Полный текст (1 372 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وفي "صحيح مسلم " عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ ﷺ قالَ:
"إنَّ اللَّه قدَّرَ مقاديرَ الخلاِئقِ قبْلَ أن يخلقَ السماوات والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنة، وكان عرشُهُ على الماءِ". َ
وروى ابنُ جريرٍ، وغيرُه عن ابنِ عباسٍ: إنَّ اللَّه كان عرشُهُ على
الماءِ ولم يخلقْ شيئًا غيرَ ما خلقَ قبلَ الماءِ، فلمَّا أرادَ أنْ يخلُقَ الخلْقَ أخرجَ
من الماءِ دُخانًا فارتفعَ فوقَ الماءِ، فسمَا عليه فسُمِّيَ سماءً، ثمَّ أيبسَ الماءَ
فجعلَهُ أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعلهَا سبْعَ أرضينَ، ثم اسْتَوى إلى السَّماءِ
وهي دُخانٌ، وكان ذلك الدُّخانُ من نفَسِ الماءِ حين تنفَّسَ، ثم جعلَها سماءً
واحدةً، ثم فتقها فجعلَها سبع سماواتٍ.
وعن وهْبٍ: إنَّ العرشَ كان قبل أن تُخلقَ السماواتُ والأرضُ على الماءِ.
فلمَّا أراد اللَّهُ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ قبضَ من صفاءِ الماء قبضةً، ثم
فتح القبضةَ فارتفعَتْ دُخانًا، ثم قضاهُنَّ سبْعَ سمواتٍ في يومينِ، ثم أخذَ
طينةً من الماءِ فوضعها في مكانِ البيت، ثم دحا الأرص منها.
وقال بعضُهم: خلقَ اللَّهُ الأرضَ أولاً، ثم خلقَ السماءَ، ثم دحا الأرضَ
بعدَ أن خلقَ السماءَ. وقيل: خلقَ اللَّهُ تعالى زمردةً خضراءَ كغلظِ السماواتِ والأرضِ، ثم نظرَ إليها نظرَ العظمةِ، فانْماعَتْ، يعني ذابتْ فصارتْ ماءً، فمن ثمَّ يُرى الماءُ دائمًا يتحرَّك من تلكَ الهيبةِ.
ثم إنَّ اللَّهَ تعالى رفعَ من البحرِ بخارًا، وهو الدُّخانِ الذي ذكره في قولِهِ:
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) ، فخلقَ السماءَ من الدُّخان،
стр. 527
وخلقَ الأرضَ من الماءِ، والجبالَ من موج الماء، وقال وهْب: أوَّلُ ما خلقَ
اللهُ تعالى مكانًا مظلِمًا، ثم خلقَ جوهرةً فأضاَءتْ ذلكَ المكانَ، ثم نظر إلى
الجوهرةِ نظرةَ الهيبةِ فصارتْ ماءً، فارتفعَ بخارُها وزَبَدُها، فخلقَ من البخارِ
السماواتِ، ومن الزبدِ الأرضينَ.
وروى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ أنه قال:
"إن اللَّهَ خلقَ خلقَهُ من ظُلمَة، ثم ألقى عليهِم من نور، فمن أصابَهُ يومئذ من ذلكَ النُّورِ اهْتَدَى، ومن أخطأهُ ضلَّ ".
وقال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ لكعبِ الأحبارِ: ما أوَّلُ شيءٍ ابتدأَ تعالى من خلقِهِ؟
قال كعبٌ: كتبَ اللَّهُ كتابًا لم يكتبْه قلمٌ ولا دواة، أي مداد، كتابَهُ
الزَّبرجدُ واللؤلؤ والياقوتُ: إنني أنا اللَّهُ لا إله إلا أن وحدِي لا شريكَ لِي.
وأنَّ محمدًا عبدِي ورسولِي، سبقَتْ رحمتِي غضبِي، قال كعبٌ: فإذا كانَ
يومُ القيامةِ أخرج ذلك الكتابَ، فيخرجُ من النارِ مثلي عددِ أهلِ الجنةِ
فيدخلهُمُ الجنةَ.
وقال سلمانُ وعبدُ اللَّهِ بن عمرٍو: إنَّ للَّه تعالى مائةَ رحمةٍ كما بين السماءِ
والأرضِ، فأنزلَ منها رحمةً واحدةً إلى أهلِ الدنيا، فبها يتراحمُ الجن
والإنسُ، وطيرُ السماء، وحيتانُ الماءِ، وما بين الهواء، ودوابُّ الأرضِ.
وهوامُّها، وادَّخر عنده تسعًا وتسعينَ رحمةً، فإذا كان يومُ القيامةِ أنزلَ تلكَ
الرحمةَ إلى ما عنده فيرحمُ عبادَهُ، والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ، وهذا كلُّه
يُبيِّنُ أنَّ السماواتِ والأرضَ خُلِقت من الماءِ، والخلافُ في أنَّ الماءَ هل هو أوَّلُ
стр. 528
المخلوقاتِ أم لا مشهورٌ، وحديثُ أبي هريرةَ يدُلُّ على أنَّ الماءَ مادَّةُ جميع
المخلوقاتِ، وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ الماءَ مادةُ جميع الحيواناتِ، قالَ اللَّهُ
تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) .
وقال تعالى: (واللَّه خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من مَاءٍ) .
وقولُ مَنْ قالَ: إنَّ المرادَ بالماءِ النُّطْفةُ التي يخلَقُ منها
الحيواناتُ بعيدٌ لوجهينِ:
أحدهما: أنَّ النُّطفَةَ لا تُسمّى ماءً مطلقًا بل مقيَّدًا، لقوله تعالى:
(خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) .
وقوله تعالى (أَلَمْ نَخلقكُم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) .
والثاني: أن من الحيواناتِ ما يتولَّدُ من غيرِ نُطْفَةٍ، كدودِ الخلِّ، والفاكهةِ
ونحوِ ذلك، فليس كل حيوانٍ مخلوقًا من نُطفةٍ، والقرآنُ دلَّ على خَلْقِ
جميع ما يدِبُ وما فيه حياةٌ من ماءٍ، فعُلِمَ بذلك أن أصلَ جميعِها الماءُ
المطلقُ.
ولا ينافي هذا قولَهُ تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ)
وقولَ النبي ﷺ :
"خُلِقَتِ الملائكةُ من نُور".
فإنَّ حديثَ أبي هريرةَ ﵁، دل على أنَّ أصلَ النُّور والنَّارِ الماءُ، كما أن أصلَ التّرابِ الذي خُلِقَ منهُ آدمُ الماءُ، فإنَّ آدمَ خُلِقَ من طينٍ، والطينُ ترابٌ مختلطٌ بماءٍ، والترابُ خُلِقَ من الماءِ كما تقدَّمَ عن ابنِ عباسٍ، وغير، وزعمَ فقاتِلٌ: أنَّ الماءَ خُلِقَ من النُّور، وهو مردودٌ بحديثِ أبي هريرة هذا وغيرهِ، ولا يُستنكَرُ خَلْقُ النَّارِ من الماءِ، فإنَّ اللَّهَ جمعَ بقدرته بين الماءِ والنَّارِ في الشَّجرِ
стр. 529
الأخضَرِ، وجعلَ ذلك من أدلةِ القُدرةِ على البَعْثِ، وذكر الطبائعيونَ: أنَّ الماءَ بانحدارِه يصيرُ بُخارًا، والبخارُ ينقلبُ هواءً، والهواءُ ينقلبُ نارًا، والله
أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)
قالَ تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) ، والمرادُ: وقتُ
مجيءِ العذابِ، وقد يكونُ ليلاً ويكونُ نهارًا، وقد يستمرُ وقد لا يستمرُ.
ويقال: يومُ الجَمَلِ، ويوم صِفِّين، وكل منهما كان عدةَ أيامٍ.
* * *
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)
وخرَّج مسلمٌ من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ:
"إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجل استُشْهِدَ، فأتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفَهَا، قال: فما عمِلتَ فيها؟
قال: قاتلتُ فيكَ حتَى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَكَ قاتلتَ، لأنْ
يُقالَ: جرِيء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ، حتى أُلقِيَ في النَّارِ، ورجل تعلَّمَ العلمَ وعلَمَهُ، وقرأ القُرآنَ، فأتِي به، فعرَّفَهُ نِعمَهُ فعرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟
قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنَك تعلَّمتَ العلمَ،
стр. 530
ليُقالَ: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليُقالَ: قارئ، فقدْ قيلَ، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ حتى أُلقيَ في النارِ، ورجلٌ وسَّع اللَّهُ عليه، وأعطاهُ من أصنافِ المالِ كلِّه، فأُتِي به، فعرَّفهَ نِعَمَهُ، فعرَفَها، قالَ: فما عمِلتَ فيها؟
قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفقَ فيها إلا أنفقتُ فِيهَا لك، قالَ: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ، ليُقالَ: هو جَواد، فقدْ قيل، ثمَّ أُمِرَ به.
فسُحبِ على وجهِهِ حتَّى أُلقيَ في النَّارِ".
وفي الحديثِ: أنَّ معاويةَ لما بَلَغَهُ هذا الحديثُ، بكَى حتى غُشي عليه.
فلمَّا أفاقَ، قال: صدقَ اللَهُ ورسولُهُ، قال اللَّهُ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) .
وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العلم لغيرِ وجهِ اللَّهِ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ
وأبو داودَ وابنُ ماجةَ، من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال:
"منْ تعلَّمَ عِلمًا ممَّا يُبتَغَى به وجْهُ اللَّهِ، لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عرَضًا من الدنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ"
يعني: ريحَها َ.
وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال:
"منْ طلَبَ العلمَ ليُمارِي به السُّفهاءَ، أو يُجارِي به العُلمَاءَ، أو يَصرِفَ به وجُوهَ الناسِ إليه، أدخلَهُ اللَّهُ النارَ".
وخرَّجه ابنُ ماجهَ بمعناهُ من حديثِ ابنِ عمرَ، وحذيفةَ، وجابرٍ، عنِ النبيِّ ﷺ -
стр. 531
ولفظُ حديثِ جابرٍ: "لا تعلَّموا العِلمَ لتُباهُوا به العُلَماءَ، ولا لتُمارُوا به
السُّفهاءَ، ولا تخيَّروا به المجالسَ، فمنْ فعلَ ذلك، فالنَّارَ النَّارَ".
وقال ابنُ مسعودٍ: لا تعلَّموا العلمَ لثلاثٍ: لتمارُوا به السفهاءَ، أو
لتُجادِلوا به الفُقهاءَ، أو لتصرفُوا له وجُوهَ الناس إليكم، وابتعوا بقولِكُم
وفعلِكم ما عندَ اللهِ، فإنَّه يبقى ويذهبُ ما سواهُ.
وقد وردَ الوعيدُ على العملِ لغيرِ اللَهِ عمومًا، كما خرَّج الإمام أحمدُ من
حديثِ أُبيّ بنِ كعبٍ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قال:
"بَشِّرْ هذه الأمَّةَ بالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والدِّينِ والتمكين في الأرض، فمن عمِلَ منهم عملَ الآخرةِ للدّنيا، لم يكنْ له في الآخرةِ من نصيب ".
* * *
قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)
قال اللَّهُ تعالى: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ) .
وقال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) .
قال الربيعُ بنُ أنسٍ: الزفيرُ في الحلقِ، والشهيقُ في الصدرِ، وقال معمر
عن قتادةَ: صوتُ الكافرِ في النارِ مثل صوتِ الحمارِ، أوَلهُ زفير وآخرُهُ
شهيقٌ، وقال تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) .
стр. 532
وفي حديثِ حارثةَ: "وكأنِّي أنظر إلى أهلِ النَّارِ، يتعاوونَ فيها".
وروى معاويةُ بنُ صالح عن سليم بنِ عامرِ عن أبي أمامةَ عنِ النبيِّ ﷺ ، قال: "رأيتُ رُؤْيا" فذكرَ حديثًا طويلاً وفيه قال:
"ثم انطلقْنَا فإذا نحن نَرى دُخانًا ونسمعُ عواء، قلتُ: ما هذا؟
قال: هذه جهنَّمُ " خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه.
وروى الأعمشُ عن يزيدَ الرقاشي، عن أنسٍس، عن النبي ﷺ ، قال: "يُلقى البُكاءُ على أهلِ النارِ فيبكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ، ثم يبكونَ الدمَ حتى يصيرَ في وجوهِهِم كهيئةِ الأخدودِ، ولو أرسلت فيه السفنُ لجرتْ " خرَّجه ابنُ ماجةَ.
ورُويَ عن الأعْمش عن عمرِو بنِ مرَّةَ ويزيدَ الرقاشيِّ، عن أنسٍ موقوفًا من قولِهِ.
ورواه سعيدُ بنُ سلمةَ عن يزيدَ الرقاشيِّ، قالَ: بلغَنا هذا الكلامُ ولم يسندْهُ
ولم يرفعْهُ.
وروى سلامُ بنُ مسكينٍ عن قتادةَ عن أبي بردةَ بنِ أبي مُوسى عن أبيه.
قالَ: إنَّ أهلَ النَّارِ ليبكونَ الدموعَ في النَارِ حتَّى لو أجريتْ السفنُ في
دموعِهِم لجرتْ، ثم إنهم ليبكون بالدمِ بعد الدموع ولمثلِ ما هُم فيه فليُبْكَ.
وقال صالحُ المرِّيُّ: بلغنِي أْنهم يصرخونَ في النَّارِ حتى تنقطعَ أصواتُهم
فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنينِْ من المدنفِ.
وقال ابنُ أبي إسحاقَ عن محمد بنِ كعب: زفرُوا في جهنَّم فزفرتِ النارُ.
وشهقوا فشهقتِ النارُ بما استحلوا من محارِمِ اللهِ.
قال: والزفير من النفسِ والشهيقُ من البكاءِ.
وقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ تعالى:
стр. 533
(لَهم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قال: صوت شديد وصوت ضعيفٌ.
وروى مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِهِ : (سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعْنَا أَمْ
صَبَرْنَا ما لَنَا مِن مَحِيصٍ) : قال زيد: صبرُوا مائة عامٍ ثم بكَوا مائة
عام ثم قالُوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَحِيصٍ) .
وروى الوليدُ بنُ مسلم عن أبي سلمةَ الدوسي - واسمه ثابتُ بنُ شريح -
عن سالم بنِ عبدِ اللَّهِ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يدعُو: "اللَّهُمَّ ارزْقني عينينِ هطالتينِ يشفيانِ القلبَ بذروفِ الدموع من خشيتِكَ قبلَ أن يكونَ الدمعُ دمًا والأضراسُ جمرا".
سالم بن عبدِ اللهِ هو المحاربي وحديثه مرسل، وظن بعضهم أنه
سالمُ بنُ عبد اللَّه بنِ عمرَ، وزادَ بعضُهم في الإسناد: عن أبيه، ولا يصحُّ
ذلكَ كلُّه.
وروى الوليدُ بنُ مسلم أيضًا عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن
إسماعيلَ بنِ عبيدِ اللَّهِ، قال: إن داودَ ﵇، قالَ: ربِّ ارزقني
عينين هطالتينِ يبكيانِ بذروفِ الدموع ويشفياني من خشيتِكَ قبلَ أن يعودَ
الدمعُ دمًا والأضراسُ جمرًا، قال: وكان داودُ ﵇ يعاتَبُ في
كثرةِ البكاءِ، فيقولُ: دعُوني أبْكِي قبلَ يوم البكاءِ، قبل تحريقِ العظامِ واشتعالِ اللِّحى، وقبل أن يأمر بي ملائكةً غلاظا شدادًا لا يعصونَ اللَّهَ ما أمرَهُم ويفعلونَ ما يؤمرونَ.
وروى يونسُ بنُ ميسرةَ عن أبي إدريس الخولانيِّ، قالَ: إنَّ داودَ - عليه
السلامُ -،
стр. 534
قال: أبكي نفسي قبل يوم البكاءِ، أبكي نفسِي قبلَ أن لا ينفعَ
البكاءُ، ثم دعا بجمرٍ فوضًع عليه حتى إذا حرَّهُ رفعها، وقال: أوه
لعذابِ اللَّهِ، أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه.
وروى ثابتُ البناني عنْ صفوانَ بنِ محرزٍ قالَ: كان لداودَ ﵇
يومٌ يتأؤَهُ فيه يقول: أوَّه أوَّه من عذابِ اللَّهِ قبل أن لا ينفعَ أوَّه، قال: فذكرَها صفوانُ ذاتِ يومٍْ في جلسٍ فبكى حتى غلبَهُ البكاءُ، فقامَ.
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ رياح الأنصاريُّ، سمعتُ كعبًا، يقولُ: (إِنَّ إِبْرَاهيمَ
لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) ، قال: كان إذا ذكر النارَ قال: أوَّاه من النارِ أوَّاه من
النارِ.
وعن أبي الجوزاءِ وعبيدِ بن عميرٍ نحوُ ذلك.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ له عن رياح القيسى: أنه مرَّ بصبيٍّ يبكي
فوقفَ عليه يسأله: ما يبكيك يا بني، وجعلَ الصبيُّ لا يحسنُ يجيبُهُ ولا يردّ
عليه شيئًا، فبكى رياحٌ ثم قال ليس لأهلِ النارِ راحةً ولا معول إلا البكاءُ.
وجعل يبكي.
وبإسنادٍ له آخرَ: أنَّ رياحاً القيسي زارَ قومًا، فبكى صبيٌّ لهم من الليل.
فبكى رياحٌ لبكائِهِ حتى أصبح، فسئلَ بعد ذلك عن بكائه، فقال: ذَكر ببكاءِ الصبي بكاءَ أهلِ النارِ في النارِ ليس لهم نصيرٌ، ثم بكى.
* * *
стр. 535
قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)
فإقامةُ الصلواتِ المفروضاتِ على وجهِها يوجبُ مباعدة الذنوبِ.
ويوجبَ - أيضًا - إنقاءَها وتطهيرَها، فإنَّ مثل الصلواتِ الخمسِ كمثل نهرٍ
جارٍ، يغتسلُ فيه كلَّ يومَ خمسَ مراتٍ، وقد تقدَّم الحديث في ذلكَ.
ويوجبُ - أيضًا - تبريدَ الحريقِ الَّذى تكسبه الذنوبُ وإطفاءَه.
وخرَّجَ الطبرانيُّ من حديثِ ابنِ مسعود - مرفوعًا:
"تحترقون تحترقون حتى إذا صليتُمُ الفجرَ غسلتْهَا، ثم تحترقونَ تحترقون حتى إذا صَلَّيْتُم الظهرَ غسلتَها، ثم تحترقون تحترقونَ حتى إذا صليتُم العصرَ غسلتْها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتُم المغربَ غسلتْها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتُمُ العشاءَ غسلتْها".
وقد رُوي موقوفًا، وهو أشبُه.
وخرَّج - أيضاً - من حديثِ أنسٍ - مرفوعًا:
"إن للَّهِ ملكًا ينادي عندَ كلِّ صلاةٍ: يا بني آدمَ، قومُوا إلى نيرانِكُم التي أوقدتمُوها على أنفسِكُم فأطفئُوها".
وخرَّجَ الإسماعيليُّ من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ - مرفوعًا: "يُحْرَقونَ، فإذا
صلَّوا الصبحَ غَسلتِ الصلاةُ ما كان قبلها" حتى ذكرَ الصلواتِ الخمسِ.
ولما كانتِ الصلاةُ صلةً بين العبدِ وربِّه، وكان المصلِّي يناجِي ربَّه، وربُّه
يقرِّبه منه، لم يصلحْ للدخولِ في الصلاةِ إلا منْ كان طاهرًا في ظاهر
وباطنِهِ، ولذلك شرعَ للمصلِّي أن يتطهر بالماءِ، فيكفرُ ذنوبَه بالوضوءِ، ثم
стр. 536
يمشي إلى المساجدِ فيكفر ذنوبَه بالمشي، فإنْ بقي من ذنوبِهِ شيءٌ كفرتْه
الصلاة.
قال سلمانُ الفارسيُّ: الوضوءُ يكفِّر الجراحاتِ الصغارِ، والمشيُ إلى
المسجدِ يكفِّر أكثرَ من ذلك، والصلاةُ تكفّر أكثرَ من ذلكَ.
خرَّجه محمدُ بنُ نصرُ المروزيُّ وغيرُهُ.
فإذا قامَ المصلى بينَ يدي ربِّه في الصلاةِ وشرعَ في مناجاتِهِ له، شُرِعَ أولَ
ما يناجي ربَّه أن يسأل ربَّه أن يباعدَ بينه وبين ما يوجِبُ له البعدَ من ربِّه.
وهو الذنوبُ، وأن يطهرهَ منها، ليصلحَ حينئذٍ للتقريبِ والمناجاةِ، فيستكملُ فوائدَ الصلاةِ وثمراتِها من المعرفةِ والأنسِ والمحبة والخشيةِ، فتصيرُ صلاتُهُ ناهيةً له عن الفحشاء والمنكر، وهي الصلاةُ النافعة.
* * *
وقوله ﷺ :
"وأتْبع السيًئةَ الحسنةَ تمْحُها"
لما كانَ العبدُ مأمورا بالتقوى في السرِّ والعلانيةِ مع أنَّه لا بدَّ أن يقعَ منه أحيانًا تفريطٌ في التقوى، إما بتركِ بعضِ المأموراتِ، أو بارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأمرَهُ أن يفعلَ ما يمحُو به هذه السيئةَ وهو أن يتبعَهَا بالحسنةِ، قال اللَّهُ : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) .
وفي "الصحيحينِ " عن ابنِ مسعودٍ: أنَّ رجلاً أصابَ من امرأةٍ قُبلةً، ثم
أتَى النبيَّ ﷺ فذكرَ ذلكَ لهُ، فسكتَ النبيُّ ﷺ حتَّى نزلتْ هذه الآية ُ، فدعاهُ
стр. 537
فقرأها عليهِ، فقالَ رجلٌ: هذا له خاصةً؟
قال: "بل للناسِ عامَّة".
وقد وصفَ اللَّهُ المتقينَ في كتابِهِ بمثلِ ما وصَّى به النبيُّ ﷺ في هذه الوصيةِ في قولِهِ : (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .
فوصفَ المتقينَ بمعاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهم بالإنفاق، وكظم الغيظِ.
والعفوِ عنهم، فجمعَ بين وصفِهِم ببذلِ النَّدى واحتمالِ الأذى، وهذا هو غايةُ حسنِ الخلقِ الذي وصَّى به النبيُّ ﷺ لمعاذٍ، ثم وصفَهُم بأنهم: (إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم) ، ولم يصرُّوا
عليها. فدلَّ على أن المتقينَ قد يقَعُ منهم أحيانًا كبائرُ وهي الفواحشُ وصغائرُ
وهي ظلمُ النفس، لكنَّهم لا يصرون عليها، بل يذكرونَ اللَّهَ عقِبَ وقوعِهَا، ويستغفرونه ويتوبونَ إليه منها، والتوبةُ: هي تركُ الإصرارِ.
ومعنى قولِهِ: (ذَكَرُوا اللَّهَ) ، أي: ذكرُوا عظمتَهُ وشدَّةَ بطشِهِ
وانتقامِهِ، وما توعَّد به على المعصيةِ من العقابِ، فيوجبُ ذلك لهم الرجوعَ
في الحالِ والاستغفارَ وتركَ الإصرارِ، وقالَ اللَّهُ :
(إِنَّ الذِينَ اتَقَوْا إِذَا مَسَهُمْ طَائِفٌ منَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) .
стр. 538
وفي "الصحيحينِ " عن النبيِّ ﷺ قال:
"أذْنبَ عبدٌ ذنبًا، فقالَ: ربَ إنّى عملتُ ذنباً فاغفِرْ لي، فقالَ اللَّهُ: علِمَ عبدِي أنَّ له ربًّا يغفر الذنبَ، ويأخذُ بالذنب، قد غفرتُ
لعبدِي، ثم أذنبَ ذنبا آخرَ - إلى أن قال في الرابعةِ -: فليعملْ ما شاء".
يعني: ما دامَ على هذه الحال كلَّما أذنبَ ذنبًا استغفر منه.
وفي الترمذيِّ من حديث أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال:
"ما أصرَ من استغْفَرَ ولو عادَ في اليوم سبعِينَ مرة".
وخرَّج الحاكمُ من حديثِ عُقبةَ بن عامرٍ أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أحدُنا يذنبُ، قال: "يُكتبُ عليه "، قال: ثم يستغفرُ منه، قال: "يغفرُ له، ويُتابُ عليه "، قال: فيعودُ فيذنبُ، قال: "يكتبُ عليه " قال: ثم يستغفرُ منه ويتوبُ، قال: "يغفرُ له، ويتاب عليه، ولا يمَلُّ اللَّهُ حنَّى تملُّوا".
وخرَّج الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيف عن عائشةَ ﵂، قالتْ: جاء حبيبُ بنُ الحارثِ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّهِ، إنِّي رجل مِقْرافٌ للذنوبِ، قال: "فتبْ إلى اللهِ "، قال: أتوبُ، ثم أعود، قال: "فكلما أذنبتَ، فتُبْ "، قال: يا رسول اللَّه إذًا تكثرُ ذنوبي، قال: "فعفو اللَّه أكثرُ من ذنوبكَ يا حبيبَ بنَ الحارثِ ".
وخرَّجه بِمعناه من حديثِ أنسٍ مرفوعًا بإسنادٍ ضعيفٍ.
стр. 539
وبإسنادِهِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: من ذكرَ خطيئةً عمِلَها، فوَجِلَ قلبُه
منها، واستغفرَ اللَّهَ، لم يحبِسْها شيءٌ حتى يمحَاها.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ عن عليٍّ، قالَ: خيارُكم كل مُفتَنٍ توَّابٍ.
قيلَ: فإن عادَ؟
قال: يستغفرُ اللَّهَ ويتوبُ، قيل: فإن عادَ؟
قال: يستغفرُ اللهَ ويتوبُ، قيل: حتى متى؟
قال: حتى يكونَ الشيطانُ هو المحسورُ.
وخرَّج ابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا:
"التائبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذَنبَ لهُ ".
وقيلَ للحسنِ: ألا يستحيي أحدُنا من ربِّهِ يستغفرُ من ذنوبِهِ ثم يعودُ، ثم
يستغفرُ، ثم يعودُ؟
فقال: ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكُم بهذهِ، فلا تملُّوا من الاستغفارِ.
وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاقِ المؤمنينَ، يعني: أنَّ المؤمن
كلَّما أذنبَ تابَ، وقد رُويَ "المؤمنُ مُفَتَّنٌ توَّاب".
وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف، مرفوعًا:
"المؤمنُ واه راقعٌ، فسعيدٌ من هلكَ على رقعِهِ ".
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في خطبتِهِ: من أحسنَ منكُم، فليَحْمَد اللَّهَ.
ومن أساء، فليستغفرِ اللهَ، فإنَّه لا بد لأقوامٍ من أن يعملُوا أعمالاً وظَّفها اللَّهُ
في رقابِهم، وكتبَها عليهم، وفي رواية أخرى عنه أنَه قال: أيها الناس من ألمَّ
بذنبٍ، فليستغفرِ اللَهَ وليتبْ، فإن عَّاَدَ، فليستغفرِ اللَّهَ وليتبْ، فإن عاد،
стр. 540
فليستغفرِ اللَّه وَليتبْ، فإنَّما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجالِ.
وإن الهلاكَ كُلَّ الهلاكِ في الإصرارِ عليها.
ومعنى هذا: أن العبدَ لا بُدَّ أن يفعلَ ما قُدِّرَ عليه من الذنوبِ كما قال
النبيُّ ﷺ : "كُتِبَ على ابنِ آدمَ حظُّهُ من الزِّنى، فهُوَ مُدْركٌ ذلك لا محالة" ولكنَّ اللَّهَ جعلَ للعبدِ مخرجًا مما وقعَ فيه من الذنوبِ، بالتوبةِ والاستعفارِ، فإنْ فعلَ، فقدْ تخلَّصَ من شرِّ الذنوبِ، وإن أصرَّ على الذنوبِ، هلكَ.
وفي "المسندِ" من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ ﷺ قال: "ارحَمُوا تُرْحموا واغفِروا يُغْفَرْ لكم، ويل لأقْماع القولِ، ويل للمُصرِّين الذي يُصرون على ما فعلوا وهُم يعلمون ".
وفُسِّر أقماعُ القولِ: بمن كانتْ أذناهُ كالقُمع لما يسمعُ من الحكمةِ والموعظةِ
الحسنةِ، فإذا دخلَ شيء من ذلكَ في أذنه خرج من الأخرى ولم ينتفع بشيء
مما سمعَ.
وقولُهُ ﷺ :
"أتْبِع السيّئةَ الحسنةَ تمحُها"
قد يُرادُ بالحسنة التوبةُ من تلكَ السيئةِ.
وقد وردَ ذلك صريحًا في حديثٍ مرسلٍ، خرَّجه ابنُ أبي الدنيا من "مراسيلِ
محمدِ بنِ جُبير" أنَّ النبيَّ ﷺ لما بعثَ معاذًا إلى اليمن قالَ: "يامعاذُ، اتَقِ اللهَ ما استطعتَ، واعملْ بقوَّتِكَ للَّهِ ما أطقْتَ، واذكرِ اللَّهَ عندَ كل شجرةٍ وحجرٍ، وإنْ أحدثت ذنبًا، فأحدِثْ عندهُ توبةً، إنْ سرًّا فسر وإن علانيةً فعلانية"
وخرَّجه أبو نُعيمٍ بمعناهُ من وجه آخرَ ضعيفٍ عن معاذ.
стр. 541
وقال قتادةُ: قال سلمانُ: إذا أسأتَ سيئةً في سريرةٍ، فأحسِن حسنةً في
سريرةٍ، وإذا أسأتَ سيئةً في علانيةٍ، فأحسنْ حسنةً في علانية، لكي تكون
هذه بهذهِ، وهذا يحتملُ أنه أراد بالحسنة التوبةَ أو أعمَّ منها.
وقد أخبر اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أن من تابِ من ذنبهِ، فإنه يغفر له ذنبُه أو
يتابُ عليه في مواضعَ كثيرةٍ، كقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) ، وقولِهِ: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) .
وقولِهِ: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) .
وقولِهِ: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) .
وقولِهِ: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) ، وقولِهِ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .
قال عبدُ الرزاقِ: أخبرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال:
بلغني أن إبليسَ حينَ نزلتْ هذه الآيةُ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) الآية، بكَى.
ويُروى عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: هذه الآيةُ خيرٌ لأهلِ الذنوبِ من الدنيا وما
فيها.
وقال ابنُ سيرينَ: أعطانا اللَّهُ هذه الآية مكانَ ما جعلَ
لبني إسرائيل في كفاراتِ ذنوبِهِم.
стр. 542
وقال أبو جعفر الرازيُّ، عن الربيع بنِ أنسِ، عن أبي العاليةِ قال: قال
رجل: يا رسولَ اللَّهِ، لو كانتْ كفاراتُنا ككفاراتِ بني إسرائيلَ، فقال النبيُّ
ﷺ : "اللَّهُمَّ لا نبغيها - ثلاثاً - ما أعطاكُمُ اللَهُ خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل، كانتْ بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهُم الخطيئةَ، وجدها مكتوبةَ على بابِهِ وكفارتَها، فإنْ كفرها كانتْ له خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرْها كانت له خزيًا في الآخرةِ، فما أعطاكُمُ اللَّهُ
خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثمَ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفورًا رَّحِيمًا) .
وقال ابنُ عباس في قولِهِ تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ)
قال: هو سعةُ الإسلامِ، وما جعلَ اللَّهُ لأمَّةِ محمدٍ من التوبةِ
والكفَّارةِ.
وظاهرُ هذه النصوصِ يدلُّ على أن من تابَ إلى اللَّه توبةً نصوحًا.
واجتمعتْ شروطُ التوبةِ في حقِّه، فإنه يُقطعُ بقبولِ اللهِ توبته، كما يُقطع
بقبولِ إسلام الكافرِ إذا أسلمَ إسلامًا صحيحا، وهذا قولُ الجمهورِ، وكلامُ
ابنِ عبدِ البِرِّ يدلُّ على أنّه إجماع.
ومن الناسِ من قال: لا يقطعُ بقبولِ التوبةِ، بل يُرجَى، وصاحبُها تحتَ
المشيئةِ، وإن تابَ، واستدلوا بقولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) ، فجعلَ الذنوبَ كلَّها تحتَ مشيئته، وربما استدلَّ بمثلِ
قولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) ، وبقولِهِ: (فَاَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أن يَكونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) .
стр. 543
وقوله: (وَتُوبوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
وقوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
والظاهرُ: أن هذا في حقِّ التائبِ، لأنَّ الاعترافَ يقتضي الندمَ، وفي
حديث عائشةَ عن النبيئَ ﷺ قال:
"إنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِهِ، ثم تابَ، تاب اللَّه عليه "
والصحيحُ قول الأكثرينَ.
وهذه الآياتُ لا تدلُّ على عدمِ القطع، فإنَّ الكريمَ إذا أطمعَ، لم يقطعْ
من رجائِهِ المُطمَع، ومنْ هنا قال ابنُ عباسٍ: إنَّ "عسى" من اللَّهِ واجبة، نقله
عنه عليٌّ بنُ أبي طلحة.
وقد وردَ جزاءُ الإيمانِ والعملِ الصالح بلفظِ: "عسى" أيضًا، ولم يدل
ذلك على أنه غير مقطوع به، كما في قولِهِ: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) .
وأما قولُهُ: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) ، فإنَّ التائبَ ممن شاء
أن يغفرَ له، كما أخبرَ بذلك في مواضعَ كثيرة من كتابِهِ.
وقد يُراد بالحسنةِ في قولِ النبيّ ﷺ :
"أتبع السيئة الحسنة" ما هو أعمُّ من التوبة، كما في قولهِ تعالى:
(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) .
стр. 544
وقد رُوي من حديث معاذ أنَّ الرجلَ الذي نزلتْ بسببه هذه الآية ُ أَمَرَهُ
النبيُّ ﷺ أن يتوضأ ويُصلِّيَ.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجةَ من
حديثِ أبي بكرٍ الصديقِ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقومُ فيتطهَّرُ ثم يُصلِّي ثم يستغفرُ اللَّهَ إلا غفرَ اللَّهُ له " ثم قرأ هذه الآيةَ:
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكروا اللَّهَ فَاسْتَغْفَروا لِذنُوبِهِمْ) .
وفي "الصحيحينِ " عن عثمانَ أنه توضأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ توضَّأ نحوَ وضوئِي، هذا ثم قال: "من توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتينِ لا يُحدِّثُ فيهما نفسَهُ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه ".
وفي "مسند الإمامِ أحمدَ" عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "منْ توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، ثم قامَ فصلًّى ركعتينِ أو أربعًا، يُحسنُ فيهِمَا الركوعَ والخشوعَ، ثم استغفرَ اللَّهَ غُفِرَ له ".
وفي "الصحيحينِ " عن أنسٍ قال: كُنتُ عندَ النبيِّ ﷺ ، فجاءه رجل، فقالَ: يا رسولَ اللَهِ إني أصبتُ حدًّا، فأقمْهُ عليَّ، قال: ولم يسألْه عنه، فحضرتِ الصلاةُ فصلَّى مع النبيِّ ﷺ فلمَّا قضى النبيُّ ﷺ الصلاةَ قامَ إليه
الرجلُ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أصبتُ حدًّا، فأقم عليَّ كتابَ اللَّهِ.
قالَ: "أليس قد صلَّيتَ معنا؟ " قالْ نعم، قالَ: "فإنَّ اللَّه قد غفر لك ذنبَك
- أو قال -: حدَك ".
стр. 545
وخرَّجه مسلمٌ بمعناه من حديثِ أبي أمامةَ.
وخرَّجه ابنُ جرير الطبريُ من وجهٍ آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثِهِ قال:
"فإنَّك منْ خطيئتك كما ولدتك أمُّك، فلا تعُدْ".
وأنزل اللَّهُ: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْل) .
وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "أرأيتُم لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكم يغْتسلُ فيه كلَّ يوم خمسَ مرَّاتٍ هل يبقى من درنه شيء " قالُوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: "فذلكَ مثلُ الصَّلواتِ الخمسِ يمحُو اللَّه بهن الخطايا".
وفي "صحيح مسلم" عن عثمانَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، خرجتْ خطاياه من جسدهِ حتى تخرجَ من تحت أظفاره ".
وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
"ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدَّرجاتِ؟ " قالُوا: بلى يا رسول اللَّهِ، قال: "إسباغُ الوضوءِ على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصَّلاة، فذلكُم الرباطُ، فذلكُم الرباط ".
وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قال: "منْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ، ومنْ قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذنبِهِ، ومن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ ".
стр. 546
وفيهما عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قال:
"منْ حجَّ هذا البيتَ، فلم يرْفُثْ، ولم يَفسُقْ، خرج من ذنوبِهِ كيوم ولدتْه أمُّه ".
وفي "صحيح مسلم " عن عمرِو بنِ العاصِ عن النبيِّ ﷺ قال: "إن الإسلامَ يهدِمُ ما كانَ قبله، وإن الهجرةَ تهدِمُ ما كان قبلها، وإنَّ الحجَّ يهدِمُ ما كان قبلهَ ".
وفيه من حديثِ أبي قتادةَ، عنِ النبيِّ ﷺ قال في صومِ عاشوراء: "أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرالسنةَ التي قبلَهُ ".
وقال في صومِ يوم عرفةَ: "أحتسبُ على اللَّهِ أن يُكفِّر السنة التي قبله والتي بعده ".
وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ، عن النبيِّ ﷺ قال:
"مثلُ الذي يعملُ السيئات، ثم يعملُ الحسناتِ، كمثلِ رجلٍ كانتْ عليه درعٌ ضيقة قد خنَقَتْه، ثم عمِلَ حسنةً فانفكتْ حلقة ثم عمِلَ حسنة أخرى، فانفكتْ أخرى حتى يخرجَ إلى الأرضِ ".
ومما يكفر الخطايا ذكرُ اللَّهِ ، وقد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن قول: "لا إله إلا اللَّهُ " أمِنَ الحسناتِ هي؟
قال: "هي أحسنُ الحسنات ".
وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من قال. سبحانَ الله وبحمده في يومِهِ مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانتْ مثل زبدِ البحرِ".
стр. 547
وفيهما عنه، عن النبيِّ ﷺ قال:
"منْ قال: لا إله إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو على كل شيءٍ قدير في يومٍ مائةَ مرَةٍ، كانتْ له
عِدْلَ عشرِ رقابٍ، وكتبتْ له مائةُ حسنةٍ، ومُحِيتْ عنه مائة سيئةٍ، وكانتْ له حِرزا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أفضلَ من ذلك ".
وفي "المسندِ" وكتابِ ابن ماجةَ عن أمِّ هانئ عن النبى ﷺ قال. "لا إله إلا اللَّهُ لا تتركُ ذنبًا ولا يسبقها عملٌ ".
وخرَّج الترمذيُّ عن أنس، عن النبيِّ ﷺ إنه مرَّ بشجرة يابسةِ الورقِ، فضربَها بعصَاهُ، فتناثرَ الورقُ، فقال: "إنَّ الحمد للَّه وسبحان الله، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، لتساقط من ذنوبِ العبدِ كما يتساقطُ ورقُ هذه الشجرةِ".
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ بإسناد صحيح عن أنسٍ أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال: "إنَّ سبحان اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، تنفُضُ الخطايا كما تنفُضُ الشجرةُ ورقها ".
والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ جدًّا يطول الكتابُ بذكرِهَا.
وسئل الحسنُ عن رجلٍ لا يتحاشَى من معصية إلا أن لسانَهُ لا يفتر من
ذكرِ اللَّهِ، فقال: إنَّ ذلك لعَوْنٌ حسنٌ.
وسئل الإمامُ أحمدُ عن رجل. اكتسبَ مالاً من شبهة: صلاتُه وتسبيحُه
стр. 548
يحُطُّ عنه شيئًا من ذلك؟
فقال: إنْ صلَّى وسبَّح يريدُ به ذلك، فأرجو، قال اللَّه تعالى:
(خَلَطوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّه أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
وقال مالكُ بنُ دينارٍ: البكاءُ على الخطيئةِ يحطُّ الخطايا كما تحطُّ الريحُ
الورقَ اليابسَ.
وقال عطاء: من جلس مجلسًا من مجالسِ الذكرِ كفَّر به عشرة مجالسَ
من مجالسِ الباطلِ.
وقال شويسٌ العدويُّ - وكان من قدماءِ التابعينَ -: إنْ صاحبَ اليمينِ
أمير - أو قالَ: أمين - على صاحبِ الشمالِ، فإذا عَمِلَ ابنُ آدمَ سيئةً، فأرادَ صاحبُ الشمالِ أن يكتبها، قالَ له صاحبُ اليمينِ: لا تعْجَلْ لعلَّه يعملُ حسنةً، فإن عمِلَ حسنةً، ألقى واحدةً بواحدة، وكتبَ له تسعَ حسناتٍ، فيقولُ الشَّيطانُ: يا وَيلَه، من يدركُ تضعيفَ ابنِ آدمَ.
وخرَّج الطبرانيُّ - بإسنادٍ فيه نظر - عن أبي مالكٍ الأشعريِّ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "إذا نامَ ابنُ آدمَ، قال الملكُ للشيطانِ: أعطني صحيفتَك، فيعطيه إيَّاها، فما وجد في صحيفته من حسنةٍ، محى بها عشرَ سيئات من صحيفةِ الشيطانِ، وكتبهنَّ حسنات.
فإذا أراد أن ينامَ أحدُكم، فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكْبيرة، ويحمدُ اللَّهَ أربعًا وثلاثينَ تحميدةً، ويسبح اللَّهُ ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة".
وهذا غريب ومنكر.
وروى وكيع: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ.
قالَ: قالَ عبدُ اللَّهِ، يعني ابنَ مسعودٍ: وددتُ أني صُولحت على أن أعملَ كُلَّ
стр. 549
يومٍ تسعَ خطيئاتٍ وحسنةً.
وهذا إشارةٌ منه إلى أن الحسنة يُمحى بها التسعُ خطيئاتِ، ويفضُلُ له
ضعفٌ واحدٌ من ثوابِ الحسنة، فيكتفي به، واللَّهُ أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)
إن في سماع أخبارِ الأخيارِ مقويًّا للعزائم ومُعينًا على اتِّباع تلك الآثارِ.
وقال بعضُ العارفينَ: الحكاياتُ جندٌ من جنودِ اللَّه، تقوى بها قلوبُ المريد.
ثم تلا قول اللَّهِ لرسوله ﷺ : (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)
* * *
стр. 550
سُورَةُ يُوسُفَ
قوله تعالى: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)
قوله ﷺ : "أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ "
دعاءِ يوسفَ ﵇ حينَ قالَ: (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) .
واللَّهُ وليُّ أوليائه في الدنيا والآخرةِ، يتولَّى حفظَهم وكلاءتهم وهدايتهم وحراستَهم في دِينِهم ودنياهُم ما دامُوا أحياءً، فإذا حضرَهُمُ الموتُ توفَّاهم على الإسلامِ وألحقهم بعدَ الموتِ بالصالحين.
وهذا أجلُّ النعم وأتمُّها على الإطلاقِ، وقد قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عند وفاتِهِ:
"مع الذين أنعم اللَّهُ عليهم من النبيينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ ".
وقولُ يوسفَ ﵇: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) .
قيل: إنَّه دعا لنفسِهِ بالموتِ، وهو قولُ جماعة من السلفِ، منهم
الإمامُ أحمدُ، فيُستدلُّ به على جوازِ الدعاءِ بالموتِ من غيرِ ضرٍّ نزلَ به.
وقيل: إنَّه إنَّما دعا لنفسِهِ بالموتِ على الإسلامِ عند نزولِ الموتِ، وليسَ فيه
دعاء بتعجيلِ الموتِ كما أخبرَ عن المؤمنينَ أنهم قالُوا في دُعائِهِم:
(رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) .
стр. 551
ويؤيِّدُ التفسيرَ الأولَ: أنَّه عقَّبه بالدعاءِ بالشوقِ إلى لقاءِ اللَّهِ، وهو يتضمَّن
الدعاءَ بالموتِ.
واستدل مَنْ جوَّز الدعاءَ بالموتِ وتمنِّيه: بقولِهِ تعالى:
(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) .
ثم ذمَّهم على عدمِ تمنّيه بسببِ سيئاتِهِم، وعلى حرصِهِم على طولِ الحياةِ في
الدُّنيا، وكذلك قولُهُ تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) .
وفي "المسندِ"، عن النبيِّ ﷺ :
"لا يتمنينَ أحدٌ الموتَ إلا من وَثِقَ بعملِهِ ".
فمن كان له عمل صالح فإنَّه يتمنَّى القدومَ عليه، وكذلك من غلبَ عليه
الشوقُ إلى لقاءِ اللَّهِ .
وأمَّا من تمنَّى الموتَ خوفَ فتنتِهِ في الدِّينِ، فإنَّه يجوزُ بغيرِ خلاف، وقد
بسطْنَا الكلامَ على هذهِ المسائلِ في غيرِ هذا الموضع.
* * *
стр. 552
سُورَةُ الرَّعْدِ
قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)
قولُ اللَّه تعالى: (لَهُ معَقِّبَاتٌ منْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) الآية.
قال ابنُ عباسِ ﵄: همُ الملائكةُ يحفظونه بأمرِ اللَّهِ فإذا جاء القدرُ خلَّوا عنه.
وقال عليّ ﵁: إنَّ معَ كل رجلِ ملكينِ يحفظانِه مما لم يقدَّرْ.
فإذا جاءَ القدرُ خليَّا بينه وبينه، وإن الأجلَ جُنَّة حصينة.
وقال مجاهدٌ: ما من عبدٍ إلا له ملكٌ يحفظُه في نومِهِ ويقظتِهِ من الجن
والإنسِ والهوامِّ، فما منْ شيء يأتيه إلا قالَ: وراءَك، إلا شيئًا قد أذِنَ اللَّهُ
فيه فيصيبُه.
ومن حفظِ اللَّهِ للعبدِ: أن يحفظَهُ في صحةِ بدنِهِ وقوتِهِ وعقلِهِ ومالِهِ.
قال بعضُ السلفِ: العالمُ لا يحزن.
وقال بعضهمُ: من حفظَ القرآن متِّعَ بعقلِهِ.
وتأوَّلَ ذلك بعضُهم على قولِهِ تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) .
وكان أبو الطيبِ الطبريُّ قد جاوزَ المائةَ سنة وهو ممتعٌ بعقلِهِ وقوتِهِ، فوثبَ
يومًا من سفينة كان فيها إلى الأرضِ وثبةً شديدةً، فعوتبَ على ذلكَ، فقال:
стр. 553
هذه جوارحٌ حفظنَاها في الصغرِ، فحفظَها اللَّهُ علينا في الكِبَرِ.
وعكسُ هذا أن الجنيدَ رأى شيخًا يسألُ الناسَ فقالَ: إنَّ هذا ضيع اللَّهَ في
صغرِهِ، فضيعه اللَّهُ في كبره.
وقد يحفظُ اللَّهُ العبدَ بصلاحِهِ في ولدِهِ وولدِ ولدهِ، كما قيلَ في قولهِ
تعالى: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا) : إنَّهما حفظا بصلاح أبيهما.
وقال محمدُ بنُ المنكدرِ: إنَّ اللَّهَ ليحفظ بالرجلِ الصالح ولدَه وولدَ ولدِهِ
وقريتَهُ التي هو فيها، والدويراتِ التي حولها فما يزالونَ في حفظِ اللَّهِ
وستره.
وقال ابنُ المسيبِ لابنِهِ: يا بني، إني لأزيدُ في صلاتِي من أجلِكَ، رجاءَ
أن أحفظَ فيكَ، وتلا هذه الآية: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) .
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ﵀: ما منْ مؤمن يموتُ إلا حفظَهُ اللَّهُ
تعالى في عقبِهِ وعقبِ عقبِهِ.
وقال يحيى بن إسماعيلَ بنِ سلمةَ بنِ كُهيْلٍ: كان لي أختٌ أسنُّ منِّي.
فاختلطتْ وذهب عقلُها وتوحشتْ، وكانت في غرفة في أقصى سطوحِنا
فمكثتْ بذلك بضْعَ عشرة سنةً، فبينما أنا نائمٌ ذاتَ ليلةٍ إذا بابٌ يدقُّ نصفَ الليلِ، فقلتُ: من هذا؛ قالتْ: كجه، فقلتُ: أختِي؛ قالتْ أختُكَ، ففتحتُ البابَ فدخلتْ ولا عهدَ لها بالبيتِ أكثرَ من عشر سنين.
فقالتْ: أتيتُ الليلةَ في منامِي فقيلَ لي: إنّ اللَّهَ حفظَ أباك إسماعيلَ لسلمةَ جدِّك، وحفظكِ لأبيكَ إسماعيلَ، فإن شئتِ دعوتُ اللَّهَ فذهبَ ما بِك، وإن شئت صبرتِ ولك الجنةُ، فإن أبا بكرٍ وعمرَ قد شفعا لكِ إلى اللَّهِ بحبًّ
стр. 554
أبيك وجدِّكِ إياهُما، فقلتُ: فإذا كان لابدَّ من اختيارِ أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنةُ، وإن اللَّهَ لواسع بخلقِه لا يتعاظَمُهُ شيء، إن شاءَ أن يجمعَهُما لي فعلَ. قالتْ: فقيل: فإنَّ اللهَ قد جمعَهُمَا لكِ ورضِيَ عن أبيكِ
وجدّكِ بحبهما أبا بكرٍ وعمرَ ﵄، قومِي فأنزلِي، فأذهبَ اللَّهُ تعالى ما كانَ بها.
ومتى كان العبدُ مشتغلاً بطاعةِ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ تعالى يحفظُه في تلكَ الحالِ
كما في "مسندِ الإمامِ أحمدَ" عن حميدِ بنِ هلالٍ عن رجلٍ قالَ: أتيتُ
النبيَّ ﷺ فإذا هو يريني بيتًا، فقالَ: "إنَّ امرأةً كانتْ فيه فخرجتْ في سريةٍ من المسلمينَ وتركتْ ثنتي عشرةَ عنزًا وصيصيتها كانت تسبحُ بها، قال: ففقدَتْ عَنْزًا من غنمها وصيصيتها، فقالتْ: يا ربِّ إنَّك قد ضمنتَ لمن خرجَ في سبيلكَ أن تحفظ عليه.
وإني قد فقدتُ عنزًا من غنمي وصيصيتي، وإني أنشدكُ عنزي وصِيصيتي " قال: فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يذكرُ شدةَ مناشدتِهَا ربَّها ﵎.
قالَ رسولُ ﷺ :
"فأصبحتْ عنزُها ومثلُها وصيصيتُها ومثلُها. وهاتيكَ، فأتها" قال: فقلتُ: بل أصدِّقك ".
وكان شيبان الراعِي يرعى غنمًا، فإذا جاءتِ الجمعةُ خطَّ عليها خطًا
وذهبَ إلى الجمعةِ ثم يرجعُ وهي كما تركها.
وكان بعضُ السلفِ بيدهِ الميزانُ يزنُ بها دراهِم فسمعَ الأذانَ فنهضَ ونفضَهَا
على الأرضِ وذهبَ إلى الصلاةِ، فلما عادَ جمعها فلم يذهبْ منها شيء.
ومن أنواع حفظِ اللَّهِ لمن حفظَهُ في دنياهُ: أن يحفظَهُ من شرِّ كل من يريدُه
стр. 555
بأذًى من الجنِّ والإنسِ، كما قالَ تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخرَجًا) .
قالتْ عائشةُ ﵂: يكفيه غمَّ الدنيا وهمَّها.
وقال الربيعُ بنُ خثيم: يجعلُ له مخرجًا من كل ما ضاقَ على الناسِ.
وكتبتْ عائشةُ ﵂ إلى معاويةَ: إن اتقيتَ اللَّه كفاكَ الناسَ، وإن اتقيتَ الناسَ لم يغنوا عنكَ من اللهِ شيئًا.
وكتبَ بعضُ الخلفاءِ إلى الحكمِ بنِ عمرٍو الغفاريِّ كتابًا يأمره فيه بأمرٍ
يخالفُ كتابَ اللَّهِ، فكتبَ إليه الحكمُ: إني نظرتُ في كتابِ اللَّهِ فوجدتُهُ قبلَ
كتابِ أميرِ المؤمنينَ، وإن السماواتِ والأرضَ لو كانتا رتقًا على امرئٍ فاتَّقى
اللَّهَ ، جعلَ لهُ منهما مخْرجًا. والسلامُ.
وأنشدَ بعضُهُم:
بتقوى الإلهِ نجا من نجَا. . . وفازَ وصارَ إلى ما رجَا
ومن يتقِّ اللَّهِ يجعلْ له. . . كما قالَ من أمره مخرجَا
كتبَ بعضُ السلفِ إلى أخيه: أما بعدُ، فإنه من اتَّقى اللَّهَ حفظَ نفسَهُ.
ومن ضيعَ تقواه فقدْ ضيَّع نفسَهُ، واللَّهُ الغنيُّ عنه.
ومن عجيبِ حفظِ اللَّهِ تعالى لمن حفظَهُ: أن يجعلَ الحيواناتِ المؤذيةَ بالطبع
حافظةً له من الأذى وساعيةً في مصالحِهِ، كما جرى لسفينةَ مولى النبيِّ ﷺ حيثُ كسرَ به المركبُ وخرجَ إلى جزيرةِ فرأى السبعَ، فقالَ: يا أبا الحارثِ أنا سفينةُ مولى النبيِّ ﷺ ، فجعلَ يمشي حوله ويدله على الطريقِ حتى أوقفَهُ عليها، ثم جعلَ يُهَمْهِم كأنَّه يودِّعُه وانصرفَ عنه.
стр. 556
وكان أبو إبراهيمَ السايحُ قد مرضَ في بريَّةٍ بقربِ دير، فقالَ: لو كنتُ
عندَ بابِ الديرِ لنزلَ الرهبانُ فعالَجُوني، فجاء السبعُ فاحتمله على ظهرهِ حتى
وضعَهُ على بابِ الديرِ فرآه الرهبانُ فأسلمُوا وكانُوا أربعمائة.
وكان إبراهيمُ بنُ أدهمَ، نائمًا في بستانٍ وعنده حيَّة في فمِهَا طاقةُ نرجسٍ.
فما زالتْ تذبُّ عنه حتى استيقظَ.
فمن حفظَ اللَّهَ حفظَهُ من الحيواناتِ المؤذيةِ بالطبع، وجعلَ تلكَ الحيواناتِ
حافظة له.
ومن ضيعَ اللهَ ضيَّعَهُ اللَّهُ بين خلْقِهِ، حتى يدخلَ عليه الضررُ ممنْ كانَ
يرجو أن ينفعَهُ، ويصيرَ أخصُّ أهلِه به وأرفقهُم به يؤذِيهِ.
كما قال بعضُهم: إني لأعصِي اللَّهَ فأعرفُ ذلك في خلقِ خادِمي
وحِمارِي، يعني: أن خادمه يسوءُ خلقُهُ عليه ولا يطيعُه، وحماره يستعصي
عليه فلا يواتيه لركوبِهِ. فالخيرُ كلُّه مجموعٌ في طاعةِ اللَّهِ والإقبالِ عليه.
والشر كلُّهُ مجموع في معصيةِ اللَّهِ والإعراضِ عنه.
قال بعضُ العارفينَ: من فارق سُدَّةَ سيدِهِ لم يجْد لقدميه قرارًا أبدًا.
واللهِ ما جئتُكم زائرًا. . . إلا وجدتُ الأرضَ تطوى لي
ولا ثنيتُ العزمَ عن بابِكُمُ. . . إلا تعثرتُ بأذيالِي
* * *
стр. 557
قوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَ اطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)
ولما كانتْ هذه الشريعةُ خاتمةَ الشرائع وعليها تقومُ الساعةُ، ولم يكنْ بعدَها
شريعةٌ ولا رسالةٌ أخرى، تبيِّنُ ما تبدَّلَ منها وتجدِّدُ ما درسَ من آثارِهَا، كما
كانتِ الشرائعُ المتقدمةُ تجدِّدُ بعضُها آثارَ بعضٍ، وتبينُ بعضُها ما تبدَّلُ من
بعضٍ، تكفلَ اللَّهُ بحفظ هذه الشريعةِ ولم يجمعْ أهلَها على ضلالةٍ، وجعلَ
منهم طائفةً قائمةً بالحقًّ لا تزالُ ظاهرةً على من خالفَها حتى تقومَ الساعةُ.
وأقامَ لها من يحملُها ويذبُّ عنها بالسيفِ واللسانِ والحجةِ والبيانِ، فلهذا أقامَ
اللَّهُ تعالى لهذه الأمَّةِ من خلفاءِ الرسلِ وحملةِ الحجةِ في كلِّ زمانٍ من يعتني
بحفظِ ألفاظِ الشريعةِ وضبطِهَا وصيانتِهَا عن الزيادةِ والنقصانِ ومن يعتني
بحفظ معانيها، ومدلولاتِ ألفاظِهَا وصيانتِهَا عن التحريفِ والبهتانِ.
والأولونَ أهلُ الروايةِ، وهؤلاءِ أهلُ الدرايةِ والرعايةِ، وقد ضربِ النبيُّ
ﷺ مثل الطائفتينِ. كما ثبتَ في "الصحيحينِ " عن أبي موسى، قالَ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ :
"إنَّ مثلَ ما بعثني اللَّهُ به من الهدى والعلم، كمثلِ غيث أصابَ
الأرضَ فكانتْ منها طائفة قبِلَتِ الماءَ فأنبتتِ الكلأ والعُشبَ الكثيرَ، وكانتْ منها أجادبُ أمسكتِ الماءَ فنفعَ اللَّهُ بها ناسًا فشربُوا ورعَوْا وسقَوْا وزرعُوا، وأصابت طائفة منها أخرى، إنما هي قيعانٌ لا تمسكُ ماءً ولا تُنبِتُ كلأ، فذلك مثل من فقهَ في دِين اللَّهِ ونفعَهُ اللَّه بما بعثَني به ونفعَ به فعَلِمَ وعلَّمَ، ومثلُ من لم يرفعْ بذلكَ رأسًا، ولم يقبلْ هدى اللَّهِ الذي أُرسلتُ به ".
стр. 558
فمثَّلَ النبيُّ ﷺ العلمَ والإيمانَ الذي جاء به بالغيثِ الذي يصيبُ الأرضَ، وهذا المثلُ كقوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) .
فمثَّلَ تعالى ما أنزلَهُ من العلم والإيمانِ إلى القلوبِ بالماءِ الذيَ أنزلَهُ من
السماءِ إلى الأرضِ، وهو يمثلُ العلمَ والإيمانَ تارةً بالماءِ كما
في هذه الآيةِ، وكما في المثل الثاني المذكورِ في أولِ سورةِ البقرةِ، وتارةً يمثله
بالنورِ كما في المثلِ المذكورِ في سورةِ النورِ، والمثلُ الأولُ المذكورَ في سورةِ
البقرةِ وكذلك في هذه الآيةِ التي في سورةِ الرعدِ، وذكر مثلاً ثانيًا يتعلقُ
بالنارِ وهو قولُهُ: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) فإن الماءَ والنورَ مادةُ حياةِ الأبدانِ، ولا يعيشُ حيوانٌ إلا حيثُ هما
موجودانِ، كما أنَّ العلمَ والإيمانَ مادةُ حياةِ القلوبِ وهما للقلوبِ كالماءِ
والنورِ، فإذا فقدهُما القلبُ فقد ماتَ.
وقولُهُ تعالى: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) ، شبَّه القلوبَ الحاملةَ للعلم
والإيمانِ بالأوديةِ الحاملةِ للسيلِ، فقلبٌ كبير يسعُ علمًا عظيمًا، كوادٍ كبيرٍ
يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٍ يسعُ علمًا قليلاً، كوادٍ صغيرٍ يسعُ ماءً قليلاً.
فحملتِ القلوبِ من هذا العلم بقدرِهَا، كما سالتِ الأوديةُ من الماءِ بقدرِهَا.
فهذا تقسيم للقلوبِ بحسبِ ما يحملُهُ من العلم والإيمانِ إلى متسعِ
وضيق.
والًذي ذكره النبيُّ ﷺ في حديثِ أبي موسى تقسيمٌ لها بحسبِ ما يرِدُ
стр. 559
عليها من العلم والإيمانِ إلى قابل لإنباتٍ الكلأ والعشبِ، وغيرِ قابلٍ لذلكَ
وجعلها ثلاثةَ أقسامٍ:
القسم الأول: قسم قَبِلَ الماءَ، فأنبتَ الكلأ والعشبَ الكثيرَ، وهؤلاءِ همُ
الذين لهم قوةُ الحفظِ، والفهم والفقهِ في الدّينِ، والبصرِ بالتأويلِ، واستنباطِ
أنواع المعارفِ والعلومِ من النصوص.
وهؤلاءِ مثل: الخلفاءِ الأربعةِ، وأبيِّ بنِ كعبٍ، وأبي الدرداءِ، وابنِ
مسعودٍ، ومعاذِ ابنِ جبلٍ، وابنِ عباس. ثم كـ الحسنِ، وسعيدِ بنِ المسيبِ.
وعطاءٍ، ومجاهدٍ. ثم كـ مالكٍ، والليثِ، والثوريِّ، والأوزاعيِّ، وابنِ
المباركِ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عبيدٍ، وأبي ثورٍ، ومحمدِ بنِ
نصرٍ المروزيِّ. وأمثالِهِم من أهلِ العلم باللَّهِ وأحكامِهِ، وأوامرِهِ، ونواهيهِ.
وكذلك مثل: أوسٍ، ومالكِ بنِ دينارٍ، وإبراهيم بنِ أدهمَ، والفضيلِ ابنِ
عياضٍ، وأبي سليمانَ، وذي النُّونِ، ومعروف، والجنيدِ بنِ محمدٍ، وسهلِ
ابنِ عبدِ اللهِ والحرِّ بن أسدٍ. وأمثالهم من أهل العلم باللَّه وأسمائهِ وصفاتِهِ
وأيامِهِ وأفعالِهِ.
القسم الثاني: وقسم حفظَ الماءَ، وأمسكَهُ حتى وردَ الناسُ فأخذُوه فانتفعُوا به وهؤلاءِ هم الذين لهم قوةُ الحفظِ، والضبطِ، والإتقانِ، دون الاستنباطِ.
والاستخراج، وهؤلاءِ كسعيدِ بنِ أبي عروبةَ، والأعمشِ، ومحمدِ بنِ جعفرٍ
غندر، وعبدِ الرزاقِ، وعمرو الناقدِ، ومحمدِ بنِ بشارٍ بندارٍ، ونحوِهم.
القسم الثالث، وقسمٌ ثالث وهم شرُّ الخلقِ، ليس لهم قوةُ الحفظِ، ولا قوةُ
الفهمِ، لا درايةٌ، ولا روايةٌ، وهؤلاءِ الذين لم يتقبلُوا هُدى اللَّهِ ولم يرفعُوا
стр. 560
به رأسًا.
والمقصودُ هاهنا أن اللَّهَ تعالى حفظَ هذه الشريعةَ بما جعلَ لها من الحملةِ.
أهلِ الدرايةِ، وأهلِ الروايةِ، فكان الطالبُ للعلم والإيمانِ يتلقَّى ذلكَ ممن
يدركُهُ من شيوخ العلمِ والإيمانِ، فيتعلَّمُ الضابطُ القرآنَ والحديثَ، ممن يعلِّمُ
ذلكَ، ويتعلَّمُ الفقهَ في الدِّينِ من شرائع الإسلامِ الظاهرةِ، وحقائقِ الإيمانِ
الباطنةِ، ممن يعلِّمُ ذلكَ.
وكان الأغلبُ على القرونِ الثلاثةِ المفضلةِ جمعُ ذلكَ كلَّه، فإنَّ الصحابةَ
تلقَّوا عن النبيِّ ﷺ جميعَ ذلكَ، وتلقاهُ عنهم التابعونَ، وتلقَّى عن التابعينَ تابعوهُم، فكانَ الدِّينُ حينئذٍ مجتمعًا، ولم يكنْ قد ظهرَ الفرق بين مسمَّى الفقهاءِ، وأهلِ الحديثِ ولا بين علماءِ الأصولِ والفروع، ولا بينَ الصوفيِّ والفقيرِ والزاهدِ، وإنما انتشرتْ هذه الفروقُ بعد القرون الثلاثةِ.
وإنَّما كانَ السلفُ يسمُّون أهلَ العلم والدِّينِ: القُرَّاءَ، ويقولونَ: يقرأُ
الرجلُ إذا تنسَّك، وكانَ العالمُ منهُم يتكلمُ في جنسِ المسائلِ المأخوذةِ من
الكتابِ والسنةِ، سواء كانتْ من المسائِلِ الخبريَّةِ العلميةِ، كمسائلِ التوحيد، والأسماءِ والصفاتِ، والقدرِ، والعرشِ، والكرسيِّ، والملائكةِ، والجنًّ.
وقصص الأنبياءِ، ومسائلِ الأسماءِ، والأحكامِ، والوعدِ والوعيدِ، وأحوالِ
البرزخ، وصفةِ البعثِ والمعادِ، والجنَّةِ، والنَّارِ، ونحوِ ذلكَ.
أو من أعمالِ الجوارح، كالطهارةِ، والصلاةِ، والصيامِ، والزكاةِ، والحجِّ.
والجهادِ، وأحكامِ المعاوضاتِ، والمناكحاتِ، والحدودِ، والأقضيةِ، والشهادةِ، ونحوِ ذلك.
стр. 561
أو من المسائلِ العلميةِ، سواء كانتْ من أعمالِ القلوبِ، كالمحبةِ.
والخوفِ، وا لرجاءِ، والتوكلِّ، والزهدِ، والتوبةِ، والشكرِ، والصبرِ، ونحوِ ذلك، وإنْ كان يكون لبعضِهِم في نوع من هذه الأنواع من مزيدِ العلم، والمعرفةِ، والحالِ ما ليسَ له في غيرِه مثلُه.
كما كانَ يُقالُ في أئمةِ التابعينَ الأربعةِ: سعيدُ بنُ المسيبِ: إمامُ أهل
المدينةِ. وعطاءُ بنُ أبي رباح: إمامُ أهلِ مكةَ. وإبراهيمُ النخعيُّ: إمامُ أهلِ
الكوفةِ. والحسنُ البصريُّ: إمامُ أهلِ البصرةِ.
كان يقالُ أعلمُهُم بالحلالِ والحرامِ: سعيدُ بنُ المسيبِ، وأعلمُهُم بالمناسك:
عطاء، وأعلمُهم بالصلاةِ: إبراهيمُ، وأجمعُهُم: الحسنُ.
وكان أهلُ الدرايةِ والفهم من العلماءِ إذا اجتمعَ عندَ الواحدِ منهم من
ألفاظِ الكتابِ والسنةِ، ومعانيها، وكلامِ الصحابةِ والتابعينَ مابَسَّره اللَّهُ له.
جعلَ ذلك أصُولاً، وقواعدَ يبني عليها، ويستنبطُ منها، فإنَّ اللَّهَ تعالى أنزلَ
الكتابَ بالحقِّ والميزانِ، والكتابُ فيه كلمات كبيرة، هي قواعدُ كليُّة وقضايا عامَّة، تشملُ أنواعًا عديدةً، وجزئياتٍ كثيرةٍ، ولا يهتدي كلُّ أحد إلى دخولِها تحتَ تلكَ الكلماتِ، بل ذلك من الفهم الذي يؤتيه اللَّهُ من يشاءُ في كتابِهِ.
وأمَّا الميزانُ فهوَ الاعتبارُ الصحيحُ، وهو من العدلِ والقسطِ، الذي أمر اللَّهُ
بالقيامِ بهِ كالجمع بين المتماثلينِ لاشتراكهمَا في الأوصافِ، الموجبةِ للجمع
والتفريقِ بين المختلفينِ لاختلافِهِمَا في الأوصافِ الموجبةِ للفرقِ، وكثيرًا ما
يخفى وجهُ الاجتماع والافتراقِ ويدقُ فهْمُهُ.
стр. 562
وأمَّا أهلُ الروايةِ إذا اجتمعَ عندَهُم من ألفاظِ الرسولِ، وكلامِ الصحابةِ
والتابعينَ، وغيرِهم في التفسيرِ، والفقهِ، وأنواع العلومِ، لم يتصرفُوا في ذلكَ
بل نقلُوه كما سمعُوه، وأدوه كما حفظُوه وربما كانَ لكثيرِ منهُم من التصرفِ
والتميزِ في صحةِ الحديثِ وضعفهِ من جهةِ إسنادِهِ، وروايتِهِ ما ليسَ
لغيرِهِم.
* * *
قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)
وفُسِّر "أمُّ الكتابِ " باللَّوح المحفوظِ، وبالذكَر، في قولِهِ تعالى:
(يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) .
وعن ابنِ عباسٍ ﵄، أنه سألَ كعبًا، عن "أمّ الكتابِ " فقال: علِمَ اللَّه ما هو خالق، وما خلْقُه عامِلون، فقال لعلمِهِ: كُنْ كتابًا، فكان كتابًا.
ولا ريبَ أنَّ علمَ اللَّهِ تعالى قديمٌ أزليٌّ لم يزلْ عالمًا بما يُحدِثُهُ من
مخلوقاتٍ، ثم إنَّه تعالى كتبَ ذلك في كتابٍ عندهَ قبل خلْقِ السماواتِ
والأرضِ، كما قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) .
وفي "صحيح البخاريِّ " عن عمْرانَ بنِ حُصينٍ، عن النبي ﷺ قال:
"كانَ اللَهُ ولا شيءَ قبله، وكان عرشُهُ على الماءِ، وكتبَ في الذكرِ كل شيءٍ، ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ ".
стр. 563
وفي "صحيح مسلم " عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبي ﷺ
قالَ: "إنَّ الله كتبَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السماوات والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُهُ على الماءِ".
* * *
стр. 564
سُورَةُ إبْرَاهِيمَ
قال الله تعالى: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)
وقال إبراهيمُ في قولهِ: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) ، حتى من
تحتِ كل شعرةٍ في جسدِهِ. وقال الضحاكُ: حتى من إبهامِ رجليِهِ.
والمعنى: أنه يأتيهِ مثلُ شدةِ الموتِ وألمِهِ من كلِّ جزءٍ من أجزاءِ بدنِه حتى شعره وظفرهِ، وهو مع هذا لا تخرجُ نفسُهُ فيستريح.
قالَ ابنُ جريجٍ: تعلقُ نفسُهُ عند حنجرتِهِ فلا تخرج من فيه فيستريح، ولا
ترجعُ إلى مكانِها من جوفِهِ، وتأوَّلَ جماعةٌ من المفسرينَ على ذلك قولَهُ
تعالى: (ثُمَّ لا يَمُوت فِيهَا وَلا يَحْيَى) .
قالَ الأوزاعيُّ عن بلالِ بنِ سعدٍ: تنادي النارُ يومَ القيامةِ: يا نارُ أحرِقي.
يا نارُ اشتفي، يا نارُ انضجي، كُلِي ولا تَقْتُلي.
* * *
стр. 565
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)
وقد ضربَ الله ورسولُهُ مثلَ الإيمانِ والإسلامِ بالنخلةِ:
قالَ اللَّهُ تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) .
فالكلمةُ الطيبةُ، هي: كلمةُ التوحيدِ، وهي أساسُ الإسلامِ.
وهي جاريةٌ على لسانِ المؤمنِ.
وثبوتُ أصلِها، هو: ثبوتُ التصديقِ بها في قلبِ المؤمنِ.
وارتفاعُ فرعِهَا في السماءِ، هو: عُلوُّ هذه الكلمةِ وبُسُوقُها.
وأنها تخرقُ الحجبَ، ولا تتناهَى دون العرشِ.
وإتيانُها أُكُلها كلَّ حينٍ، هو: مما يرفعُ بسببها للمؤمنِ كلَّ حينٍ من القولِ
الطيبِ والعملِ الصالح، فهو ثمرتُها.
وجعَلَ النبي ﷺ مثلَ المؤمنِ - أو المسلم - كمثلِ النخلةِ.
وقال طاوسٌ: مثلُ الإيمانِ كشجرةٍ، أصلها الشهادةُ، وساقُها كذا وكذا.
وورقُها كذا وكذا، وثمرُها الورعُ، ولا خيرَ في شجر لا ثمرَ لهَا.
ولا خيرَ في إنسانٍ لا ورعَ فيه.
следующие страницы →