← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وصلاةُ اللَّهِ على العبدِ: هو ثناؤهُ عليهِ بين ملائكته. وتنويههُ بذكر، كذا قالَ أبو العاليةَ، ذكرهُ البخاريُّ في "صحيحِهِ ". وقالَ رجل لأبي أمامةَ: رأيتُ في المنامِ كأن الملائكةَ تُصلّي عليكَ كلَّما دخلتَ، وكلَّما خرجتَ، وكلَّما قمتَ، وكلَّما جلستَ، فقالَ أبو أمامةَ: وأنتم لو شئتم صلَّت عليكم الملائكةُ، ثم قرأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ) . * * * قالَ تعالى: (وَاشْكرُوا لِي وَلا تَكْفُرونِ) ، وقال: (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) . والشكرُ بالقلب واللسانِ، والعملُ بالجوارح؛ فالشكرُ بالقلبِ: الاعترافُ بالنعم للمنعم، وأَنها منه وبفضلِهِ. وجاءَ من حديثِ عائشةَ مرفوعًا: "ما أنعمَ اللَّهُ على عبد نعمةً فعلمَ أنَّها من عندِ اللَّهِ إلا كتبَ اللَهُ له شكرَهَا". ومن الشكر بالقلبِ: محبةُ اللهِ على نعمِهِ، ومنه حديثُ ابنِ عباسٍ المرفوعُ: "أحبوا اللَّهَ لما يغذوكُم به من نعمِهِ ". قالَ بعضُهم: إذا كانتِ القلوبُ جبلتْ على حبِّ من أحسنَ إليهَا فواعجبًا لمنْ لا يَرى محسِنًا إلا اللَّه! كيف لا يميلُ بكلِّيته إليه! وقالَ بعضُهم:

стр. 107

إذا أنتَ لم تَزْددْ على كلِّ نعمة. . . لمؤتِيكَهَا حبًّا فلستَ بشَاكرٍ إذا أنتَ لم تؤثرْ رِضا اللهِ وحدَهُ. . . على كلِّ ما تهْوَى فلستَ بصَابرٍ والشكرُ باللسانِ: الثناءُ بالنعم وذكرُها وتعدادُها، وإظهارُهَا، قالَ اللَّهُ تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) . وفي حديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ المرفوع: "التحدثُ بالنعم شكر وتركُها كفر". وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: "ذكرُ النعم شكرُها". وكانَ يقولُ في دعائِهِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ أن أُبدلَ نعمتَكَ كُفرًا، وأن أكفرَهَا بعد معرفتِهَا أو أنسَاهَا فلا أُثنِي بهَا". قال فضيلٌ: "كانَ يُقال: مِن شكرِ النعمةِ أن تحدِّثَ بهَا" وجلسَ ليلةً هو وابنُ عيينةَ يتذاكرنِ النعمَ إلى الصباح. والشكرُ بالجوارح: أن لا يستعانَ بالنعم إلا على طاعةِ اللَّهِ ، وأن يحذرَ من استعمالِهَا في شيءٍ من معاصِيه؛ قالَ تعالَى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شكْرًا) . قال بعضُ السلف: "لما قيلَ لهم هذا؛ لم تأتِ عليهم ساعةٌ إلا وفيهم مُصَلٍّ. وكانَ النبيُّ ﷺ يقومُ حتى تتورمَ قدماهُ. وقالَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا". ومرَّ ابنُ المنكدرِ بشابٍ يقاومُ امرأةً، فقالَ: "يا بنيَّ ما هذا جزاء نعمةِ اللَّهِ عليكَ ". العجبُ ممَّنْ يعلمُ أنَّ كلَّ ما بِهِ من النعم من اللَّهِ ثمَّ لا يستحيي من الاستعانةِ بها على ارتكابِ ما نهاهُ.

стр. 108

هبِ البعثَ لم تأتِنا رسلُهُ. . . وجَاحِمَةُ الجحيم لم تُضرَمِ أليسَ من الواجبِ المسْتَحِقِّ. . . حياءُ العبادِ من المُنعِمِ وحافظْ عليها بشكرِ الإلهِ. . . فشكرُ الإله يزيلُ النقمِ دخلَ خالدُ بنُ صفوانَ على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقالً: يا أميرَ المؤمنينَ. إنَّ اللَّهَ لم يرضَ أن يكونَ أحدٌ فوقك، فلا ترضَ أن يكونَ أحدٌ أولى بالشكر له منكَ. فبكى عمرُحتى غُشِيَ عليهِ. * * * قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) الرِّضا فضلٌ مندوبٌ إليه، مستحبٌّ، والصبرُ واجبٌ على المؤمنِ حتمٌ. وفي الصَّبرِ خيرٌ كثيرٌ، فإنَّ اللَّه أمرَ به، ووعدَ عليه جزيلَ الأجرِ. قال اللَّهُ : (إِنَّمَا يُوَفَى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) . وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) . قال الحسنُ: الرِّضا عزيزٌ، ولكنَّ الصبر معولُ المؤمنِ. والفرقُ بين الرِّضا والصبرِ: أن الصَّبرَ: كفُّ النَّفس وحبسُها عن التسخطِ مع وجودِ الألم، وتمنِّي زوالِ ذلكَ، وكفُّ الجوارح عن العملِ : بمقتضَى الجزع، والرِّضا: انشراحُ الصدرِ وسعتُهُ بالقضاءِ، وترك تمنَي زوالِ ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسَ بالألمِ، لكنَّ الرِّضا يخفِّفُه، لما يباشر

стр. 109

القلبَ من رَوح اليقينِ والمعرفةِ، وإذا قوِيَ الرِّضا، فقد يزيلُ الإحساسَ بالألم بالكليّة. كان العقلاءُ في عهد النبيِّ ﷺ إذا سمعُوا كلامَهُ وما يدعُو إليه، عرفُوا أنَّه صادقٌ، وأنَه جاء بالحقًّ، وإذا سمعُوا كلامَ مسيلمةَ، عرفُوا أنَه كاذبٌ، وأنَّ هجاءَ بالباطلِ، وقد رُويَ أن عمرَو بنَ العاصِ سمعُهُ قبلَ إسلامِهِ يدَّعي أنَّه أنزلَ عليه: يا وَبْرُ يا وَبْر، لَكِ أذنانِ وصَدْرُ، وإنَّك لتعلمُ يا عمرُو، فقالَ: واللَّه إني لأعلم أنك: تكْذِبُ. وقال بعضُ المتقدمينُ: صوِّرْ ما شئتَ في قلبِكَ، وتفكَّر فيهِ، ثم قِسه إلى ضدِّه، فإنَّك إذا ميَّزْتَ بينهُمَا، عرفتَ الحقَّ من الباطلِ، والصدقَ من الكذبِ، قال: كأنك تصَورُ محمدًا ﷺ ، ثم تتفكر فيما أتَى به من القرآنِ فتقرأُ: (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ) الآية، ثم تَتَصورُ ضدَّ محمدٍ ﷺ تجدُهُ مسيلمةَ، فتتفكرُ فيما جاء به فتقرأُ: ألا يا رَبَّةَ المَخْدع. . . لقَدْ هُيئ لَكِ المَضْجَعْ يعني: قولَه لِسجاح حين تزوَّج بِهَا، قال: فترى هذا - يعني القرآن - رصينًا عجيبًا، يلوطُ بالقلبِ، ويحْسُنُ في السمع، وترى ذا - يعني قولَ مسيلمةَ - باردًا غثًّا فاحشًا، فتعلمُ أن محمَّدًا حق أُتِيَ بوحي، وأنَّ مسيلمةَ كذَّابٌ أُتِيَ بباطلٍ. * * *

стр. 110

قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) [قالَ البخاريُّ] : وقوْلُ اللَّهِ : (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلى قوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) . وأمور الإيمانِ: خصالُهُ وشُعَبُهُ المتعددة. واستدل البخاريُّ بقولهِ تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) . وقد سألَ أبو ذر النبيَّ ﷺ عنِ الإيمانِ. فتلا عليهِ هذهِ الآيةَ. وهذا يدلُّ على أن الخصالَ المذكورةَ فيها، هي خصالُ الإيمانِ المطلقِ، فإذا أطلقَ الإيمانُ دخلَ فيه كلُّ ما ذكرَ في هذهِ الآيةِ، كما سألَ السائلُ عن الإيمانِ، فتلا عليهِ النبى ﷺ هذهِ الآيةَ. وإذا قُرن الإيمانُ بالعملِ، فقد يكونُ من بابِ عطفِ الخاص على العامَ. وقد يكون المرادُ بالإيمانِ حينئذٍ التصديقَ بالقلبِ، وبالعملِ عملَ الجوارح. كما ذكرَ في هذهِ الآيةِ الإيمانَ باللهِ واليومِ الآخرِ والملائكةِ والكتابِ والنبيينَ، ثمَّ عطفَ عليه أعمالَ الجوارح.

стр. 111

والبرُّ يطلقُ بمعنيينِ: أحدهما: بمعنى الإحسانِ إلى الناسِ، كما يُقال: البرُّ والصِّلةُ، وضدُّه العُقُوقُ. وفي "صحيح مسلم " أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عنِ البِرِّ، فقالَ: "البرُّ: حُسْنُ الخُلُق". وكان ابنُ عمرَ ﵂ يقولُ: إنَّ البرَّ شيْء هيِّنٌ: وجْهٌ طليق، وكلام ليِّنٌ. المعنى الثاني: مما يُرادُ بالبِرِّ فعْلُ الطَّاعاتِ كُلّها، وضدُّهُ الإثمُ، وقد فسَّر اللهُ تعالى البِرَّ بذلك في قولِهِ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) . فتضمَّنتِ الآية ُ أنَّ أنواعَ البِرِّ ستَّةُ أنواع، مَن استكملهَا فقد استكمَلَ البِرَّ. أولها: الإيمانُ بأصولِ الإيمانِ الخمسةِ. وثانيها: إيتاءُ المالِ المحبوبِ لذوي القُرْبَى واليتامى والمساكين وابنِ السبيلِ والسَّائلين وفي الرقاب. وثالثُها: إقامُ الصلاةِ. ورابعُها: إيتاءُ الزكاةِ. وخامسُها: الوفاءُ بالعهدِ. وسادسُها: الصَّبْرُ على البأساءِ والضَّرَّاءِ وحين البأس.

стр. 112

وقال إبراهيمُ التيميُّ: ما من عبدٍ وهبَهُ اللَّهُ صبرًا على الأذى، وصبرًا على البلاءِ وصبرًا على المصائبِ، إلا وقد أُوتي فضلاً، ما أوتيهِ أحدٌ بعدَ الإيمانِ باللَّه . وهذا منتزعٌ من قولِه تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) والمرادُ بالبأساءِ: الفقرُ ونحوُه، وبالضَّرَّاءِ. المرضُ ونحوُه. وحينَ البأسِ: حالُ الجهادِ. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ما أنعمَ اللَّه علَى عبدٍ نعمةً فانتزعَهَا منه. فعاضَهُ مكانَ ما انتزعَ منه الصبرَ إلا كانَ ما عوضَهُ خيرًا مما انتزعَ منه، ثم تلا: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) . وكان بعضُ الصالحينَ في جيبهِ ورقةٌ يفتحُهَا كلَّ ساعةٍ فينظرُ فيها، وفيها مكتوبٌ: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) . والصبرُ الجميلُ هو أن يكتمَ العبدُ المصيبةَ ولا يخبرَ بِهَا. قالَ طائفةٌ من السلفِ في قولِهِ تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) ، قال: لا شكوى معه. * * * قوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وقد أمرَ اللَّه عبادَهُ بشُكْر نعمةِ صيام رمضانَ بإظهارِ ذكْرِهِ. وغيرِ ذلكَ من أنواع شكرِهِ، فقال: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)

стр. 113

فمن جملةِ شكرِ العبْدِ لربِّه على توفيقِه لصيامِ رمضانَ وإعانتِهِ عليه ومغفرةِ ذنوبِهِ أنْ يصومَ له شكرًا عقيب ذلكَ. كانَ بعضُ السلفِ إذا وُفِّقَ لقيام ليليةٍ من الليالي أصبَحَ في نهارِهَا صائمًا. ويجعلُ صيامَه شكرًا للتوفيق للقيامِ. وكان وهيبُ بنُ الوردِ يُسأل عن ثوابِ شيء من الأعمالِ، كالطوافِ ونحوه، فيقول: تسألوا عن ثوابِهِ؟! ولكنْ سلُوا ما الذي على مَن وُفِّقَ لهذا العملِ من الشكرِ، للتوفيقِ والإعانةِ عليهِ؟! إذا أنْتَ لم تَزْدَدْ على كُلِّ نعْمَةٍ. . . لموليكها شكْرًا فلسْتَ بشاكرٍ كُلُّ نعمةٍ على العبدِ منَ اللهِ في دِينٍ أو دنيا يحتاجُ إلى شكرٍ عليها، ثمَّ التوفيقُ للشكرِ عليها نعمةٌ أخرى تحتاجُ إلى شكرٍ ثانٍ، ثم التوفيقُ للشكر الثاني نعمةٌ أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدًا فلا يقدِرُ العبادُ على القيامِ بشكْرِ النعم. وحقيقةُ الشُّكْرِ الاعترافُ بالعجزِ عن الشكر، كما قيل: إذا كان شكْري نعْمةَ اللَّهِ نعْمَةً. . . عليَّ لَهُ في مِثْلِها يجبُ الشُّكْرُ فكيفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلا بفَضْلِهِ. . . وإن طالتِ الأيَّامُ واتَصَلَ العُمْرُ قال أبو عمرٍو الشيبانيُّ: قالَ موسى ﵇ يومَ الطُّور: يا ربّ! إنْ أنا صليتُ فَمِن قِبَلِكَ، هان أنا تصدَّقْتُ فمن قبَلكَ، وإن بلَّغْتَ رسالاتك فَمِنْ قِبَلِكَ، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى، الَآنَ شكرتَني، فأمَّا مقابلة نعمة التوفيق لصيامِ شهر رمضانَ بارتكابِ المعاصي بعده، فهو من فِعْلِ مَن بدَّلَ نِعْمةَ اللَّهِ كفرًا، فإن كان قد عَزَمَ في صيامِهِ على معاودةِ المعاصِي بعدَ انقضاءِ الصيامِ، فصيامُه عليه مردودٌ، وبابُ ألرَّحمةِ في وجههِ مسدودٌ. قال كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهو يُحدِّثُ نفسَهُ أنَّه إن أفطر رمضانَ

стр. 114

أن لا يعصِي اللَّهَ، دخلَ الجنةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حساب، ومَن صامَ رمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا أفطر عصَى ربَّه، فصيامُه عليه مردودٌ. * * * لمَّا كانتِ المغفرةُ والعِتْقُ من النارِ كلٌّ منهما مرتبًا على صيامِ رمضانَ وقيامِهِ، أمرَ اللَّهُ عندَ إكمالِ العدَّةِ بتكبيره، وشكره، فقال: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكمْ تَشْكُرُونَ) . فشُكْرُ من أنعَمَ على عبادِهِ بتوفِيقهِم للصيامِ، وإعانتِهِم عليه، ومغفرتِه لهم بهِ، وعتقهِم من النَّارِ، أن يذكُروه ويشكروه ويتَّقوه حقَّ تُقَاتِهِ. وقد فسَّرَ ابنُ مسعودٍ ﵁ تقواه حقَّ تُقاتِهِ بأنْ يطاعَ فلا يُعْصَى، ويذكرَ فلا يُنْسى، ويُشكرَ لا يُكْفَر. فيا أربابَ الذُّنوبِ العظيمةِ! الغنيمةَ الغنيمةَ في هذه الأيام الكريمةِ؛ فما منها عوضٌ ولا لها قيمةٌ، فكم يعتقُ فيها من النَّارِ من ذي جريرة وجريمة. فمن أُعتقَ فيها من النَّارِ فقد فازَ بالجائزةِ العميمةِ والمنحةِ الجسيمةِ. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) وقد أخبرَ اللَّهُ تعالَى بقربِهِ ممن دعاهُ، وإجابتِهِ لهُ، فقالَ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) . وقد رُوي في سببِ نزولهَا: أنَّ أعرابيًّا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أقريبٌ ربُّنا فنناجيهِ، أم بعيدٌ فننادِيهِ؟ فأنزل اللَّهُ : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) .

стр. 115

خرَّجه ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حادمٍ. وروى عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: سالَ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ رسولَ اللَّه ﷺ : أين ربُّنا؟ فأنزلَ اللَّهُ : (وَإِذَاْ سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب) . وروى عبدُ بنُ حميدٍ بإسنادِهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ بنِ عميرٍ، قالَ: نزلتْ هذهِ الآية ُ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، قالُوا: كيفَ لنا بهِ أن نلقَاهُ حتى ندعُوه؟ فأنزلَ اللَّهُ على نبيِّه ﷺ : (وَإِذَا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) . فقالُوا: صدَق ربُّنا، هوَ بكلِّ مكانِ. وقَد خرَّج البخاريُّ في "الدعوات " حديثَ أبي مُوسى، أنَهم رَفَعُوا أصواتَهُم بالتكبير، فقالَ لَهُم النبيُّ ﷺ : "إنَّكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائبًا، إنَّكم تدعون سميعًا قريبًا". وفي روايةٍ: "إنَّه أقربُ إليكُم من أعناقِ رواحِلِكُمْ ". ولم يكنْ أصحابُ النبيِّ ﷺ يفهمونَ من هذهِ النصوصِ غيرَ المعنى الصحيح المرادِ بها، يستفيدونَ بذلكَ معرفةَ عظمةِ اللَّهِ وجلالِهِ، واطلاعِهِ على عبادِهِ وإحاطتِهِ بهم، وقربِه من عابديهِ، وإجابتِه لدعائهِم، فيزدادونَ به خشيةً للَّهِ وتعظيمًا وإجلالاً ومهابةً ومراقبةً واستحياءً، ويعبدونَهُ كأنَّهم يرونَه. ثم حدث بعدَهُم مَن قلَّ ورعُهُ، وساءَ فهمُهُ وقصدُهُ، وضعفت عظمةُ اللَّه وهيبتُهُ في صدره، وأرادَ أن يُري الناسَ امتيازَهُ عليهم بدِقةِ الفهمِ وقوةِ النظرِ.

стр. 116

فزعمَ أنَّ هذه النصوصَ تدلُّ على أن اللَّهَ بذاتِهِ في كلِّ مكانٍ، كما يحكى ذلك عن طوائفَ من الجهميةِ والمعتزلةِ ومن وافقَهُم، تعالى اللَّهُ عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا، وهذا شيءٌ ما خطرَ لمن كان قبلَهُم من الصحابة - رضي اللَّه عنهم، وهؤلاءِ ممن يتبعُ ما تشابَهَ منه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويله " وقد حذَّر النبي ﷺ أُمَّتَه منهم في حديثِ عائشةَ الصحيح المتفقِ عليهِ. وتعلَّقُوا - أيضًا - بما فهمُوه بفهمهم القاصرِ مع قصدِهِم الفاسدِ بآياتٍ في كتاب اللَّهِ، مثل قولِهِ تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كنتُمْ) . وقولِهِ: (مَا يَكُون مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ) . فقالَ من قال من علماءِ السلفِ حينئذٍ: إنَّما أرادَ أنَّه معهم بعلمِهِ، وقصدُوا بذلكَ إبطالَ ما قالَهُ أولئكَ، مما لم يكنْ أحدٌ قبلهم قالَهُ ولا فهمَهُ من القرآنِ. وممن قالَ: إنَّ هذهِ المعيةَ بالعلم مُقاتِلُ بنُ حيَّانَ، ورويَ عنه أنَه رواهُ عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ. وقاله الضحاكُ، قالَ: اللَّهُ فوقَ عرشِهِ، وعلمُهُ بكلِّ مكانٍ. ورويَ نحوُه عن مالكٍ وعبدِ العزيزِ الماجشون والثوريِّ وأحمدَ وإسحاقَ وغيرِهِم من أئمةِ السلفِ. وروى الإمامُ أحمدُ: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نافع، قال: قالَ مالكٌ: اللَّهُ في السماءِ، وعلمُهُ بكلِّ مكانٍ. وروي هذا المعنى عن علي وابنِ مسعودٍ - أيضًا. وقالَ الحسنُ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) .

стр. 117

قالَ: علمُهُ بالناسِ. وحكى ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُهُ إجماعَ العلماءِ من الصحابةِ والتابعينَ في تأويلِ قولِهِ: (وَهُوَ مَعَكمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) ، أنَّ المرادَ علمُهُ. وكلُّ هذا قصدُوا به ردَّ قولِ من قالَ: إنَّه تعالى بذاتِهِ في كل مكانٍ. وزعم بعضُ من تَحَذْلَقَ أنَّ ما قاله هؤلاءِ الأئمةُ خطأٌ، لأنَّ علم اللَّهِ صفةٌ لا تفارقُ ذاتِهِ، وهذا سوءُ ظنٍّ منه بأئمةِ الإسلامِ؛ فإنَّهم لم يريدُوا ما ظنَّه بهم، وإنما أرادُوا أن علمَ اللَّهِ متعلِّقٌ بما في الأمكنةِ كلِّها ففيها معلوماتِهِ، لا صفةَ ذاتِهِ، كما وقعتِ الإشارةُ في القرآنِ إلى ذلكَ بقولِهِ تعالى: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) ، وقولِهِ: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كلَّ شَيْء رَّحْمَةً وَعِلْمًا) . وقولِهِ: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُج مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) . وقالَ حربٌ: سألتُ إسحاقَ عن قولِهِ: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ) ، قال: حيثُ ما كنتَ هو أقربُ إليكَ من حبلِ الوريدِ، وهو بائِنٌ من خلقِهِ. وروى عمرُ بنُ أبي سلمةَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ مرَّ بقاصٍّ وقد رفعُوا أيدِيهم، فقالَ: ويلكم! إنَّ ربكم أقربُ ممَّا ترفعون، وهو أقربُ إلى أحدِكُم من حبلِ الوريدِ. وخرَّجه أبو نُعيمٍ، وعندَهُ: أنَّ المارَّ والقائلَ بذلك هو ابنُ عمرَ. وخطبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، فذكرَ في خطبتِهِ: إنَّ اللَّهَ أقربُ إلى عبادِهِ من حبلِ الوريدِ. وكانَ مجاهدٌ حاضِرًا يسمعُ، فأعجبه حسنُ كلامِ عمرَ.

стр. 118

وهذا كلّه يدلُّ على أن قربَ اللَّه من خَلْقِهِ شاملٌ لهم، وقرئهُ من أهلِ طاعتِهِ فيه مزيدُ خصوصيةٍ، كما أنًّ معيّتهُ مع عبادِهِ عامَّة حتى ممَّن عصاهُ. قالَ تعالَى: (يَستَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِدْ يبَيِّتونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) ، ومعيّته مع أهلِ طاعتهِ خاصةً لهُم، فهو سبحانه مع الذين اتقَّوا والذين هم محسنونَ. وقال لموسى وهارونَ: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمعُ وَأَرَى) . وقال موسى: (إِنَّ مَعِيَ رَبِي سَيَهْدِينِ) . وقال في حقِّ محمدٍ وصاحبِهِ: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) . ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ لأبي بكرٍ في الغارِ: "ماظنُّك باثنينِ اللَهُ ثالثُهما". فهذه معية خاصةٌ غيرَ قولِهِ: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَة إِلَّا هو رَابِعُهُمْ) الآية، فالمعيَّةُ العامُّةُ تقتضِي التحذير من علمِهِ واطلاعِهِ وقدرتِهِ وبطشِهِ وانتقامِهِ، والمعيةُ الخاصةُ تقتضِى حسنَ الظنِّ بإجابتِهِ ورضَاه وحفظِهِ وصيانتِهِ، فكذلك القربُ. وليسَ هذا القربُ كقربِ الخلقِ المعهودِ منهم، كما ظنَه من ظنه من أهلِ الضلالِ، وإنَّما هو قربٌ ليسَ يشبهُ قربَ المخلوقينَ، كما أنَّ الموصوفَ به (لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . وهكذا القولُ في أحاديث النزولِ إلى سماءِ الدنيا، فإنَه من نوع قربِ الربِّ من داعيهِ وسائليهِ ومستغفريهِ. وقد سئلَ عنه حماد بنُ زيدٍ، فقالَ هو في مكانِهِ يقربُ من خلقه كما يشاءُ.

стр. 119

ومرادُه أنَّ نزولَهُ ليس هو انتقال من مكانٍ إلى مكانٍ كنزول المخلوقينَ. وقال حنبل: سألتُ أبا عبدِ اللَّه: ينزل اللَّهُ إلى سماءِ الدُّنيا؟ قال: نعم. قلتُ: نزولُهُ بعلمِهِ أو بمَاذا؟ قال: اسكتْ عن هذا، مالكَ ولهذَا؛ أمْضِ الحديثَ على ما رُوي بلا كيفٍ ولا حَدٍّ، إلا بما جاءت به الآثار، وجاءَ به الكتابُ، قال اللَّهُ: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) ، ينزل كيفَ شاءَ. بعلمِهِ وقدرتِهِ وعظمتِهِ، أحاطَ بكلِّ شيء علمًا، لا يبلغُ قَدْرَه واصفٌ، ولا ينأَى عنه هَربُ هاربٍ، . ومرادُهُ: أنَّ نزولَهُ تعالى ليس كنزول المخلوقينَ، بل هو نزول يليقُ بقدرتِهِ وعظمتِهِ وعلمِهِ المحيطِ بكلِّ شيءٍ، والمخلوقونَ لا يحيطونَ به عِلمًا، وإنَّما ينتهونَ إلى ما أخبرهم به عن نفسِهِ، أو أخبرَ به عنه رسولُهُ. فلهذا اتفقَ السلفُ الصالحُ على إمرارِ هذهِ النصوصِ كما جاءت من غيرِ زيادةٍ ولا نقصٍ، وما أشكلَ فهمُهُ منها، وقصرَ العقلُ عن إدراكِهِ وُكِلَ إلى عالمه. * * * قوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) وقد قال طائفة من السَّلفِ في تفسيرِ قولِهِ تعالَى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) : إنه طلبُ ليلةِ القدرِ. والمعنى في ذلكَ أنَّ اللَّهَ تعالى لما أباحَ مباشرةَ النِّساءِ في ليالي الصيامِ، إلى

стр. 120

أنْ يتبيَّنَ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، أمَرَ مَعَ ذلك بطلبِ ليلةِ القدْرِ. لئلا يشتغلَ المسلمونَ في طولِ ليالِي الشهرِ بالاستمتاع المباح، فيفوتُهم طلبُ ليلةِ القدْرِ، فأمرَ مع ذلكَ بطلبِ ليلةِ القَدْرِ بالتهجُّد من الليلِ، خصوصًا في الليالِي المرجُوِّ فيها ليلةُ القَدْرِ، فمن هاهُنا كانَ النبيُّ ﷺ يصيبُ من أهلِهِ في العشرينَ من رمضانَ، ثم يعتزلُ نساءَه ويتفرغَّ لطلب ليلةِ القَدْرِ في العشر الأواخرِ. * * * قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وقولُهُ ﷺ : "كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى يُوشِكُ أن يرتَعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حِمَى، وإنَّ حِمَى اللَّهِ محارمُهُ ": هذا مَثَلٌ ضربَهُ النبيُّ ﷺ لمنْ وقع في الشبهاتِ، وأنَّه يقرُبُ وقوعُهُ في الحرامِ المحضِ، وفي بعضِ الرواياتِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "وسأضربُ لَكُم مثلاً" ثم ذكرَ هذا الكلامَ، فجعلَ النبيُّ ﷺ مثلَ المحرَّماتِ كالحِمى الَّذي تحميه الملوكُ، ويمنعونَ غيرَهم من قُربانِهِ، وقد جعلَ النبيُّ ﷺ حولَ مدينتِهِ اثني عشرَ ميلاً حِمى محرَّمًا، لا يُقطعُ شجرُه، ولا يُصادُ صيدُه، وحَمَى عمرُ وعثمانُ أماكنَ ينبتُ فيها الكلأ لأجلِ إبلِ الصدقةِ. واللَّهُ حَمَى هذه المحرَّماتِ، ومنعَ عبادَهُ من قربانِهَا، وسمَّاها حدودَه، فقالَ تعالَى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) .

стр. 121

وهذا فيه بيانُ أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهُم وما حرَّم عليهم، فلا يقربُوا الحرامَ، ولا يتعدَّوْا الحلالَ، ولذلكَ قالَ في آيةٍ آخرى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) . وجعلَ من يرعى حولَ الحِمى وقريبا منه جديرًا بأن يدخُلَ الحِمى ويرتعَ فيه. فكذلكَ منْ تعدَّى الحلالَ، ووقعَ في الشبهاتِ، فإنَّه قد قاربَ الحرامَ غايةَ المقاربةِ، فما أخلقَهُ بأن يُخالِطَ الحرامَ المحضَ، ويقع فيهِ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّه ينبغي التباعدُ عن الحرَّماتِ، وأنْ يجعلَ الإنسانُ بينه وبينها حاجزًا. وقد خرَّج الترمذيُ وابنُ ماجةَ مِنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ يزيدَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتَقين حتى يدع ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس". وقال أبو الدرداءِ: تمامُ التقوى أن يتقي اللَّهَ العبدُ، حتَّى يتقيَه منْ مثقالِ ذرَّةٍ، وحتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلالٌ، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبيْنَ الحرامِ. وقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقينَ حتى تركُوا كثيرًا من الحلالِ مخافةِ الحرامِ. وقال الثوريُّ: إنَّما سُموا "المتقين " لأنَّهم اتَّقوا ما لا يُتَّقى. ورُوي عن ابنِ عمرَ قالَ: إنِّى لأحبُّ أن أدع بيني وبين الحرامِ سترة من الحلالِ لا أخرقُها. وقال ميمونُ بنُ مهرانَ: لا يسْلَمُ للرجلِ الحلالُ حتى يجعلَ بينه وبين الحرامِ حاجزًا من الحلالِ. وقال سفيانُ بن عيينةَ: لا يصيبُ عبد حقيقةَ الإيمانِ حتى يجعلَ بينه وبين

стр. 122

الحرامِ حاجزًا من الحلالِ، وحتى يدعَ الإثمَ وما تشابَهَ منه. ويَستدلُّ بهذا الحديثِ مَنْ يذهبُ إلى سدِّ الذرائع إلى المحرماتِ وتحريمِ الوسائلِ إليها، ويدُلُّ على ذلكَ أيضًا من قواعدِ الشَّريعة تحريمُ قليلِ ما يُسكر كثيرُه، وتحريمُ الخلوةِ بالأجنبيةِ، وتحريمُ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح وبعدَ العصرِ سدًّا لذريعةِ الصَّلاةِ عند طلوع الشمسِ وعندَ غروبِهَا، ومنعُ الصَّائم من المباشرةِ إذا كانت تحرِّكُ شهوتَهُ، ومنعُ كثيرٍ من العلماءِ مباشرةَ الحائض فيما بين سرَّتها ورُكبتِهَا إلا مِنْ وراءِ حائلٍ، كما كان النبيُّ ﷺ يأمرُ امرأتَه إذا كانت حائضًا أن تتَّزر، فيباشِرُها من فوق الإزارِ. ومن أمثلةِ ذلكَ وهو شبيهٌ بالمثلِ الذي ضربَهُ النبي ﷺ من سيَّبَ دابَّتَه ترعى بقُرْبِ زرع غيره، فإنَّه ضامنٌ لما أفسدتْهُ من الزرع، ولو كانَ ذلك نهارًا. هذا هو الصحيحُ، لأنَّه مفرط بإرسالِهَا في هذه الحالِ. وكذا الخلافُ لو أرسلَ كلبَ الصَّيدِ قريبًا من الحرمِ، فدخل الحرمَ فصادَ فيه، ففي ضمانِهِ روايتانِ عن أحمدَ، وقيل: يضمنُهُ بكلِّ حالٍ. * * * قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) . وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" عن بُرَيْدَةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "النفقةُ

стр. 123

في الحَجِّ كالنَّفقةِ في سبيلِ اللهِ بسبعمائةِ ضعفٍ". وخرَّجه الطبرانيُّ من حديثِ أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "النفقةُ في سبيلِ اللِّهِ؛ الدِّرْهَمُ فيه بسبعمائةِ" ويُدلُّ عليه قولُهُ تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) . ففيه دليلٌ على أنَّ النفقةَ في الحجِّ والعمرةِ تدخلُ في جملةِ النَّفقة في سبيلِ اللَّهِ. وقد كانَ بعضُ الصحابةِ جعلَ بعيرَهُ في سبيلِ اللَّهِ، فأرادتْ امرأتُهُ أن تحجَّ عليه، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : "حجِّي عليه؛ فإنَّ الحجَّ في سبيلِ اللَّهِ ". وقد خرَّجه أهلُ المسانيد والسنن من وجوهٍ متعدِّدةٍ، وذكره البخاريُّ تعليقًا، وهذا يستدل به على أنَّ الحجَّ يصرف فيه من سهمِ سبيلِ اللَّهِ المذكورِ في آيةِ الزكاةِ، كما هو أحدُ قولي العلماءِ، فيعطى من الزَّكاةِ من لم يحجَّ ما يحجُّ به. وفي إعطائِهِ لحجِّ التطوعُّ اختلافٌ بينهم أيضًا. * * * وقال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) قالَ ابنُ عمرَ: الفسوقُ: ما أصيبَ مِنْ معاصِي اللَّهِ صيدًا كانَ أو غيرُهُ،

стр. 124

وعنه قالَ: الفسوقُ إتيانُ معاصِي اللَّهِ في الحرمِ. وقال : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) . وكانَ جماعة من الصحابةِ يتَّقون سُكْنى الحرمِ، خشيةَ ارتكابِ الذُّنوبِ فيه: منهمُ ابنُ عباسٍ، وعبدُ اللَّهِ بن عمرِو بنِ العاصِ، وكذلكَ كانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يفعلُ، وكانَ عبدُ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ يقولُ: الخطيئةُ فيه أعظمُ. ورُويَ عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ قال: لأنْ أُخطى سبعينَ خطيئةً - يعني بغير مكةَ - أحبُّ إليَّ منْ أن أُخطئ خطيئةً واحدةً بمكةَ. وعن مجاهدٍ قالَ: تُضاعفُ السيئاتُ بمكةَ كما تُضاعفُ الحسناتُ. وقال ابنُ جريجِ: بلغني أن الخطيئةَ بمكةَ بمائةِ خطيئةٍ، والحسنةَ على نحو ذلكَ. وقال إسحاقُ بنُ منصور: قلتُ لأحمدَ: في شيء من الحديثِ أنَ السيئةَ تُكتبُ بأكثرَ منْ واحدةٍ؟ قالَ: لا، ما سمعْنا إلا بمكَّةَ لتعظيم البلدِ "ولو أنَّ رجلاً بعَدنِ أبْيَنَ همَّ ". وقال إسحاقُ بنُ راهويه كما قالَ أحمدُ، وقولهُ: "ولو أنَّ رجلاً بعدنِ أبْينَ همَّ "، هو من قولِ ابنِ مسعود، وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى. وقد تضاعفُ السيِّئاتُ بشرفِ فاعلِها، وقوَّةِ معرفتهِ باللَّهِ، وقُرْبِهِ منه، فإنَّ من عصى السُّلطانَ على بساطه أعظمُ جُرْمًا ممَّن عصاهُ على بُعدٍ، ولهذا توعَّدَ اللَّهُ خاصَّة عبادِهِ على المعصيةِ بمضاعفةِ الجزاءِ، وإن كانَ قد عصمَهم منها. ليبيِّنَ لهُم فضلَهُ عليهم بعصمَتِهم منْ ذلكَ، كما قالَ تعالى:

стр. 125

(وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) . وقال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) . وكانَ عليٌّ بنُ الحسينِ يتأوَّلُ في آل النبيِّ ﷺ من بني هاشم مثك ذلك لقربِهِم من النبيِّ ﷺ . * * * قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ، قالَ: كانَ أهلُ اليمنِ يَحُجُّون ولا يتزوَّدونَ. ويقولونَ: نحن متوكِّلون، فيحجونَ، فيأتونَ مكةَ، فيسألونَ الناسَ، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) ، وكذا قالَ مجاهد، وعكرمةُ، والنخعيُّ، وغيرُ واحدٍ من السلفِ، فلا يُرخَصُ في ترك الكَسْبِ بالكليةِ إلا لمنِ انقطعَ قلبُه عن الاستشرافِ إلى المخلوقينَ بالكليةِ. وقدْ رُويَ عن أحمدَ أنه سُئلَ عن التوكُلِ، فقالَ: قطعُ الاستشرافِ باليأسِ من الخلقِ، فسُئلَ عن الحجةِ في ذلكَ، فقالَ: قولُ إبراهيمَ ﵇ لما عرضَ له جبريلُ وهو يُرْمَى في النارِ، فقالَ لهُ: ألكَ حاجة، فقالَ: أمَّا إليكَ فلا. وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الكسبَ أفضلُ بكلِّ حالٍ، فإنَّه سُئلَ عمَّن يقعدُ ولا يكتسبُ ويقولُ: توكَّلتُ على اللَّهِ، فقالَ: ينبغي للناسِ كُلِّهم يتوكَّلونَ على

стр. 126

اللَّهِ، ولكنْ يعودونَ على أنفسِهِم بالكَسْبِ. ورَوَى الخَلاَّلُ بإسنادِه عن الفضيلِ بنِ عِياضٍ أنَّهُ قيلَ لهُ: لو أن رجلاً قعدَ في بيتِهِ زعمَ أنَّه يثقُ باللًّهِ، فيأتيِه برزقهِ، قالَ: إذا وثقَ باللَّهِ حتى يعلمَ منه أنَّه قدْ وثقَ به لم يمنعْهُ شيءٌ أرادَهُ، لكنْ لم يفعلْ هذا الأنبياءُ ولا غيرُهم، وقد كانَ الأنبياءُ يؤجَرون أنفسَهم، وكانَ النبيُّ ﷺ يؤجِّرُ نفْسَه وأبو بكرٍ وعمرُ، ولم يقولوا: نقعدُ حتَّى يرزقُنا اللَّهُ . وقالَ اللَّهُ : (وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ) ، ولا بُدَّ من طلبِ المعيشةِ. وقد رُوي عن بِشْرٍ ما يُشعرُ بخلافِ هذا، فرَوَى أبو نُعيمٍ في "الحلْيةِ" أنَّ بشرًا سُئلَ عن التوكُلِ، فقالَ: اضطرابٌ بلا سكونٍ، وسكونٌ بلا اضطرابٍ، فقالَ له السائلُ: فسِّره لنا حتى نفقهَ، قالَ بشرٌ: اضطرابٌ بلا سكونٍ: رجلٌ يضطربُ بجوارحِهِ، وقلبُه ساكنٌ إلى اللَّهِ لا إلى عملِهِ، وسكونٌ بلا اضطرابِ: فرجلٌ ساكنٌ إلى اللَّهِ بلا حركةٍ، وهذا عزيزٌ، وهوَ من صفاتِ الأبدالِ. * * * قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) والاستغفارُ طلبُ المَغْفرةِ، والمغفرةُ هى وِقَايةُ شَرِّ الذنوبِ معَ سَترِهَا وقد كثرُ في القرآنِ ذكرُ الاستغفارِ، فتارةً يؤمرُ به، كقولِهِ: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وقولِهِ: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إِليه) . وتارةً يمدحُ أهلَهُ، كقولِهِ: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) . وقوله:

стр. 127

(وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) . وتارةً يذكرُ أن اللَّهَ يغفرُ لمن استغفرهُ، كقولِهِ: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) . وكثيرًا ما يُقرن الاستغفارُ بذكر التوبةِ، فيكونُ الاستغفارُ حينئذٍ عبارةً عن طلبِ المغفرةِ باللسانِ، والتوبةُ عبارةٌ عن الإقلاع عن الذنوبِ بالقلوبِ والجوارح. وتارةً يفردُ الاستغفارُ، ويُرتَّبُ عليه المغفرةُ، كما ذكرَ في هذا الحديثِ وما أشبههُ، فقد قيلَ: إنَه أريدَ به الاستغفارُ المقترنُ بالتوبةِ، وقيلَ: إنَّ نصوصَ الاستغفارِ المفردةَ كلَّها مطلقةٌ تُقيَّدُ بما يذكر في آيةِ "آلِ عمرانَ " من عدمِ الإصرارِ؛ فإنَّ اللَّه وعدَ فيها المغفرةَ لمن استغفرَهُ من ذنوبِهِ، ولم يُصِرَّ على فعلِهِ، فتُحْمَلُ النُصوصُ المطلقةُ في الاستغفارِ كلها على هذا المقيد. ومجرَّدُ قولِ القائل: اللَّهُمَّ اغفر لي، طلبٌ منه للمغفرةِ ودعاءٌ بها، فيكونُ حكمُهُ حكمَ سائرِ الدعاءِ، فإنْ شاءَ اللَّهُ أجابه وغفرَ لصاحبِهِ، لا سيما إذا خرجَ عن قلبِ منكسرٍ بالذنبِ أو صادفَ ساعةً من ساعاتِ الإجابةِ كالأسحارِ وأدبارِ الصلواتِ. ويُروَى عن لُقمانَ ﵇ أنّه قالَ لابنِه: يا بنيَّ عَوِّدْ لسانكَ اللَّهمَّ اغفرْ لي، فإنَّ للَّهِ ساعاتٍ لا يَرُدُّ فيها سائلاً. وقال الحسنُ: أكثِروا من الاستغفارِ في بيوتِكم، وعلى موائِدكم، وفي طُرقِكُم، وفي أسواقِكُم، وفي مجالسِكُم أينما كُنتُم، فإنَّكم ما تدرونَ متى تنزلُ المغفرةُ.

стр. 128

وخرَّج ابن أبي الدنيا في كتاب " حسنِ الظنِّ " من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "بينما رجلٌ مستلقٍ إذْ نظرَ إلى السماءِ وإلى النجومِ، فقال: إني لأعلمُ أن لكِ ربًّا خالِقًا، اللَّهُمَّ اغفرْ لي، فغفرَ له ". وعن مُوَرِّقٍ قالَ: كانَ رجلٌ يعملُ السيئاتِ، فخرجَ إلى البريةِ، فجمعَ ترابًا، فاضطجَعَ عليه مستلقيًا، فقالَ: ربِّ اغفرْ لي ذنوبي، فقالَ: إنَّ هذا ليعرفُ أنَّ له ربَّا يغفرُ ويعذِّب، فغفرَ له. وعن مُغيثِ بنِ سُميٍّ، قالَ: بينما رجلٌ خبيثٌ، فتذكر يومًا، فقال: اللَّهمَّ غُفرانَك، اللَّهمَّ غفرانَك، اللَّهمَّ غفرانَك، ثم ماتَ فغُفِر له. ويشهد لهذا ما في "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : "أنَّ عبدًا أذنَبَ ذنبا، فقالَ: ربِّ أذنبتُ ذنبًا فاغفرْ لي. قالَ اللَّهُ : عَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذُ به، غفرتُ لعبدِي، ثمَّ مكثَ ما شاء الله، ثم أذنبَ ذنبًا آخر فذكرَ مثل الأولِ مرتينِ أُخريينِ " وفي روايةٍ لمسلمٍ أنه قالَ في الثالثةِ: "قد غفرتُ لعبدِي، فليعملْ ماشاءَ". والمعنى ما دامَ على هذه الحالِ كلَّما أذنبَ استغفرَ. والظاهرُ أنَّ مرادَهُ الاستغفارُ المقرونُ بعدم الإصرارِ، ولهذا في حديثِ أبي بكرٍ الصديقِ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما أصرَّ من استغفرَ وإن عادَ في اليوم سبعين مرّة" وخرَّجه أبو داودَ والترمذيُّ. وأمَّا استغفارُ اللسانِ معَ إصرارِ القلبِ على الذنبِ، فهو دُعاءٌ مجرَّدٌ إنْ

стр. 129

شاء اللَّهُ أجابهُ، وإن شاءَ ردَّه. وقد يكون الإصرارُ مانعًا من الإجابةِ، وفي "المسندِ" من حديثِ عبدِ اللَّهِ ابنِ عمرٍو مرفوعًا: "ويلٌ للذينَ يُصرُّون على ما فعلُوا وهم يَعلَمون ". وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "التائبُ من الذَّنبِ كمن لا ذنبَ لهُ، والمستغفرُ من ذنبٍ وهو مُقيم عليه كالمستهزئِ بربِّهِ " ورَفعُه منكر، ولعلَّه موقوف. قال الضحاكُ: ثلاثة لا يُستجاب لهم، فذكرَ منهُم: رجل مقيم على امرأةِ زِنى كلَّما قَضِى منها شهوتَهُ، قالَ: ربِّ اغفرْ لي ما أصبتُ من فلانةٍ، فيقولُ الربُّ: تحوَّلْ عنها، وأغفرُ لكَ، فأمَّا ما دمتَ مقيمًا عليها، فإنِّي لا أغفرُ لكَ، ورجل عندَهُ مالُ قومٍ يَرى أهلَهُ، فيقول: ربِّ اغفرْ لي ما آكلُ من مالِ فلانٍ، فيقولُ تعالى: ردَّ إليهم مالَهُم، وأغفرُ لكَ، وأمَّا ما لم تردَّ إليهم، فلا أغفرُ لك. وقولُ القائلِ: أستغفرُ اللهَ، معناه: أطلبُ مغفرتَهُ، فهو كقولِهِ اللَهُمَّ اغفرْ لِي، فالاستغفارُ التامُ الموجبُ للمغفرةِ: هو ما قارنَ عدمَ الإصرارِ، كما مدحَ اللَّهُ أهلَهُ، ووعدَهُم المغفرةَ. قال بعضُ العارفينَ: من لم يكنْ ثمرةَ استغفاره تصحيحَ توبتِهِ، فهوَ كاذب في استغفاره، وكان بعضُهم يقولُ: استغفارُنا هذا يحتاجُ إلى استغفارٍ كثيرٍ، وفي ذلكَ يقولُ بعضُهم: أستغفرُ اللَّهَ من أستغفرُ اللَّهَ. . . منْ لفْظَةٍ بَدَرَتْ خالفْتُ معناها

стр. 130

وكيفَ أرجُو إجاباتِ الدُّعاءِ وقد سدَدْتُ بالذَّنبِ عندَ اللَّهِ مجرَاها فأفضلُ الاستغفارِ ما اقترَنَ به ترْكُ الإصرارِ، وهو حينئذٍ توبة نصوح، وإن قالَ بلسانِهِ: أستغفرُ اللَّهَ، وهو غيرُ مقلع بقلبِهِ، فهو داع للَّه بالمغفرةِ، كما يقولُ: اللَّهُمَّ اغفر لي، وهو حسن، وقد يُرجَى له الإجابةُ، وأما من قالَ: هو توبةُ الكذابينَ، فمرادُه: أنَّه ليسَ بتوبة، كما يعتقدُهُ بعضُ الناسِ، وهذا حقّ، فإن التوبةَ لا تكونُ مع الإصرارِ. * * * قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) [قال البخاري] : "بابُ فضْلِ العملِ في أيَّامِ التشريقِ ": وقالَ ابنُ عباسٍ: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) : أيامُ العشرِ. والأيَّامُ المعدوداتُ: أيَّام التَّشريقِ. وكانِ ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يخْرُجَانِ إلى السُّوقِ في أيام العشْرِ، يُكبِّرانِ ويُكبرُ الناسُ بتكبيرِهِمَا، وكبَّر محمدُ بنُ علي خلفَ النَّافلة. بوَّبَ على فضلِ أيام التشريق والعملِ فيها، وذكر في البابِ أيامَ التشريق وأيامَ العشرِ، وفضلَهُما جميعًا. وذكر عنِ ابنِ عباسٍ: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ المذكورةَ في سورة الحج هي أيامُ العشرِ، والأيامَ المعدوداتِ المذكورةَ في سورة البقرةِ هي أيامُ التشريقِ.

стр. 131

وفي كلٍّ منهما اختلافٌ بين العلماءِ. فأمَّا المعلوماتُ: فقد رُوي عن ابنِ عباسٍ، أنَّها أيامُ عشرِ ذي الحجةِ، كما حكاه عنه البخاريُّ. ورُوي - أيضًا - عن ابنِ عُمرَ، وعن عطاءٍ والحسنِ ومجاهدِ وعكرمةَ وقتادةَ. وهو قولُ أبي حنيفة والشافعيِّ وأحمدَ - في المشهور عنه. وقالت طائفةٌ: الأيامُ المعلوماتُ: يومُ النحرِ ويومانِ بعدَهُ، رُوي عن ابنِ عمرَ وغيرِه من السلفِ، وقالُوا: هي أيامُ الذَّبح. ورُويَ - أيضًا - عن علي وابنِ عباسٍ، وعن عطاءٍ الخراسانيِّ والنخعيِّ. وهو قولُ مالكٌ وأبي يوسفَ ومحمدٍ وأحمدَ - في رواية عنه. ومن قالَ: أيامُ الذبح أربعةٌ، قالَ: هي يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَه. وقد رُوي عن أبي موسى الأشعريِّ، أنَّه قالَ - في خطبتِهِ يومَ النحرِ -: هذا يومُ الحجِّ الأكبرِ، وهذه الأيامُ المعلوماتُ التسعةُ التي ذكرَ اللَّهُ في القرآنِ، لا يُردُّ فيهنَّ الدُّعاءُ، هذا يومُ الحجِّ الأكبرِ، وما بعدَه من الثلاثةِ اللائي ذكرَ اللَّهُ الأيامُ المعدوداتُ، لا يُرَدُ فيهنَّ الدُّعاءُ. وهؤلاء جعلُوا ذكرَ اللَّهِ فيها هو ذكره على الذَّبائح. ورُويَ عن محمد بنِ كعبٍ، أنَّ المعلوماتِ أيامُ التشريقِ خاصة. والقولُ الأولُ أصحُّ، فإنَّ اللَّهَ قالَ بعد ذكره في هذه الأيامِ المعلوماتِ: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) .

стр. 132

والتفثُ: هو ما يصيبُ الحاجَّ منَ الشعَثِ والغبارِ. وقضاؤه: إكماله. وذلك يحصل يومَ النحرِ بالتحللِ فيه من الإحرامِ، فقد جعلَ ذلكَ بعد ذكر في الأيامِ المعلوماتِ، فدلَّ على أنَّ الأيَّامَ المعلوماتِ قبل يومِ النحرِ الذي يقضى فيه التفث ويُطَّوف فيه بالبيت العتيقِ. فلو كانت الأيامُ المعلوماتُ أيامَ الذبح لكان الذكرُ فيها بعدَ قخحاءِ التفثِ ووفاءِ النذورِ والتطوفِ البيتِ العتيقِ، والقرآنُ يدلُّ على أنَّ الذكرَ فيها قبلَ ذلك. وأمَّا قولُهُ تعالى: (عَلَى مَا رَزَقَهم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) . فإمَّا أنْ يقالَ: إنَّ ذكرَه على الذبائح يحصلُ في يوم النحرِ، وهو أفضلُ أوقاتِ الذبح، وهو آخرُ العشرِ. وإمَّا أنْ يقالَ: إنَّ ذكرَه على ما رزقَنا من بهيمةِ الأنعامِ، ليسَ هو ذكره على الذبائح، بل ذكرُهُ في أيامِ العشرِ كلِّها، شكرًا على نعمةِ رزقهِ لنا من بهيمةِ الأنعامِ، فإنَّ للَّهِ تعالى علينا فيها نِعَمًا كثيرةً دنيويةً ودينيةً. وقد عدَّدَ بعضَ الدنيويةِ في سورة النَّحلِ، وتختصُ عشرُ ذي الحجةِ منها بحملِ أثقالِ الحاجِّ، وإيصالهم إلى قضاء مناسكِهِم والانتفاع بركوبِها ودرِّها ونسلِها وأصوافِهَا وأشعارِهَا. وأمَّا الدينية فكثيرةٌ، مثلُ: إيجابِ الهدْي وإشعارِه وتقليدِهِ، وغالبًا يكونُ ذلكَ في أيامِ العشرِ أو بعضِهَا، وذبحهُ في آخرِ العشرِ، والتقربُ به إلى اللَّهِ. والأكلُ من لحمِهِ، وإطعامُ القانِع والمعترِّ.

стр. 133

فلذلك شُرعَ ذكرُ اللَّهِ في أيامِ العشر شكرًا على هذه النعم كلِّها، كما صرَّح به في قولِهِ تعالى: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّروا اللَّهَ عَلَى ما هَدَاكُم) ، كما أمَرَ بالتكبيرِ عندَ قضاءِ صيامِ رمضانَ، وإكمالِ العدةِ، شكرًا على ما هدانا إليه من الصيامِ والقيامِ المقتضِي لمغفرةِ الذنوبِ السابقةِ. وأمَّا الأيامُ المعدوداتُ: فالجمهورُ على أنَّها أيامُ التشريقِ، ورُوي عن ابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وغيرِ هِما. واستدل ابنُ عُمرَ بقولهِ: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) . وإنَّما يكون التعجيلُ في ثاني أيامِ التشريقِ. قال الإمامُ أحمدُ: ما أحسنَ ما قالَ ابنُ عمرَ. وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ وعطاء أنها أربعةُ أيام: يومُ النحرِ، وثلاثة بعدَه. وفي إسناد المرويِّ عن ابنِ عباسٍ ضعفٌ. وأمَّا ما ذكرَه البخاريُّ عن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ، فهو من روايةِ سلامٍ أبي المنذرِ، عنْ حميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ، أن ابنَ عمرَ وأبا هريرةَ كانا يخرجانِ في العشر إلى السوقِ يكبِّرانِ، لا يخرجَانِ إلا لذلكَ. خرَّجه أبو بكر عبدُ العزيز بنُ جعفرَ في "كتاب الشافي " وأبو بكرٍ المروذيُّ القاضي في "كتاب العبدين ". ورواه عفانُ: نا سلام أبو المنذرِ - فذكره، ولفظه: كانَ أبو هريرةَ وابنُ عُمرَ يأتيانِ السوقَ أيامَ العشر، فيكبِّرانِ، ويكبِّرُ الناسُ معهما، ولا يأتيانِ لشيءٍ

стр. 134

إلا لذلكَ. وروى جعفر الفريابيُّ، من روايةِ يزيدَ بنِ أبي زياد، قالَ: رأيتُ سعيدَ بنَ جبير وعبدَ الرحمنِ بن أبي ليلى ومجاهدًا - أو اثنينِ من هؤلاء الثلاثةِ - ومن رأينَا من فقهاءِ الناسِ يقولون في أيامِ العشرِ: "اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، لا إله إلا اللهُ، واللَّه أكبرُ اللَّهُ أكبرُ وللَّهِ الحمدُ". وروى المروزيُّ، عن ميمونَ بن مهرانَ، قالَ: أدركتُ الناسَ وإنَّهم ليكبرون في العشرِ، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتِهَا، ويقول: إنَّ الناسَ قد نقصُوا في تركِهمُ التكبيرَ. وهو مذهبُ أحمدَ، ونصَّ على أنَّه يجهرُ به. وقال الشافعيُّ: يكئرُ عند رؤيةِ الأضاحي. وكأنه أدخله في التكبيرِ على بهيمةِ الأنعامِ المذكورِ في القرآنِ، وهو وإنْ كان داخلاً فيه، إلا أنه لا يختصُّ به، بل هو أعمُّ من ذلكَ كما تقدم. وهذا على أصلِ الشافعيِّ وأحمدَ: في أن الأيامَ المعلوماتِ هي أيامُ العشرِ. كما سبق. فأمَّا من قالَ: هي أيامُ الذبح، فمنهُم من لم يستحبُّ التكبيرَ في أيامِ العشرِ، وحُكي عن مالكٍ وأبي حنيفة. ومنَ الناسِ مَن بالغَ، وعدَّه من البدع، ولم يبلغْه ما في ذلكَ من السُّنَّةِ. وروى شعبةُ قالَ: سألتُ الحكمَ وحمادًا عنِ التكبيرِ أيامَ العشرِ؛ فقالا: لا؛ مُحْدَثٌ. خرَّجه المروزيُّ.

стр. 135

وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ ابنِ عُمرَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ما منْ أيام أعظم عندَ اللَّهِ ولا أحبُّ إليه العملُ فيه من هذه الأيام العشرِ، فأكثروا فيهنَّ منَ التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ". ويروى نحوُه من حديثِ ابنِ عباسٍ - مرفوعًا، وفيه: "فأكثروا فيهنَّ التهليل والتكبير، فإنَّها أيامُ تهليلٍ وتكبير وذكر اللَّهِ ". وأمَّا ما ذكره عن محمدِ بنِ على في التكبيرِ خلفَ النافلةِ، فهوَ في أيامِ التشريقِ. ومرادُه: أنَ التكبيرَ يُشْرعُ في أيامِ العشرِ وأيام التشريقِ جميعًا. * * * أيام مِنًى هي الأيامُ المعدوداتِ التي قالَ اللَهُ فيها: (وَاذْكرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ معْدُودَاتٍ) ، وهي ثلاثةُ أيام بعدَ يومِ النحرِ، وهيَ أيامُ التشريقِ، هذا قولُ ابنِ عمرَ وأكثر العلماءِ. ورُوي عن ابنِ عباسِ وعطاءٍ أنَّها أربعة أيام: يومُ النَّحْرِ، وثلاثةُ أيامٍ بعدَه، وسمَّاها عطاء أيَّامَ التشريقِ، والأولُ أظهرُ. وقد قال النبي ﷺ : "أيَّامُ مِنًى ثلاثةٌ، (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) " خرَّجه أهل السنن الأربعة من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ يَعْمُرَ، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 136

وهذا صريحٌ في أنَّها أيامُ التشريقِ، وأفضلُها أولُها، وهو يوم القَرِّ؛ لأنَّ أهلَ مِنًى يستقرِّون فيه، ولا يجوزُ فيه النَّفر. وفي حديثِ عبد اللَّهِ بن قُرْط عن النبي ﷺ : "أعظم الأيام عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ، ثمَّ يومُ القَرِّ". وقد رُوي عن سعيد بنِ المسيبِ أنَّ يومَ الحج الأكبرِ هو يومُ القَرِّ، وهو غريبٌ. ثم يومَ النَّفْر الأوَّل، وهو أوسطُها. ثم يومَ النَّفْر الثاني، وهو آخرُها، قال اللَّهُ تعالى: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) . قال كثيرٌ من السّلَفِ: يريدُ أن المتعجِّل والمتأخِّر يُغفَر له، ويذهبُ عنه الإثمُ الذي كان عليه قبلَ حجِّه، إذا حجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفْسُقْ، ورَجَعَ من ذنوبِهِ كيومِ ولدتْهُ أمُّه، ولهذا قال تعالى: (لِمَنِ اتَّقَى) ، فتكونُ التقوى شَرْطا لذهابِ الإثم على هذا التقديرِ، وتصيرُ الآيةُ دالَّةً على ما صرَح به قول النبيِّ ﷺ : "مَن حجَّ فلم يرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع من ذُنوبِه كيومِ ولدتْهُ أمَّهُ ". وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بذكْرِه في هذه الأيامِ المعدُوداتِ، كما قالَ النبيُّ ﷺ : "إنَّها أيامُ اكْل وشُرْب وذِكرِ اللَّهِ " وذِكْرُ اللَّهِ المأمورُ بهِ في أيامِ التشريقَِ أنواعٌ متعددة: منها: ذِكْرُ اللَّه عقبَ الصَّلواتِ المكتوباتِ بالتكبيرِ في أدْبارها. وهوَ مشروعٌ إلى آخرِ أيَّام التشريقِ عند جمهورِ العلماءِ. وقد رُوي عن عمرَ

стр. 137

وعليٍّ وابنِ عباسٍ، وفيه حديث مرفوع في إسنادِهِ ضعف. ومنها: ذِكْرُه بالتَّسميةِ والتكبيرِ عند ذبْح النُّسُك، فإنَّ وقتَ ذبْح الهدايا والأضاحي يمتدُّ إلى آخر أيامِ التشريقِ عند جماعةٍ من العلماءِ، وهو قولُ الشافعيِّ، ورواية عن الإمامِ أحمدَ، وفيه حديثٌ مرفوع: "كلُّ أيام مِنًى دبْحٌ "، وفي إسنادهِ مقالٌ. وأكثرُ الصحابةِ على أنَّ الذبح يختصُّ بيومين من أيَّامِ التشريقِ مع يومِ النَّحْرِ، وهو المشهورُ عن أحمدَ، وقول مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والأكثرينَ. ومنها: ذِكْرُ اللَّهِ على الأكْلِ والشربِ؛ فإن المشروع في الأكلِ والشربِ أن يُسمِّيَ اللَّه في أولِهِ، ويحمَدَهُ في آخر. وفي الحديثِ عن النبيِّ ﷺ : "إن اللَّهَ يرْضَى عن العبْدِ أن يأكُلَ الأكْلَةَ فيحمدَهُ عليها، ويشربَ الشَّرْبةَ فيحمَدَهُ عليها". وقد رُوي أنَّ من سمَّى على أول طعامه وحمدَ اللَّهَ على آخر، فقد أدَّى ثمنَه، ولم يُسأل بعدُ عن شكر. ومنها: ذِكْرُهُ بالتكبيرِ عند رَمْي الجمارِ في أيَّامِ التشريقِ، وهذا يختصُّ بِهِ أهلُ الموسم. ومنها: ذِكْرُ اللَّه تعالَى المطلقُ، فإنَّه يستحبُّ الإكثارُ منه في أيَّامِ التشريقِ. وقد كان عُمَرُ يُكبِّر بمنًى في قبّته، فيسمعُهُ الئاسُ فيكبِّرون فترتجّ منًى تكبيرًا. وقد قال اللَّهُ تعالى:

стр. 138

(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) . وقد استحبَّ كثير من السَّلفِ كثرةَ الدعاء بهذا في أيام التشريقِ. قال عكرمة: كان يُستحبُّ أن يُقالَ في أيامِ التشريقِ: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) . وعن عطاءٍ، قال: ينبغِي لكُلِّ من نَفَر أن يقولَ حين ينفرُ متوجهًا إلى أهلِه: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) . خرَّجهما عبدُ بن حُميدٍ في "تفسيره" وهذا الدعاءُ من أجمع الأدعيةِ للخير. وكانَ النبي ﷺ يكثرُ منه. ورُوي أنَّه كان أكثرَ دعائِهِ، وكانَ إذا دعا بدعاءٍ جعله معه، فإنَّه يجمعُ خيرَ الدنيا والآخرةِ. قالَ الحسنُ: الحسنةُ في الدُّنيا العْلمُ والعبادةُ، وفي الآخرةِ الجنة. وقالَ سفيانُ: الحسنةُ في الدنيا العِلْمُ والرزقُ الطيّبُ؛ وفي الآخرةِ الجنة. والدُّعاءُ من أفضلِ أنواع ذكْرِ اللَّهِ . وقد روى زيادٌ الجصَّاصُ عن أبي كنانةَ القرشيِّ أنَّه سمع أبا مُوسى الأشعريَّ، يقولُ في خطبتِهِ يومَ النَّحْر: بعد يومِ النَّحرِ ثلاثةُ أيامٍ التي ذكرَ اللَّهُ الأيامَ المعدُوداتِ لا يُرَدُّ فيهنَ الدُّعاءُ. فارفعُوا رغبتكُم إلى اللَّهِ . وفي الأمرِ بالذكرِ عند انقضاء النُّسُك معنًى، وهو أنَّ سائر العباداتِ

стр. 139

تنقضِي ويُفرغُ منها، وذِكْرُ اللَّه باقٍ لا ينقضي ولا يفرغ منه، بل هو مستمرٌ للمؤمنينَ في الدنيا والآخرةِ. وقد أمرَ اللَّه تعالى بذكر عند انقضاءِ الصلاةِ، قال اللَّهُ تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) . وقال تعالى في صلاةِ الجمعةِ: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) . وقال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) . رُوي عن ابنِ مسعود، قالَ: فإذا فرغتَ من الفرائضِ فانْصَبْ. وعنه في قولِه تعالى: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) قال: في المسألةِ، وأنتَ جالسٌ. وقال الحسنُ: أمرَه إذا فرغَ من غزوهِ أن يجتهدَ في الدُّعاءِ والعبادةِ. والأعمالُ كلُّها يُفرغُ مِنْهَا، والذِّكْرُ لا فراغَ له، ولا انقضاءَ، والأعمالُ تنقطعُ بانقطاع الدنيا ولا يبقى منها شيءٌ في الآخرة، والذِّكرُ لا ينقطعُ. المؤمنُ يعيشُ على الذكرِ، ويموتُ عليه، وعليه يُبعثُ. أحسِبْتُمُ أنَّ اللياليَ غَيَّرَْتْ. . . عهْدَ الهَوى لا كانَ مَن يتغيَرُ يفنى الزَّمانُ وليس يفنى ذِكْرُكُمْ. . . وعلى محبَّتِكُم أمُوتُ وأحْشَرُ قال ذو النون: ما طابتِ الدُّنيا إلا بذكره، ولا الآخرةُ إلا بعفوه، ولا الجنَّةُ إلا برؤيتِهِ.

стр. 140

بذكر اللَّهِ ترْتَاحُ القُلُوبُ. . . ودُنيانا بذكْراهُ تطيبُ إذا ذُكِرَ المحبوبُ عندَ حبيبِهِ. . . ترَنَّح نشوانٌ وحنَّ طروبُ فأيَّامُ التشريقِ يجتمعُ فيها للمؤمنينَ نعيمُ أبدانهِم بالأكْل والشُّربِ، ونعيمُ قلوبهِم بالذِّكرِ والشكرِ، وبذلكَ تتمُّ النِّعمةُ، وكلمَا أحدثُوا شكرًا على النِّعمةِ كان شكرُهُم نعمةً أخرى، فيحتاجُ إلى شكرٍ آخرَ، ولا ينتهي الشكر أبدًا. إذا كان شكْرِي نعْمةَ اللَّهِ نعْمَةً. . . عليَّ لَهُ في مِثْلِها يجبُ الشُّكْرُ فكيف بلوغ الشُّكْر إلا بفضلِهِ. . . وإنْ طالتِ الأيَّامُ واتَّصلَ العُمْرُ وفي قول النبيِّ ﷺ : "إنَّها أيامُ أكْلٍ وشُرْب وذِكْرِ اللَّهِ "، إشارةٌ إلى أنَّ الأكل في أيام الأعيادِ والشُّربَ إنَّما يستعانُ به على ذِكْرِ اللَّهِ تعالى وطاعتِهِ، وذلكَ من تمامِ شُكْرِ النِّعْمة أن يستعانَ بها على الطاعاتِ. وقد أمرَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ بالأكلِ من الطَيِّباتِ والشكرِ لَهُ، فمنَ استعانَ بنعمِ اللَّهِ على معاصِيه فقدْ كفرَ نِعْمةَ اللَّهِ وبدَّلَها كُفْرًا، وهو جديرٌ أن يُسْلَبَها، كما قيل: إذا كنتَ في نعْمةٍ فارْعَها. . . فإنَّ المعاصي تُزيلُ النعم وداوِمْ عليها بشُكْر الإلهِ. . . فشُكْرُ الإله يزيلُ النقَم وخصوصًا نعمةُ الأكلِ من لحومِ بهيمةِ الأنعامِ، كما في أيامِ التشريقِ، فإنَّ هذه البهائمَ مطيعةٌ للَّه لا تعصيه، وهي مُسبِّحةٌ له قانتةٌ، كما قال تعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) ، وأنَّها تسجد لَهُ، كما أخبرَ بذلكَ

стр. 141

في سورةِ النحلِ وسورةِ الحج، وربما كانت أكثر ذكرًا للَّهِ من بعضِ بني آدمَ. وفي "المسندِ" مرفوعًا: "رُبَّ بهيمةٍ خيرٌ من راكِبِها، وأكثرُ للَّهِ منه ذكرًا". وقد أخبر اللَّه تعالى في كتابِهِ أنَّ كثيرًا من الجنِّ والإنسِ كالأنعامِ بل هم أضلُّ. فأباحَ اللَّهُ ذبْحَ هذه البهائم المطيعةِ الذاكرةِ له لعبادِهِ المؤمنينَ حتى تتقوى بها أبدانُهم، وتكمُلَ لذَّاتُهم في أكلِهِم اللحومَ، فإنَها من أجلِّ الأغذيةِ وألذِّها، مع أنَّ الأبدانَ تقومُ بغيرِ اللحم من النباتاتِ وغيرها، لكن لا تكمُل القوَّةُ والعقلُ واللذةُ إلا باللحم، فأباحَ للمؤمن قَتْلَ هذه البهائم والأكْلَ من لحومها، ليكمّل بذلك قوَّةَ عباده وعقولَهم، فيكونُ ذلك عوْنًا لهم على علومٍ نافعةٍ وأعمال صالحةٍ يمتازُ بها بنو آدمَ على البهائم، وعلى ذكْرِ اللَّه ، وهو أكثرُ من ذكرِ البهائم، فلا يليقُ بالمؤمن مع هذا إلا مقابلةُ هذه النعم بالشكرِ عليهَا، والاستعانةُ بها على طاعةِ الله ، وذكْرِه حيثُ فضَّلَ اللَّهُ ابنَ آدمَ على كثيرٍ من المخلوقات، وسخَّر له هذه الحيواناتِ، قال اللَّهُ تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) . فأمَّا من قَتَلَ هذه البهائمَ المطيعةَ الذَّاكرة للَّهِ ، ثم استعانَ بأكلِ لحومِهَا على معاصِي اللَّهِ ، ونسِي ذكرَ اللَّهِ ، فقد قَلَبَ الأمرَ وكفرَ النِّعمةَ، فلا كانَ من كانتِ البهائمُ خيرًا منه وأطوعً. نهارُك يا مَغْرُورُ سهْوٌ وغَفْلَة. . . وليلُك نَوْمٌ والرَّدَى لكَ لازِمُ

стр. 142

وتتعَبُ فيما سَوْفَ تكرَهُ غِبَّهُ. . . كذلك في الدُّنيا تعيشُ البهائمُ وإنَّما نُهيَ عن صيامِ أيامِ التشريقِ، لأنَّها أعيادٌ للمسلمينَ مع يومِ النَّحرِ. فلا تُصامُ بمنًى ولا غيرها عندَ جمهورِ العلماء، خلافًا لعطاءٍ، في قولِهِ: إنَّ النهي مختصّ بأهل منًى، وإنَّما نُهِي عن التطوَع بصيامها، سواء وافقَ عادةً أو لم يُوافق. فأمَّا صيامُها عن قضاءِ فرضٍ أو نَذْرٍ، أو صيامُها بمنًى للمتمتع إذا لم يجدِ الهَدْيَ، ففيه اختلافٌ مشهورٌ بين العلماءِ، ولا فرقَ بينَ يومٍ منها ويومٍ عند الأكثرين، إلا عندَ مالكٍ، فإنَّه قال: في اليومِ الثالثِ منها يجوزُ صيامُه عن نَذْرٍ خاصةً. وفي النهي عن صيامِ هذه الأيامِ والأمرِ بالأكلِ فيها والشُّرب سِرٌّ حسنٌ. وهو أنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا علِمَ ما يُلاقي الوافِدون إلى بيتِهِ من مشاقِّ السَّفرِ وتعبِ الإحرامِ وجهادِ النفوسِ على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحةَ عقيبَ ذلك بالإقامةِ بمنًى يومَ النَّحْرِ وثلاثةَ أيامٍ بعدَه، وأمرَهُم بالأكْلِ فيها من لحومِ نُسُكِهم، فهم في ضيافةِ اللَّهِ فيها، لطفًا من اللَّه بهم، ورأفةً ورحمةً. وشاركَهُم أيضًا أهلُ الأمصارِ في ذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الأمصارِ شاركُوهم في حصولِ المغفرةِ والنَّصَبِ للَّهِ والاجتهادِ في عشْرِ ذي الحجَّة، بالصَّومِ والذِّكْرِ والاجتهادِ في العباداتِ، وشاركُوهم في حُصولِ المغفرةِ وفي التقرُّبِ إلى اللَّهِ تعالى بإراقةِ دماءِ الأضاحي، فشاركُوهم في أعيادهم، واشتركَ الجميعُ في الراحةِ في أيامِ الأعيادِ بالأكْلِ والشربِ، كما اشتركُوا جميعًا في أيام العشْرِ في الاجتهادِ في الطاعةِ والنَّصَبِ، وصارَ المسلمونَ كلُّهم في ضيافةِ

стр. 143

اللَّهِ في هذه الأيامِ، يأكلونَ من رزقِه، ويشكرونَهُ على فضلِهِ. ونُهوا عن صيامِها؛ لأنَّ الكريمَ لا يليقُ به أن يُجيعَ أضيافَهُ، فكأنَّه قيل للمؤمنينَ في هذه الأيامِ: قد فَرغ عملُكم الذي عَمِلْتُموه، فما باقي لكُم إلا الرَّاحةُ؛ فهذه الرَّاحةُ بذلك التعبِ، كما أُريح الصائمونَ لله في شهر رمضانَ بأمرِهم بإفطارِ يومِ عيدِ الفطر. ويؤخذُ من هذا إشارةٌ إلى حالِ المؤمنِ في الدنيا، فإنَّ الدُّنيا كلَّها أيامُ سفرٍ كأيَّامِ الحجِّ، وهي زمانُ إحرامٍ المؤمنِ عمَّا حرَّم اللَّهُ عليه من الشهواتِ. فمن صبَرَ في مدَّةِ سفرِهِ على إحرامِهِ وكفَّ عن الهوى، فإذا انتهى سفرُ عمى، ووصَلَ إلى مِنَى المُنَى، فقد قضى تَفَثَه ووفَّى نذْرَه، فصارتْ أيامُه كلُّها كأيامِ مِنًى، أيامُ أكل وشُربٍ وذكر اللَّه . وصارَ في ضيافةِ اللَّهِ في جوارر أبدَ الأبدِ، ولهذا يُقال لأهلِ الجنةِ: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) . وقد قيل: إنَّها نزلتْ في الصُّوَامِ في الدنيا. * * * قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) وقولِ اللَّهِ : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) إلى قوله: (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) .

стр. 144

خرَّج مسلمٌ في "صحيحهِ " من حديثِ حمَّاد بن سلَمَةَ: نا ثابتٌ، عن أنَسٍ، أنَّ اليهودَ كانوا إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يُؤاكلُوها ولم يُجامِعوهُنَّ في البيوتِ، فسأل أصحابُ النبيَِّ ﷺ النبيَّ ﷺ ، فأنزل اللَّهُ : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إلى آخرِ الآيةِ. فقال رسول اللهِ ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلا النكِّاحَ " - وذكر بقيَّةَ الحديثِ. فقولُهُ : (وَيَسْألُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) ، أي: عن حُكمِهِ والمباشرةِ فيه. و"المحيضُ "، قيل: إنَّه مَصْدَرٌ كالحَيْضِ، وقيلَ: بل هو اسم للحيض. فيكونُ اسمَ مصدرٍ. وقولُهُ تعالى: (قُلْ هُوَ أَذًى) ، فُسِّر الأذى بالدَّمِ النَّجسِ وبما فيه من القَذَرِ والنّتنِ وخروجهِ من مَخْرج البَوْل، وكل ذلك يُؤذِي. قال الخطَّابيُّ: الأذي هو المكروهُ الذي ليسَ بشديد جدًّا، كقولِهِ: (لَن يَضُرُوكُمْ إِلاَّ أَذًى) ، وقولِهِ: (إِن كانَ بِكمْ أَذًى مِن مَطَرٍ) ، قال: والمرادُ: أذًى يعتزِل منها مَوْضِعَه لا غيره، ولا يتعدَّى ذلك إلى سائرِ بدنِها، فلا يُجْتنبْنَ ولا يُخْرَجْنَ من البيوت كفعلِ المَجُوسِ وبعض أهلِ الكتابِ، فالمرادُ: أن الأذى بهنَّ لا يبلغ الحدَّ الذي يُجاوِزُونه إليه، وإنَّما يُجْتنب منهن موضحُ الأذى، فإذا تطهَّرنَ حلَّ غِشْيانُهنَّ. وقولُهُ تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) ، قد فسَّره النبيُّ ﷺ باعتزال النكاح. وسيأتي فيما بعدُ - إنْ شاء اللَّهُ تعالى - ذِكْرُ ما يَحْرُم من

стр. 145

مباشرةِ الحائضِ وما يَحِلُّ منه في البابِ الذي يخْتَصُّ المباشرةَ من الكتابِ. وقد قيلَ: بأن المرادَ بالمحيضِ ها هُنا: مكانَ الحيضِ، وهو الفَرجُ، ونصَّ على ذلكَ الإمامُ أحمدُ، وحكاه الماورْدِيُّ عن أزواج النبيِّ ﷺ وجمهورِ المفسرينَ، وحكى الإجماعَ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ المذكورِ في أولِ الآية: الدَّمُ. وقد خالفَ في ذلك ابنُ أبي موسى من أصحابنِا في "شرح الخِرَقي ". فزعم أن مذهبَ أحمدَ أنَّه الفرجُ - أيضًا -، وفيه بُعدٌ. وجمهورُ أصحابِ الشافعيِّ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ في الآيةِ الدَّمُ، في الموضعينِ. وقولُهُ: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ) ، نهي بعدَ الأمرِ باعتزالِهنَّ في المحيضِ عن قرْبأنهنَّ فيه، والمرادُ به: الجماعُ - أيضًا -، وفيه تأكيد لتحريمِ الوَطْءِ في الحيضِ. وقولُهُ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فيه قراءتان: "يَطهُرْنَ " - بسكُونِ الطاءِ وضمَ الهاءِ -، و"يَطَّهَّرْنَ " - بفتح الطاءِ وتشديدِهَا وتشديدِ الهاءِ. وقد قيل: إنَّ القراءة الأولى أُريدَ بها انقطاعُ الدَّمِ، والقراءةُ الثانيةُ أُريدَ بها التَّطَهُّر بالماءِ. وممن فسر الأولى بانقطاع الدمِ ابنُ عباسٍ ومُجاهد وغيرُهما. وابنُ جريرٍ وغيرُهُ: يشيرونَ إلى حكايةِ الإجماع على ذلكَ. ومنَعَ غيرُه الإجماعَ، وقال: كل من القراءتينِ تحتملُ أن يُراد بها الاغتسالُ بالماءِ، وأنْ يُراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوَالُ أذَاهُ.
следующие страницы →