Полный текст (1 372 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
في سورةِ النحلِ وسورةِ الحج، وربما كانت أكثر ذكرًا للَّهِ من بعضِ بني آدمَ.
وفي "المسندِ" مرفوعًا: "رُبَّ بهيمةٍ خيرٌ من راكِبِها، وأكثرُ للَّهِ منه ذكرًا".
وقد أخبر اللَّه تعالى في كتابِهِ أنَّ كثيرًا من الجنِّ والإنسِ كالأنعامِ بل هم
أضلُّ.
فأباحَ اللَّهُ ذبْحَ هذه البهائم المطيعةِ الذاكرةِ له لعبادِهِ المؤمنينَ حتى
تتقوى بها أبدانُهم، وتكمُلَ لذَّاتُهم في أكلِهِم اللحومَ، فإنَها من أجلِّ الأغذيةِ
وألذِّها، مع أنَّ الأبدانَ تقومُ بغيرِ اللحم من النباتاتِ وغيرها، لكن لا تكمُل
القوَّةُ والعقلُ واللذةُ إلا باللحم، فأباحَ للمؤمن قَتْلَ هذه البهائم والأكْلَ من
لحومها، ليكمّل بذلك قوَّةَ عباده وعقولَهم، فيكونُ ذلك عوْنًا لهم على علومٍ نافعةٍ وأعمال صالحةٍ يمتازُ بها بنو آدمَ على البهائم، وعلى ذكْرِ اللَّه ، وهو أكثرُ من ذكرِ البهائم، فلا يليقُ بالمؤمن مع هذا إلا مقابلةُ هذه النعم بالشكرِ عليهَا، والاستعانةُ بها على طاعةِ الله ، وذكْرِه حيثُ فضَّلَ اللَّهُ ابنَ آدمَ على كثيرٍ من المخلوقات، وسخَّر له هذه الحيواناتِ، قال اللَّهُ تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) .
فأمَّا من قَتَلَ هذه البهائمَ المطيعةَ الذَّاكرة للَّهِ ، ثم استعانَ بأكلِ
لحومِهَا على معاصِي اللَّهِ ، ونسِي ذكرَ اللَّهِ ، فقد قَلَبَ
الأمرَ وكفرَ النِّعمةَ، فلا كانَ من كانتِ البهائمُ خيرًا منه وأطوعً.
نهارُك يا مَغْرُورُ سهْوٌ وغَفْلَة. . . وليلُك نَوْمٌ والرَّدَى لكَ لازِمُ
стр. 142
وتتعَبُ فيما سَوْفَ تكرَهُ غِبَّهُ. . . كذلك في الدُّنيا تعيشُ البهائمُ
وإنَّما نُهيَ عن صيامِ أيامِ التشريقِ، لأنَّها أعيادٌ للمسلمينَ مع يومِ النَّحرِ.
فلا تُصامُ بمنًى ولا غيرها عندَ جمهورِ العلماء، خلافًا لعطاءٍ، في قولِهِ: إنَّ
النهي مختصّ بأهل منًى، وإنَّما نُهِي عن التطوَع بصيامها، سواء وافقَ عادةً أو لم يُوافق.
فأمَّا صيامُها عن قضاءِ فرضٍ أو نَذْرٍ، أو صيامُها بمنًى للمتمتع إذا لم يجدِ
الهَدْيَ، ففيه اختلافٌ مشهورٌ بين العلماءِ، ولا فرقَ بينَ يومٍ منها ويومٍ عند
الأكثرين، إلا عندَ مالكٍ، فإنَّه قال: في اليومِ الثالثِ منها يجوزُ صيامُه عن
نَذْرٍ خاصةً.
وفي النهي عن صيامِ هذه الأيامِ والأمرِ بالأكلِ فيها والشُّرب سِرٌّ حسنٌ.
وهو أنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا علِمَ ما يُلاقي الوافِدون إلى بيتِهِ من مشاقِّ السَّفرِ وتعبِ
الإحرامِ وجهادِ النفوسِ على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحةَ عقيبَ ذلك بالإقامةِ بمنًى يومَ النَّحْرِ وثلاثةَ أيامٍ بعدَه، وأمرَهُم بالأكْلِ فيها من لحومِ
نُسُكِهم، فهم في ضيافةِ اللَّهِ فيها، لطفًا من اللَّه بهم، ورأفةً
ورحمةً. وشاركَهُم أيضًا أهلُ الأمصارِ في ذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الأمصارِ شاركُوهم
في حصولِ المغفرةِ والنَّصَبِ للَّهِ والاجتهادِ في عشْرِ ذي الحجَّة، بالصَّومِ
والذِّكْرِ والاجتهادِ في العباداتِ، وشاركُوهم في حُصولِ المغفرةِ وفي التقرُّبِ
إلى اللَّهِ تعالى بإراقةِ دماءِ الأضاحي، فشاركُوهم في أعيادهم، واشتركَ
الجميعُ في الراحةِ في أيامِ الأعيادِ بالأكْلِ والشربِ، كما اشتركُوا جميعًا في
أيام العشْرِ في الاجتهادِ في الطاعةِ والنَّصَبِ، وصارَ المسلمونَ كلُّهم في ضيافةِ
стр. 143
اللَّهِ في هذه الأيامِ، يأكلونَ من رزقِه، ويشكرونَهُ على فضلِهِ.
ونُهوا عن صيامِها؛ لأنَّ الكريمَ لا يليقُ به أن يُجيعَ أضيافَهُ، فكأنَّه قيل
للمؤمنينَ في هذه الأيامِ: قد فَرغ عملُكم الذي عَمِلْتُموه، فما باقي لكُم إلا
الرَّاحةُ؛ فهذه الرَّاحةُ بذلك التعبِ، كما أُريح الصائمونَ لله في شهر رمضانَ
بأمرِهم بإفطارِ يومِ عيدِ الفطر.
ويؤخذُ من هذا إشارةٌ إلى حالِ المؤمنِ في الدنيا، فإنَّ الدُّنيا كلَّها أيامُ سفرٍ كأيَّامِ الحجِّ، وهي زمانُ إحرامٍ المؤمنِ عمَّا حرَّم اللَّهُ عليه من الشهواتِ.
فمن صبَرَ في مدَّةِ سفرِهِ على إحرامِهِ وكفَّ عن الهوى، فإذا انتهى سفرُ عمى، ووصَلَ إلى مِنَى المُنَى، فقد قضى تَفَثَه ووفَّى نذْرَه، فصارتْ أيامُه كلُّها كأيامِ مِنًى، أيامُ أكل وشُربٍ وذكر اللَّه .
وصارَ في ضيافةِ اللَّهِ في جوارر أبدَ الأبدِ، ولهذا يُقال لأهلِ الجنةِ:
(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) .
وقد قيل: إنَّها نزلتْ في الصُّوَامِ في الدنيا.
* * *
قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)
وقولِ اللَّهِ : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) إلى قوله: (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) .
стр. 144
خرَّج مسلمٌ في "صحيحهِ " من حديثِ حمَّاد بن سلَمَةَ: نا ثابتٌ، عن
أنَسٍ، أنَّ اليهودَ كانوا إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يُؤاكلُوها ولم يُجامِعوهُنَّ في
البيوتِ، فسأل أصحابُ النبيَِّ ﷺ النبيَّ ﷺ ، فأنزل اللَّهُ : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إلى آخرِ الآيةِ.
فقال رسول اللهِ ﷺ :
"اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلا النكِّاحَ " -
وذكر بقيَّةَ الحديثِ.
فقولُهُ : (وَيَسْألُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) ، أي: عن حُكمِهِ
والمباشرةِ فيه.
و"المحيضُ "، قيل: إنَّه مَصْدَرٌ كالحَيْضِ، وقيلَ: بل هو اسم للحيض.
فيكونُ اسمَ مصدرٍ.
وقولُهُ تعالى: (قُلْ هُوَ أَذًى) ، فُسِّر الأذى بالدَّمِ النَّجسِ وبما فيه
من القَذَرِ والنّتنِ وخروجهِ من مَخْرج البَوْل، وكل ذلك يُؤذِي.
قال الخطَّابيُّ: الأذي هو المكروهُ الذي ليسَ بشديد جدًّا، كقولِهِ: (لَن
يَضُرُوكُمْ إِلاَّ أَذًى) ، وقولِهِ: (إِن كانَ بِكمْ أَذًى مِن مَطَرٍ) ، قال: والمرادُ: أذًى يعتزِل منها مَوْضِعَه لا غيره، ولا يتعدَّى ذلك
إلى سائرِ بدنِها، فلا يُجْتنبْنَ ولا يُخْرَجْنَ من البيوت كفعلِ المَجُوسِ وبعض
أهلِ الكتابِ، فالمرادُ: أن الأذى بهنَّ لا يبلغ الحدَّ الذي يُجاوِزُونه إليه، وإنَّما يُجْتنب منهن موضحُ الأذى، فإذا تطهَّرنَ حلَّ غِشْيانُهنَّ.
وقولُهُ تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) ، قد فسَّره النبيُّ
ﷺ باعتزال النكاح.
وسيأتي فيما بعدُ - إنْ شاء اللَّهُ تعالى - ذِكْرُ ما يَحْرُم من
стр. 145
مباشرةِ الحائضِ وما يَحِلُّ منه في البابِ الذي يخْتَصُّ المباشرةَ من الكتابِ.
وقد قيلَ: بأن المرادَ بالمحيضِ ها هُنا: مكانَ الحيضِ، وهو الفَرجُ، ونصَّ
على ذلكَ الإمامُ أحمدُ، وحكاه الماورْدِيُّ عن أزواج النبيِّ ﷺ وجمهورِ المفسرينَ، وحكى الإجماعَ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ المذكورِ في أولِ الآية: الدَّمُ.
وقد خالفَ في ذلك ابنُ أبي موسى من أصحابنِا في "شرح الخِرَقي ".
فزعم أن مذهبَ أحمدَ أنَّه الفرجُ - أيضًا -، وفيه بُعدٌ.
وجمهورُ أصحابِ الشافعيِّ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ في الآيةِ الدَّمُ، في
الموضعينِ.
وقولُهُ: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ) ، نهي بعدَ الأمرِ باعتزالِهنَّ في المحيضِ عن
قرْبأنهنَّ فيه، والمرادُ به: الجماعُ - أيضًا -، وفيه تأكيد لتحريمِ الوَطْءِ في
الحيضِ.
وقولُهُ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فيه قراءتان: "يَطهُرْنَ " - بسكُونِ الطاءِ وضمَ الهاءِ -، و"يَطَّهَّرْنَ " - بفتح الطاءِ وتشديدِهَا وتشديدِ الهاءِ.
وقد قيل: إنَّ القراءة الأولى أُريدَ بها انقطاعُ الدَّمِ، والقراءةُ الثانيةُ أُريدَ بها
التَّطَهُّر بالماءِ.
وممن فسر الأولى بانقطاع الدمِ ابنُ عباسٍ ومُجاهد وغيرُهما.
وابنُ جريرٍ وغيرُهُ: يشيرونَ إلى حكايةِ الإجماع على ذلكَ.
ومنَعَ غيرُه الإجماعَ، وقال: كل من القراءتينِ تحتملُ أن يُراد بها الاغتسالُ
بالماءِ، وأنْ يُراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوَالُ أذَاهُ.
стр. 146
وفي ذلك نظر، فإنَّ قراءةَ التشديدِ تدل على نسبة فِعْلِ التطهر إليها.
فكيف يُراد بذلكَ مجردُ انقطاع الدمِ ولا صنع لها فيه.
وقولُهُ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، غاية النَّهْي عن قربأنهن، فيدل بمفهومِهِ
على أنَّ ما بعد التطهير يزول النهي.
فعلى قراءةِ التشديدِ المُفَسَّرة بالاغتسال إنَّما يزول النَّهْيُ بالتطهرِ بالماءِ.
وعلى قراءةِ التخفيفِ يدل على زوال النهي بمجردِ انقطاع الدمِ.
واستدل بذلكَ فرقةٌ قليلة على إباحةِ الوطْءِ بمجرد انقطاع الدمِ، وهو قول
أبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، إذا انقطعَ الدمُ لأكثرِ الحيضِ، أو لدونِهِ، ومضَى عليها وقتُ صلاةٍ، أو كانتْ غيرَ مخاطبةٍ بالصلاةِ كالذِّمِّيَّة.
وحُكي عن طائفةٍ إطلاقُ الإباحةِ، منهم: ابنُ بُكَيْرٍ وابنُ عبدِ الحَكَم.
وفي نقله عنهُما نظرٌ.
والجمهورُ على أنَّه لا يباحُ بدونِ الاغتسال، وقالُوا: الآيةُ وإنْ دلَّتْ
بمفهومِهَا على الإباحةِ بالانقطاع إلا أن الإتيانَ مشروطٌ له شَرْطٌ آخرُ وهو
التَّطَهُر، والمرادُ به: التطهرُ بالماءِ، بقوله: (فَإِذَا تَطَهَرْنَ فَأتُوهُنَّ) .
فدل على أنَّه لا يكفي مجردُ التطهرِ، وأن الإتيانَ متوقفٌ على التطهرِ، أو
على الطُهْرِ والتَّطَهُّرِ بَعْدَه، وفسَّر الجمهورُ التَّطَهُّرَ بالاغتسال، كما في قولهِ:
(وَإِن كنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّرُوا) .
وحُكي عن طائفةٍ من السَّلفِ: أن الوضوءَ كافٍ بعد انقطاع الدمِ، منهم:
مُجاهدٌ، وعِكْرمةُ، وطاوسٌ، على اختلافٍ عنهم في ذلك.
قال ابنُ المنذرِ: رُوِّينا بإسنادٍ فيه مقال عن عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ، أنهم
стр. 147
قالُوا: إذا أدركَ الزوجَ الشَّبَقُ أمَرَها أنْ تتوضأ، ثم أصابَ منها
وأصحُّ من ذلكَ عن عطاءٍ ومجاهدٍ موافقةُ القولِ الأولِ -
وكراهتَه بدونِ الغُسلِ -، قالَ: ولا يثبتْ عن طاوسٍ خلافُ ذلك
قال وإذا بطَلَ أن يَثبت عن هؤلاء قولٌ ثانٍ كان القولُ الأولُ كالإجماع، انتهى.
ولذلك ضَعَفَ القاضي إسماعيلُ المالكي الروايةَ بذلك عن طاووس وعطاء
لأنَّها من روايةِ لَيْثِ بنِ أبي سُلَيْم عنهما، وهو ضعيفٌ.
وحُكي عن بعضِ السلفِ أن التطهرَ غَسْلُ الفرْج خاصة، رواه ابن جريج
ولَيْث عن عطاءٍ، ورواه مَعْمَرٌ عن قتادةَ، وحكاه بعض أصحابنا عن
الأوزاعيِّ، ولا أظنَّه يصحُّ عنه، وقاله قومٌ من أهل الظاهرِ.
والصحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ: أنّ تطَهُّر الحائضِ كتطهر الجُنُب.
وهو الاغتسال.
ولو عَدِمَتِ الماءَ، فهل يُباح وطؤهَا بالتيمم؛ فيه قولان:
أحدهما: يباحُ بالتيمم، وهو مذهبُنا، ومذهبُ الشافعيَ وإسحاقَ
والجمهورِ، وقولُ يحيى بن بُكَيْرٍ من المالكية، والقاضِي إسماعيلَ منهم أيضًا.
وقالَ مكْحُولٌ ومالكٌ: لا يُباح وطْؤُها بدون الاغتسال بالماءِ.
وقوله: (فَأتُوهُنَّ) ، إباحةٌ، وقولُهُ: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكمُ اللَّهُ) .
أي: باعتزالِهنَّ، وهو الفَرْجُ، أو ما بين السّرَّةِ والركبةِ، على ما فيه
من الاختلافِ كما سيأتِي.
روي هذا عن ابنِ عباسٍ، ومُجاهد وعِكرِمةَ.
وقيلَ: المرادُ: من الفَرْج دون الدُّبر، رواه عليٌّ بنُ أبي طلْحةَ عنِ ابنِ
عباسٍ.
стр. 148
وروى أبانُ بنُ صالح، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: (مِنْ حَيْثُ
أَمَرَكُم اللَّهُ) أن تعتزلوهنَّ. ورواه عِكْرمةُ، عن ابنِ عباسٍ - أيضًا.
وقيل: المرادُ من قِبَلِ التطهرِ لا من قِبَلِ الحيض، ورُوي عن ابن عباسٍ -
أيضًا -، وغير.
و"التوابون ": الرَّجَّاعونَ إلى طاعةِ اللَّهِ من مخالفتِهِ.
و"المتطهرونَ ": فسَّره عطاءٌ وغيرُهُ: بالتطهرِ بالماءِ، ومجاهدٌ وغيرةُ: بالتطهرِ
من الذنوبِ.
وعن مجاهدٍ، أنَّه فسَّره: بالتَّطهرِ من أدبارِ النساءِ.
ويشهدُ له قولُ قومِ لُوطٍ: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) .
* * *
والاعتزالُ الذي أمرَ اللَّهُ به: هو اجتنابُ جماعِهِنَّ، كما فَسَره بذلك رسولُ
اللَّهِ ﷺ
وقال عِكْرمةُ: كان أهلُ الجاهليةِ يصنعونَ في الحيضِ نحوًا سن صنيع
المَجُوسِ، فذكرُوا ذلكَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فنزلتْ: (وَيسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قلْ هُوَ أَذًى) الآية، فلم يَزِدِ الأمرُ فيهن إلا شدَّةً، فنزلت: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأتوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) : أن تعتزِلُوا.
أخرَّجَهُ القاضِي إسماعيلُ، بإسنادٍ صحيح.
وهو يدلُّ على أنَّ أولَ ما نزلَ الأمرُ باعتزالِهنَّ فَهِمَ كثيرٌ من الناسِ منه
стр. 149
الاعتزال في البيوتِ والفرش كما كانوا يصنعونَ أوَّلاً، حتى نزل آخرُ الآيةِ:
(فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيْث أَمَرَكمُ اللَّهُ) ، ففُهِم من ذلك أن اللَّهَ أمر
باعتزالِهنَّ في الوطْءِ خاصةً.
وفسَّر النبيُّ ﷺ ذلك بقولِهِ: "اصنعوا كلَّ شيءٍ غيرَ النِّكاح "، وبِفعْله مع أزواجِهِ؛ حيث كان يباشرهنَّ في المحيضِ.
* * *
قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)
[قال البخاريّ] : "بابُ: قول النبيِّ ﷺ
"أنا أعلمُكُمْ باللَّهِ "، وأنَّ المعرفةَ فعْلُ القَلْبِ، لقوْلِهِ تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) .
مرادُه بهذا التبويبِ: أن المعرفةَ بالقلبِ التي هي أصلُ الإيمانِ فعلٌ للعبدِ
وكسبٌ له، واستدلَّ بقوله تعالى: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ، فجعلَ
للقلوبِ كسبًا، كما جعل للجوارح الظاهرةِ كسبًا.
والمعرفةُ: هي مركبة من تصور وتصديقٍ، فهي تتضمنُ علمًا وعملاً، وهو
تصديقُ القلبِ، فإن التصورَ قد يشتركُ فيه المؤمنُ والكافرُ.
والتصديقُ يختصُّ به المؤمنُ، فهو عملُ قلبِهِ وكسبهُ.
وأصلُ هذا: أن المعرفةَ مكتسبة، تُدركُ بالأدلةِ، وهذا قول أكثرِ أهلِ السنن
من أصحابِنا وغيرِهِم، ورجَّحه ابنُ جريرٍ الطبريُّ.
стр. 150
وروى بإسنادِهِ، عن الفضيلِ بنِ عياضٍ، أنَّه قال: أهلُ السنةِ يقولونَ:
الإيمانُ: المعرفةُ والقولُ والعملُ.
وقالت طائفةٌ: إثها اضطراريةٌ، لا كسبَ فيها.
وهو قولُ بعض أصحابِنا، وطوائفَ منَ المتكلمينَ والصوفيةِ وغيرِهِم.
وخرَّج البخاريُّ في هذا البابِ:
حديثَ: هشامٍ، عنْ أبيه، عنْ عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أمرَهُم أمرَهُم منَ الأعمالِ بما يطيقُونَ، قالُوا: إنَّا لسْنا كهيْئتكَ يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ قد غفَرَ لكَ ما تقدَّم من ذنْبِكَ وما تأخَّرَ، فيغضبُ حتَى يُعرفَ الغضبُ في وجْههِ، ثمَّ يقولُ: "إنَّ أتقاكم وأعلمَكُم بالله أنا".
كانَ النبيُّ ﷺ يأمرُ أصحابَه بما يطيقونَ من الأعمالِ، وكانوا لشدةِ حرصِهِم على الطاعاتِ يريدونَ الاجتهادَ في العملِ، فربما اعتذرُوا عن أمرِ النبيِّ ﷺ بالرفقِ، واستعمالِهِ له في نفسه، أنَّه غيرُ محتاج إلى العملِ بضمانِ المغفرةِ له، وهم غيرُ مضمونٍ لهم المغفرةُ، فهم محتاجونَ إلى الاجتهادِ، ما لا يحتاجُ هوَ إلى ذلك، فكانَ ﷺ يغضبُ من ذلك، ويخبرُهُم أنَّه أتقاهم للَّهِ
وأعلمُهُم به.
فكونُه أتقاهُم للَّهِ يتضمنُ شدةَ اجتهادِهِ في خصالِ التقوى، وهو العملُ.
وكونُه أعلمُهُم به يتضمنُ أنَّ علمَه باللَّهِ أفضلُ من علمِهِم باللَّهِ.
وإنَّما أراد علمَه باللَّهِ، لمعنيينِ:
أحدُهما: زيادةُ معرفتِهِ بتفاصيلِ أسمائه وصفاتِه وأفعالِه وأحكامِه وعظمتِه
стр. 151
وكبريائِه، وما يستحقُّه من الجلال والإكرامِ والإجلال والإعظامِ.
والثاني: أن علمَهُ باللَّهِ مستندٌ إلى عينِ اليقينِ؛ فإنَّه رآهُ، إما بعينِ بصرِه.
أو بعينِ بصيرتِه.
كما قالَ ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وغيرُهما: رآه بفؤادِه مرتينِ..
وعلمُهم به مستندٌ إلى علمِ يقينٍ، وبينَ المرتبتينِ تباينٌ.
ولهذا سألَ إبراهيمُ ﵇ ربَّه أن يرقيه من مرتبةِ علمِ اليقينِ إلى
مرتبةِ عينِ اليقينِ، بالنسبةِ إلى رؤيةِ إحياءِ الموتى، وقد سبقَ التنبيهُ على ذلكَ
والكلامُ في تفاصيل المعرفةِ القائمةِ بالقلبِ.
فلمَّا زادتْ معرفةُ الرسولِ بربِّه، زادتْ خشيتُه له وتقواه، فإنَّ العلمَ التامَّ
يستلزمُ الخشيةَ، كما قالَ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) .
فمن كان باللَّهِ وبأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه وأحكامِه أعلم، كان له أخشى
وأتقى، وإنَّما تنقص الخشيةُ والتقوى بحسبِ نقصِ المعرفةِ باللَّهِ.
وقد خرَجَ البخاريُ في آخرِ: "صحيحِهِ " عن مسروقٍ، قالَ: قالتْ
عائشةُ: صنعَ النبيُّ ﷺ شيئًا، ترخَّصَ فيه، وتنزَّه عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فحَمِدَ اللَّهَ، ثمَّ قالَ: "ما بالُ أقوامٍ يتنزَّهون عن الشيءِ أصنَعُه، فواللَّهِ؛ إنِّي لأعلمُهُم باللهِ وأشدُّهم له خشيةً".
وفي "صحيح مسلم" عن عائشةَ، أنَّ رجلاً قالَ لرسولِ اللَهِ ﷺ : يا رسولَ اللهِ إني أصبحُ جنبًا، وأنا أريدُ الصيامَ. فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "وأنا أصبحُ جنبًا، وأنا أريدُ الصيامَ، فأغتسلُ وأصومُ ".
стр. 152
فقال الرجلُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنك لستَ مثلَنا، قد غُفرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ، فغضب رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وقال:
"إنِّي لأرجو أنْ أكونَ أخشاكُم للَّهِ وأعلَمكُم بما أتَقِي ".
وفي حديثِ أنسٍ، أن ثلاثةَ رهطٍ جاءُوا إلى بيوتِ أزواج النبيِّ ﷺ .
يسألونَ عن عبادةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فلمَّا أُخبروا بها كأنَّهم تقالُّوهَا، فقالُوا:
وأينَ نحنُ منَ النبيِّ ﷺ ، قد غَفَرَ اللَّهُ له ما تقدَّم من ذنبهِ وما تأخَرَ، فقالَ أحدُهم: أمَّا أنا، فإنِّي أصلِّي الليلَ أبدًا، وقالَ آخرُ: أصومُ الدهرَ ولا أفطرُ.
وقال الآخرُ: أنا أعتزلُ النساءَ ولا أتزوّجُ أبدًا. فجاءَ النبيُّ ﷺ إليهم، فقالَ: "أنتم الذين قلتُمْ كذ وكذا؛ أما واللَّهِ، إنِّي لأخشاكُم للَّهِ، وأتقاكُم له، لَكِنِّي أصومُ وأُفطرُ، وأصلِّي، وأرقدُ، وأتزوج النساءَ، فمن رغبَ عن سنتي فليسَ منِّي ".
وقد خرَّجاه في "الصحيحينِ " بمعناه.
ففي هذه الأحاديثِ كلِّها: الإنكارُ على مَن نسبَ إليه التقصيرَ في العملِ
للاتكالِ على المغفرةِ، فإنَّه كان يجتهدُ في الشكرِ أعظمَ الاجتهادِ، فإذا عُوتبَ
على ذلكَ، وذُكرتْ له المغفرةُ، أخبرَ أنَه يفعلُ ذلك شكرًا.
كما في "الصحيحينِ " عن المغيرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقومُ حتى تتفطَّر قدمَاه، فيقالَ له: تفعلُ هذا، وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبِكَ وما تأخَّرَ.
فيقولُ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا".
وقد كان يواصلُ في الصيامِ وينهاهم، ويقول: "إنِّي لستُ كهيئتِكم، إنِّي أظلُّ
стр. 153
عند ربي يطعمنِي ويسقيني ".
فنسبةُ التقصيرِ إليه في العملِ لاتكالِه على المغفرةِ خطأ فاحشٌ، لأنه
يقتضي أن هديَه ليسَ هو أكمل الهديِ وأفضلَه، وهذا خطأ عظيم، ولهذا كانَ ﷺ يقولُ في خطبته:
"خير الهديِ هديُ محمد".
ويقتضي - أيضًا - هذا الخطأ أنَّ الاقتداءَ بهديِه في العملِ ليس هو أفضلَ.
بلِ الأفضلُ الزيادةُ على هديه في ذلك، وهذا خطأ عظيم جدًّا؛ فإنَّ اللَّهَ
تعالى قد أمرَ بمتابعتِه، وحثَّ عليها، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .
فلهذا كان ﷺ يغضبُ من ذلك غضبًا شديدًا، لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعتِه والاقتداءِ به.
وفي روايةِ للإمامِ أحمد: "واللَّهِ، إنّي لأعلمُكُم باللَّهِ، وأتْقَاكم له قلبًا".
وقولُه في الروايةِ التي خرَّجها البخاريُّ في هذا الباب:
"إنَّ أتقاكمْ وأعلمكُم باللَّهِ أنا"، فيه: الإتيانُ بالضميرِ المنفصلِ مع تأتَي الإتيانِ بالضميرِ المتصلِ، وهو ممنوع عند أكثرِ النحاةِ، إلا للضرورةِ، كقولِ الشاعِرِ:
ضَمِنَتْ إيَّاهُمُ الأرْضُ في دَهْرِ الدَّهَارِيرِ
وإنَّما يجوزُ اختيارًا، إذا لم يتأتَّ الإتيانُ بالمتصلِ، مثلُ أن تبتدئ بالضميرِ
قبلَ عاملِهِ، نحوُ: (إِياكَ نَعْبُدُ) ، فإنَه لا يُبتدئ بضميرٍ متصلٍ، أو
يقعُ بعدَ نحوِ: "إلا إياهُ ".
стр. 154
فأمَّا قولُ الشاعر:
أنْ لا يُجَاوِرُنَا إلاكِ ديَّارُ
فَشَاذٌّ.
وأمَا قولُهُ:
وإنَّما يُدَافعُ عنْ أحْسَابِهِم أنا أوْ مثْلِي
فهو - عندهم - متأوَّل على أنَّ فيه مَعْنى الاستثناءِ.
كأنَّه قال: ما يدافعُ عن أحْسابهم إلا أنا.
ولكن؛ هذا الذي وقعَ في هذا الحديثِ يشهدُ لجوازه من غيرِ ضرورةٍ.
ويكون حينئذٍ قولُهُ: "إنَّما يدافعُ عن أحْسابِهم أنا" شاهدًا له، غيرَ محتاج إلى
تأويلٍ. واللَّهُ أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
أما قولُ اللَّهِ : (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)
فإنَّه يدلُّ على أنَّ المرأةَ مؤتمنةْ على الإخبار بما في رحِمِها.
ومُصَدَّقة فيه إذا ادَّعَتْ من ذلك مُمْكِنًا.
روى الأعْمشُ، عن مُسْلمٍ، عن مسروق، عن أبيِّ بنِ كعْبٍ.
قال: إنَّ من الأمانةِ أن ائتمنتِ المرأة على فَرْجِها.
стр. 155
وقد اختلفَ المفسرونَ من السلفِ فمن بعدَهم في المرادِ بقولِهِ تعالى: (مَا
خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) ، ففسَّره قومٌ بالحملِ، وفسَّره قومٌ بالحيضِ.
وقال آخرونَ: كل منهما مراد، واللَّفظُ صالحٌ لهما جميعًا، وهذا هو
المروِي عن أكثرِ السلفِ، منهم: ابن عمرَ، وابنُ عباسٍ، ومجاهد، والحسنُ
والضَّحاك.
وأمَّا ما ذكره عن عَليٍّ وشُرَيْحٍ:
فقال حَرْبٌ الكرمانيُّ: ثنا إسحاقُ - هو: ابن راهويه -: ثنا عيسى بن
يونسَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، أنَّ امرأةً جاءت إلى عليِّ
بن أبي طالبٍ فقالت: إني طُلِّقْتُ، فحضْتُ في شهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ؛ فقال
عليٌّ لشريح: قُل فيها، فقالَ: أقول فيها وأنت شاهد، قال: قُلْ فيها، قال: إنْ جاءت ببطانة من أهلها ممن يُرضى دينُهنَّ وأمانتهن فقل: إنَّها حاضت ثلاثَ حيضٍ طَهُرت عند كل حيضة، صُدِّقَتْ، فقال عليٌّ: قالون. قال عيسى: با لرُّوميَّةِ: أصبتَ.
قال حرْبٌ: وثنا إسحاقُ: أبنا محمدُ بن بكرٍ، ثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ.
عن قتادةَ، عن عزرةَ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، أنَّ امرأةً طلَّقها زوجُها، فحاضت
في خمس وثلاثينَ ليلةً ثلاثَ حيضٍ، فرفعتْ إلى شُريح فلم يَدرِ ما يقول
فيها، ولم يَقُل شيئًا، فرُفعت إلى عليِّ بنِ أبي طالب، فقال: سلُوا عنها
جاراتِها، فإنْ كان هكذا حيضُها فقد انْقضَتْ عدَّتها، وإلا فأشهر ثلاثٌ.
وهذا الإسنادُ فيه انقطاعٌ، فإنَّ الحسنَ العُرني لم يدرك عليًّا -: قاله
стр. 156
أبو حاتمٍ الرازيُّ.
وأمَّا الإسنادُ الذي قبله، فإنَّ الشعبيَّ رأى عليًّا يرجُم شُراحة ووصفَه.
قال يَعْقُوبُ بنُ شيْبةَ: لكنه لم يُصحَّح سماعُه منه.
* * *
قوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)
قال تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) .
وقال: (وَبُعولَتُهُنَّ أَحَق بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا) .
فدلَّ ذلكَ على أنَّ من كانَ قصدُه بالرَّجعةِ المضارَّةَ، فإنَّه آثم بذلكَ، وهذا
كما كانُوا في أوَّلِ الإسلامِ قبل حصرِ الطَّلاقِ في ثلاثٍ، يطلًّقُ الرجلُ امرأتَه
ثمَّ يتركُها حتى تقاربَ انقضاءَ عدَّتها، ثمَّ يراجعُها، ثم يطلِّقُها، ويفعلُ ذلكَ
أبدًا بغيرِ نهايةٍ، فيدعُ المرأة لا مُطلقة ولا ممسكةً، فأبطلَ اللَّهُ ذلك، وحصر
الطلاقَ في ثلاثِ مراتٍ.
وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ من راجعَ امرأتَهُ قبلَ انقضاءِ عدَّتِها، ثم طلَّقها من
غيرِ مسيس: إن قصدَ بذلك مضارَّتها بتطويلِ العدَّة لم تستأنفِ العدَّةَ، وبَنتْ
على ما مضى منها، وإنْ لم يقصدْ ذلكَ استأنفتْ عدَّةً جديدةً، وقيل: تَبْنِ
مطلقًا، وهو قولُ عطاءٍ وقتادةَ، والشافعيِّ في القديم، وأحمدَ في روايةٍ.
وقيل: تستأنفُ مطلقًا، وهو قولُ الأكثرينَ، منهم: أبو قِلابة، والزُّهريُّ
стр. 157
والثَّوريُّ وأبو حنيفة والشافعيُّ - في الجديدِ - وأحمدُ في روايةٍ وإسحاقُ وأبو
عُبيدٍ وغيرُهم.
قال تعالى: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)
قال مجاهدٌ في قولِهِ: (لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) قال: لا يَمنع أمَّه أن
تُرضِعَهُ ليحزنَها، وقال عطاءٌ وقتادةُ والزهريُّ وسفيانُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم: إذا رضيَتْ ما يرضَى به غيرُها فهي أحقُّ به.
وهذا هو المنصوصُ عن أحمدَ، ولو كانتَ الأمُّ في حبالِ الزَّوج.
وقيلَ: إن كانتْ في حبالِ الزَّوج، فله منعُها منْ إرضاعِهِ، إلا أن لا يُمكنَ
ارتضاعُه من غيرِها، وهو قولُ الشافعيِّ، وبعضِ أصحابِنا، لكن إنَّما يجوزُ
ذلكَ إذا كان قصدُ الزوج به توفيرَ الزوجة للاستمتاع، لا مجرَّدَ إدخالِ الضررِ عليها.
وقوله تعالى: (وَلا مَوْلُودٌ لهُ بِوَلَدِهِ) يدخلُ فيه أدنَّ المطلقةَ إذا
طلبتْ إرضاعَ ولدِهَا بأجرةِ مثْلِها لزمَ الأب إجابتُها إلى ذلك، وسواءٌ
وُجِدَ غيرُها أو لم يُوجَدْ، هذا منصوصُ الإمامِ أحمدَ، فإنْ طلبَتْ زيادةً
على أجرةِ مثلها زيادةً كثيرةً، ووجدَ الأبُ منْ يُرضعُه بأجرةِ المثلِ، لم يلزمِ
الأبَ إجابتُها إلى ما طلبَتْ، لأنَّها تقصدُ المضارَّةَ، وقد نصَّ عليه الإمامُ
أحمدُ أيضًا.
* * *
стр. 158
قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)
[قال البخاريّ] : ثنا إبْراهيمُ بنُ موسى: ثنا عيسى - هو: ابنُ
يونسَ -، ثنا إسماعيلُ - هو: ابنُ أبي خالدٍ -، عنِ الحارثِ بنِ شُبَيْلٍ.
عنْ أبي عمرو الشيبانيِّ، قال: قالَ لي زَيدُ بنُ أرقمَ: إنْ كُنَّا لنتكلمُ في الصلاةِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فيكلِّمُ أحدُنا صاحبَه بحاجَته حتى نزلتْ: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) ، فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ.
وخرَّجه مسلمٌ، وزاد فيه: "ونُهينا عن الكلامِ "، وليس عنده: ذكرُ عهدِ
النبيِّ ﷺ .
وخرَّجه النسائيُّ، وعندَهُ: "فأمِرْنا حينئذ بالسكوتِ ".
وخرَّجه الترمذيُّ، ولفظُه: كنا نتكلمُ خلفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في الصلاةِ، فيكلمُ الرجلُ منَّا صاحبَه إلى جنبِه، حتى نزلتْ
(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، قال: "فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلامِ ".
وهذه الروايةُ صريحةٌ برفع آخر.
واختلفَ الناسُ في تحريمِ الكلامِ في الصلاةِ: هل كان بمكةَ، أو بالمدينةِ؟
فقالتْ طائفةٌ: كان بمكةَ.
واستدلُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ المتقدمِ، وأن النبي ﷺ امتنعَ من الكلامِ عند قدومِهِم عليه من الحبشةِ، وإنَّما قدِمَ ابنُ مسعود عليه من الحبشةِ إلى مكةَ،
стр. 159
ثم هاجرَ إلى المدينةِ، كذا ذكرَه ابنُ إسحاقَ وغيرُه.
ويعضدُ هذا: أنَه رُويَ: أنَّ امتناعهم من الكلامِ كان بنزولِ قولِهِ: (وَإِذَا
قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وهذه الآيةُ مكيَّةٌ.
فروى أبو بكرٍ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن المسيّبِ بنِ رافعِ، قالَ:
قالَ ابنُ مسعودٍ: كنا يسلمُ بعضُنا على بعضٍ في الصلاةِ، فجاءَ القرآنُ (وَإِذَا قُرِئَ الْقرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتوا) .
وأخرَّجَه ابنُ جريرٍ وغيرُه.
وهذا الإسنادُ منقطعٌ؛ فإن المسيبَ لم يلقَ ابنَ مسعودٍ.
وروى الهَجَريُّ، عن أبي عياضٍ، عن أبي هريرةَ، قال: كانوا يتكلَّمون
في الصلاةِ، فلما نزلتْ هذه الآيةَُ (وَإِذَا قرِئَ الْفرْآنُ) ، والآيةُ
الأخرى، قال: فأمِرْنا بالإنصاتِ.
وخرَّجه بقيُّ بنُ مخلدٍ في "مسندهِ ". وخرَّجه غيرُه، وعنده: "أو الآيةُ
الأخرى" - بالشكِّ. والهجريُّ، ليس بالقويِّ.
ولكن يشكلُ على أهلِ هذه المقالةِ حديثُ زيدِ بنِ أرقم، الذي خرَّجه
البخاريُّ هاهنا، فإن زيدًا أنصارفيٌ، لم يصلِّ خلفَ النبيَّ ﷺ بمكةَ، إنَّما صلى خلفه بالمدينةِ، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلَّمون حتى نزلتْ (وقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، وهي مدنيةٌ بالاتفاق.
وأجابَ أبو حاتمٍ ابنُ حبانِ - وهو ممن يقولُ: إن تحريمَ الكلامِ كان
стр. 160
بمكة -: وأجيبَ عن هذا بجوابينِ:
أحدُهما: أن زيدَ بنَ أرقم حكى حال الأنصارِ وصلاتَهم بالمدينةِ قبلَ هجرة
النبيِّ ﷺ إليهم، وأنَّهم كانوا يتكلمونَ حينئذٍ في الصلاةِ، فإنَّ الكلامَ حينئذٍ كان مباحًا، وكانَ النبيُّ ﷺ إذْ ذاكَ بمكةَ، فحكى زيد صلاتَهم تلك الأيامَ، لا أنَّ نسخَ الكلامِ كانَ بالمدينةِ.
قلتُ: هذا ضعيف، لوجهينِ:
أحدُهما: أن في روايةِ الترمذيِّ: "كنَّا نتكلمُ خلفَ النبيِّ ﷺ في الصلاةِ"، فدلَّ على أنَّه حكى حالَهم في صلاتِهم خلفَ النبيَّ ﷺ بعد هجرتِهِ إلى المدينةِ.
والثاني: أنه ذكرَ أنهم لم يُنْهوا عن الكلامِ حتى نزلتِ الآية ُ، وهي إنَما
نزلتْ بعدَ الهجرةِ بالاتفاقِ، فعلمَ أنَّ كلامَهم استمرَّ في الصلاةِ بالمدينةِ، حتى
نزلتْ هذه الآية ُ.
ثم قال ابنُ حبانَ:
والجوابُ الثاني: أن زيدًا حكى حال الصحابةِ مطلقًا من المهاجرينَ وغيرِهم.
ممن كانَ يصلِّي مع النبيِّ ﷺ قبلَ تحريمِ الكلامِ في الصلاةِ، ولم يرد الأنصارَ، ولا أهلَ المدينةِ بخصوصِهم، كما يقولُ القائلُ: فعلْنا كذا وإنَّما فعلَه بعضُهم.
قلتُ: وهذا يردُّه قولُه: "حتى نزلتِ الآية ُ"، فإنَّه يصرحُ بأن كلامَهم
استمرَّ إلى حين نزولِها، وهي إنما نزلتْ بالمدينةِ.
وأجابَ غيرُ ابنِ حبانَ بجوابينِ آخرينِ:
стр. 161
أحدُهما: أنَّه يحتملُ أنه كان نهى عن الكلامِ متقدمًا، ثم أذنَ فيه، ثم نهى
عنه لما نزلتِ الآيةُ.
والثاني: أنه يحتملُ أن يكونَ زيدُ بنُ أرقم ومن كان يتكلَّمُ في الصلاةِ لم
يبلغْهم نهيُ النبيِّ ﷺ ، فلما نزلتِ الآيةُ انتهَوْا.
وكلا الجوابينِ فيه بُعْدٌ، وإنَّما انتهوا عند نزولِ الآيةِ، بأمرِ النبي ﷺ بالسكوتِ، ونهيِه عن الكلامِ، كما تقدمَ.
وقالت طائفةٌ أخرى: إنَّما حُرِّمَ الكلامُ في الصلاةِ بالمدينةِ؛ لظاهرِ حديثِ
زيدِ بنِ أرقم، ومنعُوا أن يكونَ ابنُ مسعود رجعَ من الحبشةِ إلى مكةَ.
وقالُوا: إنما رجع من الحبشةِ إلى المدينةِ، قبيل بَدْرٍ.
واستدلُّوا بما خرَّجه أبو داودَ الطيالسيُّ في "مسندِهِ " من حديثِ عبدِ اللَّهِ
بنِ عتبةَ، عن ابنِ مسعود، قال: بعثنَا النبيُّ ﷺ إلى النجاشيِّ، ونحن ثمانونَ رجلاً، ومعنا جعفرُ بنُ أبي طالب - فذكرَ الحديثَ في دخولِهم على النجاشيِّ، وفي آخر -: فجاءَ ابنُ مسعود، فبادرَ، فشهدَ بدرًا.
وروى آدمُ ابنُ أبي إياسٍ في "تفسيره": حدثَنا أبو مَعْشر، عن محمدِ بنِ
كعبٍ، قال: قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، والناسُ يتكلمونَ بحوائجِهم في الصلاةِ، كما يتكلَّمُ أهلُ الكتابِ، فأنزلَ اللَّهُ: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، فسكتَ القومُ عن الكلامِ.
وهذا مرسلٌ. وأبو معشرٍ، هو: نجيحٌ السِّنديُّ، يتكلمونَ فيه.
وقد اتفقَ العلماءُ على أنَّ الصلاةَ تبطلُ بكلامِ الآدميين فيها عمدًا لغيرِ
стр. 162
مصلحةِ الصلاةِ، واختلفُوا في كلامِ الناسي والجاهلِ والعامدِ لمصلحةِ الصلاةِ.
فأمَّا كلامُ الجاهلِ، فيأتي ذكرُه - قريبًا.
وأمَّا كلامُ الناسي والعامد لمصلحة، فيأتي ذكرُه في "أبواب سجود السهوِ"
قريبًا - إن شاءَ اللَّه تعالى َ.
* * *
قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)
[قال البخاريُّ] : "بابُ: صلاةِ الخوفِ رِجَالاً ورُكْبَانًا":
رَاجِل: قَائِمٌ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ القُرشيُّ: أنا أبي: نا ابنُ جُريج عن
موسى بنِ عقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ - نحوًا من قولِ مجاهدٍ: إذا
اختلطُوا قيامًا. وزادَ ابنُ عمرَ عن النبيِّ ﷺ : "وإن كانُوا أكثرَ منْ ذلكَ فليُصَفُوا قيامًا ورُكبَانًا".
وخرَّج مسلم من حديثِ سفيانَ، عن موسى بن عقبةَ، عن نافعِ، عن
ابنِ عمرَ، قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الخوفِ في بعضِ أيامه، فقامتْ طائفة معه، وطائفةٌ بإزَاءِ العدوِّ، فصلَّى بالذين معه ركعةً، ثم ذهبُوا، وجاء الآخرونَ فصلَّى بهم ركعةً، ثم قضتِ الطائفتانِ ركعةً، ركعةً.
стр. 163
قال: وقالَ ابنُ عمرَ: فإذا كان خوف أكثرُ من ذلك فصلِّ راكبًا أو قائمًا
تُومِيءُ إيماءً.
فجعلَ هذ الوجهَ من قولِ ابنِ عُمرَ، ولم يرفعْه.
وروى أبو إسحاق الفزاريُّ، عن موسى بن عقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ
- الحديثَ مرفوعًا، ولم يذكرْ في آخرِه: "فإذا كان خوف أكثرُ من ذلك " -
إلى آخر.
وخرَّج ابنُ ماجةَ وابنُ حبانَ في "صحيحِه " من حديثِ جريرٍ، عن
عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ ﷺ في صلاةِ الخوفِ
- فذكرَ صفتِها بمعنى حديثِ موسى بنِ عقبةَ، وقال في آخرِ الحديثِ: "فإنْ
كانَ خوفًا أشدَّ من ذلك فَرِجالاً أو رُكبانًا".
وقد خالفَ جريرًا يحيى القطَّانُ وعبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ ومحمدُ بنُ بشرٍ
وغيرُهم، روَوْه عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ - موقوفًا كلَّه.
ورواه مالكٌ في "الموطإِ"، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ - في صفةِ صلاةِ
الخوفِ بطولِهِ -، وفي آخره: "فإن كان خوفًا هو أشدَّ من ذلك صلُّوا رجالاً
قيامًا على أقدامِهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلةِ، أو غيرَ مستقبِليها".
قال مالكٌ: قال نافع: لا أرى ابنَ عمرَ ذكرَ ذلك إلا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ .
وخرَّجه البخاريُّ في "التفسيرِ" من طريقِ مالكٍ كذلك.
стр. 164
قال ابنُ عبدِ البرِّ: رواه مالكٌ، عن نافع على الشكِّ في رفعهِ، ورواه
عن نافع جماعةٌ لم يشكُّوا في رفعهِ، منهمُ: ابنُ أبي ذئبٍ وموسى بنُ عقبةَ
وأيوبُ بنُ موسى.
وذَكَرَ الدارقطنيُّ أن إسحاق الطبَّاعَ رواه عن مالكٍ ورفعَهُ من غيرِ شكٍّ.
وهذا الحديثُ ينبغِي أن يضافَ إلى الأحاديثِ التي اخْتَلفَ في رفعِها نافعٌ
وسالم، وهي أربعةٌ سبقَ ذكرُها بهذَا الاختلافِ في رفع أصلِ الحديثِ في
صلاةِ الخوفِ عن نافع.
وبقي اختلافٌ آخرُ، وهو في قولِهِ في آخرِ الحديثِ: "فإنْ كان خوفًا أكثرَ
من ذلك " إلى آخر؛ فإن هذا قد وقفه بعضُ من رفعَ أصلَ الحديثِ، كما
وقفَه سفيانُ، عن موسى بن عقبةَ، وجعلَه مُدرجًا في الحديثِ.
وقد ذكرَ البخاريُ؛ أنَّ ابنَ جريج رفعَه عن موسى، وخرَّجه من طريقِه
كذلك.
وأمَّا قولُ مجاهدٍ المشارُ إليه في روايةِ البخاريِّ: روى ابنُ أبي نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا) ، إذا وقعَ الخوفُ صلَّى على
كلِّ وجهةٍ، قائمًا أو راكبًا أو ما قدرَ، ويومئُ برأسِهِ، ويتكلَّمُ بلسانهِ.
وروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن ابن أبي أنيسةَ، عن أبي الزبير، قالَ:
سمعتُ جابرًا سُئلَ عن الصلاةِ عند المسايفة؟
قال: ركعتينِ ركعتينِ، حيث
توجهتَ على دابتكَ تومى إيماءً.
ابنُ أبي أنيسةَ، أظنُّه: يحيى، وهو ضعيفٌ.
стр. 165
وخرَّج الإسماعيليُّ في "صحيحِه "، وخرَّجه من طريقه البيهقى، من
روايةِ حجاج بنِ محمدٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن ابنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال:
إذا اختلطُوا، فإنَما هو التكبير والإشارةُ بالرأسِ.
قال ابنُ جريج: حدثني موسى بنُ عقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عنِ
النبيِّ ﷺ بمثلِ قولِ مجاهدٍ: إذا اختلطُوا، فإنَّما هو التكبيرُ والإشارةُ بالرأسِ.
وزاد: عن النبيِّ ﷺ : "فإنْ كثرُوا فليصلُّوا ركبانًا أو قياما على أقدامِهِم " - يعني: صلاةَ الخوفِ.
وخرَّجه - أيضًا - من رواية سعيدِ بنِ يحيى الأمويِّ، عن أبيه، عن ابنِ
جريجٍ، ولفظُه: عن ابنِ عمرَ - نحوًا من قولِ مجاهد: إذا اختلطوا، فإنَّما
هو الذكرُ وإشارةٌ بالرأسِ.
وزاد ابنُ عمرَ: عن النبيِّ ﷺ :
"وإن كانُوا أكثرَ من ذلك فليصلُّوا قيامًا وركبانًا ".
كذا قرأتُه بخط البيهقيِّ.
وخرَّجه أبو نُعيمٍ في "مستخرجِهِ على صحيح البخاريّ " من هذا الوجهِ.
وعندَهُ: "قيامًا وركباناً"، وهو أصحُّ.
وهذه الروايةُ أتمُّ من روايةِ البخاريِّ.
ومقصودُ البخاريِّ بهذا: أنَّ صلاةَ الخوفِ تجوزُ على ظهورِ الدوابِّ
стр. 166
للركبانِ، كما قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ ركبانًا) .
ويعني: "رجالاً": قيامًا على أرجلهم، فهو جمعُ راجلٍ، لا جمعَ رجلٍ، و"الركبانُ ": على الدوابِّ.
وقد خرَّج فيه حديثًا مرفوعًا.
وقد روي عن ابنِ عمرَ وجابرٍ، كما سبق.
وقال ابنُ المنذرِ: أجمعَ أهلُ العلم على أن المطلوبَ يصلِّي على دابتِهِ -
كذلك قال عطاءُ بنُ أبي رباحِ، والأوزاعيُّ، والشافعيّ وأحمدُ، وأبو ثورٍ -، وإذا كان طالبًا نزلَ فصلى بالأرضِ.
قال الشافعيُّ: إلا في حالٍ واحدةٍ، وذلك أن يقل الطالبونَ عن المطلوبين.
ويُقطَع الطالبونَ عن أصحابِهم، فيخافون عودةَ المطلوبين عليهم، فإذا كانُوا
هكذا كان لهم أن يصلُّوا يُومِئُون إيماءً، انتهى.
وممن قال: يصلِّي على دابته ويومِئُ: الحسنُ والنخعي والضحاكُ، وزاد:
أنه يصلِّي على دابَّتِه طالبًا كانَ أو مطلوبًا، وكذا قال الأوزاعيُّ.
واختلفتِ الروايةُ عن أحمدَ: هل يصلِّي الطالبُ على دابتِه، أم لا يصلِّي
إلا على الأرضِ؟ على روايتين عنه، إلا أن يخافَ الطالبُ المطلوبَ، كما قال الشافعيُّ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ.
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ: أما المطلوبُ، فلا يختلفُ القولُ فيه، أنه
يصلِّي على ظهرِ الدابةِ.
واختلفَ قولُه في الطالبِ، فقالُوا عنه: ينزلُ فيصلِّي
على الأرضِ، وإن خافَ على نفسِهِ صلَّى وأعادَ، وإنْ أخَّرَ فلا بأسَ، والقولُ الآخرُ: أنه إذا خافَ أن ينقطعَ عن أصحابِهِ أن يعودَ العدوُّ عليه، فإنه يصلِّي على ظهرِ دابتِه، فإنه مثلُ المطلوبِ لخوفِهِ، وبه أقولُ. انتهى.
وما حكاه عن أحمدَ من أن الطالبَ إذا خافَ فإنه يصلِّي ويعيدُ، فلم يذكر
стр. 167
به نصًّا عنه، بل قد نصَ على أنه مثلُ المطلوبِ.
قال - في رواية أبي الحارث -: إذا كان طالبًا وهو لا يخافُ العدوَّ، فما
علصتُ أحدًا رخَّص له في الصلاة على ظهرِ الدابةِ، فإن خافَ إنْ نزلَ أن
ينقطعَ من الناسِ، ولا يأمنُ العدوًّ فليصل على ظهرِ دابتِه ويلحقُ بالناسِ.
فإنه في هذه الحالِ مثلُ المطلوبِ.
ونَقَلَ هذا المعنى عنه جماعةٌ، منهم: أبو طالبٍ والأثرمُ.
وله أن يصلِّيَ مستقبلَ القبلةِ وغيرَ مستقبلِها على حسبِ القدرةِ.
وفي وجوبِ استفتاح الصلاةِ إلى القبلةِ روايتانِ عن أحمدَ:
فمن أصحابِنا من قال: الروايتانِ مع القدرةِ، فأمَّا معَ العجزِ فلا يجبُ.
روايةً واحدةً.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ عكسَ ذلك، قال: يجبُ مع القدرةِ لأ ومع عدمِ
الإمكانِ، روايتانِ.
وهذا بعيدٌ جدًّا - أعني: وجوبَ الاستفتاح إلى القبلةِ مع العجزِ، ولعلَّ
فائدة إيجابِ الإعادةِ بدونِهِ.
ولهم أن يصلُّوا صلاةَ شدةِ الخوفِ رجالاً وركبانًا في جماعةٍ، نصَّ عليه
أحمدُ، وهو قولُ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ والثوريُّ والأوزاعيُّ: لا يصلونَ جماعةً، بل فرادَى؛ لأنَّ
المحافظةَ على الموقفِ والمتابعةِ لا تمكنُ.
وقال أصحابُنا ومَن وافقهم: يُعْفَى عن ذلك هاهنا، كما يُعْفَى عن استدبارِ
القبلةِ والمشي في صلواتِ الخوفِ، وإن كان معَ الانفرادِ يمكن تركُ ذلك.
стр. 168
قالُوا: ومتى تعذَّرتِ المتابعةُ لم تصحَّ الجماعةُ بلا خلافٍ.
* * *
قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)
وقد قيلَ في تأويلِ قولِهِ تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) : إنه يدخل فيها دفْعُهُ عن العُصاةِ باهلِ الطَّاعةِ، وجاءَ في
الآثارِ: إنَّ اللهِ يدْفَعُ بالرجلِ الصالح عن أهلهِ وولدِهِ وذريَّتِه ومنْ حَوله.
وفي بعضِ الآثارِ يقول اللَّهُ : "أحبُّ العبادِ إليَّ المتحابونَ بجلالِي المشَّاءونَ في الأرضِ بالنصيحةِ، المشَّاءونَ على أقدامِهِم إلى الجُمُعاتِ ".
وفي رواية: "المعلَّقةُ قلوبُهم بالمساجدِ، والمستغفرونَ بالأسحارِ، فإذا أردْتُ إنزالَ عذاب بأهلِ الأرضِ فنظَرْتُ إليهم صرفْتُ العذابَ عن الناسِ "
وقال مكحولٌ: ما دامَ في الًنَّاسِ خمسةَ عشرَ يستغفرُ كلّ منهُم اللَّهَ كلَّ يومٍ خمسًا وعشرينَ مرَّةً لم يَهْلِكُوا بعذابِ عامَّة.
والآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُ زْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
[قال البخاريُّ] : وقال إبراهيمُ ﵇: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)
وقد فسَّرها سعيدُ بن جبيرٍ بالازديادِ من الإيمانِ، فإنَّه قال لَهُ:
стр. 169
(أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، فطلبَ زيادةً في إيمانِهِ؛ فإنَّه
طلبَ أن ينتقل من درجةِ علم اليقينِ إلى درجة عينِ اليقينِ وهي أعلى
وأكمل، وفي "المسندِ" عن ابنِ عباس عن النبي ﷺ قال: "ليس الخبر كالمعاينةِ".
* * *
قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)
في صدقةِ السِّرِ، وفي فضلِهَا، نصوصٌ كثيرة، فمن القُرآنِ:
قولُهُ: (وَإِن تخْفُوهَا وَتؤْتوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكمْ) .
ومن السنة: حديثُ:
"رجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفَاهَا، حتى لا تعلمَ شمالُه، ما تُنفق يمينُه ".
وحديثُ: "الجاهرُ بالقرآنِ كالجاهرِ بالصدقةِ، والمسرُّ بالقرآنِ كالمُسِر
بالصدقةِ".
وحديثُ أنسٍ: "لمَّا خلقَ اللَّهُ الأرضَ، جعلَتْ تميدُ فخلقَ الجبالَ.. "
الحديثَ، وفي آخره: "قيلَ: فهل منْ خلقِكَ شيء أشدُّ من الريحِ؛ قالَ: نعمْ، ابنُ آدمَ يتصدقُ بيمينِه فيُخفِيهَا عنْ شمالِهِ ".
وحديثُ أبي ذر، وزادَ: ثمَّ نزعَ بهذه الآية: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) .
стр. 170
وحديثُ: "صدقة السرِّ، تُطفئُ غضبَ الربَ ، وتدفعُ مِيتةَ السوءِ"
خرَّجه الترمذيُّ، وابنُ حبانٍ.
وحديثُ أبي طلحةَ، لمَّا تصدَّقَ بحائِطِه، وقالَ: "لو استطعتُ أن أُسره، لم
أعلنْه " خرَّجه الترمذيُّ في "تفسير".
واختلفُوا في الزكاةِ: هلِ الأفضلُ إسرارُها أم إظهارُها؟
فرُويَ عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قالَ: جعلَ اللَّهُ صدقةَ الفريضة علانيتَها أفضلَ من سرِّها، يُقالُ: بخمسةٍ وعشرينَ ضعفًا، خرَّجه ابنُ جريرٍ.
وفي روايةٍ، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياءِ كلِّها.
وقال سفيانُ الثوريّ في هذه الآيةِ: هذا في التطوع.
وعن يزيد بنِ أبي حبيب: إنَّما نزلتْ هذه الآية ُ في اليهودِ والنصارى وكان
يأمرُ بِقَسم الزكاةِ في السرِّ، قالَ ابنُ عطيةَ: وهذا مردود، لا سيَّما عند
السلفِ الصالح، فقد قالَ ابنُ جريرٍ الطبريِّ: أجمعَ الناسُ، أنَّ إظهارَ
الواجبِ، أفضلُ.
قال المهدويُّ: وقيل المُرادُ بالآيةِ فرضُ الزكاةِ والتطوعُ، وكان الإحفاءُ فيها
أفضلَ في مدّة النبيِّ ﷺ ، ثمَّ ساءتْ ظنونُ الناسِ، بعد ذلك، فاستحسنَ العلماءُ، إظهارَ الفرائضِ، لئلا يُظن بأحدٍ المنعُ.
قال ابنُ عطيةَ: وهذا القولُ مخالف للآثارِ، قالَ: ويشبه في زمنِنا أنْ
стр. 171
يحسنَ التسترُ بصدقةِ الفرضِ، فقد كثر المانعُ لها، وصار إخراخها عُرضةً
للرِّياءِ.
وهذا الذي تخيَّله ابنُ عطيةَ ضعيف، فلو كانَ الرجلُ في مكانٍ يتركُ أهلُه
الصلاةَ، فهل يُقال: إن الأفضلَ أنْ لا يُظهرَ صلاتَه المكتوبة؟!.
وقال النَّقاشُ: إنَّ هذه الآيةَ نسخَها قولُهُ تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقونَ أَموَالَهُم
بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) الآية. انتهى ما ذكرَهُ.
ودعوى النسخ ضعيف جدًّا، وإنَّما معْنى هذه الآيةِ، كمَعْنى التِي قبلها:
إنَّ النفقةَ تُقبلَ سرًّا، وعلانيةً.
وحُكي عن المهدويِّ أنَّ قولَه تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِن اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) ، رخَّصتْ في صدقةِ الفرضِ، على أهلِ القراباتِ المشركين.
قال ابنُ عطيةَ: وهذا عندي مردود.
وحكي عن ابنِ المنذرِ نَقْلُ إجماع من يحفظُ: أنَّه لا يُعْطَى الذِمِّيُّ من
صدقةِ المالِ شيئًا.
قلتُ: رُوي عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ) : أن المساكينَ: أهلُ الكتابِ، وإسنادُهُ لا يثبتُ.
وروى الثعلبيُّ بإسنادِهِ عن سعيدِ بنِ سُويدٍ الكلبيِّ يرفعُه، أنَّ النبيَّ ﷺ سئل عن الجهرِ بالقراءة، والإخفاءِ فقالَ -: هي كمنزلةِ الصدقةِ (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تخْفوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) .
وروى الثعلبيُّ في "تفسيره"، عن أبي جعفرٍ في قولِهِ تعالى: (إِن تُبْدُوا
الضَدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) قال: هي الزكاةُ المفروضةُ، (وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ)
стр. 172
قال: يعني التطوعَ. هذا تفسير غريب.
* * *
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)
[قال البخاريُّ] : "بابُ: تحْريمِ تجارةِ الخَمْرِ في المسْجِدِ":
حدثنا عبْدانُ، عنْ أبي حمزةَ، عن الأعمش، عنْ مسلمٍ عن مسروقٍ، عن
عائشةَ، قالتْ لما أُنزلتْ الآياتُ من سُورة البقرةِ في الرِّبا خرجَ رسولُ اللِّه ﷺ إلى المسجدِ، فقرأهُنَّ على الناسِ، ثمَّ حرَّم تجارةَ الخمرِ.
ذكْرُ الخمرِ بالتحريمِ - إما لشربِه، أو للتجارةِ فيه -: من جملةِ تبليغ دينِ
اللَّهِ وشرعِهِ، وذلكَ لأنَّه تُصان عنه المساجدُ، فإنَّ اللَّهَ ذكرَ في كتابِهِ الذي
يُتلى في الصلواتِ في المساجدِ: الخمرَ والميسرَ والأنصابَ والأزلامَ، كما ذكرَ: الزِّنا والرِّبا وسائرَ المحرمات من الشركِ والفواحشِ، ولم يزلِ النبي ﷺ يتلُو
стр. 173
ذلكَ في المسجدِ في الصلواتِ وغيرِها، ولم يزلْ يذكرُ تحريمَ ما حرَمه اللَّهُ في
المساجدِ وفي خطبِهِ على المنبرِ، وهذا البابُ مما لا تدعُو الحاجةُ إليه؛ لظهوره.
ولكن يشكل في هذا الحديثِ أمرانِ:
أحدُهُما: أن تحريمَ التجارة في الخمرِ مما شرعَ من حينِ نزولِ تحريمِ الخمرِ.
ولم يتأخرْ إلى نزولِ آياتِ الرًّبا، فإنَّ آياتِ الرّبا من آخر ما نزلَ من القرآنِ.
كما رَوَى البخاريّ في "التفسيرِ" من روايةِ الشعبيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال:
آخرُ آيةٍ نزلتْ على رسولِ اللَّه ﷺ آيةُ الرئا.
وفي "الصحيحينِ " عن جابرٍ، أنه سمعَ النبيَّ ﷺ عامَ الفتح وهو بمكةَ يقولُ: "إن اللَهَ ورسولَهُ حرَّمَ بيع الخمر والميتةَ والخنزيرَ والأصنامَ ".
وخرَّج مسلم من حديثِ أبي سعيد الخدري، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "يا أيها
النَّاسُ، إن اللَّهَ يعرِّض بالخمرِ، ولعل الله سينزلُ فيها أمرًا، فمنْ كانَ عندَهُ منها شيء فليبْعهُ ولينتفعْ بهِ " قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتَى قالَ: "إن اللَّه حرَّم الخمرَ، فمنْ أدركتْه هذه الآيةُ وعندَهُ منها شيء فلا يشربْ ولا يبعْ "، قال: فاستقبلَ الناسُ بما كانَ عندَهُم منها في طريقِ المدينةِ فسفكُوهَا.
وهذا نصّ في تحريمِ بيعِها مع تحريمِ شربِها.
والثاني: أن آياتِ الربا ليسَ فيها ذكرُ الخمرِ، فكيفَ ذكرَ تحريمَ التجارةِ في
الخمرِ مع تحريمِ الرِّبا؟
ويجابُ عن ذلكَ: بأنَّ مرادَ عائشةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ أخبرَ بتحريمِ التجارةِ في
стр. 174
الخمرِ مع الرِّبا، وإنْ كانَ قد سبقَ ذكرُ تحريمِ بيع الخمرِ.
وقد رَوى حجَّاجُ بنُ أرطأة - حديثَ عائشةَ -، عن الأعمشِ بإسنادِ
البخاريِّ، ولفظُهُ: لما نزلتْ الآياتُ التي في سورةِ البقرةِ نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن الخمرِ والرِّبا.
وإنَّما أرادَ النبيُّ ﷺ واللَّهُ أعلمُ - بتحريمِ التجارةِ في الخمرِ مع الربا ليُعْلمَ بذلك أنَّ الرِّبا الذي حرَّمه اللَّهُ يشملُ جميعَ أكل المالِ مما حرَّمه اللَّهُ من المعاوضاتِ، كما قالَ: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ، فما كانَ بيْعًا فهو حلالٌ، وما لم يكن بيْعًا فهو رِبًا حرام - أي: هو زيادة على البيع الذي أحلَّه اللَّهُ.
فدخلَ في تحريمِ الربا جميعُ أكلِ المالِ بالمعاوضاتِ الباطلةِ المحرمةِ، مثلُ رِبا
الفضلِ فيما حرَّم فيه التفاضلُ، وربا النَّسَاء فيما حرَّم فيه النَّسأ، ومثل أثمانِ
الأعيانِ المحرَّمة، كالخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ، ومثل قَبولِ الهدية على
الشَّفاعةِ، ومثل العقودِ الباطلةِ، كبيع الملامسةِ والمنابذةِ، وبيع حَبَلِ الحبلةِ.
وبيع الغَرَرِ، وبيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحِها، والمُخَابرةِ، والسَّلَفِ فيما لا يجوز السَّلَفُ فيه.
وكلامُ الصحابةِ في تسميةِ ذلكَ رِبًا كثير، وقد قالُوا: القَبَالاتُ رِبا، وفي
النَّجشِ أنه رِبا، وفي الصفقتين في الصفقةِ أنه رِبا، وفي بيع الثمرةِ قبلَ بدوِّ
صلاحِها أنَه رِبا.
ورُوي: أنَّ غَبْنَ المُسْتَرسلِ رِبًا، وأنَّ كلَّ قرْضٍ جَرَّ نفْعًا فهو رِبًا.
стр. 175
وقال ابنُ مسعود: الرِّبا ثلاثة وسبْعُونَ بابًا.
وخرَّجه ابنُ ماجةَ والحاكمُ عنه مرفوعًا.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ، أن عمر قالَ: من آخرِ ما نزلَ آيةُ
الرِّبا، وإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قبِضَ قبلَ أن يُفسِّرها لنا، فدَعُوا الرِّبا والريبةَ.
يشيرُ عمرُ إلى أنَّ أنواعَ الرِّبا كثيرة، وأنَّ من المُشْتَبِهَاتِ ما لا يتحققُّ دخولُه
في الرِّبا الذي حرَّمه اللَّهُ، فما رابكم منه فدعُوه.
وفي "صحيح مسلم " عن عمرَ، أنَّه قالَ: ثلاث وددتُ أنَّ رسولَ اللَّهِ
ﷺ كانَ عهِدَ إلينا عهْدًا ننتهي إليه: الجَدُّ، والكَلالةُ، وأبوابّ من أبوابِ الرَبا.
وبعضُ البيوع المنهيِّ عنها نُهِيَ عنها سدًا لذريعةِ الرِّبا، كالمُحاقَلةِ.
والمزَابنةِ، وكذلك قِيلَ في النهي عن بيع الطعامِ قبل قبضِهِ، وعن بيعتينِ في
بيعيةٍ، وعن ربح ما لم يضمنْ، وبسطُ هذا موضعُهُ "البيوعُ ".
وإنَّما أشرْنَا هنا إلى ما يبيِّنْ كثيرةَ أنواع أبوابِ الرِّبا، وأنَّها تشملُ جميعَ
المعاوضاتِ المحرمة، فلذلكَ لمَّا نزلَ تحريمُ الرِّبا نَهَى النبيُّ ﷺ عن الرِّبا، وعن بيع الخمرِ، ليبينَ أنَّ جميعَ ما نُهِيَ عن بيعِهِ داخل في الرِّبا المنهيِّ عنه. واللَّهُ أعلم.
* * *
стр. 176
قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)
ولمَّا نزل قولُه تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) ، شقَّ ذلك على المسلمين، وظنُّوا دخُولَ
هذه الخواطرِ فيهِ، فنزلتْ الآية ُ التي بعدَها، وفيها قولُه: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) ، فبيَّنت أنَّ ما لا طاقةَ لهُم بهِ، فهو غيرُ مؤاخذٍ لهِ.
ولا مُكلَّف به، وقد سمَّى ابنُ عباسٍ وغيرُه ذلك نسْخًا، ومرادهُم أنَّ هْذه
الآيةَ أزالتِ الإيهامَ الواقعَ في النُّفوسِ من الآيةِ الأُولى، وبيَّنت أنَّ المرادَ:
بالاَية الأُولى العزائمُ المصمَّمُ عليْهَا، ومثل هذا البيان كانَ السلفُ يسمّونَه
نسخًا.
* * *
стр. 177
سُورَةُ آلِ عِمْرَان
قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ)
إنَّ الشهادتينِ منْ خصالِ الإسلامِ بغير نزاع، وليسَ المرادُ الإتيانَ بلفظِهِمَا
دونَ التَّصديقِ بهما، فعُلِمَ أنَّ التصديق بهِمَا، داخلٌ في الإسلامِ، وقد فسَّرَ
الإسلامَ المذكورَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ) .
بالتَوحيدِ والتَّصديقِ، طائفةٌ من السلفِ، منهُم محمدُ بنُ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ.
وأمَّا إذا نُفِيَ الإيمانُ عنْ أحدٍ، وأُثبتَ له الإسلامُ، كالأعرابِ الَّذينَ أَخبرَ
اللَّهُ عنهُم، فإنَه ينتفِي عنهُم رسُوخُ الإيمانِ في القلبِ، وتثبُتُ لهم الشاركةُ
في أعمالِ الإسلامِ الظاهرةِ مع نوع إيمان يُصحِّحُ لهم العملَ، إذْ لولا هذا
القدرُ منَ الإيمانِ، لم يكونُوا مسلمينَ، وإنَّما نَفَى عنهُمُ الإيمانَ، لانتفاءِ ذوقِ
حقائقه، ونقصِ بعضِ واجباتِهِ، وهذَا مبنيٌّ على أنَّ التصديقَ القائمَ بالقلوبِ
يتفاضل.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)
المحبةُ الصحيحةُ تقتضِي المتابعةَ والموافقةَ في حبِّ المحبوباتِ وبغضِ
стр. 178
المكروهاتِ، قالَ : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .
قال الحسنُ: قال أصحابُ النبيِّ ﷺ : يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُحبّ ربَّنا حبًّا شديدًا، فأحبَّ اللَّه أن يجعلَ لحبّه علمًا، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية.
وفي "الصحيحين " عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ثلاثٌ منْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهُمَا، وأنْ يُحبَّ المرءَ لا يُحبُه إلا للَّهِ، وأنْ يكره أن يرْجِعَ إلى الكُفرِ بعد إذ أنقذَهُ اللَّهُ منه كما يكرَهُ أنْ يُلقَى في النارِ".
فمنْ أحبَّ اللَّهَ ورسولَهُ محبةً صادقةً من قلبِهِ، أوجبَ له ذلكَ أنْ يحبَّ
بقلبِهِ ما يُحبُّه اللَّهُ ورسولُهُ، ويكرهُ ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُهُ، ويرضَى بما يَرضَى اللَّهُ رسولُهُ، ويسخطُ ما يسخطهُ اللَّهُ ورسولُهُ، وأنْ يعملَ بجوارحِهِ بمقتضَى هذا الحبِّ والبغضِ، فإنْ عملَ بجوارِحِهِ شيئًا يخالفُ ذلكَ، بأن ارتكبَ بعض ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُه، أو تركَ بعضَ ما يحبهُ اللَّهُ ورسولُهُ مع وجوبِهِ والقدرةِ عليه، دل ذلكَ على نقصِ محبَّته الواجبةِ، فعليهِ أن يتوبَ من ذلكَ ويرجعَ إلى تكميلِ المحبةِ الواجبةِ.
قال أبو يعقوب النَّهْرُجُوريُّ: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّه ولم يوافقِ
اللَّهَ في أمرِهِ، فدعواهُ باطلةٌ، وكلُّ محب ليسَ يخافُ اللَّهً، فهو مغرور.
стр. 179
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: ليسَ بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم
يحفظْ حدودَهُ.
وسُئلَ رُويمٌ عن المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميع الأحوالِ، وأنشدَ:
ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سمعًا وطاعةً. . . وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلاً ومرْحبًا
ولبعضِ المتقدمينَ:
تعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه. . . هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنيعُ
لو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه. . . إنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ
فجميعُ المعاصِي تنشأُ من تقديمِ هوى النفوسِ على محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ.
وقد وصفَ اللَهُ المشركينَ باتِّباع الهَوى في مواضعَ منْ كتابِهِ، وقال تعالى:
(فَإِن لَّم يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاه بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) .
وكذلكَ البدعُ إنَّما تنشأُ من تقديمِ الهَوى على الشَّرع، ولهذا يُسمَّى أهلُها
أهلَ الأهواءِ.
وكذلكَ المعاصِي إنَّما تقعُ من تقديمِ الهوى على محبةِ اللَّهِ، ومحبةِ ما
يحبه.
وكذلك حَبُّ الأشخاصِ: الواجبُ فيه أنْ يكونَ تبعًا لما جاءَ بهِ الرسولُ
ﷺ .
فيجبُ على المؤمنِ محبةُ اللَّهِ ومحبةُ من يحبُّهُ اللَّهُ من الملائكةِ والرسلِ
والأنبياءِ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ عمومًا، ولهذا كانَ من علاماتِ
وجودِ حلاوةِ الإيمانِ أن يُحبَّ المرءَ لا يحبُه إلا للَّهِ، ويحرِّمَ موالاةَ أعداءِ اللهِ
ومن يكرهُهُ اللَّهُ عمومًا، وقد سبقَ ذلكَ في موضع آخرَ، وبهذا يكونُ الدِّينُ
стр. 180
كلُّه للِّهِ. و"منْ أحبَّ للَّهِ وأبغضَ للِّهِ، وأعطَى للهِ، ومنع للهِ، فقدِ استكملَ الإيمانَ ".
ومن كانَ حُبُّه وبُغضُه وعطاؤه ومنعُه لِهَوى نفسِهِ، كانَ ذلك نقصًا في
إيمانِهِ الواجبِ، فيجبُ عليه التَّوبةُ من ذلكَ والرُّجوعُ إلى اتِّباع ما جاء به
الرسول ﷺ من تقديمِ محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ، وما فيهِ رضا اللَّهِ ورسولِهِ على هوى النفوسِ ومراداتِهَا كلِّها.
قال وهيبُ بنُ الوردِ: بلغَنَا - واللَّهُ أعلمُ - أنَّ موسى ﵇ قالَ: يا ربَ أوصِني؟
قال: أوصيكَ بي، قالَهَا ثلاثاً، حتَّى قال في الآخرةِ:
أوصيكَ بي أن لا يعرضَ لكَ أمرٌ إلا آثرتَ فيه محبَّتِي على ما سِواها، فمنْ
لم يفعلْ ذلكَ لم أزكِّهِ ولم أرحمْهُ.
والمعروفُ في استعمال الهَوى عند الإطلاقِ أنَّه الميلُ إلى خلافِ الحق، كما
في قولِهِ : (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .
وقالَ: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) .
وقد يُطلقُ الهوى بمعنى المحبةِ والميلِ مطلقًا، فيدخلُ فيه الميل إلى الحقِّ
وغيرِهِ، وربَّما استُعْمِلَ بمعنى محبةِ الحقِّ خاصةً والانقيادِ إليه.
وسئلَ صفوانُ بنُ عسَّالٍ: هل سمعتَ من النبيِّ ﷺ يذكرُ الهَوى؟
فقال: سأله أعرابيٌّ عن الرجل يُحبُّ القومَ ولم يلحقْ بِهِم، فقال: "المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ ".
следующие страницы →