← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأحياءِ وقد قيلَ في الأنبياءِ مثلُ ذلكَ أيضًا. وعلى هذا حمَلَ طائفةٌ من العلماءِ منهمُ البيهقي وأبو العباسِ القرطبيُّ قولَ النبي ﷺ في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى) ، فأكونُ أنا أولُ من يبعثُ، فإذا موسى آخذٌ بالعرشِ، فلا أدْرِي أحوسبَ بصعقةِ الطورِ أم بُعثَ قبلِى". وفي رواية: "أوْ كانَ ممن استَثْنى اللَّهُ ". فإن حياةَ الأنبياءِ أكملُ من حياةِ الشهداءِ، بلا ريبٍ، فيشملُهم حكمُ الأحياءِ أيضًا، ويصعقونَ مع الأحياءِ حينئذ، لكن صعقةُ غشي لا صعقةَ موتٍ، إلا موسى فإنه تردَّدَ فيه هل صُعِقُ أم كان ممن استثْنى اللَّهُ، فلم يُصعقْ لمجازاةِ اللَّه له، بصعقةِ الطورِ؛ ولكنْ على هذا التقدير فموسى مبعوثٌ قبل مَحمدٍ ﷺ ، لا محالةَ، فكيفَ تردَّد النبيَّ ﷺ في ذلك في كونِ الشهداءِ لا يُصعقونَ والأنبياءُ يُصعقُونَ، إشكالٌ أيضًا، واللَّه أعلمُ بمرادِهِ ومرادِ رسولِه ﷺ في ذلك كلِّه. والفرقُ بينَ حياةِ الشهداءِ وغيرِهم منَ المؤمنينَ الذين أرواحُهُم في الجنةِ. وجهين: أحدُهُما: أنَّ أرواحَ الشهداءِ تُخلقُ لها أجسادٌ، وهي الطيرُ التي تكونُ في حواصِلِها، ليكملَ بذلك نعيمُها، ويكونُ أكملُ من نعيم الأرواء المجردةِ عنِ الأجسادِ، فإن الشهداءَ بذلُوا أجسادَهُم للقتلِ في سبيلِ اللَهِ فعوّضوا عنها بها الأجسادَ في البرزخ. والثاني: أنهم يُرزقونَ في الجنةِ، وغيرُهُم لم يثبتْ له في حقِّه مثلُ ذلكَ فإنه

стр. 247

جاءَ أنهم يُعلَّقون في شجرِ الجنةِ. ورُوي يعلقون بفتح اللامِ وضَقَها، فقيلَ: إنَّهما بمعى، وأنَّ المرادَ الأكلُ من الشجرِ، قال ابنُ عبدِ البرِّ: وقيل: بلْ روايةُ الضمِّ معناها الأكلُ، وروايةُ الفتح معناها التعلُّق. وهو التسترُ. وبكلِّ حالٍ فلا يلزم مساواتُهُم للشهداءِ في كمالِ تنعمهم بالأكلِ، واللَّهُ أعلم. وقد ذهبَ طائفةٌ من المتكلمينَ إلى أن الروحَ عرضٌ لا تبقى بعدَ الموتِ. وحملُوا ما وردَ من عذابِ الأرواح ونعيمِها بعدَ الموتِ على أحدِ أمرينِ: إما أنَّ العرضَ الذي هو الحياةُ يعادُ إلى جزءٍ من البدنِ، أو على أنْ يخلقَ في بدنٍ آخرَ. وهذا الثاني باطلٌ قطْعًا، لأنه يلزمُ منه أنْ يعذَّب بدنٌ غيرُ بدنِ الميتِ، معَ روح غيرِ روحِهِ، فلا يعذَّبُ حينئذٍ بدنُ الميتِ ولا رُوحُه، ولا يتنعمانِ أيضًا، وهذا باطلٌ قطعًا، والأولُ باطلٌ - أيضًا - بالنصوصِ الدالةِ على بقاءِ الروح منفردةً عن البدنِ بعد مفارقتِها له، وهي كثيرةٌ جدًّا وقد سبقَ ذكرُ بعضِها. وقد احتجَّ بعضُهم على فناءِ الأرواح وموتِها بما رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه كانَ إذا دخلَ المقابرَ قالَ: "السَّلامُ عليكُم أيتُها الأرواحُ الفانيةُ، والأبدانُ الباليةُ، والعظامُ النخرةُ، التي خرجتْ من الدُّنيا وهي باللَّه مؤمنه اللَّهُمَّ أدخلْ عليهم رَوْحًا منكَ وسَلاما مِنَّا". وهذا حديثٌ خرَّجه ابنُ السُّني، من طريقِ عبدِ الوهابِ بنِ جابرِ التيميِّ، حدثنا حبانُ بنُ عليٍّ، عن الأعمشِ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ مسعودٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، وهذا لا يثبت رفعُه، وعبدُ الوهابِ لا يُعرفُ، وحبّانُ ضعيف، ولو صحَّ حُمِلَ على أنَّه أرادَ بفناءِ الأرواح ذهابَها من الأجسادِ

стр. 248

المشاهدةِ، كما في قوله تعالى: (كلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) ، وبعضُ الأبدانِ باقية، كأجسادِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ وغيرِهم، وإنما تفارقُ أرواحُها أجسادَها. وذَكَرَ بعضُهم عن ابنِ عباسٍ ﵄ أنه سئل أينَ تكونُ الأرواح إذا فارقتِ الأجسادَ؟ فقال: أين يكونُ السراجُ إذا طُفِي، والبصرُ إذا عَمِيَ، ولحمُ المريضِ إذا مَرِض؛ فقالُوا: إلى أينَ؟ قال: فكذلكَ الأرواحُ، وهذا لا يصحّ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄، واللَّهُ أعلم. * * * قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) إذا وفَّق اللَهُ عبدًا: توكَّلَ بحفْظِهِ وكلاءته، وهدايتِهِ وإرشادِهِ، وتوفيقِه وتسديدِهِ. وإذا أخذلَهُ وكله إلى نفسِهِ أو إلى غيرِه، ولهذا كانتْ هذه الكلمةُ: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، كلمةً عظيمةً، وهي التي قالها إبراهيمُ ﵊ حين أُلقيَ في النارِ، وقالَهَا محمد رسولُ اللَّهِ ﷺ حين قالَ لهُ الناسُ: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعوا لَكمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، وقالتْهَا عائشةُ حين ركبتِ الناقةَ لمَّا انقطعتْ عن الجيشِ، وهي كلمةُ المؤمنينَ. فمن حقَّق التوكلَ على اللَّهِ لم يكلْهُ إلى غيره، وتولاَّه بنفسِهِ. وحقيقةُ التوكلِ: تكِلة الأمورِ كلِّها إلى من هي بيدِهِ. فمن توكَّلَ على اللَّهِ

стр. 249

في هدايتِهِ وحراستِه وتوفيقِهِ وتأييدِهِ ونصى ورزقِهِ، وغير ذلك من مصالح دينِهِ ودنياهُ تولَّى اللًّه مصالحَهَ كلَّها، فإنَّه تعالى ولِيُّ الذين آمنوا. وهذا هو حقيقةُ الوثوقِ برحمةِ اللَّهِ كما في هذا الدعاءِ "فإني لا أثقُ إلا برحمتِكَ ". فمن وثقَ برحمةِ ربِّه ولم يثقْ بغيرِ رحمتِهِ، فقد حقَّقَ التوكلَ على ربِّه في توفيقِهِ وتسديدِهِ، فهو جديرٌ بأن يتكفلَ اللَهُ بحفظِهِ، ولا يكلُهُ إلى نفسِهِ. * * * قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) ومِنْ أظهرِ التَّعييرِ: إظهارُ السوءِ وإشاعتُه في قالَبِ النُّصح وزعْمُ أنه إنما يحملُهُ على ذلك العيوبُ إما عامًا أو خاصًا وكان في الباطن إنما غرضُهُ التعييرُ والأذَى فهو من إخوانِ المنافقينَ الذينَ ذمَّهم اللَّهُ في كتابه، في مواضعَ، فإنَّ اللًّهَ تعالى ذمَّ من أظهرَ فعلاً وقولاً حسنًا وأرادَ به التوصُّلَ إلى غَرَضٍ فاسدٍ يقصدُهُ في الباطنِ، وعدَّ ذلك من خصال النفاقِ كما في سورةِ براءةَ التي هتَكَ فيها المنافقينَ وفضَحَهُمْ بأوصافهم الخبيثة، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) . وقال تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا..) ، وهذه الآيةُ نزلتْ في اليهودِ لمَّا سالهم النبيُّ ﷺ عن شيء فكتمُوه وأخبرُوه بغيرِه، وقد أرَوْه أنْ قد أخبرُوه بما سألهم عنه، واستحمدُوا بذلك عليه وفرحوا بما أتَوا من كتمانِهِ ما سألهُم عنه.

стр. 250

كذلك قالَ ابنُ عباسٍ ﵁، وحديثُه بذلكَ مخرَّجٌ في "الصحيحين ". وعن أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين كانُوا إذا خرج رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى الغزوِ وتخلَّفوا عنه وفرِحُوا بمقعدهِم خلافَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فإذا قدِمَ رسولُ اللَّهُ اعتذرُوا إليه وحَلَفُوا، وأحبُوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلتْ هذه الآية ُ. فهذه الخصالُ، خصالُ اليهودِ والمنافقينَ، وهو أن يُظهرَ الإنسانُ في الظاهرِ قولاً أو فعلاً، وهو في الصورةِ التي ظهرَ عليها حسنٌ، ومقصودُهُ بذلك التوصُّلُ إلى غَرَضٍ فاسدٍ، فيحمدُهُ على ما أظهر من ذلك الحسَنِ، ويتوصَّلُ هو به إلى غرَضِهِ الفاسدِ الذي هو أبْطَنَهُ، ويفرحُ بحمدِهِ على ذلك الذي أظهرَ أنه حسنٌ وفي الباطنِ شيء، وعلى توصُّلِهِ في الباطنِ إلى غرضِهِ الستَيِّئ، فتتمُّ له الفائدةُ وتُنفّذُ له الحيلةُ بهذا الخداع!!. ومَنْ كانتْ هذه صفتُهُ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ ولا بُدَّ، فهو مُتَوَعَّدٌ بالعذابِ الأليم، ومثالُ ذلك: أن يُريدَ الإنسانُ ذمَّ رجل وتنقُّصَهُ وإظهارَ عيْبِهِ لينفر الناس عنه إما محبةً لإيذائهِ أو لعداوتِهِ، أو مخافةً من مُزاحمتِهِ على مالٍ أو رئاسة أو غير ذلك من الأسبابِ المذمومةِ، فلا يتوصَّل إلى ذلك إلا بإظهار الطَّعْنِ فيه بسببِ ديني، مثل: أن يكونَ قد ردَّ قولاً ضعيفًا من أقوالِ عالمٍ مشهور فيشيعُ بين من يُعَظِّم ذلك العالِمَ، أن فلانًا يُبْغِضُ هذا العالِمَ ويذمُّه ويطعنُ عليه فيغِرُّ بذلك كلَّ من يُعظمه ويُوهمهُم أن بُغْضَ الرادِّ وأذاهُ من أعمال العربِ، لأنه ذبٌّ عن ذلك العالِم، ورفع الأذى عنه، وذلك قُربةٌ إلى

стр. 251

اللَّهِ تعالى وطاعتِهِ فيجمعُ هذا الظْهِرُ للنصح بين أمرين قبيحين مُحرَّمين: أحدهما: أن يُحملَ ردُّ هذا العالِم القولَ الآخرَ على البُغْضِ والطَّعْنِ والهَوَى، وقد يكونُ إنَّما أراد به النُّصحَ للمؤمنينَ، وإظهارَ ما لا يحلُّ له كتمانُه من العلم. والثاني: أن يُظهرَ الطَّعْنَ عليه ليتوصَّل بذلكَ إلى هواه وغَرَضه الفاسد في قالَبِ النُّصح والذَّبِّ عن عُلماءِ الشرع، وبمثلِ هذه المكيدةِ كان ظلمُ بني مروانَ وأتباعُهم يستميلونَ الناسَ إليهم ويُنفِّرون قلوبَهُم عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ والحسنِ والحسينِ وذريتِهم ﵁ أجمعين. وأنه لما قُتِلَ عثمانُ ﵁ لم تَرَ الأمَّةُ أحقَّ من عليٍّ ﵁ فبايعوه فتوصَّلَ منْ توصَّل إلى التنفير عنه، بأنْ أظهرَ تعظيمَ قتلَ عثمانَ وقُبْحَهُ، وهو في نفس الأمر كذلكَ، ضُمَّ إلى ذلك أن المُؤلِّب على قتلِهِ والسَّاعِي فيه عليّ ﵁، وهذا كان كَذِبًا وبهْتًا. وكان عليّ ﵁ يحلفُ ويُغَلِّظُ الحَلِفَ على نفي ذلكَ، وهو الصادقُ البارُّ في يمينِهِ ﵁، وبادرُوا إلى قتالِهِ ديانةً وتقربا ثم إلى قتالِ أولادِهِ رضوانُ اللهِ عليهم، واجتهدَ أولئكَ في إظهارِ ذلك وإشاعتِهِ على المنابِرِ في أيَّامِ الجُمع وغيرِها من المجَامِع العظيمةِ، حتى استقرَّ في قلوبِ أتباعِهِم أنَّ الأمرَ على ما قالوه، وأن بني مروانَ أحقُّ بالأمرِ من عليٍّ وولدِهِ لقُربِهِم من عُثمانَ، وأخْذهم بثأرِه، فتوصَّلوا بذلكَ إلى تأليفِ قُلوبِ الناسِ عليهم، وقتالهم لعليٍّ وولدِهِ من بعْدِهِ، ويثبُتُ بذلكَ لهم المُلْكُ، واستوثقَ لهم الأمرُ. وكان بعضُهم يقولُ في الخَلْوة لمن يثقُ إليه كلامًا ما معناه: "لم يكن أحد

стр. 252

من الصحابة أكفأ عن عثمان من عليٍّ " فيقالُ له: لِمَ يسبُّونه إذًا؛ فيقول: "إنَّ المُلْكَ لا يقومُ إلا بذلك ". ومُرادُهُ أنَّه لولا تنفيرُ قلوبِ الناسِ عن عليٍّ ووَلَدِهِ ونسبُهم إلى ظلم عثمانَ لما مالتْ قلوبُ الناسِ إليهم، لما علموه من صفاتِهِم الجميلةِ وخصائصِهم الجليلةِ، فكانوا يُسرعون إلى مُتابعتهم ومبايعتِهم فيزولُ بذلك مُلكُ أميَّة. وينصرفُ الناسُ عن طاعتِهِم. * * * ومن هذا البابِ - أيضًا - أن يحبَّ ذُو الشرفِ والولايةِ أن يُحمدَ على أفعالِهِ ويُثْنَى عليه بها، ويَطلبُ من الناسِ ذلك، ويَتَسببُ في أذى من لا يُجيبُه إليه، ورُبَّما كان ذلك الفعلُ إلى الذمِّ أقربَ منه إلى المدح، ورُبَّما أظهر أمرًا حسنًا في الظاهرِ، وأحبَّ المدحَ عليه وقصَدَ به في الباطنِ شرًّا، وفرِحَ بتمْويهِ ذلك وترويجه على الخلقِ. وهذا يدخلُ في قولِهِ تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ) ، الآية. فإن هذه الآيةَ إنما نزلتْ فيمن هذهِ صفاتُهُ، وهذا الوصفُ - أعني: طلبَ المدح منَ الخلقِ ومحبَّتَهُ والعقوبةَ على تركِهِ - لا يصلحُ إلا للَّه وحدَهُ لا شريكَ لهُ، ومن هُنا كان أئمةُ الهُدى ينهَوْن عن حمدِهِم على أعمالِهِم وما يَصدُرُ منهم منَ الإحسان إلى الخلْقِ، ويأمرُونَ بإضافةِ الحمدِ على ذلكَ للَّهِ وحدَهُ لاشريكَ لهُ، فإن النًّعَمَ كلَّها منه.

стр. 253

وكانَ عُمرُ بنُ عبد العزيزِ ﵀ شديدَ العنايةِ بذلكَ، وكتبَ مرَّةً إلى أهلِ الموْسم كتابًا يُقرأ عليهم، وفيه الأمرُ بالإحسانِ إليهم، وإزالةُ المظالم التي كانَتْ عليهم، وفي الكتابِ: "ولا تَحْمدُوا على ذلكَ كُلِّه إلا اللَّه، فإنَّه لوْ وَكَلَنِي إلي نفْسِي كُنْتُ كغيرِي ". وحكايتُهُ مع المرأةِ التي طلبتْ منه أن يَفرضَ لبَناتها اليتامى مشهورةٌ، فإنها كانتْ لها أربعُ بنَاتٍ، ففرض لثْنتينِ منهنَّ، وهي تحمدُ اللَّه، ثم فرض للثالثةِ فشكرتْهُ فقال: إنَّما كُنَّا نفرِضُ لهُنَّ حيثُ كُنتِ تولينَ الحمدَ أهلَهُ، فمُري هذه الثلاثَ يُواسينَ الرابعةَ. أو كما قال ﷺ . أرادَ أن يُعرفَ أنَّ ذا الولايةِ إنما هو مُنتصب لتنفيذِ أمر اللَّه، وآمرٌ العبادَ بطاعتِهِ تعالى، وناهٍ لهم عن محارمِ اللَّهِ، ناصحٌ لعبادِ اللَّهِ بدُعائهم إلى اللَّهِ. فهو يقصدُ أن يكون الدينُ كلُّه للَّه، وأن تكونَ العِزَّة للَّه، وهو مع ذلك خائفٌ من التقصيرِ في حقوقِ اللَّه تعالى - أيضًا -. فالمحبُّونَ للَّهِ غايةُ مقاصدِهِم من الخلقِ أن يُحبُّوا اللَّهَ ويطيعُوه. ويُفردوه بالعبوديةِ والإلهيةِ، فكيفَ من يزاحِمُهُ في شيء من ذلكَ؛ فهو لا يريدُ منَ الخلقِ جزاءًا ولا شُكُورًا، وإنما يرجُو ثوابَ عملِهِ من اللَّهِ كما قال اللَّهُ تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) . وقال ﷺ : "لا تُطرُوني كما أطرَتِ النصارى المسيحَ ابنَ مريمَ، إنَّما أنا عبد، فقولُوا: عبدَ اللَّهِ ورسولَهِ ".

стр. 254

وكان رسول اللَّهِ ﷺ ينُكر على من لا يتأدَّبُ معه في الخطابِ بهذا الأدبِ، كما قال: "لاتقولُوا: ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ محمدٌ بلْ قُولُوا: ما شاءَ اللَّهُ ثم شاءَ محمدٌ". وقال: لمن قال: ما شاء اللَّه وشِئتَ: "أجَعَلتَنِى للَّه ندًا؟ بل ما شاءَ اللَّهُ وحده ". فمِن هُنا كان خُلفاءُ الرُّسل وأتباعُهم من أُمراءِ العدل وأتباعِهم وقُضاتِهم لا يدْعُون إلى تعظيم نُفُوسهم ألبتَّة، بل إلى تعظيم اللَّه وحدَه، وإفرادِهِ بالعبوديةِ والإلهيةِ، ومنهُم من كان لا يريدُ الولايةَ إلا للاستعانةِ بها على الدعوةِ إلى اللَّهِ وحدَه. وكان بعضُ الصالحينَ يتولَّى القضاءَ ويقول: ألا أتولاهُ لأستعينَ به على الأمر بالمعروفِ والنهي عن المُنكر. ولهذا كانتِ الرُّسل وأتباعُهُم يصبرونَ على الأذى في الدعوة إلى اللَّهِ. ويتحملونَ في تنفيذِ أوامرِ اللَّه من الخلقِ غايةَ المشقةِ وهُم صابرونَ، بل رَاضُون بذلكَ، فإنَّ المحبَّ رُبَّما يتلذذُ بما يُصيبه منَ الأذى في رضى محبوبِه. كما كانَ عبدُ الملك بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز ﵀ يقولُ لأبيه في خلافتِهِ إذا حرصَ على تنفيذِ الحق وإقامةِ العدل: با أبَتِ، لودِدْت أنِّي غَلتْ

стр. 255

بي وبِكَ القُدورُ في اللَّهِ . وقال بعضُ الصالحين: وددتُ أنَّ جسمي قُرِضَ بالمقاريضِ وأنَ هذا الخلقَ كلَّهم أطاعُوا اللَّهَ ، فعُرِض قولُهُ على بعضِ العارفينَ فقال: إن كان أراد بذلك النصيحةَ للخلقِ وإلا فلا أدري، ثم غُشيَ عليه. ومعنى هذا: أن صاحبَ هذا القولِ قد يكونُ لَحِظَ نُصحَ الخلقٍ والشفقةَ عليهم من عذابِ اللَّه، وأحبَّ أن يفديَهم من عذابِ اللَّهِ بأذى نفسِهِ، وقد يكونُ لَحِظَ جلالَ اللَّهَ وعظمتِه وما يستحقُهُ من الإجلالِ والإكرامِ والطَّاعةِ والمحبةِ، فوَدَّ أن الخلقَ قاموا بذلك، وإن حصلَ له في نفسِهِ غايةُ الضرر. وهذا هو مشهدُ خَواصِّ المُحبين العارفينَ بملاحظتِهِ فغشي على هذا الرجلِ العارفِ. وقد وصفَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أن المحبين له يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم. وفي ذلك يقولُ بعضُهُم: أجدُ الملامةَ في هَواَك لذيذةً. . . حبًّا لذكْرِكَ فلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ * * *

стр. 256

سُورَةُ النِّسَاءِ قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) ومما يستدلُّ به على فضلِ قلةِ العيالِ قولُهُ تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) ، على تفسير من فسَّرَهُ بكثرة العيال، ولكنَّ الجمهورَ على تفسير بالجورِ والحيفِ، فإنَّ ملكَ اليمينِ قد تكثرُ به الأولادُ أكثرُ من الزوجاتِ الأربع، فإنه لا ينحصرُ في عددٍ. وكانَ الإمامُ أحمدُ ينكرُ على من كرهَ كثرةَ الأزواج والعيال، ويستدلُّ بحال النبيِّ ﷺ وأصحابِه من كثرةِ أزواجهِم وعيالِهِم، وبمثلِ قولهِ: "تزوجُوا الودودَ الولودَ، فإنِّي أكاثرُ بكُمُ الأممَ يومَ القيامةِ"، ولكنه يأمرُ مع هذا بطلبِ الحلالِ والكسبِ، والصبرِ على الفقرِ وإنْ شقَّ. فالإمامُ أحمدُ أمرَ بما جاءَ الأمرُ به في الشرع، وسفيانُ نظرَ إلي قلَّةِ صبرِ الناسِ إلى ما يئولُ إليهِ حالُهم عند كثرةِ عيالهِم منْ تركِ الورع، والتكسبِ من الوجوهِ المكروهةِ، وهذا هُوَ الغالبُ على النَّاسِ لا سيَّما مع قلةِ العِلْم والصبرِ، وأمَّا حالُ الصابرينَ على العيالِ المحافظينَ على الورع معهُم فعزيز جدًا.

стр. 257

قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) قال المباركُ بنُ كاملٍ: سمعتُ عبدَ الوهابِ بنِ قاسم بنِ عليٍّ الشعرانيَّ. قال: رأيتُ جعفرَ الدرزيجاني جاء إلى بغدادَ، فالتقى به أبو الحسين الدرزيجانيُ، فقال له: كيف تركتَ الصبيانَ؟ فقال له: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) تقوى اللَّهِ لنا ولَهُم. * * * قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) .

стр. 258

قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) . فهذا حكمُ اجتماع ذكورِهم وإناثِهم أنَّه يكونُ للذكرِ منهم مثلُ حط الأنثيينِ، ويدخلُ في ذلك الأولادُ، وأولادُ البنينَ باتِّفاقِ العلماءِ، فمتى اجتمعَ من الأولادِ إخوةٌ وأخواتٌ، اقتسَمُوا الميراثَ على هذا الوجهِ عند الأكثرينَ، فلو كانَ هناكَ بنتٌ للصُّلبِ أو ابنتانِ، وكان هناك ابنُ ابنٍ مع أخته اقتسما الباقِي أثلاثا، لدخولِهم في هذا العمومِ. هذا قولُ جمهورِ العلماءِ، منهم عمرُ وعليٌّ وزيدٌ وابنُ عباسٍ، وذهبَ إليه عامَّة العلماءِ، والأئمةُ الأربعة. وذهبَ ابنُ مسعودٍ إلى أنَّ الباقي بعدَ استكمالِ بناتِ الصُّلبِ الثلثين، كلُّه لابن الابنِ، ولا يُعصِّبُ أخته، وهو قولُ علقمةَ وأبي ثورٍ وأهلِ الظاهرِ، فلا يُعصِّبُ عندَهُم الولدُ أختَه إلا أن يكونَ لها فريضةٌ لو انفردتْ عنه، فكذلك قالُوا فيما إذا كان هناكَ بنتٌ وأولادُ ابنٍ ذكورٌ وإناث: إنَّ الباقي لجميع ولد الابنِ، للذكرِ منهم مثلُ حظِّ الأنثيينِ. وقال ابنُ مسعودٍ في بنتٍ وبناتِ ابنٍ وبني ابنٍ: للبنتِ النصفُ، والباقي بين ولدِ الابنِ، للذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين إلا أن تزيدَ المقاسمةُ بناتَ الابنِ على السدسِ، فيُفرضُ لهنَّ السدسُ، ويجعلُ الباقي لبني الابنِ، وهو قولُ أبي ثَوْر. وأمَّا الجمهورُ، فقالُوا: النصفُ الباقي لولدِ الابنِ، للذكرِ مثلُ حط الأنثيين عملاً بعمومِ الآيةِ، وعندهم أن الولدَ وإن نزَلَ يُعَصّبُ من في درجتِهِ بكلِّ

стр. 259

حالٍ، سواء كان للأنثى فرض بدونه أو لم يكن، ولا يُعَصِّبُ من أعلى منه من الإناثِ إلا بشرطِ أن لا يكونَ لها فرضٌ بدونه، ولا يُعصِّبُ من أسفلَ منه بكلِّ حالٍ. ثم قالَ تعالى: (فَإِن كنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَك وَإِن كانَت واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، فهذا حكمُ انفرادِ الإناثِ من الأولاد أن للواحدةِ النصفَ، ولما فوقَ الاثنتينِ الثلثانِ، ويدخلُ في ذلك بناتُ الصلبِ وبناتُ الابنِ عند عدمهِنَّ، فإنِ اجتمعنَ، فإن استكملَ بناتُ الصلبِ الثلثين، فلا شيءَ لبناتِ الابنِ المنفرداتِ، وإن لم يستكملِ البناتُ الثُّلثين، بل كانَ ولدُ الصلبِ بنتًا واحدةً، ومعها بناتُ ابنٍ، فللبنتِ النِّصفُ، ولبناتِ الابنِ السدسُ تكملةَ الثلثين، لئلا يزيدَ فرض البنات على الثلثين. وبهذا قَضى النبيُّ ﷺ في حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي تقدَّمَ ذكرُهُ، وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ، إلا ما رُوي عن أبي مسعودٍ وسلمانَ بنِ ربيعةَ أنه لا شيء لبنتِ الابنِ، وقد رجعَ أبو موسى إلى قولِ ابنِ مسعودٍ لما بلغَهُ قولُهُ في ذلك. وإنما أُشكِلَ على العلماءِ حكمُ ميراثِ البنتينِ، فإنَّ لهما الثلثين بالإجماع كما حكاه ابن المنذرِ وغيرُه، وما حُكيَ فيه عن ابن عباسٍ أنَّ لهما النِّصفَ. فقد قيل: إن إسنادَهُ لا يصحُّ، والقرآنُ يدل على خلافِهِ، حيث قال تعالى: (وَإِن كانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف) ، فكيف تُورث أكثرُ من واحدةٍ

стр. 260

النصفَ؛ وحديثُ ابن مسعودٍ في توريثِ البنتِ النصفَ وبنتِ الابنِ السدسَ تكملة الثلثين يدلُّ على توريثِ البنتين الثلثين بطريقِ الأولى. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ من حديثِ جابرٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ ورَّث ابنتيْ سعدِ بنِ الرَّبيع الثلثينِ. ولكن أشكلَ فهمُ ذلكَ من القرآنِ لقولِهِ تعالى: (فَإِن كنَّ نِسَاءً فَوقَ اثْنَتَين) ، فلهذا اضطربَ الناسُ في هذا، وقالَ كثيرٌ من الناسِ فيه أقوالاَ مستبعدة. ومنهم من قالَ: استُفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين، فإنَّه قال تعالى: (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهمَا الثلثَانِ مِمَّا تَرَكَ) ، واستفيد حكمُ ميراثِ أكثر من الأختينِ من حكم ميراثِ ما فوقَ الاثنتينِ. ومنهم من قال: البنتُ مع أخيها لها الثلثُ بنصِّ القرآنِ، فلأن يكونَ لها الثلثُ مع أختِهَا أولى، وسلكَ بعضُهم مسلكًا آخر، وهو أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ حُكمَ توريثِ اجتماع الذكورِ والإناثِ من الأولادِ، وذكر حُكْمَ توريثِ الإناثِ إذا انفردنَ عن الذكور، ولم ينصَّ على حكم انفرادِ الذكور منهم عن الإناثِ، وجعل حُكمَ الاجتماع أن الذكرَ له مثلُ حظِّ الأنثيين، فإن اجتمعَ مع الابنِ ابنتان فصاعدًا، فله مثلُ نصيبِ اثنتينِ منهنَّ، وإن لم يكنْ معهُ إلا ابنةٌ واحدةَ فله الثلثانِ ولها الثلثُ، وقد سمَّى اللَّه ما يستحقه الذكرُ حظَّ الأنثيين مطلقًا، وليس الثلثان حظَّ الأنثيين في حالِ اجتماعِهِمَا مع الذكرِ، لأنَّ حظَّهما حينئذٍ النِّصفُ، فتعيَّن أن يكونَ الثُّلثان حظَّهما حال الانفرادِ.

стр. 261

وبقي ها هنا قسم ثالثٌ لم يصرِّح القرآنُ بذكر، وهو حكمُ انفرادِ الذكورِ من الولدِ، وهذا مما يُمكن إدخالُهُ في حديثِ ابن عباسٍ: "فما بقي فلأوْلى رجل ذَكَرٍ"، فإنَّ هذا القسمَ قد بقي ولم يصرَّح بحكمه في القرآن، فيكون المالُ حينئذٍ لأقربِ الذكور مِنَ الولد والأمرُ على هذا، فإنَّه لو اجتمعَ ابن وابنُ ابنٍ، لكانَ المالُ كُلُّه للابنِ، ولو كان ابنُ ابنٍ وابنُ ابنِ ابني، لكانَ المالُ كُلُّه لابنِ الابنِ على مقتضى حديثِ ابنِ عباسٍ، واللَّه أعلم. ثم ذكر تعالى حكمَ ميراثِ الأبوين، فقال: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ) ، فهذا حكمُ ميراثِ الأبوين إذا كانَ للولدِ المتوفَّى ولدٌ، وسواءٌ في الولدِ الذكر والأنثى، وسواء فيه ولدُ الصلبِ وولدُ الابنِ، هذا كالإجماع من العلماءِ، وقد حكى بعضُهُم عن مجاهدٍ فيه خلافًا، فمتى كانَ للميتِ ولدٌ، أو ولدُ ابنٍ، وله أبوان، فلكلِّ واحدٍ من أبويه السُّدسُ فرضًا، ثم إن كان الولدُ ذكرًا، فالباقي بعد سدسي الأبوين له، وربما دخل هذا في قوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلهِا، فما بقي فلأوْلى رَجُل ذَكَرٍ ". وأقرب العصباتِ الابنُ، وإن كان الولدُ أنثى، فإن كانتَا اثنتينِ فصاعدًا. فالثُّلثان لهنَّ، ولا يَفضُلُ منَ المالِ شيءٌ، وإن كانت بنتًا واحدةً، فلها النصف ويفضلُ من المال سدسٌ آخر، فيأخذُهُ الأبُ بالتَّعصيبِ، عملاً بقوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلِهَا، فما بقي فلأولى رجل ذكر". فهو أولى رجلٍ ذكر عندَ فقدِ الابنِ، إذ هو أقربُ من الأخ وابنِه والعمِّ وابنِهِ. ثم قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)

стр. 262

يعني: إذا لم يكن للميت ولدٌ، وله أبوانِ يرثانِه، فلأُمه الثلث، فيُفهم من ذلك أنَّ الباقي بعد الثلثِ للأبِ، لأنه أثبتَ ميراثَه لأبويه، وخصَ الأمَّ من الميراثِ بالثلثِ، فعلم أنَّ الباقي للأبِ، ولم يقُل: فللأبِ - مثلاً -: ما للأمِّ، لئلا يُوهم أنَّ اقتسامَهُما المال هو بالتَّعصيبِ كالأولاد والإخوةِ، إذا كان فيهم ذكورٌ وإناثٌ. وكان ابنُ عباسٍ يتمسَّكُ بهذهِ الآيةِ بقولِهِ في المسألتين الملقبتينِ بالعُمريتينِ وهما زوجٌ وأبوان، وزوجةٌ وأبوان، فإن عمر قضى أن الزوجين يأخذان فرضَهُما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسألتين، فللأم ثلثُه، والباقي للأب، وتابعه على ذلك جمهور الأمَّة. وقال ابن عباسٍ: بل للأم الثلثُ كاملاً، تمسُّكًا بقوله: (فَإِن لَمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَة أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) . وقد قيلَ في جوابِ هذا: إنَّ اللَّهَ إنما جعل للأمِّ الثلثَ بشرطينِ: أحدُهما أن لا يكونَ للولدِ المُتوفَّى ولدٌ، والثاني: أن يرثَه أبواه، أي: أن ينفرِدَ أبواه بميراثه، فما لم ينفردْ أبواه بميراثِهِ، فلا تستحقُّ الأئمُ الثلثُ، وإن لم يكن للمتوفَّى ولدٌ. وقد يقال - وهو أحسنُ -: إن قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) . أي: مما ورثه الأبوانِ، ولم يقل: فلأمه الثلثُ مما ترك كما قال في السُّدسِ. فالمعنى أنَّه إذا لم يكن له ولدٌ، وكان لأبويه من ماله ميراثٌ، فللأمَ ثُلُثُ ذلك الميراثِ الذي يختصّ به الأبوان، ويبقى الباقي للأبِ. ولهذا السرِّ - واللهُ أعلمُ - حيثُ ذكرَ اللَّه الفروضَ المقدَّرةَ لأهلها، قال

стр. 263

فيها: (مِمَّا تَرَكَ) ، أو ما يدلُّ على ذلك، كقوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ، ليبين أن ذا الفرضِ حَقُّه ذلك الجزءُ المفروضُ المقدَّر له من جميع المالِ بعد الوصايا والديونِ، وحيثُ ذكر ميراثَ العصباتِ، أو ما يقتسمُه الذُّكورُ والإناثُ على وجهِ التَّعصيبِ، كالأولادِ والإخوةِ لم يقيِّده بشيءٍ من ذلك، ليبيِّنَ أنَّ المالَ المقتسَمَ بالتَّعصيبِ ليسَ هو المال كُلَّهُ، بل تارةً يكونُ جميعَ المالِ، وتارةً يكونُ هو الفاضلَ عن الفروضِ المفروضةِ المقدَّرةِ. وهُنا لمَّا ذكرَ ميراثَ الأبوينِ من ولدِهِما الذي لا ولدَ لَهُ، ولم يكنْ اقتسامُهُما للميراثِ بالفرضِ المحضِ، كما في ميراثِهِما مع الولد، ولا كان بالتَّعصيب المحض الذي يُعصب فيه الذَّكر الأنثى، ويأخذ مِثليَ ما تأخذُهُ الأنثى، بل كانتِ الأمُّ تأخذُ ما تأخذُهُ بالفرضِ، والأبُ يأخذُ ما يأخذُهُ بالتَّعصيبِ، قال: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُث) ، يعني: أن القدرَ الذي يستحقُّه الأبوانِ من ميراثِهِ تأخذُ الأمُّ ثلثُه فرضًا، والباقي يأخذه الأب بالتَّعصيبِ، وهذا ممَّا فتح اللَّه به، ولا أعلم أحدًا سبقَ إليه، وللَّه الحمد والمنَّة. ثم قال تعالى: (فَإِن كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ، يعني للأمِّ السدس مع الإخوةِ من جميع التركة الوروثةِ التي يقتسمُها الورثةُ، ولم يذكرْ هُنَا ميراثَ الأبِ مع الأمِّ، ولا شكًّ أنَّه إذا اجتمعَ أمٌّ وإخوةٌ وليس معهم أبٌ، فإنَّ للأمِّ السدسَ، والباقي للإخوةِ. ويحجُبُها الأخوانِ فصاعدًا عندَ الجمهورِ. وأما إن كانَ مع الأمِّ والإخوةِ أبٌ، فقال الأكثرونَ: يحجبُ الإخوةَ الأمُّ ولا يرثون، ورُويَ عن ابنِ عباسٍ أنهم يرثُون السُّدسَ الذي حجبوا عنه الأمَّ

стр. 264

بالفرضِ، كما يَرِثُ ولدُ الأمِّ مع الأمِّ بالفرضِ. وقد قيلَ: إنَّ هذا مشيّ على قولِهِ: "إنَّ الكلالة من لا ولدَ له خاصّة". ولا يُشترط للكلالةِ فقْدُ الوالدِ، فيرثُ الإخوةُ مع الأبِ بالفرضِ. ومن العلماءِ المتأخرين من قالَ: إذا كانَ الإخوةُ محجوبينَ بالأبِ، فلا يَحجُبُون الأمَ عن شيءٍ، بل لها الثُّلثُ، ورجَّحَهُ الإمامُ أبو العباسِ ابنِ تيميةَ رحمة اللَّهِ عليه، وقد يُؤخذُ من عمومِ قولِ عمرَ ﵁ وغيره من السَّلف: من لا يرثُ لا يَحجبُ، وقد قالَ نحوَه أحمدُ والخِرَقي، لكن أكثرَ العلماءِ يحملونَ ذلكَ على أنَّ المرادَ منْ ليسَ له أهليّةُ الميراث بالكليَّة ِ كالكافرِ والرقيقِ، دونَ من لا يرثُ لانحجَابِهِ بمنْ هو أقربُ منه، واللًّهُ أعلم. وقد يشهدُ للقولِ بأن الإخوةَ إذا كانُوا محجوبينَ لا يحجُبونَ الأمَّ أنَّ اللَّهَ تعالى قال: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) ، ولم يدْكرِ الأبُ، فدلَّ على أنَّ ذلك حكمُ انفرادِ الأم مع الإخوةِ، فيكون الباقي بعد السدسِ كلِّه لهم، وهذا ضعيفٌ، فإن الإخوةَ قد يكونون من أمٍّ، فلا يكون لهم سوى الثلث، واللَّهُ تعالى أعلمُ. واعلم أن اللَّهَ تعالى ذكرَ حُكْمَ ميراثِ الأبوين، ولم يذكر الجَدَّ ولا الجَدةَ. فأما الجدةُ، فقد قال أبو بكرٍ الصديقُ وعمرُ بنُ الخطابِ ﵄: إنه ليسَ لهَا في كتابِ اللَّهِ شيء، وقد حكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على ذلكَ، وأنَ فرضَهما إنما ثبتَ بالسُّنّة، وقيلَ: إنَّ السدسَ طُعْمةٌ أطعَمَها رسولُ اللهِ ﷺ وليس بفرضِ، كذا رُوي عن ابنِ مسعودٍ وسعيدِ بنِ المُسيبِ.

стр. 265

وقد رُوي عنِ ابنِ عباسٍ من وجوهٍ فيها ضعف أنها بمنزلةِ الأمَ عند فقْدِ الأمِّ ترثُ ميراثَ الأمِّ، فترثُ الثلثَ تارةً، والسدسَ أخرى، وهذا شذوذٌ، ولا يصحُّ إلحاقُ الجدّة بالجدِّ، لأن الجدَّ عصبة يُدْلى بعصبة، والجدّة ذاتُ فرضٍ تُدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنَّه ليس لها فرضٌ بالكليةِ، وإنما السدسُ طعمةٌ أطعَمَها النبي ﷺ ، ولهذا قالتْ طائفةٌ ممن يرى الردَّ على ذوي الفروضِ: إنه لا يرد على الجدةِ، لضعفِ فرضِها، وهو روايةٌ عن أحمدَ. وأما الجد، فاتَّفقَ العلماءُ على أنَّه يقومُ مقامَ الأبِ في أحوالِهِ المذكورةِ من قبلُ، فيرثُ مع الولدِ السُّدسَ بالفرضِ، ومع عدمِ الولد يرثُ بالتعصيبِ، وإن بقيَ شيء مع إناثِ الولدِ أخذهُ بالتعصيبِ - أيضًا - عملاً بقوله: "فما أبقت الفرائضُ، فلأولى رَجُلٍ ذكر ". ولكن اختلفُوا إذا اجتمعَ أمٌّ وجد مع أحدِ الزوجينِ، فرُوي عن طائفةٍ من الصَّحابةِ أن للأمِّ ثُلُثَ الباقي، كما لو كانَ معها الأبُ كما سبقَ، رُوي ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ كذا نقلهُ بعضُهم، ومنهم من قال: إنما رُوي عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ في زوج وأم وجد: أن للأمِّ ثلثَ الباقي. ورُوي عن ابنِ مسعود رواية أخرى: أنَّ النِّصفَ الفاضلَ بين الجدِّ والأمِّ نصفانِ، وأمَّا في زوجةٍ وأمًّ وجدٍّ، فرُوي عن ابنِ مسعودٍ رواية شاذّة: أنَّ للأمِّ ثلثَ الباقي، والصَّحيحُ عنه، كقولِ الجمهورِ: أن لها الثُّلثَ كاملاً، وهذا يشبهُ تفريقَ ابنِ سيرينَ في الأمِّ مع الأبِ أنَه إن كانَ معهُما زوج، للأمِّ ثلثُ الباقي، وإن كان معهُمَا زوجةٌ، فللأمِّ الثُلث. وجمهورُ العلماءِ على أنَّ الأمَّ لها الثلثُ مع الجدِّ مطلقًا، وهو قولُ على

стр. 266

وزيدٍ، وابنِ عباسٍ، والفرقُ بين الأمِّ مع الأبِ ومعَ الجدِّ أنها مع الأبِ يشملُها اسمٌ واحدٌ، وهما في القُربِ سواءٌ إلى الميتِ، فيأخذُ الذكر منهما مثلَ حظِّ الأنثى مرتينِ كالأولادِ والإخوةِ، وأما الأمُّ مع الجدِّ، فليسَ يشملُها اسمٌ واحدٌ، والجدُّ أبعدُ من الأبِ، فلا يلزمُ مُساواتُهُ به في ذلكَ. وأمَّا إن اجتمع الجدُّ مع الإخوةِ، فإن كانُوا لأمٍّ سَقَطُوا به، لأنهم إنما يرثون من الكلالةِ، والكلالةُ: منْ لا وَلَدَ له ولا والد، إلا رواية شذَّتْ عن ابنِ عباسٍ. وأما إن كانوا لأبٍ أو لأبوين، فقد اختلفَ العلماءُ في حكم ميراثِهِم قديمًا وحديثًا، فمنهم من أسقطَ الإخوةَ بالجدِّ مطلقًا، كما يسقطونَ بالأبِ، وهذا قولُ الصديق، ومعاذ، وابنِ عباسٍ، وغيرهم، واستدلُّوا بأنَّ الجدَّ أبٌ في كتابِ اللَّهِ ، فيدخلُ في مسمى الأبِ في المواريثِ، كما أنَّ ولدَ الولدِ ولدٌ، ويدخل في مسمَّى الولد عندَ عدم الولدِ بالاتفاقِ، وبأن الإخوة إنما يرثونَ مع الكلالةِ، فيحجبُهُم الجدُّ كالإخوةِ من الأم، وبأنَّ الجدَّ أقوى من الإخوةِ، لاجتماع الفرضِ والتَّعصيب له من جهةٍ واحده، فهو كالأبِ. وحينئذ، فيدخلُ في عموم قوله ﷺ : "فما بقي، فلأولى رجلٍ ذكر". ومنهم من شرَّك بين الإخوةِ والجدِّ وهو قولُ كثيرٍ من الصحابةِ، وأكثر الفقهاءِ بعدهم على اختلافٍ طويل بينهم في كيفية التشريكِ بينهم في الميراثِ، وكان من السلفِ منْ يتوقَّف في حكمهم ولا يُجيبُ فيهم بشيء. لاشتباهِ أمرهم وإشكالِهِ، ولولا خشيةُ الإطالةِ لبسطنا القولَ في هذه المسألةِ. ولكن ذلك يؤدِي إلى الإطالةِ جدًّا.

стр. 267

وأما حكمُ ميراثِ الإخوةِ للأبوينِ أو للأبِ، فقد ذكره اللَّه تعالى في آخر سورة النساءِ في قولِهِ تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) . والكَلالةُ: مأخوذةٌ من تكلُّلِ النسبِ وإحاطتِهِ بالميثِ، وذلك يقتضِي انتفاءَ الانتسابِ مطلقًا من العمودينِ الأعلى والأسفل، وتنصيصُه تعالى على انتفاءِ الولدِ تنبيهٌ على انتفاءِ الوالدِ بطريقِ الأوْلى، لأن انتسابَ الولدِ إلى والدِهِ أظهرُ من انتسابِهِ إلى ولدِهِ، فكانَ ذكرُ عدمِ الولد تنبيهًا على عدمِ الوالدِ بطريقِ الأولى. وقد قال أبو بكرٍ الصديقُ ﵁: الكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والدَ، وتابعَهُ جمهورُ الصحابةِ والعلماءِ بعدَهُم. وقد رُوي ذلك مرفوعًا من مراسيلِ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبي ﷺ ، خرَّجه أبو داود في "المراسيل "، وخرَّجه الحاكم من روايةٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وصحَّحَه ووصْلُه بذكرِ أبي هريرةَ ضعيف. فقوله: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أختٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) ، يعني إذا لم يكنْ للميتِ ولدٌ بالكليَّة ِ لا ذكرٌ ولا أنثى، فللأختِ - حينئذٍ - النِّصفُ مما تركَ فرضًا، ومفهومٌ هذا أنه إذا كان له ولد فليسَ للأختِ النِّصفُ فرضًا، ثم إنْ كان الولدُ ذكرًا، فهو أولى بالمالِ كلِّه لما سبقَ تقريرُه في ميراثِ الأولاد الذُّكور إذا انفردُوا، فإنهم أقربُ العصباتِ، وهم يُسقطُون الإخوةَ فكيف لا يُسقِطون

стр. 268

الأخوات؛ وأيضًا، فقد قال تعالى: (وَإِن كانوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) ، وهذا يدخل فيه ما إذا كانَ هناك ذو فرضةٍ كالبناتِ وغيرِهنَّ، فإذا استحقَّ الفاضلُ ذكورَ الإخوةِ مع الأخواتِ، فإذا انفردُوا، فكذلك يستحقُّونه وأوْلى، وإن كانَ الولدُ أنثى، فليسَ للأختِ هنا النِّصفُ بالفرضِ، ولكن لها الباقي بالتَّعصيب عندَ جمهورِ العلماءِ، وقد سبقَ ذكرُ ذلك والاختلافُ فيه، فلو كانَ هناكَ ابنٌ لا يستوعِبُ المالَ وأختٌ، مثلُ ابنٍ نِصْفُه حُر عندَ من يُورِّثه نصفَ الميراثَ، وهو مذهبُ الإمامِ أحمدَ وغيرِه من العلماءِ، فهل يقالُ: إن الابنَ هنا يسقط نصفَ فرضِ الأختِ، فترثَ معه الرُّبعَ فرضًا؛ أم يقال: إنَه يصيرُ كالبنتِ فتصيرَ الأختُ معه عصبة كما تصيرُ مع الأخت، لكنه يُسقط نصفَ تعصيبها، فتأخذُ معه النِّصفَ الباقي بالتعصيب؛ هذا محتملٌ، وفي هذه المسألةِ لأصحابِنا وجهانِ. وقوله تعالى: (وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكن لَّهَا وَلَدٌ) ، يعني أنَّ الأخَ يستقلُّ بميراثِ أخته إذا لم يكن لها ولدٌ ذكرٌ أو أنثى، فإن كان لها ولدٌ ذكرٌ، فهو أوْلى من الأخ بغير إشكالٍ، فإنَّه أولى رجلٍ ذكرٍ، وإن كان أنثى، فالباقي بعد فرضِها يكونُ للأخ، لأنَّه أوْلى رجلٍ ذكر، ولكن لا يستقلُّ بميراثِها حينئذِ، كما إذا لم يكن لها ولدٌ. وقوله: (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) يعني: أنَّ فرضَ الثِّنتين الثلثان، كما أنَّ فرضَ الواحدةِ النِّصفُ، فهذا كلُّه في حكم انفرادِ الإخوةِ والأخواتِ. وأما حكمُ اجتماعِهِم، فقد قالَ تعالى: (وَإِن كانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) ، فيدخلُ في ذلكَ ما إذا كانوا مفردينِ، وأما إذا كان هناكَ

стр. 269

ذو فرضٍ منَ الأولادِ أو غيرِهم، كأحدِ الزوجينِ أو الأمّ أو الإخوةِ من الأم. فيكونُ الفاضلُ عن فروضِهم للإخوةِ والأخواتِ بينهم للذَّكَر مثلُ حظِّ الأنثيين. فقد تبيَّن بما ذكرناهُ أنَّ وجودَ الولد إنما يُسقط فرضَ الأخواتِ منَ الأبوينِ أو الأبِ، ولا يُسقط توريثهُن بالتَّعصيبِ مع أخواتِهِنَّ بالإجماع، ولا تَعْصيبَهُنَّ بانفرادهِنَّ مع البناتِ عثدَ الجمهورِ، فالكلالةُ شرطٌ لثبوتِ فرضِ الأخواتِ، لا لثبوتِ ميراثِهنَّ، كما أنَّه ليسَ بشرطٍ لميراثِ ذكورهم بالإجماع، وهذا بخلافِ ولدِ الأمِّ، فإنَّ انتفاءَ الكلالةِ أسقطت فروضَهم، وإذا أسقطت فروضَهم، سقطت مواريثُهُم، لأنَّه لا تعصيبَ لهم بحالٍ لإدلائهم بأنثى، والأخوات للأبوين أو للأب يدلون بذكرٍ، فيرثنَ بالتَّعصيبِ مع إخوتِهِنَّ بالاتفاقِ، وبانفرادِهِنَّ مع البناتِ عند الجمهورِ. وإذا كانَ الولدُ مسقطًا لفرضِ ولد الأبوينِ، أو الأبِ دونَ أصلِ توريثهم بغيرِ الفرضِ، فقد يقال: إنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما خصَّ انتفاءَ الولدِ في قوله: (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) ، ولم يذكر انتفاءَ الولدِ، أو الأبِ، لأنَّه كان يدخلُ فيه الجدُّ، والجدُّ لا يُسقطُ ميراثَ الإخوةِ بالكليَّة، وإنَّما يشتركون معه في الميراثِ، تارةً بالفرضِ، وتارةً بغيرهِ، وهذا على قول من يقول: إنَّ الجدَّ لا يُسقطُ الإخوةَ - وهمُ الجمهورُ - ظاهرٌ، وهذا كلُّه في انفرادِ ولدِ الأبوينِ أو الأبِ، فإن اجتمعُوا فإن العصباتِ منْ ولدِ الأبوينِ يُسقطونَ ولدَ الأبِ كلهم بغير خلافٍ حتى في الأختِ منَ الأبوينِ مع البنتِ عند من يجعلُها عصبةً يُسقط بها الأخ من الأبوينِ. وفي "المسندِ" و"الترمذيِّ " و"ابن ماجةَ " عن علي قال: قَضَى رسول اللَّهِ ﷺ -

стр. 270

أن أعيانَ بني الأم يرثُون دونَ بني العلاَّتِ، يرثُ الرَّجُلُ أخاه لأبيه وأمّهِ دونَ أخيه لأبيه. وقال عمرُو بنُ شُعيبٍ: قضى رسولُ اللَّه ﷺ أن الأخَ للأبِ والأم أولى بالكلالةِ بالميراثِ، ثم الأخُ للأبِ، وهذا - أيضا - مما يدخلُ في قولِهِ ﵊: "فما بقي فلأوْلى رجُلٍ ذكرَ". والتحقيقُ في ذلك: أن كلَّ ما دلَّ عليه القرآنُ، ولو بالتَّنبيه، فليسَ هو ممَّا أبقته الفرائضَ، بل هوَ من إلحاقِ الفرائضِ المذكورةِ في القرآنِ بأهلِهَا. كتوريثِ الأولادِ ذكورِهم وإناثِهم الفاضلَ عن الفروضِ، للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأنثيينِ، وتوريثِ الإخوةِ ذكورِهم وإناثِهم كذلك، ودلَّ ذلكَ بطريقِ التَّنبيه على أنَّ الباقي يأخذه الذَّكرُ منهم عند الانفرادِ بطريق الأوْلى، ودلَّ - أيضًا - بالتَّنبيه على أنَّ الأختَ تأخذُ الباقي مع البنتِ كما كانتْ تأخذُهُ مع أخيهَا، ولا يُقدَّمُ عليها من هو أبعدُ منها، كابنِ الأخ والعمِّ وابنِهِ، فإنَّ أخاها إذا لم يُسقِطها فكيف يُسقِطها من هو أبعدُ منه؛ فهذا كلُّه من باب إلحاقِ الفرائضِ بأهلها، ومن باب قسمة المالِ بين أهلِ الفرائضِ على كتابِ اللًّهِ. وأمَّا منْ لم يُذكر باسمِهِ منَ العصباتِ في القرآنِ، كابنِ الأخ والعمِّ وابنِه. فإنَّما دخلَ في عموماتِ مثلِ قولِهِ تعالى: (وَأُولوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْضٍ فِي كتَابِ اللَّهِ) ، وقوله: (وَلِكل جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) ، فهذا يحتاجُ في توريثِهم إلى هذا الحديثِ: أعني حديثَ ابنِ عباسٍ، فإذا لم يُوجَدْ للمالِ وارثٌ غيرُهم، انفردُوا به، ويقدَّم منهُمُ الأقربُ

стр. 271

فالأقربُ، لأنَه أولى رجلٍ ذكر، وإن وُجِدَتْ فروضٌ لا تستغرقُ المالَ، كأحدِ الزوجينِ أو الأمِ، أو ولد الأمِّ، أو بناب منفرداتٍ، أو أخواتٍ منفرداتٍ، فالباقي كلُّه لأوْلى ذكرٍ من هؤلاءِ. ولهذا لو كانَ هؤلاء إخوةً رجالاً ونساءً، لاختصَّ به رجالُهم دون نسائِهم، بخلافِ الأولادِ والإخوةِ فإنَّه يشتركُ في الباقي أو في المالِ كلِّه ذكورُهم وإناثُهِم، بنصِّ القرآنِ، والحديثُ إنَّما دلَّ على توريثِ العصباتِ الذينَ يختصُّ ذكورُهم دونَ إناثِهم، وهم مَنْ عدا الأولادِ والإخوةِ، فهذا حكمُ العصباتِ المذكورينَ في كتابِ اللَّهِ، وفي حديثِ ابنِ عباسٍ. وأما ذوو الفروضِ، فقد ذكرنَا حكمَ موارِيثِهم، ولم يبقَ منهم إلا الزوجانِ والإخوةِ للأم. فأما الزوجانِ، فيرثانِ بسببِ عقدِ النكاح، ولمَّا كان بين الزوجينِ من الألفةِ والمودةِ والتَّناصُرِ والتعاضُدِ ما بينَ الأقاربِ، جُعِلَ ميراثُهما كميراثٍ الأقاربِ، وجُعل للذَّكرِ منهما مثْلا ما للأنثى، لامتيازِ الذكرِ على الأنثى بمزيدِ النَّفع بالإنفاقِ والنصرةِ. وأما ولدُ الأمِّ، فإنَهم ليسُوا من قبيلةِْ الرَّجُلِ، ولا عشيرِتِه، وإنما هم في المعنى من ذوي رحمِهِ، ففرضَ اللَّهُ لواحدِهِم السُّدُسَ، ولجماعتِهِم الثُّلثَ صِلَةً، وسوَّى فيه بين ذكورِهِم وإناثِهم، حيثُ لم يكنْ لذكرِهِم زيادةً على أنثاهم في الحياةِ من المعاضدةِ والمناصرةِ، كما بين أهلِ القبيلةِ والعشيرةِ الواحدةِ، فسوَّى بينَهُم في الصلةِ، ولهذا لم تُشرع الوصيَّةُ للأجانبِ بزيادةٍ على الثلثِ، بل كانَ الثُّلثُ كثيرًا في حقِّهم، لأنَهم أبعدُ من ولدِ الأمِّ. فينبغِي أن لا يُزادوا على ما يُوصل به ولدُ الأمِ، بل ينقصونَ منه.

стр. 272

واستدلَّ بعضُهم بقولِهِ: "فما بقيَ فلأوْلى رجلٍ ذكر" على أنْ لا ميراثَ لذوي الأرحامِ، لأنَّه لم يجعلْ حقَّ الميراثِ لمنْ لم يُذكر في القُرآنِ إلا لأقربِ الذكورِ، وهذا الحكمُ يختصُّ بالعصباتِ دونَ ذوِي الأرحامِ، فإنَّ منْ ورَّث ذوي الأرحامِ، ورَّث ذكورَهُم وإناثَهُم. وأجابَ من يرى توريثَ ذوي الأرحامِ بأنَّ هذا الحديثَ دلَّ على توريثِ العصباتِ، لا على نفي توريثِ غيرِهم، وتوريثُ ذوي الأرحامِ مأخوذٌ من أدلةٍ أخرى، فيكونُ ذلكَ زيادةً على ما دلَّ عليه حديثُ ابنِ عباسٍ. وأمَّا قوله: "لأوْلى رجلٍ ذكَرٍ" مع أنَّ الرجُلَ لا يكون إلا ذكرًا، فالجوابُ الصحيحُ عنه أنه قد يُطْلَقُ الرجل ويرادُ به الشخصُ، كقولِهِ: "منْ وَجَدَ ماله عندَ رجلٍ قد أفلس " ولا فرقَ بين أن يجده عند رجل أو امرأة، فتقييدُه بالذَّكر ينفي هذا الاحتمالَ، ويُخلصهُ للذكرِ دونَ الأنثي وهو المقصود، وكذلك الابنُ: لمَّا كان قد يُطلق، ويُراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن السبيل، جاء تقييدُ ابنِ اللّبون في نُصُبِ الزكاة بالذكرِ. وللسهيليِّ كلامٌ على هذا الحديثِ فيه تكلُّف وتعسُّفٌ شديد ولا طائلَ تحتَه، وقد ردَّه عليه جماعة ممن أدركنَاهُم، واللَّهُ أعلمُ. * * * قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ) وفي حديثِ أبي هريرةَ المرفوع: "إنَّ العبد ليعملُ بطاعةِ اللَّهِ ستِّينَ سنة، ثم

стр. 273

يَحضُره الموتُ، فيضارَّ في الوصيةِ، فيدخلُ النارَ"، ثم تلا: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) ، إلى قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَاا) . وخرَّجه الترمذيُّ وغيرُه بمعناه. وقال ابنُ عباسٍ: الإضرارُ في الوصيةِ من الكبائرِ، ثم تلا هذه الآية. والإضرارُ في الوصيَّةِ تارةً يكونُ بأنْ يخُصَّ بعضَ الورثةِ بزيادةٍ على فَرْضَه الذي فرَضَهُ اللَّهُ له فيتضرَّرُ بقيَّةُ الورثةِ بتخصِيصِه، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنًّ اللَّهَ قدْ أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، فلا وصيَّةَ لوارث ". وتارةً بأن يُوصِي لأجنبيًّ بزيادة على الثُّلثِ، فتنقصُ حقوقاُ الورثةِ، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "الثلث والثلثُ كثيرٌ. ومتى وصَّى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثلثِ لم ينفذْ ما وصىَّ به إلا بإجازة الورثةِ، وسواء قصدَ المضارَّة أو لم يقصدْ، وأمَّا إنْ قصدَ المضارة بالوصيًّةِ لأجنبيٍّ بالثلثِ فإنه يأثمُ بقصدِهِ المضارَّة، وهلْ تُرَدُّ وصيَّتُه إذا ثبتَ ذلكَ بإقراور أم لا؛ حكَى ابنُ عطيةَ روايةً عن مالكٌ أنها تُرَدُّ، وقيلَ: إنه قياسُ مذهبِ أحمد. * * *

стр. 274

قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) خرَج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ حبانَ في "صحيحِهِ " من حديثِ ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ اللَّهَ يقبَلُ توبةَ العبدَ ما لم يُغَرْغِر" وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. دلَّ هذا الحديثُ على قبولِ توبةِ اللَّهِ لعبده ما دامَتْ روحُه في جسدِهِ لم تبلُغ الحُلْقُومَ والتراقي. وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ذلك أيضًا، قال اللَّهُ : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، وعمَلُ السُّوءِ إذا أفرد دَخَل فيه جميعُ السَّيئات، صغيرُها وكبيرُها، والمرادُ بالجهالة الإقدامُ على عملِ السُّوء. وإنْ علِمَ صاحبُه أنه سوء، فإنَّ كُلَّ من عَصَى اللًّهَ فهو جاهلٌ، وكُلَّ من أطاعَهُ فهو عالمٌ، وبيانُهُ من وجهينِ: أحدُهما: أنَّ من كانَ عالِمًا باللَّهِ تعالى وعظمتِهِ وكبريائِهِ وجلالِهِ، فإنَّه يَهَابُهُ ويخشاهُ، فلا يقعُ منه مع استحضارِ ذلكَ عصيانُه، كما قال بعضُهم: لو تفكَّر الناسُ في عظمةِ اللَّه تعالى ما عَصَوهُ، وقال آخرُ: كفَى بخشيةِ اللَّه عِلْمًا، وكَفى بالاغترارِ باللَّهِ جهلاً.

стр. 275

والثاني: أنَّ مَنْ آثرَ المعصيةَ على الطاعةِ فإنَّما حَمَلَهُ على ذلك جهلُه وظنُّه أنها تنفعُهُ عاجلاً باستعجالِ لذَّتِها، وإن كان عندهُ إيمان فهو يرجو التخلُّصَ من سوءِ عاقِبتها بالتوبةِ في آخر عمى، وهذا جَهْل محْضٌ، فإنَّه يتعجَّلُ الإثمَ والخزي، ويفوتُه عِزُّ التقوى وثوابُها ولذَّةُ الطاعة، وقد يتمكَّنُ من التوبةِ بعد ذلك، وقد يعاجلُهُ الموتُ بغتةً، فهو كجائع أكلَ طعامًا مسمومًا لدفع جوعه الحاضر، ورجا أن يتخلَّص من ضرره بِشُرْبِ الدِّرياق بعده، وهذا لا يفعله إلا جاهلٌ، وقد قال تعالى في حقِّ الذين يؤثرونَ السحرَ: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) . والمرادُ: أنَّهم آثرُوا السحرَ على التقوى والإيمانِ، لما رجوا فيه من منافع الدنيا المعجلةِ، مع علمهم أنَّهم يفوتُهم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ منهم، فإنَّهم لو علمُوا لآثرُوا الإيمانَ والتقوى على ما عَداهُمَا، فكانُوا يحرزونَ أجرَ الآخرةِ ويامنونَ عقابَها، ويتعجَّلونَ عِزَّ التقوى في الدنيا، وربما وصلُوا إلى ما يأمُلُونه في الدنيا أو إلى خيرٍ منه وأنفعُ، فإنَّ أكثر ما يُطلبُ بالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمةٍ أو مكروهةٍ عندَ اللَّهِ . والمؤمنُ المتقي يُعوِّضُه اللَّهُ في الدنيا خيرًا مما يطلبُه السَّاحرُ ويؤثِرُه، مع تعجيلهِ عِزَّ التّقوى وشرفِها، وثوابَ الآخرةِ وعلُوَّ درجاتِهَا، فتبيَّن بهذا أنَّ إيثارَ المعصيةِ على الطاعةِ إنما يحملُ عليه الجهلُ، فلذلكَ كان كُل منْ عصَى اللَّهَ جاهلاً، وكُلُّ من أطاعه عالِمًا، وكفى بخشية اللَّهِ علْمًا، وبالاغترارِ به جهْلاً.

стр. 276

وأمَّا التوبةُ من قريبٍ فالجمهورُ على أنَّ المرادَ بها التوبةُ قبلَ الموتِ، فالعمرُ كلُّه قريب، والدنيا كلُّها قريبٌ، فمن تابَ قبلَ الموتِ فقد تابَ من قريبٍ. ومن ماتَ ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كلَّ البُعد، كما قيل: يقولون لا تبْعد وَهُم يدْفِنُونني. . . وأينَ مكانُ البُعْد إلا مكانِيا وقال آخرُ: مِن قبْل أن تلقِي وليـ. . . سَ النأْيُ إلا نأيُ دارِك وكما قيل: فهم جِيرةُ الأحياءِ أمَّا مزارُهُم. . . فدانٍ وأمَّا المُلْتَقى فبَعيدُ فالحيُّ قريبٌ، والميتُ بعيدٌ من الدنيا على قُربه منها، فإنَّ جسْمَهُ في الأرضِ يبْلى ورُوحَه عند اللَّهِ تُنَعَّم أو تُعَذَّبُ، ولقاؤهُ لا يرجى في الدنيا. كما قيل: مقيمٌ إلى أن يبعثَ اللَّهُ خلْقَهُ. . . لقاؤك لا يُرجَى وأنتَ قريبُ تزيدُ بِلى في كل يومٍ وليلةٍ. . . وتُنْسَى كما تُبْلى وأنتَ حبيبُ وهذان البيتانِ سمعَهما داودُ الطائيُّ ﵀ من امرأة في مقبرةٍ تَنْدُبُ بهما ميّتًا لها، فوقعتا من قلبه موقِعًا، فاستيقظَ بهما ورَجَع زاهدًا في الدنيا. راغبًا في الآخرة، فانقطع إلى العبادةِ إلى أن ماتَ ﵀. فمن تابَ قبل أن يغرغِر، فقد تاب من قريبٍ، فتقبَلُ توبتُهُ ورُوي عن ابنِ عباسٍ، في قوله تعالى: (يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) ، قال: قبل المرض والموت، وهذا إشارة إلى أن أفضلَ أوقاتِ التوبةِ، هو أن يبادرَ الإنسانُ بالتوبةِ في صحتِهِ قبل نُزولِ المرضِ به حتَّى يتمكَّن حينئذٍ من العمل الصالح.

стр. 277

ولذلك قَرَنَ اللَّه تعالى التوبةَ بالعملِ الصالح في مواضعَ كثيرة من القرآنِ. وأيضًا فالتوبةُ في الصحةِ ورجاءِ الحياةِ تُشبهُ الصَّدَقةَ بالمالِ في الصحةِ ورجاءِ البقاءِ، والتوبةُ في المرضِ عند حضورِ أماراتِ الموت تشبهُ الصدقةَ بالمالِ عندَ الموتِ، فكأنَّ من لا يتوبُ إلا في مرضه قد استفْرغً صِحَتَه وقوَتَه في شهواتِ نفسه وهواه ولذَّات دنياه، فإذا أيسَ من الدنيا والحياةِ فيها تابَ حينئذٍ وتركَ ما كانَ عليه، فأين توبةُ هذا من توبةِ مَنْ يتوبُ من قريبٍ، وهو صحيحٌ قويٌّ قادرٌ على عملِ المعاصي، فيتركها خوفًا من اللَّهِ ، ورجاءً لثوابه، وإيثارًا لطاعتِهِ على معصيتِه. دخلَ قومٌ على بِشْرِ الحافي، وهو مريضٌ، فقالوا له: على ماذا عزَمْتَ؟ قال: عزَمْتُ أنى إذا عُوفِيتُ تُبْتُ، فقال له رجلٌ منهم: فهلا تُبْتَ السَّاعةَ؟ فقال: يا أخي: أما علِمْتَ أنَّ الملوك لا تقبَلُ الأمانَ ممن في رجليه القيدُ. وفي رقبتِه الغلُّ؛ إنَّما يُقبَلُ الأمانُ ممن هو راكبٌ الفرسَ والسيفُ مجرَّدٌ بيده. فبكى القومُ جميعًا. ومعنى هذا أنَّ التائب في صحتِه بمنزلة من هو راكبٌ على متن جوادِهِ وبيدِهِ سيفٌ مشهور، فهو يقدرُ على الكَرِّ والفَرِّ والقتالِ، وعلى الهربِ من الملكِ وعصْيانِهِ، فإذا جاء على هذه الحالِ إلى بينَ يدي الملكِ ذليلاً له، طالبًا لأمانهِ، صارَ بذلك من خواص الملكِ وأحبابِهِ، لأنَه جاءهُ طائعًا مختارًا له، راغبًا في قربه وخدمتِهِ. وأمَّا من هو في أسْرِ الملك، وفي رِجْلِه قيْدٌ، وفي رقبتِهِ غُلٌّ، فإنه إذا طلب الأمانَ من الملكِ فإنَّما طلبه خوفًا على نفسه من الهلاكِ، وقد لا يكونُ محبّا للملكِ ولا مؤثرًا لرضاه، فهذا مَثَلُ من لا يتوبُ إلا في مرضِهِ عند

стр. 278

موتِهِ، والأولُ بمنزلة من يتوبُ في صحَّته وقوَّتِهِ وشبيبته، لكن مَلكُ الملوكِ. أكرمُ الأكرمين، وأرحَمُ الراحمينَ، وكُلُّ خلْقه أسيرٌ في قبضتِهِ، لا يُعْجِزُه منهم أحَدٌ، لا يُعْجِزُه هاربٌ، ولا يفوتُه ذاهبٌ، كما قيل: لا أقدَرَ ممَّن طلبتُه في يده، ولا أعْجَز مِمَّن هو في يد طالبِهِ، مع هذا فكُلُّ منْ طلبَ الأمانَ من عذابِهِ من عبادِهِ أمنَهُ على أي حالٍ كانَ، إذا علم منه الصِّدْقَ في طلبه أنشد بعض العارفين: الأمانَ الأمانَ وِزْرِي ثَقِيلُ. . . وذُنُوبي إذا عدَدْتُ تَطُولُ أوْبَقَتْنِي وأوْثَقَتْنِي ذُنُوبي. . . فتُرَى لي إلى الخلاصِ سبيلُ وقوله : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) . فسوَّى بين مَن تابَ عند الموتِ ومن ماتَ من غيرِ توبةٍ، والمرادُ بالتوبةِ عندَ الموتِ التوبةُ عند انكشافِ الغطاءِ، ومعاينةِ المحتضرِ أمورَ الآخرةِ. ومشاهدةِ الملائكةِ، فإنَّ الإيمانَ والتوبةَ وسائرَ الأعمالَ إنَّما تنفعُ بالغيبِ، فإذا كُشِفَ الغِطاءُ وصارَ الغيبُ شهادةً، لم ينفع الإيمانُ ولا التوبةُ في تلكَ الحالِ. وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن على، قال: لا يزالُ العبدُ في مهلٍ من التَّوبةِ ما لم يأتِه ملَكُ الموتِ يقبضُ رُوحَه، فإذا نزل ملَكُ الموتُ فلا توبةَ حينئذ. وبإسنادِهِ عن الثوريِّ، قال: قال ابنُ عمرَ: التوبةُ مبسوطةٌ ما لم ينزلْ سلطانُ الموت. وعن الحسن، قال: التوبةُ معروضةٌ لابنِ آدمَ ما لم يأخُذِ الموتُ بِكَظَمِه.

стр. 279

وعن بكرٍ المزنيِّ، قال: لا تزالُ التوبةُ للعبدِ مبسُوطةً ما لم تأتِه الرسلُ، فإذا عاينَهم انقطعتِ المعرفةُ، وعن أبي مجْلَزٍ قال: لا يزالُ العبدُ في توبةٍ ما لم يعاين الملائكةَ. وروى أيضًا في "كتاب الموت " بإسنادِهِ عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: إذا عايَنَ الميتُ الملَكَ ذهبتِ المعرفةُ. وعن مجاهد نحوه. وعن حصينٍ، قالَ: بلغني أنَّ ملَكَ الموتِ إذا غَمَزَ ورِيدَ الإنسانِ حينئذٍ يشخَصُ بصرُهُ، ويذهَلُ عن الناسِ. وخرَّج ابنُ ماجةَ حديثَ أبي موسى الأشعريِّ مرفوعًا، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ : متى تنقطعُ معرفةُ العبد من الناس؟ قال: "إذا عاينَ ". وفي إسنادِهِ مقالٌ. والموقوفُ أشبَهُ. وقد قيل: إنَّه إنَّما مُنع من التوبةِ حينئذٍ، لأنَّه إذا انقطعتْ معرفتُه وذهَلَ عقلُه، لم يتصوَّر منه ندم ولا عزْم، فإنَّ النَّدمَ والعزمَ إنَّما يصحُّ مع حضورِ العقْل، وهذا ملازم لمعاينةِ الملائكةِ، كما دلَّت عليه هذه الأخبار. وقولُه ﷺ في حديثِ ابنِ عمرَ: "ما لم يُغَرْغِر"، يعني إذا لم تبلُغْ رُوحُه عند خروجِهَا منه إلى حلْقِه، فشبَّه تردُّدها في حلقِ المحتضرِ بما يتغرْغَرُ به الإنسانُ من الماءِ وغيرِه، ويردده في حلقِهِ. وإلى ذلكَ الإشارة في القرآن بقولِهِ : (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) . وبقولِهِ (كلَّا إِذا بَلَغَتِ التَرَاقِيَ) . وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن الحسنِ، قالَ: أشدُّ ما يكونُ الموتُ على

стр. 280

العبدِ إذا بلغتِ الروحُ التَّراقيَ، قالَ: فعندَ ذلكَ يضطربُ ويعلو نَفَسُهُ ثم بكى الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى. عِشْ ما بدَالك سالما. . . في ظِلِّ شاهقةِ القُصورِ يُسْعَى عليكَ بما اشتهيـ. . . ت لدَى الرَّواح وفي البُكُور فإذا النُّفوسُ تقَعْقَعَتْ. . . في ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ فهناكَ تعْلمُ مُوقِنًا. . . ما كنْتَ إلا في غُرورِ واعلم؛ أن الإنسانَ ما دامَ يؤملُ الحياةَ فإنه لا يقطعُ أملَه من الدنيا، وقد لا تسمحُ نفسُه بالإقلاع عن لذَّاتِها وشهواتِها من المعاصِي وغيرِها، ويُرجِّيه الشيطان التوبةَ في آخرِ عُمُر، فإذا تيقَّن الموتَ، وأيسَ من الحياة، أفاقَ من سكرته بشهواتِ الدنيا، فندِم حينئذٍ على تفريطه ندامةً يكادُ يقتلُ نفسَهُ. وطلبَ الرَّجعةَ إلى الدنيا ليتوبَ ويعمَلَ صالحًا، فلا يجابُ إلى شيءٍ من ذلك، فيجتمعُ عليه سكرةُ الموتِ مع حَسرةِ الفَوْتِ. وقد حذَّر اللَهُ تعالى عبادَهُ من ذلكَ في كتابِهِ؛ ليستعدُّوا للموتِ قبلَ نزولِهِ، بالتوبةِ والعملِ الصالح، قال اللَّهُ تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) . سُمِعَ بعضُ المُحْتضرين عند احتضاره يلطِمُ على وجههِ ويقول:، (يا حَسْرَتَى عَلَى مَا فرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) ، وقال آخر عند احتضاره: سخرَت بي الدنيا حتى ذهبتْ أيامي. وقال آخرُ عند موتِهِ: لا تغرنَّكُم الحياة الدنيا كما غرَّتني.

стр. 281

وقال اللَّهُ تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) ، وقال اللَّهُ تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١) . قال اللَهُ تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) ، وفسَّره طائفةٌ من السَّلفِ؛ منهم عمرُ بنُ عبد العزيزِ ﵀: بأنهم طلبوا التوبةَ حين حِيلَ بينهم وبينها. قال الحسنُ: اتقِ اللَّه يا ابنَ آدمَ، لا يجتمع عليك خَصْلتانِ، سكرةُ الموتِ. وحَسْرةُ الفوْتِ. وقال ابنُ السَّمَّاك: احْذر السَّكرةَ والحَسْرةَ أن يفجأك الموتُ وأنت على الغِرَّةِ، فلا يصفُ واصفٌ قدْرَ ما تلقى ولا قدْرَ ما ترى. قال الفُضيلُ: يقول اللَّه : ابنَ آدمَ، إذا كنتَ تتقلَّب في نِعمتي وأنتَ تتقلَّبُ في معصيتي، فاحْذَرْني لا أصْرعُك بين معاصيَّ. وفي بعض الإسرائيليات: ابنَ آدم، احْذر لا يأحذك اللَّهُ على ذنب فتلقاهُ لا حُجَّةَ لك، مات كثير من المُصِرِّين على المعاصي على أقبح أحوالهم وهم مباشرون للمعاصي، فكان ذلك خزيًّا لهم في الدنيا مع ما صاروا إليه من عذاب الآخرةِ. وكثيرًا ما يقَعُ هذا للمصِرِّين على الخمرِ المدمنينَ لشربِهَا، كما قال القائلُ: أتأمنُ أيها السكرانُ جهْلا. . . بأنْ تفْجاكَ في السُّكْر المنِيَّة فتضْحى عِبْرةً للنَّاسِ طُرأ. . . وتلقى اللهَ مِن شَرِّ البريَّة

стр. 282

سكر بعضُ المتقدمين ليلةً، فعاتبته زوجتُه على تركِ الصلاةِ، فحلف بطلاقِهَا ثلاثًا لا يُصلِّي ثلاثة أيام، فاشتدَّ عليه فراقُ زوجتِهِ، فاستمرَّ على ترك الصلاة مدَّة الأيام الثلاثة، فماتَ فيها على حالِهِ وهو مُصِرّ على الخمر. تاركٌ للصلاةِ. كان بعضُ المصرّين على الخمر يُكنى أبا عمرو، فنام ليلةً وهو سكران. فرأى في منامه قائلاً يقول له: جَدَّ بك الأمرُ أبا عمرو. . . وأنْتَ معْكُوفٌ على الخَمْر تشربُ صَهْباءَ صُرَاحِيَّةً. . . سالَ بكَ السَّيْلُ ولا تدْرِي فاستيقظ منزعجًا وأخبر مَن عنده بما رأى، ثم غلبَه سُكْرُه فنامَ، فلمَّا كان وقتُ الصُّبح مات فجأة. قال يحيى بن معاذٍ: الدنيا خمرُ الشيطان، من سكرَ منها لم يُفقْ إلا في عسْكَر الموتى نادمًا مع الخاسرين. وفي حديثٍ خرَّجه الترمذيُّ مرفوعًا: "ما من أحد يموتُ إلا نَدِمَ " قالوا: وما ندامتُه؟ قال: "إنْ كان مُحْسِنًا ندِمَ أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندِمَ أن لا يكون استعتَبَ ". إذا ندم المحسنُ عندَ الموتِ فكيفُ يكون حالُ المسيء. غايةُ أمنيَّةِ الموتى في قبورِهم حياةُ ساعةٍ يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعملٍ صالحِ، وأهلُ الدنيا يفرِّطون في حياتِهم فتذهبُ أعمارُهم في الغفْلَّةَ ضياعًا، ومنهم من يقطَعُها بالمعاصي.

стр. 283

قال بعضُ السلفِ: أصبحتُم في أمنيَّةٍ ناسٍ كثيرٍ، يعني أنَّ الموتَى كلَّهم يتمنَّون حياةَ ساعةٍ، ليتوبوا فيها ويجتهدُوا في الطَّاعةِ، ولا سبيل لهم إلى ذلك، وقد أنشدَ بعضُهُم: لو قيلَ للقومِ ما مُنَاكُم طلَبُوا. . . حياةَ يومٍ ليتوبُوا فاعْلَم ويْحَكِ يا نَفْسُ ألا تيقُّظٌ. . . ينْفَعُ قبلَ أن تزِل قدمِي مضى الزَّمان في توَانٍ وهَوَى. . . فاسْتدْرِكي ما قدْ بقي واغْتنمِي الناسُ في التوبة على أقسامٍ: فمنهم: من لا يوفَّقُ لتوبة نصوح، بل ييسَّر له عملُ السَّيّئات من أوَّل عُمُره إلى آخره حتى يموتَ مُصِرًّا عليها، وهذه حالةُ الأشقياء. وأقبحُ من ذلك من يُسِّر له في أوّلِ عمر عملُ الطاعاتِ، ثم خُتِمَ له بعملٍ سيِّى حتى ماتَ عليه، كما في الحديثِ الصحيح: "إنَ أحدكم ليَعْملُ بعملِ أهلِ الجنةِ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعمَلُ بعملِ أهلِ النار فيدخُلُها". وفي الحديثِ الذي خرَّجه أهلُ السننِ: "إنّ العبدَ ليعْملُ بعملِ أهلِ الجنةِ سبعينَ عامًا، ثم يحضرُه الموتُ فيجورُ في وصيتِهِ فيدخلُ النارَ". ما أصعبَ الانتقال من البصرِ إلى العَمَى، وأصعبُ منه الضلالةُ بعد الهُدى، والمعصيةُ بعد التُّقى. كم من وجوهٍ خاشعةٍ وُقِّعَ على قصص أعمالِها: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) ، كم من شارَفَ مركَبُهُ

стр. 284

ساحِلَ النَّجاة، فلمَّا همَّ أن يرْتَقِي لعِبَ به موْجُ الهوى فغرق. الخلْقُ كلُّهم تحت هذا الخطرِ. قلوبُ العبادِ بينَ أصبعينِ من أصابع الرحمنِ يُقلِّبها كيف يشاءُ. قال بعضُهُم: ما العجبُ ممن هلكَ كيفَ هلكَ، إنَّما العجب ممن نجا كيف نجا، وأنشدَ: يا قلبُ إلام تطالبُني. . . بلِقا الأحبابِ وقدْ رحَلُوا أرسلتُك في طلبي لهُمُ. . . لتعودَ فضِعْتَ وما حَصَلُوا سلِّمْ واصْبِرْ واخضعْ لهُمُ. . . كم قبْلَكَ مِثلكَ قد قَتَلُوا ما أحسنَ ما علَّقْتَ به. . . آمالَك مِنْهُمْ لو فعلوا وقسمٌ: يفنى عمرُهُ في الغفلةِ والبطالة، ثم يوفَّقُ لعملٍ صالحِ فيموت عليه. وهذه حالة من عملَ بعملِ أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع. فيسبق عليه الكتابُ فيعمَلُ بعملِ أهل الجنة فيدخلها. الأعمالُ بالخواتيم، وفي الحديثِ: "إذا أراد اللَّهُ بعبد خيرًا عسَلَه " قالوا: وما عسْلُه؟ قال: "يوفِّقه لعمل صالحٍ ثم يقبضُهُ عليه ". وهؤلاء منهم من يوقَظُ قبل موته بمدَّةٍ يتمكَّن فيها من التزوُّد بعملٍ صالح. يختم به عمرَه، ومنهم من يُوقَظُ عندَ حضورِ الموت فيُوفَّقُ لتوبةٍ نصوح يموت عليها. قالتْ عائشة ﵂: إذا أرادَ اللَّه بعبدٍ خيرًا قيَّضَ له مَلَكًا قبل موتِهِ بعامٍ

стр. 285

فيُسدِّدُه وييسِّرهُ حتى يموتَ وهو خير ما كان، فيقولُ الناسُ: ماتَ فلان خير ما كان. وخرَّجه البزارُ عنها مرفوعًا، ولفظُه: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا بعثَ إليه ملَكًا من عامِهِ الذي يموتُ فيه فيُسَدِّدُه وييسِّره، فإذا كان عند موته أتاه مَلَكُ الموت فقعد عند رأسه، فقالَ: أيتها النفس المطمئنة اخْرُجي إلى مغفرة من اللَّهِ ورضوانٍ، فذلك حين يُحِبُّ لقاءَ اللهِ ويحبُّ اللُّهُ لقاءَه، وإذا أرادَ اللَهُ بعبدٍ شرًّا بعثَ إليه شيطانًا من عامِهِ الذي يموتُ فيه فأغواهُ، فإذا كان عند موتِهِ أتاه ملكُ الموت فقَعَدَ عند رأسه، فقال: أيتها النفس الخبيثةُ، اخْرُجِي إلى سخط من اللَهِ وغضبٍ، فتتفرق في جسده، فذلكَ حين يُبغضُ لقاءَ اللهِ، ويُبْغِضُ الله لقاءَه "وفي الدعاء المأثورِ: "اللهمَّ، اجعلْ خير عملي خاتمتَه، وخير عمري آخره" وفي "المسند" عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن العاص، قالَ: من تاب قبْلَ موْتِهِ عامًا تِيبَ عليه، ومن تاب قبل موتِه شهرًا تِيبَ عليه، حتى قال: يومًا، حتى قال: ساعةً، حتى قال: فُوَاقًا. قالَ: قال له إنسان: أرأيتَ إن كان مشركًا فأسلمَ؟ قال: إنما أحدِّثُكم ما سمعتُ من رسولِ اللَّهِ ﷺ . وفيه ايضا، عن عبد الرحمنِ البيلماني، قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال أحدُهم: سمعْتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: "إن اللَّه يقبلُ توبةَ العبْدِ قبلَ أن يموت بيومٍ " قال الآخر: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللَّهِ ﷺ -
следующие страницы →