Полный текст (1 372 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وخرَّجه النسائيُّ من طريقِ سفيانَ، عن سلمةَ، عن أبي مالكٍ - وعن
عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبْزى، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبْزى، قال:
كنَّا عند عمر - فذكر الحديثَ، وفيه: ثم مسح وجهه وبعضَ ذراعيهِ.
وقد رواه عن سلمةَ بنِ كُهَيْل: شعبةُ، وسفيانُ، والأعْمش، واختُلِفَ
عنهم في إسنادِهِ.
وقد تقدَّمَ: أن في رواية شعبةَ أن سلمةَ شكَّ: هل ذكر فيه الذراعين، أو
الكفين خاصةً، وهذا يدل على أن ذكْرَ الذراعينِ أو بعضهِمَا لم يحفظه
سلمةُ، إنَّما شكَّ فيه، لكنَّه حفظ الكفينِ وتيقنَهُما، كما حفظه غيره.
وعلى تقديرِ أن يكون ذكرُ بعضِ الذراعينِ محفوظا فقد يحملُ على
الاحتياطِ لدخولِ الكوعينِ، أو يكونُ من بابِ المبالغةِ وإطالةِ التَّحجيلِ، كما
فعلَهُ أبو هريرةَ في الوضوءِ، وقد صرَّح الشافعيةُ باستحبابِهِ في التيمم -
أيضًا.
وقد رُويَ عن قتادةَ، قال: حدَّثني محدِّثٌ عن الشعبيِّ، عن عبدِ الرحمنِ
بن أبْزى، عن عمَّارِ بن ياسرٍ، أنَّ رسولَ اللَهِ ﷺ قال: "إلى المرفقين ".
خرَّجه أبو داود.
وهذا الإسنادُ مجهولٌ لا يَثْبُت.
والصحيحُ: عن قتادةَ، عن عزرةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ.
عن عمَّارٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَهُ بالتيمم للوجه والكفينِ.
стр. 387
خرَّجه الترمذيُّ وصححه.
وخرَّجه أبو داود، ولفظُه: أنَ النبي ﷺ أمرَه في التيمم: ضربةً واحدةً للوجه والكفينِ.
وقد روي عن عمَّارٍ، أنَهم تيمَّموا مع النبيِّ ﷺ إلى المناكب والآباطِ: من روايةِ الزهريِّ، عن عُبيد اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن عمَّارٍ، قال: نزلتْ رخصةُ التطهر بالصَّعيد الطيب، فقام المسلمون مع النبي ﷺ ، فضربوا بأيديهم الأرضَ، ثم رفعوا أيديَهم ولم يَقبضوا من الترابِ شيئًا، فمسحوا بها وجوهَهم وأيديَهم إلى المناكبِ، ومن بُطُون أيديهم إلى الآباط.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ.
وقد اختُلِفُ في إسنادِهِ على الزهري:
فقيل: عنه، كما ذكرنا.
وقيل: عنه، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبةَ، عن أبيهِ، عن عمَّارٍ.
كذا رواه عنه: مالكٌ وابنُ عُيْينةَ، وصحَّحَ قولهما أبو زُرعةَ وأبو حازمٍ
الرَازِيَانِ.
وقيل: عن الزِّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عمَّارٍ - مرسلاً.
وهذا حديث منكر جدًّا، لم يزلِ العلماءُ يُنكرونه، وقد أنكَرَهُ الزهريُّ
راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناسُ -: ذكره الإمامُ أحمد وأبو داود
стр. 388
وروي عن الزهريِّ، أنه امتنع أن يُحَدِّث به، وقال: لم أسمعْه إلا من
عُبَيْدِ اللَّهِ، ورويَ عنه، أنه قالَ: لا أدْري ما هو؟!.
وروي عن مكحولٍ، أنه كان يغضبُ إذا حدَّث الزهريُّ بهذا الحديثِ.
وعن ابنِ عُيَيْنة، أنه امتنع أن يُحدِّث به، وقال: ليسَ العملُ عليه.
وسئل الإمامُ أحمدُ عنه، فقالَ: ليسَ بشيء - وقال - أيضًا -: اختلفُوا
في إسنادِهِ، وكانَ الزهريُّ يهابُه، وقال: ما أرى العملَ عليه.
وعلى تقديرِ صحَّتِه، ففي الجوابِ عنه وجهانِ:
أحدهما: أن النبيَّ ﷺ لم يُعلِّمْ أصحابَهُ التيممَ على هذهِ الصفَةِ، وإنَّما فعلوه عند نزولِ الآيةِ، لظنِّهم أن اليدَ المطلقةَ تشملُ الكفينِ والذراعينِ والمَنْكبَيْن والعضدين، ففعلُوا ذلكَ احتياطا كما تمعَّك عمَّار بالأرض للجنابةِ، وظنًّ أنَّ تيمُّمَ الجُنُبِ يعُمُّ البدنَ كلَّه كالغُسلِ، ثم بيَّن النبي ﷺ التيممَ بفعلِهِ.
وقولِه: "التيمم للوجه والكفين " فرجَعَ الصحابةُ كلُّهم إلى بيانِهِ ﷺ ، ومنهم عمَّار راوِي الحديثِ، فإنه أفتى أن التيممَ ضربة للوجهِ والكفينِ، كما رواه حُصينٌ، عن أبي مالكٍ، عنه، كما سبق.
وهذا الجوابُ ذكره إسحاقُ بنُ راهويه وغيره من الأئمةِ.
والثاني: ما قالهُ الشافعيُّ، وأنّه إن كان ذلكَ بأمْرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فهو منسوخ، لأنَّ عمَّارًا أخْبر أن هذا أولُ تيمُّم كان حينَ نزلتْ آيةُ التيمم، فكلُّ تيمَّم كان للنبيِّ ﷺ بعدَهُ مخالفٌ له، فهو له ناسح.
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيرُه من العلماءِ.
وقد حكى غيرُ واحدٍ من العلماءِ عن الزهري، أنَّه كان يذهبُ إلى هذا
стр. 389
الحديثِ الذي رواه.
ورُوي عن عبدِ الوهَّابِ بنِ عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، أن الزُّهريَّ
قال: التيمم إلى الآباط، قال سعيد: ولا يُعجبنا هذا..
قلت: قد سبقَ عن الزهري أنه أنكر هذا القول، وأخبر أن الناس لا
يعتبرونَ به، فالظاهرُ أنه رجع عنه لما علم إجماع العلماءِ على مخالفتِهِ.
واللَّهُ أعلمُ.
وذهبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى أنه ينتهي المسحُ لليدين بالترابِ إلى المرفقينِ.
هذا مروي عن ابنِ عمرَ وجابرٍ - وروي - أيضًا - عن سالم بنِ
عبدِ اللَّه، والشَّعْبيِّ، والحسنِ، والنخَعِيَّ، وقتادةَ، وسفْيانَ، وابن المباركِ.
واللَّيْثِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ.
واستدلَّ بعضُهم: بالأحاديثِ المرفوعةِ المروية في ذلكَ، ولا يثبت منها
شيء، كما سبق الإشارةُ إلى ذلك.
واستدلُّوا - أيضًا -: بأنَّ اللَّه تعالى أمرَ بغسلِ اليدينِ في الوضوءِ إلى
المرفقين، ثم ذكر في التيمم مسحَ الوجهِ واليدينِ، فينصرفُ إطلاقهما في
التيمم إلى تقييدِهِما في الوضوءِ، لا سيَّما وذلكَ في آيةٍ واحده. فهُوَ أولى
منْ حَمْلِ المُطْلَقِ علي المُقَيَّدِ في آيتينِ.
وأجابَ من خالفَهُم: بأن المطلق إنما يحملَ على المقيدِ في قضيةٍ واحدة.
والوضوءُ والتيممُ طهارتانِ مختلفتان، فلا يصحُّ حمْلُ مطلقِ أحدِهما علَّىَ
مقيدِ الآخرِ.
ويدلُّ على ذلك: أن أصحابَ النبيِّ ﷺ عند نزولِ آيةِ التيمم لم يَفهموا
стр. 390
حملَ المطلقِ على المقيدِ فيها، بل تيمَّمُوا إلى المناكبِ والآباطِ، وهم أعلمُ
الناسِ بلُغةِ العربِ، ثم بيَّن النبيُّ ﷺ أن التيممَ للوجهِ والكفينِ، وهو - أيضًا - يُنافي حمْلَ المطلقِ على المقيدِ فيها.
وذهب آخرونَ: إلى أن التيممَ يمسح فيه الكفان خاصةً.
وقد حكى ابنُ المنذرِ لأهلِ هذه المقالةِ قولينِ: أحدهما: يمسحُ الكفين إلى
الرسغينِ، وحكاه عن عليٍّ، والثاني: يمسحُ الكفين مطلقًا، قال: هو قولُ
عطاءٍ، ومكحولٍ، والشعبي، والأوزا عيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ.
قال: وبهذا نقولُ للثابتِ عن نبيِّ الله ﷺ ، أنَّه قال: "التيممُ ضربة للوجهِ والكفينِ ".
قلتُ: هذا يُوهم أن من قالَ بمسح الوجهِ والكفين، أنه لا ينتهي مسحُهُما
إلى الكوعين، وهذا كما حكاهُ ابنُ عطيّة عن الضعبيِّ، كما سبق عنه، وليس
هذا قولُ الأئمةِ المشهورينَ.
وقد روى داودُ بنُ الحُصَيْنِ، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، أنه سُئل عن
التيمم، فقال: إنَّ اللَّهَ قال في كتابِهِ حينَ ذكر الوضوءَ:
(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) ، وقال في التيممِ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكمْ وَأَيدِيكُم منه) ، وقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فكانتِ السُّنةُ في القطع الكفين، إنما هو: الوجهُ والكفينِ - يعني: التيمم.
خرَّجه الترمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريب.
وروى الحكمُ بنُ أبانِ، عن عكرمةَ هذا المعنى - أيضًا.
стр. 391
وكذلك استدلَّ بهذا الدليلِ مكْحُولٌ وأحمدُ وغيرُهما من الأئمةِ، وقالُوا:
إنَّ القطعَ يكونُ من الرُّسْغ، فكذلك التيممُ.
والرسغُ: هو مَفْصل الكفِّ، وله طرفانِ هما عظمانِ، فالذي يلِي الإبهامَ
كوعٌ، والذي يلي الخِنْصرَ كُرسُوعٌ.
ومضمون هذا الاستدلال: أن اليدَ إذا أُطلقتْ انصرفتْ إلى الرُّ سغْ، وإن
قيّدت بموْضِع تقيدتْ به، فلما قيدتْ بالمرفقين في الوضوءِ وجبَ غَسْلُ
الذراعينِ إلى المرفقين، ولما أُطلقتْ في التيمم وجبَ إيصالُ الترابِ إلى
الرسغ، كما تُقطع يدُ السارقِ ويدُ المحاربِ منه.
وكذا قالَ الأوزاعيُّ: التيممُ ضربةٌ للوجهِ والكفينِ إلى الكُوعينِ.
وكذلك نص إسحاقُ على أنَّ التيممَ يبلغ إلى الرسغ، وخطَّأ من قال: لا
يُجزئ ذلك. وقال: الصحيحُ عن النبيِّ ﷺ المعروفُ المشهورُ الذي يرويه الثقة عن الثقة بالأخبارِ الصحيحةِ: أنَّ النبيَّ ﷺ علَّم عمَّارَ بنَ ياسرٍ التيممَ للوجهِ والكفينِ، قال: وعلى ذلكَ كان عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللَّهِ بن عباسٍ، والشعبيُّ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، ومكحُولٌ وغيرُهم، فلا يجوزُ لأحد أن يدَّعي على هؤلاء أنهم لم يعرِفُوا التيممَ.
قال: ولو قالُوا: الذراعين أحبُّ إلينا اختيارًا لكان أشْبَهُ.
وروى حرْبٌ بإسنادِهِ، عن زائدة، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي
مالكٍ، عن عمَّارٍ، أنه غَمَس باطنَ كفَّيْه بالترابِ، ثم نفخ يدَه، ثم مسح
وجهَهُ ويديه إلى المفْصلِ.
وبإسنادِهِ: عن عبدِ العزيزِ بن أبي رَوَّادٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قالَ:
стр. 392
التيممُ ضَرْبَتَانِ: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفَّيْنِ.
قال: وثنا أحمدُ بنُ حنبل: ثنا سليمانُ بنُ حيَّانَ: أبنا حجَّاج، عن عطاءٍ
والحَكَم، عن إبراهيمَ، قال: التيممُ ضربتانِ للكفين والوجهِ.
قال: وثنا محمودُ بنُ خالدٍ: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن حامدٍ وسعيدِ بنِ
بشيرٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: التيممُ ضربة واحدةٌ للوجهِ
والكفين.
قال الوليدُ: وأبنا الأوزاعيُّ، عن عطاءٍ، أنه كان يقولُ في التيمم: مسحة
واحدة للوجهِ، ثم ضربة أخرى لكفَّيْه، وبه يأخذُ الأوزاعيُّ.
وروى حرْبٌ بإسنادِهِ عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، قال: سألتُ الشَّعْبيَّ عن
التيممَ؛ فضربَ بيديه الأرضَ، ثم قرن إحداهما بالأخرى، ثم مسح وجهه
وكفيه.
قال حرْبٌ: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ أحمدَ بنِ حنْبَل، يقول: والتيممُ ضربةٌ
واحدة للوجهِ والكفينِ، يبدأُ بوجههِ، ثم يمسحُ كفَّيهِ إحداهُما بالأخرَى، قيل
له: صحَّ حديثُ عمَّارٍ، عن النبيِّ ﷺ في ذلك، قال: نعَمْ، قد صح.
والقول بأنَّ الواجبَ في التيمم مسحُ الكفينِ فقط: رواية عن مالكٍ، وقول
قديم للشافعيِّ، قال في القديمِ - فيما حكاه البيهقيُّ في "كتابِ المعرفةِ" -:
قد رُوي عن النبيِّ ﷺ في الوجهِ والكفينِ، ولو أعلمُه ثابتًا لم أعدهُ، قال: فإنه ثبت عن عمَّارٍ، عن النبيِّ ﷺ الوجه والكفين، ولم يثبت إلى المرفقينِ، فما يثبت عن النبيِّ ﷺ أولى، وبهذا كان يُفتي سعيدُ بنُ سالمٍ، انتهى.
ومن العلماءِ من قال: الواجبُ مسحُ اليدينِ إلى الكُوعَيْنِ، ويُستحبُّ
стр. 393
مسحُهما إلى المرفقينِ، ولعله مرادُ كثيرٍ من السَّلَفِ - أيضًا - فإنَّ منهم من
رُوي عنه: إلى الكُوعين، وروي عنه: إلى المرفقينِ، كالشعبيِّ وغيرِه، فدل
على أن الكُلَّ عندَهُم جائز.
وهو - أيضًا - رواية عن مالكٍ، وقول وكيع، وإسحاقَ، وطائفةٌ من
أصحابِنا، وحكَوْه روايةً عن أحمدَ، والمنصوصُ عنه يدلُّ على أن ذلك جائزٌ.
لا أنه أفضلُ.
وسيأتي ذكْرُ الضربةِ الواحدةِ، والضربتين فيما بعد - إن شاء اللَّه تعالى.
فإن البخاريَّ أفْرَدَ لذلك بابًا.
* * *
وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أمْرُ الجنبِ إذا لم يجدِ الماءَ بأن يتيمَّمَ ويصلِّي، في حديث عمرانَ بنِ حُصينٍ المتقدمِ، وحديثِ عمَّارٍ، ورويَ - أيضًا - من حديثِ أبي ذرٍّ وغيرِه.
وشُبهةُ المانعينَ: أن اللهَ تعالى قال: (وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَى تغْتَسِلُوا)
، وقال: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّرُوا) - يعني به: الغُسْلَ - ثم
ذكرالتيممَ عند فقْدِ الماءِ بعد ذكره الأحداثَ الناقضةَ للوضُوءِ، فدل على أنَّه
إنَما رخَّصَ في التيمم عثدَ عدمِ الماءِ لمن وُجدتْ منه هذه الأحداثُ، وبقِيَ
الجُنُبُ مأمورًا بالغسلِ بكلِّ حالٍ.
وهذا مردودٌ؛ لوجهينِ:
أحدهما: أنَّ آيةَ الوضوءِ افتتحتْ بذكر الوضوءِ، ثم بغسلِ الجنابةِ، ثم أمرَ
стр. 394
بعد ذلك بالتيمم عند عدمِ الماءِ، فعادَ إلى الحدثينِ معًا.
وإن قيلَ: إنه يعود إلى أحدهما، فعودُه إلى غسلِ الجنابةِ أولى، لأنه أقربُهُما، فأما عودُه إلى أبعدِهِم وهو - وضوءُ الصلاةِ - فممتنعٌ.
وأمَّا آيةُ سورةِ النساءِ، فليسَ بها سوى ذكرِ الجنابةِ، وليسَ للوضوءِ فيها
ذكرٌ، فكيفَ يعودُ التيممُ إلى غيرِ مذكورِ فيها، ولا يعودُ إلى المذكورِ.
والثاني: أنَّ كلتا الآيتينِ: أمر اللَّهُ بالتيمم من جاء من الغائط، ولمَسَ النساءَ أو لم يجد الماءَ، ولَمْسُ النِّساءِ إما أن يراد به الجِماعُ خاصةً، كما قاله ابنُ عباسٍ وغيرُه، أو أنه يدخل فيه الجماعُ وما دونه من الملامسةِ لشهوةٍ كما يقولُه غيرُهُ، فأما أن يُخَصَّ به ما دون الجماع ففيه بُعْدٌ.
ولمَّا أوردَ أبو موسى على ابنِ مسعودٍ الآيةَ تحيَّر ولم يْدرِ ما يقول، وهذا
يدلُّ على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنب كما قاله أبو موسى.
وفي أمْرِ النبيِّ ﷺ الجنبَ العادِمَ للماءِ أن يتيمَّمَ ويصلِّي دليلٌ على أنه ﷺ فهِمَ دخولَ الجنبِ في الآيةِ، وليس بعد هذا شيء.
ورَدُّ ابنِ مسعودٍ تيممَ الجنبِ، لأنه ذريعةٌ إلى التَّيَمُّم عندَ البردِ؛ لم يوافقْ
عليه، لأنَّ النصوصَ لا تُرَدُّ بسدِّ الذرائع، وأيضًا، فيقالُ: إن كان البردُ
يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق.
وقد روى شُعْبةُ، أنَّ مُخارِقًا حدثهم، عن طارق، أنَّ رجلاً أجنبَ فلم
يصلِّ، فأتى النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فقالَ لهُ: "أصَبْتَ "، وأجنب رجل آخرُ فتيمم وصلَّى، فأتاه ﷺ ، فقال له نحوًا مما قال للآخرِ - يعني: "أصَبْتَ ".
стр. 395
خرَّجه النسائيُّ وهو مرسل.
وقد يُحملُ هذا على أنَ الأولَ سأله قبل نزول آيةِ التيمم، والآخرَ سأله
بعد نزولها.
وروى أبو داود الطيالسيُّ، عن شعبةَ، عن الحكم، عن ذَرٍّ، عن ابنِ
أبْزى، عن أبيه أنَّ عمَّارًا قال لعمرَ: أما تذْكُر يا أمير المؤمنين أني كنتُ أنا
وأنت في سَرِيَةٍ فأجنبنا ولم نجدِ الماءَ، فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكتُ
بالترابِ وصليتُ، فلما قدِمنا على رسولِ اللَّهِ ﷺ ذكرنا ذلكَ لهُ، فقالَ: "أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة، وأما أنت يا عمَّارُ فلم يكنْ لكَ أن تتمعك كما تتمعكُ الدابةُ، إنما كان يُجزيك " - وضربَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بيدِهِ إلى الأرضِ إلى
الترابِ، ثم قال: "هكذا"، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفْصل. وليس فيه الذراعان
* * *
قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
ليُتدبرْ ما ذمَّ اللَّهُ به أهلَ الكتابِ من قسوةِ القلوبِ بعد إيتائِهم الكتابَ
ومشاهدتِهِم الآياتِ كإحياءِ القتيلِ المضروبِ ببعضِ البقرةِ، ثم نهينا عن
التشبيهِ بهم في ذلك، فقيل لنا: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) .
стр. 396
وبيَّنَ في موضع آخرَ سببَ قسوةِ قلوبِهِم، فقال: سبحانه: (فَبِمَا نَقْضِهِم
مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) ، فأخبرَ أنَّ قسوةَ قلوبِهِم كانَ
عقوبةً لهُم على نقضِهم مواثيقَ اللَّهِ وعهودِهِ أنْ لا تفعلُوا ذلك.
ثمَّ قال تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكروا بِهِ) .
فذكرَ أنَّ قسوةَ قلوبِهم أوجبتْ لهم خصلتينِ مذمومتينِ:
إحداهما: تحريف الكلم من بعدِ مواضِعِهِ.
والثانية: نسيانُهم حظا ممَّا ذكِّرُوا به، والمرادُ تركُهُم وإهمالُهُم نصيبًا ممَّا ذُكَرُوا به من الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، فنسوا ذلكَ وتركُوا العملَ به وأهملوه.
وهذانِ الأمرانِ موجودانِ في الذين فسدُوا من علمائِنا لمشابهتِهِم لأهلِ
الكتاب:
أحدهما: تحريفُ الكلم، فإنَّ من تفقَّه لغير العملِ يقسُو قلبُه فلا يشتغلُ
بالعملِ، بل بتحريفِ الكلم، وصرفِ ألفاظِ الكتابِ والسنةِ عن مواضِعِها.
والتلطفِ في ذلكَ بأنواع الحيلِ اللطيفةِ، من حمْلِهَا على مجازاتِ اللغةِ
المستبعدَةِ ونحوِ ذلك، والطعنُ في ألفاظِ السنن حيثُ لم يمكنْهم الطعنُ في
ألفاظِ الكتابِ، ويذمُّونَ من تمسَّكَ بالنصوصِ وأجْرَاها على ما يُفهمُ منها
ويسمونه جاهلاً أو حسودًا.
وهذا يوجدُ في المتكلمينَ في أصولِ الدياناتِ، وفي فقهاءِ الرأي، وفي صوفيةِ الفلاسفةِ والمتكلمينَ.
والثاني: نسيانُ حظ مما ذُكِّرُوا به من العلم النافع فلا تتعظُ به قلوبُهم، بل
стр. 397
يذمُّون من تعلَّمَ ما يبُكيه ويرِّقُ به قلبُه ويسمونَهُ قاصا.
ونقلَ أهلُ الرأي في كتبِهِم عن بعضِ شيوخِهِم أنَّ ثمراتِ العلومِ تدلُّ على
شرفِهَا، فمن اشتغلَ بالتفسيرِ فغايتُه أن يقصَّ على الناسِ ويذكرَهم.
ومن اشتغلَ برأيهم وعلمِهِم فإنَّه يفتي ويقضِي ويحكمُ ويدرِّسُ، وهؤلاء لهُم
نصيبٌ من الذين: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مَنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرَةِ هُم غَافِلُونَ) .
والحاملُ لهم على هذا شدَّةُ محبَّتِهم للدنيا وعلوّها ولو أنهم زهِدُوا في
الدنيا ورغِبُوا في الآخرةِ، ونصحُوا أنفسَهُم وعبادَ اللَّهِ لتمسَّكُوا بما أنزلَ اللَّهُ
على رسولِهِ، وألزمُوا الناسَ بذلك، فكان الناسُ حينئذٍ أكثرُهُم لا يخرجونَ
عن التقوى.
فكان يكفِيهم ما في نصوصِ الكتابِ والسنةِ، ومن خرج منهُم
عنها كانَ قليلاً، فكانَ اللَّهُ يقيضُ من يفهمُ من معاني النصوص ما يردُّ به
الخارجُ عنْهَا إلى الرجوع إليهَا ويستغنِي بذلكَ عمَّا ولَّدوه من الفروع الباطنةِ
والحيلِ المحرّمةِ التي بسببهَا انفتحتْ أبوابُ الرياءِ وغيرِه من المحرَّمات.
واستُحِلَّتْ محارمُ اللِّهِ بأدنى الحيل، كما فعلَ أهلُ الكتابِ: (فَهَدَى اللَّه
الَّذِينَ آمَنوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّه يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ) .
* * *
стр. 398
قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)
أما زِنى الثيبِ فأجمع المسلمونَ على أنَّ حَدَّه الرجمُ حتى يموتَ، وقد
رجمَ رسول اللَّهِ ﷺ ماعزًا والغامديّة، وكان في القرآن الذي نُسخَ لفظُهُ:
"والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم ".
وقد استنبطَ ابنُ عباس الرجمَ من القرآنِ من قولِهِ تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) .
قال: فمن كفرَ بالرَّجم، فقد كفرَ بالقرآن من حيثُ لا يحتسب.
ثم تلا هذه الآيةَ وقال: كان الرجمُ مما أخفوا، خرَّجه النسائي، والحاكمُ.
وقال: صحيحُ الإسنادِ.
ويُستنبط - أيضًا - من قولِهِ تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبِيونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) إلى قولهِ تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) .
وقال الزهري: بلغنا أنها نزلتْ في اليهوديَّيْنِ اللَّذيْنِ رجمهما النبيُّ ﷺ قال: "إنِّي أحكمُ بما في النوراةِ" وأمر بهما فرُجِما.
وخرَّج مسلمٌ في "صحيحِهِ " من حديثِ البراءِ بن عازبٍ قصةَ رجمِ
اليهوديينِ، وقال في حديثِهِ: فأنزل اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحزُنك الذِين
يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)
стр. 399
وأنزل: (وَمَن لَّمْ يَحْكم بِمَا أَنزَلَ اللَّه فَأولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، في الكفارِ كلِّها.
وخرَّجه الإمامُ أحمد وعندَهُ: فأنزلَ اللَّهُ: (لا يَحْزنكَ الَّذِينَ يسارِعُونَ فِي
الْكُفْرِ) إلى قولِه: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) ، يقولونَ: ائتوا محمدًا.
فإن أفتاكُم بالتًّحميمِ والجلدِ، فخُذوه، وإن أفتاكُم بالرَّجم، فاحذَرُوا، إلى
قولِهِ: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرونَ) .
قال: في اليهودِ.
ورُوي من حديثِ جابرٍ قصةُ رجم اليهوديينِ، وفي حديثِهِ قالَ: فأنزلَ
اللَّهُ: (فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) إلى قوله: (وَإِنْ حَكمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ) .
وكانَ اللَّهُ تعالى قد أمر أوَّلاً بحبسِ النِّساءِ الزَّواني إلى أن يتوفاهنَّ الموتُ
أويجعلَ اللَّهُ لهن السبيلَ ثم جعلَ اللُّه لهنَّ سبيلاً.
ففي "صحيح مسلمٍ " عن عبادةَ، عن النبيِّ ﷺ قال:
"خُذوا عنِّي خُذوا عنِّي قد جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلاً:
البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائة والرَّجْمُ ".
وقد أخذَ بظاهرِ هذا الحديثِ جماعة من العلماءِ، وأوجبوا جلدَ الثيبِ
مائة، ثم رجمه كما فعل عليّ بشُراحة الهَمْدَانيِّة، وقال: جلدتُها بكتاب اللَّه.
ورجمتُها بسنّة رسولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 400
قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)
كانتْ هذه الآية ُ يشتدُّ منها خوفُ السلفِ على نفوسِهِم فخافُوا أن لا
يكونُوا من المتَّقينَ الذين يُتقبلُ منهم.
وسُئلَ الإمامُ أحمدُ عن معنى "المتقينَ " فيها، فقالَ: يتقي الأشياءَ، فلا يقعُ
فيما لا يحِلُّ له.
* * *
وكان السلفُ يوصونَ بإتقانِ العملِ وتحسينِهِ دون مجردِ الإكثار منه، فإنّ
العملَ القليلَ مع التحسينِ والإتقانِ أفضلُ من الكثيرِ مع عدمِ الإتقانِ.
قالَ بعضُ السلفِ: "إن الرجلينِ ليقومانِ في الصفِّ وبينَ صلاتيهِما كما بينَ
السماءِ والأرضِ، كم بينَ من تصعدُ صلاتُه لها نور وبرهان كبرهان الشمسِ.
وتقولُ: حفظك اللَهُ كما حفظتني، وبينَ من تُلَفّ صلاتُهُ كما يلَفّ الثوبُ
الخَلِق ويضربُ بها وجهُ صاحبِها، وتقولُ: ضيعكَ اللَّهُ كما ضيعتَنِي ".
ولهذا قالَ ابنُ عباسٍ وغيرُهُ: "صلاةُ ركعتين في تفكر خير من قيامٍ ليلةٍ
والقلبُ ساهٍ ".
قال بعضُ السلفِ: "لا يقلُّ عمل مع تقوى، وكيف يقِل ما يُتقبلُ؟ "
يشيرُ إلى قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) ، ولهذا قال من قالَ
من الصحابة: لو علمتُ بأنَّ اللَّهَ قبلَ منَي ركعتينِ كانَ أحبَّ إليَّ من كذا
وكذا، فمن اتًّقى اللَّهَ في العملِ قَبِلهُ منه، ومن لم يتَّقِهِ لم يقبلْهُ منه.
والتقوى في العملِ: أنْ يأتي به على وجهِ إكمالِ واجباتِهِ الظاهرةِ والباطنةِ،
стр. 401
وإن ارتقى إلى الإتيانِ بآدابِهِ وفضائِلِهِ كانَ أكملَ، في الملأ الأعْلَى، ومباهاة
الملائكةِ، وقد يراد بالقبولِ: الثوابُ على العملِ، وإن لم يرضَ به والقبولُ هنا يُراد به: الرضا بالعملِ، والمدحُ لعاملِهِ، والثناءُ عليه، في الملأ الأعلى.
ومباهاة الملائكةِ.
وقد يُرادُ بالقبول: الثوابُ على العملِ، وإن لم يرضَ به ولم يمدحْ عاملُهُ.
فيجازى عليه بأنواع من الجزاءِ، فضلاً من اللهِ وإحسانًا، وإن لم يرضَ عن
عاملِهِ كما رُؤيَ بعضُ المفرطينَ في النومِ فسُئِلَ عن حالِهِ فقالَ: غَفرَ لي
وأعرض عني، وعن جماعة من العلماءِ لم يعملُوا بعلمِهِم.
ويطلقُ القبولُ على إسقاطِ الفرضِ بالعملِ، وإن لم يُثَبْ عليه بثوابٍ غيرِ
سقوطِ العقوبةِ والمطالبةِ بأداءِ الفرضِ بهِ، والعارفون كلهم إنَما يطلبون القبولَ بالوجهِ الأولِ، وهو الرضا، ويخافون من فواتِهِ أشدَّ الخوفِ.
قالَ مالكُ بنُ دينارٍ: "ودِدتُ أنَّ اللَّهَ إذا جمعَ الخلائقَ يقولُ لي: يا مالكُ، فأقولُ: لبيَّكَ، فيأذنُ لي أن أسجدَ بينَ يديهِ سجدةً فأعرفُ أنه قد رضيَ عني، ثم يقولُ: يا مالكُ، كنْ ترابًا اليومَ، فأكونُ ترابًا".
وكان بعضُهم يقولُ في سجودِهِ:
متى ألقاكَ وأنتَ عنَي راضِ. . . وعذبتني بكثرةِ الإعراضِ
وأعتاضُ ولستُ عنه بالمعتاضِ. . . يا من بوصالِهِ شفى أمراضي
هل أنتَ عليَّ ساخطٌ أم راضِ
رضاه أكبرُ من الجنةِ ونعيمِهَا فليسَ للعارفينَ همٌّ سواهُ.
لعلك غضبان وقلبِي غافلٌ. . . سلامٌ على الدارينِ إن كنتَ راضِيًا
стр. 402
قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)
قول اللَّه : (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) يدلُّ على أنّه إنما يباحُ
قتلُ النفسِ بشيئينِ: أحدهما: بالنفسِ، والثانِي: بالفسادِ في الأرض.
ويدخلُ في الفسادِ في الأرضِ: الحرابُ والرِّدَّةُ والزنى، فإنَّ ذلكَ كلَّه فسادٌ
في الأرضِ، وكذلكَ تكرر شربِ الخمرِ والإصرارِ عليه هو مظنةُ سفكِ الدماءِ
المحرمةِ.
وقد اجتمعَ الصحابة في عهدِ عمرَ على حدِّه ثمانينَ، وجعلُوا
السكرَ مَظِنَّة الافتراءِ والقذفِ الموجبِ لجلد الثمانين.
ولمَّا قدِمَ وفدُ عبدِ القيسِ على النبيِّ ﷺ ، ونهاهُم عن الأشربةِ والانتباذِ في الظُّروفِ قال:
"إن أحدكم ليقومُ إلى ابنِ عمِّه - يعني: إذا شربَ - فيضربه بالسَّيْفِ ".
وكان فيهم رجلٌ قد أصابته جراحةٌ من ذلك، فكانَ يخبؤها حياءً
من النبيِّ ﷺ .
فهذا كلُّه يرجِعُ إلى إباحةِ الدَّمِ بالقتلِ إقامةً لمظان القتلِ مقامَ حقيقته، لكنْ
هلْ نُسِخَ ذلكَ أم حكْمُهُ باقٍ؟ هذا هو محلُ النزاع.
* * *
قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ: من حديثِ: مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن
стр. 403
عطاءِ بنِ يسارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "أُرِيتُ النَّارَ، فرأيتُ أكثرَ أهلها النساءَ، بِكُفْرِهِنَّ "، قيل: أيكفرن؟
قال: "يكفرنَ العشيرَ، ويكفُرْنَ الإحسانَ، لو أحسنْتَ إلى إحداهن الدهر، ثم رأتْ منك شيثًا، قالتْ: ما رأيتُ منكَ خيرًا قطّ ".
وقال البخاريّ: كُفْر دونَ كُفْرٍ.
والكفرُ، قد يطلق ويرادُ به الكفرُ الذي لا ينقلُ عن الملةِ، مثلُ كفرانِ
العشيرِ ونحوِه.
وهذا عندَ إطلاقِ الكفر، فأمَّا إن وردَ الكفرُ مقيدًا بشيء، فلا إشكالَ في
ذلكَ، كقولِهِ تعالى: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ) .
وإنَّما المرادُ هاهُنا: أنه قد يَرِدُ إطلاقُ الكفرِ، ثم يفسَّر بكفرٍ غير ناقلٍ عن
الملة.
وهذا كما قالَ ابنُ عباسٍ، في قولِهِ تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافرُونَ) ، قال: ليسَ بالكفرِ الذي يذهبونَ إليه، إنه
ليس بكفرٍ ينقلُ عن الملةِ، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ) ، كفر دونَ كفرٍ.
خرَّجه الحاكم.
وقال: صحيحُ الإسنادِ.
وعنه في هذه الآيةِ، قال: هو به كُفْرٌ، وليس كَمَنْ كَفَرَ باللَّه وملائكتِهِ
وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخرِ.
стр. 404
وكذا قال عطاءٌ وغيرُه: كفرٌ دونَ كفر.
وقال النخعيُّ: الكفر كفرانِ: كفرٌ باللهِ، وكفرٌ بالمُنْعِم.
واستدلَّ البخاريُّ لذلكَ بحديثِ ابنِ عباسٍ الذي خرَّجه هاهُنا، وهو قطعةٌ
من حديثٍ طويلٍ، خرَّجه في "أبواب الكسوفِ "، فإنَّ النبيَّ ﷺ أطلقَ على النِّساءِ الكفرَ، فسئلَ عنه، ففسَّرَه بكفرِ العشيرِ.
وحديثُ أبي سعيدٍ في هذا المعنى يشبه حديثَ ابنِ عباسٍ.
وقد خرَّج هذا المعنى من حديثِ ابنِ عمرَ، وأبي هريرةَ - أيضًا.
وفي المعنى - أيضًا -: حديثُ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "سبابُ المسلم فسوق وقتالُهُ كفرٌ".
وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعِ آخرَ.
وكذلكَ قوله ﷺ :
"لا ترجعُوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ ".
وقولُهُ: "من قالَ لأخيهِ: يا كافرُ، فقدْ باءَ بها أحدُهُما".
وللعلماء في هذه الأحاديثِ - وما أشبهها - مسالك متعددةٌ:
منهم: من حَمَلَها على من فعلَ ذلكَ مستحلاً لذلكَ.
وقد حملَ مالكٌ حديثَ: "من قال لأخيه: يا كافرُ" على الحَرُوريَّةِ، المعتقدينَ
لكفر المسلمينَ بالذنوبِ - نقلَهُ عنه أشهبُ.
стр. 405
وكذلك حملَ إسحاقُ بنُ راهويه حديثَ: "من أتى حائضًا - أو امرأةً - في
دُبُرها فقد كفر" على المستحل لذلكَ: نقله عنه حربٌ وإسحاقُ الكوسجُ.
ومنهم: من يحملُها على التغليظِ والكفر الذي لا ينقلُ عن الملةِ، كما
تقدَّمَ عن ابنِ عباس وعطاءٍ.
ونقلَ إسماعيلُ الشالنجي عن أحمدَ، وذُكِرَ له قولُ ابنِ عباسٍ المتقدمُ.
وسأله: ما هذا الكفرُ؟
قال أحمدُ: هو كفر لا ينقلُ عن الملةِ، مثلُ الإيمانِ
بعضُه دونَ بعضٍ، فكذلك الكفرُ، حتى يجيءَ من ذلكَ أمرٌ لا يختلفُ فيه.
قال محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ:
واختلفَ من قالَ من أهلِ الحديثِ: إن مرتكبَ الكبائرِ مسلم وليسَ بمؤمنٍ: هل يسمَّى كافرًا كفرًا لا ينقلَ عن الملةِ؟
كما قال عطاءٌ: كفر دون كفرٍ، وقالَ ابنُ عباس وطاووسُ: كفرٌ لا ينقلُ عن الملةِ؛ على قولينِ لهم.
قالَ: وهما مذهبانِ في الجملةِ محكيانِ عن أحمدَ بنِ حنبلِ، في موافقيه
من أهلِ الحديثِ.
قلتُ: قد أنكرَ أحمدُ - في روايةِ المرُّوذيِّ - ما رُوي عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو
أنَّ شاربَ الخمرِ يسمَّى كافرًا، ولم يُثْبِتْه عنه، مع أنَّه قد رُوي عنه من وجوهٍ
كثيرةٍ، وبعضُها إسنادُهُ حسن.
ورُوي عنه مرفوعًا.
وكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جوازَ إطلاقِ كفرِ النعمةِ على أهلِ الكبائرِ.
ونصبَ الخلافَ في ذلك معَ الزيديةِ من الشيعةِ والإباضيةِ من الخوارج.
стр. 406
وروايةُ إسماعيلَ الشالنجيِّ عن أحمدَ قد توافقُ ذلك، فمن هنا حكى
محمدُ بنُ نصر عن أحمدَ في ذلك مذهبينِ.
والذي ذكرهُ القاضي أبو عبد اللَّهِ بنُ حامدٍ شيخُ القاضي أبي يعلى، عن
أحمدَ: جوازُ إطلاقِ الكفرِ والشركِ على بعضِ الذنوبِ التي لا تخرجُ عن
الملةِ، وقد حكاهُ عن أحمدَ.
وقد رُوي عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنه سئلَ: هل كنتُم تسمونَ شيئًا منَ
الذنوبِ الكفر أو الشركَ؟
قال: معاذَ اللَّهِ، ولكنَّا نقولُ: مؤمنينَ مذنبينَ.
خرَّجه محمدُ بنُ نصر وغيرُهُ.
وكان عمَّارٌ ينهى أن يقال لأهلِ الشامِ الذين قاتلوهم بصفِّينْ كفروا.
وقال: قولُوا: فسقُوا، قولُوا: ظلموا.
وهذا قولُ ابنِ المباركِ، وغيرِه من الأئمةِ.
وقد ذكرَ بعضُ الناسِ أن الإيمانَ قسمانِ:
أحدُهما: إيمانٌ باللَّهِ، وهو الإقرارُ والتصديقُ به.
والثاني: إيمانٌ للَّه، فنقيضُ الإيمانِ الأولِ الكفرُ، ونقيضُ الإيمانِ الثاني:
الفسقُ، وقد يسمَّى كفرًا، ولكن لا ينقلُ عن الملةِ.
وقد وردتْ نصوصٌ، اختلفَ العلماءُ في حملِهَا على الكفرِ الناقلِ عن
الملةِ، أو على غيره، مثلُ الأحاديثِ الواردةِ في كفرِ تاركِ الصلاةِ.
وتردَّدَ إسحاقُ بنُ راهويهِ فيما وردَ في إتيانِ المرأةِ في دُبُرها، أنه كفرٌ: هلْ
هو مُخرِجٌ عن الدِّينِ بالكليَّة ِ، أم لا؟
стр. 407
ومن العلماءِ: من يتوقَّى الكلامَ في هذه النصوصِ تورعًا، ويمرُّها كما
جاءتْ من غيرِ تفسيرٍ، مع اعتقادِهِم أنَّ المعاصي لا تخرجُ عن الملةِ.
وحكاه ابنُ حامدٍ روايةً عن أحمدَ.
ذكرَ صالحُ بنُ أحمدَ وأبو الحارثِ: أنَّ أحمدَ سُئل عن حديثِ أبي بكرٍ
الصديقِ: كفر باللَّه تبرِّي من نسبٍ وإنْ دق، وكفر باللَّهِ ادعاء إلى نسبٍ لا
يُعلَمُ.
قالَ أحدُهما: قالَ أحمدُ: قد رُوي هذا عن أبي بكرٍ، واللَّهُ أعلمُ، وقال
الآخرُ: قالَ: ما أعلمُ، قد كتبنَاها هكذَا.
قالَ أبو الحارثِ: قيل لأحمدَ: حديثُ أبي هريرةَ: "من أتى النساءَ في
أعجازِهِنَّ فقد كفر" فقال: قد رُوي هذا، ولم يزِدْ على هذا الكلامِ.
وكذا قالَ الزهريُّ، لمَّا سُئلَ عن قولِ النبيِّ ﷺ : "ليس منَّا من لطمَ الخدودَ"
وما أشبهه من الحديثِ - فقالَ: من اللَّه العلمُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التسليمُ.
ونقلَ عبدوسُ بنُ مالكٍ العطارُ، عن أحمدَ، أنه ذكر هذه الأحاديثَ التي
وردَ فيها لفظُ الكفرِ، فقال: نسلِّمُها، وإن لم نعرفْ تفسيرَها، ولا نتكلَّمُ
فيه، ولا نفسرُها إلا بما جاءتْ.
ومنهم: من فرَّقَ بين إطلاقِ لفظِ الكفرِ، فجوَّزه في جميع أنواع الكفرِ.
سواء كان ناقلاً عن الملةِ أو لم يكنْ، وبين إطلاقِ اسم الكافرِ، فمنعَهُ، إلا
стр. 408
في الكفرِ الناقلِ عن الملةِ، لأنَّ اسمَ الفاعلِ لا يُشتقُّ إلا من الفعلِ الكاملِ.
ولذلكَ قالَ في اسم المؤمنِ: لا يقالُ إلا للكاملِ الإيمانِ، فلا يستحقُّه من
كان مرتكبًا للكبائرِ حال ارتكابِهِ، وإن كان يقالُ: قد آمنَ، ومعه إيمان.
وهذا اختيارُ ابنِ قتيبةَ.
وقريبٌ منه: قولُ من قالَ: إنَّ أهل الكتابِ، يقالُ: إنهم أشركوا، وفيهم
شِرْكٌ، كما قال تعالى: (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، ولا يدخلون في
اسم المشركينَ عند الإطلاقِ، بل يفرَّقُ بينهم وبينَ المشركينِ، كما في قولِهِ
تعالى: (لَمْ يَكنِ الَّذِينَ كفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكتَابِ وَالْمُشْرِكينَ) ، فلا تدخلُ
الكتابيّةُ في قولِهِ تعالى: (وَلا تَنكِحوا الْمشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) .
وقد نصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ.
وكذلك كرِه أكثرُ السلفِ، أن يقولَ الإنسانُ: أنا مؤمنٌ، حتى يقولَ: إن
شاءَ اللَّهُ، وأباحُوا أن يقولَ: آمنتُ باللَّهِ.
وهذا القول حسنٌ، لولا ما تأوَّله ابنُ عباسٍ وغير في قولِهِ تعالى:
(وَمَن لَّمْ يَحْكم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرونَ) ، واللَّهُ أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)
وأما النَفْسُ بالنفسِ، فمعناه: أن المكلَّف إذا قتل نفسًا بغيرِ حقٍّ عمدًا، فإنه
стр. 409
يُقْتَلُ بها، وقد دلَّ القرآنُ على ذلكَ بقولِهِ تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) .
ويُستثنى من عُمومِ قولِهِ تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ، صُور:
منها: أن يقتلَ الوالدُ ولدَه، فالجمهورُ على أنّه لا يُقْتَلُ به.
وصحَّ ذلك عن عُمرَ.
وروي عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ متعدِّدةٍ.
وقد تُكُلِّمَ في أسانيدِها.
وقال مالكٌ: إنْ تعمَّدَ قتله تعمدًا لا يشكُّ فيه، مثل أن يذبَحَهُ، فإنه يُقتلُ به، وإن حذفَهُ بسيفٍ أو عصا، لم يقتلَ، وقال البتِّي: يقتلُ بقتلِهِ بجميع وجوهِ
العمدِ للعموماتِ.
ومنها: أن يقتلَ الحرُّ عبدًا فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به، وقد وردتْ في
ذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ.
وقيل: يقتلُ بعبدِ غيرِهِ دون عبدِهِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِهِ.
وقيل: يقتلُ بعبده وعبدِ غيره، وهو رواية عن الثوري.
وقولُ طائفةٍ من أهلِ الحديثِ، لحديث سمرةَ عن النبيِّ ﷺ : "من قَتَلَ عبدَهُ، قتلناهُ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ "
وقد طعن فيه الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ.
وقد أجمعُوا على أنَّه لا قصاصَ بين العبيدِ والأحرارِ في الأطرافِ، وهذا
يدلُّ على أنَّ هذا الحديثَ مطرحٌ لا يُعمل به، وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ
المرادَ بقولِهِ تعالى: (النَّفْسَ بِالنفْسِ) ، الأحرار، لأنه ذكرَ بعدَهُ
القصاصَ في الأطرافِ وهو يختصّ بالأحرارِ.
стр. 410
ومنها: أن يَقتُلَ المسلمُ كافرًا، فإن كان حربيًّا لم يقتلْ به بغير خلافِ، لأنَّ
قتل الحربيِّ مباحٌ بلا ريب، وإن كان ذميًّا أو معاهدًا، فالجمهورُ على أنَّه لا
يقتلُ بهِ - أيضًا، وفي "صحيح البخاريِّ " عن علي عن النبيِّ ﷺ قال:
"لا يقتلُ مسلمٌ بكافرٍ".
وقال أبو حنيفةَ وجماعةٌ من فقهاءِ الكوفيين: يُقتلُ به، وقد روى ربيعةُ عن
ابن البيلماني عن النبيِّ ﷺ أنه قتلَ رجلاً من أهلِ القبلةِ برجلٍ من أهلِ الذمَّة، وقال: "أنا أحقّ من وفَّى بذمَّته "
وهذا مرسل ضعيف قد ضعَّفه الإمامُ أحمدُ، وأبو عبيد، وإبراهيمُ الحربيُّ، والجوزجانيُّ، وابنُ المنذرِ والدارقطنيُّ.
وقال: ابن البيلمانيّ: ضعيف لا تقومُ به حجة إذا وصلَ الحديثَ، فكيف بما
يرسلُه؛ وقال الجوزجاني: إنَّما أخذه ربيعةُ عن إبراهيمَ بن أبي يحيى عن ابنِ
المنكدرِ عن ابن البيلمانيِّ، وابنِ أبي يحيى متروك الحديثِ.
وفي "مراسيلِ أبي داودَ" حديثٌ آخرُ مرسلٌ أن النبيَّ ﷺ قتلَ يومَ خيبر مسلمًا بكافرٍ قتله غيلةً، وقال: "أنا أوْلى وأحقّ من وفَّي بذمَّتِهِ ".
وهذا مذهبُ مالكٍ وأهلِ المدينةِ أن القتلَ غيلة لا تُشرط له المكافأة، فيُقْتَلُ فيه المسلمُ بالكافرِ، وعلى هذا حملُوا حديثَ ابنِ البيلمانيِّ أيضًا على تقدير صحَّته.
ومنها: أن يقتلَ الرجلُ امرأةً فيُقتل بها بغيرِ خلاف، وفي كتابِ عمرِو بنِ
حزمٍ عن النبيِّ ﷺ أنَّ الرجُلَ يقتلُ بالمرأةِ.
وصحَّ أنَّه ﷺ قتل يهوديًا قتلَ جارية ".
стр. 411
وأكثرُ العلماءِ على أنَّه لا يُدفع إلى أولياءِ الرجلِ شيءٌ.
وروي عن عليٍّ أنَّه يدفع إليهم نصف الدِّيَة، لأنَّ دية المرأة نصفُ دية الرجل وهو قولُ طائفةٍ من السلفِ وأحمدَ في رواية عنه.
* * *
قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)
[قالَ البخاريُّ] : وقال ابنُ عباسٍ: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، سبيلاً
وسُنَّة.
هذا، من روايةِ أبي إسحاقَ، عن التميمي، عن ابنِ عباسٍ، قال:
(شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، سبيلاً وسُنَّة.
ومعنى قولِ ابنِ عباسٍ: أنَّ المنهاجَ هو السُّنَّة، وهو الطريقُ الواسعةُ
المسلوكةُ، المداوَمُ عليها.
والشِّرْعةُ، هي السبيلُ والطريقُ المُوصلُ إليها، فهي كالمدخلِ إليها.
كمشْرَعةِ الماءِ، وهي المكانُ الذي يُورَدُ الماءُ منه.
ويقالُ: شَرعَ فلان في كذا، إذا ابتدأ فيه، وأنْهَجَ البِلى في الثوبِ، إذا
اتَّسع فيه. وبذلكَ فرَّق طائفة من المفسرينَ وأهلِ اللُّغة بين الشِّرعة والمنهاج، منهم: الزجاجُ وغيرُه.
* * *
стр. 412
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)
علامات المحبة الصادقة: التزامُ طاعةِ اللَّهِ تعالى، والجهادُ في سبيله.
واستحلاءُ الملامةِ في ذلك، واتباعُ رسولِهِ.
قال اللَّهُ جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) .
وقال تعالى: (قُلْ إِن كُنتمْ تًحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعونِي يُحْبِبْكمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكمْ ذنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ) .
فوصفَ اللَهُ سبحانه المحبينَ له بخمسةِ أوصافٍ:
أحدها: الذِّلةُ على المؤمنين، والمرادُ لِينُ الجانبِ وخفضِ الجناح والرأفةِ
والرحمةِ للمؤمنينَ، كما قال تعالى لرسولِهِ: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ) ، ووصفَ أصحابَه بمثلِ ذلك في قولِهِ: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، وهذا يرجعُ إلى أن
المحبينَ للَّهِ يحبونَ أحباءَهُ ويعودونَ عليهم بالعطفِ والرأفةِ والرحمةِ، وقد
سبقَ في البابِ الأولِ بيانُ ذلكَ.
الثاني: العزةُ على الكافرينَ، والمرادُ الشّدَةُ والغلظةُ عليهم، كما قالَ تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ، وهذا يرجعُ إلى
أنَّ المحبينَ لهُ يبغضونَ أعداءَه، وذلك من لوازِمِ المحبةِ الصادقةِ، كما سبقَ
стр. 413
تقريرُه أيضًا.
الثالث: الجهادُ في سبيلِ اللَّه، وهو مجاهدةُ أعدائِهِ باليدِ واللسانِ، وذلك
أيضًا من تمامِ معاداةِ أعداءِ اللَّه الذي تستلزمُه المحبةُ، وأيضًا فالجهادُ في سبيلِ
اللَّه فيه دعاءُ الخلقِ إلى اللَّهِ وردُّهم إلى بابِه بالقهرِ لهم والغلبة، كما قال
تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) .
قال مجاهدٌ وغيرُهُ: يعني كنتُم خيرَ الناسِ للناسِ، فخيرُ الناس للناسِ
أنفعُهُم لهم، ولا نفعَ أعظمُ من الدعاءِ إلى التوحيد والطاعةِ والنهي عن
الشركِ والمعصيةِ، وسُئلَ الحسنُ البصريُّ عن رجلٍ له أمٌّ فاجرةٌ فقال: "يقيَدُها فما وصلَها بشيء أعظم من أن يكفَّها عن معاصي اللَّهِ تعالى".
قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: سمعتُ رجلينِ من الزُّهادِ يقول أحدُهها للآخرِ:
"يا أخي، ما ورثَ أهلَ المحبةِ محبّتهُم؟ "
قال: فأجابه الآخرُ: "ورِثُوا النظرَ بنورِ اللَّهِ والعطفَ على أهلِ معاصِي اللَّهِ " قال: فقلتُ له: "كيفَ يعطفُ على قويم قد خالَفوا أمرَ محبوبِهِم؟ "
فقال: "مقتَ أعمالَهم وعطَفَ عليهم ليزيلَهم بالمواعظِ عن فِعالِهِم وأشْفقَ على أبدانِهِم من النارِ، لا يكونُ المؤمنُ مؤمنًا حقًّا حتى يَرضى للناسِ ما يرضاهُ لنفْسِهِ ".
الرابع: أنهم لا يخافون لومةَ لائم، والمرادُ أنهم يجتهدونَ فيما يرضى به من
الأعمالِ ولا يبالونَ بلومةِ من لامَهُم في شيءٍ منه إذا كان فيه رِضا ربِّهم.
وهذا من علاماتِ المحبةِ الصادقةِ، إنَّ المحبَّ يشتغلُ بما يرضى به حبيبُه
ومولاه، ويستوِي عنده مَنْ حَمَدهُ في ذلكَ أو لامَهُ، وفي هذا المعنى يقولُ
بعضُهم:
стр. 414
وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ. . . فليسَ لي متأخرٌ عنه ولا متقدَّمُ
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً. . . حبًّا لذكرِكِ فلْيلُمْني اللُّوَمُ
الخامس: متابعةُ الرسولِ ﷺ وهو طاعتُه واتباعُه في أمر ونهيهِ.
قال مباركُ بنُ فضالةَ عن الحسنِ: كان ناسٌ على عهدِ النبيِّ ﷺ يقولونَ: "يا رسولَ اللَّه، إنَّا نحبُّ ربَّنا حبًا شديدًا"
فأحبَّ اللَّه أن يجعلَ لحبِّه عَلَمًا، فأنزلَ اللَّهُ ﵎: (قُلْ إِن كُنتمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَاتَّبِعونِي يحْبِبْكمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لكمْ ذنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيمٌ) .
وقد قرنَ اللَّهُ بين محبَّته ومحبة رسولِهِ في قولِهِ: (أَحَبَّ إِلَيكُم مِنَ اللهِ
وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَى يَأتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ) ، وكذلك وردَ في
السّنَّة في أحاديثَ كثير جدًّا، سبقَ ذكرُ بعضِهَا والمرادُ أنَّ اللَّه تعالى لا توصلُ
إليه إلا من طريقِ رسولِهِ ﷺ باتباعِهِ وطاعتِهِ.
كما قال الجنيدُ وغيرُه من العارفين: "الطرقُ إلى اللَّهِ مسدودةٌ إلا من اقتفى
أثرَ الرسولِ ﷺ .
وكلامُ أئمة العارفين في هذا البابِ كثيرٌ جدًّا.
قال إبراهيمُ بنُ الجنيدِ: يقالُ: علامةُ المحبِّ على صدقِ الحبِّ ستُّ
خصال:
أحدها: دوامُ الذكر بقلبِهِ بالسرورِ بمولاه.
والثانيةُ: إيثارُه محبةَ سيدهِ على محبةِ نفسِهِ ومحبةِ الخلائقِ، يبدأُ بمحبةِ
مولاهُ قبل محبةِ نفسه ومحبةِ الخلائقِ.
стр. 415
والثالثةُ: الأُنسُ به والاستثقالُ لكلِّ قاطع يقطعُ عنه، أو شاغلٍ يشغلُهُ عنه.
والرابعةُ: الشوقُ إلى لقائهِ والنظرُ إلى وجهِهِ.
الخامسةُ. الرِّضا عنه في كلِّ شديده وضر ينزلُ به.
والسادسةُ: اتباعُ رسولِهِ ﷺ .
ومحبةُ الرسولِ ﷺ على درجتينِ:
إحداهما فرضٌ: وهي المحبةُ التي تقتِضي قبولَ ما جاء به الرسول ﷺ من عندِ اللَّهِ وتلقِّيه بالمحبةِ والرِّضا والتعظيم والتسليم وعدمِ طلبِ الهدى من غيرِ طريقِهِ بالكليَّة ِ، ثم حسنُ الاتباع له فيما بلَّغه عن ربِّه من تصديقِهِ في كلِّ ما أخبر به، وطاعتِهِ فيما أمر به من الواجباتِ، والانتهاءِ عمَّا نهى عنه من المحرَّماتِ، ونصرةِ دِينِهِ والجهادِ لمن خالفَهُ بحسبِ القدرةِ، فهذا القدرُ لا بدَّ منه ولا يتمُّ الإيمانُ بدونِهِ.
والدرجة الثانية فضل: وهي المحبةُ التي تقتضي حسنَ التَّأسِّي بهِ وتحقيقَ
الاقتداءِ بسنتِهِ في أخلاقِهِ وآدابِهِ ونوافلِهِ وتطوعاتِهِ وأكلِهِ وشربِهِ ولباسِهِ وحسنِ معاشرتِهِ لأزواجِهِ وغيرِ ذلك من آدابِهِ الكاملةِ وأخلاقِهِ الطاهرةِ، والاعتناءَ بمعرفةِ سيرتِهِ وأيامه، واهتزازَ القلبِ عند ذكره، وكثرةَ الصلاةِ عليه لما سكنَ في القلبِ من محَبَّتَه وتعظيمِهِ وتوقيره، ومحبةَ استماع كلامِهِ، وإيثارَهُ على كلامِ غيرِه من المخلوقينَ.
ومن أعظم ذلكَ الاقتداءُ به في زهدِهِ في الدُّنيا والاجتزاءِ باليسيرِ منها
ورغبتِهِ في الآخرةِ.
قال سهل التستريُّ: من علاماتِ حبِّ اللَّهِ حبُّ القرآن، وعلامة حبِّ اللَّه
стр. 416
وحبِّ القرآنِ حبُّ النبيِّ ﷺ ، وعلامةُ حبِّ النبيِّ ﷺ حبُّ السنَّةِ، وعلامةُ حبِّ السنةِ حبُّ الآخرةِ، ومن علامةِ حبِّ الآخرة بغضُ الدنيا، وعلامةُ
بغضِ الدنيا أن لا يأخذَ منها إلا زادًا يبلِّغُه إلى الآخرةَ.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)
ففي هذه الآيةِ إشارة إلى أنَّ منْ أعرض عن حبِّنا، وتولَّى عن قربِنا، لم
نبالِ بهِ، واستبدلْنَا به من هوَ أوْلَى بهذهِ المنحةِ منه وأحقُّ، فمن أعْرَضَ عنِ
اللَّهِ، فما له منَ اللَّهِ بدَلاً، وللَّهِ منه أبدالٌ.
ما لي شُغل سواه ما لي شُغلُ. . . ما يَصرِفُ عن هواه قلبِي عذلُ
ما أصنعُ إن جَفا وخابَ الأملُ. . . منِّي بدل ومنه ما لي بدَلُ
وفي بعضِ الآثارِ: "يقولُ اللَّهُ : ابنَ آدمَ، اطلبنِي تجدْنِي، فإنْ وجدتَّني، وجدتَ كُلَّ شيء، وإن فُتُّكَ، فاتَكَ كلُّ شيء، وأنا أَحبُّ إليك من كلِّ شيء".
كان ذو النونِ يردِّدُ هذه الأبياتِ بالليلِ كثيرًا:
اطلبوا لأنفسِكُم. . . مثلَ ما وجدتُ أنا
قد وجدتُ لي سكنًا. . . ليس في هواه عَنَا
إنْ بَعدْتُ قَربنِي. . . أو قَرُبْتُ مِنْهُ دَنَا
стр. 417
من فاتَهُ اللَّهُ، فلو حصلتْ له الجنَّةُ بحذافِيرِهَا، لكان مغبونًا، فكيفَ إذا لم
يحصلْ له إلا نزْر يسير حقيرٌ من دارٍ كلِّها لا تَعدِلُ جناحَ بعوضةٍ:
مَنْ فاتَهُ أنْ يَراكَ يَومًا. . . فكل أوقاتِهِ فواتُ
وحَيثُما كنتُ من بلادٍ. . . فَلِي إلى وجْهِكَ التِفَاتُ
ثم ذكرَ أوصافَ الذين يُحبُّهم ويحبُّونه، فقال: (أَذِلَّةٍ عَلَى المؤْمِنِينَ) ، يعني: أنهم يعامِلونَ المؤمنينَ بالذِّلَّة واللِّينِ، وخَفْضِ الجناح.
(أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) يعني: أنهم يعامِلُونَ الكافرينِ بالعزَّة والشدَّةِ عليهم.
والإغلاظِ لهم، فلما أحبُّوا اللَّهَ، أحبُّوا أولياءَه الذين يُحبونَهُ، فعامَلُوهُم
بالمحبِّةِ، والرَّأفةِ، والرحمةِ، وأبغضُوا أعداءَه الذين يُعادونه، فعاملُوهُم بالشِّدَّةِ
والغلظةِ، كما قال تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .
(يجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم) .
فإنَّ من تمامِ المحبةِ مجاهدةَ أعداءِ المحبوبِ - وأيضًا - فالجهادُ في سبيلِ اللَّهِ
دعاءٌ للمعرضِينَ عن اللَّهِ إلى الرجوع إليه بالسِّيفِ والسنانِ، بعد دعائِهم إليه
بالحجَّةِ والبُرْهانِ، فالمحبُّ للَّهِ يحبُّ اجتلابِ الخلقِ كلِّهم إلى بابِهِ، فمنْ لم
يُجبِ الدعوةَ إليه باللينِ والرِّفقِ، احتاجَ إلى الدعوة بالشدَّةِ والعنفِ: "عجِبَ ربُّك من قوم يُقادون إلى الجنَّةِ بالسَّلاسلِ ".
(وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) ، لا هَمَّ للمحبِّ غيرُ ما يُرضِي حبيبَهُ.
رضِيَ من رَضِيَ وسخطَ من سخِطَ، من خافَ الملامةَ في هوى من يُحبُ.
فليس بصادقٍ في المحبًّةِ.
стр. 418
وقفَ الهوى بي حيثُ أنتَ. . . فليسَ لي مُتأخَّر عنه ولا مُتقدَّمُ
أجِدُ الملامةَ في هواكَ لذيذةً. . . حبِّا لِذكْرِكِ فلْيَلُمْنِىِ اللُّوَّمُ
قوله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) ، يعني: درجةَ الذين يُحبهم
ويحبونَهُ بأوصافِهِم المذكورةِ (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) : واسعُ العطاء.
عليم بمن يستحقُّ الفضل، فيمنَحُهُ، ومن لا يستحقُّ، فيمنعُه.
* * *
وعن أبي صخرٍ عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرسلَ
يومًا إليه، وعمرُ أمير المدينة يومئذٍ، فقال: يا أبا حمزةَ، إنَّه أسهرتني البارحةَ
آية. قال محمد: وما هي أيها الأمير؟
فقالَ: قولُ اللَّهِ : (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللَّه بِقَوْمٍ يحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) إلى قوله: (لَوْمَةَ لائِمٍ) .
قال محمد: إنَّما عنى اللَّهُ : (يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الولاةَ من قريشٍ: (مَن يَرْتَدَّ مِنكمْ عَن دِينِهِ) عن الحق (فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ) .
وهم أهلُ اليمنِ.
قال عمرُ: يا ليتَني وإيَّاكَ منهم قال: آمين.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)
[قالَ البخاريُّ] ؛ وقول اللَّهِ : (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) .
стр. 419
وقوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
يشيرُ إلى أنَّ الأذَانَ مذكورٌ في القرآنِ في هاتينِ الآيتينِ:
الأُولى منهما: تشْتمل النداءَ إلى جميع الصلوات؛ فإنَّ الأفعال نكراتٌ.
والنكرة في سياقِ الشَّرْطِ تعُمُّ كلَّ صلاةٍ.
والثانية منهما: تخْتصُ بالنداءِ إلى صلاةِ الجمعة.
وقد رَوَى عبدُ العزيزِ بنُ عِمرانَ، عن إبراهيمَ بنِ أبي حبيبةَ، عن داودَ بنِ
الحُصينِ، عن عكْرمةَ، عن ابن عباس، قال: الأذان نزل على رسول اللَّهِ ﷺ مع فرضِ الصلاةِ: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللهِ) .
هذا إسنادٌ ساقطٌ لا يصح.
وهذه الآية ُ مدنيةٌ، والصلاةُ فرضتْ بمكةَ، ولم يصحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بمكةَ جُمُعة، وقوله: (وَإِذَا نَادَيْتُم إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا) مدنية - أيضًا - ولم يُؤذنْ للصلاةِ بمكةَ.
والحديثُ الذي رُوي أنَّ جبريلَ لمَّا أمَّ النبيَّ ﷺ أولَ ما فُرضتِ الصلاةُ أمَرَه أن يُؤذَنَ بالصلاةِ، قد جاء مفسرًا في رواية أخرى، أنَّه يؤذن: الصلاةُ جامعة.
وقد سبقَ ذكرُهُ في أولِ كتابِ الصلاةِ.
وقد رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ ليلةَ أُسْرِي خرجَ ملكٌ من وراء الحجابِ فأذَّن، فحدَّثه ربُّه والنبيُّ ﷺ يسمعُ ذلكَ، ثم أخذَ المَلَكُ بيدِ محمدٍ فقدَّمه
стр. 420
فأمَّ أهلَ السماءِ، منهم آدمُ ونوح.
قال أبو جعفرِ محمدُ بنُ علي: فيومئذِ أكملَ اللَهُ لمحمدٍ ﷺ الشَّرف - على أهلِ السماءِ وأهلِ الأرضِ.
وقد خرَّجه البزار والهيثمُ بنُ كليبِ في "مسنديهما" بسياق مُطوَّلٍ من
طريقِ زيادِ بنِ المنذرِ أبي الجارود، عن محمدِ بنِ علي بن الحسينِ، عن أبيه.
عن جدِّه، عن على.
وهو حديث لا يصحُّ.
وزيادُ بنُ المنذرِ أبو الجارودِ الكوفي، قال فيه الإمامُ أحمدُ: متروكٌ.
وقال ابنُ معينٍ: كذَّاب عدو اللَّهِ، لا يساوي فِلْسًا، وقال ابنُ حبانَ: كان رافضيًا يضعُ الحديثَ.
وروى طلحة بن زيدِ الرقي، عن يونسَ، عن الزُّهريّ، عن سالمِ، عن
أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ لما أُسْرِي به إلى السماءِ أوحى اللَّهُ إليه الأذانَ، فنزلَ بهِ، فعلَّمه جبريلَ.
خرَّجه الطبراني.
وهو موضوع بهذا الإسنادِ بغيرِ شكٍّ.
وطلحةُ هذا، كذَّاب مشهور.
ونبهنا على ذلكَ لئلا يُغْتَّر بشيءٍ منه.
وإنَّما شُرع الأذانُ بعد هجرةِ النبىِّ ﷺ إلى المدينةِ، والأحاديث الصحيحةُ كلُّها تدلُّ على ذلكَ.
стр. 421
والأذانُ له فوائدُ:
منها: أنه إعلامٌ بوَقْتِ الصلاةِ أو فعلِها.
ومن هذا الوجهِ هو إخبارٌ بالوقتِ أو الفعلِ، ولهذا كان المؤذِّنُ مؤتمنًا.
ومنها: أنه إعلامٌ للغائبينَ عن المسجدِ، فلهذا شُرِع فيه رفعُ الصوتِ، وسُمِّي نداءً، فإنَّ النِّداءَ هو الصوتُ الرفيعُ.
ولهذا المعنى قالَ النبيُّ ﷺ لعبد الله بنِ زيد:
"قم فألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك ". ًً
ومنها: أنه دعاءٌ إلى الصلاةِ، فإنه معنى قولِهِ: "حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على
الفلاح ".
وقد قيل: إنَّ قولَهُ تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلُ صَالِحًا) ، الآية: نزلتْ في المؤذنينَ، رُوي عن طائفة من الصحابةِ.
وقيلَ في قولهِ تعالى: (وَقَدْ كَانوا يُدْعَوْنَ إِلَى السّجودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) .
إنها الصلواتُ الخمسُ حين يُنادى بها.
ومنها: أنه إعلانٌ بشرائع الإسلامِ من التوحيدِ والتكبيرِ والتهليلِ والشهادةِ
بالوحدانيةِ والرسالةِ.
* * *
стр. 422
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)
وقد ذكرَ اللَّهُ - في كتابِهِ - العلَّةَ المقتضيةَ لتحريمِ المسكراتِ، وكان أوَّل ما
حُرّمتِ الخمرُ عند حضورِ وقتِ الصلاةِ لمَّا صلَّى بعضُ المهاجرينَ، وقرأ في
صلاتِهِ، فخَلط في قراءتِهِ، فنزلَ قولُهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا
الصَّلاةَ وَأَنتمْ سكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) ، فكانَ مُنَادي رسولِ اللَّه
ﷺ -ينادِي: لا يَقْربِ الصلاةَ سكران.
ثم إنَّ اللَّهَ حرَّمها على الإطلاقِ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) .
ْفذكرَ سبحانَهُ علَّةَ تحريمِ الخمرِ والميسرِ - وهو القِمارُ - وهو أن الشيطانَ
يُوقِعُ بهما العداوةَ والبغضاءَ، فإنَّ منْ سكرَ، اختلَّ عقلُه، فربما تسلَّط على
أذى الناس في أنفسِهِم وأموالهم، وربما بلغ إلى القتلِ، وهي أمُّ الخبائثِ.
فمنْ شربها قتلَ النفسَ وزنى، وربما كفرَ.
وقد رُوي هذا المعنى عن عثمانَ وغيرِه، ورُوي مرفوعًا أيضًا.
стр. 423
ومن قامَرَ، فربما قُهِرَ وأُخذَ مالُه منه قهرًا، فلم يبقَ له شيء فيشتدُّ حِقدُهُ
على من أخذ مالَهُ.
وكلُّ ما أدَّى إلى إيقاع العداوةِ والبغضاءِ كان حرامًا.
وأخبر سبحانه أنَّ الشيطانَ يصدُّ بالخمرِ والميسرِ عن ذكرِ اللَّهِ وعن الصلاةِ.
فإنَّ السكرانَ يزولُ عقلُهُ، أو يختل، فلا يستطيعُ أن يذكرَ اللَهَ، ولا أن
يُصلِّي، ولهذا قال طائفة من السلفِ: إن شارب الخمرِ تمر عليه ساعة لا
يعرفُ فيها ربَّه، واللَّهُ سبحانه إنما خلقَ الخلقَ ليعرِفُوه، ويذكرُوه، ويعبدُوه، ويُطيعوه، فما أدَّى إلى الامتناع من ذلك، وحالَ بين العبدِ وبين معرفةِ ربَه
وذكرهِ ومناجاتِهِ، كان محرَّمًا، وهو السُّكْرُ، وهذا بخلافِ النَّومِ، فإنَّ اللَّهَ جَبَلَ العبادَ عليه، واضطرهُم إليه، ولا قِوامَ لأبدانِهِم إلا به، إذ هو راحة لهم من السعي والنَّصَبِ، فهو من أعظم نعم اللَّهِ على عبادِهِ، فإذا نامَ المؤمنُ بقدرِ الحاجةِ، ثم استيقظَ إلى ذكرِ اللهِ ومناجاتِهِ ودعائِهِ، كان نومُه
عونًا له على الصلاةِ والذكرِ، ولهذا قالَ من قالَ من الصحابةِ: إني أحتسبُ
نَوْمَتِي كما أحتسبُ قَوْمَتِي.
وكذلك الميْسرُ: يصُدُّ عن ذكرِ اللهِ وعنِ الصلاةِ، فإنَّ صاحبَه يعكفُ بقلبِهِ
عليه، ويشتغلُ به عن جميع مصالحِهِ ومهماتِهِ حتى لا يكادُ يذكرُها لاستغراقِهِ
فيه، ولهذا قالَ عليّ لما مرَّ على قومٍ يلعبون بالشطرنج: ما هذهِ التماثيلُ التي
أنتُم لها عاكفونَ؛ فشبَّههم بالعاكفينَ على التماثيلِ.
وجاءَ في الحديثِ: "إنَ مُدْمِنَ الخمْرِ كعابدِ وثنٍ " فإنه يتعلَّقُ قلبُه بها، فلا يكادُ يُمكِّنه أن يدعَها كما
стр. 424
لا يدعُ عابدُ الوثنِ عبادَتَهُ.
وهذا كلُّه مضادٌّ لما خلَقَ اللَّهُ العبادَ لأجلِهِ مِنْ تفريغ قلوبِهِم لمعرفته.
ومحبَّتِه، وخشيتِه، وذكره ومناجاتِهِ، ودعائِهِ، والابتهالِ إليه، فما حالَ بين
العبدِ وبين ذلكَ، ولم يكنْ بالعبدِ إليه ضرورةٌ، بل كان ضررًا محضًا عليه.
كان محرَّمًا.
وقد رُوي عن عليٍّ أنه قالَ لمن رآهم يلعبونَ بالشِّطرئج: ما لهذا خُلقتم.
ومن هنا يعلمُ أن الميسرَ محرَّمٌ سواءٌ كان بعوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ، وأنَّ
الشطرنج كالنَّرْدِ أو شرٌّ منه، لأنَّها تشغلُ أصحابَها عن ذكرِ اللهِ، وعن الصلاة أكثر من النَّرْدِ.
والمقصودُ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
"كل مسكر حرامٌ "، وكلُّ ما أسكر عن الصلاة فهو حرام.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)
عن أبي هريرةَ ﵁، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ:
"ما نهَيْتُكُم عنه فاجْتنبُوه، وما أمرتُكُم به، فأتُوا منه ما استطعتُم، فإنما أهلَكَ الَّذين من قبلِكُم كثْرةُ مسائِلِهِم واختلافُهم على أنبيائهم ".
رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
هذا الحديثُ بهذا اللفظِ: خرَّجه مسلمٌ وحْدَه من روايةِ الزهريِّ، عن
стр. 425
سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبي سلمةَ - كلاهُما - عن أبي هريرةَ، وخرَّجاهُ من روايةِ
أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "دعونِي ما تركتُكُم، إنَّما أهْلَكَ منْ كانَ قبلَكُم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهِم، فإذا نهيتُكُم عن شيء، فاجتنبُوه، وإذا أمرتُكُم بأمر فأتُوا منه ما استطعتُم "
وخرَّجه مسلمٌ من طريقينِ آخرينِ عن أبي هريرةَ بمعناه.
وفي رواية له ذكرُ سببِ هذا الحديثِ من روايةِ محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي
هريرةَ، قالَ: خطبنا رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: "يا أيها الناسُ قد فرضَ اللَهُ عليكم
الحجَّ فحجوا" فقال رجلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟
فسكتَ حتَّى قالَها ثلاثاً.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لو قلتُ: نعم، لوجبتْ ولما استطعتُم"، ثمَّ قال: "ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنما هلَكَ من كان قبلكم بسؤالِهِم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمرتُكُم بشيء، فأتُوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتُكُم عن شيء، فدعُوه ".
وخرَّجَه الدارقطنيُّ من وجهٍ آخرَ مختصرا.
وقال فيه: فنزل قولُهُ تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشيَاءَ إِن تبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكمْ) .
وقد رُوي من غيرِ وجه أن هذه الآيةَ نزلتْ لمَّا سالوا النبيَّ ﷺ عن الحجِّ، وقالُوا: أفي كل عامٍ؟
وفي "الصحيحينِ " عن أنسٍ قالَ: خطبنا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقال رجلٌ: مَن أبي؟
فقالَ: "فلانَ "، فنزلتْ هذه الآيةُ: (لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشيَاءَ) .
وفيهما - أيضًا - عن قتادةَ، عن أنسٍ قالَ: سألُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ حتى
следующие страницы →