Полный текст (1 372 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
والأذانُ له فوائدُ:
منها: أنه إعلامٌ بوَقْتِ الصلاةِ أو فعلِها.
ومن هذا الوجهِ هو إخبارٌ بالوقتِ أو الفعلِ، ولهذا كان المؤذِّنُ مؤتمنًا.
ومنها: أنه إعلامٌ للغائبينَ عن المسجدِ، فلهذا شُرِع فيه رفعُ الصوتِ، وسُمِّي نداءً، فإنَّ النِّداءَ هو الصوتُ الرفيعُ.
ولهذا المعنى قالَ النبيُّ ﷺ لعبد الله بنِ زيد:
"قم فألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك ". ًً
ومنها: أنه دعاءٌ إلى الصلاةِ، فإنه معنى قولِهِ: "حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على
الفلاح ".
وقد قيل: إنَّ قولَهُ تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلُ صَالِحًا) ، الآية: نزلتْ في المؤذنينَ، رُوي عن طائفة من الصحابةِ.
وقيلَ في قولهِ تعالى: (وَقَدْ كَانوا يُدْعَوْنَ إِلَى السّجودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) .
إنها الصلواتُ الخمسُ حين يُنادى بها.
ومنها: أنه إعلانٌ بشرائع الإسلامِ من التوحيدِ والتكبيرِ والتهليلِ والشهادةِ
بالوحدانيةِ والرسالةِ.
* * *
стр. 422
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)
وقد ذكرَ اللَّهُ - في كتابِهِ - العلَّةَ المقتضيةَ لتحريمِ المسكراتِ، وكان أوَّل ما
حُرّمتِ الخمرُ عند حضورِ وقتِ الصلاةِ لمَّا صلَّى بعضُ المهاجرينَ، وقرأ في
صلاتِهِ، فخَلط في قراءتِهِ، فنزلَ قولُهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا
الصَّلاةَ وَأَنتمْ سكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) ، فكانَ مُنَادي رسولِ اللَّه
ﷺ -ينادِي: لا يَقْربِ الصلاةَ سكران.
ثم إنَّ اللَّهَ حرَّمها على الإطلاقِ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) .
ْفذكرَ سبحانَهُ علَّةَ تحريمِ الخمرِ والميسرِ - وهو القِمارُ - وهو أن الشيطانَ
يُوقِعُ بهما العداوةَ والبغضاءَ، فإنَّ منْ سكرَ، اختلَّ عقلُه، فربما تسلَّط على
أذى الناس في أنفسِهِم وأموالهم، وربما بلغ إلى القتلِ، وهي أمُّ الخبائثِ.
فمنْ شربها قتلَ النفسَ وزنى، وربما كفرَ.
وقد رُوي هذا المعنى عن عثمانَ وغيرِه، ورُوي مرفوعًا أيضًا.
стр. 423
ومن قامَرَ، فربما قُهِرَ وأُخذَ مالُه منه قهرًا، فلم يبقَ له شيء فيشتدُّ حِقدُهُ
على من أخذ مالَهُ.
وكلُّ ما أدَّى إلى إيقاع العداوةِ والبغضاءِ كان حرامًا.
وأخبر سبحانه أنَّ الشيطانَ يصدُّ بالخمرِ والميسرِ عن ذكرِ اللَّهِ وعن الصلاةِ.
فإنَّ السكرانَ يزولُ عقلُهُ، أو يختل، فلا يستطيعُ أن يذكرَ اللَهَ، ولا أن
يُصلِّي، ولهذا قال طائفة من السلفِ: إن شارب الخمرِ تمر عليه ساعة لا
يعرفُ فيها ربَّه، واللَّهُ سبحانه إنما خلقَ الخلقَ ليعرِفُوه، ويذكرُوه، ويعبدُوه، ويُطيعوه، فما أدَّى إلى الامتناع من ذلك، وحالَ بين العبدِ وبين معرفةِ ربَه
وذكرهِ ومناجاتِهِ، كان محرَّمًا، وهو السُّكْرُ، وهذا بخلافِ النَّومِ، فإنَّ اللَّهَ جَبَلَ العبادَ عليه، واضطرهُم إليه، ولا قِوامَ لأبدانِهِم إلا به، إذ هو راحة لهم من السعي والنَّصَبِ، فهو من أعظم نعم اللَّهِ على عبادِهِ، فإذا نامَ المؤمنُ بقدرِ الحاجةِ، ثم استيقظَ إلى ذكرِ اللهِ ومناجاتِهِ ودعائِهِ، كان نومُه
عونًا له على الصلاةِ والذكرِ، ولهذا قالَ من قالَ من الصحابةِ: إني أحتسبُ
نَوْمَتِي كما أحتسبُ قَوْمَتِي.
وكذلك الميْسرُ: يصُدُّ عن ذكرِ اللهِ وعنِ الصلاةِ، فإنَّ صاحبَه يعكفُ بقلبِهِ
عليه، ويشتغلُ به عن جميع مصالحِهِ ومهماتِهِ حتى لا يكادُ يذكرُها لاستغراقِهِ
فيه، ولهذا قالَ عليّ لما مرَّ على قومٍ يلعبون بالشطرنج: ما هذهِ التماثيلُ التي
أنتُم لها عاكفونَ؛ فشبَّههم بالعاكفينَ على التماثيلِ.
وجاءَ في الحديثِ: "إنَ مُدْمِنَ الخمْرِ كعابدِ وثنٍ " فإنه يتعلَّقُ قلبُه بها، فلا يكادُ يُمكِّنه أن يدعَها كما
стр. 424
لا يدعُ عابدُ الوثنِ عبادَتَهُ.
وهذا كلُّه مضادٌّ لما خلَقَ اللَّهُ العبادَ لأجلِهِ مِنْ تفريغ قلوبِهِم لمعرفته.
ومحبَّتِه، وخشيتِه، وذكره ومناجاتِهِ، ودعائِهِ، والابتهالِ إليه، فما حالَ بين
العبدِ وبين ذلكَ، ولم يكنْ بالعبدِ إليه ضرورةٌ، بل كان ضررًا محضًا عليه.
كان محرَّمًا.
وقد رُوي عن عليٍّ أنه قالَ لمن رآهم يلعبونَ بالشِّطرئج: ما لهذا خُلقتم.
ومن هنا يعلمُ أن الميسرَ محرَّمٌ سواءٌ كان بعوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ، وأنَّ
الشطرنج كالنَّرْدِ أو شرٌّ منه، لأنَّها تشغلُ أصحابَها عن ذكرِ اللهِ، وعن الصلاة أكثر من النَّرْدِ.
والمقصودُ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
"كل مسكر حرامٌ "، وكلُّ ما أسكر عن الصلاة فهو حرام.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)
عن أبي هريرةَ ﵁، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ:
"ما نهَيْتُكُم عنه فاجْتنبُوه، وما أمرتُكُم به، فأتُوا منه ما استطعتُم، فإنما أهلَكَ الَّذين من قبلِكُم كثْرةُ مسائِلِهِم واختلافُهم على أنبيائهم ".
رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
هذا الحديثُ بهذا اللفظِ: خرَّجه مسلمٌ وحْدَه من روايةِ الزهريِّ، عن
стр. 425
سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبي سلمةَ - كلاهُما - عن أبي هريرةَ، وخرَّجاهُ من روايةِ
أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "دعونِي ما تركتُكُم، إنَّما أهْلَكَ منْ كانَ قبلَكُم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهِم، فإذا نهيتُكُم عن شيء، فاجتنبُوه، وإذا أمرتُكُم بأمر فأتُوا منه ما استطعتُم "
وخرَّجه مسلمٌ من طريقينِ آخرينِ عن أبي هريرةَ بمعناه.
وفي رواية له ذكرُ سببِ هذا الحديثِ من روايةِ محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي
هريرةَ، قالَ: خطبنا رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: "يا أيها الناسُ قد فرضَ اللَهُ عليكم
الحجَّ فحجوا" فقال رجلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟
فسكتَ حتَّى قالَها ثلاثاً.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لو قلتُ: نعم، لوجبتْ ولما استطعتُم"، ثمَّ قال: "ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنما هلَكَ من كان قبلكم بسؤالِهِم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمرتُكُم بشيء، فأتُوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتُكُم عن شيء، فدعُوه ".
وخرَّجَه الدارقطنيُّ من وجهٍ آخرَ مختصرا.
وقال فيه: فنزل قولُهُ تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشيَاءَ إِن تبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكمْ) .
وقد رُوي من غيرِ وجه أن هذه الآيةَ نزلتْ لمَّا سالوا النبيَّ ﷺ عن الحجِّ، وقالُوا: أفي كل عامٍ؟
وفي "الصحيحينِ " عن أنسٍ قالَ: خطبنا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقال رجلٌ: مَن أبي؟
فقالَ: "فلانَ "، فنزلتْ هذه الآيةُ: (لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشيَاءَ) .
وفيهما - أيضًا - عن قتادةَ، عن أنسٍ قالَ: سألُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ حتى
стр. 426
أحْفَوهُ في المسألةِ، فغضبَ فصَعِدَ المنبرَ، فقالَ: "لا تسألُوني اليومَ عن شيء إلا بينتُه" فقامَ رجل - كان إذا لاحى الرجالَ دُعِيَ إلى غيرِ أبيه - فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ من أبي؛ قالَ: " أبوك حُذافة"، ثمَّ أنشأ عمرُ، فقال: رضينا باللَّه ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ رسولاً، نعوذُ باللَّه من الفتنِ، وكانَ قتادة يذكرُ عندَ هذا الحديثِ هذه الآيةَ (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) .
وفي "صحيح البخاريِّ " عن ابنِ عباسٍ، قالَ: كان قومٌ يسألونَ رسولَ
اللَّهِ ﷺ استهزاء، فيقولُ الرجلُ: مَنْ أبي؟ ويقولُ الرجلُ تَضِلُّ ناقته: أين ناقَتِي؟ فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: (يَا أَيهَا الذِينَ آمنُوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) .
وخرَّج ابنُ جريرٍ الطبري في "تفسيرِ" من حديثِ أبي هريرةَ، قالْ
خرجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو غضبانُ مُحمارٌّ وجهه، حتى جلسَ على المنبرِ، فقامَ إليه رجلٌ فقالَ: أين أنا؟
فقال: "في النارِ" فقامَ إليه آخرُ، فقالَ: من أبي؟
قال: "أبوكَ حُذافةُ"، فقامَ عمرُ فقالَ: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا، إنَّا يا رسولَ اللَّه حديثُو عهدٍ بجاهليةٍ وشركٍ، واللَّهُ أعلمُ من آباؤنا، قال: فسكنَ غضبُه، ونزلتْ هذه الآية ُ: (يَا أَيهَا الذِينَ آمنوا لا تَسْألوا عَنْ أَشْيَاءَ) .
وروى - أيضًا - من طريقِ العَوْفيِّ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: (يا أيهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .
قال: إنًّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أذَّن في الناسِ، فقالَ:
"يا قوم كُتِبَ عليكم الحح؟ "، فقامَ رجل، فقالَ:
يا رسولَ اللَّهِ، أفي كلِّ عامٍ؛ فأُغْضِبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ غضبًا شديدًا، فقالَ:
стр. 427
"والذي نفسي بيدِهِ، لو قلتُ: نعم، لوجَبَتْ ولو وجبتْ ما استطعتُم، وإذن لكفرتُم، فاتركُوني ما تركتُكُم، فإذا أمرتُكُم بشيء فافعلُوا، وإذا نهيتُكم عن شيء فانتهَوا عنه "
فأنزل اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .
نهاهُم أن يسألوا مثلَ الذي سألتِ النَصارى في المائدةِ، فأصبَحُوا
بها كافرين، فنهى اللَّهُ تعالى عن ذلكَ، وقال: لا تسألوا عن أشياء، إن نزلَ
القرآنُ فيها بتغليظٍ ساءَكُم، ولكن انتظرُوا، فإذا نزلَ القرآنُ فإنَّكم لا تسألون عن شيءٍ إلا وجدتُم تبيانَهُ.
فدلَّت هذه الأحاديثُ على النهي عن السُّؤالِ عمَّا لا يُحتاجُ إليه مما يسوءُ
السائلَ جوابُهُ مثلَ سؤالِ السائلِ، هل هو في النارِ أو في الجنةِ، وهل أبوه من
ينتسبُ إليهِ أو غيرِه، وعلى النهي عن السؤالِ على وجهِ التعنتِ والعبثِ
والاستهزاءِ، كما كانَ يفعلُه كثيرٌ من المنافقينَ وغيرُهم.
وقريبٌ من ذلكَ سؤالُ الآياتِ واقتراحُها على وجهِ التعنت، كما كانَ
يسألُه المشركُون وأهلُ الكتابِ، وقد قالَ عكرمةُ وغيرُه: إنَّ الآيةَ نزلتْ في
ذلك.
ويقربُ من ذلكَ السؤالُ عما أخفاه اللَّهُ عن عبادِهِ، ولم يُطلعهم عليهِ.
كالسؤالِ عن وقتِ الساعةِ، وعن الروح.
ودلَّت - أيضًا - على نهي المسلمينَ عن السؤالِ عن كثيرٍ من الحلالِ والحرامِ
مما يُخشى أن يكونَ السؤالُ سببًا لنزولِ التشديدِ فيهِ، كالسّؤالِ عن الحجِّ: هل يجبُ كلَّ عامٍ أم لا؟
وفي "الصحيح " عن سعدٍ، عن النبي ﷺ أنه قالَ: "إنَّ أعظمَ المسلمينَ
стр. 428
في المسلمينَ جُرْمًا منْ سألَ عن شيء لم يحرم، فحُرِّم من أجْلِ مسألتِهِ ".
ولما سُئلَ النبيُّ ﷺ عن اللِّعان كره المسائلَ وعابَهَا حتى ابتُلي السائلُ عنه قبلَ وقوعِهِ بذلكَ في أهلِهِ وكان النبيُّ ﷺ ينهَي عن قيلَ وقالَ، وكثرةِ السؤالِ، وإضاعةِ المالِ.
ولم يكنِ النبيُّ ﷺ يُرخِّصُ في المسائِل إلا للأعرابِ ونحوِهم من الوُفودِ القادمينَ عليه، يتألَّفهم بذلكَ، فأمَّا المهاجرونَ والأنصارُ المقيمونَ بالمدينة الذين رَسَخَ الإيمانُ في قلوبِهِم، فنُهوا عن المسألةِ، كما في "صحيح مسلمٍ " عن النَّوَّاسِ بن سِمعانَ، قال: أقمتُ مع رسولِ اللَهِ ﷺ بالمدينةِ سنةً ما يمنعُني من الهجرةِ إلا المسألةُ، كانَ أحدُنا إذا هاجرَ لم يسألِ النبي ﷺ .
وفيه أيضًا عن أنسٍ، قال: نُهينا أن نسأل رسولَ اللهِ ﷺ عن شيءٍ، فكان يُعجِبُنا أن يجيءَ الرجلُ من أهلِ الباديةِ العاقلُ، فيسألُهُ ونحنَ نسْمعُ.
وفي "المسندِ" عن أبي أُمامةَ، قالَ: كانَ اللَّهُ قد أنزلَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ، قالَ: فكُنَّا قد كرهنا كثيرًا من
مسألتِهِ، واتَّقيْنَا ذلك حين أنزلَ اللَّهُ على نبيِّهِ ﷺ
قال: فأتينا أعرابيا، فرشوناه بُردًا، ثمَّ قلنا له: سلِ النبيَّ ﷺ وذكرَ حديثًا.
وفي "مسندِ أبي يعْلى الموصليِّ " عن البراءِ بن عازبٍ قال: إنْ كان لتأتِي
стр. 429
عليَّ السنةُ أريدُ أن أسألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن شيء، فأتهيبُ منه، وإن كنَّا لنتمنَّى الأعرابَ.
وفي "مسند البزارِ" عن ابنِ عباسٍ، قال: ما رأيتُ قومًا خيرًا من
أصحابِ محمَّدٍ ﷺ ما سألوه إلا عن اثنتي عشرةَ مسألةً، كلُّها في القرآنِ:
(يَسْاَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) ، (يَسْاَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الْحَرَامِ) ، (وَيَسْاَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) ، وذكر الحديثَ.
وقد كانَ أصحابُ النبيّ ﷺ أحيانًا يسألونَهُ عن حكم حوادثَ قبلَ وقوعِهَا، لكن للحملِ بِهَا عند وقوعِها، كما قالُوا لهُ: إنَّا لاقُو العدوِّ غدًا، وليسَ معنا مُدًى، أفنذبحُ بالقصَبِ؛ وسألُوه عن الأُمراءِ الذين أخبر عنهم بعدَه، وعن
طاعتِهِم وقتالِهِم، وسألهُ حذيفةُ عن الفتن، وما يصنعُ فيها.
فهذا الحديثُ، وهو قولُهُ ﷺ :
"ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنَّما هلَكَ من كان قبلَكُم بكثرةِ سُؤالِهِم واختلافِهِم على أنبيائِهِم " يدلُّ على كراهةِ المسائلِ وذمِّها، ولكن
بعضَ الناسِ يزعمُ أنَّ ذلكَ كان مختصًا بزمنِ النبيِّ ﷺ لما يخشى حينئذٍ من تحريمِ ما لم يُحرَّم، أو إيجابِ ما يشقُّ القيامُ به، وهذا قد أُمِنَ بعد وفاتِهِ ﷺ .
ولكن ليسَ هذا وحده هو سببَ كراهةِ المسائلِ، بل له سببٌ آخرُ، وهو
الذي أشارَ إليه ابنُ عباسٍ في كلامِهِ الذي ذكرنا بقوله: ولكن انتظرُوا، فإذا
نزلَ القرآنُ، فإنكم لا تسألون عن شيءٍ إلا وجدتم تبيانَهُ.
ومعنى هذا: أنَّ جميعَ ما يحتاجُ إليه المسلمونَ في دينهم لا بدَّ أن يُبينه اللَّهُ في كتابِهِ العزيزِ،
стр. 430
ويبلِّغُ ذلكَ رسولُهُ عنه، فلا حاجةَ بعد هذا لأحدٍ في السؤال، فإنَّ اللَّهَ تعالى
أعلمُ بمصالح عبادِهِ منهم، فما كانَ فيه هدايتُهم ونفعُهُم فإنَّ اللَه لا بدَّ أن
يُبيَّنه لهُم ابتداءً من غيرِ سؤالٍ، كما قالَ: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) .
وحينئذٍ، فلا حاجةَ إلى السُّؤال عن شيءٍ، ولا سيما قبلَ وقوعِهِ
والحاجة إليه، وإنَّما الحاجةُ المهمةُ إلى فَهْم ما أخبرَ اللَّهُ به ورسولُه، ثمَّ اتباعُ
ذلكَ والعملُ به، وقد كان النبيُّ ﷺ يُسأل عن المسائلِ، فيُحيلُ على القرآنِ، كما سألَهُ عمرُ عنِ الكلالةِ فقال: "يَكفيك آيةُ الصيف ".
وأشارَ رسول اللَّهِ ﷺ في هذا الحديثِ إلى أنَّ في الاشتغال بامتثال أمرِه، واجتنابِ نهيه شغلاً عن المسائلِ، فقال:
"إذا نهيتُكُم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكُم بأمر، فأتوا منه ما استطعتُم ".
فالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أن يبحثْ عمَّا جاء عن اللَّهِ
ورسولِهِ ﷺ ، ثم يجتهدُ في فهم ذلك، والوقوفِ على معانيهِ، ثم يشتغلُ بالتصديقِ بذلكَ إنْ كان من الأمورِ العلميَّةِ، وإن كان من الأمور العمليّة، بذل وسْعهُ في الاجتهادِ في فعلِ ما يستطيعُهُ من الأوامرِ، واجتنابِ ما يُنْهى عنهُ، وتكونُ همَّتُهُ مصروفةً بالكليَّة إلى ذلكَ، لا إلى غيرِه.
وهكذا كانَ حال أصحابِ النبيِّ ﷺ والتابعينَ لهم بإحسانٍ في طلبِ العلمِ النافع منَ الكتابِ والسنةِ.
فأمَّا إنْ كانتْ همةُ السامِع مصروفةً عند سماع الأمرِ والنهي الى فرضِ
أمورٍ قد تقعُ، وقد لا تقعُ، فإن هذا مما يدخلُ في النَّهي ويثبِّطُ عن الجِدِّ في
стр. 431
متابعةِ الأمرِ. وقد سألَ رجلٌ ابنَ عمرَ عن استلامِ الحجرِ، فقال له: رأيتُ
النبيَّ ﷺ يستلمه ويقبِّلُهُ، فقال له الرجلُ: أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ عليه؟ أرأيت إن زُوحِمْتُ؟
فقال له ابنُ عمرَ: اجعلْ "أرأيتَ" باليمنِ، رأيتُ النبيَّ ﷺ يستلمه ويقبِّلُهُ.
خرَّجه الترمذيُّ.
ومرادُ ابنِ عمرَ: أن لا يكونَ لكَ همٌّ إلا في الاقتداءِ بالنبيِّ ﷺ ، ولا حاجةَ إلى فرضِ العجزِ عنْ ذلكَ أو تعسرِه قبلَ وقوعِهِ، فإنَّه قد يفتُرُ العزمُ عن التَّصميمِ على المتابعةِ، فإنَّ التَّفْقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عن العِلْم إنَّما يُحمَدُ إذا كانَ للعملِ، لا للمراءِ والجدالِ.
وقد رُوي عن على ﵁، أنه ذكرَ فتنًا تكونُ في آخرِ الزمان، فقال له عمرُ: متى ذلك يا علي؟
قال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتَعُلِّم لغيرِ العملِ، والتُمِسَتِ الدنيا بعملِ الآخرةِ.
وعن ابنِ مسعود أنه قال: كيف بكُم إذا لبِستكم فتنةٌ يربُو فيها الصغيرُ.
ويهْرَمُ فيها الكبيرُّ، وتُتَّخَذُ سُنَّةً، فإن غُيرَتْ يومًا قيل: هذا منكرٌ؟
قالُوا: ومتى ذلك؟ قالَ: إذا قلَّتْ أمناؤُكُم، وكثرتْ أمراؤكم، وقلَّت فقهاؤُكُم، وكثر قُرَّاؤُكُم، وتُفُقّهَ لغير الدين، والتُمِسَتِ الدنيا بعملِ الآخرةِ.
خرَّجهما عبدُ الرزاقِ في كتابِهِ.
ولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابةِ والتابعينَ يكرهونَ السؤالَ عن الحوادثِ
قبلَ وقوعِها، ولا يُجيبونَ عن ذلكَ، قالَ عمرُو بنُ مُرَّةَ: خرج عمرُ على
стр. 432
الناسِ، فقال: أُحرِّجُ عليكُم أن تسألونا عن ما لم يكنْ، فإنَّ لنا فيما كان
شغلاً.
وعن ابنِ عمرَ، قالَ: لا تسألوا عما لم يكنْ، فإنِّي سمعتُ عمرَ لعنَ
السَّائلَ عمَّا لم يكنْ.
وكان زيدُ بنُ ثابت إذا سُئلَ عن الشَّيْء يقولُ: كانَ هذا؛ فإن قالُوا: لا.
قالَ: دعُوه حتى يكونَ.
وقال مسروقٌ: سألتُ أُبيَّ بنَ كعبٍ عن شيءٍ، فقالَ: أكانَ بعدُ؟
فقلتُ: لا، فقال: أجِمَّنا - يعني: أرِحْنا - حتى يكونَ فإذا كان اجتهدْنا لك رأيَنا.
وقال الشعبيُّ: سئلَ عمَّارٌ عن مسألةٍ فقال: هل كان هذا بعدُ؟
قالُوا: لا، قال: فدعُونا حتى يكونَ، فإذا كان تجَشَّمْنَاهُ لكم.
وعن الصَّلتِ بنِ راشدٍ، قال: سألتُ طاووسًا عن شيءٍ، فانتهرني.
وقالَ: أكان هذا؟ قلتُ: نعم، قال: آللَّه؟ قلتُ: آللَّه. قال: إنَّ أصحابنا أخبرُونا عن معاذِ بنِ جبلٍ أنه قالَ: أيها النَّاسُ، لا تعجلُوا بالبلاء قبْلَ نزولِه فيذهبُ بكُم هَاهُنا وهَاهُنا، فإنَّكم إنْ لم تعجلُوا بالبلاء قبلَ نزولِه لم ينفكًّ المسلمونَ أن يكونَ فيهم مَنْ إذا سُئِلَ سُدِّدَ، أو قال وُفِّق.
وقد خرَّجه أبو داودَ في كتابِ: "المراسيلِ " مرفوعًا من طريقِ
стр. 433
ابنِ عجلانَ عن طاووسٍ عن معاذٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ :
"لا تعجَلُوا بالبليَّةِ قبل نزولِهَا فإنَّكم إن لم تفعلُوا لم ينفكَّ المسلمونَ منهم من إذا قال سُدِّدَ أو وقق، وإنَّكم إن عجِلتُم، تشَّتتْ بكمُ السّبلُ هاهُنا وهَاهُنا". ومعنى إرساله أن طاووسًا لم يسمعْ من معاذ.
وخرَّجه - أيضًا - من روايةِ يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن
النبيِّ ﷺ بمعناه مرسلاً.
وروى الحجاجُ بنُ منهال حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ سمعتُ الزبيرَ بنَ سعيدٍ -
رجلاً من بني هاشم - قال. سمعتُ أشياخَنا يحدثون: أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال:
"لا يزالُ في أُمَّتِي مَن إذا سُئلَ سُدِّد وأُرْشِدَ حتى يتساءلوا عن ما لم ينزلْ تبيينُهُ، فإذا فعلوا ذلك، ذُهِبَ بهم هاهُنا وهاهُنا".
وقد رُوي عن الصَّنابحيِّ عن معاويةَ عن النبيِّ ﷺ إنه نهى عن الأغْلُوطاتِ، خرَّجه الإمامُ أحمد، وفسَّرها الأوزاعيُّ، قال: هي شدادُ المسائِلِ.
وقالَ عيسى بنُ يونسَ: هي ما لا يُحتاجُ إليه من كيفَ وكيفَ.
ويُروى من حديثِ ثوبانَ عن النبيِّ ﷺ قال:
"سيكونُ أقوامٌ من أمتي يُغَلِّطُون فقهاءَهُم بِعُضَلِ المسائِلِ، أولئك شرارُ أُمَّتِي ".
وقال الحسنُ: شرارُ عبادِ اللَّهِ الذين يتبعونَ شرارَ المسائلِ يَغُمُّون بها عبادَ
اللَّه.
стр. 434
وقال الأوزاعيُّ: إنَّ اللَّهَ إذا أراد أن يحرِمَ عبدَه بركةَ العلم، ألقى على
لسانِهِ المغاليطَ، فلقد رأيتُهم أقلَّ الناسِ علمًا.
وقال ابنُ وهب عن مالكٍ: أدركتُ هذه البلدةَ، وإنَّهم ليكرهُون هذا
الإكثارَ الذي فيه الناسُ اليومَ، يريدُ المسائلَ.
وقال أيضًا: سمعتُ مالكًا وهو يعيبُ كثرةَ الكلامِ وكثرةَ الفتيا، ثم قالَ:
يتكلَّمُ كأنه جملٌ مُغْتَلِمٌ يقولُ: هو كذا، هو كذا يَهْدِرُ في كلامِهِ.
وقال: وسمعتُ مالكًا يكرهُ الجوابَ في كثرةِ المسائلِ، وقال: قال اللَّهُ عزَّ
وجلَّ: (وَيَسْأَئونَكَ عَنِ الروحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ، فلم يأتِهِ في
ذلكَ جوابٌ.
وكان مالكٌ يكرهُ المجادلةَ عن السُّنن أيضًا. قال الهيثمُ بنُ جميلٍ: قلتُ
لمالكٍ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، الرجلُ يكونُ عالمًا بالسُّن يُجادِلُ عنها؟
قالَ: لا، ولكن يخبر بالسُّنَّةِ، فإن قُبِلَ منه، وإلا سكتَ.
وقال إسحاقُ بنُ عيسى: كان مالكٌ يقولُ: المِراءُ والجِدالُ في العلم يذهبُ
بنورِ العلم من قلبِ الرجلِ.
وقال ابنُ وهبٍ: سمعتُ مالكًا يقولُ: المراءُ في العلم يُقسَي القلوبَ
ويورِّث الضغنَ.
وكان أبو شريح الإسكندرانيُّ يومًا في مجلسِهِ، فكثُرَتِ المسائلُ، فقال: قد
دَرِنَتْ قلوبُكم منذُ اليوم، فقومُوا إلى أبي حُميدٍ خالد بن حميد اصقُلوا
قلوبكم، وتعلَّموا هذه الرغائبَ، فإنَها تُجَدِّدُ العبادةَ، وتُورثُ الزهادةَ، وتجرُّ الصداقةَ، وأقلُّوا المسائلَ إلا ما نزلَ، فإنها تقسِّي القلوبَ، وتورثُ العداوةَ.
стр. 435
وقال الميمونيُّ: سمعتُ أبا عبدِ اللَهِ - يعني أحمدَ - يُسأل عن مسألةٍ.
فقال: وقعَتْ هذه المسألةُ؟ بُليتم بها بعدُ.
وقد انقسمَ الناسُ في هذا البابِ أقسامًا:
فمن أتباع أهلِ الحديثِ منْ سدَّ بابَ المسائلِ حتَى قل فقهُهُ وعلمه بحدودِ
ما أنزلَ اللَّهُ على رسولِهِ، وصارَ حامِلَ فقهٍ غيرَ فقيه.
ومن فقهاءِ أهلِ الرأي من توسَّع في توليدِ المسائلِ قبلَ وقوعِها، ما يقعُ في
العادةِ منها وما لا يقعُ، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجوابِ عن ذلكَ، وكثرة
الخصوماتِ فيه، والجدالِ عليه حتَى يتولدَ منْ ذلكَ افتراقُ القلوبِ، ويستقرًّ
فيها بسببهِ الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترنُ ذلكَ كثيرًا بنيّةِ
الغالبةِ، وطلبِ العلوِّ والمباهاةِ، وصرفِ وجوهِ الناسِ، وهذا ممَّا ذمَّه العلماءُ
الربانيونَ، ودلَّتِ السّنَةُ على قبحِهِ وتحريمِهِ.
وأما فقهاءُ أهلِ الحديثِ العاملُون به، فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني
كتابِ اللَّهِ ، وما يُفسِّره من السننِ الصحيحةِ، وكلام الصحابةِ
والتابعينَ لهم بإحسانٍ، وعن سُنَةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ومعرفةِ صحيحِهَا وسقيمِهَا، ثم التفقهُ فيها وتفهمُها، والوقوفُ على معانِيها، ثم معرفةُ كلامِ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ في أنواع العلومِ من التفسيرِ والحديثِ، ومسائلِ الحلالِ والحرامِ، وأصولِ السنةِ والزهدِ والرقائقِ، وغير ذلك، وهذا هو طريقةُ الإمامِ أحمدَ ومَنْ وافقه من علماءِ الحديث الرّبَانيينَ، وفي معرفةِ هذا شغل شاغلٌ عن التشاغُلِ بما أُحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به ولا يقعُ، وإنما يُورثُ التجادلُ فيه كثرةَ الخصوماتِ والجدالَ وكثرةَ القيلِ والقالَ.
стр. 436
وكان الإمامُ أحمدُ كثيرًا إذا سُئلَ عن شيءٍ من المسائلِ المولداتِ التي لا تقعُ يقولُ: دعونا منْ هذه المسائلِ المحدثةِ.
وما أحسن ما قالَهُ يونسُ بنُ سليمانَ السَّقَطِيُّ: نظرتُ في الأمر، فإذا هو
الحديثُ والرأيُ، فوجدتُ في الحديثِ ذكرَ الربِّ ، وربوبيتَه وإجلاله وعظمته، وذكرَ العرشِ وصفةَ الجنةِ والنارِ، وذكرَ النبيينَ والمرسلين، والحلالِ والحرامِ، والحثَّ على صلةِ الأرحامِ، وجماعَ الخيرِ فيه، ونظرتُ في الرأي، فإذا فيه المكرُ والغدرُ، والحيلُ، وقطيعةُ الأرحامِ، وجماعُ الشَّرِّ فيه.
وقال أحمدُ بن شبويه: من أرادَ علمَ القبرِ فعليه بالآثارِ، ومن أراد علم
الخُبْزِ فعليه بالرأي.
ومن سلكَ طريقَه لطلبِ العلم على ما ذكرناه، تمكَّن من فهمِ جوابِ
الحوادثِ الواقعةِ غالبًا، لأن أصولَها تُوجدُ في تلكَ الأصولِ المشارِ إليها.
ولابدَّ أن يكونَ سلوكُ هذا الطريقِ خلفَ أئمةِ أهلِهِ المجمَع على هدايتهِم
ودرايتِهِم كالشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ ومن سلكَ مسلكَهم، فإنًّ مَنِ
ادَّعى سلوكَ هذا الطريقِ على غيرِ طريقِهِم، وقعَ في مفاوزَ ومهالكَ، وأخذَ
بما لا يجوزُ الأخذُ به، وتركَ ما يجبُ العملُ به.
ومِلاكُ الأمرِ كلِّه أن يقصِدَ بذلكَ وجهَ اللَّهِ، والتقرُّبَ إليه، بمعرفةِ ما أنزلَهُ
على رسولِهِ، وسلوكِ طريقه، والعملِ بذلكَ، ودعاءِ الخلقِ إليه، ومَنْ كان
كذلكَ، وفَّقه اللَّهُ وسدَّده، وألهمَهُ رشدَهُ، وعلَّمه ما لم يكنْ يعلمُ، وكان من العلماءِ الممدوحينَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادهِ الْعُلَمَاءُ) ، ومن الراسخينَ في العلم.
стр. 437
فقد خرَّج ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" من حديثِ أبي الدرداءِ أنَ رسولَ اللَّهِ
ﷺ سُئلَ عن الرَّاسخينَ في العلم، فقالَ: "من برَّت يمينُه، وصدقَ لسانُه، واستقامَ قلبُه، ومَنْ عفَّ بطنُه وفرجُه، فذلكَ منَ الرَّاسخينَ في العلم".
قال نافعُ بنُ يزيدَ: يقالُ: الرَّاسخون في العلم: المتواضعونَ للَّهِ، المتذلِّلون
للَّهِ في مرضاتِهِ، لا يتعاطُون من فوقَهُم، ولا يحقرونَ من دونَهُم.
ويشهدُ لهذا قولُ النبيِّ ﷺ :
"أتاكُم أهلُ اليمنِ، هُمْ أبرُّ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً.
الإيمانُ يمانٍ، والفقهُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيَّة".
وهذا إشارةٌ منه إلى أبي موسى الأشعريِّ، ومن كان على طريقِهِ من
عُلَماءِ أهلِ اليمنِ، ثمَّ إلى أبي مسلم الخولانيِّ، وأُويسٍ القرَنيِّ، وطاووس.
ووهبِ بنِ منبهٍ، وغيرِهم من علماءِ أهلِ اليمن، وكل هؤلاءِ من العلماء
الرَّبانيينَ الخائفينَ للَّه، وكلُّهم علماءُ باللَّهِ يخشونَه ويخافونَه، وبعضهم أوسعُ
علمًا بأحكامِ اللَّه وشرائع دينِه من بعضٍ، ولم يكنْ تميّزهم عن الناسِ بكثرةِ
قيل وقال، ولا بحثٍ ولا جدالٍ.
وكذلك معاذُ بنُ جبلٍ ﵁، أعلمُ الناسِ بالحلالِ والحرامِ، وهو الذي يُحشر يومَ القيامةِ أمامَ العلماءِ برَتْوةٍ، ولم يكنْ علمهُ بتوسعةِ المسائلِ وتكثيرِها، بل قد سبقَ عنه كراهةُ الكلامِ فيما لم يقعْ، وإنما كان عالما باللَّهِ وعالمًا بأصولِ دينِهِ.
وقد قيلَ للإمامِ أحمدَ: منْ نسألُ بعدَك؟
قال: عبدُ الوهَّابِ الورَّاق.
قيلَ له: إنه ليس له اتِّساعٌ في العلم، قال: إنه رجلٌ صالح، مثلُه يوفَّقُ
стр. 438
لإصابةِ الحقِّ.
وسئل عن معروفٍ الكرخيِّ، فقال: كان معه أصلُ العلم: خشيةُ اللَّهِ.
وهذا يرجعُ إلى قولِ بعضِ السلفِ: كفى بخشية اللَّه علمًا، وكفى بالاغترارِ
باللَّه جهلاً.
وهذا بابٌ واسعٌ يطولُ استقصاؤه.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
وقد حكى القاضي أبو يعْلى روايتينِ عن أحمدَ في وجوبِ إنكارِ المنكرِ
على من يعلمُ أنَّه لا يقبلُ منه، وصححَ القولَ بوجوبِهِ، وهو قولُ أكثرِ
العلماء.
وقد قيلَ لبعضِ السلفِ في هذا، فقالَ: يكونُ لكَ معذرة، وهذا كما أخبرَ
اللَّهُ عن الذينَ أنكرُوا على المعتدينَ في السَّبتِ أنَّهم قانَوا لمن قالَ
لهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَو معَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ، وقد وردَ ما يستدلُّ به على سقوطِ الأمرِ والنهي
عندَ عدمِ القبولِ والانتفاع به، ففي "سننِ أبي داودَ" وابنِ ماجةَ والترمذي
عن أبي ثعلبةَ الخُشنيِّ أنه قيلَ له: كيفَ تقولُ في هدْه الآيةِ: (عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمْ) ، فقالَ: أما واللَّهِ لقد سألتُ عنها رسولَ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 439
فقالَ: "بل ائتمِروا بالمعروفِ، وانتهُوا عن المنكرِ حتى إذا رأيتَ شُحًا مُطاعًا، وهوى مُتّبعًا، ودُنيا مُؤئَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه فعليكَ بنفْسِكَ، ودعْ عنكَ أمرَ العوامِّ ".
وفي "سننِ أبي داودَ" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: بينما نحن حولَ
رسولِ اللَّهِ ﷺ ، إذْ ذكر الفتنة، فقالَ: "إذا رأيتُمَ الناسَ مرجَتْ عهودهم، وخفَّت أماناتهم، وكانُوا هكذا" وشبَّك بين أصابعِهِ، فقمتُ إليه، فقلتُ: كيف أفعلُ عندَ ذلك، جعلني اللَّهُ فداكَ؟
قال: "الزمْ بيتَك، واملِكْ عليكَ لسانَكَ، وخُذْ بما تعْرِفُ، ودع ما تُنكرُ، وعليكَ بأمر خاصَّةِ نفسِكَ، ودع عنك أمرَ العامَّة".
وكذلك رُويَ عن طائفةٍ من الصحابةِ فىِ قولِهِ تعالى: (عَلَيْكُم أَنفُسَكُمْ لا
يَضُرُّكم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ، قالُوا: لم يأتِ تأويلُها بعدُ، إنَّما
تأويلُها في آخرِ الزمانِ.
وعن ابنِ مسعودٍ، قال: إذا اختلفتِ القلوبُ والأهواءُ، وأُلبِستم شِيَعًا.
وذاق بعضُكم بأسَ بعض، فيأمرُ الإنسانُ حينئذٍ نفسَهُ، حينئذٍ تأويل هذه
الآية.
وعن ابنِ عمرَ، قال: هذه الآيةُ لأقوامٍ يجيئونُ من بعدِنا، إن قالُوا لم
يُقبَلْ منهم.
وقال جُبيرُ بنُ نفيرٍ عن جماعةٍ من الصحابةِ، قالُوا. إذا رأيتَ
شحًا مُطاعًا وهوًى متبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسِكَ، لا
يضرُّكَ من ضلَّ إذا اهتديت.
وعن مَكْحُولٍ، قال: لم يأتِ تأويلها بعدُ، إذا هابَ الواعظُ، وأنكرَ
стр. 440
الموعوظُ فعليكَ حينئذٍ بنفسِكَ لا يضرُّك من ضل إذا اهتديتَ.
وعن الحسنِ: أنه كان إذا تلا هذه الآيةَ، قال: يا لها من ثقةٍ ما أوثقها!
ومن سعةٍ ما أوسَعها!.
وهذا كلُّه قد يُحملُ على أنَّ من عجزَ عن الأمرِ بالمعروفِ، أوخافَ
الضَّررَ، سقطَ عنه، وكلامُ ابنِ عمر يدلُّ على أنَّ من عَلِمَ أنَّه لا يُقبل منه، لم يجبْ عليه، كما حُكِي روايةً عن أحمدَ، وكذا قالَ الأوزاعيُّ: " مَنْ ترى
أن يقبل منك.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَ وْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)
وقد دلَّ القرآنُ على استحلافِ الشهودِ عندَ الارتيابِ بشهادتِهِم في الوصيَّةِ
في السفرِ في قولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضرَ أَحَدَكُمُ
стр. 441
الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكمْ) إلى قوله: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) .
وهذه الآية ُ لم يُنسخ العملُ بها عندَ جمهورِ السلفِ، وقد عَمِلَ بها
أبو موسى، وابن مسعودٍ، وأفتى بها علي، وابنُ عباسٍ، وهو مذهبُ شُريح والنخعيِّ، وابنِ أبي ليلَى، وسفيانَ والأوزاعي وأحمدَ وأبي عُبيدٍ وغيرِهم.
قالُوا: تُقبل شهادةُ الكفار في وصيَّةِ المسلمينَ في السَّفرِ، ويُستحلفانِ مع
شهادتِهِما.
وهل يمينُهُما من بابِ تكميلِ الشهادةِ، فلا يُحكمُ بشهادتِهِما بدونِ
يمينٍ، أم من بابِ الاستظهارِ عند الريبة؟ وهذا محتملٌ، وأصحابُنا جعلُوها
شرطَا، وهو ظاهرُ ما رُويَ عن أبي موسى وغيرِه.
وقد ذهبَ طائفةٌ من السلفِ إلى أنَّ اليمينَ مع الشاهدِ الواحدِ هو من بابِ
الاستظهارِ، فإنْ رأى الحاكمُ الاكتفاءَ بالشَّاهدِ الواحدِ، لبُروزِ عدالتِهِ، وظُهورِ صِدْقه اكتفَى بشهادتِهِ بدون يمينِ الطالبِ.
وقولُهُ تعالى: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) ، يدلُّ على أنَّه إذا ظهر خلَلٌ في شهادةِ الكفارِ، حَلَفَ أولياءُ الميتِ على خيانتِهِمَا وكذبِهِما، واستحقُّوا ما حلَفُوا عليه.
وهذا قولُ مُجاهد وغيرُه من السلفِ.
ووَجْه ذلكَ: أن اليمينَ في جانبِ أقوى المتداعيينِ، وقد قَوِيَتْ هاهنا
دَعْوى الورثةِ بظهورِ كذبِ الشُّهودِ الكفارِ، فتُردُّ اليمينُ على المُدَّعينَ.
ويحلفونَ مع اللَّوْثِ ويستحقُون ما ادَّعَوْهُ، كما يحلفُ الأولياءُ في القَسامةِ مع
اللَّوْثِ، ويستحقّون بذلك الدِّيَةَ والدَّم - أيضًا - عندَ مالكٌ وأحمدَ وغيرِهما.
стр. 442
وقضى ابنُ مسعودٍ في رجلٍ مسلم حضرَهُ الموتُ فأوصَى إلى رجلين
مسلمين معه، وسلَّمهما ما معه مِنَ المالِ، وأشهدَ على وصيَّته كفَّارًا، ثم قدِمَ
الوصيَّانِ، فدفعا بعضَ المالِ إلى الورثةِ، وكتما بعضه، ثمَّ قدِمَ الكفَارُ فشهدُوا عليهم بما كتمُوه منَ المالِ، فدعا الوصيَّينِ المسلمينِ، فاستحلفهُما: ما دفعَ إليهما أكثر ممَّا دفعاهُ، ثم دعا الكفارَ، فشهدُوا وحَلَفوا على شهادتِهِم، ثم أمرَ أولياءَ الميتِ أن يحلفُوا أنَّ ما شهدتْ به اليهودُ والنصارى حقٌّ فحلفوا، فقضى على الوصِيَّينِ بما حلفوا عليه، وكانَ ذلكَ في خلافةِ عثمانَ، وتأوَلَ ابنُ مسعودٍ الآيةَ على ذلكَ، فكأنَّه قابلَ بين يمينِ الأوصياءِ والشُّهود الكفارِ فأسقطَهُما، وبقي مع الورثةِ شهادةُ الكفار، فحلفُوا معها، واستحقُّوا، لأنَّ جانبَهم ترجَّحَ بشهادةِ الكفارِ لهم، فجعلَ اليمينَ مع أقوى المتداعيينِ، وقضَى بها.
* * *
стр. 443
سُورَةُ الأنْعَامِ
قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِي نٍ (٥٩)
[قالَ البخاريُّ] : "باب لا يَدْرِي متَى يجِيءُ المطرُ إلا اللهُ ":
وقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ :
"خمسٌ لا يعْلَمُهُن إلا اللَّهُ ".
حديثُ أبي هريرةَ هذا، قد خرَّجه في كتابِ الإيمانِ في حديثِ سؤالِ
جبريلَ النبيَّ ﷺ عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، وأنّه تلا عند ذلك هذه الآيةَ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) .
وقد تقدم ذكرُه والكلامُ عليه.
حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفُ: نا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ
عمرَ، قال: قالَ النبيُّ ﷺ :
"مفتاحُ الغيْبِ خمْسٌ لا يعلَمُهُا إلاَّ اللَّهُ، لا يعلم أحد
ما يكون في غَد إلاَّ اللَّهُ، ولا يعْلَمُ أحدٌ ما يكون في الأرحام إلاَّ اللَّهُ، ولاتَعْلَمُ نفْس ما تكسبُ غَدًا، وما تَدْرِي نفْسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ، وما يدْرِي أحدٌ متَى يجيءُ المطرُ".
قد سبقَ في البابِ المشارِ إليه: الإشارةُ إلى اختصاصِ اللَّهِ بعلم هذه
стр. 444
الخمسِ، التي هي مفاتحُ الغيبِ، التي قال فيها: (وَعِندَهُ مَفَاتِح الْغَيبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) .
وهذه الخمسُ المذكورةُ في حديثِ ابنِ عمرَ، ليسَ فيها علمُ الساعةِ، بل
فيها ذكرُ متى يجيءُ المطرُ بدلَ الساعةِ.
وهذا مما يدلُّ على أن علمَ اللَّهِ الذي استأثر به دونَ خلْقِهِ لم ينحصرْ في
خمسٍ، بلْ هو أكثرُ من ذلكَ، مثلُ علمِهِ بعددِ خلقِهِ، كما قال:
(وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) .
ومثلُ استئثاره بعلمِهِ بذاتِهِ وصفاتِهِ وأسمائِهِ، كما قال: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ
عِلْمًا) .
وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ - في ذكرِ أسمائِهِ -: "أو استأثرتَ به في علم الغيْبِ
عندك ".
وإنَّما ذُكرَتْ هذه الخمسُ لحاجةِ الناسِ إلى معرفةِ اختصاصِ اللَّهِ بعلمِها.
والعلم بمجموعِها مما اختصَّ اللَّهُ بعلمِهِ، وكذلكَ العلمُ القاطعُ بكلِّ فردٍ فردٍ
من أفرادِها.
وأمَّا الاطّلاع على شيءٍ يسيرٍ من أفرادِها بطريقٍ غيرِ قاطع، بل يحتملُ
الخطأ والإصابةَ هو غيرُ منفيٍّ، لأنه لا يدخلُ في العلم الذي اختصَّ اللَّهُ به.
ونفاهُ عن غير.
وتقدَّمَ - أيضًا - أن النبيَّ ﷺ أوتيَ علمَ كلِّ شيءٍ، إلا هذه الخمسَ.
فأمَّا إطْلاع اللَّهِ سبحانه له على شيءٍ من أفْرادِها، فإنه غيرُ منفي - أيضًا -
стр. 445
وهو داخلٌ في قولِهِ تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) الآية.
ولكنَّ علمَ الساعةِ مما اختصَّ اللَّهُ به، ولم يطلعْ عليه غيرَه، كما تقدَّمَ في
حديثِ سؤالِ جبريلَ للنبيِّ ﷺ .
وكذلك جملةُ العلم بما في غَد.
وقد قالتْ جاريةٌ بحضرتِهِ ﷺ :
وفينا نبيٌّ يعلمُ في ما غَدِ، فنهاها النبيُّ ﷺ عن قولِ ذلك.
وقد خرَّجه البخاريُّ في "النكاح ".
وأما العلمُ بما في الأرحامِ، فينفردُ اللَّهُ تعالى بعلمِهِ، قبلَ أن يأمرَ ملكَ
الأرحامِ بتخليقِه وكتابتِهِ، ثم بعد ذلك قد يُطلعُ اللَهُ عليه من يشاءُ من خلقِهِ، كما أطلَعَ عليه ملكَ الأرحامِ.
فإن كان من الرسلِ فإنَه يطلعُ عليه علمًا يقينًا، وإن كان من غيرِهم مِنَ
الصدِّيقينَ والصالحينَ، فقد يطلعُه اللَّهُ تعالى عليه ظاهرًا.
كما روى الزهريُّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أبا بكرٍ لما حضرتُه الوفاةُ
قال لها - في كلامٍ ذكرَهُ -: إنما هو أخواكِ وأختاكِ.
قالتْ: فقلتُ هذا أخواي، فمن أختاي؟
قال: ذو بطنٍ ابنةُ خارجة، فإني أظنُّها جارية.
ورواه هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالتْ له عند ذلك: إنما هي
أسماءُ؟
فقالَ: وذاتُ بطنٍ بنتُ خارجةَ، أظنُّها جاريةً.
ورواه هشامٌ، عن أبيه: قد أُلْقِيَ في رُوعِي أنَّها جاريةٌ، فاستوصي بها
خيرًا، فولدتْ أمَ كُلثومٍ.
стр. 446
وأما علمُ النفس بما تكسبُه غدًا، وبأيِّ أرضِ تموتُ، ومتى يجيءُ المطرُ.
فهذا على عمومه لا يعلَمُه إلا اللَّهُ.
وأمَّا الاطلاع على بعضِ أفرادهِ، فإنْ كانَ بإطْلاع مِنَ اللَّهِ لبعضِ رسلِهِ.
كان مخصوصًا من هذا العمومِ، كما أُطلِعَ النبيُّ ﷺ على كثيرٍ من الغيوبِ المستقبلةِ، وكان يخبرُ بها.
فبعضُها يتعلقُ بكسبِهِ، مثلُ إخبارِه أنه يَقْتلُ أميَّةَ بنَ خلفٍ، وأخبر سعدُ
ابنُ معاذ بذلك أميةَ بمكةَ، وقال أميَّةُ: واللهِ، ما يكذبُ محمدٌ.
وأكثرُه لا يتعلقُ بكسبِهِ، مثلُ إخباره عن الصورِ المستقبلةِ في أمَّتِهِ وغيرِهِم.
وهو كثير جدا.
وقد أخبرَ بتبوكٍ، أنه "تهبُّ الليلةَ ريح شديدةٌ، فلا يقومَن أحدٌ"، وكان
كذلك.
والاطلاع على هبوبِ بعضِ الرياح نظيرُ الاطلاع على نزولِ بعضِ الأمطارِ
في وقتٍ معينٍ.
وكذلك إخبارُهُ ﷺ ابنته فاطمةَ في مرضِهِ، أنه مقبوضٌ من مرضِهِ.
وقد رُوي عنه ﷺ ، أنَّه قال: "ما بين قبرِي ومنبرى روضة من رياضِ الجنة".
خرَّجه الإمامُ أحمد من حديثِ أبي سعيد الخدريِّ، والنسائيُّ
حديثِ أمَ سلمةَ عن النبيّ ﷺ .
стр. 447
وهو دليلٌ على أنَّه علمَ موضعَ موتِهِ ودفنِهِ.
وقد رُوي عنه، أنه قال: "لم يقبضْ بنبيٌّ إلا دُفنَ حيثُ يُقبضُ ".
خرَّجه ابنُ ماجة وغيرُه.
وأما إطلاع غيرِ الأنبياءِ على بعضِ أفرادِ ذلك فهو - كما تقدَّمَ - لا يحتاجُ
إلى استثنائه؛ لأنه لا يكونُ علمًا يقينًا، بل ظنًا غالبًا، وبعضُه وهمٌ، وبعضُه
حدسٌ وتخمينٌ، وكلُّ هذا ليس بعلم، فلا يحتاجُ إلى استثنائه مما انفردَ اللَّهُ
بعلمِهِ، كما تقدَّمَ، واللَّهُ أعلم.
* * *
قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ: من حديثِ: ابنِ مسعودٍ، قالَ: لمَّا نزلتْ:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) ، قال أصحابُ رسولِ اللَّهِ
ﷺ : أيُّنا لم يظلِمْ نفْسَهُ؟ فأنزلَ اللَّهُ: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .
معنى هذا: أنَّ الظلم يختلفُ:
فيه ظلمٌ ينقل عن الملةِ، كقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .
وقولِهِ تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، فإن الظلمَ وضعُ الشيءِ
في غيرِ موضعه، وأعظمُ ذلك أن يوضعَ المخلوقُ في مقامِ الخالقِ، ويجعلَ
стр. 448
شريكًا له في الربوبيةِ وفي الإلهيّة، سُبْحانه وتعالى عمَّا يشركونَ.
وأكثرُ ما يردُ في القرآنِ وعيدُ الظالمينَ، يرادُ به الكفارُ، كقوله تعالى:
(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) .
وقوله: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ) . ومثلُ هذا كثير.
ويرادُ بالظلم ما لا ينقلُ عن الملةِ، كقولِهِ تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم
مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخيْرَاتِ) ، وقولِهِ: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
وحديثُ ابنِ مسعودٍ هذا: صريحٌ في أنَّ المرادَ بقولِهِ تعالى:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) ، أن الظلمَ هو الشركُ.
وجاء في بعضِ رواياته: زيادةٌ: قال: "إنَّما هو الشركُ!.
وروى حمادُ بن سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ
عباسٍ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كانَ إذا دخلَ بيتَه نشرَ المصحفَ فقرأَ، فدخل
ذاتِ يومٍ فقرأ، فأتى على هذه الآيةِ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)
، إلى آخر الآيةِ، فانتعلَ وأخذَ رداءَه، ثم أتى أُبيَّ بنَ كعبٍ.
فقال: يا أبا المنذرِ، أتيتُ قبلُ على هذهِ الآيةِ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) ، وقد تَرى أنَّا نظلِمُ ونفعلُ؟
فقال: يا أمير المؤمنينَ، إنَّ هذا ليسَ بذلكَ، يقولُ اللَّه تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، إنَّما ذلك الشركُ.
وخرَّجه محمدُ بنُ نصرٍ المروذيُّ.
стр. 449
وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ
ابنِ المسيّبِ، أنَّ عمرَ أتى على هذه الآيةِ - فذكره.
وحمادُ بنُ سلمةَ، مقدَّم على حمادِ بن زيدٍ في علي بنِ زيدٍ خاصةً.
وروى - أيضًا - بإسنادِهِ، عن سفيانَ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، قال:
كفر دونَ كفرٍ، وظلم دونَ ظلم، وفسق دون فسقٍ.
يعني: أن الفسقَ قد يكونُ ناقلاً عن الملةِ، كما قال في حقِّ إبليسَ:
(فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) ، وقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) .
وقدْ لا يكونُ الفسقُ ناقِلاً عن الملة، كقولِهِ تعالى: (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا
شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) ، وقوله في الذين يرمونَ
المحصناتِ: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) .
وقوله: (فَلا رَفثَ وَلا فسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) .
وفسَّرتِ الصحابةُ الفسوقَ في الحجِّ بالمعاصِي كلّها، ومنهُم من خصَّها بما
يُنهى عنه في الإحرامِ خاصةً.
وكذلكَ الشركُ، منه ما ينقلُ عن الملةِ، واستعمالُهُ في ذلكَ كثير في
الكتابِ والسُّنَّةِ، ومنه ما لا ينقلُ، كما جاء في الحديثِ: "من حلفَ بغيرِ اللهِ
فقدْ أشرْكَ ".
وفي الحديثِ: "الشركُ في هذه الأمَة أخفَى من دبيبِ النملِ "،
стр. 450
وسمَّى الرِّياءَ شركًا.
وتأوَّل ابنُ عباسٍ على ذلكَ قولَه تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) ، قال: إنَّ أحدَهُم يشركُ حتَّى يشرك بكلبِهِ: لولا
الكلبُ لسُرِقْنا الليلةَ.
قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) .
وقد رُوي أنها نزلتْ في الرِّياء في العملِ.
وقيل للحسنِ: يشركُ بالله؟
قال: لا، ولكن أشركَ بذلكَ العملِ عملاً
يريدُ به اللَّهَ والناسَ، فذلك يُردُّ عليه.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) .
стр. 451
قال ابنُ الجوزيِّ في "المقتبسِ ": سمعتُ الوزير يقولُ: الآياتُ اللواتي في
الأنعامِ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكمْ) ، محكمات، وقد اتفقتْ
عليها الشرائعُ، وإنما قالَ في الآيةِ الأولى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفي الثانية:
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ) ، وفي الثالثة: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ؛ لأنَّ كلَّ آيةٍ
يليقُ بها ذلكَ، فإنَّه قالَ في الأولى: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) والعقلُ يشهدُ أنَّ
الخالقَ لا شريكَ له، ويدعُو العقلُ إلى برِّ الوالدينِ، ونهى عن قتل الولدِ.
وإتيانِ الفواحشِ؛ لأن الإنسانَ يغارُ من الفاحشةِ على ابنتِهِ وأختِهِ، فكذلكَ
هو، ينبغي أنْ يجتنبَها، وكذلك قتلُ النفسِ، فلما لاقتْ هذه الأمورُ بالعقلِ.
قالَ: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ولما قالَ في الآيةِ الثانيةِ: (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ)
والمعنى: اذكُرْ لو هلكتَ فصارَ ولدُك يتيمًا، واذكُرْ عند ورثتِكَ، لو كنتَ
الموروثَ لهُ، واذكُرْ كيفَ تحبُّ العدلَ لكَ في القولِ؛ فاعدِلْ في حقِّ غيرِكَ.
وكما لا تؤثرُ أن يخانَ عهدُك فلا تخن، فلاقَ بهذهِ الأشياءٍ التذكرُ فقالَ:
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وقالَ في الثالثةِ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمَا) .
فلاقَ بذلكَ اتقاءُ الزللِ، فلذلك قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
* * *
قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)
وقد دلَّ حديثُ أبي سعيدٍ وحديثُ أبي هريرةَ المذكورانِ على أنَّ
مضاعفةَ حسناتِ المسلم بحسبِ حسنِ إسلامِهِ.
стр. 452
وخرَّج ابنُ أبي حازم، من روايةِ عطيةَ العوفيِّ، عن ابنِ عمر، قال:
نزلتْ: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) ، في الأعراب، فقال له
رجل: يا أبا عبدِ الرحمنِ، فما للمهاجرينَ؟
قال: ما هو أكثرُ، ثم تلا قولَه:
(وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) .
ويشهدُ لهذا المعنى: ما ذكره اللَّهُ في حقِّ أزواج نبيَه ﷺ ، فقال: (يَا نِسَاءَ النَّبِي مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ) إلى قوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) .
فدلَّ على أنَّ من عظُمَتْ منزلَتُه عندَ اللَّهِ، فإن عملَه يضاعفُ له أجرةُ.
وقد تأولَ بعضُ السلفِ من بني هاشم دخولَ آلِ النبيِّ ﷺ في هذا المعنى، لدخولِ أزواجِهِ، فكذلك من حَسُن إسلامُهُ بتحقيقِ إيمانِهِ وعملِهِ الصالح، فإنه يضاعفُ له أجرُ عملِهِ بحسبِ حسنِ إسلامه، وتحقيقِ إيمانه وتقواه. واللَّه أعلمُ. ًً
ويشهدُ لذلك: أنَّ اللهَ ضاعفَ لهذه الأمة، لكونها خيرَ أمة أخرجتْ
للناسِ أجرَها مرتينِ، قال اللَّهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) .
وفي الحديثِ الصحيح: "إنَّ أهلَ التوراةِ عمِلُوا إلى نصفِ النهارِ على قيراط
قيراط، وعملَ أهلُ الإنجيلِ إلى العصرِ على قيراط قيراط، وعمِلتُم أنتم من العصرِ إلى
стр. 453
غروبِ الشمسِ على قيراطينِ، فغضبتِ اليهودُ والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثرُ عملاً وأقلُّ أجراً؟
فقال اللَهُ: هل ظلمتُكُمْ من أجورِكُم شيئا؟
قالوا: لا، قال: فذلك فضْلِي أوتيه من أشاءُ".
وأمَّا من أحسنَ عملَه وأتقنَهُ وعمِلَهُ على الحضورِ والمراقبةِ، فلا ريبَ أنه
يتضاعفُ بذلك أجرُه وثوابُهُ في هذا العملِ بخصوصِه على من عمِل ذلك
العملَ بعينِه على وجهِ السهوِ والغفلةِ.
ولهذا؛ رُوي في حديثِ عمَّارٍ المرفوع: "إن الرجل ينصرفُ من صلاِتهِ، وما
كُتبَ له إلا نصفُها، إلا ثلثُها، إلا ربُعُها" حتى بلغَ العُشْر.
فليس ثوابُ من كتبَ له عشرُ عمله كثواب من كتب له نصفُه، ولا ثوابُ
من كُتبَ له نصفُ عمِلِهِ كثوابِ من كتبَ له عملُهُ كلُّه. واللَّهُ أعلم.
* * *
стр. 454
سُورَةُ الأعْرَاف
قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)
أما قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كلِّ مَسْجِدٍ) ، فإنها نزلتْ
بسببِ طوافِ المشركينَ بالبيتِ عُراةً، وقد صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ، وأجمعَ
عليه المفسرونَ من السلفِ بعدَهُ.
وقد ذكرَ اللَّهُ هذه الآيةَ عقِبَ ذكْر قصةَ آدمَ ﵇، وما جرَى له
ولزوجِهِ مع الشيطانِ حتى أخْرجَهُما من الجنةِ، ونزع عنهما لباسهما حتى
بدَتْ عوارتُهما، فقالَ تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) .
ثم قالَ: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) .
والمرادُ بالفاحشةِ هنا: نزع ثيابِهِم عند الطوافِ بالبيتِ، وطوافُهم عراةً كما
стр. 455
كان عادةَ أهلِ الجاهليةِ.
ثم قالَ بعدَ ذلكَ: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) .
والمرادُ بذلكَ: أن يسترُوا عوراتِهِم عندَ المساجدِ، فدخلَ في ذلك الطوافُ
والصلاةُ والاعتكافُ وغيرُ ذلك.
وقال طائفة من العلماءِ: إنَّ الآيةَ تدلُّ على أخذِ الزينةِ عندَ المساجدِ.
وذلك قدرٌ زائدٌ على سترِ العورةِ، وإنْ كان سترُ العورةِ داخلاً فيه وهو سببُ نزولِ الآياتِ، فإنَّ كشْفَ العورةِ فاحشة من الفواحشِ، وسترَها من الزينةِ، ولكنه يشملُ مع ذلكَ لبْسَ ما يُتَجَمَّل به ويُتزيَّن به عند مناجاةِ اللَّهِ وذكرِهِ ودعائِهِ والطوافِ ببيته، ولهذا قال تعالى عقِبَ ذلك: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيبَاتِ مِنَ الرزقِ قلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الذُنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
وروى موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قالَ:
"إذا صلى أحدُكُم فليَلبَسْ ثوبَيْه، فإنَّ اللَّهَ أحق من تُزُيِّنَ له ".
خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه.
وقد روى جماعةٌ هذا الحديثَ عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ أو عن عمرَ بالشك في ذلك.
خرَّجه البزَّارُ وغيرُه.
وخرَّجه أبو داود كذلك بالشكِّ، ولم يذكر فيه: "فإنَّ اللَهَ أحقُّ من تُزيِّنَ له".
стр. 456
وروي ذِكْرُ التزين من قولِ ابنِ عمرَ، فروي عن أيوبَ، عن نافعِ، قال:
رآني ابنُ عمرَ أُصلي في ثوبٍ واحدٍ، قال: ألم أكْسُكَ ثوبين؟
قلتُ: نعمْ، قال: فلو أرسلتُك في حاجةِ كنتَ تذهب هكذا؟
قلتُ: لا، قال: فاللَّهُ أحقُّ أن تَزَيَّن له.
أخرَّجَه الحاكمُ وغيرُه.
والمحفوظُ في هذأ الحديثِ: روايةُ من رواه بالشكِّ في رفْعه - قاله
الدارقطنيُّ.
وممن أمر بالصلاةِ في ثوبينِ: عمرُ، وابنُ مسعودٍ، وقال ابنُ مسعودٍ: إذْ
وسَّع الله فهو أزكى.
واستدلَّ من قالَ: إنَّ المأمورَ به من الزينةِ أكثرُ من ستْرِ العورةِ التي يجب
سترُها عن الأبصارِ، بأنَّ النبيَّ ﷺ نهى أنْ يصلِّي الرجلُ في ثوبٍ واحد ليس على عاتقهِ منه شيءٍ، وبأنَّ من صلَّى عاريًا خاليًا لا تصحّ صلاتُهُ، وبأنًّ المرأة الحرَّة لا تصحّ صلاتُها بدونِ خمارٍ، مع أنه يُباح لها وضعُ خمارِها عند محارمها، فدلَّ على أنَّ الواجبَ في الصلاة أمر زائد على سترِ العورة التي يجبُ سترُها عن النظرِ.
* * *
стр. 457
واعلم، أنَّ الصلاةَ في الثوبِ الحسنِ غير مكروه، إلا أن يُخشى منه
الالتهاءُ عن الصلاةِ أو حدوثُ الكِبْرِ، وقد كان لتميم الداريَ حُلَّةٌ اشتراها
بألف درهم، يقومُ بها الليلَ، وقد كان النبيُّ ﷺ أحيانا يلبس حُللاً من حُللِ اليمنِ، وبُرودًا حسنةً، ولم ينقلْ عنه أنه كانَ يتجنَّب الصلاةَ فيها، وإنَّما ترك هذه الخميصةَ لما وقع له من تلك النظرةِ إلى عَلَمِها، وقد قالَ اللُّهُ :
(خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد) ، وسبق قول ابنِ عمرَ: اللَّهُ أحقُ
أن يُتزيَّن له. وخرَّج أبو داودَ في "مراسيله " من حديثِ عبيدِ اللَهِ بنِ عبدِ
اللَّهِ بنِ عتبةَ، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ - مما تعجبُهُ: الثيابُ النقيةُ والريحُ الطيبةُ.
ولم يزلْ علماءُ السلفِ يلبسونَ الثيابَ الحسنةَ، ولا يعدونَ ذلك كِبرًا.
وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه سُئلَ عن الرجلِ يحبُّ أن يكونَ ثوبه حسنًا ونعلُهُ حسنًا؟
فقال: "ليس ذلك من الكبرِ، إنَّ اللَّهَ جميل يحب الجمالَ ".
وقال جريرُْ بنُ حازمٍ: رأيتُ على الحسنِ طَيْلَسَانًا كُرْدِيًّا حسنا، وخَمِيصَةً
أصبهانيّة جيدة، ذاتَ أعلامٍ خُضر وحُمرٍ، أزرَّتها من إبْرِيسَمُ، وان يرتدي
ببردٍ له يمانٍ أسودٍ مُصَلَّب، وبرد عدني وقباء من برد حَبِرَة، وعمامة سوداء.
وقال حرب: سألت إسحاقَ عن الصلاة في المنديلِ، وأريتُه مِنديلاً له
أعلام خُضْر وخُطُوط؟
فقال: جَائِزٌ.
* * *
стр. 458
وفي "صحيح مسلم" عن ابنِ عباسٍ، قال: كانتِ المرأةُ تطوفُ بالبيتِ
وهي عُريانةٌ، وتقولُ:
اليومَ يبْدُو بعضُهُ أو كلُّه. . . فمَا بَدَا منهُ فَلا أحِلُّهُ
قال: فنزلتِ: (يَا يَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُل مَسْجِدٍ) .
* * *
قوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
قال اللَّهُ تعالى: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)
قال محمدُ بنُ كعبٍ والضحاكُ والسدِّيُّ وغيرُهم:
المهادُ: الفراشُ، والغواشُ: اللحفُ.
وقال الحسنُ في قولهِ تعالى: (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)
قال: فِراشًا ومِهادًا.
وقال قتادةُ: محبسًا حُصروا فيها.
وروى مسكين عن حوشبٍ عن الحسنِ أنه كان إذا ذُكِرَ أهلُ النارِ قال في
وصفِهم: قد حذيت لهم نعالٌ من نارٍ وسرابيلُ من قطرانٍ، وطعامُهُم من
نارٍ، وشرابُهُم من نارٍ وفرشٌ من نارٍ ولُحُف من نارٍ ومساكنُ من نارٍ، في شرِّ
دارٍ وأسوأ عذابٍ في الأجسادِ أكلاً أكلاً، وصهْرًا صهْرًا، وحطْمًا حطْمًا.
وروى داودُ بنُ المحبرِ عن الحسنِ بنِ واصلٍ، وعبدِ الواحدِ بنِ زيدٍ عن
стр. 459
الحسنِ، قال: إنَّ رجلاً من صدرِ هذهِ الأمةِ كانَ إذا دخلَ المقابرَ نادَى:
يا أهلَ القبورِ بعد الرفاهيةِ والنعيم معالجة الأغلالِ في النارِ، وبعد القطنِ والكتانِ لباسُ القطرانِ، ومقطعات للنيرانِ، وبعدَ تلطفِ الخدمِ والحشم، ومعانقة الأزواج، مقارنةُ الشيطانِ في نارِ جهنَم مقرنين في الأصفادِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن وهبِ بنِ منبهٍ، قال: أما أهلُ النارِ الذينَ
هم أهلُها فهم في النارِ لا يهدؤون ولا ينامونَ ولا يموتونَ، ويمشونَ على
النارِ، ويجلسونَ على النارِ، ويشربونَ من صديدِ أهلِ النارِ، ويأكلونَ من
زقومِ النارِ، فرشُهم ولحفهم نار، وقمصُهُم نار وقطران، وتغشى وجوهَهُمُ
النارُ، وجميعُ أهلِ النارِ في سلاسلَ بأيدي الخزنةِ أطرافُها يجذبونَ مقبلينَ
ومدبرينَ، فيسيلُ صديدُهم إلى حفرٍ في النارِ، فذلكَ شرابُهُم، قالَ: ثم بَكَى
وهب حتى سقطَ مغشيًا عليهِ.
وغلبَ بكرُ بنُ خنيسٍ عندَ روايتِهِ هذا الحديثِ البكاءُ حتى قامَ فلم يقدرْ أن يتكلمَ، وبكى محمدُ بنُ جعفرٍ بكاءًا شديدًا.
وبإسنادِهِ عن هدابٍ، قال: أقبلتْ أمُّ يحيى بن زكريا على يحيى في ثوبٍ
تعالجه لَهُ ليلبسه، فقال لها: أفعل، فقالتْ: من أيِّ شيءٍ؟ قالَ من شعرٍ.
قالتْ: يا بنيَّ إذًا يأكلُ لحمَكَ، قال: يا أمَّه، إذا ذكرتُ مقطعاتِ أهلِ النارِ
لانَ عليَّ جِلْدي.
وكان عطاء الخراسانيُّ ينادِي أصحابهُ في السفرِ: يا فلانُ ويا فلانُ قيامُ هذا
الليلِ وصيامُ هذا النهارِ أيسرُ من شراب الصديد ومقطعات الحديد ألواحًا ثم
ألواحًا ثم ألواحًا، ثم يقبلُ على صلاتِهِ.
* * *
стр. 460
قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)
وقال سفيانُ بنُ عيينةَ عن عثمانَ الثقفيِّ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ
في هذهِ الآيةِ، قالَ: ينادِى الرجلُ أخاه إني قد احترقتُ فأفض عليَّ من
الماءِ، فيقال: أجبْهُ، فيقول: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) .
وقال سنيد في "تفسيرِهِ ": حدثنا حجاجُ عن أبي بكر بنِ عبدِ اللَّهِ، قال:
ينادُون أهلَ النارِ: يا أهلَ الجنةِ فلا يُجِيبونَهُم ما شاءَ اللَّه ثم يقالُ: أجيبوهم
وقد قطعَ الرحمُ والرحمةُ، فيقولُ أهلُ الجنةِ: يا أهلَ النارِ عليكم لعنة اللَّهِ، يا أهلَ النارِ عليكُم غضبُ اللَّهِ، يا أهلَ النارِ لا لبَّيكُم ولا سعديكُم، ماذا
تقولون؟ فيقولونَ: ألم نكنْ في الدنيا آباؤكم وأبناؤكم وإخوانُكم وعشيرتُكم؟
فيقولونَ: بلى، فيقولون: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) .
следующие страницы →