← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وتارةً يكونُ للندبِ كصدقةِ التطوع ونحوِها. وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوبِ الإحسانِ في كلِّ شيءٍ من الأعمالِ، لكن إحسانُ كُلِّ شيءٍ بحسبِهِ، فالإحسانُ في الإتيانِ بالواجباتِ الظاهرةِ والباطنة: الإتيانُ بها على وجهِ كمالِ واجباتِها، فهذا القدر من الإحسانِ فيها واجبٌ. وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحبَّاتِهَا فليسَ بواجبٍ. والإحسانُ في تركِ المحرَّماتِ: الانتهاءُ عنهَا، وتركُ ظاهرِهَا وباطِنِهَا، كما قالَ تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) ، فهذا القدرُ من الإحسانِ فيها واجبٌ. وأمَّا الإحسانُ في الصبرِ على المقدوراتِ، فأن يأتيَ بالصبرِ عليها على وجهِهِ من غيرِ سخَطٍ ولا جزعَ. والإحسانُ الواجبُ في معاملةِ الخلقِ ومعاشرتِهِم: القيامُ بما أوجبَ اللَّهُ من حقوقِ ذلك كلِّه، والإحسانُ الواجبُ في ولايةِ الخلقِ وسياستِهِم: القيامُ بواجباتِ الولايةِ كُلِّها، والقدرُ الزائدُ على الواجبِ في ذلك كلُّه إحسانٌ ليسَ بواجبٍ. والإحسانُ في قتلِ ما يجوزُ قتلُهُ من النّاسِ والدوابِّ: إزهاقُ نفسِهِ على أسرع الوجوهِ وأسهلِها وأوحاها من غيرِ زيادةٍ في التعذيبِ، فإنه إيلامٌ لا حاجةَ إليه. وهذا النوعُ هو الذي ذكرهُ النبيُّ ﷺ في هذا الحديثِ، ولعلَّه ذكرهُ على سبيلِ المثالِ، أو لحاجتِهِ إلى بيانِهِ في تلكَ الحالِ، فقالَ. "إدْا قتلتُم فأحسِنُوا القِتْلةَ، وإذا ذبحتُم فأحسِنُوا الذِّبحة" والقِتلةُ والذِّبحة بالكسرِ، أي: الهيئةُ. والمعنى: أحسنُوا هيئةَ الذبح، وهيئةَ القتلِ. وهذا يدلُّ على وجوبِ الإسراع

стр. 597

في إزهاقِ النفوسِ التي يُباحُ إزهاقُها على أسهلِ الوجوهِ. وقد حكى ابنُ حزمٍ الإجماعَ على وجوبِ الإحسانِ في الذبيحةِ، وأسهلُ وجوهِ قتلِ آدمي ضربُهُ بالسيفِ على العنقِ، قالَ اللَّهُ تعالى في حقِّ الكفارِ: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) . وقال: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ) ، وقد قيلَ: إنَّه عينَ الموضعَ الذي يكون الضربُ فيه أسهلَ على المقتولِ وهو فوقَ العظامِ دونَ الدماغ، ووصَّى دريدُ ابن الصِّمة قاتلَهُ أن يَقتُلَهُ كذلكَ. وكان النبيُّ ﷺ إذا بعثَ سريةً تغزو في سبيلِ اللِّهِ قالَ لهُم: " لا تُمثِّلُوا ولا تقتلُوا وليدًا ". وخرَّج أبو داودَ، وابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أعَفُّ الناسِ قِتلة أهلُ الإيمانِ ". وخرَّج أحمدُ وأبو داود من حديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ سمُرةَ بنِ جُندبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان ينهى عن المُثْلةِ. وخرَّجه البخاريُّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ يزيدَ عنِ النبيِّ ﷺ أنه نهى عن المُثْلة. وخَرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ يعلى بنِ مُرَّةَ عنِ النبي ﷺ : "قال اللَّهُ تعالى: لا تمثِّلوا بعبادِي ".

стр. 598

وخرَّج - أيضًا - من حديثِ رجلٍ من الصحابة عنِ النبيِّ ﷺ قال: "من مثل بذي رُوحٍ، ثم لم يَتُبْ مَثَّلَ اللَهُ به يومَ القيامةِ". * * * قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) وقال بعضُهم في قولِهِ تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) ، قال: الرِّضا والقناعة " * * * قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) ومما يُستحبُّ الإتيانُ به قبلَ القراءةِ في الصلاةِ: التعوذُ، عند جمهورِ العلماء. واستَدلُّوا بقولِهِ تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) والمعنى: إذا أردتَ القراءةَ، هكذا فسَّرَ الآيةَ الجمهورُ. وحُكي عن بعضِ المتقدمينَ، منهم: أبو هريرة وابنُ سيرينَ وعطاء: التعوذُ بعدَ القراءةِ. والمرويُّ عن ابنِ سيرينَ: قبل قراءة أمِّ القرآنِ وبعدَها، فلعله كان يستعيذ لقراءةِ السورةِ، كما يقرأ البسملةَ لها - أيضًا.

стр. 599

وقد جاءتِ الأحاديثُ بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يتعوذُ قبل القراءة في الصلاةِ: فروى عمرُو بنُ مُرَّةَ، عن عاصمٍ العنزيِّ، عن ابنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ، عن أبيه، أنَّه رأى النبيَّ ﷺ يصلِّي صلاةً، قال: "اللَّهُ أكبرُ كبيرًا، اللَّهُ أكبر كبيرًا، اللَّهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّهِ كثيرًا، سبحانَ اللَّهِ بكرةً وأصيلاً" ثلاثًا. "أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ الرجيم، من نفْخه ونفْثِهِ وهمْزِهِ " قال: نفثُه: الشعرُ، ونفخه: الكِبْر، وهمزُهُ: الموتة. خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجةَ وابنُ حبانَ في "صحيحه " والحاكمُ وصححه. وابنُ جبيرٍ هو: نافعٌ، وقع مسمّى في روايةٍ كذلك. وعاصمٌ العنزيُّ، قال أحمد: لا يُعْرف، وقال غيرُهُ: روى عنه غيرُ واحدٍ. ذكره ابنُ حبانَ في "ثقاته". وروى عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ، عن ابنِ مسعودٍ. عن النبيِّ ﷺ ، أنه كان إذا دخل في الصلاةِ، يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من الشيطان وهمزِهِ ونفْخِهِ ونفْثِهِ ". حْرَّجه ابنُ ماجةَ والحاكم وهذا لفظُهُ. وقال: صحيحُ الإسنادِ، فقد استشهدَ البخاريُّ بعطاءِ بنِ السائبِ. وروى عليٌّ بنُ عليٍّ الرفاعيُّ، عن أبي المتوكِّلِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ. قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ بالليلِ كبَّر، ثم يقولُ:

стр. 600

"أعوذُ باللَّهِ السميع من الشيطانِ الرجيم، من همزِهِ ونفخِهِ ونفْثِهِ ". خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ. وقال: كان يحيى بنُ سعيدٍ يتكلمُ في عليِّ بنِ عليِّ، وقال أحمدُ: لا يصحُّ هذا الحديثُ. كذا قالَ، وإنَّما تكلمَ فيه يحيى بنُ سعيد من جهةِ أنه رماه بالقدرِ، وقد وثقه وكيع ويحيى بن مَعين وأبو زرعة. وقال أحمدُ: لا بأس له، إلا أنه رفع أحاديثَ. وقال أبو حاتمٍ: ليس به بأسٌ، ولا يُحتجُّ بحديثِهِ. وإنَّما تكلمَ أحمدُ في هذا الحديثِ؛ لأنه رُوي عن عليِّ بن عليٍّ، عن الحسنِ - مرسلاً -، وبذلك أعلَّه أبو داودَ، وخرَّج في "مراسيلِهِ " من طريقِ عمرانَ بنِ مسلمٍ، عنِ الحسنِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا قامَ منَ الليلِ يريدُ أن يتهجد، يقولُ - قبل أن يكبِّر: "لا إله إلا اللَهُ، لا إله إلا اللَهُ، واللَّهُ أكبرُ كبيرًا، اللَّهُ أكبر كبيرًا، أعوذ باللهِ من الشيطانِ الرجيم، من همزِهِ ونفخِهِ ونفْثِهِ " ثم يقول: "اللَّهُ أكبرُ". وفي البابِ أحاديثُ أخرُ مرفوعةٌ، فيها ضعفٌ. واعتمادُ الإمامِ أحمدَ على المرويِّ عن الصحابةِ في ذلك؛ فإنه روى التعوذَ قبل القراءة في الصلاةِ عن عمرَ بنِ الخطابِ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ كما تقدم.

стр. 601

والجمهورُ على أنَّه غيرُ واجبٍ، وحُكيَ وجوبُهُ عن عطاءٍ والثوريِّ وبعضِ الظاهريةِ، وهو قولُ ابنِ بطةَ من أصحابِنا. والجمهورُ على أنه يسره في الصلاةِ الجهريةِ، وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنِ مسعودٍ والأكثرينَ. ورُوي عن أبي هريرةَ الجهرُ به. وللشافعيِّ قولانِ. وعن ابنِ أبي ليلى: الإسرارُ والجهرُ سواء. واختلفُوا: هل يختصُّ التعوذُ بالركعةِ الأولَى، أمْ يستحبُّ في كل ركعةٍ؟ على قولينِ: أحدُهما: يستحبُّ في كلِّ ركعةٍ، وهو قولُ ابنِ سيرينَ، والحسنِ والشافعيِّ وأحمدَ - في رواية. والثاني: أنه يختصُّ بالركعةِ الأولى، وهو قولُ عطاءٍ والحسنِ والنخعيِّ والثوريِّ وأبي حنيفةَ وأحمدَ - في رواية عنه. وقال هشامُ بنُ حسانٍ: كان الحسنُ يتعوذُ في كل ركعةٍ، وكان ابنُ سيرينَ يتعوذُ في كل ركعتينِ. وذهبَ مالكٌ وأصحابُهُ إلى أنَّه لا يتُعوَّذُ في الصلاةِ المكتوبة، بل يفتتحُ بعدَ التكبيرِ بقراءةِ الفاتحة من غيرِ استعاذةٍ ولا بسملة، واستدلُّوَا بظاهرِ حديثِ أنسٍ: كان النبي ﷺ يفتتحُ الصلاةَ بـ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . وهو الحديثُ الذي خرَّجه البخاريُّ في أوَّل هذا البابِ. ويجاب عنه، بأنه إنَما أراد أنَّه يفتتح قراءةَ الصلاة بالتكبيرِ والقراءةِ بـ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وافتتاح القراءة بـ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إمَّا أن يرادُ به

стр. 602

افتتاحها بقراءةِ الفاتحةِ كما يقولُ الشافعيُّ، أو افتتاح قراءةِ الصلاةِ الجهريةِ بكلمةِ (الْحَمْدُ) من غير بسملةٍ كما يقولُهُ الآخرون. ودل عليه: حديثُ أنسٍ الذي خرَّجه مسلمٌ صريحًا. وعلى التقديرينِ، فلا ينفي ذلكَ أنْ يكون قبل القراءةِ ذكرًا، أو دعاءً، أو استفتاحًا، أو تعوذًا، أو بسملةً، فإنه لا يخرج بذلك عن أن يكون افتتح القراءةَ بالفاتحةِ، أو افتتح الجهرَ بالقراءةِ بكلمة (الْحَمْدُ) . ولا يمكنُ حملُ الحديثِ على أنَّه كانَ أولَ ما يفتتحُ به الصلاةَ قرأءةُ كلمةِ (الْحَمْدُ) ، فإنه لو كانَ كذلك لكانَ لا يفتتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ، وهذا باطلٌ غيرُ مرادٍ قطعًا. واللَّهُ أعلم. * * *

стр. 603

سُورَةُ الإسْرَاء قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) فرَّقَ بعضُهم بين الإسراء والمعراج، فجعَلَ المعراجَ إلى السماواتِ كما ذكرَه اللَّهُ في سورةِ النَّجمِ، وجعلَ الإسراءَ إلى بيتِ المقدسِ خاصةً، كما ذكرَهُ اللَّهُ في سورةِ (سُبْحَانَ) وزعم أنهما كانَا في ليلتينِ مختلفتينِ، وأنَّ الصلواتِ فُرضتْ ليلةَ المعراج لا ليلةَ الإسراءِ. وهذا هو الذي ذكرَهُ محمدُ بنُ سعدٍ في "طبقاتهِ" عن الواقديَ بأسانيدَ له متعددةٍ، وذكرَ أنَّ المعراجَ إلى السماءِ كانَ ليلةَ السبتِ لسبعَ عشرةَ خلَتْ من شهرِ رمضانَ قبلَ الهجرةِ بثمانيةِ عشرَ شهرًا من المسجدِ الحرامِ، وتلكَ الليلةَ فُرضتِ الصلواتُ الخمسُ، ونزلَ جبريلُ فصلَّى برسولِ اللَّهِ ﷺ الصلواتِ في مواقيتِهَا، وأن الإسراءَ إلى بيت المقدس كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من شهر ربيع الأولِ قبل الهجرةِ بسنةٍ، من شعب أبي طالب. وما بوَّبَ عليه البخاريُّ: أن الصلوات فرضتْ في الإسراءِ يدل على أنَّ الإسراءَ عنده والمعراج واحد. واللَّهُ أعلم. * * *

стр. 604

قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) القصدُ في الفقرِ والغِنَى عزيزٌ، وهو حالُ الرسولِ ﷺ كانَ مقتصدًا في حالِ فقر وغناهُ، والقصدُ هو التوسطُ، فإنْ كان فقيرًا لم يُقتر خوفًا من نفادِ الرزقِ، ولم يسرفْ فيحملُ ما لا طاقةَ لهُ به، كما أدَّبَ اللَّهُ تعالى نبيَّه بذلكَ في قولهِ تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) . وإنْ كان غنيًّا لم يحملْهُ على السرفِ والطغيانِ، بلْ يكون مقتصدًا أيضًا. قال اللَهُ تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ دلِكَ قَوَامًا) . وإنْ كان المؤمنُ في حالِ غناهُ يزيدُ على نفقتِهِ في حالِ فقره، كما قالَ بعضُ السلفِ: إنَّ المؤمنَ يأخذُ عن اللَّهِ أدبًا حسنًا إذا وسع اللَّهُ عليه وسعَ على نفسِهِ وإذا ضيَّقَ عليه ضيَّقَ على نفسِهِ، ثم تلا قولَهُ تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) ، لكن يكون في حالِ غناهُ مقتصدًا غيرَ مسرفٍ، كما يفعلُهُ أكثرُ أهلِ الغِنى الذين يخرجُهم الغنى إلى الطغيانِ، كما قالَ تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) . كان عليٌّ ﵁ يعاتَبُ على اقتصادِهِ في لباسِهِ في خلافتِهِ فيقول: هو أبعدُ عن الكِبْرِ وأجدرُ أن يقتديَ بي المسلمُ. وعوتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في خلافتِهِ على تضييقِهِ على نفسِهٍ فقالَ: إنَّ

стр. 605

أفضلَ القصدِ عند الجدة، وأفضلَ العفوِ عندَ المقدرة. يعني أفضلَ ما اقتصدَ الإنسانُ في عيشِهِ وهو واجدٌ قادر، وهذه حالُ النبي ﷺ وخلفائهِ الراشدينَ، لم تغيرْهُم سعةُ الدنيا والملكُ ولم يتنعمُوا في الدنيا. وقد رُويَ عن سليمانَ ﵇، أنَّه كان ياكلُ خبزَ الشعيرِ ويلبسُ الصوفَ. وسئلَ الحسنُ ﵁، عن رجل آتاهُ اللَهُ مالاً، فهو يحجُّ منه ويتصدق، ألَهُ أن يتنعمَ فيه منه؟ قال: لا، لو كانتْ له الدنيا ما كان له إلا الكفافُ. ويقدِّمُ فضلَ ذلك ليومِ فقرِه وفاقتِهِ، إنَّما كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ومنْ أخذَ عنهم من التابعينَ، ما آتاهم اللَّهُ من رزدقٍ أخذُوا منه الكفافَ، وقدموا فضلَ ذلك ليومِ فقرِهم وفاقتِهِم. وقال ابنُ عمرَ لبعضِ ولده: لا تكن من الذين يجعلون ما أنعم الَلَّه عليهم في بطونِهِم وعلى ظهورهِم. إشارةً إلى أنَّ المالَ لا ينفقُ كلُّه في شهواتِ النفوسِ، وإنْ كانتْ مباحةً. بل يجعلُ صاحبُهُ منه نصيبًا لدارِه الباقيةَ، فإنه لا يبقَى له منه غيرُ ذلكَ. وفي الجملةِ فالاقتصادُ في كلِّ الأمورِ حسن حتى في العبادةِ، ولهذا نهي عن التشديدِ في العبادةِ على النفسِ، وأمر بالاقتصادِ فيها، وقالَ ﷺ : "عليكم هديًا قاصدًا، فإنَّ اللَهَ لا يملُّ حتَّى تملُّوا". وفي "مسندِ البزَّارِ" عن حذيفةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "ما أحسنَ القصدَ في الغِنى، وما أحسنَ القصدَ في الفقرِ، وما أحسنَ القصدَ في العبادةِ". * * *

стр. 606

قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) قال إسحاقُ بنُ راهويه: لا يجوزُ التفكُّرُ في الخالقِ، ويجوزُ للعبادِ أن يتفكَروا في المخلوقينَ بما سمعُوا فِيهم، ولا يزيدونَ على ذلكَ، لأنَّهم إن فعلُوا، تاهُوا، قالَ: وقد قالَ اللَّهُ: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) . فلا يجوزُ أن يقالَ: كيفَ تُسبِّحُ القِصَاعُ، والأخْوِنَةُ، والخبزُ المخبوزُ، والثِّيابُ المنسوجةُ؟ وكلُّ هذا قد صحَّ العلمُ فيه أنَّهم يسبحونَ. فذلكَ إلى اللَّهِ أن يجعلَ تسبيحَهم كيفَ شاء وكما يشاءُ، وليسَ للناسِ أن يخوضُوا في ذلكَ إلا بما علمُوا، ولا يتكلَّموا في هذا وشِبْههِ إلا بما أخبرَ اللَّهُ، ولا يزيدُوا على ذلكَ، فاتَّقوا اللَّهَ، ولا تخوضُوا في هذه الأشياءِ المتشابهةِ، فإنَّه يُرْديكُم الخوْضُ فيه عن سننِ الحق. نقلَ ذلك كُلَّه حَرْبٌ عن إسحاقَ رحمهما اللَّهُ. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) . قال أهل التفسير: يقولون: ساترًا، والصواب: حمله على ظاهره، وأن يكون الحجاب مستورًا عن العيون فلا يرى، وذلك أبلغ. * * *

стр. 607

قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) خرَّج الترمذيُّ من حديثِ السديِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ في قولِهِ تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) ، قال: "يدعى أحدُهُم فيعطى كتابَهُ بيمينه، ويمدُّ له في جسمِهِ ستونَ ذراعًا. ويبيضُّ وجهُهُ، ويجعلُ على رأسِهِ تاجٌ من نورٍ يتلألأَ، فينطلقُ إلى أصحابِهِ فيرونَهُ من بعيدٍ، فيقولونَْ اللَّهُمَّ آتنا بهذا وباركْ لنا في هذا، حتى يأتيهُم فيقولُ لهم: أبشروا، لكلِّ رجل منكم مثل هذا. قال: وأمَّا الكافرُ فيسودُّ وجهُهُ يُمَدُّ له في جسمِهِ ستونَ ذِراغا في صورةِ آدمَ، ويلبسُ تاجًا من نارٍ فيراهُ أصحابُهُ، فيقولونَ: نعوذُ باللَّهِ من شرِّ هذا، اللَهُمَّ لا تأتنا بهذا، فيأتيهم فيقولونَ: اللَّهُمَ أخره عنا، فيقولُ: أبعدكم اللَّهُ، فإنَّ لكلِّ رجلٍ منكُم مثلَ هذا" وقال: حسنٌ غريبٌ. وروى عطاءُ بنُ يسارٍ عن كعبٍ قالَ: يُؤتى بالرئيسِ في الشرِّ فيقالُ له: أجبْ ربَّكَ، فيُنطلقُ به إلى ربِّه، فيحتجبُ عنه ويؤمرُ به إلى النارِ، فيرى منزلَهُ ومنزلَ أصحابِهِ، فيقالُ: هذه منزلةُ فلانٍ، هذه منزلةُ فلانٍ، فيرى ما أعدَّ اللَّهُ لهم فيها من الهوانِ، ويرى منزلتَه أشرَّ من منازِلِهم، قال: فيسودُّ وجهُهُ وتزرقُّ عيناهُ ويوضعُ على رأسهِ قلنسوةٌ من نارٍ، فيخرجُ فلا يراهُ أهلُ ملإٍ إلا تعوَّذُوا باللَّهِ منه، فيأتي أصحابَهُ الذين كانُوا يجتمعونَ به على الشرِّ ويعينونَهُ عليه، فما يزالُ يخبرُهُم بما أعدَّ اللَّهُ لهم في النارِ حتى يعلو

стр. 608

وجوهَهُم من السوادِ مثل ما علا وجهَهُ، فيعرفُهُم الناسُ بسوادِ وجوهِهِم. فيقولونَ: هؤلاءِ أهلُ النارِ. خرَّجه أبو نُعيمٍ وغيرُه. وهذا إنَّما هو قبل دخولِهِم إلى النارِ، فإذا دخلوا النارَ عظُمَ خلقهُم على ما تقدَّمَ في الأحاديثِ السابقةِ. وأما سنهم فعلى سنِّ أهلِ الجنةِ لا يزادونَ عليه، وروى دراجٌ عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "من ماتَ وهوَ من أهلِ الجنةِ من صغيرٍ وكبيرٍ يردونَ بني ثلاثينَ في الجنةِ لا يزيدونَ عليها أبدًا، وكذلك أهلُ النارِ" خرَّجه الترمذيُّ، وفي روايةِ غيرِ الترمذيِّ: "بني ثلاثٍ وثلاثينَ ". وخرَّج الطبرانيُّ من طريقِ سليم بنِ عامرٍ عن القدَامِ بنِ معدِيَ كَرِبَ. عن النبيِّ ﷺ قال: "ما من أحدٍ يموتُ سقْطًا أو هرِمًا، وإنَّما الناسُ بينَ ذلك إلا بُعثَ ابنُ ثلاثينَ سنةً، فإن كانَ من أهلِ الجنةِ كانَ على مسحةِ آدمَ وصورةِ يوسفَ وقلبِ أيوبَ، ومن كانَ من أهلِ النارِ عظمُوا وفخمُوا كالجبالِ ". ورواه غير الطبرانيِّ. وقالَ: "أبناءُ ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً". * * * قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) دلَّ القرآنُ في غيرِ موضع على مواقيتِ الصلواتِ الخمسِ، وجاءتِ السنةُ مفسرةً لذلكَ ومبيِّنة له:

стр. 609

فمن ذلك: قولُ اللَّهِ تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) . وقد ذكرَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ كـ مالكٍ والشافعيِّ: أنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على الصلواتِ الخمسِ، ورُوي معناه عن طائفةٍ من السلفِ: فقال ابنُ عمرَ: دُلوكُ الشمسِ: مَيْلُها - يُشيرُ إلى صلاةِ الظهرِ حينئذٍ. وعن ابنِ عباسٍ، قال: دُلوكُ الشمس: إذا جاءَ الليلُ. وغسق الليلِ: اجتماعُ الليلِ وظلمتِهِ. وقال قتادةُ: دُلوكُ الشمسِ: إذا زالتِ الشمسُ عن بطنِ السماءِ لصلاةِ الظهرِ، وغسقُ الليلِ: بدءُ الليلِ صلاةُ المغربِ. وقد قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ ثلاثةَ أوقاتٍ، لأن أصلَ الأوقاتِ ثلاثةً. ولهذا تكونُ في حالةِ جوازِ الجمع بين الصلاتينِ ثلاثةً فقط، فدلوك الشمسِ: وقتٌ لصلاةِ الظهر والعصر في الجملةِ، وغسقُ الليلِ: وقتٌ لصلاة المغربِ والعشاءِ في الجملةِ، ثم ذكرَ وقتَ الفجرِ بقولِهِ: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) . وقد ثبتَ في "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "يجتمعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ في صلاةِ الفجرِ" ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتُم: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) . وكذلكَ قولُهُ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) . فقولُهُ: (طَرَفَي النَّهَارِ) ، يدخلُ فيه صلاةُ الفجرِ وصلاةُ العصر.

стр. 610

وقد قيلَ: إنَّه يدخلُ فيه صلاةُ الظهرِ والعصرِ، لأنَّهما فى الطَرَفِ الأخيرِ. وزُلَفُ الليلِ يدخلُ فيه المغربُ والعشاءُ. وكذا قالَ قتادةُ: إنَّ زُلَفَ الليلِ يدخلُ فيه المغربُ والعشاءُ، وإنَّ طرفي النهارِ يدخلُ فيه الفجرُ والعصر. ورُويَ عن الحسنِ، أنه قال في قولِهِ: (طَرَفَىِ النَّهَارِ) ، قال: صلاةُ الفجرِ، والطرفُ الآخرِ الظهرُ والعصرُ (وَزُلَفًا مّنَ اللَّيْلِ) المغربُ والعشاء. وكذلك قولُهُ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) . وفي الحديثِ الصحيح عن جريرٍ البجليّ حديثُ الرؤية: "فإنْ استطعتُم أن لا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمسِ وقبلِ غروبِها فافعلُوا"، ثم قرأ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) . وقد أدرجَ أكثرُ الرواةِ القراءةَ في الحديثِ، وبيَّن بعضُهم: أنَ جريرًا هو الذي قرأ ذلك، فبَيَّن أن صلاةَ الصبح وصلاةَ العصرِ يدخلُ في التسبيح قبل طلوع الشمسِ وقبلَ غروبِها، وأمَّا التسبيحُ من آناءِ الليلِ فيدخلُ فيه صلاةُ المغربِ وصلاةُ العشاءِ. وقولُهُ: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) يدخلُ فيه صلاةُ الفجر وصلاةُ العصرِ، وربما دخلتْ فيه صلاةُ الظهرِ، لأنها في أول طرفِ النهارِ الآخرِ. وقال تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) .

стр. 611

وقد قال ابنُ عباسٍ وأبو صالح: إنَّ التسبيحَ قبل طلوع الشمسِ وقبل الغروبِ: الصبحُ وصلاةُ العصرِ. وقولُهُ: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحهُ) ، قال مجاهد: الليلَ كلَّه. وهذا يدخلُ فيه صلاةُ الغربِ والعشاءِ، ويدخلُ فيه التهجدُ التنفلُ به - أيضًا. وقال خُصَيْف: المرادُ بتسبيحِهِ من الليلِ: صلاةُ الفجرِ المكتوبةُ، وفيه بُعْد. وأمَّا (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ، فقالَ أكثرُ الصحابةِ، منهم: عُمر، وعليٌّ. والحسنُ بنُ عليٍّ، وأبو هريرةَ، وأبو أُمامةَ وغيرُهُم: إنَّهما ركعتانِ بعد المغربِ، وهو رواية عن ابنِ عباسٍ، ورويَ عنه مرفوعًا. خرَّجهُ الترمذيُّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ. فاشتلمتِ الآية ُ على الصلواتِ الخمسِ مع ذكرِ بعضِ التطوع. وقال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩) . فقولُهُ: (حِينَ تَقُومُ) ، قد فُسِّر بإرادةِ القيامِ إلى الصلاةِ، وهو قولُ زيدِ بنِ أسْلَم والضحاكِ، وفُسِّر بالقيامِ من النومِ، وهو قولُ أبي الجود. وفُسِّر بالقيامِ من المجالسِ.

стр. 612

وقولُهُ: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) ، قال مجاهد: من الليلِ كلِّه، يدخلُ في ذلكَ صلاةُ المغربِ والعشاءِ وصلاةُ الليلِ المتطوع بها. وفسَّره خُصيف بصلاةِ الفجرِ، وفيه نظر. (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) : ركعتا الفجرِ كذا قالَهُ عليٌّ وابن عباسٍ في روايةٍ، ورويَ عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا. خرَّجه الترمذيُّ وفيه ضعف. وقال تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) . قال الإمامُ أحمدُ: نا ابنُ مهدي: نا سفيان، عن عاصم، عن أبي رَزِين. قال: جاءَ نافعُ بنُ الأزرقِ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: الصلواتُ الخمسُ في القرآنِ؟ فقال: نعم، فقرأ: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ) ، قال: صلاةُ المغربِ (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) ، صلاةُ الفجرِ (وَعَشِيًّا) ، صلاةُ العصرِ (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) ، صلاةُ الظهرِ، وقرأ: (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) . ورواه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في "تفسيره" عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن عاصم. قال: جاءَ نافعٌ - ولم يذكرْ أبا رَزِين. وروى آدمُ - أيضًا -: نا شريك، عن ليثِ بنِ أبي سليم، عن الحَكَم بنِ عُتَيْبةَ، عن أبي البَخْتري، عن ابنِ عباسٍ، قال: جمعتْ هذه الآية ُالصلواتِ كلَّها - فذكره بمعناه، ولم يذكرْ فيه: صلاةَ العشاءِ.

стр. 613

رُوي عن الحسنِ وقتادةَ في قولِهِ تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) . قال: صلاةُ المغربِ والعشاءِ، (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) : صلاةُ الغداةِ. (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا) ، قال: العصرُ. (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) ، قال: الظهرُ. خرَّجه البيهقيُّ وغيرُهُ. * * * [قالَ البخاريُّ] : حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ: أبنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعْرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "يتعاقبون فيكُم ملائكةٌ باللَّيلِ وملائكةٌ بالنهارِ، ويجْتمعُون في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ، ثمَّ يعْرُج الذين كانُوا فيكُمْ، فيسألهم - وهو أعلمُ بهم -: كيف تركتُم عبادِي؛ فيقولونَ: تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهُم وهم يُصلُّون ". قولُهُ: "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ" جمع فيه الفعلَ مع إسناده إلى ظاهرٍ، وهو مخرجٌ على اللُّغةِ المعروفةِ بلغةِ "أكلونِي البراغيثُ "، وقد عرَّفها بعضُ متأخري النحاةِ بهذا الحديثِ، فقالَ: "هي لغةُ: يتعاقبونَ فيكُم ملائكة". والتعاقبُ: التناوبُ والتداولُ، والمعنى: أنَّ كل ملائكةٍ تأتِي تعقبُ الأخرى. وقد دلَّ الحديثُ على أن ملائكةَ الليلِ غيرُ ملائكةِ النَّهارِ. وقد خرَّجا في "الصحيحينِ " من حديثِ الزُّهْرِي، عن سعيدٍ

стр. 614

وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النبى ﷺ ، قالَ: "تجتمع ملانكةُ الليلِ، وملانكةُ النهارِ في صلاةِ الفجرِ". ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءُوا إن شئتُم: (إِن قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) . ففي هذه الروايةِ: ذكرُ اجتماعِهِم في صلاةِ الفجرِ، واستشهدَ أبو هريرةَ بقولِ اللهِ : (إِن قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) . وقد رُوي في حديثٍ من روايةِ ابي الدرداءِ - مرفوعًا -: "أنه يشهدُهُ اللهُ وملائكتُهُ ". وفي روايةٍ: "ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ،. خرَّجهُ الطبراني وابنُ منده وغيرُهُما. فقد يكون تخصيصُ صلاةِ الفجرِ لهذا، وصلاةُ العصرِ يجتمعُ - أيضًا - فيها ملائكةُ الليلِ والنَّهارِ، كما دل عليهِ حديثُ الأعْرج، عن أبي هريرةَ. وقد رُويَ نحوُه من حديثِ حُميدٍ الطويلِ، عن بكرٍ المزنى، عن النبيِّ ﷺ مرسلاً. وهؤلاءِ الملائكةُ، يحتملُ أنَهم المعقباتُ، وهم الحَفَظَةُ، ويحتملُ أنَّهم كتبةُ الأعمال. وروى أبو عُبيدةَ، عن أبيه عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، في قولِهِ: (إِنً قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) ، قال: يعني صلاةَ الصبح، يتداركُ فيه الحرسانِ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ.

стр. 615

وقال إبراهيمُ، عن الأسودِ بنِ يزيدَ: يلتقِي الحارسانِ من ملائكةِ اللَّيلِ وملائكةِ النَّهارِ عندَ صلاةِ الصبح، فيسلِّم بعضُهم على بعضٍ، ويحيى بعضُهُم بعضًا، فتصعدُ ملائكةُ الليلِ وتبسطُ ملائكةُ النهارِ. قال ابنُ المباركِ: وُكِّل بابنِ آدمَ خمسةُ أملاكٍ: ملكا الليلِ، وملكا النهارِ. يجيئانِ ويذهبانِ، والخامسُ لا يفارقُهُ ليلاً ولا نهارًا. وممن قالَ: إن ملائكةَ الليلِ وملائكةَ النهارِ تجتمعُ في صلاةِ الفجرِ. وفسر بذلك قولَ اللَّه : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كان مشْهُودًا) مجاهدٌ ومسروقٌ وغيرُهُما. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: والأظهرُ أن ذلكَ في الجماعاتِ، قالَ: وقد يحتملُ الجماعاتِ وغيرَها. قلتُ: يشهدُ للأولِ قولُ النبيِّ ﷺ : "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا، فمَنْ وافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبهِ ". ونَهى النبيُّ ﷺ مَنْ أكلَ الثومَ أن يشهدَ المسجد، وتعليلُه: أنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدمَ. وقد بوَّبَ البخاريُّ على اختصاصِهِ بالجماعاتِ في "أبوابِ صلاةِ الجماعةِ". كما سيأتي في موضعِهِ - إن شاءَ الله تعالى. ويشهدُ للثاني: أنَّ المصلِّي ينهى عن أن يبصقَ في صلاتِهِ عن يمينِهِ؛ لأنَّ

стр. 616

عن يمينِهِ ملكًا، ولا يفرقُ في هذا بين مصلي جماعةٍ وفُرَادى. * * * قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) وقولُه ﷺ : "والقرَآن حجةٌ لك أو عليكَ ". قال اللَّه : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) قال بعضُ السلفِ: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ، فقامَ عنه سالمًا؛ بل إمَّا أن يربحَ أو أن يخسرَ، ثمَّ تلا هذه الآية. * * * قال الله : (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) قال ابنُ عباسٍ: كلما طفئتْ أوقدتْ، وقال ابنُ عباسٍ: خبتْ سكنتْ. وقالَ ابنُ قتيبةَ: خبتِ النارُ إذا سكنَ لهبُها، فاللهبُ يسكنُ والجمرُ يعملُ. وقال غيره من المفسرينَ: تأكلُهُم. فإذا صارُوا فحمًا ولم تجدِ النارُ شيئًا تأكلُهُ أعيد خلقُهم خلقًا جديدًا فتعودُ لأكِلهِم.

стр. 617

وقولهُ: (زِدْنَاهُم سَعِيرًا) أي: نارًا، تتسعرُ وتتلهبُ. وقد رُويَ عن عمرِو بنِ عبسةَ أن في جهنَّمَ بئرٌ يقال له: الفلقُ، منه تسعرُ جهنَّمُ إذا سعرتْ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاءَ الله تعالى. والمعنى أنَّه يكشفُ ذلك البئرُ فيخرج منه نارٌ تلهب جهنَّم وتوقدُها. وقالَ اللَّه تعالى: (فَأَنذَرْتُكمْ نَارًا تَلَظَّى) ، قال مجاهدٌ وعْيرُهُ: توهجُ. قرأ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ليلةً في صلاتِهِ سورةَ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) فلما بلغَ قولَهُ: (فَأَنذَرْتُكمْ نَارًا تَلَظَّى) ، بكى فلم يستطعْ أنْ يجاوزَهَا مرتينِ أو ثلاثًا، ثم قرأ سورةً أخرى غيرَها. * * * قوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وفي "الصحيحينِ " عن عائشةَ في قولِهِ تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) أنها نزلت في الدعاءِ. وكذا رُوي عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ، وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ وعطاءٍ وعكرمةَ وعروةَ ومجاهدٍ وإبراهيمَ وغيرِهم. وقال الإمامُ أحمدُ: ينبغي أن يسرَّ دعاءَه؛ لهذه الآيةِ. قال: وكان يكرَه أن يرفعُوا أصواتَهم بالدعاءِ. وقالَ الحسنُ: رفعُ الصوتِ بالدعاءِ بدعةٌ.

стр. 618

وقال سعيدُ بنُ المسيبِ: أحدثَ الناسُ الصوتَ عندَ الدعاءِ. وكرِهَه مجاهدٌ وغيرُهُ. وروى وكيعٌ، عن الربيع، عن الحسنِ - والربيع، عن يزيدَ بنِ أبانٍ، عن أنسٍ -: أنهما كرِها أن يُسمعَ الرجلُ جليسَهُ شيئًا من دعائِهِ. * * *

стр. 619

سُورَةُ الكَهْفِ قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) [قالَ البخاريُّ] : "بابُ: هل تُنْبَشُ قُبُورُ مُشركي الجاهليّة، ويُتخذُ مكانُها مساجدَ لقولِ النبيِّ ﷺ : "لعن الله اليهودَ، اتَخذوا قبورَ أنبيائِهِم مساجدَ" وما يكرَهُ من الصلاةِ في القبُورِ": ورأى عمرُ أنسَ بنَ مالكٍ يُصلِّي عندَ قبرٍ، فقال: القبرَ القبرَ، ولم يأمرْهُ بالإعادةِ. مقصودُ البخاريّ بهذا البابِ: كراهةُ الصلاةِ بين القبورِ وإليها، واستدلَّ لذلكَ بأن اتَّخاذَ القبورِ مساجدَ ليسَ هو من شريعةِ الإسلامِ، بل من عملِ اليهودِ، وقد لعنَهُمُ النبيُّ ﷺ على ذلكَ. وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ، وهو قولُ اللَّهِ في قصةِ أصحابِ الكهفِ: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهم مَسْجِدًا) ، فجعل اتخاذَ القبورِ على المساجدِ من فعلِ أهلِ الغلبةِ على الأمورِ، وذلك يشعرُ بأنَّ مستندَهُ القهرُ والغلبةُ واتباعُ الهوى، وأنَّه ليس من فعلِ أهلِ العلم والفضلِ المتبعينَ لما أنزلَ اللهُ على رسلِهِ من الهُدَى.

стр. 620

وإذا كرهتِ الصلاةُ إلى القبورِ وبينَها، فإن كانتِ القبورُ محترمةً اجْتُنِبَتِ الصلاةُ فيها، وإن كانتْ غيرَ محترمةٍ كقبورِ مشركي الجاهليةِ ونحوِهِم ممَّن لا عهدَ له ولا ذمَّة مع المسلمينَ، فإنه يجوزُ نبشُها ونقلُ ما يوجدُ فيها من عظامِهِم، والصلاةُ في موضعِها، فإنها لم تبقَ مقبرةٌ ولا بقيَ فيها قبورٌ، وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على ذلكَ في روايةِ المروزيِّ. وأمَّا ما ذكرَهُ عن عُمرَ ﵁، فمن روايةِ سفيانَ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قالَ: رآني عمرُ وأنا أصلِّي إلى قبرٍ، فجعلُ يشيرُ إليَّ: القبرَ القبرَ. ورواه إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، حدَّثه أنه قامَ يصلِّي إلى قبرٍ لا يشعرُ به، فناداه عمرُ: القبرَ القبرَ، قالَ: ففطننتُ أنَّه يقولُ: القمرُ. فرفعتُ رأسي، فقال رجلٌ: إنَّه يقول: القبرُ، فتنحيتُ. وروي عن أنسٍ، عن عمرَ من وجوهٍ أُخر. وروى همامٌ: ثنا قتادةُ، أنَّ أنسًا مرَّ على مقبرةٍ وهم يبنون مسجدًا، فقالَ أنسٌ: كان يكرهُ أن يبنى مسجدٌ في وسطِ القبورِ. وقال أشعثُ: عن ابنِ سيرينَ: كانُوا يكرهونَ الصلاةَ بين ظهرانيِّ القبورِ. خرَّج ذلكَ كلَّه أبو بكرٍ الأثرمُ. وقال: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ - يعني: أحمدَ - يُسألُ عن الصلاةِ في المقبرةِ؟ فكرَهَ الصلاةَ في المقبرةِ. فقيلَ له: المسجدُ يكونُ بين القبورِ، أيصلَّى فيه؟ فكره ذلك، قيل له: إنه مسجدٌ وبينه وبينَ القبورِ حاجزٌ؛ فكره أن يصلَّى فيه الفرضُ، ورخصَ أن يصلَّى فيه على الجنائزِ، وذكر حديثَ أبي مَرْثَدٍ الغَنويِّ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "لا تصلُّوا إلى القبورِ". وقال: إسنادٌ جيد.

стр. 621

وحديثُ أبي مَرْثد هذا: خرَّجه مسلمٌ، ولفظُهُ: أنَّ النبيَّ ﷺ ، قالَ: "لا تجلسُوا على القبورِ، ولا تصلُّوا إليها". ورُويَ عن عمرِو بنِ يحيى المازنيِّ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "جعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، إلا المقبرةُ والحمامُ ". خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجةَ والترمذيُّ، وابنُ حبانَ والحاكمُ وصححَه. وقد اختلفَ في إرسالهِ ووصلِهِ بذكرِ "أبي سعيدٍ" فيه، ورجَّح كثيرٌ من الحفاظِ إرسالَهُ: عن عمرِو بنِ يحيى، عن أبيه، ومنهم: الترمذيّ والدارقطنيُّ. وفي البابِ أحاديثُ أُخرُ، قد استوفيناها في "كتابِ شرح الترمذيَ ". وأمَّا ما ذكره البخاريُّ: أن عمرَ لم يأمر أنسًا بالإعادةِ. فقد اختلفَ في الصلاةِ في المقبرةِ: هل تجبُ إعادتُها، أم لا؟ وأكثرُ العلماءِ على أنَّه لا تجبُ الإعادةُ بذلكَ، وهو قولُ مالكٍ. والشافعيِّ، وأحمدَ في روايةٍ عنه. والمشهورُ عن أحمدَ الذي عليه عامةُ أصحابِهِ: أنَّ عليه الإعادةَ " لارتكابِ النهي في الصلاةِ فيها. وهو قولُ أهلِ الظاهرِ - أو بعضِهِم - وجعلُوا النهيَ هاهنا لمعنى يختصُّ

стр. 622

بالصلاةِ من جهة مكانِها، فهو كالنهيِّ عن الصلاةِ المختصِّ بها لزمانِها كالصلاةِ في أوقاتِ النهي، وكالصيامِ المنهي عنه لأجلِ زمنِهِ المختصِّ به كصيامِ العيدين. حتى إن من أصحابِنا من قال: متى قُلنا: النهيُّ عن الصلاةِ في المقبرةِ والأعطانِ ونحوِها للتحريمِ، فلا ينبغي أن يكونَ في بطلان الصلاةِ فيها خلافٌ عن أحمدَ، وإنَّما الخلافُ عنه في عدمِ البطلانِ مبني على القول بأنه مكروهٌ كراهةُ تنزيهٍ. وأكثرُ العلماءِ على أن الكراهةَ في ذلكَ كراهةُ تنزيهٍ، ومنهُم من رخَّص فيه. قال ابنُ المنذرِ: اختلفُوا في الصلاةِ في المقبرةِ، فرُوِّينا عن عليٍّ وابنِ عباسٍ وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرو وعطاء والنخعي أنهم كرهُوا الصلاةَ فيها، واختلفَ عن مالكٍ فيه، فحكى ابنُ القاسم عنه أنه قال: لا بأسَ به، وحكَى أبو مصعبٍ عنه أنه قال: لا أحبُّ ذلكَ. قال ابنُ المنذرِ: ونحنُ نكرهُ من ذلكَ ما كرههُ أهلُ العلم استدلالاً بالثابتِ عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "اجعلُوا في بيوتِكُم من صلاتِكُم، ولاتتخذُوها قبورًا". ففي هذا دليلٌ على أنَّ المقبرةَ ليستَ بموضع للصلاةِ. قلتُ: قد استدل البخاريُّ بذلكَ - أيضًا - وعقدَ له بابًا مفردًا، وسيأتي في موضعِهِ - إن شاء اللَّه تعالى. قالَ ابنُ المنذرِ: وقد قال نافعٌ مولى ابنِ عمرَ: صلينا على عائشةَ وأمِّ سلمةَ

стр. 623

وسطَ البقيع، والإمامُ يومئذٍ أبو هريرةَ، وحضرَ ذلك ابنُ عمرَ. قلتُ: صلاةُ الجنازةِ مستثناةٌ من النهيِّ عندَ الإمامِ أحمدَ وغيره، وقد سبقَ قولُ أحمدَ في ذلكَ. وقالَ - أيضًا -: لا يصلَّى في مسجدٍ بين المقابرِ إلا الجنائزُ؛ لأنَّ الجنائزَ هذه سنتُها. يشيرُ إلى فعلِ الصحابةِ ﵃. قال ابنُ المنذرِ: ورُوِّينا أنَّ وَاثِلةَ بن الأسْقَع كان يصلِّي في المقبرةِ، غيرَ أنه لايستترُ بقبرٍ. قلتُ: لأنه هو روى عن أبي مرثد حديثَ النهىِّ عن الصلاةِ إلى القبورِ. فكانَ يخصُّ النهي بحالةِ استقبالِ القبرَّ خَاصةً. قال ابنُ المنذرِ: وصلَّى الحسنُ البصريُّ في المقابر. قلتُ: لعلَّه صلَّى على جنازةٍ، فإنه روى عنه أنه أمرَ بهدمِ المساجدِ المبنيةِ في المقابرِ. قال: وكره عمرُ بنُ الخطابِ وأنسُ بنُ مالك الصلاةَ إلى المقابرِ. انتهى ما ذكره. واختلفَ القائلونَ بالكراهةِ في علَّةِ النهي: فقال الشافعيُّ: علةُ ذلكَ النجاسةُ، فإن ترابَ المقابرِ يختلطُ بصديدِ الموتى ولحومِهِم، فإن كانتْ طاهرةً صحت الصلاةُ فيها مع الكراهة. وقسم أصحابه المقبرة إلى ثلاثةِ أقسام: ما تكرَّر نبشُها، فلا تصحُّ الصلاةُ فيها، لاختلاطِ ترابها بالصَّديدِ. وجديدَّةَ لم تُنْبش، فتصحُّ الصلاةُ فيها مع

стр. 624

الكراهة؛ لأنها مدفن للنجاسة. وما شُكَّ في نبشِها، ففي صحة الصلاةِ فيها قولانِ. واختلفَ أصحابُنا في علةِ النهي عن الصلاةِ، فمنهم من قالَ: هو مظنةُ النجاسةِ، ومنهُم من قالَ: هو تعبُّد لا يُعْقلُ. وقالُوا مع هذا: لا فرقَ بين أن تكونَ قديمةً أو حديثةً، نُبِشَتْ أو لم تُنْبشُ. إذا تناولها اسمُ مقبرة. قالُوا: فإن كان في بقعةٍ قبرٌ أو قبرانِ فلا بأسَ بالصلاةِ فيه، ما لم يُصلِّ إلى القبرِ. وأنكرَ آخرونَ التعليلَ بالنجاسةِ، بناءً على طهارةِ ترابِ المقابرِ بالاستحالةِ. وعللوا: بأنَّ الصلاةَ في المقبرةِ وإلى القبور، إنَّما نَهَى عنه سدًّا لذريعةِ الشِّرْكِ، فإن أصلَ الشركِ وعبادة الأوثانِ كانتْ من تعظيمِ القبورِ. وقد ذكرَ البخاريُّ في "صحيحِهِ " في "تفسيرِ سورةِ نوح " عن ابنِ عباسٍ، معنى ذلك. وفي "صحيح مسلمٍ" عن جندب، سمعَ النبيُّ ﷺ قبلَ أن يموتَ بخمسٍ يقولُ: "إنَّ من كانَ قبلَكُم كانُوا يتخذونَ قبورَ أنبيائِهِم وصالحيهم مساجدَ، ألا فلا تتخِذُوا القبورَ مساجدَ، فإنِّي أنهاكم عن ذلك ". وهذا يعمُّ كلَّ القبورِ. وخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ حبانَ في "صحيحِهِ " من حديثِ ابنِ مسعودٍ،

стр. 625

عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "إنَّ من شرارِ الناسِ من تدركُهُم الساعةُ وهم أحياء، ومن يتخذُ القبورَ مساجدَ". وخرَّج الإمام أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ من حديثِ أبي صالحِ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ : "لعنَ اللَّهُ زائراتِ القبورِ، والمتخذينَ عليها المساجدَ والسُّرُج. وقال الترمذيُّ: حسنٌ - وفي بعضِ النُّسخ: صحيحٌ. وخرَّجهُ ابنُ حبانَ في "صحيحِهِ " والحاكمُ وصحَّحَه. واختلفَ في أبي صالح هذا، منْ هو؟ فقيلَ: إنه السمانُ - قاله الطبرانيُّ، وفيه بعدٌ، وقيلَ: إنه ميزانٌ البصريُّ. وهو ثقةٌ؛ قاله ابنُ حبانَ. وقيلَ: إنه باذَان مولى أمِّ هانئ؛ قاله الإمامُ أحمدُ والجمهورُ. وقد اختلفَ في أمره. فوثقه العجليُّ. وقالَ ابنُ معينٍ: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتمٍ: يُكْتَبُ حديثُهُ ولا يحتجُّ به. وقال النسائي: ليس بثقةٍ. وضعفه الإمامُ أحمدُ وقالَ: لم يصحَّ عندي حديثُهُ هذا. وقال مسلمٌ في "كتابِ التفصيلِ ": هذا الحديثُ ليسَ بثابتٍ، وأبو صالحٍ باذام قد اتقى الناسُ حديثَهُ، ولا يثبتُ له سماعٌ من ابنِ عباسٍ.

стр. 626

وروي عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّه نهى أن يُبْنَى عند قبرِ أبيه مسجدٌ. خرَّجه حربٌ الكرْمانيُّ. وقال أبو بكرٍ الأثرمُ في كتابِ "الناسخ والمنسوخ ": إنما كرهتِ الصلاةُ في المقبرةِ للتشبهِ بأهلِ الكتابِ؛ لأنهم يتخذونَ قبورَ أنبيائِهِم وصالحِيهم مساجدَ. ووجدنا في كتابٍ مصنفٍ على مذهبِ سفيان الثوريِّ: وإذا صلَّى الرجلُ وبين يديه ميتٌ تنحَّى عنه. إنما كره الصلاةَ إلى القبورِ من أجلِ الميتِ، فإنْ صلَّى إليها فلا بأسَ. وفيه - أيضًا -: قال سفيانُ: ويكرهُ أن يصلِّي الرجلُ إلى القبورِ أو ما بينَ القبورِ. ثم قالَ: ومن صلَّى إلى القبورِ فلا إعادةَ عليهِ. وفيه: قال: ولا تعجبني الصلاةُ على الجنازةِ في المقبرةِ. وهذا قولُ الشافعيِّ وإسحاقَ ورواية عن أحمدَ؛ لعمومِ النهيِّ عن الصلاةِ في المقبرةِ. واستدلَّ من رخَّصَ في صلاةِ الجنازةِ في المقبرةِ: بأنَّ الصلاةَ على القبرِ جائزةٌ بالسنة الصحيحةِ، فعلم أنَّ الصلاةَ على الميتِ في القبورِ غير منهيٍّ عنها. [قالَ البخاريُّ] : ثنا محمد بنُ المثنى: ثنا يحيى، عن هشام: أخبرني أبي، عن عائشة، أن أمَّ حبيبةَ وأم سلمةَ ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاويرُ، فذكرتا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات بنو على قبْر مسجدًا، وصوَّرُوا فيه تلك الصور، وأولئكِ شرارُ الخلقِ عندَ اللهِ يوم القيامةِ".

стр. 627

هذا الحديثُ يدلُّ على تحريمِ بناءِ المساجدِ على قبورِ الصالحينَ، وتصويرِ صورِهم فيها كما يفعلُهُ النصارَى، ولا ريبَ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محرم على انفراده: فتصويرُ صورِ الآدميينَ محرم، وبناءُ القبورِ على المساجدِ بانفرادِهِ محرم، كما دلتْ عليه نصوصٌ أُخرُ يأتِي ذكرُ بعضِها. وقد خرَّج البخاريُّ في "تفسيرِ سورةِ نوح " من "كتابِهِ " هذا من حديثِ ابنِ جريرٍ، فقالَ: عطاء، عن ابنِ عباسٍ: صارتِ الأوثانُ التي كانت في قومِ نوحٍ في العربِ تُعْبد، أما "ودّ": كانت لكلبٍ بدومَةِ الجندَلِ، وأمَّا، "سُواع": كانت لهذيلٍ، وأما "يَغُوثُ ": فكانت لمرادٍ، ثم لبني غُطيف بالجرفِ عند سبإٍ، وأمَّا "يعُوقُ ": فكانتْ لهمدانَ، وأمَّا "نسْر": فكانت لحِمْيَر لاآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحينَ من قومِ نوحٍ، فلما هلكُوا أوحى الشيطانُ إلى قومِهِم أن انصبُوا إلى مجالسِهِم التي كانُوا يجلسَون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائِهِم، ففعلُوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلكَ أولئك ونُسخَ العلمُ عُبِدتْ. وقد ذكرَ الإسماعيليُّ: أن عطاءً هذا هو الخراسانيُّ، الخراسانيُ لم يسمعْ من ابنِ عباسٍ. واللَّه أعلمُ. فإن اجتمعَ بناءُ المسجدِ على القبورِ ونحوِها من آثارِ الصالحينَ مع تصويرِ صورِهِم، فلا شكَّ في تحريمِهِ، سواءٌ كانتْ صورًا مجسدةً كالأصنامِ أو على حائطٍ ونحوِه، كما يفعلُه النصارى في كنائسهم، والتصاويرُ التي في الكنيسةِ التي ذكرتها أمُّ حبيبة وأمُّ سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانتْ على الحيطانِ

стр. 628

ونحوِها، ولم يكنْ لها ظل، وكانتْ أمُّ سلمةَ وأمُّ حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشةِ. فتصويرُ الصورِ على مثل صورِ الأنبياءِ والصالحينَ، للتبركِ بها والاستشفاع بها محرَّمٌ في دينِ الإسلامِ، وهو من جنسِ عبادةِ الأوثانِ، وهو الذي أخبر النبيُّ ﷺ أن أهلَه شرارُ الخلقِ عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ. وتصوير الصورِ للتآنسِ برؤيتها أو للتنزهِ بذلك والتَّلهي محرَّم، وهو منَ الكبائرِ وفاعلُه من أشدِّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ، فإنه ظالمٌ ممثِّلٌ بأفعالِ اللَّهِ التي لا يقدرُ على فعِلهَا غيرُه، واللَّهُ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله . * * * قوله : (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) وسببُ نزولِهَا: أنّ قومًا سألُوا النبيَّ ﷺ عن قصةٍ، قال: غدًا أخبرُكم، ولمْ يقلُ إنْ شاء اللَّهُ. فاحتبس الوحيُ عنه مدةً، ثم نزلتْ هذه الآيةُ. وفي الحديثِ الصحيح: أنَّ سليمانَ ﵇ قال: "لأطوفنَّ الليلةَ على مائةِ امرأةٍ" الحديث.

стр. 629

وفي الحديث: أنَّ بني إسرائيلَ، لو لمْ يقولُوا: "إنْ شاء اللَّه " ما اهتدُوا أبدًا يعني إلى البقرةِ التي أُمروا بذبحِهَا. وفي الحديثِ الذي في "المسندِ" و "السنن": أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ يحفرونَ كلَّ يومٍ السدَّ حتى يكادُوا يروا منه شُعاعَ الشمسِ، ثم ينصرفونَ ويقولونَ غدًا نفتحُهُ فإذا رجعُوا من الغدِ وجدُوه كما كان أولاً حتى يأذنَ اللَّهُ في فتحِهِ، فيقولونَ: غدًا نفتحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فيرجعونَ فيجدونَهُ كما تركوه فيفتحونه. قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: قال بعضُهم: ما سألَ السائلونَ مسألةً هي أنجحُ من أن يقولَ العبدُ: ما شاء اللَّهُ قال: يعني بذلك: التفويضَ إلى اللَّهِ. وكان مالكُ بنُ أنسٍ كثيرًا يقولُ: ما شاءَ اللَّهُ ما شاءَ اللَّهُ. فعاتبه رجلٌ على ذلكَ. فرأى في منامِهِ قائلاً يقولُ: أنت المُعاتبُ لمالكٍ على قولِهِ ما شاء اللَّه، لو شاءَ مالكٌ أنْ يثقبَ الخردلَ بقولِه ما شاءَ اللَّهُ فعلَ. قال حمادُ بنُ زيدٍ: جعلَ رجلٌ لرجلٍ جُعلاً على أنْ يعبرَ نهرًا، فعبرَ حتى إذا قربَ من الشطِّ، قال: عبرتُ واللَّهِ، فقالَ له الرجلُ: قلْ إن شاء اللَّهُ. فقال: شاءَ اللَّهُ أو لم يشأ، قال: فأخذَتْهُ الأرضُ. فلا ينبغي لأحدٍ أن يُخبر بفعلٍ يفعله في المستقبلِ إلا أنْ يُلحقَهُ بمشيئةِ اللَّهِ. فإنَّه ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يشأ لم يكنْ. والعبدُ لا يشاءُ إلا أنْ يشاءَ اللهُ له. فإذا نسِيَ هذه المشيئةَ ثم تذكَّرها فقالَهَا عند ذكرها ولو بعدَ مدةٍ، فقد امتثلَ ما أُمِرَ به، وزالَ عنه الإثمُ، وإنْ كان لا يرفعُ ذلك عنه الكفارةَ،

стр. 630

ولا الحِنثَ في يمينِهِ، ولهذا في كلامِ أبي الدرداءِ: اللَّهُمَ اغفرْ لي وتجاوزْ عنِّي. فلم يسألْ إلا رفعَ الإثم دونَ رفع الكفارةِ. رُوي عن سعيدِ بنِ جبيرِ، في قولِهِ تعالي: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) . قال: يقولُ: إذا حلفتَ فنسيتَ الاستثناءَ فاستثنِ إذا ذكرتَ. ولو بعدَ خمسةِ أشهرٍ أو ستةَ أشهرٍ؛ فإنَّه يجزئك ما لم تحنثْ. خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسِ في "تفسيرِهِ ". وعلى هذا حَملَ قولَ ابنِ عباسٍ وأصحابهِ طائفةٌ من العلماءِ، منهُم: أبو مسعودٍ الأصبهانيُّ الحافظُ وابنُ جريرِ الطبريُّ. وكذا يُقال في هذا الحديثِ من تقدُّم الاستثناء؛ فإنَّ تقديمَه أبعدُ من تأخير عن اليمينِ، فإنَّ اليمينَ لم تُوجد بالكليَّة وفي تأخيره وجدتْ. وقد قالَ مالكٌ في الاستثناءِ في اليمينِ: إنْ ذكرَ المشيئةَ يريدُ بها الاسثتناءَ نفعَهُ ذلك في منع الحنثِ، وإنْ كان إنَما أراد امتثالَ قولِهِ تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، ثم حنثَ، فإنَي أرى الكفارةَ نقلَهُ ابنُ المنذرِ وغيرُه وكذلك حكاهُ أبو عُبيد عن بعضِ العلماءِ. وترددَ بعضُ العلماء في وجوبِ الكفارةِ في هذا القسم؛ لترددِّ نظر بين اللفظِ والمعْنَى. فلفظُهُ معلَّق بالمشيئةِ، ومعناهُ الجزمُ بالفعلِ غير معلقٍ، وإنَّما ذكرَ الاستثناء تحقيقًا وتأكيدًا للفعلِ. وفي الجملةِ: فينبغي حملُ حديثِ زيدِ بنِ ثابتِ هذا على هذا المعنى. وأنْ تُقدَّم المشيئةُ على كل قولٍ يقولُه وحلفٍ يحلفُهُ ونذرٍ ينذرُهُ، ليخرجَ بذلكَ

стр. 631

من عُهدةِ استقلالِ العبدِ بفعلهِ، وليحققَ العبدُ أنَّه لا يكونُ مما يعزم عليه العبدُ ويقولُه من حل ونذرٍ وغيرِهِما إلا ما شاءَ اللَّهُ وأرادَهُ، ولهذا قالَ بعدَهُ: "ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكنْ، ولا حول ولا قوَّةَ إلا بكَ، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير". فتبرَّأ من حولِهِ وقوتِهِ ومشيئتِه بدون مشيئةِ اللَّهِ وحولِهِ وقوتِهِ، وأقرَّ لربِّه بقدرتِهِ على كلِّ شيءٍ وأنَّ العبدَ عاجز عن كلِّ شيءٍ إلا ما أقدرَهَ عليه ربّه. ففي هذا الكلامِ: إفرادُ الربِّ تعالى بالحولِ والقوةِ والقُدرةِ والمشيئةِ، وأنَّ العبدَ غيرُ قادرٍ من ذلكَ كلِّه إلا على ما يقدره مولاهُ، وهذا نهايةُ توحيدِ الربوبيةِ. وللشافعيِّ من أبياتٍ شعر: ما شئتَ كانَ وإنْ لم أشأْ. . . وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ وقد حملَ طائفة منهُم الإمامُ أحمدُ كلامَ ابنِ عباسٍ في تأويلِ الآيةِ على وجهٍ آخرَ، وهو: أنَّ الرجلَ إذا قال: لا أفعلُ كذا وكذا، ثم أرادَ فعلَهُ فإنَّه يستثنِي، ويقولُ: إن شاءَ اللَّهُ، ثم يفعلُهُ ويتخلَّصُ بذلكَ من الكذبِ إذا لم يكنْ حلف على يمين. وكان يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، إذا قالَ: لا أفعلُ كذا. لا يفعلُه أبدًا، فإذا قيلَ له: لم تحلفْ؛ يقولُ: هذا أشدُّ - يعني الكذبَ - لو كنتُ حلفتُ كان أهونُ، كُنتُ أكفِّرُ يميني وأفعلُهُ. وسُئل الإمامُ أحمدُ عمَّن يقولُ: لا آكلُ ثم يأكلُ، قال: هو كذبٌ، لا ينبغي أنْ يفعلَ ذلك.

стр. 632

ونقل الوليدُ بنُ مسلم - في "كتابِ الأيمان والنذورِ" عن الأوزاعيِّ، في رجلٍ كُلِّم في شيء فيقولُ: نعمْ، إن شاءَ اللَّهُ، ومن نيتِهِ أن لا يافعلَ. قالَ: هذا الكذبُ والخُلف. قالَ: إنَّما يجوزُ المُستثنى في اليمينِ، قيلَ لهُ: فإنَّه قالَ: نعم إنْ شاءَ اللَّهُ ومن نيتِهِ أنْ يفعلَ، ثم بدا لهُ أن لا يفعلَ. قالَ: له ثُنياه. وهذا يدلُّ على أنَّ الاستثناءَ بالمشيئةِ في غيرِ اليمينِ إنَّما ينفعُ لمن لم يكن مصممًا على مخالفةِ ما قالَهُ من أولِ كلامِهِ. * * * قال الله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) قالَ الزجاجُ: السرادقُ: كلُّ ما أحاطَ بشيءٍ نحو الشقة في المضربِ والحائطِ المشتملِ على الشيءِ. وقال ابنُ قتيبةَ: السرادقاتُ: الحرةُ التي تكونُ حولَ الفسطاطِ، قيلَ: هو الدهليزُ، معربٌ، وأصلُهُ بالفارسيةِ: سرادارُ. وقالَ ابنُ عباسٍ: هو سرادقُ من نارٍ. وروى ابنُ لهيعةَ عن دراج عن أبي الهيثمَ عن أبي سعيد الخدرىِّ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "سرادقُ أهلِ النارِ أربعةُ جدرٍ، كثفُ كلِّ جدارٍ مسيرةً أربعين سنةً" خرَّجه الترمذيُّ. وإحاطةُ السرادقِ بهم قريبٌ من المعنى المذكورِ في غلقِ الأبوابِ، وهو شبهُ

стр. 633

قولِ من قالَ: إنه حائط لا بابَ لهُ. ولما كانَ إحاطةُ السرادِق بهم موجب لهمّهِم وغمِّهِم وكربِهِم وعطشِهِم لشدةِ وهج النارِ عليهم، قال اللَّه تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) . وقال تعالى: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) . قال أبو معشرٍ: كنا في جنازة مع أبي جعفرٍ القاري فبكى أبو جعفرٍ، ثم قالَ: حدَّثني زيدُ بنُ أسلمَ، أنَّ أَّهَلَ النارِ لا يتنفسونَ، فذلك الذي أبكاني. خرَّجه الجوزجانيُ. وخرَّج ابنُ أبي حاتمن طريقِ إبراهيمَ بنِ الحكم بنِ أبانَ عن أبيهِ عن عكرمةَ، قال: على كلِّ بابٍ من أبوابِ النارِ سبعونَ ألفَ سرادقٍ من نارٍ، في كلِّ سرادقٍ منها سبعونَ ألفَ قبة من نارٍ، في كلِّ قبةٍ منها سبعونَ ألفَ تنورٍ من نارٍ، في كلِّ تنورٍ منها سبَّعَون ألفَ كوةٍ من نارٍ، في كلِّ كوةٍ منها من نار. على كلِّ صخرة سبعونَ ألفَ صخرةٍ منها سبعون ألفَ حجرٍ من نارٍ، على كلِّ حجرٍ منها سبعونَ ألفَ عقربٍ من نارٍ، لكلِّ عقربٍ منها سبعونَ ألفَ ذنبٍ من نارٍ، لكلِّ ذنبٍ منها سبعونَ ألفَ فقارةٍ من نارٍ، في كل فقارة منها سبعونَ ألفَ قلةٍ من سمٍّ وسبعونَ ألفَ موقد من نارٍ يوقدونَ تلك النارَ، وَذكر تمامَ الحديثِ، وسيأتِي فيما بعد إن شاء اللَّهُّ تَعالى؛ وفيه: "إنهم يهوونَ من بابٍ إلى بابٍ خمسمائةَ سنةٍ" وهو غريب ومنكرٌ، وإبراهيمُ بنُ الحكمِ بنِ أبانَ ضعيف تركه الأئمةُ.

стр. 634

وأبوابُ جهنَّم قبلَ دخولِ أهلِها إليها يومَ القيامةِ مغلقةٌ كما دلَّ عليه ظاهرُ قولِهِ تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) وفي حديثِ أبي هارونَ العبدي وهو ضعيف جدًّا عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النبيِّ ﷺ في قصة الإسراءِ، قال: "ثم عُرضتْ عليَّ النارُ، فإذا فيها غضبُ اللَّهِ وزجره ونقمتِه، لو طرحَ فيها الحجارةُ والحديدُ لأكلتْها، ثم أغلقتْ دونِي ". وقد رُويَ أن أبوابَها تفتحُ كل يوم نصفُ النهارِ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ - إن شاء اللَّه تعالى. وروى الإمامُ أحمدُ عن إسحاقَ الأزرقيِّ عن شريكٍ عن الركينِ عن أبيه. قالَ: رأى خبابُ بنُ الأرتِّ رجلاً يصلِّي نصفَ النهارِ فنهاه، وقالَ: إنها ساعةٌ تفتحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ فلا تصلّ فيها. وقد وردَ ما يستدلُّ به على أنها مفتحةٌ، ففي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إذا جاءَ رمضانُ فتحتْ أبوابُ الجنةِ وغلِّقَت أبوابُ النارِ وصفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ ". وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قال: "إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضانَ صفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ وأغلقتْ أبوابُ النارِ، فلم يفتحْ منها بابٌ وفتحتْ أبوابُ الجنةِ فلم يغلقْ منها بابٌ". ولكنْ قد قيلَ: إن إغلاقَ أبوابِ النارِ إنَّما هو عن الصائمينَ خاصةً،

стр. 635

وكذلك فتحُ أبوابِ الجنةِ هو لهم خاصةً. وفي حديثِ القاسم العرنيِّ عن الضحاكِ عن ابنِ عباسٍ عنِ النبيِّ ﷺ في فضلِ رمضانَ، قالَ فيه: "فيفتحُ فيها" أي في أولِ ليلةٍ منه: "أبوابُ الجنةِ للصائمينَ من أمةِ محمد ﷺ ، فيقولُ اللَّهُ: يا رضوانُ، افتحْ أبوابَ الجنانِ، ويا مالكُ، أغلِقْ أبوابَ الجحيم عن الصائمينَ من أمَّةِ محمد ﷺ وهذا منقطعٌ. فإن الضحاكَ لم يسمعْ من ابنِ عباسٍ. * * * قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقولُ: في قولِهِ تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ) ، قال: ما قالَ: ما شاءَ اللَّه كانَ ولا يكونُ، بلْ أطلقَ اللفظَ، ليعمَّ الماضي والمستقبلَ والراهنَ. وسمعته يقول: وتدبرتُ قولَه تعالى: (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ، فرأيتُ لها ثلاثةَ أوجهٍ. أحدُها: أن قائلَها يتبرأُ من حولِهِ وقوتِهِ، ويسلِّمُ الأمرَ إلى مالِكِهٍ. والثاني: أنه يعلمُ أنْ لا قوةَ للمخلوقينَ إلا باللَّه، فلا يخافُ منهم؛ إذ قُواهُم لا تكونُ إلا باللَّهِ، وذلك يوجبُ الخوفَ من اللًّهِ وحدَهُ. والثالثُ: أنَّه ردَّ على الفلاسفةِ والطبائعيين الذين يدَّعونَ القُوى في الأشياءِ
следующие страницы →