفةٍ من السلفِ القولَ بالوقفِ في أطفالِ
المؤمنينَ، وسمَّى منهم حمادَ بنَ زيدٍ، وحمادَ بنَ سلمةَ، وابنَ المباركِ.
وإسحاقَ، وهذا بعيدٌ جدًّا، ولعله أخذَ ذلكَ من عموماتِ كلامٍ لهم، وإنما
أرادوا بها أطفالَ المشركين.
وكذلكَ اختارَ القولَ بالوقفِ طائفةٌ منهُم: الأثرمُ، والبيهقيُّ.
وذكِرَ أنَّ ابنَ عباسٍ رجعَ إليه والإمامُ أحمدُ ذكر أن ابنَ عباسٍ إنما قالَ ذلك في أطفال المشركينَ، وإنما أخذه البيهقي من عمومِ لفظٍ رُويَ عنه، كما أنه رُوي في
стр. 215
بعص ألفاظِ حديثِ أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئلَ عن الأطفالِ، فقالَ: "اللهُ أعلمُ بما كانُوا عاملينَ "، ولكن الحفَّاظَ الثقاتِ ذكرُوا أنه سئلَ عن أطفالِ المشركينَ.
واستدلَّ القائلونَ بالوقفِ، بما أخرَّجَهُ مسلم، من حديثِ فضيلِ بنِ
عمرو، عن عائشةَ بنتِ طلحةَ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ ﵂، قالتْ: توفِّي صبيّ، فقلتْ: طُوبى له، عصفور من عصافيرِ الجنةِ.
فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ :
"أو لا تدرينَ أنَّ اللَّهَ خلقَ الجنةَ وخلقَ النارَ، فخلقَ لهذهِ أهلاً ولهذِه أهلاً".
وخرَّجه مسلم - أيضًا - من طريقِ طلحةَ بنِ يحيى، عن عمّتِه عائشةَ بنتِ
طلحةَ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ ﵂، قالتْ: دُعِيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى جنازةِ صبيٍّ من الأنصارِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ طُوبى لهذا، عصفور من عصافيرِ أهلِ الجنةِ، لم يعملِ السوءَ ولم يدركه، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أو غيرَ ذلكَ يا عائشةَ، إن اللَّهَ خلق للجنَّةِ أهلاً، خلقَهُم لها وهمْ في أصلابِ آبائِهِم ".
وقد ضعَف الإمامُ أحمدُ ﵁ هذا الحديثَ من أجلِ طلحةَ بنِ
يحيى، وقالَ: قد رَوى مناكيرَ، وذكر له هذا الحديثَ، وقال ابنُ معينٍ فيه:
ليس بالقويِّ.
وأما روايةُ فضيلِ بنِ عمرٍو له عن عائشةَ، فقال أحمدُ: ما أراه سمعهُ إلا
من طلحةَ بنِ يحيى، يعني أنه أخذه عنه، ودلَّسهُ، حيثُ رواه عن عائشةَ بنتِ
طلحةَ.