Полный текст (1 372 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فإن كان ذلك محفوظا عنهمَا، فكيفَ لم يذكرِ البخاريُّ متابعتَهَما لابنِ
المباركِ، وعدل عنه إلى متابعةِ القاسم بن يحيى.
وأما عقيلٌ، فرواهُ عنْ نافع، - عنِ القاسم، عنْ عائشةَ.
ورواه - أيضًا - أيوبُ، عنِ القاسم، عنْ عائشةَ.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ، عنْ عبدِ الرزاقِ، عنْ معمرٍ، عنه، ولفظُ حديثِهِ:
"اللهُمَ صيبا هنيئًا - أو - صيَبا هنيئًا".
وأمَّا الأوازعيُّ، فقد رواهُ عن نافع، عنِ القاسم، عنْ عائشةَ، كما ذكرهُ
البخاريُّ، ولفظُ حديثِهِ: "اللَّهُمَ اجعَلهُ صيبا هنيئًا".
وقد خرَّج حديثَهُ كذلكَ الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ.
وفي روايةِ ابنِ ماجةَ: أنَّ الأوزاعيَّ قال: "أخبرني نافعٌ "، كذا خرَّجه من
طريقِ عبدِ الحميدِ بنِ أبي العشرين، عنه.
وقد رُوي التصريحُ بالتحديثِ فيه عنِ الوليدِ بن مسلم، عنِ الأوزاعيِّ
أيضًا.
ورواه إسماعيلُ بنُ سماعةَ، عنِ الأوزاعيِّ، عنْ رجل، عن نافع، عن
القاسم، عنْ عائشةَ.
وقال البابْلُتِّيُّ: عنِ الأوزاعيِّ، عنْ محمدِ بنِ الوليدِ الزبيديِّ، عنْ نافع.
عنِ القاسم، عنْ عائشةَ.
وقال عقبةُ بنُ علقمةَ: عنِ الأوزاعيِّ، عنِ الزهريَ، عنْ نافع، عنِ
стр. 72
القاسم، عنْ عائشةَ.
قال الدارَقُطنيُّ: وهو غيرُ محفوظٍ.
وقال عيسى بنُ يونسَ وعبادُ بنُ جويريةَ: عنِ الأوزاعيِّ، عنِ الزهريِّ.
عنِ القاسم، عنْ عائشةَ - منْ غيرِ ذكرِ: "نافع ".
وكذا رُوي عنِ ابنِ المباركِ، عنِ الأوزاعيِّ.
قال الدارقطنيُّ: فإنْ كانَ ذلك محفوظا عنِ الأوزافيَ، فهو غريبٌ عنِ
الزهريِّ.
وخرَّجه البيهقيُّ منْ روأيةِ الوليدِ بنِ مسلم: نَا الأوزاعيُّ: حدثني نافعٌ.
ثم قال: كانَ ابنُ معينٍ يزعمُ أنَّ الأوزاعيَّ لم يسمعْ من نافع شيئًا.
ثمَّ خرَّجه من طريقِ الوليدِ بنِ مَزْيَد: نَا الأوزاعيُّ: حدثني رجلٌ، عن
نافع - فذكرَه.
قال: وهذا يشهدُ لقولِ ابنِ معين.
قلتُ: وقد سبقَ الكلامُ على روايةِ الأوزاعيِّ عنْ نافع في "بابِ: حملِ
العنزة بين يَدَي الإمامِ يومِ العيدِ"، فإنَّ البخاريَّ خرَّج حديثًا للأوزاعيِّ عنْ
نافع مصرحًا فيه بالسماع.
وقد رُوي هذا الحديثُ عنْ عائشةَ من وجهٍ آخَر:
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ المقدَامِ بنِ
شُريْح،
стр. 73
عنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ، أنَّ النبيَّ، كانَ إذا أُمطرَ، قالَ: "اللَّهُمَّ صيَبا
هنيئًا" - لفظُ أبي داودَ.
ولفظُ النسائيِّ: "اللَّهُمَّ اجعله سيبًا نافِعًا".
ولفظُ ابنِ ماجةَ: "اللَهُمَّ سيبًا نافعًا" - مرتينِ أو ثلاثًا.
وفي رواية لابنِ أبي الدنيا في "كتاب المطرِ": "اللهُمَّ سقيًا نافعًا".
وخرَّج مسلمٌ من طريقِ جعفر بنِ محمدٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ
النبيَّ ﷺ كانَ يقول إذا رأى المطرَ: "رحمة".
وقد أشارَ البخاريُّ إلى تفسيرِ قولِهِ ﷺ : "صيبا هنيئًا"، فذكرَ عنِ ابنِ عباسٍ، أنَّ الصيِّبَ هو المطرُ.
وقد خرَّجه ابنُ أبي الدنيا في "كتابِ المطر" من روايةِ هارونَ بنِ عنترةَ.
عن أبيه، عنِ ابنِ عباسٍ.
وقالَ غيرُهُ: هو المطرُ الشديدُ.
وقد ذكرَ البخاريُّ عن بعضِهِم، أنَّ الفعلَ الماضِي منه: "صابَ وأصابَ ".
والمضارعُ منه: "يصوبُ ".
وهذا عجيبٌ: فإنَّ "أصابَ " إنما تقالُ في ماضِي "يصيبُ "، مِنَ الإصابةِ
التي هي ضدَّ الخطإِ.
وأمَّا "صابَ يصوبُ "، فمعناه: نزلَ من علوٍ إلى سفْل.
وأمَّا روايةُ من روى "سيِّبًا" بالسينِ، فيجوزُ أنَّ تكونَ السينُ مبدلةً
من الصادِ.
стр. 74
وقيل: بل هو بسكونِ الياءِ، ومعناه: العطاءُ.
ورُوي عنْ محمدِ بنِ أسلمَ الطوسيِّ، أنَّه رجَّح هذه الروايةَ؛ لانَّ العطاءَ
يعمُّ المطرَ وغيرَهُ منْ أنواع الخيرِ والرحمةِ، وفي هذه الأحاديثِ كلِّها: الدعاءُ
بأن يكونَ النازلُ من السماءِ نافعًا، وذلك سقيا الرحمةِ، دون العذابِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عنْ عبدِ الملكِ بنِ جابرِ بنِ عتيك، أنَّ رجلاً
من الأنصارِ كانَ قاعدًا عند عُمرَ في يومِ مطرٍ، فأكثرَ الأنصاريّ الدعاءَ
بالاستسقاءِ، فضربَه عمرُ بالدِّرةِ، وقالَ: ما يدريكَ ما يكونُ في السقْيا، ألا
تقول: سقْيا وادعةً، نافعةً، تسعُ الأموالَ والأنْفُسَ.
* * *
قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)
قالَ اللَّهُ تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) .
وقال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) .
واختلفَ المفسرونَ في هذهِ الحجارةِ، فقالتْ طائفةٌ منهم الربيع بنُ أنسٍ:
الحجارةُ هي الأصنامُ التي عبدَتْ من دونِ اللَّهِ، واستشهدَ بعضُهم لهذا بقولِهِ
стр. 75
تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا) .
قالَ ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبو صالح، حدثنا معاويةُ بنُ أبي صالح، عنْ
أبي بكرٍ بنِ أبي مريمَ، عنْ أبيه أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في قولِهِ: (إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ) ، قالَ: "كورتْ في جهنمَ "، (وإِذَا النُّجُومُ
انكَدَرَتْ) ، قال: "انكدرتْ في جهنمَ، وكلُّ من عُبِدَ من دونِ اللهِ فهو في
جهنمَ، إلا ما كانَ مِنْ عيسى وأمِّه ولو رضيا لدخلاَهَا" غريبٌ جدًّا، وأبو بكرٍ بنُ أبي مريمَ فيه ضعفٌ.
وقد رُويَ أنَّ الشمسَ والقمرَ يكورانِ في النارِ.
ورواهُ عبدُ العزيزِ بنِ المختارِ عنْ عبدِ اللَهِ - هو ابنُ فيروزَ الداناج - قالَ:
سمعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ يحدثُ عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "الشمسُ والقمرُ ثورانِ يكورانِ في النارِ يومَ القيامةِ" خرَّجه البزار وغيرهُ.
وخرَّجهُ البخاريُّ مختصرًا، ولفظُه: "الشمسُ والقمرُ يكورانِ يومَ القيامةِ".
وخرَّج أبو يَعْلَى منْ روايةِ درستْ بنِ زيادٍ عن يزيدَ الرقاشيَ عن أنسٍ
عنِ النبيِّ ﷺ ، قالَ: (الشمسُ والقمرُ ثورانِ عقيرانِ في النارِ" وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا.
وقد قيلَ: إنَّ المعنى في ذلكَ أنَّ الكفارَ لمَّا عبدُوا الآلهةَ من دونِ اللَّهِ
واعتقدُوا أنها تشفعُ لهم عندَ اللَّهِ وتقرِّبُهم إليه عوقِبُوا بأن جعلت معهم في
стр. 76
النارِ إهانةً لها وإذلالاً، ونكايةً لهم وإبلاغًا في حسرتِهِم وندامتِهِم، فإنَّ
الإنسانَ إذا قرنَ في العذابِ بمنْ كانَ سببَ عذابِهِ كانَ أشدَّ في ألَمِهِ وحسرَتِهِ.
ولهذا المعنى يقرنُ الكفارُ بشياطينهِم التي أضلتْهُم.
قالَ اللَّهُ تعالَى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) .
قالَ مَعْمرٌ عنْ سعيدٍ الجريريِّ في هذهِ الآياتِ: بلغنَا أن الكافرَ إذا بُعِثَ يومَ
القيامةِ منْ قبر، شُفِعَ بشيطانِهِ فلم يفارقْه حتى يصيرَهُما اللَّهُ إلى النارِ، فذاكَ
حينَ يقولُ: (يَا لَيْتَ بيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) .
وقالَ أبو الأشهبِ عن سعيدٍ الجريريِّ عن عباسٍ الجشميِّ: إنَّ الكافرَ إذا
خرجَ من قبرِهِ وجَدَ عندَ رأسِهِ مثلَ السرحةِ المحترقةِ شيطانةً فتأخذُ بيده.
فتقولُ: أنا قرينتُكَ أدخلُ أنا وأنتَ جهنَّم، فذاك قولُهُ: (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) ، خرَّجَهما ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ، والسرحةُ:
شجرةٌ كبيرةٌ.
وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن حنقِ الكفارِ على من أضلَّهُم بقولِهِ: (وقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامَا لِيكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ) .
فإذا قُرن أحدُهُم بمن أضلَّه في العذابِ كانَ أشدَّ لعذابِهِ، فإنَّ المكانَ المتسعَ
يضيقُ على المتباغِضينِ باقترانِهِما في المكانِ الضيقِ.
وأخبرَ اللَّهُ تعالى عن اختصامِ الكفارِ معَ من كانَ معهُم من الشياطينِ ومن
стр. 77
عبدُوه من دونِ اللَّهِ تعالى.
قالَ اللَّهُ تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) .
ومن جملةِ أنواع عذابِ أهلِ النارِ فيها: تلاعنُهم وتباغضُهم، وتبرُّؤُ
بعضُهم من بعضٍ، ودعاءُ بعضِهم على بعضٍ، بمضاعفةِ العذابِ، كما قالَ
اللَّه تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) .
قالَ اللَّهُ تعالى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) الآيات.
وقال اللَّهُ تعالى: (هَذَا فَوْجٌ مقْتَحِمٌ معَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ) إلى قولِهِ: (إِنَّ ذَلِكَ
لَحَق تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) ، وحينئذ لا يبعدُ أن يقرنَ كلُّ كافرٍ بشيطانِهِ
الذي أضَلَّهُ وبصورة من عَبَدَهُ من دونِ اللَّهِ من الحجارةِ.
وقالَ ابنُ أبي الدنيا: حدثنا عبدُ اللَّه بنُ وضاح، حدثنا عبادة بنُ كليبٍ
عن محمدِ بنِ هاشمٍ، قالَ: لما نزلتْ هذه الآية ُ: (وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ) .
وقرأها النبيُّ ﷺ فسمعَهَا شابٌّ إلى جنبِهِ فصُعِقَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رأسَهُ في حجره، رحمةً لَهُ، فمكثَ ما شاءَ أن يمكثَ، ثم فتحَ عينيهِ، فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي مثلَ أيِّ شيء الحجرُ؛ قالَ: "أما يكفيكَ ما أصابَكَ، على أنَّ الحجرَ الواحدَ منها لو وُضِعَ عن جبالِ الدنيا كلِّها لذابتْ منهُ، وإنَّ معَ
стр. 78
كل إنسانٍ منهُم حجرًا وشيطانا".
وقالَ الحسنُ في موعظَتِهِ: أذكركَ اللهَ ما رحمتَ نفسَكَ، فإنَّك قد حذرتَ
نارًا لا تطفأ، يهوِي فيها من صارَ إليها، ويترددُ في أطباقِهَا قرينُ شيطانٍ.
ولزيقُ حجرٍ يتلهبُ في وجههِ شعلُها (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) .
وأكثرُ المفسرينَ على أن المرادَ بالحجارةِ حجارةُ الكبريتِ توقدُ بها النارُ.
ويقالُ: إن فيها خمسةُ أنواع من العذابِ ليسَ في غيرِها من الحجارةِ: سرعةُ
الإيقادِ، ونتن الرائحةِ، وكثرةُ الدخانِ، وشدةُ الالتصاقِ بالأبدانِ، وقوةُ حرِّهَا إذا أحميتْ.
قالَ عبدُ الملكِ بنُ عميرِ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ عنْ عمرِو بنِ ميمونَ
عنِ ابنِ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) قالَ: هي
حجارةٌ من الكبريتِ خلقَهَا اللَّهُ يومَ خلقَ السموات والأرضَ في السماءِ الدنيا
يُعدها للكافرينَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ في "المستدركِ " وقال: صحيحٌ
على شرطِ الشيخينِ.
وقالَ السُّديُّ في "تفسيره" عنْ أبي مالكِ وعنْ أبي صالح، عنِ ابنِ عباسٍ
وعن مرة عن ابنِ مسعودٍ، وعن أناسٍ من الصحابةِ: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) .
أما الحجارةُ حجارةٌ في النار من كبريتٍ أسودَ يعذبونَ به مع النارِ.
وقالَ مجاهدٌ: حجارة من كبريتٍ أنتن من الجيفةِ.
وهكذا قالَ أبو جعفرِ وابنُ جريج، وعمرُو بنُ دينار وغيرُهم.
وقالَ ابنُ وهبٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، أخبرَني عبدُ اللَّهِ بن سليمانَ
عنْ درَّاج عن أبي الهيثم، عن عيسى بنِ هلالي الصدفيّ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ
عمرو،
стр. 79
قالَ: قالَ رسولُ اللَهِ ﷺ : " إن الأرضينَ بينَ
كل أرض إلى التي تليهَا مسيرةُ خمسمائة سنةٍ، فالعُليا منها على ظهرِ حوتٍ قد التقَى طرفَاهُ في السماءِ، والحوتُ على صخرةٍ، والصخرةُ بيدِ ملكٍ، والثانية سجنُ الريح، فلما أرادَ اللَهُ إهلاكَ عادٍ أمرَ خازنَ الريح أن يرسلَ عليهم ريحًا تهلكُ عادًا، قالَ: يا ربِّ أرسلْ عليهم من الريح قدرَ منخرِ ثورٍ، قالَ له الجبارُ ﵎: إذنْ يكفي الأرضَ ومن عليها، ولكنْ أرسِل عليهم بقدرِ خاتمٍ، فهي التي قالَ اللَّهُ في كتابه: (مَا تَذَرُ مِن شيءٍ أتت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ) ، والثالثةُ فيها حجارةُ جهنَم، والرابعةُ
فيها كبريتُ جهنمَ " قالُوا: يا رسولَ اللَهِ أللنارِ كبريتٌ؟!
قالَ: "نعم، والذي نفسي بيدِهِ إنَّ فيها لأوديةً من كبريت لو أرسلتْ فيها الجبالُ الرواسي لماعَتْ، والخامسةُ فيها حياتُ جهنمَ وإنَ أفواهَها كالأوديةِ تلسعُ الكافرَ اللسعةَ فلا يبْقى منه لحمٌ على وضَمٍ.
والسادسةُ فيها عقاربُ جهنَّم، وإنَّ أدنى عقربة منها كالبغالِ الموكفةِ، تضربُ الكافرَ ضربةً تنسيه ضربتُها حرَّ جهنَّم، والسابعةُ سقرُ، وفيها إبليسُ مصفدٌ بالحديد أمامَهُ ويدُه من خلفِهِ، فإذا أرادَ اللَّه أن يطلِقَهُ لما يشاءُ من عبابٍ أطلَقَهُ " خرَّجه الحاكمُ في آخرِ: "المستدركِ " وقالَ: تفرد به أبو السمح، وقد ذكرتْ عدالتُه بنصِ الإمامِ يحيى بنِ معين، والحديثُ صحيحٌ ولم يخرِّجاه، وقالَ بعضُ الحفاظِ المتأخرين: هو حديثٌ منكرٌ، وعبدُ اللَهِ بنُ عياشٍ القتبانيُّ ضعَّفه أبو داودَ، وعندَ مسلم أنَه ثقةٌ، ودرَاج كثيرُ المناكيرِ، واللَّهُ أعلمُ.
قلتُ: رفْعُه منكرٌ جدًّا، ولعله موقوفٌ، وغلطَ بعضُهم فرفَعَه، وروى
стр. 80
عطاءُ بنُ يسارٍ عن كعب من قولِهِ نحوَ هذا الكلام أيضًا.
وعن عبدِ العزيز بن أبي روادٍ قالَ: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ تلا هذهِ الآيةَ: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) ، وعندهُ بعضُ أصحابِهِ وفيهم شيخٌ، فقالَ الشيخُ: يا رسولَ اللَّهِ حجارةُ جهنَّم كحجارةِ الدنيا؟
فقالَ النبيُّ ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنَّ صخرةً من صخرِ جهنَّم أعظمُ من
جبالِ الدنيا كلِّها" فوقعَ الشيخُ مغشيًّا عليه، فوضعَ النبي ﷺ يدَهُ على فؤادِهِ، فإذا هو حيٌّ فناداه قلْ: "لا إله إلا اللَهُ " فقالَهَا، فبشَّره بالجنةِ، فقالَ أصحابُهُ: يا رسولَ اللهِ أمِنْ بيننا؟ قالَ: "نعم، يقولُ الله ﵎: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) "
خرَّجه ابن أبي الدنيا.
* * *
قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مطَهَّرَةٌ)
وروى ابنُ جريرٍ في "تفسيره": نا يُونُسُ: نا ابنُ وهْبٍ، عنْ عبدِ
الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ، في قوله: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مطَهَّرَةٌ)
قال: المطهرةُ: التي لا تحيضُ، قالَ: وكذلكَ خُلقَتْ حواءُ ﵍ حتى عَصَتْ، فلما عصتْ قالَ اللَّهُ تعالى: "إني خلقْتُكِ مطهرةً، وسأدْميكِ كما أدْميتِ هذه الشجرة".
وقد استدلَّ البخاريُّ لذلكَ بعمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : "إن هذا شيءٌ كتبه اللَّهُ على بنات آدمَ "، وهو استدلالٌ ظاهرٌ حسنٌ، ونظيرُهُ: استدلالُ الحسنِ على
стр. 81
إبطال قول من قال: أوَّل من رأى الشَّيْبَ إبراهيمُ ﵇، بعمومِ قول
اللَّه : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) .
* * *
قوله تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)
قالَ اللَهُ تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .
وفُسرتْ إحاطةُ الخطيئةِ بالموتِ على الشركِ، وفسِّرتْ بالموتِ على الذنوبِ
الموجبةِ للنارِ من غيرِ توبةٍ منْهَا.
فكأنَّ ذنوبَهُ أحاطتْ به من جميع جهاتِهِ، فلم يبقَ لَهُ مَخلصٌ منها.
فالخطايا تُحيطُ بصاحبِهَا حتى تُهلكهُ، وقد ضربَ النبي ﷺ مثلَ الخطايَا التي يتلبَّسُ بها العبدُ بمثل درع ضيقةٍ يلبسُهَا، فتضيقُ عليهِ حتى تخنقَهُ، ولا تنفكَّ عنهُ إلا بعملِ الحسناتِ من توبةٍ أو غيرِهَا من الأعمال الصالحةِ، ففي "المسند"، عن عُقبةَ بن عامرٍ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قالَ: "إنَّ مثلَ الذي يعملُ السيئاتِ ثمَّ يعملُ الحسناتِ كمثلِ رجل كانتْ عليه درعٌ ضيقةٌ ثم خنقتْهُ، ثم عملَ حسنةً
فانفكتْ حلقة ثم عملَ حسنةً أخرى فانفكتْ حلقة أخرى حتى يخرجَ إلى الأرضِ ".
فلا يَخلُصُ العبدُ من ضيقِ الذنوبِ عليهِ وإحاطتِهَا بهِ، إلا بالتوبةِ والعملِ
الصالح.
стр. 82
كانَ بعضُ السلفِ يُردد هذينِ البيتينِ بالليلِ، ويبكِي بكاءً شديدًا شعر:
ابْكِ لذنبِكَ طولَ الليلِ مجتهدًا. . . إن البكاءَ معولُ الأحزانِ
لا تنسَ ذنبكَ في النهارِ وطولِهِ. . . إن الذنوبَ تحيطُ بالإنسانِ
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)
وقدْ دلَّ قولُهُ تعالى في حقَ اليهودِ: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، على أنَّ منْ كانَ
على حالةٍ حسنةٍ من الاستعدادِ للقاءِ اللَّهِ فإنَّه يتمنَّى لقاءَ اللَّهِ ويحبُّه، وأنَّه لا
يكرهُ ذلكَ إلا من هوَ مريبٌ في أمرِهِ. ولهذَا قالَ: (وَلَن يتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) ، ثم قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) ، فذمَّهم على حرصِهم على الحياةِ الدنيا.
وفي "مسندِ الإمام أحمدَ" عنِ النبيِّ ﷺ قالَ:
"لا يتَمَنّيَنَ الموْتَ إلا منْ وَثَقَ بعَمَلِهِ ".
وقد كان كثير من السلف الصالح يتمنونَ الموتَ شوقًا إلى لقاء اللَّه عزَّ
وجلَ. ً
стр. 83
قوله تعالى: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
مَن آثرَ المعصيةَ على الطَّاعةِ فإنَّما حملَهُ على ذلكَ جهلُهُ وظنُّه أنَّها تنفعُهُ
عاجلاً باستعجالِ لذَّتِها، وإن كانَ عندهُ إيمانٌ فهو يرجُو التخلُّصَ من سوءِ
عاقبَتِها بالتوبةِ في آخرِ عمرِهِ، وهذا جهلٌ محْضٌ، فإنَّه يتعجلُ الإثمَ
والخزي، ويفوته عزُّ التقوى وثوابُها ولذَّةُ الطاعة، وقد يتمكَّنُ من التوبةِ بعد
ذلك، وقد يعاجلُهُ الموتُ بغتةً، فهو كجائع أَكَلَ طعامًا مسمومًا لدفع جوعِهِ
الحاضر، ورجَا أن يتخلَّص من ضررِه بشُرِبِ الدِّرياق بعدَه، وهذا لا يفعلُه إلا جاهلٌ، وقد قالَ تعالَى في حقِّ الذين يؤثرون السحرَ: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) .
والمرادُ: أنَّهم آثرُوا السحرَ على التقوى والإيمانِ، لما رجُوا فيه من منافع
الدنيا المعجلة، مع علمهِم أنَّهم يفوتُهم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ
منهم، فإنَّهم لو علِمُوا لآثرُوا الإيمانَ والتقوى على ما عَداهُما، فكانُوا
يُحرِزون أجرَ الآخرةِ ويأمنونَ عقابها، ويتعجَّلون عزَّ التقوى في الدنيا، وربَّما
وصلُوا إلى ما يأمُلُونه في الدنيا أو إلى خير منه وأنفعُ، فإن أكثرَ ما يطلبُ
بالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمة أومكروهةٍ عند اللَّه .
والمؤمنُ المتقي يُعوِّضُه اللَّهُ في الدنيا خيرًا مما يطلبُه السَّاحرُ ويؤثرُه، مع
تعجيلهِ عِزَّ التَّقوى وشرفها، وثوابَ الآخرةِ وعُلُوَّ درجاتِهَا، فتبيَّنَ بهذا أنَ
إيثارَ المعصيةِ على الطاعةِ إنما يحملُ عليه الجهلُ، فلذلكَ كان كُل مَنْ عصى
стр. 84
اللَّهَ جاهلاً، وكُلُّ مَنْ أطاعَه عالمًا، وكفى بخشيةِ اللهِ علمًا، وبالاغترار به
جهلاً. وأما التوبةُ من قريبٍ فالجمهورُ على أنَّ المرادَ بها التوبةُ قبلَ الموتِ.
فالعمرُ كلُّه قريبٌ، والدنيا كلُّها قريبٌ. فمن تابَ قبل الموتِ فقد تابَ من
قريبٍ، ومن ماتَ ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كلَّ البُعد.
* * *
عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ﵁: أن رجلاَّ سَألَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المكتُوباتِ، وصُمْتُ رمضانَ، وأحْللْتُ الحلالَ، وحرَّمتُ الحرامَ، ولم أزِدْ على ذلك شيئًا، أأدخلُ الجنَّة؟ قال: "نعَمْ " رواه مسلم.
هذا الحديثُ: خرَّجه مسلمٌ من روايةِ أبي الزبيرِ عن جابرٍ، وزادَ في
آخر: قال: واللَّهِ لا أزيدُ على ذلكَ شيئًا. وخرَّجه - أيضًا - من روايةِ
الأعمشِ عن أبي صالح، وأبي سفيانَ عن جابرَ قالَ: قال النعمانُ بن قوقل: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبة، وحرمتُ الحرامَ، وأحللتُ الحلالَ ولم أزدْ على ذلكَ شيئًا أأدخُلُ الجنَّةَ؟
قال النبيُّ ﷺ : "نعم ".
وقد فسرَ بعضُهم تحليلَ الحلال باعتقادِ حلِّه، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمتِه
مع اجتنابِهِ، ويُحتملُ أن يرادَ بتحليلِ الحلالِ إتيانُه، ويكونُ الحلالُ ههنا عبارةً عمَّا ليس بحرامٍ، فيدخلُ فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ، ويكونُ المعنى أنَّه يفعلُ ما ليس بمحرَّمٍ عليه، ولا يتعدَّى ما أُبيحَ له إلى غيره، ويجتنبُ
المحرَّماتِ.
وقد رُوي عن طائفة من السلفِ، منهم ابنُ مسعود وابنُ عباس
في قولِهِ : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكًّ يَؤمنُونَ بِهِ)
стр. 85
قالُوا: يُحلِّونَ حلالَهُ ويحرّمون حرامَه، ولا يحرِّفونه عن مواضعِهِ.
والمرادُ بالتحليلِ والتحريمِ فعلُ الحلالِ واجتنابُ الحرامِ كما ذُكرَ في هذا
الحديثِ.
وقد قالَ اللَّه في حقّ الكفارِ الذينَ كانُوا يُغيّرونَ تحريمَ الشهورِ
الحُرُمِ: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) ، والمرادُ: أنَّهم كانُوا يُقاتِلونَ في الشهرِ الحرامِ عامًا، فيُحلونهُ بذلكَ، ويمتنعونَ من القتالِ فيه عامًا، فيحرِّمونَهُ بذلكَ.
وقالَ اللَّهُ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) ، وهذِهِ الآيةُ نزلتْ بسببِ قومِ امتنعوا من تناولِ بعضِ الطيباتِ زهدًا في
الدنيا وتقشفًا، وبعضُهم حرَّمَ ذلكَ عن نفسِهِ، إمَّا بيمينِ حَلَفَ بها، أو
بتحريمهِ على نفسِهِ، وذلكَ كلُّه لا يوجبُ تحريمَهُ في نفسِ الأمرِ، وبعضُهم
امتنعَ منه من غيرِ يمينٍ ولا تحريم، فسمَّى الجميعَ تحريمًا، حيثُ قصدَ الامتناعَ
منه إضرارًا بالنفسِ، وكفًّا لها عن شهواتِهَا. ويقالُ في الأمثالِ: فلان لا
يحلِّلُ ولا يحرِّمُ، إذا كان لا يمتنعُ من فعلِ حرامٍ، ولا يقفُ عندَ ما أُبيحَ له.
وإن كان يعتقدُ تحريمَ الحرامِ، فيجعلونَ من فعلَ الحرامَ ولم يتحاشَ منه مُحلِّلاً
له، وإن كانَ لا يعتقدُ حلَّه. وبكلّ حالٍ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أن من قامَ
بالواجباتِ، وانتهى عن المحرَّماتِ، دخلَ الجنَّةَ.
وقد تواترتِ الأحاديثُ عنِ النبيِّ ﷺ بهذا المعنى، أو ما هو قريب منه.
стр. 86
قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)
[قالَ البخاريُّ] : "بابُ: قولِ اللَّهِ : (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .
حديثُ عمرَ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ، قد خرَّجهُ البخاريُّ فيما بعد.
وسيأتي في موضعِهِ قريبًا - إن شاء اللَّه تعالَى.
[قالَ البخاريُّ] : حدَّثنا الحُميْديُّ: ثنا سفيانُ: ثنا عمْرُو بنُ دينارٍ، قالَ:
سألنا ابنَ عُمَرَ عن رجلٍ طافَ بالبيتِ العُمْرةَ، ولمْ يطفْ بيْنَ الصفا والمرْوةِ.
أيأتِي امرأتَه؟
فقالَ: قدِمَ النبيُّ ﷺ فطافَ بالبيْتِ سبْعًا، وصلَّى خلفَ المقامِ ركْعتينِ، وطافَ بيْنَ الصَّفا والمرْوةِ، وقدْ كانَ لكُمْ في رسولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حسنةٌ.
وسألنا جابرَ بنَ عبد اللَّه، فقالَ: لا يقْربنَّها حتَّى يطوف بيْن الصَّفا
والمروة.
مقصودُهُ من هذا الحديثِ هاهنا: أنَّ النبيَّ ﷺ لما اعتمرَ طافَ بالبيتِ وصلَّى خلف المقامِ ركعتينِ، وكذلك فَعلَ في حَجتِهِ - أيضًا.
وقد رَوى جابر أن النبيَّ ﷺ تلا هذهِ الآيةَ عندَ صلاتِهِ خلف المقامِ: (وَاتَّخِذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .
خرَّجه مسلمٌ.
وهذا كلُّه يدلّ على أنَّ المرادَ بمقامِ إبراهيمَ في الآيةِ: مقامُه المُسمَّى بذلكَ
стр. 87
عندَ البيتِ، وهوَ الحَجَرُ الذي كانَ فيه أثرُ قدمِه ﵇، وهذا قولُ كثيرٍ منَ المفسرينَ.
وقال كثير منهم: المرادُ بمقامِ إبراهيمَ: الحجُّ كلُّه.
وبعضُهم قالَ: الحرمُ كلُّه.
وبعضُهم قالَ: الوقوفُ بعرفةَ، ورميُ الجمارِ والطوافُ، وفسَّرُوا المصلَّى:
بالدعاءِ، وهو موضعُ الدعاءِ.
ورُوي هذا المعنى عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ وغيرِهِما.
وقد يُجْمعُ بين القولينِ، بأنْ يُقالَ: الصلاةُ خلفَ المقامِ المعروف داخل فيما
أُمِرَ به من الاقتداءِ بإبراهيمَ ﵇ مما في أفعالِهِ في مناسكِ الحجِّ كلِّها
واتخاذِهَا مواضعَ للدعاءِ وذكرِ اللَّهِ.
كما قالتْ عائشةُ - ورُوي مرفوعًا -: "إنَّما جُعِلَ الطوافُ بالبيتِ والسعيُ بينَ الصفا والمروةِ ورَمْيُ الجمارِ لإقامةِ ذِكْرِ اللهِ ".
خرَّجه أبو داودَ والترمذيُّ.
فدلالةُ الآيةِ على الصلاةِ خلفَ مقامِ إبراهيمَ ﵇ لا تُنافي دلالتَها
على الوقوفِ في جميع مواقفِه في الحجِّ لذكرِ اللَّهِ ودعائِهِ والابتهالِ إليهِ.
واللَّه أعلمُ.
وبكلِّ حالٍ؛ فالأمرُ باتخاذِ مقامِ إبراهيمَ مُصلًّى لا يدْخلُ فيه الصلاةُ إلى
البيتِ إلا أن تكونَ الآيةُ نزلتْ بعد الأمرِ باستقبالِهِ، وحديثُ عمر قد يُشرعُ
بذلك.
стр. 88
فيكون حينئذٍ مما أُمِرَ به من اتخاذ مقامِ إبراهيمَ مُصلًّى: استقبالُ البيتِ
الذي بناهُ في الصلاةِ إليه، كما كانَ إبراهيمُ يستقبلُهُ، وخصوصًا إذا كانتِ
الصلاةُ عندَهُ.
وعلى هذا التقديرِ يَظْهرُ وجهُ تبويبِ البخاريِّ على هذه الآية في "أبواب
استقبالِ القبلةِ"، وإلا ففيه قَلَقٌ. واللَّه أعلمُ.
* * *
[قالَ البخاريُّ] : حدَّثنا عمْرُو بْنُ عوْنٍ: ثنا هُشيْمٌ، عنْ حمُيدٍ، عنْ
أنسٍ، قالَ: قالَ عُمَرُ: وافقتُ ربي في ثلاثٍ: قُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، لو
اتَّخَذْنَا منْ مقامِ إبراهيمَ مُصلًّى، فنزلَتْ: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهيم مُصَلًّى)
، وآيةُ الحِجابِ، قُلتُ: يا رسولَ اللَّه، لوْ أمرتَ نساءَكَ أن
يحْتَجِبْنَ، فإنَه يُكَلِّمُهُن البَرُّ والفاجرُ، فنزلَتْ آيةُ الحِجابِ، واجْتَمعَ نساءُ النبيِّ ﷺ في الغيْرةِ عليْهِ، فقُلْتُ لهُن: (عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ) ، فنزلتْ هذهِ الآيةُ.
وقالَ ابنُ أبي مريمَ: أبنا يحيى بنُ أيوبَ: حدَّثني حُميدٌ، قالَ: سمعتُ
أنسًا - بهذا.
هذا الحديثُ مشهورٌ عن حميدٍ، عنْ أنسٍ، وقد خرَّجَهُ البخاريُّ - أيضًا -
في "التفسيرِ" من حديثِ يحيى بن سعيدٍ، عنْ حُميدٍ.
ورواه - أيضًا - يزيدُ بن زُرَيعْ وابن عُليَّةَ وابنُ أبي عدي وحماد بنُ سلمةَ
стр. 89
وغيرُهُم، عن حميدٍ، عنْ أنسٍ.
وإنَّما ذكرَ البخاريُّ روايةَ يحيى بنِ أيوبَ: حدثنى حميد، قالَ: سمعتُ
أنسًا؛ ليبينَ به أنَّ حميدًا سمعَهُ من أنس، فإنّ حميدًا يروي عن أنسٍ كثيرًا.
ورُوي عن حمادِ بنِ سلمةَ، أنَّه قالَ: أكثرُ حديثِ حميد لم يسمعْه من
أنسٍ، إنَما سمعه من ثابت، عنهُ.
ورُوي عن شعبةَ، أنه لم يسمعْ من أنسٍ إلا خمسةَ أحاديث.
وروي عنه، أنَّه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرينَ حديثًا.
وقد سبقَ القولُ في تسامح يحيى بنِ أيوبَ والمصريينَ والشاميينَ في لفظةِ:
"ثنا" -: كما قاله الإسماعيليُّ.
وقالَ عليٌّ بنُ المدينيُّ في هذا الحديثِ: هو من صحيح الحديثِ.
ولم يخرِّجْ مسلمٌ هذَا الحديثَ، إنَّما خرَّج من روايةِ سعيدِ بنِ عامرٍ.
عن جُويريةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن عُمرَ، قالَ: وافقتُ ربِّي في
ثلاثٍ: في الحجابِ، وفي أُسارَى بَدْرٍ، وفي مقامِ إبراهيمَ.
وقد أعلَّه الحافظُ أبو الفضلِ بنُ عمارٍ الشهيدُ ﵀ بأنَّه روي
عن سعيدِ بنِ عامرٍ، عن جُويريةَ، عن رجل، عن نافع، أنَّ عُمرَ قالَ:
وافقتُ ربي في ثلاث: فدخَلَ في إسنادِهِ رجلٌ مجهولٌ، وصار منقطعًا.
وروى ابنُ أبي حاتم من طريقِ عبدِ الوهابِ بنِ عطاءٍ، عن ابنِ جُريج،
стр. 90
عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه: سمعتُ جابرًا يُحدِّث عن حجةِ الوداع قالَ:
لما طافَ النبيُّ ﷺ قالَ له عُمرُ: هذا مقامُ إبراهيمَ؟ قالَ: "نعمَ "، قالَ: أفلا نتخذُهُ مُصلًّى؛ فأنزلَ اللَّهُ (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .
وهذا غريب، وهو يدلُّ على أنَّ هذا القولَ كانَ في حجةِ الوداع، وأنَّ
الآيةَ نزلتْ بعد ذلكَ، وهو بعيدٌ جدًّا، وعبدُ الوهابِ ليسَ بذاك المتقنِ.
وقد خالفَهُ الحفاظُ، فرووا في حديثِ حجةِ الوداع الطويلِ، عن جعفرِ بنِ
محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أتى إلى المقامِ، وقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِن مقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) ، ثم صلَّى ركعتينِ، والمقامُ بينه وبينَ البيتِ.
وروى الوليدُ بنُ مسلم، عنْ مالكٍ، عن جعفرٍ، عن أبيهِ، عن جابرٍ.
قالَ: لمَّا وقفَ النبيُّ ﷺ يومَ فتح مكةَ عندَ مقامِ إبراهيمَ، قالَ له عُمَرُ: يا رسول اللهِ، هذا مقامُ إبراهيمَ الذي قالَ اللَهُ: (وَاتَخِذُوا مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) ؟ قال: "نعَمْ ".
قال الوليدُ: قلتُ لمالكٍ: هكذا حدَّثك؟
قال: نعَمْ.
وقد خرَّجه النسائي بمعناه.
والوليدُ كثيرُ الخطأِ -: قاله أبو حاتمٍ وأبو داودَ وغيرُهُما.
وذكر فتح مكةَ فيه غريب أو وهْمٌ، فإنَّ هذا قطعةٌ من حديثِ جابرٍ في
حجةِ الوداع.
стр. 91
وقد رُويَ حديثُ أنسٍ، عن عُمرَ من وجهٍ آخر:
خرَّجه أبو داودُ الطيالسيُّ: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ: ثنا علي بن زيدٍ، عن
أنسٍ، قالَ: قالَ عمرُ: وافقتُ ربِّي في أربع - فذكرَ الخصالَ الثلاثَ المذكورةَ في حديثِ حميدٍ، إلا أنَّه قال في الحِجابِ: فأنزلَ اللَّهُ: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، قال: ونزلتْ هذه الآيةُ: (ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ) ، فلما نزلتْ قلتُ أنا: تباركَ اللَّهُ
أحسنُ الخالقينَ، فنزلَ: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) .
وقولُ عُمرَ: "وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ "، ليسَ بصيغةِ حصرٍ، فقدْ وافقَ في
أكثرَ من هذه الخصالِ الثلاثِ والأربع.
ومما وافقَ فيه القرآنَ قبلَ نزولهِ: النهيُّ عن الصلاةِ على المنافقينَ.
وقولُهُ لليهودِ: من كانَ عدوًّا لجبريلَ، فنزلتِ الآيةُ.
وقولُهُ للنبي ﷺ لما اعتزل نساءَه ووَجَدَ عليهنَّ:
يا رسولَ اللَّهِ، إنْ كنتَ طلقتَهَنَّ، فإن اللَّه معكَ وملائكتَه وجبريلَ وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنونَ معك.
قالَ عمرُ: وقلَّ ما تكلمتُ - وأحمدُ اللَّهَ - بكلامٍ إلا رجوتُ أن يكونَ
اللَّه يصدِّقُ قولِي الذي أقولُ، فنزلتْ آيةُ التخييرِ: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) .
وقد خرَّج هذا الأخيرَ مسلمٌ من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن عمرَ.
وأما موافقتُهُ في النهيِّ عنِ الصلاةِ على المنافقينَ، فمخرَّجٌ في
стр. 92
"الصحيحينِ " من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن عُمرَ - أيضًا.
وأما موامفقتُهُ في قولِهِ: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ) ، فرواه: أبو
جعفرٍ الرازيُّ، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عن عُمرَ.
ورواه: داودُ، عن الشعبيِّ، عن عمرَ، هما منقطعانِ.
وقد رُوي موافقته في خصالٍ أخَرَ، وقد عدَّ الحافظُ أبو موسى المدينيُّ من
ذلك اثنتي عشرةَ خصلةً.
وتخريجُ البخاريِّ لهذا الحديثِ في هذا البابِ: يدلّ على أنه فسر قولَهُ
تعالَى: (وَاتَخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) ، بالأمرِ بالصلاةِ إلى البيتِ
الذي بناهُ إبراهيمُ، وهو الكعبةُ، والأكثرونَ على خلاف ذلكَ، كما سبقَ
ذكرُه.
* * *
قوله تعالى: (وَمَا كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)
خرَّج البخاريُّ ومسلم: من حديثِ: أبي إسحاقَ، عن البراءِ، أنَّ
النبيَّ ﷺ كانَ أولَ ما قدِمَ المدينةَ نزَلَ على أجْدادِهِ - أوْ قالَ: أخوالِهِ - من الأنْصارِ، وأنَّه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقْدسِ ستَّةَ عشرَ شهرًا - أوْ سبعة عشر شهْرًا - وكان يُعجبُهُ أنْ تكونَ قبْلَتُهُ قِبَلَ البيت، وأنَّه صلَّى أوَّل صلاة صلاَّها صلاةَ العصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرجَ رجل ممَّنْ صلَّى معه، فمرَّ على أهْلِ مسجدٍ وهُمْ راكعُونَ، فقال: أشْهَدُ باللَّه، لقدْ صلَّيْتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ قبَلَ مكَّةَ،
стр. 93
فدارُوا كما هُمْ قِبَلَ البيْتِ.
وكانتِ اليهودُ قد أعْجبَهُم إذْ كانَ يُصلِّي قِبلَ بيتِ المقدسِ.
وأهلُ الكتابِ، فلمَّا ولَّى وجهه قبل البيتِ، أنكروا ذلك.
قال زُهيْر: ثنا أبو إسحاقَ، عنِ البراءِ - في حديثِهِ هذا - أنَّه ماتَ على
القبْلةِ قبْلَ أن تُحوَّل رجالٌ وقُتِلُوا، فلم نَدْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللَّه تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) .
قالَ البخاريُّ: يعنِي: صلاتَكُمْ.
وبوَّبَ على هذا الحديثِ: "بابُ: الصلاةِ منَ الإيمانِ ".
والأنصارُ للنبيِّ ﷺ فيهم نسب؛ فإنَهم أجدادُه وأخوالُه من جهةِ جدِّ أبيه هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ، فإنه تزوَّج بالمدينة امرأةً من بني عديِّ بنِ النجارِ، يُقالُ لها: سلمَى، فولدتْ له ابنَه عبدَ المطلبِ، وفي رأسِهِ شيبة، فسمِّي شيبةً.
وذكرَ ابنُ قتيبةَ: أن اسمَهُ عامر، والصحيحُ: أن اسمَه شيبة.
وإنَّما قيل له: عبدُ المطلب؛ لأنَّ عمَّه المطلبَ بنَ عبدِ مناف قدمَ به منَ
المدينةِ إلى مكة، فقالتْ قريش: هذا عبدُ المطلبِ، فقالَ: ويحكُم، إنَّما هو
ابنُ أخي شيبةُ بنُ عمرو، وهاشم اسمُه عمْرو.
ففي حديث البراءِ هذا: أنَّ النبيَّ ﷺ لما قدِمَ المدينةَ نزلَ على اجدادِهِ - أو قالَ: أخوالِهِ - منَ الأنصارِ.
وظاهرُهُ: يدلُّ على أنَه نزلَ على بني النجار؛ لأنَّهم هُمْ أخوالُه وأجدادُه.
وإنما أرادَ البراءُ جنسَ الأنصارِ دونَ خصوصِ بني النجارِ.
وقد خرَّج البخاريُ في "كتاب الصلاةِ" و"أبواب الهجرةِ" من حديثِ
.
стр. 94
أنسٍ، أنَّ النبيِّ ﷺ لما قدِمَ المدينةَ نزلَ في علوِ المدينة، في حيٍّ يقالَ لهمْ: بنُو عمْرو بنِ عوفٍ، فأقامَ فيهم أربعَ عشرة ليلةً، ثم أرسلَ إلى ملإِ بني النجارِ، فجاءُوا متقلِّدينَ سيوفهم.
قال: وكأني أنظر إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ على راحلتِهِ
وأبو بكرٍ ردفَه وملأُ بني النجارِ حولَهُ، حتى ألقى بفناءِ أبي أيوبَ - وذكرَ
الحديثَ.
وخرَّج - أيضًا - معنى ذلك، من حديث الزهريِّ، عن عروةَ بنِ
الزبيرِ.
وأما ما ذكرَهُ البراءُ في حديثِهِ: أنَّ النبي ﷺ صلَّى بالمدينةِ قِبَلَ بيت المقدسِ ستةَ عشرَ - أو سبعة عشرَ - شهرًا، فهذا شكّ منه في مقدارِ المدة.
ورُوي عن ابنِ عباسٍ، أنَ مدةَ صلاتِهِ بالمدينةِ إلى بيتِ المقدسِ كانت ستةَ
عشرَ شهرًا.
خرَّجه أبو داودَ.
وخرَّج - أيضًا - من حديثِ معاذٍ، أنَّ مدةَ ذلك كانَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
وروَى كثيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُزنيّ - وهو ضعيفٌ -، عن أبيه، عن جدِّهِ عمرِو
ابنِ عوف، قالَ: كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ قدِمَ المدينةَ، فصلَّى نحو بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا.
стр. 95
وقالَ سعيدُ بن المسيبِ: صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ نحوَ بيت المقدسِ تسعةَ عشرَ شهرًا، ثم حُوِّلتِ القبلةُ بعدَ ذلكَ قِبَلَ المسجدِ الحرامِ، قبْلَ بدرٍ بشهرينِ.
ورواه بعضهم، عن سعيد، عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ.
والحفاظُ يروْن، أنَّه لا يصحُ ذكرُ: "سعدِ بنِ أبي وقاصٍ " فيه.
وقيلَ: عن سعيدِ بنِ المسيبِ - في هذا الحديثِ -: ستة عشرَ شهرًا.
وكذا قالَ محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ وقتادةُ وابنُ زيدٍ، وغيرُهُم: إنَّ
مدةَ صلاتِهِ إلى بيتِ المقدسِ كانتْ ستة عشرَ شهرًا.
وقالَ الواقديُّ: الثبتُ عندنا أنَّ القبلةَ حُوِّلتْ إلى الكعبةِ يوم الاثنينِ.
للنصفِ من رجبٍ، على رأسِ سبعةَ عشرَ شهرًا.
وعن السُّدِّيِّ، أنَّ ذلكَ كانَ على رأسِ ثمانيةَ عشرَ شهرًا.
وقيلَ: كانَ بعدَ خمسةَ عشرَ شهرًا ونصف.
ولا خلافَ أنَّ ذلك كانَ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ، لكن اختلفوا في أيِّ
شهرٍ كانَ؛ فقيلَ: في رجبٍ، كما تقدمَ، وحُكي ذلك عن الجمهورِ، منهم: ابنُ إسحاقَ.
وقيلَ: في يومِ الثلاثاءِ نصفَ شعبانَ، وحُكيَ عن قتادةَ، واختارَه محمدُ
стр. 96
ابنُ حبيبٍ الهاشميُّ وغيرُهُ.
وقيلَ: بل كانَ في جُمادى الأولِ، وحُكيَ عن إبراهيمَ الحربيَ، ورواه
الزهريُّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ.
وقولُهُ: "وكان يعجبُه - يعني: النبيَّ ﷺ أن تكونَ قبلتُه قبلَ البيتِ " -
يعني: الكعبةَ.
هذا؛ يشهدُ له قولُ اللَّه تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
وروى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ:
لما هاجرَ النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، وكانَ أكثرَ أهلِهَا اليهودُ، أمرَهُ اللَّهُ أنْ يستقبلَ بيتَ المقدسِ، ففرحتِ اليهودُ، فاستقبلَها رسولُ اللَّهِ ﷺ بضعةَ عشر شهرًا، فكانَ رسولُ اللَّه ﷺ يحبُ قبلة إبراهيمَ، فكانَ يدعو وينظرُ إلى السماءِ.
فأنزلَ اللَّهُ: (قَذ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) الآية.
وقالَ مجاهد: إنَّما كان يحبُّ أنْ يُحوَّل إلى الكعبة، لأنَّ يهودَ قالُوا:
يخالفُنا محمد ويتبعُ قبلَتنا.
وقالَ ابنُ زيد: لمَّا لْزلَ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) .
قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هؤلاءِ قومُ يهود يستقبلون بينًا من بيوت اللَّهِ - لبيتِ المقدسِ - لو أئا استقبلناه "، فاستقبلَه النبيُّ ﷺ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلغَه أن اليهود تقولُ:
واللهِ، ما درى محمد وأصحابُهُ أين قبلتُهُم حتَّى هديناهم، فكرهَ ذلك النبيُّ
ﷺ ورفع وجهَه إلى السماءِ، فنزلتْ هذه الآية ُ: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) .
стр. 97
ويشهدُ لهذا: ما في حديثِ البراءِ: "وكانتِ اليهودُ قد أعجبَهم إذْ كان
يصلِّي قِبلَ بيتِ المقدسِ وأهلُ الكتابِ - يعني: من غيرِ اليهودِ، وهُم
النصارَى - فلمَّا ولَّى وجهَه قِبلَ البيتِ أنكرُوا ذلك ".
وقد اختلفَ الناسُ: هل كانَ النبيُّ ﷺ بمكةَ قبلَ هجرتِهِ يصلِّي إلى بيتِ المقدسِ، أو إلى الكعبة؟
فرُوي عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كانَ يصلِّي بمكةَ نحوَ بيتِ المقدسِ، والكعبةُ بينَ
يديه.
خرَّجه الإمام أحمدُ.
وقال ابنُ جُرَيج: صلَّى أول ما صلَّى إلى الكعبةِ، ثم صُرِفَ إلى بيتِ
المقدسِ، وهو بمكةَ، فصلَّتِ الأنصارُ قبْلَ قدومِهِ ﷺ إلى بيتِ المقدسِ ثلاثَ حجج، وصلَّى بعد قدومِهِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّههُ اللَّهُ إلى البيت الحرامِ.
وقال قتادةُ: صلتِ الأنصارُ قبلَ قدومِهِ ﷺ المدينةَ نحوَ بيتِ المقدسِ حولينِ.
واستدل من قال: إنَّما صلَّى النبيُّ ﷺ إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، فدل على أنَّه لم يصلِّ إليه غيرَ هذهِ المدة.
ولكن قد يقال: إنَّه إنَّما أرادَ بعدَ الهجرةِ.
стр. 98
ويدلُّ عليه - أيضًا -: أن جبريلَ صلَّى بالنبيِّ ﷺ أولَ ما فُرضتِ الصلاةُ عند بابِ البيتِ، والمصلِّي عند بابِ البيتِ لا يستقبلُ بيتَ المقدس، إلا أن ينحرفَ عن الكعبةِ بالكليَّة ِ، ويجعلُها عن شمالِهِ، ولم ينقلْ هذا أحد [] .
وهؤلاءِ" منهم مَن قال: ذلكَ كانَ باجتهادٍ منه لا بوحي، كما تقدمَ عن
ابنِ زيدٍ.
وكذا قالَ أبو العاليةَ: إنَّه صلَّى إلى بيتِ المقدسِ يتألفُ أهلَ الكتابِ.
وفي "صحيح الحاكم " عن ابنِ جريج، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ:
(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) ، فاستقبل رسولُ
اللَّه ﷺ ، فصلَّى نحوَ بيت المقدسِ.
وتركَ البيتَ العتيقَ، فقالَ الله تعالى:
(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) .
يعنونَ: بيتَ المقدسِ، فنسخَها اللَّهُ وصرفَه إلى بيتِ العتيقِ.
وقال: صحيح على شرطِهِما.
وليس كما قال " فإنَّ عطاءً هذا هو الخُراسانيُّ، ولم يلقَ ابنَ عامرٍ.
كذا وقعَ مصرَحًا بنسبَتِهِ في "كتاب الناسخ والمنسوخ " لأبي عبيدٍ، ولابنِ
أبي داودَ، وغيرِهِما.
وقولُ البراءِ: "وكانَ أول صلاة صلاها العصرَ".
يعني: إلى الكعبةِ، بعدَ الهجرةِ.
وقد رُوي عن عمارةَ بنِ أوسٍ - وكانَ قد صلَّى القبلتينِ -، قالَ: كنَّا في
стр. 99
إحدى صلاتَي العشيِّ ونحنُ نصلِّي إلى بيت المقدسِ، وقد قضيْنَا بعضَ
الصلاةِ، إذْ نادى منادٍ بالبابِ: إنَّ القبلةَ قد حُوّلتْ، فأشهدُ على إمامِنا أنَّه
تحرَف.
خرَّجه الأثرمُ وغيرُهُ.
وخرَّج الأثرمُ وابنُ أبي حاتمٍ من حديثِ تُوَيْلة بنت أسلمَ، قالت:
صليتُ الظهرَ - أو العصرَ - في مسجدِ بني حارثةَ، فاستقبلْنَا مسجدَ إيلياءَ.
فصليْنَا سجدتينِ، ثمَّ جاءنا مَن يخبرُنا أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قد استقبلَ البيتَ الحرامَ، فتحوَّل النساءُ مكانَ الرجال، والرجال مكانَ النساء، فصَلَّيْنَا السجدتينِ الباقيتينِ، ونحنُ مستقبلو البيتِ الحرامِ.
وقد رُوي أن هذه الصلاةَ كانتْ صلاةَ الفجرِ.
ففي "الصحيحينِ " عن ابنِ عمرَ، قال: بينَا الناسُ بقباءَ في صلاةِ
الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قدْ أُنزل عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يستقبلَ الكعبة، فاسْتَقْبِلُوها، وكانتْ وجوهُهُم إلى الشامِ، فاستدارُوا إلى الكعبة.
وخرَّج مسلمٌ - معناه - من حديث أنس - أيضًا.
стр. 100
وقد قيلَ - في الجمع بينَ الأحاديثِ -: إنَّ التحويلَ كان في صلاةِ العصرِ.
ولم يبلغْ أهلَ قباءَ إلا في صلاةِ الصبح.
وفيه نظرٌ.
وقيلَ: إنَّ تلكَ الصلاةَ كانتِ الظهرَ.
وقد خرَّجه النسائيُّ فى "تفسيرِه " من حديث أبى سعيد بن المعلَّى، عن
النبيِّ ﷺ
ورُوي عن مجاهدٍ.
وحديثُ البراءِ: يدل على أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى صلاةَ العصرِ كلَّها إلى الكعبةِ، وأنَّ الذين صلَّوْا إلى بيتِ المقدسِ ثمَّ استدارُوا إلى الكعبةِ هُم قومٌ كانوا في مسجد لهمْ، وراءَ إمامٍ لهم، وفي حديثِ ابنِ عمرَ: أنَّهم أهلُ مسجدِ قباءَ، وفي حديثِ تويلة: مسجدِ بني حارثةَ.
وقد رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ ومَن صلَّى معه هم الذينَ استدارُوا في صلاتهم، وأنَّ الكعبة حُوّلتْ في أثناءِ صلاتِهِم.
وقد رُوي نحوُه عن مجاهدٍ وغيره.
وقد ذكرَ ابنُ سعدٍ في "كتابِهِ "، قال: يقالُ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صلى ركعتين من الظهرِ في المسجدِ بالمسلمين، ثم أُمِرَ أن يتوجهَ إلى المسجد الحرامِ، واستدارَ إليه ودارَ معه المسلمون، ويقال: بل زارَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أمًّ بشرِ بنِ البراءِ بنِ معرور
стр. 101
في بني سلمةَ، فصنعتْ لهم طعامًا، وكانت الظهرُ، فصلَّى
رسولُ اللَّهِ ﷺ بأصحابِهِ ركعتينِ، ثم أُمِرَ أنْ يوجه إلى الكعبةِ، فاستدارَ إلى الكعبةِ، واستقبلَ الميزابَ، فسُمِّي المسجدُ مسجدَ القبلتينِ.
وحَكَى عن الواقديّ، أنَّه قال: هذا الثبتُ عندنا.
وروى أبو مالكٍ النخَعيُّ عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، عن
عمارةَ بنِ رُويبةَ، قال: كُنَّا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في إحدى صلاتَي العشيِّ، حينَ صُرِفتِ القبلةُ، فدارَ النبيُّ ﷺ ودُرْنَا معه في ركعتينِ.
خرَّجه ابنُ أبي داود.
وأبو مالكٍ، ضعيف جدًّا.
والصوابُ: روايةُ قيسِ بنِ الربيع، عن زيادِ بنِ علاقةَ، عن عمارةَ بنِ
أوسٍ، وقد سبق لفظُه.
ورَوى عثمانُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أنسُ بنُ مالكٍ، قالَ: انصرفَ رسولُ اللَّهِ
ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ وهو يصلِّي الظهرَ، وانصرفَ بوجهه إلى القبلةِ.
خرَّجه البزارُ وغيرُهُ.
وعثمانُ هذا، تُكُلِّمَ فيه.
وخرَّج الطبرانيّ من روايةِ عمارةَ بنِ زاذانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ،
стр. 102
قال: صُرفَ النبيُّ ﷺ عن القبلةِ وهم في الصلاةِ، فانحرفُوا في ركوعِهم.
وعمارةُ، ليسَ بالقويِّ.
وخالفَه حماد بنُ سلمةَ، فروى عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ كانَ يصلِّي نحوَ بيتِ المقدسِ، فنزلتْ: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) الآيةَ، فمرَّ رجلٌ من بني سلمةَ وهم ركوع في صلاةِ الفجرِ، فنادَى: ألا إنَّ القبلةَ قد حُوِّلت، فمالُوا كما هُمْ نحوَ القبلةِ.
خرَّجه مسلمٌ.
وهذا هو الصحيحُ.
فإنْ كانَ التحويلُ قد وقعَ في أثناءِ الصلاةِ، وقد بنى النبيُّ ﷺ على ما مضى من صلاتِه إلى بيت المقدسِ؛ استدلَّ بذلكَ على أنَّ الحكمَ إذا تَحوَلَ المصلِّي في أثناء صلاتِهِ انتقلَ ما تحوَّل إليه، وبنى على ما مضى من صلاته.
فيدخلُ في ذلكَ الأَمَةُ إذا أُعتِقَتْ في صلاتِها وهي مكشوفةُ الرأسِ.
والسترة قريبةٌ، والمتيممُ إذا وجدَ الماءَ في صلاتِهِ قريبًا، وقدرَ على الطهارةِ بهِ، والمريضُ إذا صلَّى بعضَ صلاتِهِ قاعدًا، ثم قدرَ على القيامِ.
وإنْ كانَ التحويلُ وقعَ قبلَ صلاةِ النبيِّ ﷺ بأصحابِهِ، ولكن لم يبلغْ غيرَهم إلا في أثناءِ صلاتِهِم فبنَوْا؛ استدلَّ به على أن من دخلَ في صلاتِه باجتهادٍ سائغ إلى جهةٍ، ثمَّ تبينَ لهُ الخطأُ في أثناءِ الصلاةِ، أنَّه ينتقل ويبني.
ويستدلُّ به على أنَّ حكمَ الخطابِ لا يتعلقُ بالمكلفِ قبلَ بلوغِهِ إياه.
стр. 103
ويستدلُّ بهِ - على التَّقْديرَينِ - على قبولِ خبرِ الواحدِ الثقةِ في أمورِ
الدياناتِ، مع إمكانِ السماع منَ الرسولِ ﷺ بغيرِ واسطةٍ، فمع تعذرِ ذلكَ أولَى وأحرى.
وما يقالُ من أنَّ هذا يلزمُ منه نسخُ المتواترِ - وهو الصلاةُ إلى بيتِ
المقدسِ - بخبرِ الواحدِ، فالتحقيقُ في جوابِهِ: أنَّ خبرَ الواحدِ يفيدُ العلمَ إذا
احتفتْ بهِ القرائنُ، فنداءُ صحابيًّ في الطرقِ والأسواقِ بحيثُ يسمعُهُ
المسلمونَ كلُّهم بالمدينةِ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ بها موجود لا يتداخل مَن سمِعَه شكّ فيه أنَّه صادق فيما يقولُهُ وينادي به. واللَّهُ أعلم.
وقولُ البراءِ: "إنَّه ماتَ على القبلةِ قبلَ أن تُحوَّل رجالٌ وقُتِلُوا، فلم ندرِ ما
نقولُ فيهم، فأنزلَ اللَّهُ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيعَ إِيمَانَكمْ) ".
فهذا خرَّجه مسلمٌ من طريقِ إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عنِ البراءِ -
أيضًا.
ورواه شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ - موقوفًا - في قولِهِ تعالى:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ، قالَ: صلاتكم إلى بيتِ المقدسِ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ - وصحَّحه - من حديثِ
سماكٍ، عن عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ إلى الكعبةِ، قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، كيفَ بإخوانِنا الذَيْنَ ماتُوا وهُم يصلونَ إلى بيتِ
стр. 104
المقدسِ؛ فأنزل اللَّهُ : (وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) الآية.
قالَ عبيدُ اللَّه بنُ موسى: هذا الحديثُ يخبرُكَ أن الصلاةَ من الإيمانِ.
وهذا هو الذي بوَّبَ عليه البخاريُّ في هذا الموضع؛ ولأجلهِ ساقَ حديثَ
البراءِ فيه.
وكذلك استدلَّ به ابنُ عيينةَ وغيرُهُ من العلماءِ على أنَّ الصلاةَ من الإيمانِ.
وممَّن رُويَ عنه أنَّه فسَّر هذه الآيةَ بالصلاةِ إلى بيتِ المقدسِ: ابنُ عباسٍ
من روايةِ العوفيِّ، عنه - وسعيدُ بنُ المسيبِ، وابنُ زيدٍ، والسُّدِّيُّ
وغيرُهُم.
وقال قتادةُ والربيعُ بنُ أنسٍ: نزلتْ هذه الآية ُ لمَّا قالَ قومٌ من المسلمينَ:
كيف بأعمالِنا التي كنا نعملُ في قبلتنا الأولى؟
وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بها الصلاةُ أيضًا؛ لأنَّها هي التى تختصُّ بالقبلة
من بينِ الأعمال، ولم يذكرْ أكثرُ المفسرينَ في هذا خلافًا، وأنَّ المرادَ بالإيمانِ
ها هنا الصلاةُ، فإنَّها عَلمُ الإيمانِ وأعظمُ خصالِهِ البدنيةِ.
وروى ابنُ إسحاقَ: حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عكرمة أو سعيدِ
ابنِ جبير -، عن ابنِ عباسٍ: (وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) .
стр. 105
قال: أيْ: بالقبلةِ الأولى، وتصديقِكم نبيَّكم، واتِّباعه إلى الآخرةِ، أيْ: ليعطينَكم أجرَهما جميعًا، (إِنَّ اللهَ بِالناسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ) .
وعنِ الحسنِ في هذه الآيةِ، قالَ: ما كانَ اللَّهُ ليضيعَ محمدًا ﷺ وانصرافَكم معه حيثُ انصرفَ، (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ) .
وهذا القولُ: يدلُّ على أنَّ المرادَ بالإيمانِ التصديقُ مع الانقياد، الاتباعُ
المتعلقُ بالقبلتينِ معاً، فيدخلُ في ذلكَ الصلاةُ - أيضًا.
* * *
قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ - كلاهُما - عن النبيِّ
ﷺ ، قال: "إنَّ لأهلِ ذكرِ اللَّهِ أربعا: تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ، وتحفُّ بهم الملائكةُ، ويذكرُهُم الرَّبُّ فيمن عندَهُ".
وقد قالَ اللَّهُ : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) ، وذِكْرُ اللَّهِ
لعبدِهِ: هو ثناؤهُ عليهِ في الملإِ الأعلَى بين الملائكةِ ومباهاتُهُم به وتنويهُهُ
بذكره.
قال الربيعُ بنُ أنسٍ: إنَّ اللَّهَ ذاكر مَنْ ذكرهُ، وزائد مَنْ شكَرَهُ، ومعذِّب من
كفره.
وقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .
стр. 106
وصلاةُ اللَّهِ على العبدِ: هو ثناؤهُ عليهِ بين ملائكته.
وتنويههُ بذكر، كذا قالَ أبو العاليةَ، ذكرهُ البخاريُّ في "صحيحِهِ ".
وقالَ رجل لأبي أمامةَ: رأيتُ في المنامِ كأن الملائكةَ تُصلّي عليكَ كلَّما
دخلتَ، وكلَّما خرجتَ، وكلَّما قمتَ، وكلَّما جلستَ، فقالَ أبو أمامةَ:
وأنتم لو شئتم صلَّت عليكم الملائكةُ، ثم قرأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ) .
* * *
قالَ تعالى: (وَاشْكرُوا لِي وَلا تَكْفُرونِ) ، وقال: (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) .
والشكرُ بالقلب واللسانِ، والعملُ بالجوارح؛ فالشكرُ بالقلبِ: الاعترافُ
بالنعم للمنعم، وأَنها منه وبفضلِهِ.
وجاءَ من حديثِ عائشةَ مرفوعًا: "ما أنعمَ اللَّهُ على عبد نعمةً فعلمَ أنَّها من عندِ اللَّهِ إلا كتبَ اللَهُ له شكرَهَا".
ومن الشكر بالقلبِ: محبةُ اللهِ على نعمِهِ، ومنه حديثُ ابنِ عباسٍ
المرفوعُ: "أحبوا اللَّهَ لما يغذوكُم به من نعمِهِ ".
قالَ بعضُهم: إذا كانتِ القلوبُ جبلتْ على حبِّ من أحسنَ إليهَا
فواعجبًا لمنْ لا يَرى محسِنًا إلا اللَّه! كيف لا يميلُ بكلِّيته إليه! وقالَ بعضُهم:
стр. 107
إذا أنتَ لم تَزْددْ على كلِّ نعمة. . . لمؤتِيكَهَا حبًّا فلستَ بشَاكرٍ
إذا أنتَ لم تؤثرْ رِضا اللهِ وحدَهُ. . . على كلِّ ما تهْوَى فلستَ بصَابرٍ
والشكرُ باللسانِ: الثناءُ بالنعم وذكرُها وتعدادُها، وإظهارُهَا، قالَ اللَّهُ
تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) . وفي حديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ
المرفوع: "التحدثُ بالنعم شكر وتركُها كفر".
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: "ذكرُ النعم شكرُها".
وكانَ يقولُ في دعائِهِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ أن أُبدلَ
نعمتَكَ كُفرًا، وأن أكفرَهَا بعد معرفتِهَا أو أنسَاهَا فلا أُثنِي بهَا".
قال فضيلٌ: "كانَ يُقال: مِن شكرِ النعمةِ أن تحدِّثَ بهَا"
وجلسَ ليلةً هو وابنُ عيينةَ يتذاكرنِ النعمَ إلى الصباح.
والشكرُ بالجوارح: أن لا يستعانَ بالنعم إلا على طاعةِ اللَّهِ ، وأن
يحذرَ من استعمالِهَا في شيءٍ من معاصِيه؛ قالَ تعالَى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ
شكْرًا) .
قال بعضُ السلف: "لما قيلَ لهم هذا؛ لم تأتِ عليهم ساعةٌ
إلا وفيهم مُصَلٍّ.
وكانَ النبيُّ ﷺ يقومُ حتى تتورمَ قدماهُ.
وقالَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا".
ومرَّ ابنُ المنكدرِ بشابٍ يقاومُ امرأةً، فقالَ: "يا بنيَّ ما هذا جزاء نعمةِ اللَّهِ
عليكَ ".
العجبُ ممَّنْ يعلمُ أنَّ كلَّ ما بِهِ من النعم من اللَّهِ ثمَّ لا يستحيي من
الاستعانةِ بها على ارتكابِ ما نهاهُ.
стр. 108
هبِ البعثَ لم تأتِنا رسلُهُ. . . وجَاحِمَةُ الجحيم لم تُضرَمِ
أليسَ من الواجبِ المسْتَحِقِّ. . . حياءُ العبادِ من المُنعِمِ
وحافظْ عليها بشكرِ الإلهِ. . . فشكرُ الإله يزيلُ النقمِ
دخلَ خالدُ بنُ صفوانَ على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقالً: يا أميرَ المؤمنينَ.
إنَّ اللَّهَ لم يرضَ أن يكونَ أحدٌ فوقك، فلا ترضَ أن يكونَ أحدٌ أولى بالشكر
له منكَ. فبكى عمرُحتى غُشِيَ عليهِ.
* * *
قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
الرِّضا فضلٌ مندوبٌ إليه، مستحبٌّ، والصبرُ واجبٌ على المؤمنِ حتمٌ.
وفي الصَّبرِ خيرٌ كثيرٌ، فإنَّ اللَّه أمرَ به، ووعدَ عليه جزيلَ الأجرِ.
قال اللَّهُ : (إِنَّمَا يُوَفَى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) .
وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) .
قال الحسنُ: الرِّضا عزيزٌ، ولكنَّ الصبر معولُ المؤمنِ.
والفرقُ بين الرِّضا والصبرِ: أن الصَّبرَ: كفُّ النَّفس وحبسُها عن
التسخطِ مع وجودِ الألم، وتمنِّي زوالِ ذلكَ، وكفُّ الجوارح عن العملِ
: بمقتضَى الجزع، والرِّضا: انشراحُ الصدرِ وسعتُهُ بالقضاءِ، وترك تمنَي زوالِ ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسَ بالألمِ، لكنَّ الرِّضا يخفِّفُه، لما يباشر
стр. 109
القلبَ من رَوح اليقينِ والمعرفةِ، وإذا قوِيَ الرِّضا، فقد يزيلُ الإحساسَ بالألم
بالكليّة.
كان العقلاءُ في عهد النبيِّ ﷺ إذا سمعُوا كلامَهُ وما يدعُو إليه، عرفُوا أنَّه صادقٌ، وأنَه جاء بالحقًّ، وإذا سمعُوا كلامَ مسيلمةَ، عرفُوا أنَه كاذبٌ، وأنَّ هجاءَ بالباطلِ، وقد رُويَ أن عمرَو بنَ العاصِ سمعُهُ قبلَ إسلامِهِ يدَّعي أنَّه أنزلَ عليه: يا وَبْرُ يا وَبْر، لَكِ أذنانِ وصَدْرُ، وإنَّك لتعلمُ يا عمرُو، فقالَ:
واللَّه إني لأعلم أنك: تكْذِبُ.
وقال بعضُ المتقدمينُ: صوِّرْ ما شئتَ في قلبِكَ، وتفكَّر فيهِ، ثم قِسه إلى
ضدِّه، فإنَّك إذا ميَّزْتَ بينهُمَا، عرفتَ الحقَّ من الباطلِ، والصدقَ من
الكذبِ، قال: كأنك تصَورُ محمدًا ﷺ ، ثم تتفكر فيما أتَى به من القرآنِ
فتقرأُ: (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ) الآية، ثم تَتَصورُ ضدَّ محمدٍ ﷺ تجدُهُ مسيلمةَ، فتتفكرُ فيما جاء به فتقرأُ:
ألا يا رَبَّةَ المَخْدع. . . لقَدْ هُيئ لَكِ المَضْجَعْ
يعني: قولَه لِسجاح حين تزوَّج بِهَا، قال: فترى هذا - يعني القرآن -
رصينًا عجيبًا، يلوطُ بالقلبِ، ويحْسُنُ في السمع، وترى ذا - يعني قولَ
مسيلمةَ - باردًا غثًّا فاحشًا، فتعلمُ أن محمَّدًا حق أُتِيَ بوحي، وأنَّ مسيلمةَ
كذَّابٌ أُتِيَ بباطلٍ.
* * *
стр. 110
قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
[قالَ البخاريُّ] : وقوْلُ اللَّهِ : (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ قِبَلَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلى قوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) .
وأمور الإيمانِ: خصالُهُ وشُعَبُهُ المتعددة.
واستدل البخاريُّ بقولهِ تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .
وقد سألَ أبو ذر النبيَّ ﷺ عنِ الإيمانِ.
فتلا عليهِ هذهِ الآيةَ.
وهذا يدلُّ على أن الخصالَ المذكورةَ فيها، هي خصالُ الإيمانِ المطلقِ، فإذا
أطلقَ الإيمانُ دخلَ فيه كلُّ ما ذكرَ في هذهِ الآيةِ، كما سألَ السائلُ عن
الإيمانِ، فتلا عليهِ النبى ﷺ هذهِ الآيةَ.
وإذا قُرن الإيمانُ بالعملِ، فقد يكونُ من بابِ عطفِ الخاص على العامَ.
وقد يكون المرادُ بالإيمانِ حينئذٍ التصديقَ بالقلبِ، وبالعملِ عملَ الجوارح.
كما ذكرَ في هذهِ الآيةِ الإيمانَ باللهِ واليومِ الآخرِ والملائكةِ والكتابِ والنبيينَ، ثمَّ عطفَ عليه أعمالَ الجوارح.
следующие страницы →