← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

من عُهدةِ استقلالِ العبدِ بفعلهِ، وليحققَ العبدُ أنَّه لا يكونُ مما يعزم عليه العبدُ ويقولُه من حل ونذرٍ وغيرِهِما إلا ما شاءَ اللَّهُ وأرادَهُ، ولهذا قالَ بعدَهُ: "ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكنْ، ولا حول ولا قوَّةَ إلا بكَ، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير". فتبرَّأ من حولِهِ وقوتِهِ ومشيئتِه بدون مشيئةِ اللَّهِ وحولِهِ وقوتِهِ، وأقرَّ لربِّه بقدرتِهِ على كلِّ شيءٍ وأنَّ العبدَ عاجز عن كلِّ شيءٍ إلا ما أقدرَهَ عليه ربّه. ففي هذا الكلامِ: إفرادُ الربِّ تعالى بالحولِ والقوةِ والقُدرةِ والمشيئةِ، وأنَّ العبدَ غيرُ قادرٍ من ذلكَ كلِّه إلا على ما يقدره مولاهُ، وهذا نهايةُ توحيدِ الربوبيةِ. وللشافعيِّ من أبياتٍ شعر: ما شئتَ كانَ وإنْ لم أشأْ. . . وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ وقد حملَ طائفة منهُم الإمامُ أحمدُ كلامَ ابنِ عباسٍ في تأويلِ الآيةِ على وجهٍ آخرَ، وهو: أنَّ الرجلَ إذا قال: لا أفعلُ كذا وكذا، ثم أرادَ فعلَهُ فإنَّه يستثنِي، ويقولُ: إن شاءَ اللَّهُ، ثم يفعلُهُ ويتخلَّصُ بذلكَ من الكذبِ إذا لم يكنْ حلف على يمين. وكان يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، إذا قالَ: لا أفعلُ كذا. لا يفعلُه أبدًا، فإذا قيلَ له: لم تحلفْ؛ يقولُ: هذا أشدُّ - يعني الكذبَ - لو كنتُ حلفتُ كان أهونُ، كُنتُ أكفِّرُ يميني وأفعلُهُ. وسُئل الإمامُ أحمدُ عمَّن يقولُ: لا آكلُ ثم يأكلُ، قال: هو كذبٌ، لا ينبغي أنْ يفعلَ ذلك.

стр. 632

ونقل الوليدُ بنُ مسلم - في "كتابِ الأيمان والنذورِ" عن الأوزاعيِّ، في رجلٍ كُلِّم في شيء فيقولُ: نعمْ، إن شاءَ اللَّهُ، ومن نيتِهِ أن لا يافعلَ. قالَ: هذا الكذبُ والخُلف. قالَ: إنَّما يجوزُ المُستثنى في اليمينِ، قيلَ لهُ: فإنَّه قالَ: نعم إنْ شاءَ اللَّهُ ومن نيتِهِ أنْ يفعلَ، ثم بدا لهُ أن لا يفعلَ. قالَ: له ثُنياه. وهذا يدلُّ على أنَّ الاستثناءَ بالمشيئةِ في غيرِ اليمينِ إنَّما ينفعُ لمن لم يكن مصممًا على مخالفةِ ما قالَهُ من أولِ كلامِهِ. * * * قال الله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) قالَ الزجاجُ: السرادقُ: كلُّ ما أحاطَ بشيءٍ نحو الشقة في المضربِ والحائطِ المشتملِ على الشيءِ. وقال ابنُ قتيبةَ: السرادقاتُ: الحرةُ التي تكونُ حولَ الفسطاطِ، قيلَ: هو الدهليزُ، معربٌ، وأصلُهُ بالفارسيةِ: سرادارُ. وقالَ ابنُ عباسٍ: هو سرادقُ من نارٍ. وروى ابنُ لهيعةَ عن دراج عن أبي الهيثمَ عن أبي سعيد الخدرىِّ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "سرادقُ أهلِ النارِ أربعةُ جدرٍ، كثفُ كلِّ جدارٍ مسيرةً أربعين سنةً" خرَّجه الترمذيُّ. وإحاطةُ السرادقِ بهم قريبٌ من المعنى المذكورِ في غلقِ الأبوابِ، وهو شبهُ

стр. 633

قولِ من قالَ: إنه حائط لا بابَ لهُ. ولما كانَ إحاطةُ السرادِق بهم موجب لهمّهِم وغمِّهِم وكربِهِم وعطشِهِم لشدةِ وهج النارِ عليهم، قال اللَّه تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) . وقال تعالى: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) . قال أبو معشرٍ: كنا في جنازة مع أبي جعفرٍ القاري فبكى أبو جعفرٍ، ثم قالَ: حدَّثني زيدُ بنُ أسلمَ، أنَّ أَّهَلَ النارِ لا يتنفسونَ، فذلك الذي أبكاني. خرَّجه الجوزجانيُ. وخرَّج ابنُ أبي حاتمن طريقِ إبراهيمَ بنِ الحكم بنِ أبانَ عن أبيهِ عن عكرمةَ، قال: على كلِّ بابٍ من أبوابِ النارِ سبعونَ ألفَ سرادقٍ من نارٍ، في كلِّ سرادقٍ منها سبعونَ ألفَ قبة من نارٍ، في كلِّ قبةٍ منها سبعونَ ألفَ تنورٍ من نارٍ، في كلِّ تنورٍ منها سبَّعَون ألفَ كوةٍ من نارٍ، في كلِّ كوةٍ منها من نار. على كلِّ صخرة سبعونَ ألفَ صخرةٍ منها سبعون ألفَ حجرٍ من نارٍ، على كلِّ حجرٍ منها سبعونَ ألفَ عقربٍ من نارٍ، لكلِّ عقربٍ منها سبعونَ ألفَ ذنبٍ من نارٍ، لكلِّ ذنبٍ منها سبعونَ ألفَ فقارةٍ من نارٍ، في كل فقارة منها سبعونَ ألفَ قلةٍ من سمٍّ وسبعونَ ألفَ موقد من نارٍ يوقدونَ تلك النارَ، وَذكر تمامَ الحديثِ، وسيأتِي فيما بعد إن شاء اللَّهُّ تَعالى؛ وفيه: "إنهم يهوونَ من بابٍ إلى بابٍ خمسمائةَ سنةٍ" وهو غريب ومنكرٌ، وإبراهيمُ بنُ الحكمِ بنِ أبانَ ضعيف تركه الأئمةُ.

стр. 634

وأبوابُ جهنَّم قبلَ دخولِ أهلِها إليها يومَ القيامةِ مغلقةٌ كما دلَّ عليه ظاهرُ قولِهِ تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) وفي حديثِ أبي هارونَ العبدي وهو ضعيف جدًّا عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النبيِّ ﷺ في قصة الإسراءِ، قال: "ثم عُرضتْ عليَّ النارُ، فإذا فيها غضبُ اللَّهِ وزجره ونقمتِه، لو طرحَ فيها الحجارةُ والحديدُ لأكلتْها، ثم أغلقتْ دونِي ". وقد رُويَ أن أبوابَها تفتحُ كل يوم نصفُ النهارِ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ - إن شاء اللَّه تعالى. وروى الإمامُ أحمدُ عن إسحاقَ الأزرقيِّ عن شريكٍ عن الركينِ عن أبيه. قالَ: رأى خبابُ بنُ الأرتِّ رجلاً يصلِّي نصفَ النهارِ فنهاه، وقالَ: إنها ساعةٌ تفتحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ فلا تصلّ فيها. وقد وردَ ما يستدلُّ به على أنها مفتحةٌ، ففي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إذا جاءَ رمضانُ فتحتْ أبوابُ الجنةِ وغلِّقَت أبوابُ النارِ وصفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ ". وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قال: "إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضانَ صفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ وأغلقتْ أبوابُ النارِ، فلم يفتحْ منها بابٌ وفتحتْ أبوابُ الجنةِ فلم يغلقْ منها بابٌ". ولكنْ قد قيلَ: إن إغلاقَ أبوابِ النارِ إنَّما هو عن الصائمينَ خاصةً،

стр. 635

وكذلك فتحُ أبوابِ الجنةِ هو لهم خاصةً. وفي حديثِ القاسم العرنيِّ عن الضحاكِ عن ابنِ عباسٍ عنِ النبيِّ ﷺ في فضلِ رمضانَ، قالَ فيه: "فيفتحُ فيها" أي في أولِ ليلةٍ منه: "أبوابُ الجنةِ للصائمينَ من أمةِ محمد ﷺ ، فيقولُ اللَّهُ: يا رضوانُ، افتحْ أبوابَ الجنانِ، ويا مالكُ، أغلِقْ أبوابَ الجحيم عن الصائمينَ من أمَّةِ محمد ﷺ وهذا منقطعٌ. فإن الضحاكَ لم يسمعْ من ابنِ عباسٍ. * * * قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقولُ: في قولِهِ تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ) ، قال: ما قالَ: ما شاءَ اللَّه كانَ ولا يكونُ، بلْ أطلقَ اللفظَ، ليعمَّ الماضي والمستقبلَ والراهنَ. وسمعته يقول: وتدبرتُ قولَه تعالى: (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ، فرأيتُ لها ثلاثةَ أوجهٍ. أحدُها: أن قائلَها يتبرأُ من حولِهِ وقوتِهِ، ويسلِّمُ الأمرَ إلى مالِكِهٍ. والثاني: أنه يعلمُ أنْ لا قوةَ للمخلوقينَ إلا باللَّه، فلا يخافُ منهم؛ إذ قُواهُم لا تكونُ إلا باللَّهِ، وذلك يوجبُ الخوفَ من اللًّهِ وحدَهُ. والثالثُ: أنَّه ردَّ على الفلاسفةِ والطبائعيين الذين يدَّعونَ القُوى في الأشياءِ

стр. 636

بطبيعتها، فإنَّ هذه الكلمةَ بيَّنتْ أنَّ القَويَّ لا يكُونُ إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) وقولُهُ ﷺ : "أتبع السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها" ظاهرُه أنَّ الستيئاتِ تُمحَى بالحسناتِ. وقد تقدَّم ذكرُ الآثارِ التي فيها أنَّ السيئةَ تمحى من صُحفِ الملائكة بالحسنةِ إذا عُملتْ بعدَهَا، قال عطيّةُ العوفيُّ: بلغنِي أنَّه من بكى على خطيئتهِ مُحيتْ عنه، وكُتِبتْ له حسنة، وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قالَ: من ذكرَ خطيئةً عمِلهَا، فوَجِلَ قلبُهُ منها، فاستغفرَ اللَّهَ لم يَحبسْها شيءٌ حتى يمحوها عنه الرَّحمنُ. وقال بِشْرُ بنُ الحارثِ: بلغني عن الفضيلِ بنِ عياضٍ. قالَ: بكاءُ النَّهارِ يمحُو ذنوبَ العلانيةِ: وبكاءُ الليلِ يمحُو ذنوبَ السِّرِّ، وقد ذكرَنا قولَ النبيَّ ﷺ : "ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّه به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ " الحديث. وقال طائفة: لا تُمحَى الذنوبُ من صحائفِ الأعمالِ بتوبةٍ ولا غيرِها، بل لابُدَّ من أن يُوقفَ عليها صاحبُها ويقرأُها يومَ القيامةِ، واستدلُّوا بقولِهِ تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) . وفي الاستدلالِ بهذهِ الآيةِ نظرٌ، لأنَّه إنَّما ذكرَ فيها حالَ المجرمينَ، وهم أهلُ الجرائم، والذنوبِ العظيمةِ، فلا يدخلُ فيهم المؤمنونَ التائبونَ من ذنوبِهِم، أو المغمورةِ ذنوبُهم بحسناتِهِم. وأظهرُ من هذا، الاستدلالُ بقولِهِ تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .

стр. 637

وقد ذكر بعضُ المفسرينَ أنَّ هذا القولَ هو الصحيحُ عند المحققينَ. وقد رُوي هذا القولُ عن الحسنِ البصريِّ، وبلالِ بنِ سعدٍ الدمشقيِّ. قال: الحسنُ في العبدِ يذنبُ، ثم يتوبُ، ويستغفرُ: يُغفر له، ولكن لا يُمحاه من كتابِهِ دونَ أن يقِفَه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسنُ بكاءً شديدًا، وقال: لو لم نبكِ إلا للحياءِ من ذلك المقامِ، لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلالُ بنُ سعدٍ: إن اللَّهَ يغفرَ الذنوبَ، ولكن لا يمحُوها من الصحيفةِ حتى يُوقفه عليها يومَ القيامةِ وإن تابَ. وقال أبو هريرة: يُدني اللَهُ العبدَ يومَ القيامةِ، فيضعُ عليه كنَفَهُ، فيستُرُهُ من الخلائقِ كُلِّها، ويدفعُ إليه كتابَهُ في ذلكَ السترِ، فيقولُ: اقرأ يا ابنَ آدمَ كتابَك، فيقرأُ، فيمرُّ بالحسنةِ، فيبيضُّ لها وجهُه، ويُسرُّ بها قلبُه، فيقولُ اللَّهُ: أتعرفُ يا عبدِي؟ فيقولُ: نعم، فيقولُ: إنِّي قبلتُها منكَ، فيسجدُ، فيقولُ: ارفعْ رأسكَ وعُدْ في كتابِك، فيمرُّ بالسيِّئةِ، فيسودُّ لها وجههُ، ويُوْجَلُ منها قلبُه، وترتعدُ منها فرائصُهُ، ويأخذُه من الحياءِ من ربِّه ما لا يعلمُه غيرُهُ، فيقول: أتعرفُ يا عبدِي؟ فيقول: نعم يا ربِّ، فيقولُ: إنِّي قد غفرتُها لكَ، فيسجدُ، فلا يرى منه الخلائقُ إلا السُّجودَ حتى ينادِي بعضُهم بعضًا: طُوبى لهذا العبدِ الذي لم يَعصِ اللَّه قطُّ، ولا يدرونَ ما قد لقِيَ فيما بينه وبينَ ربِّه ممَّا قد وقفَهُ عليه. وقال أبو عثمانَ النَّهْديُّ عن سلمانَ: يُعطَى الرجلُ صحيفتَهُ يومَ القيامةِ. فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاتُهُ، فإذا كادَ يسوءُ ظنُّه، نظرَ في أسفلِهَا، فإذا

стр. 638

حسناتُهُ، ثم نظرَ إلى أعلاها فإذا هي قد بُدلتْ حسناتٍ. ورُوي عن أبي عثمانَ، عن ابنِ مسعود، وعن أبي عثمانَ من قولِهِ وهو أصحُّ. وروى ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن بعضِ أصحابِ معاذِ بنِ جبلٍ، قالَ: يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ على أربعةِ أصنافٍ: المتقينَ، ثم الشاكرينَ، ثم الخائفينَ، ثم أصحابُ اليمينِ. قيلَ: لِمَ سُمُوا أصحابَ اليمينِ؟ قال: لأنَّهم عملُوا الحسناتِ والسيئاتِ، فأعطُوا كتبهم بإيمانهم، فقرءُوا سيئاتِهُم حرفًا حرفًا، قالُوا: يا ربَّنا هذه سيئاتُنا فأين حسناتُنا؟ فعندَ ذلك محا اللَّهُ السيئاتِ، وجعلَها حسناتٍ، فعند ذلك قالُوا: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كتَابِيَهْ) ، فهم أكثرُ أهلِ الجنةِ. وأهلُ هذا القول قد يحملونَ أحاديثَ محوِ السيئات بالحسنات على محوِ عقوبتها دون محوِ كتابتِها من الصحفِ، واللَّه أعلم. َ * * * قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) ، قال: "التاء" من حروف الشدَّة، تقول في الشيءِ القريبِ الأمر: ما اسطعتُه، وفي الشَّديدِ: ما استطعته، فالمعنى: ما أطاقوا ظهوره لضعفهم، وما قدروا على نقبه وشدَّتِهِ. * * *

стр. 639

سُورَة مَرْيَمَ قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) ولا يزالُ أهلُ جهنَّم في رجاء الفرج إلى أنْ يُذبحَ الموتُ، فحينئذ يقعُ منهم الإياسُ وتعظمُ عليهم الحسرة والحزنُ. وفي "الصحيحينِ " عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "يجاء بالموتِ يومَ القيامةِ كأنه كبشٌ أملحُ، فيوقفُ بين الجنةِ والنارِ، فيقالُ: يا أهلَ الجنة هل تعرفونَ هذا؟ فيشرئبونَ، وينظرونَ، ويقولونَ: نعم، هذا الموتُ، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا فيشرئبونَ وينظرونَ، فيقولون: نعم، هذا الموتُ، قال: فيؤمرُ به فيذبحُ، ثم يقالُ: يا أهل الجنةِ خلود فلا موت ويا أهل النارِ خلود فلا موت". ثم قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) . وخرَّجه الترمذيُّ بمعناه، وزادَ: "فلولا أنَّ اللَّهَ قضى لأهل الجنة بالحياةِ والبقاءِ لماتُوا فرحًا، ولولا أن اللَّه قضى لأهلِ النارِ بالحياةِ والبقاءِ لماتُوا ترَحًا". وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ معناه من حديثِ أبي هريرةَ

стр. 640

عن النبيِّ ﷺ وقال فيه: "إنَّ أهلَ الجنةِ يطلعون خائفينَ وجلينَ أن يخرجُوا من مكانِهِم الذي هُم فيه، وإنَّ أهلَ النارِ يطلعُون مستبشرينَ فرحينَ أن يخرجُوا من مكانِهِم الذي هم فيه " وفي روايةِ الترمذيِّ: "مستبشرينَ يرجونَ الشفاعةَ". وخرَّجاه في "الصحيحينِ " من حديثِ ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ بمعناه. وفي حديثِه "فيزدادُ أهل الجنةِ فرحًا إلى فرحِهِم، ويزدادُ أهلُ النارِ حزنًا إلى حزنهِم " وخرَّجه الترمذيُّ من حديثِ أبي سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ مختصرًا، وفيه: "فلو أنَّ أحدًا مات فرحًا لماتَ أهلُ الجنةِ، ولو أنَّ أحدًا ماتَ حزنًا لماتَ أهلُ النارِ". وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ من قولِهِ نحوَ هذا المعنى غير مرفوع وزادَ: "أنه ينادَى أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ: هو الخلودُ أبدَ الآبدينَ ". قال: فيفرحُ أهلُ الجنةِ فرحةً لو كان أحد ميتًا من فرحه لماتُوا، ويشهقُ أهلُ النارِ شهقةً لو كان أحدٌ ميتًا من شهقِهِ لماتُوا، فذلك قولُه: (وأَنذِرْهُمْ يوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) . وقولُه تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) . ورَوى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن هشامِ بنِ حسانَ، قالَ: مرَ عمرُ بنُ الخطابِ بكثيبٍ من رملٍ فبكى، فقيلَ له: ما يبكيكَ يا أمير المؤمنينَ؟ قال: ذكرتُ أهلَ النارِ فلو كانُوا مخلدينَ في النارِ بعددِ هذا الرملِ كانَ لهم أمد يمدون إليه أعناقَهُم ولكنَّه الخلودُ أبدًا. وقد رُوي عن ابنِ مسعودٍ هذا المعنى أيضًا مرفوعًا، وموقوفًا، وسنذكره فيما بعدُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

стр. 641

وأمَّا عصاةُ الموحدينَ: فإنه ربما ينفعهم الدعاءُ في النارِ، خرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي ظلالٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إنَّ عبدًا في جهنَّم لينادِي ألفَ سنةٍ: يا حنانُ يا منانُ، فيقولُ اللَّهُ لجبريلَ ﵇: اذهب فأتني بعبدِي هذا، فيذهبُ جبريلُ فيجدُ أهلَ النارِ منكبينَ يبكونَ، فيرجعُ إلى اللَّهِ فيخبره، فيقولُ: ائتني به فإنَّه في مكانِ كذا وكذا، فيجيءُ به ويوقفُهُ على ربِّه، فيقولُ له: يا عبدي كيفَ وجدتَ مكانَكَ؟ فيقولُ: يا ربِّ شرُّ مكانٍ وشرُّ مقيلٍ، فيقولُ: ردُّوا عبدي. فيقولُ: يا ربِّ ما كنتُ أرجُو إذ أخرجْتَني منها أن تردَّني، فيقولُ: دعُوا عبدِي ". أبو ظلالٍ اسمُهُ هلالٌ؛ ضعفوه. خرَّج الترمذيُّ من طريق رشدين بنِ سعدٍ، حدثني ابنُ أنعمَ - هو الإفريقيُّ -، عن أبي عثمانَ أنه حدثه عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إنَّ رجلينِ ممن دخلَ النارَ اشتدَ صياحُهما، فقالَ الربّ : أخرجُوهما، فلما خرَجا، قال لهما: لأيِّ شيءٍ اشتدَّ صياحُكما، قالا: فعلنا ذلك لترحَمنا، قال: رحمتي لكُما أن تنطلقَا فتلقيا أنفسَكُما حيث كنتُما من النارِ، قال: فينطلقانِ فيلقي أحدُهُما نفسَه، فيقولُ له الربّ : ما منعك أن تلقيَ نفسَكَ كما ألقى صاحبُك؟ قال: إني لأرجُو أن لا تعيدَني فيها بعدَما أخرجتني، فيقولُ له الربُّ : لك رجاؤك، فيدخلا جميعًا الجنةَ برحمة اللَّه ". قال الترمذيُّ: إسنادُ هذا الحديثُ ضعيفٌ. وفي "صحيح مسلم " عن أنسٍ عن النبي ﷺ قالَ: "يخرجُ من النارِ أربعةٌ فيعرضونَ على اللَّهِ ، فيلتفتُ أحدُهُم فيقولُ: أي ربِّ إذْ أخرجتني منها فلا تعدني فيها، قال: فينجيه منْهَا".

стр. 642

وخرَّجه ابنُ حبانَ في "صحيحِهِ " وعندَهُ: "فيلتفتُ فيقولُ: يا ربَ ما كانَ هذا رجائي فيكَ، فيقولُ: ما كان رجاؤك؟ قال: كانَ رجائِي إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها. فيرحمَهُ اللَّهُ فيدخلهُ الجنةَ". وخرَّجَ الإمامُ أحمد من روايةِ عليِّ بنِ زيدِ بنِ جدعانَ عن ابنِ المسيبِ عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إن آخرَ رجلينِ يخرجانِ من النارِ فيقولُ اللَّهُ لأحدِهِما: يا ابنَ آدمَ ماذا أعددتَ لهذا اليومِ؛ هل عملتَ خيرًا قط؟ هل رجوتني؟ فيقولُ: لا، أي ربِّ، فيؤمرُ به إلى النارِ. فهو أشدُّ أهلِ النار حسرةً، ويقولُ للآخرِ: ماذا أعددتَ لهذا اليوم؟ هل عملتَ خيرًا قط أو رجوتني؟ فيقولُ: لا، أي ربَ، إلا أني كنتُ أرجوك، قال: فيرفعُ له شجرةً"، وذكر الحديثَ في دخولِهِ الجنةِ وما يُعطَى فيها. وخرَّج هناد بنُ السري من طريقِ أبي هارونَ العبدي وفيه ضعفٌ شديد عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النبي ﷺ : "أن رجالاً يدخلُهُم اللَّهُ النارَ فيحرقُهُم بها حتى يكونُوا فحمًا أسودَ، وهم أعلَى أهلِ النارِ، فيجأرونَ إلى اللَّهِ يدعونَهُ، فيقولونَ: ربنا أخرجْنَا منها، فاجعلنا في أصلِ هذا الجدارِ، فإذا جعلَهُم في أصلِ الجدارِ رأوا أنه لا يُغني عنهم شيئًا، قالُوا: ربَّنا اجعلنا من وراءِ هذا السورِ، لا نسألُك شيئًا بعدَه، فيرفع لهم شجرةً حتى تذهب عنهم سخنةُ النارِ - أو: شحنة النارِ" وذكر الحديث. * * *

стр. 643

قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) قال اللَّهُ تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) . روى إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ قالَ: بكَى عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ فبكتِ امرأتُهُ، فقالَ لها: ما يبكيكِ؟ قالت: رأيتُك تبكي فبكيتُ. قال: إني ذكرتُ هذه الآيةَ: (وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) وقد علمتُ أنِّي داخلُها، فلا أدري أناج منها أنا أم لا؟ وروى ابنُ المباركِ عن عبادِ المقبريِّ، عن بكرٍ المزنيِّ، قالَ: لما نزلتْ هذه الآيةُ (وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ذهبَ ابنُ رواحةَ إلى بيتِهِ فبكَى. وجاءتِ المرأةُ فبكتْ، وجاءتِ الخادمُ فبكتْ، ثم جاءَ أهلُ البيتِ فجعلُوا يبكونَ كلُّهم، فلما انقطعتْ عبرتُهُ قالَ: يا أهلاه ما يبكيكُم؟ قالُوا: لا ندري، ولكنَّا رأيناكَ تبكي فبكينَا. قالَ: آية نزلتْ على رسولِ اللَّهِ ﷺ . ينبئُني فيها ربِّي أني وارد النارَ ولم ينبئني أني صادِر عنها. وقال موسى بنُ عقبةَ في "مغازيه ": زعمُوا أنَّ ابنَ رواحةَ بكى حينَ أرادَ الخروجَ إلى موتِهِ، فبكَى أهلُه حينَ رأوه يبكي، فقالَ: واللَّهِ ما بكيتُ جزعًا من الموتِ ولا صبابةً لكُم، ولكنّي بكيتُ جزعًا من قولِ اللَّه : (وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) فأيقنتُ أني واردُها، فلا أدري أنجُو منها أم لا؟ وقال حفصُ بنُ حميدٍ عن شمرِ بنِ عطيةَ: كان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ إذا قرأ هذه الآيةَ يبْكِي، ويقولُ: ربِّ أنا ممن تُنجي أم من تذرُ فيها جثيًّا.

стр. 644

ورَوى أبو إسحاقَ عن أبي ميسرةَ: أنه كان إذا أوى إلى فراشِهِ، قالَ: يا ليتَ أمي لم تلدْني، فقالتْ له امرأتُهُ: يا أبا ميسرةَ إنَّ اللَّهَ قد أحسنَ إليكَ هداكَ للإسلامِ، قالَ: أجل، إنَّ اللَّهَ يبيِّنُ لنا أنَّا واردُو النار ولم يبيِّنْ أنَا صادرونَ منها. وروينا من طريقِ سفيانَ بنِ حسينٍ عن الحسنِ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ إذا التقوْا يقولُ الرجلُ منهم لصاحبِهِ: هل أتاكَ أنَّكَ واردٌ النارَ؟ فيقولُ: نعم، فيقولُ: هل أتاكَ أنَّك خارجٌ منها؟ فيقولُ: لا، فيقولُ: ففيم الضحكُ إذًا؟! وقالَ ابنُ عيينةَ عن رجلٍ عن الحسنِ، قالَ رجلٌ لأخِيه: يا أخي هل أتاكَ أنَّكَ واردٌ النارَ؟ قال: نعم، قال: هل أتاكَ أنَّك خارج منها؟ قالَ: لا، قالَ: ففيم الضحكُ إذًا؟ قالَ: فما رُئي ضاحكًا حتى ماتَ. وقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا هاشمُ بنُ القاسم، حدثنا المباركُ بنُ فضالةَ، عن الحسنِ في قولِهِ : (وَإِن مِّنكُم إِلَّا وَارِدُهَا) قال: قالَ رجل لأخِيه: فقدْ جاءكَ عن اللَّه أنَّك واردٌ جهنم؟ قال: نعم، قالَ: فأيقنتَ بالورودِ؟ قال: نعم، قال: فأيقنتَ وصدَّقتَ بذلكَ؟ قال: نعم، وكيفَ لا أصدِّقُ وقد قال اللَّهُ : (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كانَ عَلَى رَبِّكَ حَتما مَّقْضِيًّا) قال: فأيقنتَ أنك صادرٌ عنها؟ قالَ: واللَّهِ ما أدري أأصدُر عنها أم لا؟ قالَ: ففيم التثاقُل؛، وفيم الضحكُ؟ ، وفيمَ اللعبُ؟ قال أحمدُ: وحدثنا خلفُ بنُ الوليدِ، حدثنا المباركُ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لا - واللَّهِ - إنْ أصبحَ فيها مؤمن إلا حزينًا، وكيف لا يحزن المؤمنُ،

стр. 645

وقد جاءَهُ عن اللَّهِ أنه واردٌ جهنمَ ولم يأتِهِ أنه صادرٌ عنها. قال أحمدُ: وأنبأنا حسينُ بنُ محمدٍ، حدثنا ابنُ عياشٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ أنَّ لقمانَ، قال لابنِهِ: يا بنيَّ كيف يأمنُ النارَ من هُو واردُها؟ وقد اختلفَ الصحابةُ ومن بعدهم في تفسيرِ الورودِ، فقالت طائفةٌ: الورودُ هو المرورُ على الصراطِ، وهذا قولُ ابنِ مسعود، وجابر، والحسنِ. وقتادةَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ، والكلبيِّ، وغيرِهم. وروى إسرائيلُ عن السديِّ: قالَ: سألتُ مرةَ الهمداني عن قزلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) ، فحدَّثني عن ابنِ مسعودٍ أنه حدثهم. قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يرِدُ الناسُ النارَ ثم يصدرونَ عنها بأعمالهم، فأولُهم كلمحِ البرق، ثم كالريح، ثم كحضرِ الفرسِ، ثم كالراكبِ في رحلِهِ ثم كَسَيرِ الرجلِ ثم كمشيه " خرَّجه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ، وخرَّج الإمامُ أحمدُ أوَّلَهُ. وخرَّجه الحاكمُ وقال: صحيحٌ، ورواه شعبةُ عن السديِّ عن مرَّةَ عن عبدِ اللَّهِ موقوفًا ولم يرفعْهُ شعبةُ، مع أنه قرأ بأنَّ السديَّ حدثه به مرفوعًا، قال الدارقطنيُّ: يحتملُ أن يكونَ مرفوعًا. قلتُ: ورواه أسباطٌ عن السديِّ عن مرَّةَ الهمدانيِّ عن عبدِ اللَهِ موقوفًا أيضًا، فقالَ: "يردُ الناسُ الصراطَ جميعًا، وورودُهُم: قيامُهُم حولَ النارِ، ثم يصدرونَ عن الصراطِ بأعمالهم، فمنهُم من يمرُّ كالبرقِ " فذكرَ الحديثَ بطولِهِ. وفي آخر: "حتى إن آخرَهُم مرًّا: رجلٌ نورُهُ على إبهامي قدميه، يتكفأ به الصراطُ دحضٌ مزلةٌ، عليه حسكٌ كحسكِ القتادِ، حافتاه ملائكةٌ معهم كلاليبُ من نارٍ يختطفونَ بها الناسَ " وذكر بقية الحديثِ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.

стр. 646

ورواه الحكمُ بنُ ظهيرِ عن السدي عن مرة عن عبدِ اللهِ فرفعَ آخر الحديثِ، ولفظُ حديثِهِ: قالَ عبدُ اللَهِ: الورودُ ليسَ بالدخولِ فيها ولكنه حضورُها والوقوفُ عليها، مثلُ الدابةِ تردُ الماءَ ولا تدخلُهُ، ثم قالَ عبدُ اللَّهِ: قال رسولُ اللَهِ ﷺ : "يضعُ اللَهُ الصراطَ على جهنَّمَ فيجوزُ العبادُ عليه " وذكرَ الحديثَ بطولهِ، وفي آخرِهِ: "ولو قيلَ لأهلِ النار: إنَّكم ماكثونَ في النارِ عددَ كلِّ حصاةِ في الدنيا سنةً لرجُوا، وقالُوا: إنَّا لابدَّ مخرجونَ، ولو قيلَ لأهلِ الجنةِ: إنَّكم ماكثونَ في الجنةِ عددَ كُلِّ حصاةِ في الدنيا سنةَ حزنُوا، وقالُوا: إنَّا لابدَّ مخرجونَ، ولكن اللهَ جعلَ لهما الأبدَ ولم يجعلْ لهما الأمدَ"، و "الحكمُ بنُ ظهيرِ" ضعيفٌ. ولعل هذا الكلام فَي آخرِ الحديث موقوف على ابن مسعودِ، فإنه رُوي عنه موقوفًا من وجهِ آخرَ بإسنادِ جيدِ، قال أبو الحسنِ بنُ البراءِ العبدي في كتابِ "الروضةِ" له: حدثنا أحمدُ بنُ خالدِ - هو: الخلالُ -، حدثنا عثمان بنُ عمرَ، حدثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ عن عمرِو بنِ ميمون، عن عبدِ اللَّهِ قالَ: لو أن أهلَ جهنمَ وعدُوا يومًا من أبدِ أو عددِ أيام الدنيا لفرِحُوا بذلكَ اليومِ، لأنَّ كلَّ ما هُو آتِ قريب. وقد رُويَ أولُ الحديثِ من طريقِ أبي إسحاقَ موقوفا أيضًا، لكنْ بمخالفةٍ في الإسنادِ، فروى عمرُو بنُ طلحةَ القتادُ عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عن أبي الأحوصِ عن عبدِ اللهِ (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) قال: الصراطُ على جهنَم مثلُ حدِّ السيفِ، فتمرُّ الطائفةُ الأولى كالبرقِ، والثانية كالريح. والثالثةُ كأجودِ الخيلِ، والرابعةُ كأجودِ الإبلِ والبهائِم، ثم يمرُّونَ والملائكةُ يقولونَ: رب سلِّم سلِّم. خرَّجه الحاكمُ وقالَ: صحيحٌ على شرط الشيخينِ. وكذا خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياس في "تفسيره" عن إسرائيلَ.

стр. 647

وخرَّج مسلمٌ في "صحيحهِ " من حديثِ روح بنِ عبادةَ، أنبأنا ابنُ جريجٌ، أخبرني أبو الزبير أنه سمعَ جابرَ بنِ عبدِ اللَّهِ يُسألُ عن الورودِ. فقالَ: نحنُ يومَ القيامةِ على كذا وكذا، انظرْ أي ذلك فوقَ الناسِ، قالَ: فتُدْعى الأممُ بأوثانِها وما كانتْ تعبدُ: الأولُ فالأولُ، ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقولُ: من تنتظرونَ؟ فنقولُ: ننتظرُ ربنا، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: حتى ننظرَ إليكَ، فيتجلَّى لهُم ويضحكُ، فينطلقُ بهم فيتبعونَه، ويُعطى كلُّ إنسانٍ منهم مؤمن أو منافق نورَهُ، ثم يتبعونَهُ وعلى جسرِ جهنَّم كلاليب وحسك تأخذُ من شاء اللَّهُ، ثم يطفأ نورُ المنافقينَ ثم ينجُو المؤمنون، فينجُو أول زمرة وجوهُهم كالقمرِ". وذكر بقية الحديثِ، كذا أخرَّجَه مسلم عن عبدِ اللَّهِ بنِ سعيدٍ - وهو الأشجُّ - وإسحاقَ بنِ منصورٍ، وكلاهما عن روحٍ به. وخرَّجه الإمامُ أحمد عن روحٍ به وزادَ فيه بعدَ قولِهِ: "فيتجلَّى لهم يضحك " قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ قالَ: "فينطلقُ بهم فيتبعونَهُ "وساق الحديثَ فجعله من هذا الموضع مرفوعًا، وما قبلَهُ موقوفًا. وقد روى محمدُ بنُ شرحبيلَ الصنعانيُ عن ابنِ جريجِ هذا الحديثَ، فرفعَ أوله أيضًا وهو ذكرُ التجلِّي والضحكِ، ورواه عبدُ الرزاقِ عن رباح بنِ زيدٍ عن ابنِ جريجٍ عن زيادِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبير، عن جابر عن النبيِّ ﷺ ، فذكر التجلِّي، وروى عنه الحديثَ كلَّه أيضًا بهذا الإسنادِ، هذا يدلُّ على أنَّ أولَ الحديثِ لم يكنْ عند ابنِ جريجٍ عن أبي الزبيرٍ مرفوعًا، وإنْ كانَ عنده كلُّه مرفوعًا عن زيادِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبير، وكذلكَ رواه أبو قرةَ عن مالكٍ

стр. 648

عن زيادِ بنِ سعد عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إذا كانَ يومُ القيامةِ جُمعتِ الأممُ " فذكره كلَّه مرفوعًا، وكذلك رواه ابنُ لهيعة عن أبي الزبيرِ، قال: سمعتُ جابرًا يُسألُ عن الورودِ، فقالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "نحنُ يومَ القيامة على كومٍ " وذكرَ الحديثَ كلَّه مرفوعًا، وفي حديثِه زيادةٌ بعدَ قولِهِ: "ويعطَى كلُّ إنسانٍ منهم - منافق أو مؤمنٌ - نورًا أو يغشَاه ظلمة". وقولُهُ في هذه الروايةِْ "ونحن يومَ القيامةِ على كومٍ" هذه الروايةُ الصحيحةُ. وأمَّا ما وردَ في روايةِ روحٍ عن ابنِ جريجٍ عن كذا وكذا، فإن أصلَهُ تصحيفٌ من الراوي للفظةِ "كومٍ "، فكتبَ عليه كذا وكذا لإشكالِ فهمه عليهِ، ثم كتبَ: انظر، أي: ذلكَ يأمرُ الناظرُ فيه بالتروي والفكرِ في صحة لفظِهِ، فأدخلَ ذلكَ كلَّه في الروايةِ قديمًا. ولم يقعْ ذلكَ في نسخ "صحيح مسلم " كما يظنُّه بعضُهم، فإن الحديثَ في "مسندِ الإمامِ أحمدَ"، و"كتابِ السنةِ" لابنه عبدِ اللَّهِ كذلكَ، وخرَّجه الطبرانيُّ في "كتابِ السنةِ" من طريقِ أبي عاصمٍ عن ابنِ جريجٍ، أخبرَنِي أبو الزبير أنه سمعَ جابرًا يُسألُ عن الورودِ فقالَ: "نحنُ يومَ القيامة على كومٍ فوقَ الناسِ، فتدعى الأمم بأوثانِها" وذكرَ الحديثَ إلى قولِهِ: "فيتجلَّى لهم يضحك " قالَ: فسمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "حتى يبدوُ كذا وكذا، فينطلقُ بهم فيتبعونَهُ " وذكرَ الحديثَ بتمامِهِ. وفي سياقِهِ أيضًا: "وتغشى المنافقينَ ظلمة". فظهرَ بهذه الروايةِ أن الشكَّ والتصحيف إنما جاء من جهةِ روحٍ بنِ عبادةِ، ولعله وقع في كتابِهِ كذلكَ فحدَّث به كما في كتابِهِ، واللَّهُ أعلمُ، لكنْ قد رواهُ محمدُ بنُ يحيى المازنيُ عن ابنِ جريج، كما رواهُ عنه روحٍ. خرَّجه من طريقِهِ الخلالُ.

стр. 649

ومما يستدلُّ به على أنَّ الورودَ ليسَ هو الدخولُ: ما خرَّجه مسلمٌ من حديثِ أبي الزبير عن جابرٍ، قال: أخبرتْنِي أمُّ بشرٍ أنها سمعتِ النبي ﷺ يقولُ عند حفصةَ: "لا يدخلُ النارَ - إن شاءَ اللَهُ - من أصحابِ الشجرةِ أحدٌ من الذينَ بايعوا تحتَها" قالتْ: بلى يا رسولَ اللَّهِ، فانتهرها، فقالتْ حفصةُ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ، فقال النبي ﷺ : "قد قال اللَهُ عزَّ وجلة (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) . ورواه الأعمشُ عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمّ بشرٍ بنحوه، وفي بعضِ رواياتِ الأعمشِ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يرِدُونَها، ثم يصدرونَ عنها بالأعمالِ ". وقالتْ طائفةٌ: الورودُ هو الدخولُ، وهذا هو المعروفُ عن ابنِ عباسٍ. ورويَ عنه من غيرِ وجهٍ، وكان يستدلُّ لذلك بقولِ اللَّه تعالى في فرعون: (يَقْدُم قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النارَ) . وبقولِهِ: (وَنَسوق المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) . وكذلك قوله تعالى: (لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا) . وقد سبق عن عبد اللَهِ بنِ رواحةَ نحو هذا إلا أنَّ الرواية عنه منقطعةٌ. وروى مسلمٌ الأعورُ عن مجاهدٍ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) قال: داخلُها. وسئل كعبٌ عن الورودِ المذكورِ في الآيةِ، فقالَ: تمسكُ النارُ عن الناسِ

стр. 650

كأنها متن إهالةٍ، حتى تسوى عليها أقدام الخلق كلِّهم برِّهم وفاجرِهم، ثم يقول لها الربُّ : خذي أصحابَك ودعي أصحابِي، فتخسفُ بكلِّ ولي لها، وينجي اللَّهُ المؤمنينَ نديةً ثيابُهم. قال كعبٌ: ألم ترَ إلى القدرِ الكثيرةِ الودك إذا بردتْ استوت بيضاء كالشحم، فإذا أوقدتِ النارُ تحتها انخسف الودكُ في القدرِ من هاهنا وهاهنا. وفي روايةٍ عنه قال: فهي أعرفُ بهم من الوالدِ بولدهِ. وقال ثورُ بنُ يزيدَ عن خالدِ بنِ معدانَ: إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، قالُوا: ألم يعدْنَا ربُّنا أنا نرد النار؟ قال: بلى، ولكن مررتُم عليها وهي خامدةٌ. وفي روايةٍ عنه، قالَ: إذا جازَ المؤمنونَ الصراطَ نادَى بعضُهم بعضًا: ألم يعدْنا ربُّنا أنا نمرُّ على جسرِ جهنَّم؟ فيقولونَ: بلى، ولكنْ مررتُم عليها وهي خامدةٌ. وقال مسكينٌ: سمعتُ أشعثَ الحداني يقول: بلغني أن أهلَ الإيمانِ إذا مرُوا بصراطِ جهنمَ، قال: تقول لهم جهنمُ: جوزُوا عنِّي قد بردتُم وهجِي. ذرُوني وأهلي. ولكن هذا والذي قبلَهُ قد يدلانِ على أنَّ الورود هو المرورُ على الصراطِ كالقولِ الأولِ. وروى كثيرُ بنُ زيادٍ البرساني عن أبي سُميةَ، قال: اختلفنا في الورودِ. فقالَ بعضُنا: لا يدخلُها مؤمنٌ، وقال بعضُهم: يدخلُونها جميعًا ثم ينجي اللَّهُ الذين اتَّقوا، فلقيتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ، فقلتُ: إنا اختلفْنَا في الورودِ. فقال: يردونها جميعًا، وقال سليمُ بنُ مرةَ: يدخلونَها، وقال: سمعتُ رسول اللَّهِ ﷺ يقولُ: "لا يبقَى برّ ولا فاجرٌ إلا دخلَها، فتكونُ على المؤمنينَ بردًا وسلامًا كما كانتْ على إبراهيم، حتَّى إنَّ للنارِ ضجيجًا من بردِهِم

стр. 651

(ثُمَّ ننَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) ". حْرَّجه الإمامُ أحمد. و"أبو سميةَ" لا ندري من هُوَ. وفي "الصحيحينِ عن أبي هريرةَ ضى، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "لا يموتُ لأحدٍ من المسلمينَ ثلاثة من الولدِ فتمسهُ النارُ إلا تحلَّةَ القسم ". وقد فسر عبد الرزاقِ وغيرُه تحلّةَ القسم بالورودِ لقولِهِ: (وَإِن منكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) وظاهرُ هذا يقتضي أن الورودَ هو مسُّ النارِ. وفي روايةٍ: "فيلجُ النارَ إلا تحلَّةَ القسم " فجعله مستثنى مِنْ وُلُوجِهَا. وروى عبدُ الملكِ بنُ عميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ بشيرٍ الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "من ماتَ له ثلاثةُ أولادٍ لم يبلُغُوا الحنثَ لم يردِ النارَ إلا عابرَ سبيلٍ ". وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ ابن لهيعةَ، ورشدينَ بنِ سعدٍ، كلاهُما عن زاذانَ بنِ نائلٍ، عن سهلِ بنِ معاذ بنِ أنسٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "من حرسَ من وراءِ المسلمينَ في سبيلِ اللَّهَ متطوِّعًا لا يأخذُهُ سلطان لم يرد إلا تحلَّةَ القسم، فإنَّ اللَّه تعالى يقولُ: (وَإِن فمنكمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) ". إسنادُهُ ضعيفٌ. وخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ الواقديِّ، حدثنا شعيبُ بنُ طلحةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي بكرٍ الصديقٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إنَّما حرُّ جهنمَ على أمَّتي كحرِ الحمام". الواقديُّ متروكٌ.

стр. 652

وروى منصورُ بنُ عمارٍ، عن بشيرِ بنِ طلحةَ، عن خالدِ بنِ دُرَيكٍ، عن يعْلَى بنِ مُنْيةَ، عن النبيِّ ﷺ : "تقولُ جهنمُ للمؤمن: جز يا مؤمنُ؛ فقد أطفأ نورُك لهبي " غريبٌ وفيه نكارةٌ. وقد فسر بعضُهم الورودَ بالحُمَّى في الدنيا، روى مجاهد وعثمان بنُ الأسودِ وفيه حديثٌ مرفوع: "الحُمَّى حظ المؤمن من النار" وإسنادُهُ ضعيفٌ. وقالت طائفةٌ: الورودُ: ليس عامًّا وإنَّما هو خاصّ بالمحضرين حول جهنَّمَ المذكورين في قولِهِ تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) إلى قولهِ: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) . كأنَّه يقالُ لهؤلاءِ الموصوفينَ: (وإن منكم إلا واردُها) . رُوِي هذا التأويلُ عن زيدِ بنِ أسلمَ، وهو بعيدٌ جدًّا. وقد أخبر النبيُّ ﷺ : أنَّ العبدَ إذا وقفَ بينَ يدي ربِّه للحسابِ فإنه تستقبلُه النارُ تلقاءَ وجهِه. وأخبرَ أنَّ الصدقةَ تقي صاحبَها من النارِ. ففي "الصحيحينِ عن عدي بن حازمٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "ما منكُم من أحدٍ إلا سيكلمُهُ ربُّه ليسَ بينه وبينه تُرْجمانُ، فينظرُ أيمنَ منْهُ فلا يَرى إلا ما قدَّم، وينظرُ أشأمَ منهُ فلا يَرى إلا ما قدَّم، وينظرُ بين يديهِ فلا يَرى إلا النارَ تلقاءَ وجهِهِ، فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ". وفي "صحيح مسلم " عنه عن النبيِّ ﷺ قالَ: "من استطاعَ منكم أن يستترَ من النارِ ولو بشقِّ تمرة فليفعلْ ".

стр. 653

وفي "صحيح البخاريِّ " عنه، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ليقفنَّ أحدُكم بين يدي اللَّه ليسَ بينه وبينه حجابٌ ولا ترجمانُ يترجمُ له، ثم ليقولنَّ لهُ: ألم أوتكَ مالاً؛ فليقولنَّ بلى، ثم يقولُ: ألم أرسلْ إليك رسولاً؛ فليقولنَّ: بلى، فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلا النارَ، ثم ينظرُ عن شمالِهِ فلا يَرى إلا النارَ، فليتقين أحدُكُم النارَ ولو بشقِّ تمرة، فإن لم يجدْ فبكلمةٍ طيبة". وفي حديث عبدِ الرحمنِ بن سمرةَ عن النبيِّ ﷺ أنه خرج يومًا فقال: "رأيت الليلةَ عجبًا" فذكرَ حديثًا طويلاً، وفيه: "رأيتُ رجلاً من أُمَّتي يتقي وهجَ النارَ وشررَهَا بيديه من وجهِه، فجاءتْهُ صدقتُهُ فصارتْ سترًا على رأسه وظلاًّ على وجهِهِ ". * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) ومن اشتغلَ بتربيةِ منزلتِهِ عند اللَّه تعالى بما ذكرنا من العلم الباطن وصلَ إلى اللَهِ فاشتغلَ به عمَّا سواه، وكان له في ذلك شُغُلٌ عن طلبِ المنزلةِ عندَ الخلقِ، ومع هذا فإنَّ اللَّه يُعطيه المنزلةَ في قُلوبِ الخلقِ والشرفَ عندَهم، وإن كان لا يريدُ ذلك ولا يقفُ معه؛ بل يهرَبُ منه أشدَّ الهربِ ويفِرُّ أشدَّ الفِرارِ خشية أن يقطعع الخلقُ عن الحقِّ ﷻ . قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) .

стр. 654

أي: في قلوب عِبادِهِ. وفي حديثٍ: "إنَّ اللَّه إذا أحب عبدًا نادَى: يا جِبْريلُ: إني أحبُّ فُلانًا فيُحبُّه جبريلُ، ثم يحبه أهل السماءِ، ثم يوضَعُ له القبُولُ في الأرض ". والحديثُ معروفٌ، وهو مُخرَّجٌ في "الصحيح ". وبكلِّ حالٍ، فطلبُ شرفِ الآخرةِ يحصلُ معه شرفُ الدنيا وإن لم يرده صاحبه ولم يطلبْهُ، وطلبُ شرفِ الدنيا لا يجامع شرف الآخرةِ ولا يجتمعُ معه، والسعيدُ من آثَرَ الباقي على الفاني، كما في حديثِ أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قالَ: "من أحبَّ دنياه أضر بآخِرَتِهِ، ومن أحبَّ آخرتَهُ أضرَّ بدنياه. فآثِرُوا ما يبْقَى على ما يفْنَى". خرَّجه الإمامُ أحمد وغيرُه. وما أحسنَ ما قال الشيخ أبو الفتح البُسْتِيُّ: أمْرَانِ مُفْتَرقَانِ لسْتَ ترَاهُما. . . يتشوَّقانِ لخُلْطَةٍ وتلاقِي طلبُ المعَادِ مع الرِّيَاسةِ والعُلَى. . . فدعِ الذي يفْنَى لما هو باقِي * * *

стр. 655

سُورَةُ طَهَ قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [قال البخاريّ ﵀] : ثنا أبو نُعيمٍ وموسى بنُ إسماعيلَ، قالا: ثنا همَّامٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ ابنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "من نسِي صلاةً فليُصلِّ إذا ذكَرَ، لا كفَّارة لها إلا ذلك، (وَأَقِم الصَّلاةَ لِذِكْرِي) ". قال موسى: قال همَّامٌ: سمعتُه يقولُ بعْدُ: " (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) ". وقال حبَّانُ: ثنا همَّامٌ: ثنا قتادةُ: ثنا أنسٌ، عن النبيِّ ﷺ نحوه. هذا الحديثُ قد رواه جماعةٌ عن همَّامٍ، وجماعةٌ عن قتادة. وقد خرَّجه مسلمٌ من طريقِ همَّامٍ وأبي عوانة وسعيدٍ والمثنى، كلِّهم عن قتادةَ، عن أنسٍ، وليسَ في روايةِ أحد منهم: التصريحُ بقولِ قتادةَ: "ثنا أنس "، كما ذكر البخاريُّ أنَّ حبَّانًا رواه عَّنَ همَّامٍ. وإنَّما احتاج إلى ذلك، لما عُرِفَ من تدليس قتادة. ولفظُ روايةِ سعيدٍ، عن قتادةَ التي خرَّجها مسلمٌ: "من نسي صلاةً أو نامَ عنها فكفَّارتُها أن يُصلِّيها إذا ذكَرَها".

стр. 656

ولفظُ حديثِ المثنى، عن قتادةَ، عنده: "إذا رقدَ أحدُكُم عن الصلاةِ أو نامَ عنها، فكفَّارتُها: أن يُصلِّيها إذا ذكَرَها". وقد دلَّ الحديثُ على وجوبِ القضاءِ على النائم إذا استيقظَ، والناسي إذا ذكر، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ. وذكَرَ ابنُ عبدِ البرِّ: أنَّ محمدَ بنَ رُسْتُم روى عن محمدِ بنِ الحسن: أنَّ النائمَ إذا فاتَه في نوْمِهِ أكثرُ من خمْسِ صلواتٍ لا قضاء عليه، إلحاقًا للنومِ الطويلِ إذا زادَ على يومٍ وليلةٍ بالإغماء، والمُغْمَى عليه لا قضاء عليه عندَه. ويكونُ الأمرُ عندَهُ بالقضاءِ في النومِ المعتادِ، وهو ما تفوتُ فيه صلاة أو صلاتانِ أو دون خمسٍ أو أكثر. وأخذَ الجمهورُ بعمومِ الحديث. وقولُهُ: "فليصلِّ إذا ذَكَرَ": استدلَّ به من يقولُ بوجوبِ قضاءِ الصلواتِ على الفورِ، وهو قولُ أبي حنيفة ومالكٍ. وأحمدُ يوجبه بكلِّ حالٍ، قلَّتِ الصلواتُ أو كثُرَتْ. واستدلوا - أيضًا - بقولِهِ: " لا كفَّارةَ لها إذا ذلك ". وذهبَ الشافعيُّ إلى أنَّ القضاءَ على التراخي، كقضاءِ صيام رمضانَ. وليس الصومُ كالصلاةِ عندَهم، فإنَّ الصيامَ لا يجوزُ تأخيرُهُ حتَّى يدخل نظيرُه من العامِ القابل والصلاةُ عندَهُم بخلافِ ذلك. واستدلُّوا - أيضًا -: بتأخيرِ النبيِّ ﷺ الصلاةَ حتَّى خرج من الوادي. وفيه نظرٌ؛ فإنَّ ذاك تأخيرٌ يسيرٌ لمصلحةٍ تتعلَّقُ بالصلاةِ، وهو التباعُدُ عن موضع يُكْرَه الصلاةُ فيه.

стр. 657

وقد رُوي عن سمُرة بن جُنْدُب، فيمَنْ عليه صلوات فائتة: أنَه يُصلِّي مع كلِّ صلاةٍ صلاةً. وقد رُوي عنه - مرفوعًا. خرَّجه البزارُ بإسنادٍ ضعيفٍ. ولأصحابِ الشافعيِّ فيما إذا كان الفواتُ بغيرِ عُذْرٍ في وُجوبِ القضاءِ على الفورِ وجهانِ. وحمَل الخطابيُ قولَه: "لا كفَّارةَ لها إلا ذلك " على وجهْينِ: أحدُهُما: أنَّ المعنى أنَّه لا يجوزُ له تركُها إلى بدلٍ، ولا يُكفِّرها غيرُ قضائِها. والثاني: أنَّ المعنى أنَّه لا يلْزَمُهُ في نسيانها كفَّارةٌ ولا غرامة. قال إنَّما عليه أن يُصلِّي ما فاتَهُ. وقد رُوي عن أبي هريرة - مرفوعًا: "من نسي صلاةً فوقتُها إذا ذكرَهَا". خرَّجه الطبرانيُّ والدارقطني والبيهقيُّ من روايةِ حفْصِ بنِ أبي العطَّافِ. واختلف عليه في إسنادِهِ إلى أبي هريرةَ. وحفْصٌ هذا، قال البخاريُ وأبو حاتمٍ: منكرُ الحديث. وقال يحيى بن يَحْيى: كذَّاب. فلا يُلتفتُ إلى ما تفرَّد به. وأمَّا تلاوتُهُ قولُهُ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) .

стр. 658

وقد رواه قتادةُ - مرّةً -، فقال: "للذكرى"، ومرَّةً، قال: "لِذِكرِي" ، كما هو القراءة المتواترةُ. وكان الزهريُّ - أيضًا - يقرؤها: "للذكرى". وهذه القراءةُ أظهرُ في الدِّلال" على الفورِ؛ لأنَّ المعنى: أدِّ الصلاةَ حينَ الذِّكْرَى، والمعنى: أنَّه يصلِّي الصلاةَ إذا ذكرها. وبذلك فسَّرها أبو العالية والشعبيُّ والنخعيُّ. وقال مجاهد: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ (ذِ@رِي @ أطه: ٤ ا.،: أي تدْكُرُلْي. قال: فإذا صلَّى عبدٌ ذكَرَ رتَه. ومعنى قوله: أنَّ قولَهُ: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي) : أي: لأجلِ ذكْرِي بها. والصلاةُ إنَّما فُرِضتْ ليُذكر اللَّه بها، كما في حديثِ عائشةَ المرفوع: "إنَّما جُعل الطوافُ بالبيتِ وبيْنَ الصَّفا والمرْوة ورمي الجمارِ لإقامةِ ذكرِ الله". خرَّجه الترمذيُّ وأبو داود. فأوجب اللَّهُ على خلْقِهِ كلَّ يومٍ وليلةٍ أنْ يذكُرُوه خمس مرارٍ بالصلاةِ المكتوبةِ، فمن تركَ شيئًا من ذكر اللَّه الواجبِ عليه سهْوًا فلْيعد إليه إذا ذكرَهَ، كما قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسيتَ) ، فقد أمرَهُ إذا نسيَ ربَّه أنْ يذكُره بعد ذلك، فمنْ نسي الصلاة فقد نسي ذكْرَ ربِّه، فإذا ذكر أنَّه نسي فلْيَعُد إلى ذِكْرِ ربِّه بعد نسيانِهِ.

стр. 659

قوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) . قال: المعنى: أنِّي قد أظهرتُها حينَ أعلمت بكونها، لكنْ قاربتُ أنْ أخفيها بتكذيب المشركِ بها، وغفلة المؤمنِ عنها، فالمشركُ لا يُصدِّقُ كونَها، والمؤمنُ يهملُ الاستعدادَ لها. * * * قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) وذكر صاحب سيرة الوزير قال: سمعته يقول في قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ) . قال: في حمل العصا عظة؛ لأنها من شيء قد كان ناميًا فقطع، فكلما رآها حاملها تذكَّر الموتَ. قال: ومن هذا قيل لابن سيرين ﵀: رجل رأى في المنام أنه يضرب بطبل؟ فقال: هذه موعظة، لأن الطبل من خشب قد كان ناميًا فقطع. ومن أغشية كانت جلود حيوان قد ذبح. وهذا أثر الموعظة. * * * قوله تعالى: (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول: قرأ عندي قارئ،

стр. 660

قال: (هُمْ أولاءِ عَلَى أَثَرِي) ، فأفكرتُ في معنى اشتِقاقِها، فنظرتُ فإذا وضعها للتنبيه، واللَّه لا يجوزُ أن يخاطبَ بهذا، ولَم أر أحدًا خاطبَ اللَّه عز وجل بحرف التنبيه إلا الكفار، كما قال اللَّه (قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ) ، (رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلّونَا) . وما رأيت أحدًا من الأنبياءِ خاطب، ربَّه بحرف التنبيه، والله أعلم. فأما قوله: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنونَ) ، فإنه قد تقدَّم الخطاب بقوله: يا ربِّ، فبقيت "ها" للتمكين، ولما خاطب اللَّه المنافقين، قال: (هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلتُم عَنْهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، وكرَّم المؤمنين بإسقاط "ها" فقال: (هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُونَهُمْ) . كان التنبيه للمؤمنين أخفَّ. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) روى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ علقمةَ، عن أبي سلمةَ عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "والَّذي نفسِي بيده؛ إنه ليَسْمَعُ خفقَ نعالِكُم حين تولُّون عنه، فإنْ كانَ مؤمنًا، كانتِ الصلاةُ عندَ رأسِهِ، والزكاةُ عن يمينِهِ، والصومُ عن شمالِهِ، وفعلُ الخيراتِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ من قِبَلِ رِجْليْهِ، فيؤتى من قِبل رأسه، فتقولُ الصلاةُ: ليْس من قِبَلي مدخل ثم يؤتى عن يمينهِ فتقول الزكاة: ليس من قِبَلي مدخل، ثم يُؤتى عن شمالِهِ، فتقولُ الصومُ: ليس مِنْ قبلي مدْخل، تم يُؤتى قِبل رِجْليهِ، فيقولُ فعلُ الخيراتِ والمعروف والإحسانِ إلى الناسِ: ليس من قِبَلي مدخل.

стр. 661

فيقالُ له: اجلسْ، فيجلسُ، وقد مثلَت الشمسُ للغروبِ، فيقولُ له: ما تقولُ في هذا الرجلِ الذي كان بعثَ فيكم؟ " - يعني النبيَّ ﷺ - "فيقولُ: أشهد أنّه رسولُ اللَّهِ، جاءنا بالبيِّناتِ من عندِ ربِّنا فصدَّقْناه، واتَبعناه، فيقالُ له: صدقتَ، وعلى هذا حييتَ، وعلى هذا مِتَّ، وعليه تُبعثُ إن شاء اللَّهُ، فيفسحُ له في قبرِهِ مدَّ بصرِهِ، فذلكَ قولُهُ سبحانه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) . يقالُ: افتحُوا له بابًا إلى النارِ، فيُفتحُ له بابٌ إلى النارِ، فيقالُ: هذا منزلُكَ لو عصيتَ اللَّهَ، فيزدادُ غبطةً وسرورًا. ويُقال: افتحُوا له بابًا إلى الجنةِ، فيفْتح له، فيقالُ: هذا منزلُكَ وما أعدَّ اللَّه لك، فيزدادُ غبطة وسرورًا، ويعادُ الجسدُ إلى ما بدئ منه، وتجعلُ روحُه نسَمَ طيرٍ معلقٍ في شجرِ الجنة. وأمَّا الكافرُ فيُؤتى في قبر من قِبلِ رأسِهِ، فلا يُوجدُ شيءٌ، فيُؤتى من قِبلِ رجليهِ فلا يُوجد شيء، فيجلسُ خائفًا مرعوبًا، فيقالُ له: ما تقولُ في هذا الرجلِ الذي كان فيكم؟ وما تشهدُ به؟ فلا يهتدِي لاسمِهِ، فيقالُ: محمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ ، فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئا، فقلتُ كما قالُوا، فيقالُ له: صدقتَ، على هذا حييتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ إن شاء اللَّهُ تعالى، فيُضيَّق عليه قبرُهُ حتى تختلفَ أضلاعُه، فذلك قولُهُ تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) فيقال: افتحُوا له بابًا إلى الجنةِ، فيفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فيُقال: هذا منزلُكَ وما أعدَّ اللَّه لكَ لو كنتَ أطعتَهُ، فيزدادُ حسرةً وثُبورًا، ثم يقالُ: افتحُوا له بابًا إلى النارِ، فيفتحُ له بابٌ إليها، فيُقالُ له: هذا منزلُكَ، وما أعدَّ الله لك، فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ". قال أبو عمر الضريرُ: قلتُ لحمَّادِ بنِ سلمةَ: كان هذا من أهلِ القبلة؟ قال: نعم، قال أبو عمر: كأنَّه كان يشهدُ بهذه الشهادة على غيْرِ يقينٍ يرجعُ

стр. 662

إلى قلبه، كأن يسمعَ الناسَ يقولونَ شيئًا، فيقولُه. خرَّجه الطبرانيُّ. وخرَّجه الخلالُ في كتابِ "السنة"، وزادَ فيه بعد قولِهِ: "وقد مثلتِ الشمسُ له قد دنتْ للغروبِ، فيقال له: هذا الرجلُ الذي كانَ فيكُم ما تقولُ فيه؟ فيقولُ: دعونِي حتَّى أصلِّي، فيقولونَ: إنك ستفعلُ، أخبِرْنا عمَّا نسألك عنه "، وذكر الحديثَ. وخرَّجَه ابنُ حبان في "صحيحِهِ "، من طريقِ معتمر، عن محمَّدِ بنِ عمرو - به. ورواه جماعةٌ عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ - موقوفًا. وقد رُوي من حديثِ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، نحوه ايضًا مع الاختلافِ في رفعِهِ ووقفِهِ. وخرَّجه ابنُ منده، من طريقِ محمدِ بنِ جُحادةَ، عن طلحةَ بن مُصَرِّف. عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ قال: "إذا وضُعَ المؤمنُ في قبره، أتاه شيطانٌ من قِبَلِ رأسِهِ، فيحولُ بيْنَه وبينه سجودُهُ، ثم يأتِيَه من قِبَلِ يديه، فيحول بينه وبينه صدقتُه، ثم يأتيه من قِبَلِ بطنهِ، فيحولُ بينه وبينه صومُه، تم يأتِيه من قِبلِ رِجْليه، فيحولُ بينه وبينه قيامُه عليها في الصلاةِ، ثم يُفتحُ له بابٌ من أبوابِ الجنةِ فيقول: ربي بلِّغْنِي منزلَتِي، فيقولُ: إن لكَ إخوةٌ وأخواتٌ لم يلحَقُوا، فنَمْ قريرَ العيْنِ لا تفزعْ بعدَها". وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ محمدِ بن الصلْتِ، عن ابنِ عيينةَ، عن طلحةَ

стр. 663

ابنِ مُصرِّفٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ - يرفعُهُ قال: "يؤتَى الرجلُ من قِبلِ رأسِهِ في قبر، فإذا أُتِيَ دفعه تلاوةُ القرآنِ، فإذا أُتيَ من قِبلِ يديه دفعتْهُ الصدقةُ، فإذا أُتي من قِبلِ رجليه دفعَه مشيُه إلى المساجد"، فذكره نحوه، كذا في هذه الرواية السابقة، إنَّ الذي يأتيه في قبر شيطانٌ. وفي حديثِ الأعمشِ، عن المنهالِ، عن زاذان، قال: قلتُ للبراءِ: أمَلَكٌ هو أم شيطان؟ قال: فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: نحن كنَّا أشدَّ هيبةً لرسول اللَّه ﷺ أن نسأله أملكٌ هو أم شيطانٌ؟ إنما نحدِّثكم ما سمعنَا. وخرَّج الإمامُ أحمد، من حديثِ محمدِ بنِ المنكدرِ، قال: كانتْ أسماءُ تحدِّثُ عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أدْخِلَ الإنسانُ في قبرِهِ فإن كانَ مؤمنًا أحفَّ به عملُهُ: الصلاةُ والصيامُ؟ قال: فيأتِيه الملكُ من نحوِ الصلاةِ فيردَّه ومن نحوِ الصيامِ فيردُّه، فيناديه اجلسْ، فيجلسُ، فيقولُ: ما تقولُ في هذا الرجل؟ - يعني النبي ﷺ ؟ "قال: منْ؟ قال: محمدٌ ﷺ . قال: أشهدُ أنه رسولُ اللَّهِ ﷺ قال: يقول له: وما يدريك، أدركتَهُ؟ قال: يقول: إنَّه رسولُ اللَّه ﷺ ، قال: يقولُ: على ذلك عشتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ. قال: إنْ كان فاجرًا أو كافِرًا قال: جاءهُ الملَكُ ليسَ بينه وبينه شيء يردُّه، فأجلسه قال: يقول: اجلسْ، ما تقولُ في هذا الرجلِ؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد. قال: يقولُ: واللَّهِ ما أدري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُه، قال: فيقولُ له الملَكُ: على ذلكَ عشتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ. قال: يسلَّط عليه دابَّة في قبرِهِ، معها سوط ثمرتُهُ جمرة مثل غربِ البعيرِ، تضربُهُ ما شاء اللَّه، صمَّاء لا تسمعُ صوتَهُ فترحمُه ".

стр. 664

قلتُ: قولُه: "ويسلَّطُ عليه دابَّةٌ.. " إلى آخره. وقد رُوي من وجهٍ آخرَ عن ابن المنكدرِ، أنه بلغه ذلكَ، فلعلَّه مُدْرَجٌ في الحديثِ. وفي حديثِ زاذانَ، عن البراءِ بن عازبٍ، عن النبيِّ ﷺ ، وقد سبق ذكرُ بعضِهُ، قال في المؤمن: "ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجهِ، حسنُ الثيابِ، طيبُ الريحِ، فيقولُ: أبْشِرْ بالذي يسرُكَ، هذا يومُك الذي كنتَ تُوعدُ. فيقولُ له: من أنت؟ فوجْهُكَ الوجهُ الذي يجيءُ بالخيرِ، فيقولُ: أنا عملُكَ الصالحُ، فيقولُ: ربِّ أقم الساعةَ حتَّى أرجعَ إلى أهلِي ومالِي ". وقال في حقِّ الكافرِ: "ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجهِ، قبيحُ الثيابِ، منتنُ الريحِ، فيقولُ: أبْشِر بالذي يسوءُك، هذا يومُك الدْي كنتَ توعدُ، فيقولُ: ومن أنتَ؟ فوجهُك الوجهُ الذي يجيءُ بالشر، فيقولُ: أنا عملُكَ الخبيثُ، فيقولُ: ربِّ لا تقم الساعةَ" خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه. وروى ابنُ أبي الدنيا، بإسنادِهِ عن أبي بكر بن عياشٍ، عن المقْبُريِّ، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالتْ: إذا خرج سريرُ المؤمنِ، نادى: أنشدكُم اللَّهَ لما أسرعتُم بي، فإذا أُدخلَ قبره حفَّه عملُه، فتجيءُ الصلاةُ فتكونَ عن يمينِه، ويجيءُ الصومُ فيكون عن يساره، ويجيء عملُهُ بالمعروفِ فيكونُ عند رجليْه، فتقولُ الصلاةُ: ليس لكم قبلي مدخلٌ، كان يُصلِّي، فيأتونَ من قبل يساره، فيقولُ الصومُ: إنه كان يصومُ ويعطشُ، فلا يجدونَ موضِعًا، فيأتونَهُ من رجلَيْه، فتخاصِمُ عنه أعمالُهُ فلا يجدونَ مسْلكًا. وبإسناده عن ثابت البُنانيِّ قالَ: إذا وُضِعَ الميتُ في قبرهِ احتوشَتْهُ أعمالُهُ

стр. 665

الصالحةُ، وجاء ملكُ العذابِ، فيقولُ له بعضُ أعمالِهِ: إليك عنه، فلو لم يكنْ إلا أنا لما وصلتَ إليه. وعنه أيضًا، قال: إذا وُضِعَ العبدُ الصالحُ في قبره، أُتِي بفراشٍ من الجنةِ، وقيلَ له: نَمْ هنيئًا لك قُرَّة العينِ، فرضي اللَّه عنك، قالَ: ويُفْسَحُ له في قبره مدَّ بصرِهِ، ويفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فينظرُ إلى حسنِها، ويجدُ ريحَها، وتحتوشُه أعمالُهُ الصالحةُ: الصيامُ، والصلاةُ، والبرُّ، فتقول له: نحنُ أنصبْناكَ وأظمأناك وأسهرْناك فنحنُ لك اليومُ بحيث تحبُّ، نحنُ نؤنسُكَ حتى تصيرَ إلى منزلِكَ من الجنةِ. وبإسنادهِ عن كعبٍ، قالَ: إذا وُضِعَ العبدُ العمالحُ في قبر، احتوشتْه أعمالُهُ الصالحةُ: الصلاةُ والصيامُ والحجُّ والجهادُ والصدقةُ. قال: وتجيءُ ملائكةُ العذابِ من قبل رجليهِ، فتقولُ الصلاةُ: إليكُم عنه فلا سبيلَ لكُم، فقدْ أطال القيامَ للَّه عليهما، قال: فيأتُونَهُ من قبلِ رأسِهِ، فيقولُ الصيامُ: لا سبيلَ لكم عليه، فقد أطال ظمأه للَّه تعالى في الدنيا؟ قال: فيأتونَهُ من قِبلِ جسدِهِ، فيقولُ الحجُّ والجهادُ: إليكم عنه، فقد أنصبَ نفسَهُ، وأتعبَ بدنَه، وحجَّ وجاهدَ للهِ لا سبيلَ لكُم عليه، قال: فيأتُونه من قِبلِ يدَيْه، فتقولُ الصدقةُ: كُفّوا عن صاحِبي، فكمْ من صدقَةٍ خرَجَتْ من هاتَيْنِ اليدينِ حتَى وقعتْ في يدِ اللَّهِ ابتغاءَ وجهِهِ، فلا سبيلَ لكم عليه " قال: فيُقالُ له: هنيئًا طبتَ حيًّا وطبت ميتًا. قال: ويأتيه ملائكةُ الرحمةِ، فتفرشُه فِراشًا من الجنةِ، ودِثارًا من الجنةِ، ويفسحُ له في قبره مدَّ البصرِ، ويؤتَى بقنديلٍ من الجنةِ، فيستضِيءُ بنورِهِ إلى يومِ يبعثُهُ اللَّهُ من قبره.

стр. 666

وبإسنادِهِ عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، قال: بلغني أنَّ الميتَ إذا وُضِعَ في قبره احتشوته أعمالُهُ، ثم أنطقَها اللَّهُ تعالى، فقالتْ: أيها العبدُ المفردُ في حفرتِهِ. انقطعَ عنك الأخلاءُ والأهلونَ، فلا أنيسَ لك اليومَ غيرَنا، قالَ: ثمَّ يبْكي ويقولُ: طوبى لمن كان أنيسُه صالِحًا، والويلُ لمن كان أنيسُه وبالاً. وبإسنادِهِ عن يزيدَ الرقاشيِّ - أيضًا - أنه كانَ يقولُ في كلامِهِ: أيها المنفردُ في حفرتِه، المُخَلَّى في القبرِ بوحدتِهِ، المستأنسُ في بطنِ الأرضِ بأعمالِهِ. ليتَ شِعْرِي بأيِّ أعمالِك استبشرتَ، وبأيِّ إخوانِك اغتبطتَ، قالَ: ثمَّ يَبْكي حتى يبلَ عمامَتَهُ، ويقول: استبشر واللَّهِ بأعمالِهِ الصالحةِ، واغتبطَ واللَّه بإخوانِهِ المتعاونينَ على طاعةِ اللَّهِ. وبإسنادِهِ عن الوليد بنِ عمرِو بنِ ساجٍ، قال: بلغني أن أولَ شيءٍ يجدُه الميتُ حولَهُ عندَ رجلَيْه، فيقولُ: ما أنتَ؟ فيقولُ: أنا عملُكَ. وقد ورد في شفاعةِ القرآن لقارئِه ودفعِهِ عندَ عذابِ القبرِ خصوصًا: سورةُ تبارك. وخرَّج النسائيُّ في "عمل اليومِ والليلةِ" بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ في. قالَ: من قرأ: "تباركَ الذي بيده الملكُ " كلَّ ليلةٍ منعهُ اللَّهُ بها من عذابِ القبرِ، وكنَّا في عهد رسول اللَّه ﷺ نسمِّيها المانِعةَ. وخرَّجه خلفُ بنُ هشامٍ في كتابِ "فضائل القرآنِ " عن ابنِ مسعودٍ، ولفظُهُ أنه ذكرَ "تباركَ "، فقال: هي المانعةُ، تمنعُ من عذابِ القبرِ، توفِّيَ رجلٌ فأُتِي

стр. 667

من قبل رجليه، فتقولُ رجلاه: لا سبيلَ لكُم على ما قِبَلي، إنه كان يقرأ عليَّ سورةَ تبارك، ويُؤتَى من قِبلِ بطنِهِ، فيقولُ بطنُه: لا سبيلَ لكُم على ما قِبلي، إنَّه كانَ أوعَى فيه سورةَ الملكِ، ويُؤتى من قِبلِ رأسِهِ فيقولُ رأسُهُ: لا سبيلَ لكم على ما قِبلي إنه كان يقرأ سورةَ الملكِ. وأخرجَ أبو عبيدٍ في كتابِ "فضائلِ القرآنِ " بإسنادِهِ عن ابنِ مسعود ﵁، قال: إنَّ الميّتَ إذا ماتَ أوقدتْ له نيران حولَهُ، فتأكلُ كلُّ نارٍ ما يليها إنْ لم يكنْ له عملٌ يحولُ بينه وبينَها، وإنَّ رَجُلاً ماتَ ولم يكن يقرأ من القرآنِ إلا سورةً، ثلاثينَ آيةٍ، فأتته من قِبَلِ رأسِه، فقالتْ: إنه كانَ يقرأ بي، فأتتْه من قِبلِ رجليهِ، فقالتْ: إنه يقومُ بي، فأتتْه من قبل جوفِهِ، فقالتْ: إنه كان وعائِي، قالَ: فأنجتْهُ. قال زِرٌّ: فنظرتُ أنا ومسروقٌ في المصحفِ فلم نجِد سورةً ثلاثينَ آيةً إلا تباركَ. وروى عبدُ بنُ حميدٍ في "مسندهِ " عن إبراهيمَ بنِ الحكمِ بنِ أبان، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اقرأْ (تباركَ الَّذي بيده الملكُ) . احفظْها، وعلمْها أهلَك، وولدَك، وصبيانَ بيتِك، وجيرانَك، فإنها المُنجِّية والمجادلةُ، تجادلُ أو تخاصمُ عن صاحبِهَا عند الله لقارِئِهَا، وتطلبُ أن ينجيه من عذابِ النارِ إذا كانت، في جوفِهِ، وينجِّي اللَّهُ بها صاحبَها من عذابِ النارِ. وروى سوارُ بنُ مصعب - وهو ضعيفٌ جدا -، عن أبي إسحاقَ، عن

стр. 668

البراءِ، يرفعُه: "من قرأَ: الم السجدةَ، وتباركَ، قبلَ النوم، نجَا من عذابِ القبرِ، ووُقِيَ فتَّانا القبرِ". وسنذكرُ حديثَ عبادةَ في نزولِ القرآنِ مع الميتِ في قبره فيما بعدُ - إن شاء اللَّه تعالى. وروى هشامُ بنُ عمَّار، حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ. عن أبيه، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: إذا وُضِعَ الميتُ في لحدِهِ، فأولُ شيءٍ يأتيِه عملُهُ، فيضربُ فخذَه الشمالَ، فيقول: أنا عملُكَ، فيقولُ: أين أهلِي، وولدِي، وعشيرتِي، وما خوَّلني اللَّهُ تعالى؟ فيقولُ: تركتَ أهلَك، وولدَك، وعشيرتَك، وما خوَّلك اللَّه وراءَ ظهرِك، فلم يدخلْ قبرَك معكَ غيرِي، فيقولُ: يا ليْتني آثرتُك على أهلِي، وولدِي وعشيرتي، وما خوَّلني الله تعالى إذ لم يدخل معِي غيرُك. قال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا يحيى بنُ سليم، عن ابنِ أبي نجيحٍ. عن مجاهدٍ، في قولِه تعالى: (فَلأَنفسِهِمْ يَمْهَدُونَ) ، قال: في القبرِ. قال أحمد: فحدثتُ به يحيى بن معينٍ، فقال: طوبى لمن كان له عمل صالحٌ، يكون وطْأهُ في القبرِ. ويشهدُ لهذا كلِّه ما في "الصحيحينِ " عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "يتْبَعُ الميّتَ ثلاثة فيرجعُ اثنانِ ويبقَى واحدٌ يتبعه: أهلُه ومالُهُ وعملُهُ، فيرجِعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويبقَى عملُهُ ".

стр. 669

وخرَّجه البزَّارُ والطبرانيُّ والحاكم بسياقٍ مطوَّلٍ، من حديثِ أنسٍ - أيضًا - عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ما من عبد إلا له ثلاثةُ أخِلاء، وأما خليلٌ فيقول له: ما أنفقتَ فلكَ، وما أمسكت فليس لك، فذلك مالُهُ، وأما خليلٌ فيقول: أنا معك، فإذا أتيتَ بابَ الملكِ رجعتُ وتركتُكَ، فذلكَ أهلُهُ وحشَمُه، وأمَّا خليلٌ فيقولُْ أنا معكَ حيثُ دخلتَ، وحيثُ خرجتَ، فذلكَ عملُهُ، فيقولُ: إن كنتَ لأهونُ الثلاثةِ عليَّ ". وخرَّج البزَّارُ والحاكمُ أيضًا من حديثِ النعمانِ بن بشيرٍ عن النبي ﷺ معناه وقد اختلفَ في رفعِهِ ووقفِهِ. وقد رُوي هذا من حديثِ عائشةَ ﵂ عن النبي ﷺ بسياقٍ مبسوطِ، وأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ كرزٍ قالَ في هذا المعنى شعرًا، وأنشده للنبيِّ ﷺ ولكنْ إسنادُهُ ضعيفٌ جدا. وخرَّج البزَّارُ هذا المعنى - أيضًا - من حديثِ أبي هريرةَ، وسمُرَةَ بن جندبٍ، عن النبيِّ ﷺ . وخرَّجه الطبرانيُّ من حديثِ سمُرةَ عن النبيِّ ﷺ أيضًا. وروَى إبراهيمُ بنُ بشارٍ، عن إبراهيمَ بنِ أدْهَمَ، أنه كان ينشدُ شِعرًا: ما أحدٌ اكرَمُ من مُفْرَدٍ. . . في قبرِهِ أعمالُهُ تؤْنِسُه مُنَعَّمُ الجسْم وفي رَوْضَةٍ. . . زينها اللهُ فهِيَ مجْلِسُه

стр. 670

وأمَّا العارفون باللَّهِ، المحبُّونَ له، المنقطعونَ إليه في الدنيا، والمستأنسونَ به دونَ خلقِهِ: فإنَّ اللَّهَ بكرمِهِ وفضلِهِ لا يخذُلُهم في قبورِهِم، بل يتولاَّهم. ويؤنسُ وحشتَهُم فـ: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) . وقد جاء في بعضِ ألفاظِ حديثِ يومِ المزيدِ: أنهم يقولونَ لربِّهم في ذلك اليومِ: أنت الذي أنستَ منا الوحشةَ في القبورِ. وكتبَ محمدُ بنُ يوسفَ الأصبهانيُّ العابدُ إلى أخيه: إنّي محذِّرُكَ متحوَّلَك من دارِ مُهلتِكَ إلى دارِ إقامتِك وجزاءَ أعمالِك، فتصيرُ في قرارِ باطنِ الأرضِ بعدَ ظاهرِها، فيأتيكَ منكرٌ ونكير، فيقعدانِكَ وينتهرانِكَ، فإن يكنِ اللَّهُ معك فلا بأسَ عليكَ، ولا وحشةَ ولا فاقةَ، وإن يكنْ غيرُ ذلكَ فأعاذني اللَّهُ وإيَّاك من سوءِ مصرع، وضيقِ مضجع. ورُئِيَ ابنُ أبي عاصمٍ المنامِ فسُئِل عن حالِه فقالَ: يؤنسني ربِّي عزَّ وجلَ. وأمَّا من كانَ في الدنيا مشغولٌ عن اللَّهِ وكان يخافُ غيرَهُ. فإنه يُعذبُ في قبرِهِ بذلكَ. قالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا إبراهيمُ بنُ الفضلِ، عن أبي المليح الرقي، قالَ: إذا دخلَ ابنُ آدمَ قبرَهُ لم يبقَ شيء كان يخافُه في الدنيا من دون اللَّهِ إلا تمثَّل له يفزِّعه في قبرِهِ، لأنه في الدنيا كان يخافُه دون اللَّهِ تعالى. وروى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن ابنِ عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ليسَ على أهلِ لا إله إلا اللَهُ وحشةً في قبورِهِم، ولا يومَ نشورِهِم،
следующие страницы →