← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال اللَّهُ تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) ، وقال اللَّهُ تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١) . قال اللَهُ تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) ، وفسَّره طائفةٌ من السَّلفِ؛ منهم عمرُ بنُ عبد العزيزِ ﵀: بأنهم طلبوا التوبةَ حين حِيلَ بينهم وبينها. قال الحسنُ: اتقِ اللَّه يا ابنَ آدمَ، لا يجتمع عليك خَصْلتانِ، سكرةُ الموتِ. وحَسْرةُ الفوْتِ. وقال ابنُ السَّمَّاك: احْذر السَّكرةَ والحَسْرةَ أن يفجأك الموتُ وأنت على الغِرَّةِ، فلا يصفُ واصفٌ قدْرَ ما تلقى ولا قدْرَ ما ترى. قال الفُضيلُ: يقول اللَّه : ابنَ آدمَ، إذا كنتَ تتقلَّب في نِعمتي وأنتَ تتقلَّبُ في معصيتي، فاحْذَرْني لا أصْرعُك بين معاصيَّ. وفي بعض الإسرائيليات: ابنَ آدم، احْذر لا يأحذك اللَّهُ على ذنب فتلقاهُ لا حُجَّةَ لك، مات كثير من المُصِرِّين على المعاصي على أقبح أحوالهم وهم مباشرون للمعاصي، فكان ذلك خزيًّا لهم في الدنيا مع ما صاروا إليه من عذاب الآخرةِ. وكثيرًا ما يقَعُ هذا للمصِرِّين على الخمرِ المدمنينَ لشربِهَا، كما قال القائلُ: أتأمنُ أيها السكرانُ جهْلا. . . بأنْ تفْجاكَ في السُّكْر المنِيَّة فتضْحى عِبْرةً للنَّاسِ طُرأ. . . وتلقى اللهَ مِن شَرِّ البريَّة

стр. 282

سكر بعضُ المتقدمين ليلةً، فعاتبته زوجتُه على تركِ الصلاةِ، فحلف بطلاقِهَا ثلاثًا لا يُصلِّي ثلاثة أيام، فاشتدَّ عليه فراقُ زوجتِهِ، فاستمرَّ على ترك الصلاة مدَّة الأيام الثلاثة، فماتَ فيها على حالِهِ وهو مُصِرّ على الخمر. تاركٌ للصلاةِ. كان بعضُ المصرّين على الخمر يُكنى أبا عمرو، فنام ليلةً وهو سكران. فرأى في منامه قائلاً يقول له: جَدَّ بك الأمرُ أبا عمرو. . . وأنْتَ معْكُوفٌ على الخَمْر تشربُ صَهْباءَ صُرَاحِيَّةً. . . سالَ بكَ السَّيْلُ ولا تدْرِي فاستيقظ منزعجًا وأخبر مَن عنده بما رأى، ثم غلبَه سُكْرُه فنامَ، فلمَّا كان وقتُ الصُّبح مات فجأة. قال يحيى بن معاذٍ: الدنيا خمرُ الشيطان، من سكرَ منها لم يُفقْ إلا في عسْكَر الموتى نادمًا مع الخاسرين. وفي حديثٍ خرَّجه الترمذيُّ مرفوعًا: "ما من أحد يموتُ إلا نَدِمَ " قالوا: وما ندامتُه؟ قال: "إنْ كان مُحْسِنًا ندِمَ أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندِمَ أن لا يكون استعتَبَ ". إذا ندم المحسنُ عندَ الموتِ فكيفُ يكون حالُ المسيء. غايةُ أمنيَّةِ الموتى في قبورِهم حياةُ ساعةٍ يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعملٍ صالحِ، وأهلُ الدنيا يفرِّطون في حياتِهم فتذهبُ أعمارُهم في الغفْلَّةَ ضياعًا، ومنهم من يقطَعُها بالمعاصي.

стр. 283

قال بعضُ السلفِ: أصبحتُم في أمنيَّةٍ ناسٍ كثيرٍ، يعني أنَّ الموتَى كلَّهم يتمنَّون حياةَ ساعةٍ، ليتوبوا فيها ويجتهدُوا في الطَّاعةِ، ولا سبيل لهم إلى ذلك، وقد أنشدَ بعضُهُم: لو قيلَ للقومِ ما مُنَاكُم طلَبُوا. . . حياةَ يومٍ ليتوبُوا فاعْلَم ويْحَكِ يا نَفْسُ ألا تيقُّظٌ. . . ينْفَعُ قبلَ أن تزِل قدمِي مضى الزَّمان في توَانٍ وهَوَى. . . فاسْتدْرِكي ما قدْ بقي واغْتنمِي الناسُ في التوبة على أقسامٍ: فمنهم: من لا يوفَّقُ لتوبة نصوح، بل ييسَّر له عملُ السَّيّئات من أوَّل عُمُره إلى آخره حتى يموتَ مُصِرًّا عليها، وهذه حالةُ الأشقياء. وأقبحُ من ذلك من يُسِّر له في أوّلِ عمر عملُ الطاعاتِ، ثم خُتِمَ له بعملٍ سيِّى حتى ماتَ عليه، كما في الحديثِ الصحيح: "إنَ أحدكم ليَعْملُ بعملِ أهلِ الجنةِ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعمَلُ بعملِ أهلِ النار فيدخُلُها". وفي الحديثِ الذي خرَّجه أهلُ السننِ: "إنّ العبدَ ليعْملُ بعملِ أهلِ الجنةِ سبعينَ عامًا، ثم يحضرُه الموتُ فيجورُ في وصيتِهِ فيدخلُ النارَ". ما أصعبَ الانتقال من البصرِ إلى العَمَى، وأصعبُ منه الضلالةُ بعد الهُدى، والمعصيةُ بعد التُّقى. كم من وجوهٍ خاشعةٍ وُقِّعَ على قصص أعمالِها: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) ، كم من شارَفَ مركَبُهُ

стр. 284

ساحِلَ النَّجاة، فلمَّا همَّ أن يرْتَقِي لعِبَ به موْجُ الهوى فغرق. الخلْقُ كلُّهم تحت هذا الخطرِ. قلوبُ العبادِ بينَ أصبعينِ من أصابع الرحمنِ يُقلِّبها كيف يشاءُ. قال بعضُهُم: ما العجبُ ممن هلكَ كيفَ هلكَ، إنَّما العجب ممن نجا كيف نجا، وأنشدَ: يا قلبُ إلام تطالبُني. . . بلِقا الأحبابِ وقدْ رحَلُوا أرسلتُك في طلبي لهُمُ. . . لتعودَ فضِعْتَ وما حَصَلُوا سلِّمْ واصْبِرْ واخضعْ لهُمُ. . . كم قبْلَكَ مِثلكَ قد قَتَلُوا ما أحسنَ ما علَّقْتَ به. . . آمالَك مِنْهُمْ لو فعلوا وقسمٌ: يفنى عمرُهُ في الغفلةِ والبطالة، ثم يوفَّقُ لعملٍ صالحِ فيموت عليه. وهذه حالة من عملَ بعملِ أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع. فيسبق عليه الكتابُ فيعمَلُ بعملِ أهل الجنة فيدخلها. الأعمالُ بالخواتيم، وفي الحديثِ: "إذا أراد اللَّهُ بعبد خيرًا عسَلَه " قالوا: وما عسْلُه؟ قال: "يوفِّقه لعمل صالحٍ ثم يقبضُهُ عليه ". وهؤلاء منهم من يوقَظُ قبل موته بمدَّةٍ يتمكَّن فيها من التزوُّد بعملٍ صالح. يختم به عمرَه، ومنهم من يُوقَظُ عندَ حضورِ الموت فيُوفَّقُ لتوبةٍ نصوح يموت عليها. قالتْ عائشة ﵂: إذا أرادَ اللَّه بعبدٍ خيرًا قيَّضَ له مَلَكًا قبل موتِهِ بعامٍ

стр. 285

فيُسدِّدُه وييسِّرهُ حتى يموتَ وهو خير ما كان، فيقولُ الناسُ: ماتَ فلان خير ما كان. وخرَّجه البزارُ عنها مرفوعًا، ولفظُه: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا بعثَ إليه ملَكًا من عامِهِ الذي يموتُ فيه فيُسَدِّدُه وييسِّره، فإذا كان عند موته أتاه مَلَكُ الموت فقعد عند رأسه، فقالَ: أيتها النفس المطمئنة اخْرُجي إلى مغفرة من اللَّهِ ورضوانٍ، فذلك حين يُحِبُّ لقاءَ اللهِ ويحبُّ اللُّهُ لقاءَه، وإذا أرادَ اللَهُ بعبدٍ شرًّا بعثَ إليه شيطانًا من عامِهِ الذي يموتُ فيه فأغواهُ، فإذا كان عند موتِهِ أتاه ملكُ الموت فقَعَدَ عند رأسه، فقال: أيتها النفس الخبيثةُ، اخْرُجِي إلى سخط من اللَهِ وغضبٍ، فتتفرق في جسده، فذلكَ حين يُبغضُ لقاءَ اللهِ، ويُبْغِضُ الله لقاءَه "وفي الدعاء المأثورِ: "اللهمَّ، اجعلْ خير عملي خاتمتَه، وخير عمري آخره" وفي "المسند" عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن العاص، قالَ: من تاب قبْلَ موْتِهِ عامًا تِيبَ عليه، ومن تاب قبل موتِه شهرًا تِيبَ عليه، حتى قال: يومًا، حتى قال: ساعةً، حتى قال: فُوَاقًا. قالَ: قال له إنسان: أرأيتَ إن كان مشركًا فأسلمَ؟ قال: إنما أحدِّثُكم ما سمعتُ من رسولِ اللَّهِ ﷺ . وفيه ايضا، عن عبد الرحمنِ البيلماني، قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال أحدُهم: سمعْتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: "إن اللَّه يقبلُ توبةَ العبْدِ قبلَ أن يموت بيومٍ " قال الآخر: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 286

قال: نعم، قال: وأنا سمعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "إنَّ الله يقبل توبة العبدِ قبل أن يموتَ بنصف يوم ". فقال الثالثُ: أنتَ سمعْتَ هذا من رسولِ اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، قال: وأنا سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "إن اللَّه يقبَلُ توبةَ العبدِ قبل أن يموتَ بضَحْوَة" قال الرابع: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، قال: وأنا سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "إن اللَّه يقبل توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ بنفسه ". وفيه أيضًا: عن أبي سعيدٍ الخدريَ ﵁. عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إن الشيطان قال: وعِزَّتِك يا رب، لا أبرحُ أُغوِي عبادَك ما دامتْ أرواحُهم في أجسادِهِم. فقال الربُّ : وعِزتي وجلالي، لا أزالُ أكفِرُ لهم ما استغفروني ". ذكر ابن أبي الدنيا بإسناد له: أنَّ رجلاً من ملوكِ البصرةِ كان قد تَنَسَّك. ثمَّ مالَ إلى الدنيا والشيطان فبنى دارًا وشيَّدها، وأمر بها ففُرشتْ له ونُجِّدَتْ، واتَّخذ مأدُبةً، وصنع طعامًا ودعا الناس، فجعلوا يدخلون فيأكلون ويشربونَ وينظرونَ إلى بنائه ويعجبون منه، ويدْعُون له ويتفرَّقون، فمكث بذلك أيامًا حتى فرغَ من أمر الناس. ثم جلسَ في نفرٍ من خاصة إخوانه، فقال: قد ترون سُروري بدارِي هذه، وقد حدَّثت نفسِي أن أتخذ لكلِّ واحدٍ من ولدي مثلَها، فأقيموا عندِي أيامًا أستمتع بحديثِكم وأشاوركم فيما أريدُ من هذا البناءِ لولدي، فأقاموا عنده أيامًا يلْهُون ويلعبون ويشاوِرُهم كيف يبني لولده، وكيف يريد أن يصنع، فبينما هم ذات ليلةٍ في لهوهِم إذ سمعوا قائلاً يقولُ من أقاصي الدَّار:

стр. 287

يا أيها الباني النَّاسِي مَنِيَّتَه. . . لا تأمننَّ فإنَّ الموتَ مكتُوبُ على الخلائِق إن سُرُّوا وإنْ فرِحوا. . . فالموتُ حتْفٌ لذي الآمالِ منصُوبُ لا تبنين ديارًا لسْتَ تسْكُنُها. . . وراجِع النُسْك كيما يغفرَ الحُوبُ قال: ففزع من ذلك وفزع أصحابه فزعًا شديدًا، وراعَهُم ما سمعوا من ذلك، فقال لأصحابه: هل سمِعْتم ما سمِعْتُ؟ قالوا: نعم، قال: فهل تجدون ما أجدُ؟ قالوا: وما تجدُ؟ قال: أجد واللَّه مسْكة على قلبي ما أراها إلا علَّة الموت، قالوا: كلا، بل البقاءُ والعافية، قال: فبكى وقال: أنتم أخلائي وإخواني فما لي عندكُم؟ قالوا: مُرْنا بما أحببتَ. قال: فأمر بالشراب فأُهريق، وبالملاهي فأخرجت، ثم قال: اللَّهُمَّ إني أشهدُك ومن حضر من عبادِك أني تائبٌ إليك من جميع ذنوبي، نادم على ما فرطَّت أيام مُهلتي، وإياك أسالُ إن أقلْتَنِي أن تُتِمَّ عليَّ نعمتك بالإنابةِ إلى طاعتِك، وإن أنت قبضتني إليك أن تغفرَ لي ذنوبي تفضلاً منك عليَّ. واشتدَّ به الأمرُ فلم يزلْ يقول: الموتُ واللهِ، الموتُ واللَّهِ، حتى خرجتْ نفسُه فكان الفقهاء يرون أنه مات على توبة. وروى الواحدي في كتابِ "قتلى القرآنِ " بإسنادٍ له، أن رجلاً من أشراف أهلِ البصرةِ كان مُنحدرًا إليها في سفينةٍ ومعه جاريةٌ له، فشربَ يومًا، وغنَّتَهُ جاريته بعودٍ لها، وكان معهم في السفينة فقير صالحٌ، فقال له: يا فتى تُحسِنُ مثل هذا؟ قال: أُحْسِنُ ما هو أحسن منه، وكان الفقيرُ حسنَ الصوت. فاستفتح وقرأ: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) .

стр. 288

فرمَى الرَّجُلُ ما بيده من الشرابِ في الماء، وقال: أشهدُ أن هذا أحسنُ مما سمعت، فهل غير هذا؟ قال: نعم فتلا عليه: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) الآية، فوقعت من قلبه موْقعًا، ورمَى بالشرابِ وكسر العُودَ، ثم قال: يا فتى هل هنا فرجٌ قال: نعم. (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) . فصاح صيْحة عظيمةً، فنظروا إليه فإذا هو قد ماتَ ﵀. وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ له أنَّ صالحًا المُرِّيَّ ﵀ كان يومًا في مجلسِه يقُصُّ على الناس، فقرأ عنده قارئ: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) . فذكر صالحٌ النار وحالَ العصاة فيها، وصِفَةَ سياقهم إليها، وبالغ في ذلك وبكى الناس، فقام فتًى كان حاضرًا من مجلسِه، وكان مسرفًا على نفسه، فقال: أكُلُّ هذا في القيامة؟ قال صالح: نعم، وما هو أكثر منه، لقد بلغني أنَّهم يصرخُون في النار حتى تنقطع أصواتُهم فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنينِ من المريضِ المدنَفِ، فصاح الفتى: يا للَّه وا غفْلتاهُ عن نفسِي أيامَ الحياة، وا أسفاهُ على تفريطي في طاعتك يا سيداهُ وا غفلتاه على تضييع عمري في دارِ الدنيا ثم استقبلَ القِبْلةَ، وعاهَدَ اللَّهَ على توبةٍ نصوح، ودعا اللَّهَ أنا يتقبَّلَ منه وبكى حتى غُشي عليه، فحُمِلَ من المجلسِ صريعًا، فمكث صالح وأصحابه يعودُونه أيامًا، ثم مات، فحضره خَلْقٌ كثير، فكان صالح يذكره في مجلسِهِ كثيرًا، ويقول: وبأبي قتيل القرآن؛ وبأبي قتيلَ المواعظِ والأحزانِ؛ فرآه رجل في منامِهِ، فقال: ما صنعتَ؟ قال: عمَتْنِي بركةُ مجلس صالح فدخلتُ في

стр. 289

سعة رحمة اللَّه التي (وَسِعَتْ كُل شَيْءٍ) . من آلمتُه سياطُ المواعظِ فصاح فلا جناح، ومن زاد ألمه فمات فدسُهُ مباح. قضى اللَّهُ في القتْلى قصاصَ دمائهم ولكن دماء العاشقين جُبَارُ وبقي ها هنا قسمٌ آخرُ، وهو أشرفُ الأقسامِ وأرفعُها، وهو من يُفْني عمرَه في الطاعة، ثمَّ يُنبَّه على قرْبِ الأجلِ، ليجدَّ في التزودِ ويتهيأ للرحيلِ بعملٍ صالح للقاء، ويكونُ خاتمةً للعملِ قال ابنُ عباسٍ: لما نزلتْ على النبيِّ ﷺ : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ، نُعِيتْ لرسولِ اللِّه ﷺ نفسُه؛ فأخذ في أشدِّ ما كان اجتهادًا في أمر الآخرةِ. قالت أم سلمةَ: كان النبي ﷺ في آخرِ أمرهِ لا يقومُ ولا يقعُد ولا يذهبُ ولا يجيءُ إلا قال: "سبحان الله وبحمدهِ " فذكرتُ ذلك له، فقال: "إني أمِرتُ بذلك " وتلا هذه السورة. وكان من عادتِهِ أن يعتكفَ في كُلِّ عامٍ في رمضانَ عشرًا، ويعرضُ القرآنَ على جبريلَ مرة، فاعتكف في ذلك العامِ عشرين يومًا، ويعرض القرآنَ مرَتينِ، وكان يقولُ: "ما أرى ذلك إلا لاقترابِ أجِلي " ثم حجَ حجةَ الوداع، وقال للناس: "خذوا عنَي مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا". وطفقَ يودعُّ الناسَ، فقالوا: هذه حجَّةُ الوداع، ثم رجع إلى المدينةِ فخطبَ قبل وصولِهِ إليها، وقال: "أيها الناس إنَّما أنا بشر، يُوشِكُ أن يأتيَني رسولُ ربِّي فأجيبَ "

стр. 290

، ثم أمر بالتمسُّكِ بكتابِ اللِّه، ثم توفي بعد وصولِهِ إلى المدينةِ بيسير ﷺ إذا كان سيِّدُ المحسنينَ يُؤمَرُ أن يختِمَ عمرَه بالزِّيادة في الإحسان فكيف يكون حالُ المسيء. دُو بيْت: خُذْ في جد فقد تولَّى العُمُر. . . كم ذا التفريطُ قد تدانى الأمرُ أقبِل فعسى يُقبلُ منك العُذْر. . . كم تبني كم تنقضُ كم ذا الغَدْرُ مرض بعضُ العابدينَ فوُصِف له دواءٌ يشربُه، فأتي في منامه فقيل له: أتشربُ الدواء والحورُ العينُ لك تُهَيّأ؛ فانتبه فزِعًا، فصلَّى في ثلاثة أيام. حتى انحنى صُلْبُه، ثم ماتَ في اليوم الثالثِ. وكان رجلٌ قد اعتزل وتعبَّد، فرأى في منامِهِ قائلاً يقول له: يا فلان ربُّك يدعوك فتجهَّزْ واخْرُج إلى الحجِّ، ولسْتَ عائدًا، فخرج إلى الحج فماتَ في الطريقِ. رأى بعضُ الصالحينَ في منامِهِ قائلاً يُنشدُهُ: تأهَّبْ للذي لا بُدَّ منه. . . من الموت المُوَكَّل بالعبادِ أترضى أن تكون رفيق قومٍ. . . لهُمْ زادٌ وأنتَ بغير زادٍ خرَّج ابنُ ماجةَ من حديثِ جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ خطب، فقال في خطبتِهِ: "أيَّها الناس، توبوا إلى ربّكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشْغَلُوا".

стр. 291

وفي سنده ضعف، فأمرَ بالمبادرةِ بالتوبةِ قبل الموت، وكلُّ ساعةٍ تمرُّ على ابن آدمَ فإنَّه يمكنُ أن تكون ساعة موتِهِ، بل كلُّ نفسٍ، كما قِيل: لا تأمَن الموتَ في طرف ولا نفَسٍ. . . ولو تمنَّعْتَ بالحُجَّابِ والحَرَسِ قال لقمانُ لابنِهِ: يا بني، لا تؤخِّر التوبةَ، فإنَّ الموتَ يأتي بغتةً. وقالَ بعضُ الحكماءِ: لا تكنْ ممن يرجُو الآخرةَ بغير عملٍ، ويؤخِّرُ التوبةِ لطولِ الأملِ. إلى اللَّه تب قبل انقضاءٍ من العمر. . . أُخَيَّ ولا تأمَنْ مفاجأة الأمر ولا تستصمَنْ عن دُعائي فإنما. . . دعوتُك إشفاقًا عليك من الوزرِ فقد حَذَّرَتْك الحادثاتُ نزولها. . . ونادَتْك إلا أنَّ سمعَكَ ذو وَقْرِ تَنُوحُ وتبكي للأحبَّة إن مضَوا.. ونفْسَكَ لا تبكي وأنتَ على الإثْرِ قال بعضُ السلف: أصبِحُوا تائبين، وأمسُوا تائبين، يشير إلى أنَّ المؤمن لا ينبغي أن يُصبح ويُمسي إلا على توبةٍ، فإنه لا يدري متى يفجأه الموتُ صباحًا أو مساءً، فمن أصبح أو أمسى على غير توبة، فهو على خطرٍ، لأنه يُخشى أن يلقَى اللَّه غير تائب، فيُحشر في زمرة الظالمين، قال اللَّه تعالى: (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأوْلَئِكَ هُم الظَّالِمونَ) . تُبْ من خطاياكَ وابْكِ خشْيَةً. . . ما أثبت منها عليك في الكُتُبِ أيَّةُ حالٍ تكون حالَ فتًى. . . صارَ إلى ربِّه ولم يتُبِ تأخيرُ التوبةِ في حال الشباب قبيحٌ، ففي حال المشيبِ أقبْحُ وأقبَحُ. نَعَى لك ظِلَّ الشبابِ المشيبُ. . . ونادتْكَ باسم سواكَ الخطوبُ

стр. 292

فكُنْ مستعدًا لداعِي الفنا. . . فكُلُّ الذي هو آتٍ قريبُ ألسْنا نَرَى شهواتِ النُفوسِ. . . تفْنَى وتبقى علينا الذُّنوبُ يخافُ على نفسِهِ من يتوبُ. . . فكيفَ يكنْ حالُ من لا يتوبُ فإن نزلَ المرضُ بالعبدِ فتأخيرُهُ للتوبةِ حينئذٍ أقبحُ من كلِّ قبيع، فإنَّ المرضَ نذيرُ الموتِ، وينبغي لمن عادَ مريضًا أن يذكره التوبةَ والاستغفارَ، فلا أحسنَ من ختامِ العملِ بالتوبةِ والاستغفارِ، فإنْ كان العملُ سيئًا كان كفَّارةً له، وإنْ كان حسنًا كان كالطابَع عليه. وفي حديث "سيد الاستغفارِ" المخرَّج في "الصحيح " أنَّ من قاله إذا أصبح وإذا أمسَى، ثم ماتَ من يومِهِ أو ليلتِهِ، كان من أهلِ الجنةِ، وليُكْثِرْ في مرضِهِ من ذكر اللَّهِ ، خصوصًا كلمةَ التوحيدِ، فإنَّه من كانتْ آخِرَ كلامِهِ دخل الجنة. وفي حديثِ أبي سعيد وأبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنه: "من قالَ في مرضِهِ: لا إله إلا اللَّهُ، اللَّهُ أكبرُ، لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريكَ لهُ، له الملك وله الحمدُ، لا إله إلا اللَّهُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّهِ، فإنْ مات من مرضه لم تطعَمْهُ النار". خرَّجه النسائي وابنُ ماجةَ والترمذيُّ وحسَّنه. وفي روايةٍ للنسائي: "من قالَهُنَّ في يومٍ أو في ليلةٍ أو في شهرٍ، ثم ماتَ في ذلك اليومِ أو في تلك الليلةِ، أو في ذلك الشهرِ، غُفِرَ له ذنبُه ". ويُروى من حديثِ حذيفةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "من خُتم له بقولِ لا إله إلا اللَّهُ دخلَ الجنة، ومن خُتِمَ له

стр. 293

بصيام يومٍ أراد به وَجْهَ اللَّه أدخله اللَّه الجنة، ومنْ خُتِمَ له بإطعام مسكينٍ أراد به وجه اللَّه أدخله اللَّه الجنةَ". كان السلف يرون أن من مات عقيبَ عمل صالح، كصيامِ رمضانَ، أو عقيبَ حج أوعمرةٍ، أنَّه يُرجَى له أن يدخل الجنة، وكانوا مع اجتهادهم في الصحة في الأعمالِ الصالحةِ يجددون التوبةَ والاستغفارَ عندَ الموتِ، ويختمُونَ أعمالهم بالاستغفارِ وكلمةِ التوحيدِ. لما احتُضِرِ العلاءُ بن زيادٍ، بكى، فقيلَ له: ما يُبكيك؟ قال: كنتُ واللَّهِ أحب أن أستقبلَ الموتَ بتوبةٍ. قالوا: فافعلْ رحمك اللَّه، فدعا بطَهُور فتطهَّر، ثم دعا بثوبٍ له جديد فلبسه، ثم استقبلَ القبلةَ، فأومَأ برأسه مرتينِ أو نحو ذلك، ثم اضطجع ومات. ولما احتُضِرَ عامر بن عبد الله بكى، وقال: لمثل هذا المصرع فليعملِ العاملونَ، اللَهُمَّ إنِّي أستغفرك من تقصيرِي وتفريطي، وأتوبُ إليك من جميع ذنوبي، لا إله إلا اللَهُ، ثم لم يزل يردِّدُها حتى ماتَ ﵀. وقال عمرو بن العاص ﵀ عند موتِهِ: اللَّهُمَ أمرتنا فعصيْنا. ونهيتنا فركبنا، ولا يسعُنا إلا عفوُك، لا إله إلا اللَهُ، ثم ردَّدها حتى مات. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ﵀ عند موتِهِ: أجلِسُوني، فأجلسُوه. فقالَ: أنا الذي أمرْتَني فقصَّرْتُ، ونهيتني فعصيْتُ، ولكن لا إله إلا اللَّهُ، ثم رَفَعَ رأسه فأحَدَّ النظرَ، فقالُوا له: إنَّك تنظرُ نظرًا شديدًا يا أميرَ المؤمنين. قال: إنِّي أرى حضرةً ما هم بإنسٍ ولا جنٍّ، ثم قُبضَ رحمةُ اللَّهُ عليه. وسمعوا تاليًا يتلو: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) .

стр. 294

يا غافِل القلْبِ عن ذِكْرِ المَنيَّاتِ. . . عما قليل ستثْوِي بين أمْواتِ فاذكُرْ مَحَلَّكَ مِن قبْلِ الحُلُولِ بهِ. . . وتُبْ إلى اللَّهِ منْ لهوٍ ولذاتِ إنَّ الحمامَ لهُ وقْتٌ إلى أجَلٍ. . . فاذْكُرْ مصائبَ أيَّامٍ وساعاتِ لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها. . . قدْ حانَ للموْتِ يا ذا اللبِّ أن ياتِي التَوبةَ التوبةَ قبل أن يصل إليكم من الموت النَّوْبة، فيحصلُ المفرطُ على الندمِ والخيبةِ. الإنابة الإنابةَ قبل غَلْقِ بابِ الإجابةِ، الإفاقةَ الإفاقةَ فقد قرُبَ وقتُ الفاقَة. ما أحسنَ قلقَ التُّوَّاب! ما أحْلَى قدومَ الغُيَّابِ! ما أجملَ وقوفَهم بالبابِ! أسأتُ ولم أُحْسنُ وجئتُك تائبًا. . . وأنَّى لعبْدٍ من مواليه مهْرَبُ يُؤمِّلُ غُفرانًا فإنْ خابَ ظَنُّه. . . فما أحَدٌ منه على الأرضِ أخيَبُ من نزلَ به الشيبُ فهو بمنزلةِ الحاملِ التي تمَتْ شهورُ حَمْلِها، فما تنتظر إلا الولادةَ، كذلك صاحبُ الشيبِ لا ينتظر غير الموت، فقبيحٌ منه الإصرارُ على الذنبِ. أىُّ شيءٍ تُريدُ منِّي الذُّنوبُ. . . شَغُفَتْ بي فليس عنِّي تَغيبُ ما يضرُ الذنُوبَ لو أعتقتني. . . رحمةً بي فقد علاني المشيبُ ولكن توبة الثالث أحسنُ وأفضلُ. في حديث مرفوع خرَّجه ابنُ أبي الدنيا: "إنَ اللَّه يحبّ الشابَّ التائبَ ". قال عُمير بن هانئٍ: تقول التوبةُ للشابِ: أهلاً ومرحبًا، وتقول للشيخ: نقبَلُكَ على ما كان منك.

стр. 295

الشابُّ ترك المعصيةَ مع قوَّةِ الدَّاعِي إليها، والشيخُ قد ضعُفتْ شهوتُه وقلّ داعيه فلا يستويانِ، وفي بعض الآثار، يقول اللَّهُ : أيها الشابُّ. التارك شهوتَه، المبتذِلُ شبابَه لأجلي، أنتَ عندِي كبعضِ ملائكتي. قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: إنَّ الذين يشتهونَ المعاصِي ولا يعملونَ بها (أولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) كم بين حالِ الذي (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَتْوَايَ) ، وبين شيخ عِنِّين يُدعَى لمثلِ ذلك فيجيبُ. كان عمرُ يَعُسُّ بالمدينةِ فسمعَ امرأةً غابَ عنها زوجُها تقولُ: تطاولَ هذا الليلُ واسْوَدَّ جانبُه. . . وأرَّقني أن لا خليلٌ ألاعِبُهْ فواللَّهِ لولا اللَّه لا شيءَ غيرُهُ. . . لَحُرِّكَ من هذا السَّرير جوانِبُه ولكن تقْوى اللَّهِ عنْ ذا تَصُدُّني. . . وحِفظا لبَعْلي أن تنالَ مراكبُه ولكنَّني أخْشَى رَقيبًا موكَّلاً. . . بأنْفُسِنا لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتبُه فقال لها عمرُ: يرحمك اللَّهُ، ثم بعثَ إلى زوجها فأمره أن يقدُمَ عليها. وأمَرَ أن لا يغيبَ أحد عن امرأته أكثر من أربعة أشهر وعشرًا. الشيخُ قد تركتك الذنوب، فلا حمدَ له على تركها. كما قيل: تاركَكَ الدْنبُ فتارَكْتَهُ. . . بالفعْلِ والشهَوْةُ في القلبِ فالحَمْدُ للذَّنْبِ على تركِهِ. . . لا لكَ في تركِكَ للذَّنْبِ أما تستحِي منا لما أعرضَتْ لذاتُ الدنيا عنك فلم يبقَ لك فيها رغبةٌ. وصِرْتَ من سَقَطِ المتاع لا حاجةَ لأحدٍ فيك، جئت إلى بابنا فقلْتَ: أنا

стр. 296

تائبٌ، ومع هذا فكُلُّ من أوى إلينا آويناه، وكلُّ من استجارَ بنا أجرْناه، ومن تابَ إلينا أحببناه، أبشر، فربَّما يكون الشَّيبُ شافعًا لصاحبه من العقوباتِ. مات شيخ كان مفرِّطًا، فرؤي في المنامِ، فقيل له: ما فعَلَ اللَّهُ بك، قال: قال لي: لولا أنَّك شيخ لعذَّبْتُك. وقفَ شيخٌ بعرفةَ والنَّاسُ يضِجُّون بالدُّعاءِ، وهو ساكتٌ، ثم قبض على لحيته، وقال: يا ربِّ، شيخ يا ربِّ، شيخ يرجُو رحمتك. لمَّا أتَوْنا والشَّيْبُ شافعُهُمْ. . . وقدْ توالَى عليهم الخَجَلُ قُلْنا لِسُودِ الصَّحائفِ انقلِبي. . . بيضًا فإنَّ الشُّيوخَ قد قُبِلُوا كان بعضُ الصالحينَ يقولُ: إنّ الملوكَ إذا شابَتْ عبيدُهُم. . . في رِقِّهم عتقُوهُم عِتْقَ أبرارِ وأنتَ يا خالِقي أوْلى بذا كَرَمًا. . . قد شِبْتُ في الرقِّ فأعْتِقْنِي منَ النَارِ أيها العاصِي، ما يقطعُ من صلاحِك الطَّمَعُ، ما نصبنا اليومَ شركَ المواعِظِ إلا لتقَعُ، إذا خرجتَ من المجلسِ وأنتَ عازِم على التوبةِ، قالتْ لك ملائكةُ الرحمةِ: مرحبًا وأهلاً، فإن قال لكَ رفقاؤُك في المعصيةِ: هَلُمَّ إلينا، فقلْ لهُم: كلاَّ، ذاك خَمْرُ الهوى الذي عهدتمُوه قد استحالَ خلاَّ: يا مَن سوَد كتابَهُ بالسيئاتِ قد آنَ لك بالتَّوبةِ أن تمحُو. يا سكرانَ القلبِ بالشهواتِ أما آن لفؤادِك أن يصحُو. يا ندامَاي صحَا القلبُ صَحَا. . . فاطرُدُوا عنِّي الصبَا والمَرَحا زَجَرَ الوعْظُ فؤادِي فارْعَوى. . . وأفاقَ القلْبُ منِّي وصَحَا هَزَم العَزْمُ جُنودًا للهوى. . . فاسِدِي لا تعْجَبُوا إن صَلَحَا

стр. 297

بادِرُوا التَوْبةَ من قبلِ الرَّدى. . . فمُنادِيه يُنادينا الوَحَا * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) [قالَ البخاريُّ] : ويُذْكر: أنَّ عمرَو بن العاصِ أجنبَ في ليلةٍ باردةٍ فتيمَّم، وتلا: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، فذكر ذلك للنبيِّ ﷺ فلم يُعَنِّفْ. حديثُ عمرِو بن العاصِ خرَّجه أبو داود من روايةِ يحيى بنِ أيُّوبَ. عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عِمرانَ بنِ أبي أنَسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبيرٍ، عن عمرِو بنِ العاصِ، قال: احتلمْتُ في ليلةٍ بارد في غزوةِ ذاتِ السَّلاسلِ، فأشفقتُ إن اغتسَلْتُ أنْ أهلِكَ، فتيَمَّمْتُ ثم صلَّيت بأصحابي الصُّبْح، فذكرُوا ذلكَ للنبيِّ ﷺ ، فقال: "يا عمرُو، صليتَ بأصحابك وأنت جُنب! " فأخبرتُه بالذي منَعَني من الاغتسالِ، وقلتُ: إني سمعتُ اللَّهَ يقولُ: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِن اللهَ كَانَ بِكمْ رَحِيمًا) ، فضحِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ولمْ يقُل شيئًا. وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ عمرِو بنِ الحارثِ وغيرِه، عن يزيدَ بنِ أبي

стр. 298

حبيبٍ، عن عِمرانَ، عن عبدِ الرحممنِ بن جُبَيْرٍ، عن أبي قيْسٍ مولى عمرِو ابنِ العاصِ، أن عمرَو بن العاصِ كانَ على سَرِيَّة - فذكر الحديثَ بنحوهِ. وقال فيه: فغسَلَ مَغابِنَه وتوضَّأ وضوءه للصلاةِ، ثم صلَّى بهم - وذكر باقيه بنحوه، ولم يذكرِ التيممَ. وفي هذه الروايةِ زيادةُ: "أبي قيسٍ " في إسنادِهِ، وظاهرُهَا الإرسالُ. وخرَّجه الإمامُ أحمدُ والحاكم، وقال: على شرط الشيخينِ، وليس كما قال، وقال أحمدُ: ليس إسنادُه بُمتصلٍ. وروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ في "كتابِ السيرِ" عن الأوْزاعيِّ، عن حسَّان بنِ عطيّةَ، قال: بعَثَ النبيُّ ﷺ بعْثًا وأمَّر عليهم عمرَو بنَ العاصِ، فلما أقبلوا سألهم عنه، فأثْنَوْا خيرًا، إلا أنه صلَّى بنا جُنبا، فسأله، - فقال: أصابتْنِي جنابة فخشيتُ على نفسِي من البردِ، وقد قال اللَّهُ تعالى: (وَلا تقْتُلوا أَنفسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكمْ رَحِيمًا) ، فتيبسَّمَ النبيُّ ﷺ . وهذا مرسلٌ. وقد ذَكَره أبو داودَ في "سننِهِ " تعليقًا مختصرًا، وذكر فيه: أنه تيمَّمَ. وأكثرُ العلماءِ: على أن من خافَ من استعمال الماءِ لشدةِ البردِ فإنه يتيمم ويصلِّي، جُنبا كان أو مُحْدِدثًا. واختلفوا: هل يُعِيد أم لا؟ فمنهُم من قال: لا إعادةَ عليه، وهو قول الثوريِّ، والأوْزاعيِّ. .

стр. 299

وأبي حنيفةَ، ومالكٍ، والحسنِ بنِ صالح، وأحمدَ في روايةٍ. ومنهم من قال: عليه الإعادةُ بكلِّ حالٍ سواءٌ كان مسافرًا أو حاضرًا، وهو قولُ الشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ. ومنهم من قالَ: إن كانَ مسافرًا لم يُعِد، وإن كانَ حاضِرًا أعادَ، وهو قولٌ آخرُ للشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ، وقولُ أبي يوسف ومحمدٍ. وحكى ابنُ عبدِ البرِّ عن أبي يوسفَ وزُفَرَ: أنه لا يجوزُ للمريضِ في الحضرِ التيممُ بحالٍ. وذكرَ أبو بكرٍ الخلاَّلُ من أصحابِنا: أنه لا يجوزُ التيممُ في الحضرِ لشدةِ البردِ، وهو مخالفٌ لنصِّ أحمدَ وسائرِ أصحابهِ. وحكى ابنُ المنذرِ وغيرُه عن الحسنِ وعطاءٍ: أنه إذا وَجَدَ الماءَ اغتسل به وإن ماتَ، لأنه واجدٌ للماءِ، إنما أُمِرَ بالتيمم من لم يجدِ الماءَ. ونقلَ أبو إسحاق الفزاريُّ في كتابِ "السيرِ" عن سُفيانَ نحوَ ذلك، وأنه لا يتيممُ لمجردِ خوفِ البردِ، وإنما يتيممُ لمرضٍ مخوفٍ، أو لعدمِ الماءِ. وينبغي أن يُحمل كلامُ هؤلاءِ على ما إذا لم يخْشَ الموتَ، بل أمكنهُ استعمالُ الماء المُسخَّن وإن حصلَ له به بعضُ ضررٍ، وقد رُوي هذا المعنى صريحًا عن الحسنِ - أيضًا - وكذلك نقلَ أصحابُ سفيانَ مذهبَهُ في تصانيفهم، وحكَوا أن سفيان ذكر أن الناسَ أجمعُوا على ذلكَ. وقد سبقَ الكلامُ في تفسيرِ الآيةِ، وأنَّ اللهَ تعالى أذِن في التيمم للمريضِ وللمسافرِ ولمن لم يجدِ الماءِ من أهلِ الأحداثِ مُطلقًا، فمن لم يجدِ الماءَ

стр. 300

فالرحْصةُ له محققة. * * * وفرَّق اللَّهُ بين الظلم والعُدوانِ، في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) . وقد يُفرق بين الظلم والعُدوانِ، بأنَّ الظلمَ: ما كانَ بغيرِ حقً بالكليَّة. كأخذ مالٍ بغير استحقاقٍ لشيء منه، وقتلِ نفس لا يحلُّ قتلُها، وأمَّا العُدوانُ: فهو مُجاوزةُ الحدودِ وتعدَّّيَهَا فيما أصلُه مباح، مثل أن يكونَ له على أحدٍ حقّ من مالٍ أو دمٍ أو عرضٍ، فيستوفي أكثرَ منه، فهذا هو العُدوانُ، وهو تجاوزُ ما يجوزُ أخذُه، فيأخذُ ما لَهُ أخْذُهُ وما ليسر له أخْذُهُ. وهو من أنواع الرِّبا المحرَّمةِ. وقد ورد "السبتانِ بالسبةِ رِبا". والظلمُ المُطلقُ: أخذُ ما ليسَ له أخْذُهُ ولا شيءٍ منه من مال أو دمٍ أو عرضٍ. كلاهما في الحقيقةِ ظلم، وقد حرَّم اللَّهُ الظلمَ، وفي "الصحيح " عن النبيِّ ﷺ : "يقولُ اللَهُ: يا عبادِي، إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسِي وجعلتُه بينكُم محرَّمًا فلا تظالموا ".

стр. 301

وفي "الصحيحينِ " عنه ﷺ قال: "الظلمُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ". وفيهما عنه ﷺ ، قالَ: "إن اللهَ يُملي للظالم حتى إذا أخذَهُ لم يُفلته " ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) . وفي "البخاري" عنه ﷺ ، قال: "من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه فليتحلله منها، فإنَّه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ من قبل أن يُؤخذَ لأخيهِ من حسناتِهِ فإن لم يكنْ له حسنات أخذ من سيئاتِ أخيه فطُرحتْ عليهِ ". وفي "صحيح مسلم " عنه ﷺ قال: (أتدرونَ من المفلسُ؟ " قالوا: المُفلسُ من لا درهمَ له ولا متاعَ. قال: "إن المفلس من أمَّتي من يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وقيامٍ، وقد شتمَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيقضِي هذا من حسناتِهِ وهذا من حسناتِهِ، فإذا فنيتْ حسناتُهُ قبل أنْ يُقضَى ما عليهِ، أُخِذَ من سيئاتِهِم فطرحتْ عليه، ثم طُرِحَ في النارِ". وفي الحديثِ: "لتؤدنَّ الحقوقَ إلى أهلها يومَ القيامةِ، حتى يُقادَ للشاةِ الجمَّاءِ من الشاةِ القرناءِ ". وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ أُنيسٍ: "وليسألَنَّ الحجرُ لم نكبَ الحجرَ، وليسألن العُودَ لم خدشَ صاحبَهُ ".

стр. 302

شعر: فخِفِ القضاءَ غدًا إذا وافيتَ ما. . . كسبتْ يداك اليومَ بالقِسطاسِ أعضاؤُهُم فيه الشهودُ وسجنُهم. . . نارٌ وحاكمُهُم شديدُ الباسِ في موقفٍ ما فيه إلا شاخصٌ. . . أو مهطعٌ أو مقنعٌ للراسِ إن تمطلِ اليومَ الحقوقَ مع الغِنى. . . فغدًا تؤديهَا معَ الإفلاسِ والظلمُ المحرَّمُ: تارةً يكون في النفوسِ، وأشدهُ في الدماءِ وتارةً في الأموالِ، وتارةً في الأعراضِ، ولهذا قالَ ﷺ في خطبتِهِ في حجةِ الوداع: "إنَّ دماءَكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكم حرامٌ كحرمةِ، يومِكُم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". وفي روايةٍ: ثم قال: "ألا اسمعوا منِّي تعيشُوا، ألا لا تظالموا ألا لا تظالموا، فإنه لا يحلّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيبِ نفْسٍ منه ". وفي "صحيح مسلمٍ " عنه ﷺ ، قالَ: "كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ دمُهُ ومالُهُ وعِرضُه ". فظلمُ العبادِ شر مكتسبٌ، لأنَّ الحقَّ فيه لآدميّ مطبوع على الشحِّ، فلا يتركُ من حقِّه شيئًا لا سِيَّما مع شدةِ حاجتِهِ يومَ القيامةِ، فإن الأمَّ تفرحُ يومئذٍ إذا كانَ لهَا حقٌّ على ولدِهَا لتأخذَ منهُ. ومع هذا؛ فالغالبُ أنَّ الظالمَ تُعجَّل له العقوبةُ في الدنيا وإنْ أُمهل، كما قالَ ﷺ : "إن اللَّهَ يُملي للظالم حتَّى إذا أخذَهُ لم يفلتْهُ " ثم تلا: (وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) .

стр. 303

وذهبَ قوم من أهلِ الحديثِ وغيرُهم إلى أنَّ هذهِ الأعمالَ تُكفِّرُ الكبائرَ. ومنهُم ابنُ حزمٍ الظاهريُّ، وإيَّاه عنى ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِ "التمهيدِ" بالردِّ عليه، وقالَ: قد كنتُ أرغبُ بنفسِي عن الكلامِ في هذا البابِ، لولا قولُ ذلكَ القائلِ، وخشيتُ أن يغترَّ به جاهل، فينهمِكَ في الموبقاتِ، اتكالاً على أنَّها تكفِّرُها الصلواتُ دونَ الندمِ والاستغفارِ والتوبةِ، واللَّهَ نسألُهُ العصمةَ والتوفيقَ. قلتُ: وقد وقعَ مثلُ هذا في كلامِ طائفةٍ من أهلِ الحديثِ في الوضوءِ ونحوِه، ووقعَ مثلُه في كلام ابنِ المنذرِ في قيامِ ليلةِ القدرِ، قالَ: يُرجى لمنْ قامَهَا أن يغفرَ لهُ جميعُ ذنوبه صغيرُها وكبيرُها، فإن كان مرادُهم أنَّ مَنْ أتى بفرائضِ الإسلامِ وهو مُصِرًّ على الكبائرِ تُغفرُ له الكبائرُ قطْعًا، فهذا باطلٌ قطعًا، يُعْلَمُ بالضرورةِ من الدِّينِ بطلانُهُ، وقد سبقَ قولُ النبيِّ ﷺ "منْ أساءَ في الإسلام اخِذَ بالأولِ والآخرِ" يعني: بعملِهِ في الجاهليةِ والإسلامِ، وهذا أظهرُ من أن يحتاجَ إلى بيانٍ، وإن أرادَ هذا القائلُ أن من تركَ الإصرارَ على الكبائرِ، وحافظَ على الفرائضِ من غيرِ توبةٍ ولا ندم على ما سلفَ منه. كُفِّرَتْ ذُنوبُهُ كلُّهَا بذلكَ، واستدلَّ بظاهرِ قولِهِ: (إِن تَجْتَنِبوا كبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) . وقال: السيئاتُ تشملُ الكبائرَ والصغائرَ، وكما أنَّ الصغائرَ تُكفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ من غيرِ قصدٍ ولا نيّة، فكذلكَ الكبائرُ، وقد يستدلُّ لذلكَ بأنَّ اللَّهَ وعدَ المؤمنينَ والمتقينَ بالمغفرةِ وبتكفيرِ السيِّئاتِ، وهذا مذكورٌ في غيرِ موضع من القرآنِ، وقد صارَ هذا من المتقين، فإنَّه فعلَ الفرائضَ، واجتنبَ الكبائرَ،

стр. 304

واجتنابُ الكبائرِ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ وقصدٍ، فهذا القولُ يمكنُ أن يُقالَ في الجملةِ. والصَّحيحُ قولُ الجمهورِ: إنَّ الكبائرَ لا تُكفَّرُ بدونِ التوبةِ، لأنَّ التوبةَ فرضٌ على العبادِ، وقد قالَ : (وَمَن لَّمْ يَتبْ فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) . وقد فسَّرتِ الصحابةُ كعمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ التوبةَ بالندمِ، ومنهم من فسرها بالعزمِ على أن لا يعودَ، وقد رويَ ذلك مرفوعًا من وجهٍ فيه ضعف. لكن لا يعلمُ مخالفٌ من الصحابةِ في هذا، وكذلك التابعونَ ومَن بعدَهُم. كعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وغيرِهما. وأما النصوصُ الكثيرةُ المتضمنةُ مغفرةَ الذنوبِ، وتكفيرَ السيئات للمتقينَ. كقولِهِ تعالى: (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويغفِرْ لَكُمْ) . وقولِهِ: (وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يكَفِّرْ عَنْهُ سَيئَاتهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) . وقولِهِ: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفَر عَنْهُ سَيئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) . فإنه لم يُبينْ في هذهِ الآياتِ خصالَ التقوى، ولا العملَ الصالحَ. ومن جملةِ ذلكَ: التوبةُ النصوحُ، فمَنْ لم يتُبْ، فهو ظالمٌ، غيرُ متَقٍ. * * * قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وقد بَيَّنَ في سورةِ آلِ عمرانَ خصالَ التقوى التي يَغفر لأهْلِهَا ويدخلهم

стр. 305

الجنةَ، فذكرَ منها الاستغفارَ، وعدمَ الإصرارِ، فلم يضمنْ تكفير السيئاتِ ومغفرة الذنوبِ إلا لمن كان على هذهِ الصفةِ، واللهُ أعلمُ. الصغائرُ هل تجبُ التَّوبةُ منها كالكبائرِ أم لا؟ لأنها تقعُ مكفرةً باجتنابِ الكبائرِ، لقولِهِ تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) ؟ هذا ممَّا اختلفَ الناسُ فيه. فمنهم من أوجبَ التوبةَ مِنْهَا. وهو قولُ أصحابِنا وغيرِهم من الفقهاءِ والمتكلمينَ وغيرِهم. وقد أمر اللَّهُ بالتوبةِ عقيبَ ذكرِ الصغائرِ والكبائرِ، فقالَ تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) الآية إلى قولِهِ: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) . وأمرَ بالتوبةِ من الصَّغائرِ بخصوصِهَا في قولِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) . ومن الناس من لم يُوجب التوبةَ منها، وحكي عن طائفةٍ من المعتزلةِ ومن المتأخرينَ من قالَ: يجبُ أحدُ أمرينِ، إمَّا التَوبةُ منها، أو الإتيانُ ببعض المكفِّرات للذنُوب من الحسناتِ. وحكى ابنُ عطيّة في "تفسيره" في تكفير الصغائر بامتثالِ الفرائضِ واجتنابِ الكبائرِ قولينِ:

стр. 306

أحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ -. أنه يُقطع بتكفيرها بذلك قطعًا، لظاهر الآية والحديثِ. والثاني - وحكاه عن الأصوليين -: أنه لا يُقطع بذلك، بل يُحمل على غلبةِ الظنِّ وقوَّة الرجاء، وهو في مشيئةِ اللَّه ، إذ لو قطع بتكفيرها، لكانتِ الصغائر في حكم المباح الذي لا تبِعَةَ فيه، وذلك نقضٌ لِعُرى الشريعة. قلتُ: قد يقال: لا يُقطع بتكفيرها لأنَّ أحاديثَ التكفيرِ المطلقةِ بالأعمالِ جاءتْ مقيَّدةً بتحسينِ العملِ، كما وردَ ذلك في الوضوءِ والصَّلاةِ، وحينئذٍ فلا يتحقَّقُ وجودُ حسنِ العملِ الذي يوجب التَّكفير، وعلى هذا الاختلافِ الذي ذكره ابنُ عطيّة ينبني الاختلافُ في وجوبِ التوبةِ من الصغائر. وقد خرَّج ابنُ جريرٍ من روايةِ الحسنِ أن قومًا أتوا عمرَ، فقالوا: نرى أشياءَ من كتابِ اللَّهِ لا يُعْمَلُ بها، فقال لرجلٍ منهم: أقرأتَ القرآن كُلَّه؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيتَهُ في نفسك؟ قال: اللَّهُمَّ لا، قال: فهل أحصيتَهُ في بصرك؟ فهل أحصيتَهُ في لفظك؟ هل أحصيتَهُ في أثَرِكَ؟ ثم تتبعهم حتَّى أتى على آخرِهِم، ثم قال: ثكِلَت عمرَ أمُّهُ أتكلفونه أن يُقيمَ على الناس كتابَ اللَّهِ؟ قد علم ربُّنا أنه سيكون لنا سيئات، قال وتلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) . وبإسنادِهِ عن أنس بن مالكٍ أنه قال: لم أرَ مثلَ الذي بلغنا عن ربِّنا تعالى، ثم لم نَخْرُجْ له عن كلِّ أهلٍ ومال، ثم سكت، ثم قال: واللَّه لقد

стр. 307

كلَّفنا ربُّنا أهونَ من ذلك، لقد تجاوزَ لنا عمَّا دونَ الكبائر، فما لنا ولها؛ ثم تلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) . وخرَّجه البزارُ في " مسندِهِ " مرفوعًا، والموقوف أصحَّ. وقد وصف اللَّهُ المحسنينَ باجتنابِ الكبائرِ، قالَ اللَّهُ تعالى: (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) . وفي تفسيرِ اللَّمم قولانِ للسَّلفِ: أحدُهُما: أنَّه مقدماتُ الفواحشِ كاللمسِ والقبلةِ ة. وعن ابن عباسٍ: هو ما دونَ الحدَّينِ: وعيدِ الآخرةِ بالنارِ وحدَ الدنيا. والثاني: أنَّه الإلمامُ بشيءٍ من الفواحشِ والكبائر مرَّةً واحدةً، ثم يتوبُ منه. ورويَ عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرة. ورويَ عنه مرفوعًا بالشَّكِّ في رفعِهِ، قال: "اللمةُ من الزنى ثم يتوبُ فلا يعودُ، واللمةُ من شرب الخمرِ ثم يتوبُ فلا يعودُ، واللمة من السرقةِ ثم يتوبُ فلا يعود". ومن فسَّر الآيةَ بهذا قالَ: لا بدَّ أن يتوبَ مِنْهُ، بخلافِ من فسَّرَهُ بالمقدِّماتِ، فإنَّه لم يشترطْ توبةً.

стр. 308

والظاهرُ: أن القولينِ صحيحانِ، وأنَّ كلاهُما مرادٌ من الآيةِ، وحينئذٍ فالمحسنُ: هو من لا يأتِي بكبير إلا نادرًا ثم يتوبُ منها، ومن إذا أتى بصغيره كانتْ مغمورةً في حسناتِهِ المكفرةِ لها، ولا بُد أن لا يكونَ مصِرًّا عليها، كما قال تعالى: (وَلَمْ يصِرّوا عَلَى مَا فَعَلوا وَهُمْ يَعْلَمون) . ورويَ عن ابن عباسِ أنَّه قالَ: لا صغيرةَ مع إصرار، ولا كبيرةَ مع استغفار، ورويَ مرفوعًا من وجوهٍ ضعيفة. وإذا صارتِ الصغائرُ كبائرَ بالمداومةِ عليها، فلا بُدَّ للمحسنينَ من اجتنابِ المداومةِ على الصغائر حتى يكونوا مجتنبينَ لكبائرِ الإثم والفواحشِ. وقال اللَّهُ : (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) . فهذه الآياتُ تضمنتْ وصفَ المؤمنينَ بقيامِهِم بما أوجبَ اللَّه عليهم منَ الإيمانِ والتوكلِ، وإقامِ الصلاةِ، والإنفاقِ مما رزقهَمُ اللَهُ والاستجابةُ للهِ في جميع طاعاتِهِ، ومع هذا، فهم مجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش، فهذا هو تحقيقُ التقوى، ووصفهم في معاملتهم للخلقِ بالمغفرةِ عندَ الغضبِ، وندبهم إلى العفوِ والإصلاح. وأمَّا قولُهُ: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) ، فليس منافيًا للعفوِ، فإن الانتصارَ يكونُ بإظهارِ القُدرة على الانتقامِ، ثم يقعُ العفوُ بعد ذلك، فيكونُ أتمَّ وأكملَ، قال النخعيُّ في هذهِ

стр. 309

الآية ِ: كانُوا يكرهونَ أن يُستذلُّوا فإذا قَدَرُوا عَفَوْا. وقال مجاهدٌ: كانوا يكرهون للمؤمنِ أن يذلَّ نفسَهُ، فيجترئُ عليه الفُسَّاقُ، فالمؤمنُ إذا بُغِي عليهِ يُظهرُ القدرةَ على الانتقامِ، ثم يعفوُ بعدَ ذلك، وقد جَرَى مثلُ هذا لكثيرٍ من السلفِ، منهم قتادةُ وغيرُه. فهذه الآياتُ تتضمنُ جميعَ ما ذكره النبيُّ ﷺ في وصيته لمعاذٍ، فإنَّها تضمنتْ أصولَ خصالِ التقوى بفعلِ الواجباتِ، والانتهاءِ عن كبائرِ المحرَّماتِ ومعاملةِ الخلقِ بالإحسانِ والعفوِ، ولازِمُ هذا أنَّه إنْ وقعَ منهم شيء من الإثم من غيرِ الكبائرِ والفواحشِ، يكونُ مغمورًا بخصالِ التَّقوى المقتضيةِ لتكفيرِهَا ومحوِها. وأما الآياتُ التي في سورةِ "آل عمرانَ "، فوَصَفَ فيها المتقينَ بالإحسانِ إلى الخَلْقِ، وبالاستغفارِ من الفواحشِ وظلم النفسِ، وعدمِ الإصرارِ على ذلكَ. وهذا هو الأكملُ، وهو إحداثُ التوبة، والاستغفارُ عَقِيْبَ كل ذنبٍ مِنَ الذنوبِ صغيرًا كان أو كبيرًا، كما رُويَ أن النبيَّ ﷺ وصَّى بذلكَ معاذًا، وقد ذكرناهُ فيما سبَقَ. وإنما بسطنا القولَ في هذا، لأنَّ حاجةَ الخلقِ إليه شديدة، وكلّ أحد يحتاجُ إلى معرفةِ هذا، ثم إلى العملِ بمقتضاهُ، واللَّهُ الموفقُ والمعين. * * *

стр. 310

قوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) قول اللَّهِ : (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) . فقد فُسِّرَ ذلك بالحسدِ، وهو تمنّي الرجلِ نفسَ ما أُعطي أخوهُ من أهلٍ ومالٍ وأن ينتقلَ ذلك إليهِ، وفُسِّرَ بتمنِّي ما هو ممتنع شرعًا أو قدرًا، كتمنِّي النِّساءِ أن يكنَّ رجالاً أو يكون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائِل الدينيةِ، كالجهادِ. والدنيويةِ كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ، ونحو ذلك. وقيل: إنَّ الآيةَ تشملُ ذلك كُلَّه. * * * قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) وأمَّا إكرامُ الجارِ والإحسانُ إليه، فمأمور به، وقد قال اللَهُ : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) . فجمعَ اللَّهُ تعالى في هذهِ الآيةِ بينَ ذكرِ حقِّه على العبدِ وحقوقِ العبادِ على العبدِ - أيضًا - وجعلَ العبادَ

стр. 311

الذينَ أمرَ بالإحسانِ إليهم خمسةَ أنواع: أحدُها: من بينه وبينَ الإنسانِ قرابة، وخصَّ منهُمُ الوالدين بالذِّكرِ. لامتيازِهِمَا عن سائرِ الأقاربِ بما لا يشْركونهما فيه، فإنهما كانا السببَ في وجودِ الولدِ ولهما حقُّ التربيةِ والتأديبِ وغيرِ ذلك. الثاني: منْ هو ضعيف محتاج إلى الإحسان وهو نوعانِ: من هو محتاج لضعفِ بدنِهِ، وهو اليتيمُ، ومن هو محتاج لقلَّةَ مالِهِ، وهو المسكينُ. والثالثُ: منْ له حقُّ القُربِ والمخالطةِ، وجعلَهُم ثلاثةَ أنواعْ جار ذو قُربى، وجار جُنب، وصاحبُ بالجنبِ. وقد اختلفَ المفسرونَ في تاويلِ ذلكَ، فمنهُم من قالَ: الجارُ ذو القُربى: الجارُ الذي له قرابة، والجارُ الجُنب: الأجنبيّ، ومنهم من أدخلَ المرأةَ في الجارِ ذىِ القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب، ومنهم من أدخلَ الرَّفيقَ في السَّفرِ في الجارِ الجُنب. وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقولُ في دعائِهِ: "أعوذُ بك من جارِ السَّوءِ في دار الإقامةِ، فإنَّ جارَ الباديةَ يتحوَّلُ ". ومنهم من قال: الجارُ ذو القربى: الجارُ المسلمُ، والجارُ الجنبُ: الكافرُ. وفي "مسندِ البزارِ" من حديثِ جابرٍ مرفوعًا: "الجيرانُ ثلاثة: جار له حقّ واحد وهو أدنى الجيرانِ حقًّا، وجاز له حَقَّانِ، وجاز له ثلاثةُ حقوقٍ، وهو أفضلُ الجيرانِ حقًّا. فأمَّا الذي له حق واحد فجارْ مشركٌ لا رَحِمَ له، له حقُّ الجوارِ، وأمَّا الذي له حقَّانِ، فجارٌ مسلمٌ له حقُّ الإسلام، وحقّ الجوارِ، وأمَّا الذي له ثلاثةُ حقوقٍ، فجارٌ مسلمٌ ذو رحمٍ، له حقُّ الإسلام،

стр. 312

وحق الجوارِ، وحقُّ الرحم ". وقد رُوي هذا الحديثُ من وجوه أخرَ متصلةٍ ومرسلةٍ، ولا تخلو كلُّها منْ مقال. وَقيلَ: الجارُ ذو القُربى: هو القريبُ الجوارِ الملاصقُ، والجارُ الجنبُ: البعيدُ الجوارِ. وفي "صحيح البخاريِّ ": عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّه إنَّ لي جارينِ، فإلى أيهِمَا أُهدِي؛ قالَ: "إلى أقربِهِمَا منك بابًا". وقالَ طائفة من السلفِ: حدُّ الجوارِ أربعون دارًا، وقيل: مستدار أربعينَ دارًا من كل جانبٍ. وفي "مراسيلِ الزهريِّ ": أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ يشكُو جارًا له، فأمر النبيُّ ﷺ بعضَ أصحابِهِ أن ينادِي: "ألا إنَّ أربعين دارًا جار". قال الزهريُّ: أربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني بين يديه ومِن خلفِهِ، وعن يمينِهِ، وعن شمالِهِ. وسئلَ الإمامُ أحمدُ عمَّن يطبخُ قدرًا، وهو في دار السبيل، ومعه في الدار نحو ثلاثين أو أربعين نفسًا: يعني أنهم سكان معه في الدارِ، فقال: يبدأ بنفسِهِ، وبمن يعول، فإن فضلَ فضل، أعطى الأقرب إليه، وكيفَ يُمكنه أن يُعطِيهُم كلَّهم؛ قيلَ لهُ: لعل الذي هو جارُهُ يتهاونُ بذلكَ القدرِ ليسَ له عنده موقعٌ؛ فرأى أنه لا يبعثُ إليه.

стр. 313

وأمَّا الصَّاحبُ بالجنبِ ففسره طائفةٌ بالزَّوجةِ، وفسرهُ طائفة منهم ابنُ عباسٍ بالرَّفيقِ في السفر، ولم يريدُوا إخراجَ الصاحبِ الملازِمِ في الحضرِ، إنما أرادُوا أن صحبةَ السفرِ تكفِي، فالصحبةُ الدائمةُ في الحضرِ أوْلى، ولهذا قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ: هو الرفيقُ الصالحُ، وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ: هو جليسُك في الحضرِ، ورفيقُك في السفرِ، وقالَ ابنُ زيدٍ: هو الرَّجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك لتنفعه. وفي "المسندِ" والترمذيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ ﷺ قال: "خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِهِ، وخيرُ الجيرانِ عند اللهِ خيرُهُم لجارِهِ ". الرابعْ: من هو واردٌ على الإنسانِ، غيرُ مقيم عندَهُ، وهو ابن السبيلِ: يعني المسافرَ إذا وردَ إلى بلد آخرَ، وفسَّره بعضُهم بالضَّيفِ: يعني به ابنَ السبيلِ إذا نزلَ ضيفًا على أحدٍ. والخامس: ملكُ اليمين، وقد وصَّى النبي ﷺ بهم كثيرًا وأمر بالإحسانِ إليهم، ورُوي أنَّ آخرَ ما وصَّى به عندَ موتِهِ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ". وأدخل بعضُ السلفِ في هذه الآيةِ: ما يملُكُه الإنسانُ من الحيواناتِ والبهائم. * * *

стр. 314

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) [قال البخاريُّ] : "كتابُ الغُسْلِ "، وقولُ اللَّهِ تعالى: (وَإِن كنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَروا) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكرُونَ) ، وقوله: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) إلى قولِهِ: (عَفُوًّا غَفْورًا) . صدَّر البخاريُّ ﵀ "كتابَ الغُسْلِ " بهاتينِ الآيتينِ، لأن غُسلَ الجنابةِ مذكورٌ فيهما. أما قولُه تعالى: (وَإِن كنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّرُوا) ، فأمْر للجنبِ إذا قام إلى الصلاة أن يتطهَّر. وتطهُّرُ الجُنبِ هو غُسْلُه، كما في تطهُّر الحائضِ إذ انقطعَ دمُها، ولهذا قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) . والمرادُ بتطهرهنَّ: اغتسالُهُنَّ عند جمهورِ العلماءِ، فلا يُباحُ وطؤها حتى تغتسلَ، وسيأتي تفسيرُ الآيةِ في "كتابِ الحيضِ " - إن شاء اللَّهُ تعالى. وأما قولُه تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) ، فنهْي عن قُربانِ الجنبِ الصلاةَ حتى يغتسلَ، فصرَّح هُنا بالغُسْلِ، وهو تفسيرُ التطهيرِ المذكورِ في آيةِ المائدةِ. وهل المرادُ: نهيُ الجنبِ عن قُربانِ الصلاةِ حتى يغتسلَ، إلا أن يكونَ

стр. 315

مسافرًا - وهو عابرُ السبيلِ -، فيعدمُ الماءَ، فيصلِّي بالتيمم؛ أو المرادُ: نهيُ الجنبِ عن قربانِ موضع الصلاةِ - وهو المسجدُ - إلا عابرَ سبيل فيه. غيرَ جالسٍ فيه، ولا لابث؛ هذا مما اختلفَ فيه المفسرونَ من السلفِ. وبكلِّ حالٍ؛ فالآيةُ تدلُّ على أن الجنبَ ما لم يغتسلَ مَنْهِيّ عن الصلاةِ، أو عن دخولِ المسجدِ، وأنَّ استباحةَ ذلك يتوقفُ على الغسلِ، فيُستدلُّ به على وجوبِ الغُسل على الجنبِ إذا أرادَ الصلاةَ، أو دخولَ المسجدِ. * * * وقد تأول طائفةٌ من الصحابةِ قولَ اللَّهِ : (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) . بأنَّ المرادَ: النهيُ عن قُربانِ موضع الصلاةِ - وهو المسجدُ - في حالِ الجنابةِ، إلا أن يكونَ عابرَ سبيلٍ، وهو المجتازُ به من غيرِ لبثٍ فيه. وقد رُوي ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأنسٍ ﵃. وفي "المسندِ" عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ سدَّ أبوابَ المسجدِ غيرَ بابِ عليٍّ. قالَ: "فيدخلُ المسجدَ جنبًا، وهو طريقُه ليسَ له طريق غيرُهُ ". وروى ابنُ أبي شيبة بإسنادِهِ، عن العوامِ، أن عليًا كان يمرُّ في المسجدِ وهو جنب.

стр. 316

وبإسنادِهِ، عن جابرٍ، قالَ: كانَ أحدُنا يمشِي في المسجدِ وهو جنبٌ. مجتازًا. وخرَّجه - أيضًا - سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ خزيمةَ في "صحيحِهِ ". وعن زيدِ بن أسلمَ، قالَ: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يمشون في المسجدِ، وهمْ جنبٌ. خرَّجه ابنُ المنذرِ وغيرُه. * * * وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ من روايةِ قيسٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ، في قولِهِ تعالى: (وَإِن كنتُم مَّرْضَى) ، قالَ: نزلتْ في رجلٍ من الأنصارِ. كان مريضًا فلم يستطع أن يقومَ فيتوضأ، ولم يكنْ له خادم فيناولَهُ، فأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فذكر ذلك لهُ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذهِ الآية. * * * قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) قالَ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..) ، فمن جاء مع التوحيدِ بقُرابِ الأرضِ - وهو ملؤُهَا، أو ما يقاربُ ملأَهَا - خطايا، لقيَهُ اللَّهُ بقرابِهَا

стр. 317

مغفرة، لكنْ هَذا مع مشيئةِ اللَّهِ ، فإن شاء غفرَ له، وإن شاءَ أخذه بذنوبِهِ، ثم كان عاقبتُهُ ألاَّ يُخلَّدَ في النار، بل يخرج منها، ثم يدخلُ الجنَةَ. قال بعضُهم: الموحِّد لا يُلقى في النارِ كما يُلقى الكفارُ، ولا يَلقى فيها ما يَلقى الكفارُ، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفارُ، فإنْ كَمُلَ توحيدُ العبدِ وإخلاصُه للَّهِ فيه، وقامَ بشروطِهِ كلها بقلبِهِ ولسانِهِ وجوارحِهِ، أو بقلبِهِ ولسانِهِ عندَ الموتِ، أوجبَ ذلك مغفرةَ ما سلفَ من الذنوبِ كلِّها، ومنعَهُ من دخولِ النَّارِ بالكليةِ. فمن تحقَّق بكلمةِ التوحيدِ قَلبُه أخرجَتْ منه كلَّ ما سوى الله محبةً وتعظيمًا وإجلالا ومهابةً، وخشيةً، ورجاءً وتوكُّلاً، وحينئذٍ تحرَقُ ذنوبه وخطاياهُ كلُّها ولو كانتْ مثلَ زبدَ البحرِ، وربما قلبتَها حسناتٍ، كما سبق ذكره في تبديلِ السيئاتِ حسناتٍ، فإنَّ هذا التوحيدَ هو الإكسيرُ الأعظمُ، فلو وُضع ذرَّة منها على جبالِ الذنوبِ والخطايا، لقلبها حسناتٍ، كما في "السندِ" وغيره، عن أم هانِئ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا إله إلا اللَّهُ لا تترُكُ ذنبا ولا يسبِقها عمل ". وفي "المسندِ" عن شدَّادِ بنِ أوسٍ، وعبادة بن الصامت أن النبيَّ ﷺ قال لأصحابِهِ: "ارفعُوا أيديَكم، وقولُوا: لا إلهَ إلا اللًّهُ "، فرفعنا أيدينا ساعةً، ثم وضعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يدَهُ، ثم قالَ: "الحمدُ اللَّهِ، اللهُمَّ بعثتني بهذهِ الكلمةِ، وأمرتنِي بهَا، ووعدتنِي الجنةَ عليْهَا، وإنَّك لا تُخلِفُ الميعادَ"، ثم قالَ: " أبشِرُوا، فإن اللهَ قد غفرَ لكُم".

стр. 318

*** قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) قال اللَّهُ : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) . روى نافعٌ مولى يوسف السلمي عن نافع عن ابنِ عمرَ، قالَ: قرأ رجلٌ عندَ عمرَ هذه الآيةَ: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) . فقال عمرُ: أعِدْ علي فأعادَهَا عليهِ، فقال معاذُ بنُ جبلٍ: عندي تفسيرُها، تبدَّل في الساعةِ الواحدةِ مائةَ مرة، فقال عمرُ: هكذا سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ . خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ مردويه. وخرَّجه ابنُ مردويهِ أيضًا من طريقِ نافع أبي هرمز أنبانا نافعٌ عن ابنِ عمرَ قال: تلا رجلٌ عندَ عمرَ هذه الآيةَ: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) ، فقال عمرُ: أعِدْه عليَّ، وثَمَّ كعب، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ أنا عندِي تفسيرُ هذه الآيةِ قرأتُها قبلَ الإسلام، قالَ: فقالَ: هاتِهَا يا كعبُ، فإن جئت به كما سمعتُ من رسولِ اللَّهِ ﷺ صدَّقناك، وإلا لم ننظرْ إليها. قالَ: إني قرأتُها قبلَ الإسلامِ: ((كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) ، في الساعة الواحدة عشرينَ ومائةَ مرة، فقالَ عمرُ: هكذا سمعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ .

стр. 319

نافع أبو هرمزٍ ضعيفٌ جدًّا، وهو نافعُ مولى يوسفَ السلمي أيضًا، عند طائفةٍ من الحفاظ منهم ابن عدي، ومنهم من قال: هما اثنانِ وكلاهما ضعيفٌ. وروى الربيعُ بنُ برةَ عن الفضلِ الرقاشيِّ أنَّ عمرَ سألَ كعبًا عن هذه الآيةِ فقالَ: إن جلَدَه يحرقُ ويجدَد في ساعةٍ أو في مقدارِ ساعةٍ مائةَ ألفِ مرةٍ. قال عمرُ: صدقتَ، وهذا منقطعٌ. وروى ثوير بن أبي فاختة - وهو ضعيفٌ - عن ابنِ عمرَ أنه قالَ في هذه الآية ِ: إذا أُحرقتْ جلودُهُم بُدلُوا جلودًا بيضاءَ أمثالِ القراطيس. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. وخرَّج أيضًا بإسنادِهِ عن يحي بن يزيدَ الحضرميِّ أنه بلغه في هذهِ الآيةِ. قالَ: يجعلُ اللَّهُ للكافرِ مائةَ جلدٍ لين كلِّ جلدين لونٌ من العذابِ. وعن هشامٍ عن الحسنِ في هذهِ الآيةِ، قالَ: تأكلُهُم النارُ كلَّ يومٍ سبعينَ ألفَ مرةٍ كلما أكلتهم قيلَ لهُم: عودُوا، فيعودُون كما كانوا. وعن الربيع بنِ أنسٍ، قالَ: مكتوبٌ في الكتابِ الأولِ أن جلدَ أحدِهِم أربعونَ ذراعًا، وسنَّه تسعونَ ذراعًا، وبطنَهُ لو وُضِعَ فيه جبلٌ لوسعَهُ، فإذا أكلتِ النارُ جلودَهُم بُدلُوا جلودًا غيرَها. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَ يْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)

стр. 320

وسُئل عكرمة عن أمِّ الولدِ؟ فقالَ: تعتقُ بموتِ سيِّدها فقيلَ لهْ بأيِّ شيء تقولُ؟ قالَ: بالقرآنِ، قالَ: بأيِّ القرآنِ؟ قالَ: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، وعمرُ من أولي الأمر. وقال وكيعٌ: إذا اجتمع عمرُ وعليٌّ على شيء، فهو الأمرُ. ورُوي عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يحلفُ بالله: إنَّ الصراطَ المستقيمَ هو الذي ثبتَ عليه عمرُ حتى دخلَ الجنة. * * * قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) قوله تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) . قال ابنُ عباسٍ وغيرُهُ؛ القاعدونَ المفضَّلُ عليهم المجاهدونَ درجةً هم القاعدونَ من أهلِ الأعذارِ، والقاعدونَ المفضَّل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدونَ من غيرِ أهلِ الأعذارِ.
следующие страницы →