Полный текст (1 372 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
"ما من صَاحِبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّى مِنْها حقَّها إلا إذا كان يومُ القيامة صُفِّحت له صفائحُ من نارٍ فأحمي عليها في نارِ جهنَّم، فيكوى بها جنبُه وجبينُهُ وظهرُه، كلما برَدَتْ أعيدت له، في يومٍ كان مقدارُهُ خمسين ألف سنةٍ، حتى يقضى بين العبادِ، فيرى سبيلَهُ إمَّا إلى الجنةِ وإمَّا إلى النارِ".
وفي "صحيح البخاريِّ " عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "من آتاهُ اللهُ مالاً فلم يُؤدِّ زكاتَهُ مُثلَ له يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ له زبيبتان يُطوَّقه يومَ القيامة ثم يأخذُ بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالُكَ، أنا كنزك " ثم تلا: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
وفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
"يكون كنزُ أحدكم يومَ القيامة شجاعًا أقرع يفرُّ منه يومَ القيامةِ، ويطلبُهُ، ويقول: أنا كنزُكَ، فلا يزالُ يطلبُة حتى يبسطَ يدَهُ فيُلقمها فاه ".
وفي "صحيح مسلم " عن جابرٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "ما من صاحبِ كنز لا يفعلُ فيه حقَّهُ إلا جاءَ كنزهُ يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ يتبعُهُ فاتحاً فاهُ، فإذا أتاهُ فرَّ منهَ، فيناديِه: خُذْ كنزَكَ الذي خبَّأتَهُ فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بدَّ له منه سلكَ يدَهُ في فيه فيقضمها قضمَ الفحْلِ ".
والشجاعُ: الحيَّةُ الذكرُ، والأقرعُ: الذي قد تمعَّطَ شعر
فروةِ رأسِهِ لكثرةِ سمِّهِ.
فلهذا وردَ الشرعُ باكتنازِ ما يبقى نفعُهُ بعد الموتِ من الإيمانِ والأعمالِ
стр. 492
الصالحةِ والكلماتِ الطيبةِ، فإنَّ نفعَ ذلك يبقَى وبه يحصلُ الغنى الأكبرُ، قال
ابنُ مسعودٍ: نعمَ كنزُ الصعلوكِ سورةُ آل عمرانَ يقومُ بها من آخرِ الليلِ.
وآخرُ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ أعطيتْه هذه الأمَّةُ مع سورة الفاتحةِ.
ولا حول ولا قوَّة إلا باللَّه كنزٌ من كنوزِ الجنةِ.
وفي بعضِ الآثارِ الإسرائيليةِ: كنزُ المؤمنِ ربُه، يعني أنه لا يكنزُ سوى
طاعتِهِ وخشيتِهِ ومحبتِهِ والتقربِ إليهِ، فمن كانَ كنزُهُ ربَّه وجدَهُ وقتَ حاجتِهِ
إليه، كما في وصيةِ النبيِّ ﷺ لابنِ عباسٍ:
"احفظ اللَّهَ يحفَظك، احفظِ اللهَ تجدْهُ أمامَك، تعرَّف إلى اللهِ في الرَّخاء يعرفكَ في الشِّدةِ".
أنت كنزي، أنت ذخري، أنت عزِّي، كيف أخشى الفقرَ إذا كنتَ أمني
عند فقرِي، من كانَ اللَّهُ كنزَه فقد ظفرَ بالغنِى الأكبرِ.
قال بعضُ العارفينَ:
من استغْنَى باللَّهِ أمِنَ من العدمِ. . . ومن لَزِمَ البابَ أُثْبِتَ في الخَدَمِ
ومن أكثرَ ذكر الموتِ أكثرَ من الندمِ. . . تنقَضِي الدُّنيا والفتى فيها معنَّا
ليسَ في الدنيا نعيمٌ ولا عيشٌ مهنَّا. . . يا غنيًّا بالدنانيرِ فحبُّ اللَّهِ أغنى
* * *
قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)
قال عليٌّ بنُ أبي طلحة عن ابنِ عباسٍ في هذهِ الآيةِ: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)
стр. 493
في كلِّهنَّ، ثم اختصَّ مِنْ ذلك أربعةَ أشهُر، فجعلهنَّ
حرمًا، وعظَّمَ حُرماتهن، وجعل الذنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعملَ الصالحَ والأجرَ
أعظم.
وقال قتادةُ في هذه الآية: اعلمُوا أن الظلمَ في الأشهرِ الحُرُم أعظمُ خطيئةً
ووزرًا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلمُ في كلّ حال غيرَ طائل، ولكنَّ اللَّهَ
تعالى يُعظِّم من أمرِهِ، ما يشاءُ ربُّنا تعالى.
وقد رُوي في حديثينِ مرفوعينِ أن السيئات تُضاعفُ في رمضانَ، ولكن
إسنادهُما لا يصحُّ.
* * *
خرَّجا في "الصحيحينِ " من حديث أبي بكرةَ أن النبيَّ ﷺ خطبَ في حجَّةِ الوداع، فقالَ في خطبته:
"إن الزمانَ قد اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّه السماواتِ والأرضِ، السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعة حرمٌ: ثلاثةٌ متوالياتٌ: ذو القعْدةِ
وذو الحجَّةِ، والمحرَّمُ، ورجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبانَ "
وذكر الحديثَ.
قال اللَّهُ : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .
فأخبر سبحانه أنَّه مُنذُ خلقَ السماواتِ والأرضَ وخلقَ الليلَ والنَّهارَ
يدُورانِ في الفلكَ وخلقَ ما في السماءِ من الشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ، وجعلَ
стр. 494
الشَّمسَ والقمر يسبحان في الفلك، فينشأ منهما ظلمةُ اللَّيلِ وبياضُ النهارِ.
فمن حينئذٍ جعلَ السَّنة اثنى عشر شهراً بحسبِ الهلالِ.
فالسنةُ في الشرع مُقدَّرةٌ بسيرِ القمرِ وطلوعِهِ، لا بسيرِ الشمسِ وانتقالها.
كما يفعلُه أهلُ الكتابِ.
وجعلَ اللَّهُ تعالى من هذهِ الأشهرِ أربعةَ أشهرٍ حُرُمًا، وقد فسَّرَها النبيُّ
ﷺ في هذا الحديث، وذكرَ أنَّها ثلاثة متوالياتٌ، ذو القعدةِ، وذو الحجَّةِ، والمُحرَّمُ، وواحد فرد، وهو شهرُ رجبٍ.
وهذا قد يستدلُّ به من يقولُ: إنها من سنتين، وقد رُوي من حديثِ ابنِ
عمرَ مرفوعًا: "أولُهُن رجبٌ "، وفي إسنادِهِ موسى بن عُبيدةَ، وفيه ضعفٌ
شديد من قِبلِ حفْظِهِ، وقد حكيَ عن أهلِ المدينةِ أنهم جعلوها من سنتين.
وأن أوَّلها ذو القعدةِ، ثم ذو الحجَّةِ، ثم المحرَّمُ، ثم رجب، فيكونُ رجب
آخرَها.
وعن بعضِ المدنيينَ أنَّ أوَّلها رجب، ثم ذو القعدةِ، ثم ذو الحجَّةِ ثم
المُحرَّمُ.
وعن بعضِ أهلِ الكوفةِ أنها من سنةٍ واحدة، أولها المحرَّمُ، ثم
رجبٌ، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحِجَّةِ.
واختُلِفَ في أيِّ هذه الأشهر الحرُم أفضلُ، فقيل: رجب، قاله بعض الشافعيةِ، وضعَّفَه النوويُّ وغيره.
وقيل: المُحَرَّمُ، قاله الحسنُ، ورجَّحَه النوويُّ.
وقيل: ذو الحِجَّة، رُوي عن سعيدِ بنِ جبيرٍ وغيره، وهو أظهرُ، واللَّهُ أعلمُ.
وقوله ﷺ : "إنَّ الزَّمان استدَارَ كهيئِتِه يوم خلقَ اللَّه السمواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عشرَ شهرًا"
مُرادُهُ بذلك إبطالُ ما كانتِ الجاهليةُ تفعلُه من النَّسيء، كما قال
стр. 495
تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) .
وقد اختُلِفَ في تفسيرِ النَّسيء، فقالت طائفة: كانوا يُبدلُون بعضَ
الأشهرِ الحُرُم بغيرِها من الأشهرِ، فيحرِّمُونها بدلها، ويحلُّون ما أرادوا تحليلَه
من الأشهرِ الحُرُم إذا احْتاجُوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدونَ في عددِ الأشهر
الهلالية شيئًا.
ثم من أهلِ هذه المقالةِ من قال: كانوا يُحلُّون المُحرَّمَ فيستحلون
القتالَ فيه؛ لطول مدَّة التَّحريم عليهم بتوالي ثلاثةِ أشهرٍ مُحرَّمةٍ، ثم يحرِّمونَ
صفَرًا مكانَهُ، فكأنَهم يقترضونَه ثم يوفونَه، ومنهم من قال: كانوا يحلُّون
المُحرَّمَ مع صَفَرٍ من عامٍ ويُسمُّونَهما صفَرينِ، ثم يحرِّمُونهما مم عام قابل
ويسمُّونهما محرَّمين قاله ابن زيدِ بنِ أسلمَ.
وقيل: بل كانوا رُبَّما احْتاجُوا إلى صفَرَ أيضًا فأحلُّوه وجعَلُوا مكانَه ربيعًا.
ثم يدورُ كذلك التَّحريمُ والتَّحليلُ والتأخيرُ، إلى أن جاء الإسلامُ ووافَقَ حجَّةَ
الوداع، صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى مُحرَّم الحقيقيّ، وهذا هو الذي رجَّحه
أبو عُبيد، وعلى هذا فالتَّغييرُ إنَّما وقع في عيْنِ الأشهُر الحُرُمِ خاصةً.
وقالت طائفةٌ أخرى: بلْ كانوا يزيدونَ في عددِ شهورِ السنة، وظاهرُ الآية يُشعر بذلك، حيث قال اللَّه تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) ، فذكرَ هذا توطئةً لهَدْمِ النَّسيءِ وإبطالهِ.
ثم مِنْ هؤلاءِ من قال: كانوا يجعلُون السنة ثلاثةَ عشرَ شهرًا، قاله مجاهدٌ
وأبو مالكٍ، قال أبو مالكٍ: كانوا يجعلون السنةَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا، ويجعلونَ
стр. 496
المُحرَّمَ صَفَرًا.
وقال مجاهدٌ: كانوا يُسقطون المُحرَّمَ، ثم يقولون: صَفَرينِ.
لصفرَ وربيع الأوَّلِ وربيع الآخر، ثم يقولونَ: شهرا ربيع، ثم يقولون:
لرمضان: شعبانُ، ولشوال: رمضانُ، ولذي القعْدةِ: شوالٌ، ولذيَ الحجَّةِ:
ذو القعْدة، على وجهِ ما ابتدأوا وللمحرَّمِ: ذو الحجَّةِ، فيعدونَ ما ناسؤوا
على مستقبلهِ، على وجه ما ابتدأوا.
وعنه، قال: كانتِ الجاهليةُ يحجُّون في كلِّ شهرٍ من شهورِ السنةِ عامينِ.
فوافَقَ حِجُّ رسولِ اللَّهِ ﷺ في ذي الحِجَّةِ، فقال: "هذا يومٌ اسْتدارَ الزَّمانُ كهيئِتِه يومَ خلقَ اللَّهُ السماواتِ والأرص ".
ومن هؤلاء من قالَ: كانتِ الجاهليةُ يجعلونَ الشهورَ اثنى عشر شهرًا
وخمسةَ أيامٍ، قالهُ إياسُ بنُ معاويةَ، وهذا العددُ قريبٌ من عددِ السنةِ
الرومية" ولهذا جاء في مراسيلِ عكرمة بنِ خالدِ أنَّ النبيَّ ﷺ قال في خُطبتِهِ يومَ النحر: "والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وخنَسَ إبهامَه في الثالثةِ، وهكذا وهكذا، وهكذا"
يعني: ثلاثينَ، فأشارَ إلى أن الشَّهرَ هلاليٌّ.
ثم تارةً ينقُصُ وتارةً يتمُّ، ولعلَّ أهلَ النَّسِيء كانُوا يُتِمُّونَ الشهورَ كلَّها.
ويزيدونَ عليْهَا، واللَّه أعلم.
وقد قيل: إنَّ ربيعةَ ومضَرَ كانوا يُحرِّمون أربعة أشهرٍ من السنةِ مع
اختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سنذكرُهُ إن شاء اللَّهُ تعالى.
وكانت بنُو عوْفِ بنِ لُؤيٍّ يحرِّمون من السنةِ ثمانيةَ أشهرٍ، وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرَّمه اللَّهُ.
واختلفُوا في أيِّ عامٍ عاد الحجُّ إلى ذي الحجةِ على وجهِهِ، واستدارَ الزَّمانُ
стр. 497
فيه كهيئتِهِ، فقالت طائفة: إنَّما عادَ على وجهه في حجَّةِ الوداع، وأما حجةُ
أبي بكر الصديقِ ﵁، فكانت قد وقعت في ذي القعدةِ.
هذا قولُ مجاهدٍ وعكرمةَ بن خالد وغيرهِما.
وقيل: إنَّه اجْتَمَعَ في ذلك العامِ حجُّ الأممِ كلِّها
في وقتٍ واحدٍ، فلذلك سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ.
وقالتْ طائفةٌ: بل وقعَتْ حجَّةُ الصِّدِّيقِ في ذي الحجةِ، قالهُ الإمامُ أحمدُ.
وأنكرَ قولَ مجاهدٍ، واستدلَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ عليًّا فنادى يوم النَّحْرِ: "لا يحجّ بعد العامِ مشرِك"
وفي روايةٍ: "واليومُ يومُ الحَجِّ الأكبرِ" وقد قالَ اللَّهُ تعالى:
(وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) ، فسمَّاهُ يومَ الحجِّ الأكبرِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ النِّداءَ وقَعَ في ذي الحجَةِ.
وخرَّج الطبراني في "أوسطِه " من حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه.
عن جدِّه قال: كان العربُ يُحِلُّون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يُصيبون
الحجَّ إلا في كلِّ ستةٍ وعشرين سنة مرةً واحدةً، وهو النَّسيءُ الذي ذكرَهُ اللَّهُ
في كتابه، فلما كان عام حَجَّ أبو بكر الصديقُ بالناس، وافَقَ في ذلك العامِ
الحجَّ، فسمَّاه اللَّهُ يوم الحج الأكبر.
ثم حجَّ النبيُّ ﷺ في العامِ المُقْبلِ، فاستقبَلَ النَّاسُ الأهلَّةَ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ :
"إنَّ الزمانَ قد اسْتدارَ كهيئتِهِ يومَ خلقَ الله السماوات والأرضَ "
وقيل: بل اسْتدارَةُ الزَّمانِ كهيئتِهِ كانَ من عام الفتح.
وخرَّج البزارُ في "مسندهِ " من حديث سُمرةَ بن جُنْدَب أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ -
стр. 498
قال: لهم يومَ الفتح: "إنَّ هذا العامَ الحجُّ الأكبرُ، قد اجتمعَ حجُّ المسلمينَ وحجُّ المشركينَ في ثلاثةِ أيامٍ متتابعاب، واجتمَعَ حجُّ اليهودِ والنَّصارى في ستَّةِ أيام متتابعاتٍ.
ولم يجتمع منذُ خلقَ اللَّه السماواتِ والأرضَ، ولا يجتمعُ بعدَ العامِ حتَّى تقومَ
السَّاعة ".
وفَي إسنادِهِ يوسف السَّمْتِي، وهو ضعيف جدًّا، واختلفُوا لم سُميتْ هذه
الأشهر الأربعةُ حُرُمًا؟.
فقيل: لعظم حُرمتِها وحُرمة الذَّنْبِ فيها.
قال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس: اختصَّ اللَّهُ أربعةَ أشهر جعلهُنَّ
حُرمًا، وعظَّمَ حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنْبَ فيهن أعظمَ، وجعلَ العملَ الصالحَ
والأجر أعظم.
قال كعبٌ: اختارَ اللَّهُ الزمان، فأحبُّهُ إلى اللَّه الأشهر الحُرُمُ.
وقد رُوي مرفوعًا، ولا يصحُّ رفعُهُ.
وقد قيلَ في قولِهِ تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفسَكمْ) : إنَّ المرادَ
في الأشهرِ الحُرمِ، وقيل: بل في جميع شُهورِ السنةِ.
وقيل: إنَّما سُمِّيتْ حُرُمًا لتحريمِ القتالِ فيها.
وكان ذلك معروفًا في الجاهليةِ.
وقيلَ: إنَّه كان في عهدِ إبراهيمَ ﵇، وقيلَ: إنَّ سبب تحريمِ هذه الأشهرِ الأربعةِ بينَ العربِ لأجلِ التمكُّن منَ الحجِّ والعُمْرةِ، فحُرِّمَ شهرُ ذي الحجَّةِ، لوقوع الحجِّ فيه، وحُرِّم معه شهرُ ذي القعدة، للسَّيْرِ فيه إلى الحجِّ. وشهر المحرم، للرجوع فيه من الحجِّ، حتى يأمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ من حين يخرجُ من بيتِهِ إلى أن يرجعَ إليه.
وحُرِّمَ شهرُ رجب، للاعتمارِ فيه في وسطِ السًّنةِ، فيعتمِرُ
فيه مَنْ كان قريبًا من مكّةَ.
وقد شرع اللهُ في أولِ الإسلامِ تحريمَ القتالِ في الشهرِ الحرام، قالَ تعالَى:
стр. 499
(لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) .
وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) .
وخرَّجَ ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ رهطَا وبعثَ عليهم عبدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ، فلقوا ابنَ الحضْرمِيِّ فقتلوه، ولم يدْرُوا أنَّ ذلك من رجبٍ أو من جُمادى، فقال المشركونَ للمسلمينَ.
قتلتُم في الشهرِ الحرامِ، فأنزلَ اللَّهُ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كبِيرٌ) الآية.
وروى السُّدِّيُّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن
مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ في هذه الآيةِ، فذكروا هذه القصةَ مبسوطةً، وقالُوا
فيها: فقال المشركونَ: يزعمُ محمدٌ يتبعُ طاعةَ اللَّهِ وهو أوَّلُ مَن استحلَّ
الشهرَ الحرامَ، فقال المسلمونَ: إنَّما قتلناه في جُمَادى.
وقيلَ: في أولِ رجبٍ وآخِرِ ليلةٍ من جُمَادى، وغَمَدَ المسلمونَ سيوفَهم
حين دخل شهرُ رجبٍ، وأنزلَ اللَّهُ تعالى تعييرًا لأهلِ مكَّةَ:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)
لا يحلُّ، وما صنعتم أنتم يا معشرَ المشركينَ أكبرُ من القتْلِ في الشَّهرِ الحرامِ، حين كفرتم باللَّه، وصددْتُم عن محمَّدٍ وأصحابِهِ، وإخراج أهلِ المسجدِ الحرامِ حينَ أخْرَجُوا منه محمدًا ﷺ أكبرُ منَ القتلِ عندَ اللهِ.
وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ هذا المعنى من روايةِ العوفيِّ عنه، ومن روايةِ
أبي سعد البقالِ، عن عكرمةَ، عنه.
стр. 500
ومن روايةِ الكلبيِّ، عن أبي صالح، عنه.
وذكر ابنُ إسحاقَ أنَّ ذلك كان في آخر يوم من رجبٍ، وأنَّهم خافوا إنْ
أخَّرُوا القتالَ أن يسبقَهم المشركونَ فيدخلوا الحرَمَ فيأمَنُوا.
وأنَّهم لمَّا قدِمُوا على النبيِّ ﷺ قال لهم:
"ما أمرتُكُم بالقتالِ في الشهرِ الحرامِ، ولم يأخذْ من غنيمتهم شيئًا"
وقالتْ قريشٌ: قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُهُ الشهرَ
الحرامَ، فقال مَنْ بمكَّةَ من المسلمينَ: إنَما قتلُوهم في شعبانَ.
فلمَّا أكثرَ الناسُ في ذلك نزلَ قولُهُ تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) الآية.
ورُوي نحوُ هذا السياقِ عن عروةَ، والزُّهري وغيرِهما.
وقيلَ: إنَّها كانت أولَ غنيمةٍ غممَها المسلمونَ، وقال عبدُ اللَّهِ بن جحشٍ في ذلك، وقيل: إنَّها لأبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.
تعُدُّونَ قتلاً في الحرامِ عظيمةً. . . وأعْظمُ منه لو يَرى الرشُدَ راشِدُ
صدودُكُمُ عمَّا يقولُ محمدٌ. . . وكُفْرٌ به واللَّه راءٍ وشاهدُ
وإخْراجُكُم من مسجدِ اللَّهِ أهلَهُ. . . لِئلاَّ يُرَى للَّهِ في البيْتِ ساجِدُ
في أبياتٍ أخرَ.
وقد اختلفَ العلماء في حكم القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ، هل تحريمُهُ باقٍ أمْ
نُسِخَ؟
فالجمهورُ على أنَّه نُسِخَ تحريمُهُ، ونصَّ على نسخِهِ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ
من الأئمةِ.
وذهب طائفةٌ من السَّلَفِ، منهم عطاءٌ، إلى بقاءِ تحريمِهِ، ورجَّحه
بعضُ المتأخرين واستدلُّوا بآية المائدةِ.
والمائدةُ من آخرِ ما نزلَ من القرآنِ،
стр. 501
وقد رُوِي: "أحِلُّوا حلاَلَها وحرِّمُوا حرامَهَا ".
وقيل: ليس فيها منسوخ. وفي "المسندِ" أنَّ عائشةَ ﵂، قالتْ: "هي آخرُ سورةٍ نزلتْ، فما وجدتُم فيها من حلالٍ فاسْتحِلُّوه، وما وجدتم فيها من حرامٍ فحرمُوه "
وروى الإمامُ أحمدُ في "مسندهِ ": حدثنا إسحاقُ بن عيسى.
حدثنا ليثُ بنُ سعدٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: لم يكن رسولُ اللَّهِ
ﷺ يَغْزُو في الشَّهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى ويَغزو فإذا حضرَهُ أقامَ حتَّى ينسلخَ.
وذكر بعضُهم أنَّ النبيَّ ﷺ حاصرَ الطائفَ في شوَّالٍ، فلمَّا دخلَ ذو القعدةِ لم يُقاتِلْ، بل صابرَهُم، ثم رجعَ.
وكذلك في عمرةِ الحديبية لم يُقاتِلْ، حتّى بلغه أنَّ عثمانَ قُتِلَ، فبايَعَ على القتالِ، ثم لمَّا بلغَه أنَّ ذلك لا حقيقةَ له كفَّ.
واستدلَّ الجمهورُ بأن الصحابةَ اشتغلُوا بعدَ النبي ﷺ بفتح البلادِ، ومواصلةِ القتالِ والجهادِ، ولم يُنقل عن أحدٍ منهم أنَّه توقَّف عن
القتالِ، وهو طالبٌ له في شيءٍ من الأشهرِ الحُرُم، وهذا يدُلُّ على اجتماعهم
على نسخ ذلك، واللَّهُ أعلمُ.
ومن عجائب الأشهرِ الحُرُمِ ما رُوي عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن العاصِ: أنَّه
ذكر عجائبَ الدنيا، فعدَّ منها بأرضِ عادٍ عمودَ نُحاسٍ، عليه شجرةٌ من
نحاسٍ، فإذا كان في الأشهرِ الحُرُم قطرَ منها الماءُ، فملؤوا منه حياضَهم.
وسَقَوْا مواشيهم وزروعَهم، فإذا ذهب الأشهرُ الحرمُ انقطَعَ الماءُ.
وقولُهُ ﷺ : "ورجبُ مُضَر" سُمِّي رجبٌ رجبًا، لأنه كان يُرجَّبُ، أي يُعظَّمُ، كذا قال الأصمعي، والمفضَّلُ، والفرَّاءُ، وقيلَ: لأنَّ الملائكةَ تترجَّب
стр. 502
للتسبيح والتَّحميدِ فيه، وفي ذلك حديثٌ مرفوعٌ إلا أنه موضوع.
وأما إضافتُه إلى "مُضَر"، فقيل: لأنَّ مُضَرَ كانت تزيدُ في تعظيمِهِ
واحترامِهِ، فنُسبَ إليهم لذلك. وقيل: بل كانت ربيعةُ تُحرِّمُ رمضانَ، وتُحرِّمُ مُضَرُ رجبًا، فلذلك سمَّاه رجبَ مُضَرَ، وحقَّق ذلك بقوله: "الذي بين جُمادى وشعبان ".
وذكر بعضُهم أنَّ لشهر رجبٍ أربعةَ عشرَ اسمًا: شهرُ اللَّهِ، ورجبٌ.
ورجبُ مُضَر، ومُنْصِلُ الأسِنَّةِ، والأصمُّ، والأصبُّ، ومُنَفّسٌ، ومُطَهِّرٌ.
ومُعَلَّى، ومقيمٌ، وهرم، ومُقشقشٌ، ومُبرّئٌ، وفرْدٌ، وذكر غيرُه أنَّ له سبعة عشر اسمًا، فزادَ "رجم " بالميم، ومُنْصِل الألَّة، وهي الحربة، ومنزعُ
الأسنَّة.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) ، قال: إنَّما لمْ يقُل: ما كتِبَ علَيْنا"
لأنَّه أمرٌ يتعلقُ بالمؤمنِ، ولا يصيبُ المؤمنُ شيءٌ إلا وهو له، إن كانَ خيرًا
فهو له في العاجلِ، وإن كانَ شرًا فهو ثواب في الآجل.
* * *
стр. 503
قوله تعالى: (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)
قال اللَّهُ تعالى: (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) .
وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قال: "اشتكتِ النارُ إلى ربِّها، فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ سمومُها، وأَشَدُّ ما تجدونَ من البردِ زمهريرُهَا ".
وفي "الصحيحينِ " أيضًا عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "نارُكم هذه التي يوقدُ بنوآدمَ جزء واحدٌ من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنَّمَ "، قالوا: والله إن كانتْ لكافيةً، قال: "إنها فُضِّلتْ عليها، بتسعة وستينَ جزءًا، كلِّهنَّ مثلُ حرِّهَا"
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ وزادَ فيه: "ضربت بالبحرِ مرتينِ، ولولا ذاك ما جعل اللَّهُ فيها منفعة لأحدٍ"، وقد سبقَ من حديثِ أنسٍ نحوُهُ.
وعن عطيةَ العوفيِّ عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "نارُكم هذه جزء من سبعينَ جزءا من نارِ جهنَّم لكلِّ جزء منها مثل حرِّها". خرَّجه الترمذيُّ.
وقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا قتيبةُ، حدثنا عبدُ العزيزِ - هو الدراورديُّ - عن
سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ هذه النارَ جزء من مائةِ جزءٍ من جهنَّمَ ".
وقال ابنُ مسعود: "إنَّ نارَكم هذه ضُرِبَ بها البحرُ ففترتْ، ولولا ذلكَ ما
стр. 504
انتفعتم بها، وهي جزء من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنَّمَ "
وخرَّجه البزَّارُ مرفوعًا والموقوفُ أصحُّ.
وخرَّج الطبرانيُّ من طريقِ تمامِ بنِ نجيحِ عن الحسنِ، عن أنسٍ، عن النبيِّ
ﷺ قالَ: "لو أن غربًا من جهنَّم، جعلَ في وسطِ الأرض لآذى نتنُ ريحِهِ وشدةُ حرِّه ما بينَ المشرقِ والمغرب، ولو أنَّ شرارَةً من شرارِ جهنَّم بالمشرقِ لوجدَ حرَّها مَن بالمغربِ "
وتمامُ بنُ نجيع تكُلًّمَ فيه.
وخرَّج أيضًا من طريقِ عديِّ بن عدي الكندي عن عمرَ أن جبريلَ قال
للنبيِّ ﷺ : والذي بعثكَ بالحقِّ لو أنَّ قدرَ ثقبِ إبرة فُتحَ من جهنَّمَ لمات من في الأرضِ كلُّهم جميعًا من حرِّه.
وقد سبقَ الكلامُ على إسنادِهِ.
ورُوي من وجهٍ ضعيفٍ عن الحسنِ مرسلاً نحوُهُ أيضًا.
وخرَّج أبو يعلى الموصلي من حديثِ أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ:
"لوكان في هذا المسجدِ مائةُ ألف أو يزيدونَ، وفيهم رجل من أهلِ النارِ فتنفسَ فأصابَهُم نفسُهُ لأحرقَ من في المسجدِ أو يزيدونَ ".
لكن قالَ الإمامُ أحمدُ: هو حديث منكر.
وقال كعبٌ لعمرَ بنِ الخطابِ: لو فُتحَ من جهنَّم قدرُ منخرِ ثورٍ بالمشرقِ
ورجلٌ بِالمغربِ لغلى دماغُهُ حتى يسيلَ من حرِّهِ.
وقال عبدُ الملكِ بن عميرٍ: لو أنَّ أهل النارِ كانُوا في نارِ الدنيا لقَالُوا فيها.
وقال عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ: أُخبرتُ عن سيَّارٍ عن ابنِ المعزى - وكان
من خيارِ الناسِ - قال: بلغني أنَّ رجلاً لو خرجَ منها إلى نارِ الدنيا لنام
стр. 505
فيها ألفي سنة.
وقال معاويةُ بنُ صالحٍ عن عبدِ الملكِ بن أبي بشيرِ - يرفعُ الحديثَ: "ما من
يومٍ إلا والنارُ تقولُ: اشتدَّ حرِّي، وبعدَ قعري، وعظُم جمرِي، عَجِّلْ إلهي إليَّ بأهلي ".
وقال ابنُ عيينةَ عن بشيرِ بنِ منصور، قلتُ لعطاء السلميِّ: لو أنَّ إنسانًا
أوقدتْ له نار فقيلَ لهُ: من دخلَ هذه النارَ نجا من النارِ، فقال: عطاءٌ: لو
قيلَ لي ذلك لخشيتُ أن تخرجَ نفسِي فرحًا قبل أن أقعَ فيها.
* * *
قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)
وقد ذكر اللَّهُ في كتابِهِ عن الأنبياءِ ﵈ أنهم نصحُوا لأممِهِم
كما أخبرَ اللَّه بذلكَ عن نوح، وعن صالح، وقال: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) .
يعني: أنَّ منْ تخلَّفَ عن الجهاد لِعذرٍ، فلا حرجَ عليه بشرطِ أن يكونَ
ناصِحًا للَّهِ ورسولِهِ في تخلُّفِهِ، فإنًّ المنافقينَ كانُوا يُظهرُون الأعذارَ كاذبين.
ويتخلَّفونَ عن الجهادِ من غيرِ نصح للَّه ورسولهِ) .
* * *
стр. 506
قوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)
ومنْ أعظم خصالِ النفاقِ العمليِّ: أن يعملَ الإنسانُ عملاً، ويُظهِرُ أنّه
قصدَ به الخيرَ، وإنَّما عملهُ ليتوصَّل به إلى غرضِ له سيِّئ فيتمَّ له ذلك.
ويتوصَّلُ بهذه الخديعة إلى غرضِهِ، ويفرحُ بمكى وخِداعِهِ وحَمدِ النَّاسِ له
على ما أظهرَهُ، وتوصًّل به إلى غرضِهِ السيِّئ الذي أبطنه، وهذا قد حكاهُ
اللَّهُ في القرآنِ عن المنافقينَ واليهودِ، فحكى عن المنافقينَ أنَّهُم: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
وأنزلَ في اليهودِ: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) .
وهذه الآية نزلتْ في اليهودِ، سألهم النبيُّ ﷺ عن شيءٍ فكتمُوه، وأخبرُوه بغيره، فخرجُوا وقد أرَوْه أنهم قد أخبرُوه بما سألَهُم عنه، واستحمدوا بذلكَ، وفرحُوا بما أُوتوا من كتمانِهِم وما سُئِلُوا عنه. قال ذلك ابنُ عباسِ، وحديثُه مخرَّج في "الصحيحينِ ". وفيهما - أيضًا -: عن أبي سعيدٍ أنها نزلت في رجالٍ من المنافقينَ كانُوا إذا خرجَ النبيُّ ﷺ إلى الغزوِ تخلَّفوا عنه وفرِحُوا بمقعدِهِم خِلافَهُ، فإذا قدِمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ من الغزوِ اعتذرُوا إليه، وحلفُوا، وأحبُّوا أن يُحمدُوا بما لم يفعلُوا.
* * *
стр. 507
سُورَةُ يُونُسَ
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)
قالَ اللَّهُ : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)
وقال اللَّهُ تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) .
فأخبر أنَّه علق معرفةَ السنينَ والحسابِ على تقديرِ القمرِ
منازلَ.
وقيلَ: بل على جعلِ الشمسِ ضياءً والقمرِ نورًا، لأنَّ حسابَ السنةِ
والشهرِ يُعرَفُ بالقمر، واليومُ والأسبوعُ يُعرفُ بالشمس، وبهما يتمُّ الحسابُ.
وقوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) لمَّا كان الشهرُ الهلاليُّ لا يحتاجُ إلى عَدٍّ لتوفِيَتِهِ بما بين الهلالينِ، لم يقُلْ: لتعلمُوا عددَ الشهورِ.
فإنَّ الشهر لا يحتاجُ إلى عَدِّه إلا إذا غُمَّ آخرُهُ، فيُكَمَّلُ عددُه بالاتفاقِ، إلا في شهرِ شعبانَ إذا غُمَّ آخِرُهُ بالنسبة إلى صومِ رمضانَ خاصَّة، فإنَّ فيه اختلافًا مشهورًا، وأما السَّنةُ فلا بُدَّ من عددِها، إذْ ليس لها حدٌّ ظاهرٌ في السَّماء فيُحتاجُ إلى عددِها بالشهورِ، ولا سيَّما مع تطاولِ السنينِ وتعدُّدِها.
стр. 508
وجعل اللَّه السنة اثني عشر شهرًا، كما قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ
اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كتَابِ اللَّهِ) ، وذلكَ بعددِ البُروج التي تكمُلُ
بدورِ الشمسِ فيها السنةُ الشمسيَّةُ، فإذا دارَ القمر فيها كلِّها كمُلَتْ دورتُهُ السنويةُ، وإنما جعلَ اللَّهُ الاعتبارَ بدورِ القمرِ، لأنَّ ظهورَهُ في السماءِ لا
بحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتاب، بل هو أمرٌ ظاهرٌ يُشاهدُ بالبصرِ، بخلافِ سيرِ
الشمس؛ فإنه تحتاجُ معرفته إلى حساب وكتابٍ، فلم يُحوِجْنا إلى ذلكَ، كما قال النبيُّ ﷺ :
"إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتبُ وَّلَا نحسُبُ، الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا"
وأشارَ بأصابعِهِ العشْرِ، وخنَسَ إبهامَهُ في الثالثةِ.
"صُومُوا لرؤيتِهِ وأفطِرُوا لرؤيته، فإنْ غُمَّ عليكم فأكمِلُوا العدَّة"
وإنما علَّق اللَهُ تعالى على الشمس أحكامَ اليومِ من الصَّلاةِ والصِّيام، حيثُ كان ذلك أيضًا مشاهدًا بالبصرِ لا يحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ، فالصلاةُ تتعلَّقُ بطلوع الفجر، وطلوع الشمسِ، وزوالها وغروبِها، ومصيرِ ظلِّ الشيء مثله. وغروبِ الشفقِ، والصيامُ يتوقَّتُ بمدة النهارِ من طلوع الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
وقوله تعالى: (وَالْحِسَابَ) ، يعني بالحسابِ: حسابَ ما يحتاج إليه النَّاسُ
من مصالح دينهم ودنياهم، كصيامِهِم، وفطرِهِم، وحجِّهم، وزكاتِهِم.
ونذورِهِم، وكفَّاراتِهِم، وعِددِ نسائِهم، ومُدَد إيلائِهم، ومُدَدِ إجاراتِهِم.
وحُلول آجال دُيونهم، وغير ذلك ممَّا يتوقَّتُ بالشهورِ والسنينَ.
وقد قال اللَّهُ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) ، فأخبر أنَّ الأهلَّةَ مواقيتُ للناسِ عمومًا، وخصَّ الحجَّ من بينِ ما
стр. 509
يُوقَّتُ به، للاهتمامِ به، وجعلَ اللَّهُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ لعباده
المؤمنينَ وظائفَ مُوظَّفةً عليهم من وظائفِ طاعتِهِ، فمنها ما هو مفترضٌ
كالصلواتِ الخمسِ. ومنها ما يُنْدَبون إليهِ من غير افتراضٍ، كنوافلِ الصلاةِ
والذكر وغير ذلك.
وجعلَ في شهورِ الأهلَّةِ وظائفَ مُوَظَّفةً أيضًا على عبادِهِ كالصّيامِ.
والزَّكاةِ، والحجِّ، ومنه فرْضٌ مفروضٌ عليهم، كصيام رمضان، وحجَّةِ
الإسلامِ، ومنه ما هوَ مندوبٌ، كصيامِ شعبانَ، وشوالٍ، والأشهرِ الحُرُمِ.
وجعلَ اللَهُ سبحانه لبعضِ الشهورِ فضلاً على بعض، كما قال تعالى:
(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .
وقال اللَّهُ تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلومَاتٌ) .
وقال اللَهُ تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) .
كما جعلَ بعضَ الأيام والليالي أفضلَ من بعض، وجعلَ ليلةَ القدْرِ خيرًا
من ألفِ شهرٍ، وأقسَمَ بالعشْرِ، وهو عشْرُ ذي الحجَّةِ على الصحيح، كما
سنذكرُهُ في موضعهِ إن شاء اللَّهُ تعالى.
وما من هذه المواسم الفاضلةُ موسمٌ إلا وللَّهِ تعالى فيه وظيفةٌ من وظائفِ طاعاتِهِ، يتقرَّبُ بها إليه، وللَّهِ فيه لطيفةٌ من لطائفِ نفحاتِهِ، يُصيبُ بها من يعودُ بفضلِهِ ورحمتِهِ عليه، فالسعيدُ من اغتنمَ مواسمَ الشهورِ والأيامِ والسَّاعاتِ، وتقرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها من وظائفِ الطَّاعاتِ، فعسى أن تصيبَهُ نفْحةٌ من تلكَ النَّفحاتِ، فيسعدُ بها سعادةً يأمَنُ بعدَها من النَّارِ وما فيه من اللَّفَحَاتِ.
وقد خرَّج ابنُ أبي الدنيا والطَّبرانيُّ وغيرُهما، من حديثِ أبي هريرةَ ﵁ -
стр. 510
مرفوعًا: "اطلبُوا الخيرَ دَهْرَكُم كُلَّهُ، وتعرَّضُوا لنَفَحاتِ رحمةِ ربّكم، فإنَّ للَّه نفحاتٍ من رحمته يصيبُ به من يشاءُ من عبادِهِ، وسلُوا اللَّهَ أنْ يستُرَ عوراتِكُم ويُؤمِّنَ روعاتِكُم ".
وفي روايةٍ للطبرانيِّ من حديثِ محمدِ بنِ مسلمةَ مرفوعًا:
"إنَّ للَّهِ في أيام الدَّهر نفحات فتعرَّضُوا لها، فلعلَّ أحدَكُم أن تصيبَه نفحة فلا يَشْقى بعدها أبدًا"
وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" عن عقبةَ بنِ عامرٍ، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ليس من عملِ يومِ إلا يُختمُ عليه "
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن مجاهدٍ.
قال: ما من يومٍ إلا يقولُ: ابنَ آدم، قد دخلْتُ عليك اليومَ ولن أرجِعَ إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل فيَّ؛ فإذا انقضى طواهُ، ثم يُختم عليه فلا يفك حتى يكون اللَّه هو الذي يفُضُّ ذلك الخاتمَ يومَ القيامة، ويقول اليومُ حينِ ينقضي: الحمدُ للَّهِ الذي أراحني من الدنيا وأهلِها، ولا ليلةً تدخلُ على
الناسِ إلا قالتْ كذلكَ.
وبإسنادِهِ عن مالكِ بنِ دينارٍ، قالَ: كان عيسى ﵇، يقولُ: إنَّ هذا الليلَ والنَّهارَ خِزانتان، فانظرُوا ما تضعونَ فيهما، وكان يقولُ: اعملُوا اللَّيلَ لما خُلِقَ له، واعْملُوا النهَّارَ لما خُلِقَ له.
وعن الحسنِ، قال: ليس يومٌ يأتي من أيامِ الدنيا إلا يتكلَّم، يقولُ: يا أيها الناسُ، إنِّي يومٌ جديدٌ، وإني على ما يعمل فيَّ شهيدٌ، وإني لو قد غربَتِ الشمسُ، لم أرجع إليكم إلى يوم القيامةِ. وعنه أنه كانَ يقولُ: يا ابنَ آدم، اليومُ ضيفُك، والضيفُ مرتحلٌ، يحمدُك أو يذمُّكَ، وكذلك ليلتُك. وبإسنادِهِ عن بكرٍ المزنيِّ، أنه قالَ: ما من
стр. 511
يومٍ أخرَّجَه اللَّهُ إلى أهلِ الدنيا إلا يُنادِي: ابنَ آدمَ، اغتنمني، لعلَّه لا يومَ
لك بعدِي، ولا ليلةَ إلا تنادي: ابنَ آدمَ، اغتنمنِي، لعلَّه لا ليلةَ لك بعدِي، وعن عُمر بنِ ذَرٍّ أنه كانَ يقول: اعملوا لأنفسكم رحمكمُ الله في هذا الليلِ
وسوادِهِ، فإنَّ المغبُونَ منْ غُبِنَ خيرَ اللَّيلِ والنَّهارِ، والمحرومَ منْ حُرمَ خيرَهما.
إنَّما جُعِلا سبيلاً للمؤمنينَ إلى طاعةِ ربِّهم، ووبالاً على الآخرين للغَفْلة عن
أنفسِهِم، فأحيُوا للَّهِ أنفسكُم بذكر، فإنَّما تحيا القلوبُ بذكرِ اللَّه .
عن أبي موسى ﵁، قال: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "مثلُ الذي يذكرُ ربَّهُ والذي لا يذكرُ ربَّه، مثلُ الحيِّ والميِّتِ ".
كم من قائم للَّه في هذا الليل قد اغْتبَطَ بقيامِهِ في ظُلمة حُفرتِهِ، وكم من
نائم في هذا الليلِ قد ندِم عَلى طُول نومِهِ، عندما يرى من كرامةِ اللَّه عزَّ
وجلَّ للعابدينَ غدًا. فاغتنمُوا ممرَّ السَّاعاتِ والليالي والأيامِ، رحمكم اللَّهُ.
وعن داودَ الطائيِّ أنَّه قال: إنَّما اللَّيلُ والنَّهارُ مراحلُ، ينزلُها الناسُ مرْحلةً
مرْحلةً، حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعتَ أن تُقدِّمَ في
كلِّ مرْحلةٍ زادًا لما بين يديْها فافْعَلْ، فإنَّ انقطاعَ السفرِ عن قريبٍ ما هو.
والأمرُ أعجلُ من ذلكَ.
فتزوَّدْ لسفرِكَ واقضِ ما أنتَ قاضٍ من أمركَ فكأنَّك بالأمرِ قد بغَتَكَ.
قال ابنُ أبي الدنيا: وأنشدنا محمودُ بن الحسين:
مضى أمسُك الماضِي شهيدًا مُعدَّلاً. . . وأعقبَهُ يومٌ عليك جديدُ
فيومُك إن أغنيتَهُ عادَ نفعُهُ. . . عليكَ وماضي الأمسِ ليس يعودُ
стр. 512
فإنْ كُنت بالأمسِ اقْترفْتَ إساءةً. . . فثن بإحْسان وأنت حميدُ
فلا تُرْج فعلَ الخيرِ يومًا إلى غد. . . لعل غدًا يأتي وأنتَ فقيدُ
وفي "تفسيرِ عبدِ بنِ حُميدٍ" وغيرِه من التفاسيرِ المسندةِ عن الحسنِ في قولِ
اللَّهِ : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢) .
قال: منْ عجزَ بالليل كان له في أولِ النهارِ مُسْتَعْتبٌ.
ومنْ عجزَ عن النَهارِ، كان له في الليل مستعتبٌ.
وعن قتادةَ قال: إنَّ المؤمن قد ينسى بالليل ويذكُرُ بالنهارِ، وينسى النهار ويذكرُ بالليلِ.
قال: وجاء رجلٌ إلى سلْمان الفارسي، قال: إني لا أستطيع قيامَ الليل.
قال له: فلا تعجِزْ بالنَهارِ.
قال قتادةُ: فأدُّوا إلى اللَّه من أعمالِكُم خيرًا في هذا الليلِ والنَّهارِ.
فإنَّهما مطيَّتانِ تُقْحمانِ الناسَ إلى آجالِهِم، يقرِّبان كلَّ بعيد، ويُبْليان كُلَّ
جديدٍ، ويجيئانِ بكلِّ موعودٍ، إلى يومِ القيامةِ. َ
* * *
وأمَّا الصبرُ، فإنه ضياءٌ، والضياءُ: هو النورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ
وإشراقٍ كضياءِ الشمسِ بخلافِ القمرِ، فإنَه نور محضٌ، فيه إشراقٌ بغيرِ
إحراقٍ، قال اللَّهُ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) .
ومن هنا وصفَ اللَهُ شريعة موسى بأنها ضياءٌ، كما قال:
(وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَقِينَ) ، وإن كان قد ذكرَ أن في التوراةِ نورًا، كما قال: (إِنَا أَنزَلْنَا التَوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) .
لكن الغالبَ على شريعتِهِم الضياءُ لما فيه منَ الآصارِ والأغلالِ والأثقالِ.
стр. 513
ووصفَ شريعةَ محمَدٍ ﷺ بأنها نور لما فيها من الحنيفيَّةِ السمحةِ، قال تعالى: (قَدْ جَاءَكم مِّنَ اللهِ نور وَكتَابٌ مُبِينٌ) .
وقال: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) .
ولما كان الصبرُ شاقًا على النفوسِ، يحتاجُ إلى مجاهدةِ النفسِ، وحبسِها.
وكفِّها عمَّا تهواهُ، كان ضِياءً، فإنَّ معنى الصَّبرِ في اللغةِ: الحبسُ، ومنه: قتْلُ الصبرِ؛ وهو أن يُحبَسَ الرَّجلُ حتى يقتل.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)
وانقسم بنو آدمَ في الدنيا إلى قسمينِ:
أحدهما: من أنكرَ أن يكونَ للعبادِ بعدَ الدَّنيا دار للثوابِ والعقابِ، وهؤلاءِ
هم الذين قال اللَّهُ فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) .
стр. 514
وهؤلاءِ همُّهمُ التمتُع بالدنيا، واغتنامُ لذاتها قبلَ الموتِ، كما قال
اللَّهُ تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَروا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأكُلُونَ كَمَا تَاْكلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثوًى لَّهمْ) .
ومن هؤلاءِ منْ كانَ يأمرُ بالزُّهد في الدنيا، لأنَّه يرى أنَّ
الاستكثارَ منها يُوجِبُ الهمَّ والغمَّ، ويقولُ: كلَّما كثُرَ التعلُّقُ بها تألَّمتِ
النَّفسُ بمفارقتِها عندَ الموتِ، فكان هذا غايةَ زُهدهم في الدنيا.
والقسم الثاني: من يُقِرُّ بدارٍ بعد الموتِ للثوابِ والعقابِ، وهم المنتسبونَ إلى
شرائع المرسلينَ، وهم منقسمونَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: ظالمٌ لنفسِهِ، ومقتصدٌ.
وسابق بالخيراتِ بإذنِ اللهِ.
فالظالم لنفسهِ: هم الأكثرونَ منهُم، وأكثرُهم وقفَ مع زهرةِ الدنيا
وزينتِها، فأخذَها من غيرِ وجهِها، واستعمَلَها في غيرِ وجهِهَا، وصارتِ الدنيا أكبرَ همِّه، لها يغضبُ، وبها يرضَى، ولها يُوالي، وعليها يُعادِي، وهؤلاءِ هم أهلُ اللَّهوِ واللَّعبِ والزِّينةِ والتَّفاخرِ والتَّكاثرِ، وكلُّهم لم يعرفِ المقصودَ من الدنيا ولا أنها منزلُ سفرٍ يتزوَّدُ منها لما بعدَها منْ دارِ الإقامةِ، وإن كانَ أحدُهم يؤمن بذلك إيمانًا مجمَلاً فهُوَ لا يعرفُه مفصَّلاً، ولا ذاقَ ما ذاقَهُ أهلُ المعرفة باللَّهِ في الدَّنيا ممَّا هو أنموذجُ ما ادَّخرَ لهم في الآخرة.
والمقتصدُ منهم: أخذَ الدنيا منْ وجوهِهَا المباحةِ، وأدَّى واجباتِهَا، وأمسَكَ
لنفسِهِ الزَّائدَ على الواجبِ يتوسَّعُ به في التمتع بشهواتِ الدنيا، وهؤلاءِ قد
اختُلفَ في دخولِهِم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكرُهُ، ولا عقابَ
عليهم في ذلكَ، إلا أنه ينقصُ من درجاتِهِم من الآخرةِ بقدرِ توسُّعهم في
الدنيا.
стр. 515
قال ابنُ عمرَ: لا يصيبُ عبدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقصَ من درجاتِهِ عندَ
اللهِ، وإن كان عليه كريمًا.
خرَّجه ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ جيدٍ.
وروي مرفوعًا من حديثِ عائشةَ بإسنادٍ فيه نظر.
وروى الإمامُ أحمدُ في كتابِ "الزهدِ" بإسنادِهِ: أنَّ رجلاً دخل عَلى معاويةَ
فكساهُ، فخرجَ فمر على أبي مسعود الأنصاريَ ورجلٍ آخرَ من الصَّحابةِ.
فقالَ أحدُهُما له: خذها منْ حسناتِك، وقال الآخرُ: من طيِّباتِك.
وبإسنادِهِ عن عمرَ قال: لولا أن تنقصَ حسناتِي لخالطتكم في لِين
عَيْشِكُم، ولكنِّي سمعتُ اللَّهَ عيَرَ قومًا فقال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُم
الدُّنْيَا) .
وقال الفُضيلُ بنُ عياضٍ: إن شئتَ استقلَّ من الدُّنيا، وإن شئتَ استكثرْ
منها، فإنَّما تأخُذُ من كِيسكَ.
ويشهد لهذا أنَّ اللَّهَ حرَّم عَلى عبادِهِ أشياءَ من فضولِ شهواتِ
الدنيا وزينتِهَا وبهجتِهَا، حيثُ لم يكونُوا محتاجينَ إليه، وادَّخره لهم عندَهُ في
الآخرةِ، وقد وقعتِ الإشارةُ إلى هذا بقولِهِ : (وَلَوْلا أَن يَكونَ النَّاس
أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ) إلى قولِهِْ
(وإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) .
وصحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "منْ لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يلبسْه في الآخرةِ".
ومن شرِبَ الخمرَ في الدنيا لم يشربْها في الآخرةِ"،
стр. 516
وقال: " لا تلبَسوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضَّةِ، ولا تأكلُوا في صحافِها، فإنَّها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرةِ".
وقال وهبٌ: إنَّ اللَّهَ قال لموسى ﵇: إنِّي لأذودُ
أوليائِي عن نعيم الدُّنيا ورخائِها كما يذودُ الرَّاعِي الشفيقُ إبِلَه عن مباركِ
العُرَّةِ، وما ذلكَ لهوانِهِم عليَّ، ولكن ليستكملُوا نصيبَهُم من كرامتِي سالمًا
موفرًا لم تكْلَمْهُ الدنيا.
ويشهد لهذا ما خرَّجه الترمذيُّ عن قتادةَ بنِ النُّعمانِ، عنِ النبيِّ ﷺ قال:
"إن اللَّهَ إذا أحبَّ عبدًا حماهُ الدَّنيا، كما يَظَلُّ أحدُكُم يحمي سقيمَه الماءَ".
وخرَّجه الحاكمُ، ولفظُهُ: "إنَّ الله ليحمي عبدَهُ الدُّنيا وهو يحبُّه، كما تحمُونَ
مريضَكم الطعامَ والشرابَ، تخافونَ عليه ".
وفي "صحيح مسلم " عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو عنِ النبيِّ ﷺ ، قال: "الدنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ".
وأمَّا السَّابقُ بالخيراتِ بإذنِ اللَّهِ: فهم الذين فهِمُوا المرادَ من الدنيا، وعمِلُوا
بمقتضى ذلكَ، فعلِمُوا أنَّ اللَّهَ إنَّما أسكَنَ عبادَهُ في هذه الدَّارِ، ليبلُوهم أيُّهم
أحسنُ عملاً، كما قال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ،
стр. 517
وقال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .
قال بعضُ السلفِ: أيهم أزهدُ في الدنيا، وأرغبُ في الآخرةِ، وجعل ما
في الدنيا من البهجةِ والنُضرةِ محنةً لينظر من يقفُ منهم معه، ويرْكَنُ إليه.
ومن ليسَ كذلك، كما قال تعالى: (إِئا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لنَبْلُوَهُمْ أَيّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ، ثمَّ بيّن انقطاعَهُ ونفادَهُ، فقال: (وَإِنَّا لَجَاعِلونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا) ، فلمَّا فهِمُوا أنَّ هذا هو المقصودُ من الدنيا، جعلُوا
همَّهم التزودَ منها للآخرةِ التي هي دارُ القرارِ، واكتفُوا منَ الدنيا بما يكتفِي به
المسافرُ في سفر، كما كان النبي ﷺ يقول:
"ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثلُ الدُّنيا كرَاكبٍ قالَ في ظِلِّ شجرةٍ، ثم راحَ وترَكها".
ووصَّى ﷺ جماعةً من الصحابةِ أن يكونَ بلاغُ أحدِهم من الدنيا كزادِ الراكبِ، منهم: سلمانُ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجراح، وأبو ذرٍّ، وعائشةُ، ووصَّى ابنَ عمرَ أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعُدَ نفسَهُ من أهلِ القبورِ.
* * *
قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)
قوله ﷺ بعد هذا:
"وأسألُك لذة النظرِ إلى وجهِكَ والشوقَ إلى لقاتِكَ من غيرِ
ضراءَ مضرة ولا فتنة مضلة".
стр. 518
فهذا يشتملُ على أعْلَى نعيم المؤمنِ في الدنيا والآخرةِ، وأطيبِ عيشٍ لهم
في الدارين.
فأمَّا لذَّةُ النظرِ إلى وجهِ اللَّهِ : فإنَّه أعْلَى نعيم أهلِ الجنةِ، وأعظمُ
لذَّة لهم، كما في "صحيح مسلم " عن صُهيبٍ، عنِ النبيِّ ﷺ قال:
"إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نادى المُنادي: يا أهلَ الجنةِ إنَّ لكم عندَ اللَّهِ موعدًا يُريد أن يُنجزَهُ، فيقولونَ: ما هو؟ ألم يبيِّض وجوهَنا ألمْ يثقلْ موازيننَا ألم يُدخِلنا الجنةَ ألم يُجِرْنَا من النارِ؟
قال: فيكشفُ الحجابَ فينظرونَ إليه، فوالله ما أعطاهُم شيئا هو أحبُّ إليهِم من النظرِ إليه، وهو الزيادةُ"، ثم تلا رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآية: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) .
وفي رواية لابن ماجة وغيرِه، في هذا الحديث: "فوالله ما أعطاهُم شيئًا هو
أحبُّ إليهِم ولا أقر لأعينِهِم من النظرِ إليهِ ".
وخرَّج عثمانُ الدارمي، من حديثِ ابنِ عمرَ، مرفوعًا:
"إنَّ أهلَ الجنةِ إذا بلغَ بهم النَّعيمُ كلَّ مبلغٍ فظنوا أنَّه لا نعيمَ أفضلَ منه، تجلَّى الربُّ ﵎ عليهم، فينظرونَ إلى وجهِ الرحمن، فنسُوا كلَّ نعيم عاينُوه حين نظرُوا إلى وجهِ الرحمن ".
وخرَّجه الدارقطنيُّ بنقصان منه وزيادة، وفيه: "فيقولُ:
"يا أهل الجنةِ هلِّلوني وكبِّرونِي وسبِّحُوني، كما كنتُم تُهلِّلُوني وتكبرونِي وتسبِّحُوني في دارِ الدنيا، فيتجاوبونَ بتهليلِ الرحمنِ، فيقولُ اللَهُ ﵎ لداودَ ﵇: يا داودُ مجّدْني فيقومُ داودُ فيمجدُ ربَّه ".
стр. 519
وفي "سننِ ابنِ ماجةَ " عن جابرٍ، مرفوعًا: "بينا أهلُ الجنةِ في نعيمِهِم إذْ سطَعَ
لهم نور فإذا الربُّ ﷻ قدْ أشرفَ عليهم، فقالَ: السلامُ عليكُم يا أهلَ الجنةِ، وهو قولُهُ تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) .
فلا يلتفتونَ إلى شيءٍ مما هُم فيه من النعيم ما دامُوا ينظرونَ إليه ".
وخرَّج البيهقيُّ من حديثِ جابرٍ، مرفوعًا:
"إنَ أهلَ الجنةِ يزورونَ - ربَّهم تعالى على نجائبَ من ياقوت أحمرَ أزمَّتها منْ زُمُردٍ أخضرَ، فيأمرُ اللَّهُ بكُثبانٍ من مسكٍ أذفرَ أبيضَ فتُثيرُ عليها ريحًا يقال لها: المثيرةُ، حتى تنتهِي بهِم إلى جنةِ عدنٍ وهي قصبة الجنةِ، فتقولُ الملائكةُ: ربَّنا جاء القومُ، فيقولُ: مرحبًا بالصادقينَ مرحبًا بالطائعينَ، قال:
فيكشفُ لهم الحجابُ، فنيظرونَ إليه ويتمتَّعونَ بنورِهِ حتَى لا يُبصرُ بعضُهم بعضًا ثم يقولُ: ارجعُوا إلى القُصورِ بالتحفِ، فيرجعونَ وقد أبصرَ بعضُهم بعضًا، فذلكَ قولُهُ تعالى: (نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رحِيمٍ) ".
وفي "مسندِ البزارِ" من حديثِ حذيفةَ مرفُوعًا في حديثِ يومِ المزيدِ:
"أنَّ اللهَ يكشفُ تلكَ الحُجُبَ ويتجلَّى لهُم، فيغشَاهُم من نورِه ما لولا أنَ اللَّه تَعالى قضى أنْ لا يحترقوا لاحترقُوا، ومِمَّا غشيَهُم من نور، فيرجعونَ إلى منازِلِهم وقد خفوا على أزواجِهِم ما غشيَهُم من نورِهِ، فإذا صارُوا إلى منازِلهِم تراد النورُ وأمكن وتراد وأمكن، حتى يرجعوا إلى صُورِهِم التي كانُوا عليْهَا".
ويُروى من حديثِ أنسٍ، مرفوعًا:
"إنَّ اللَّهَ يقولُ لأهلِ الجنةِ إذا استزارهم وتجلَّى لهُم: سلامٌ عليكُم يا عبادِي، انظرُوا إليَّ فقدْ رضيتُ عنكُم، فيقولونَ: سبحانَك
стр. 520
سبحانَك، فتتصدعُ له مدائنُ الجنةِ وقصورُها ويتجاوبُ فصولُ شجرِها، وأنهارِها وجميع ما فيها: سبحانك سبحانك، فاحتقرُوا الجنَّةَ وجميعَ ما فيها، حين نظرُوا إلى وجهِ اللَّهِ تعالى".
ويُروى من حديثِ عليٍّ، مرفوعًا: "إنَّ اللَّهَ يتجلَّى لأهلِ الجنةِ عن وجهِهِ.
فكأنَّهُم لم يروا نعمةً قبلَ ذلك، وهو قولُه: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ".
ويُروى من حديثِ أبي جعفرٍ مُرسلاً: "إنَّ أهلَ الجنةِ إذا زارُوا ربَّهم تعالى
وكشفَ لهم عن وجهِهِ، قالُوا: ربَّنا أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ وبكَ حقُّ الجلالِ والإكرام، فيقولُ تعالى: مرحبًا بعبادِي الذين حفظوا وصيَّثتي ورَاعُوا عهدِي وخافُوني بالغيبِ، وكانُوا منِّي على كلِّ حال مُشفقينَ.
فقالُوا: وعزَّتِكَ، وعظمتِكَ وجلالِكَ ما قدرْنَاكَ حقَّ قدرِكَ، وما أدَّيْنا إليكَ كلَّ حقِّكَ، فأذنْ لنا بالسجودِ لك، فيقول لهُم : إنِّي قد وضعتُ عنكُم مؤنةَ العبادةِ، وأرحتُ لكُم أبدانَكُم، فطالمَا أنصبتُم لي
الأبدانَ، وأعنيتم الوجوهَ، فالآنَ أفضيتُم إلى رَوحِي ورحمتِي وكرامتِي، فسلُونِي ما شئتُم وتمنَّوا عليَّ أُعطِكُم أمانيكُم، فإني لم أجزْكُمُ اليومَ بقدرِ أعمالِكُم، ولكن بقدرِ رحمتِي وكرامتِي، فما يزالونَ في الأمانيِّ والعطايا والمواهبِ، حتى إنَّ المقصّرَ منهم في أُمْنِيَّتِهِ ليتمنَّى مثلَ جميع الدنيا منذ خَلقَهَا اللَّهُ إلى أنْ أفناها، فيقولُ لهم الربُّ ﵎:
لقد قصَّرتم في أمانيِّكُم ورضيتُم بدونِ ما يحقُّ لكُم، فقد أوجبتُ لكم ما سألتُم وتمنيتُم، وألحقتُ بكم ذريتَكُم وزِدتُكُم ما قصرَتْ عنه أمانيُّكُم ".
قال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى: إذا تجلَّى لهم ربُّهم لا يكونُ ما أعطوا عند
ذلك بشيءٍ.
стр. 521
قال الحسنُ: إذا تجلَّى لأهلِ الجنةِ نسوا كلَّ نعيم الجنَّةِ.
وكان يقولُ: لو علمَ العابدونَ أنَّهم لا يرونَ ربَّهم في الآخرةِ لماتَوا.
وقال: إنَّ أحباءَ اللَّهِ هم الذينَ ورِثُوا طيبَ الحياةِ وذاقُوا نعيمَها بما وصلُوا
إليه من مُناجاةِ حبيبِهِم، وبما وجدُوا من حلاوةِ حبّه في قلوبِهِم، لا سيما إذا
خطر على بالِهِم ذكرُ مشافهتِهِ، وكشفُ ستورِ الحُجُبِ عنه في المقامِ الأمينِ
والسرورِ، وأراهُم جلالَهُ وأسمعَهُم لذَّةَ كلامِهِ ورد جواب ما ناجوه به أيامَ
حياتِهِم:
أملِي أن أراك يومًا من الدهرِ. . . فأشكُو لكَ الهوى والغلِيلا
وأناجيكَ من قربٍ وأُبْدِي. . . هذا الجَوى وهذا النُّحُولا
قال وهبٌ: لو خُيِّرتُ بين الرؤيةِ والجنةِ لاخترتُ الرؤيةَ.
رؤي بِشرٌ في المنامِ، فسُئلَ عن حالِهِ وحالِ إخوانِهِ، فقالَ: تركتُ فلانًا
وفلانًا ما بين يدي اللَّه يأكلانِ ويشربانِ ويتنعَّمانِ، قيل له: فأنتَ.
قال: علِمَ قلَّةَ رغبتِي في الطعامِ وأباحَنِي النظرَ إليه.
يا حبيبَ القلوبِ ما لي سواكَ ارحم اليومَ مذنبًا قد أتاكَا
أنتَ سُؤْلِي ومنيتِي وسُرورِي. . . طالَ شوقِي متى يكونُ لقاكَا
ليس سُؤْلِي من الجنانِ نعيمٌ. . . غيرَ أني أريدُهَا لأراكَا
قال ذو النونِ: ما طابتِ الدنيا إلا بذكره، ولا طابتِ الآخرةُ إلا بعفوه.
ولا طابتِ الجنةُ إلا برؤيتِهِ، ولو أنَّ اللَّه احتجبَ عن أهلِ الجنةِ لاستغاث أهلُ
الجنةِ من الجنةِ كما يستغيثُ أهلُ النارِ من النارِ.
стр. 522
كان بعضُ الصالحينَ، يقولُ: ليت ربِّي جعلَ ثوابي من عمَلِي نظرةً إليه ثم
يقولُ: كُنْ تُرابًا.
كان عليٌّ بنُ الموفقِ، يقولُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنتَ تعلمُ أنِّي أعبدُكَ خوفًا من نارِكَ
فعذِّبْني بها، وإنْ كنتَ تعلمُ أنَي أعبدُكَ حبًّا لجنَّتِكَ فاحرمْنِيها، وإنْ كنتَ
تعلمُ أنَّما عبدتُك حبًّا مِنِّي لكَ وشوقًا إلى وجهِكِ الكريمِ فأبحنيهِ واصنعْ بي
ما شئتَ.
سمعَ بعضُهم قائلاً يقولُ:
كبُرت همة عبدٍ طمعتْ في أنْ تراكَا. . . أو ما حسبتَ أنْ ترى من رأكَا
ثم شهق شهقةً فماتَ.
لما غلبَ الشوقُ على قلوبِ المُحبِّينَ استروحُوا إلى مثل هذه الكلماتِ، وما
تُخفِي صدُورُهم أكبرُ.
تجاسرتُ فكاشفْتُكَ لمَّا غلبَ الصبرُ. . . فإنْ عنفني الناسُ ففي وجهِكَ لي عذرُ
أبصارُ المُحبين قد غضَّت من الدنيا والآخرةِ، فلم تفتح إلا عند مشاهدةِ
محبوبِهِم يومَ المزيدِ.
أروحُ وقد ختمتَ على فؤادي. . . بحبِّك أنْ يحل به سواكَا
فلو أنِّي استطعتُ غضضتُ طَرْفِي. . . فلم أنظرْ به حتَّى أراكَا
أحبُّكَ لاببعضِي بلْ بكُلِّي. . . وإنْ لم يُبقِ حبُّكَ لي حِرَاكَا
وفي الأحبابِ مخصوصٌ بوجدٍ. . . وآخرُ يدَّعِي معي اشترَاكَا
إذا اشتبكتْ دموعِي في خدودِي. . . تبيَّن من بكَى ممَّن تباكَا
فأمَّا من بكَى فيذوبَ وجْدًا. . . وينطقُ بالهوى من قد تشَاكَا
стр. 523
كان سُمنونُ المُحبُّ يُنشدُ:
وكان فؤادِي خاليًا قبل حُبكُمُ. . . وكان بذكرِ الخلقِ يلهُو ويمرحُ
فلمَّا دعَا قلبِي هواكَ أجابَهُ. . . فلستُ أراهُ عن فِنائِكَ يبرحُ
رُميت ببعدٍ عنكَ إنْ كنتُ كاذبًا. . . وإن كنتُ في الدنيا بغيرِك أفرحُ
وإنْ كان شيءٌ بالبلادِ بأسرِهَا. . . إذا غبتَ عن عينِي لعيني يملحُ
فإنْ شئَتَ واصِلْني وإنْ شئت لا تصِل. . . فلستُ أرى قلبِي لغيرِكَ يصلُح
* * *
стр. 524
سُورَةُ هُودٍ
قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)
وخرَّج البخاريُّ في "تفسيره" عن ابنِ عباس: في قولِهِ تعالى.
(أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) : إنها نزلت فَي قومٍ كانُوا يجامعونَ
نساءَهم، ويتخلون، فيستحيونَ من اللَّهِ، فنزلتِ الآيةُ.
وكان الصِّدِّيقُ يقولُ: استحيُوا من اللَّهِ، فإني أذهبُ إلى الغائط فأظلُّ
متقنعًا بثوبي حياءً من ربي .
وكان أبو موسى إذا اغتسلَ في بيتٍ مظلم، لا يقيمُ صُلْبَه، حياءً من اللَّهِ
.
قال بعضُ السلفِ: خَفِ اللهَ على قدرِ قدرتِهِ عليكَ، واسْتَح منه على قدر
قُربه منك.
وقد يتولدُ الحياءُ من اللَّهِ من مطالعةِ النِّعَم، فيستحيي العبدُ من اللَّهِ أنْ
يستعينَ بنعمتِهِ على معاصِيه، فهذا كلُّه من أعْلى خصالِ الإيمانِ.
* * *
стр. 525
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)
وقولُهُ ﷺ لأبي هريرةَ لمَّا سأله: ممَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟
فقال لهُ: "من الماءِ"، يدُل على أن الماءَ أصلُ جميع المخلوقاتِ ومادّتها.
وجميعُ المخلوقاتِ خُلِقَتْ منه.
وفي "المسندِ" من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرةَ ﵁، قالَ: قلْتُ:
يا رسول اللهِ، إذا رأيتُك طابَتْ نفسِي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيءٍ.
فقال: "كُل شيء خُلِقَ من ماء".
وقد حكى ابنُ جريرٍ وغيرُه، عن ابنِ مسعودٍ ﵁، وطائفةٍ من السَّلفِ: أنَّ أوَلَ المخلوقاتِ الماءُ.
وروى الجُوزَجانيُّ بإسنادِهِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو أنَه سئلَ عن بدءِ الخلْقِ.
فقال: من ترابٍ، وماءٍ، وطينٍ، ومن نارٍ، وظلمةٍ.
فقيل له: فما بدءُ الخلْقِ الذي ذكرْتَ؟
قال: مِن ماءٍ يَنْبُوع.
وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أنَّ الماءَ كان موجودًا قبلَ خلْقِ السماواتِ
والأرضِ، فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) .
وفي "صحيح البخاريِّ " عن عِمْرانَ بنِ حُصين، عنِ النبيِّ ﷺ قالَ:
"كانَ اللهُ ولم يكنْ شيء قبلَهُ - وفي رواية - "معه "، (وكان عرشُهُ على الماءِ، وكتبَ في الذكرِ كلَّ شيء ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ ".
стр. 526
وفي "صحيح مسلم " عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ ﷺ قالَ:
"إنَّ اللَّه قدَّرَ مقاديرَ الخلاِئقِ قبْلَ أن يخلقَ السماوات والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنة، وكان عرشُهُ على الماءِ". َ
وروى ابنُ جريرٍ، وغيرُه عن ابنِ عباسٍ: إنَّ اللَّه كان عرشُهُ على
الماءِ ولم يخلقْ شيئًا غيرَ ما خلقَ قبلَ الماءِ، فلمَّا أرادَ أنْ يخلُقَ الخلْقَ أخرجَ
من الماءِ دُخانًا فارتفعَ فوقَ الماءِ، فسمَا عليه فسُمِّيَ سماءً، ثمَّ أيبسَ الماءَ
فجعلَهُ أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعلهَا سبْعَ أرضينَ، ثم اسْتَوى إلى السَّماءِ
وهي دُخانٌ، وكان ذلك الدُّخانُ من نفَسِ الماءِ حين تنفَّسَ، ثم جعلَها سماءً
واحدةً، ثم فتقها فجعلَها سبع سماواتٍ.
وعن وهْبٍ: إنَّ العرشَ كان قبل أن تُخلقَ السماواتُ والأرضُ على الماءِ.
فلمَّا أراد اللَّهُ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ قبضَ من صفاءِ الماء قبضةً، ثم
فتح القبضةَ فارتفعَتْ دُخانًا، ثم قضاهُنَّ سبْعَ سمواتٍ في يومينِ، ثم أخذَ
طينةً من الماءِ فوضعها في مكانِ البيت، ثم دحا الأرص منها.
وقال بعضُهم: خلقَ اللَّهُ الأرضَ أولاً، ثم خلقَ السماءَ، ثم دحا الأرضَ
بعدَ أن خلقَ السماءَ. وقيل: خلقَ اللَّهُ تعالى زمردةً خضراءَ كغلظِ السماواتِ والأرضِ، ثم نظرَ إليها نظرَ العظمةِ، فانْماعَتْ، يعني ذابتْ فصارتْ ماءً، فمن ثمَّ يُرى الماءُ دائمًا يتحرَّك من تلكَ الهيبةِ.
ثم إنَّ اللَّهَ تعالى رفعَ من البحرِ بخارًا، وهو الدُّخانِ الذي ذكره في قولِهِ:
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) ، فخلقَ السماءَ من الدُّخان،
стр. 527
وخلقَ الأرضَ من الماءِ، والجبالَ من موج الماء، وقال وهْب: أوَّلُ ما خلقَ
اللهُ تعالى مكانًا مظلِمًا، ثم خلقَ جوهرةً فأضاَءتْ ذلكَ المكانَ، ثم نظر إلى
الجوهرةِ نظرةَ الهيبةِ فصارتْ ماءً، فارتفعَ بخارُها وزَبَدُها، فخلقَ من البخارِ
السماواتِ، ومن الزبدِ الأرضينَ.
وروى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ أنه قال:
"إن اللَّهَ خلقَ خلقَهُ من ظُلمَة، ثم ألقى عليهِم من نور، فمن أصابَهُ يومئذ من ذلكَ النُّورِ اهْتَدَى، ومن أخطأهُ ضلَّ ".
وقال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ لكعبِ الأحبارِ: ما أوَّلُ شيءٍ ابتدأَ تعالى من خلقِهِ؟
قال كعبٌ: كتبَ اللَّهُ كتابًا لم يكتبْه قلمٌ ولا دواة، أي مداد، كتابَهُ
الزَّبرجدُ واللؤلؤ والياقوتُ: إنني أنا اللَّهُ لا إله إلا أن وحدِي لا شريكَ لِي.
وأنَّ محمدًا عبدِي ورسولِي، سبقَتْ رحمتِي غضبِي، قال كعبٌ: فإذا كانَ
يومُ القيامةِ أخرج ذلك الكتابَ، فيخرجُ من النارِ مثلي عددِ أهلِ الجنةِ
فيدخلهُمُ الجنةَ.
وقال سلمانُ وعبدُ اللَّهِ بن عمرٍو: إنَّ للَّه تعالى مائةَ رحمةٍ كما بين السماءِ
والأرضِ، فأنزلَ منها رحمةً واحدةً إلى أهلِ الدنيا، فبها يتراحمُ الجن
والإنسُ، وطيرُ السماء، وحيتانُ الماءِ، وما بين الهواء، ودوابُّ الأرضِ.
وهوامُّها، وادَّخر عنده تسعًا وتسعينَ رحمةً، فإذا كان يومُ القيامةِ أنزلَ تلكَ
الرحمةَ إلى ما عنده فيرحمُ عبادَهُ، والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ، وهذا كلُّه
يُبيِّنُ أنَّ السماواتِ والأرضَ خُلِقت من الماءِ، والخلافُ في أنَّ الماءَ هل هو أوَّلُ
стр. 528
المخلوقاتِ أم لا مشهورٌ، وحديثُ أبي هريرةَ يدُلُّ على أنَّ الماءَ مادَّةُ جميع
المخلوقاتِ، وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ الماءَ مادةُ جميع الحيواناتِ، قالَ اللَّهُ
تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) .
وقال تعالى: (واللَّه خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من مَاءٍ) .
وقولُ مَنْ قالَ: إنَّ المرادَ بالماءِ النُّطْفةُ التي يخلَقُ منها
الحيواناتُ بعيدٌ لوجهينِ:
أحدهما: أنَّ النُّطفَةَ لا تُسمّى ماءً مطلقًا بل مقيَّدًا، لقوله تعالى:
(خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) .
وقوله تعالى (أَلَمْ نَخلقكُم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) .
والثاني: أن من الحيواناتِ ما يتولَّدُ من غيرِ نُطْفَةٍ، كدودِ الخلِّ، والفاكهةِ
ونحوِ ذلك، فليس كل حيوانٍ مخلوقًا من نُطفةٍ، والقرآنُ دلَّ على خَلْقِ
جميع ما يدِبُ وما فيه حياةٌ من ماءٍ، فعُلِمَ بذلك أن أصلَ جميعِها الماءُ
المطلقُ.
ولا ينافي هذا قولَهُ تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ)
وقولَ النبي ﷺ :
"خُلِقَتِ الملائكةُ من نُور".
فإنَّ حديثَ أبي هريرةَ ﵁، دل على أنَّ أصلَ النُّور والنَّارِ الماءُ، كما أن أصلَ التّرابِ الذي خُلِقَ منهُ آدمُ الماءُ، فإنَّ آدمَ خُلِقَ من طينٍ، والطينُ ترابٌ مختلطٌ بماءٍ، والترابُ خُلِقَ من الماءِ كما تقدَّمَ عن ابنِ عباسٍ، وغير، وزعمَ فقاتِلٌ: أنَّ الماءَ خُلِقَ من النُّور، وهو مردودٌ بحديثِ أبي هريرة هذا وغيرهِ، ولا يُستنكَرُ خَلْقُ النَّارِ من الماءِ، فإنَّ اللَّهَ جمعَ بقدرته بين الماءِ والنَّارِ في الشَّجرِ
стр. 529
الأخضَرِ، وجعلَ ذلك من أدلةِ القُدرةِ على البَعْثِ، وذكر الطبائعيونَ: أنَّ الماءَ بانحدارِه يصيرُ بُخارًا، والبخارُ ينقلبُ هواءً، والهواءُ ينقلبُ نارًا، والله
أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)
قالَ تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) ، والمرادُ: وقتُ
مجيءِ العذابِ، وقد يكونُ ليلاً ويكونُ نهارًا، وقد يستمرُ وقد لا يستمرُ.
ويقال: يومُ الجَمَلِ، ويوم صِفِّين، وكل منهما كان عدةَ أيامٍ.
* * *
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)
وخرَّج مسلمٌ من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ:
"إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجل استُشْهِدَ، فأتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفَهَا، قال: فما عمِلتَ فيها؟
قال: قاتلتُ فيكَ حتَى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَكَ قاتلتَ، لأنْ
يُقالَ: جرِيء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ، حتى أُلقِيَ في النَّارِ، ورجل تعلَّمَ العلمَ وعلَمَهُ، وقرأ القُرآنَ، فأتِي به، فعرَّفَهُ نِعمَهُ فعرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟
قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنَك تعلَّمتَ العلمَ،
стр. 530
ليُقالَ: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليُقالَ: قارئ، فقدْ قيلَ، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ حتى أُلقيَ في النارِ، ورجلٌ وسَّع اللَّهُ عليه، وأعطاهُ من أصنافِ المالِ كلِّه، فأُتِي به، فعرَّفهَ نِعَمَهُ، فعرَفَها، قالَ: فما عمِلتَ فيها؟
قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفقَ فيها إلا أنفقتُ فِيهَا لك، قالَ: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ، ليُقالَ: هو جَواد، فقدْ قيل، ثمَّ أُمِرَ به.
فسُحبِ على وجهِهِ حتَّى أُلقيَ في النَّارِ".
وفي الحديثِ: أنَّ معاويةَ لما بَلَغَهُ هذا الحديثُ، بكَى حتى غُشي عليه.
فلمَّا أفاقَ، قال: صدقَ اللَهُ ورسولُهُ، قال اللَّهُ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) .
وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العلم لغيرِ وجهِ اللَّهِ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ
وأبو داودَ وابنُ ماجةَ، من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال:
"منْ تعلَّمَ عِلمًا ممَّا يُبتَغَى به وجْهُ اللَّهِ، لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عرَضًا من الدنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ"
يعني: ريحَها َ.
وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال:
"منْ طلَبَ العلمَ ليُمارِي به السُّفهاءَ، أو يُجارِي به العُلمَاءَ، أو يَصرِفَ به وجُوهَ الناسِ إليه، أدخلَهُ اللَّهُ النارَ".
وخرَّجه ابنُ ماجهَ بمعناهُ من حديثِ ابنِ عمرَ، وحذيفةَ، وجابرٍ، عنِ النبيِّ ﷺ -
следующие страницы →