← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

سُورَةُ لُقْمَانَ قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) فأمَّا تحريمُ الغناءِ: فقد استُنبطَ من القرآنِ من آياتِ متعدّدة. فمن ذلكَ: قولُ اللَّهِ : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) الآية. قالَ ابن مسعود ﵁: هوَ - واللَّهِ - الغناء. وقال ابنُ عباسِ: هو الغناءُ وأشباهُه، وفسَّره أيضًا بالغناءِ خَلقٌ من التابعينَ منهُم: مجاهد وعكرمةُ والحسنُ وسعيدُ بنُ جبير وقتادةُ والنَّخعيُ وغيرُهم، وقال مجاهد في قولِهِ تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) : قالَ: الغناءُ والمزاميرُ. وقالَ ابنُ عباس ﵄ في قولِهِ تعالى: (وَأَنتُمْ سَامِدُونَ) قال: هو الغناءُ - بالحِمْيَريةِ. وقال بعضُ التابعينَ في قولِهِ تعالى: (وَإِذَا مَروا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) قالَ: إن اللغوَ هنا: الغناءُ. وعن أبي أمامَة عن النبيِّ ﷺ قالَ: "لا تبيعُوا القَيْناتِ، ولا تشتروهُنَّ، ولا تُعلموهُنَّ، ولا خير في تجارة فيهنَّ، وثمنهُن حَرامٌ. في مثلِ هذا أنزلت هذه الآيةُ: (وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيتِ) الآية".

стр. 772

خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من روايةِ عبيْدِ اللَّهِ بن زحر عن عليِّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامةَ، وقال: قد تكلمَ بعضُ أهلِ العلمِ في عليِّ بنِ يزيدَ وضعَّفهُ، وهوَ شاميّ. وذكرَ في كتابِ "العللِ " أنه سَأل البخاريَّ عن هذا الحديثِ فقالَ: عليٌّ بنُ يزيدَ ذاهبُ الحديثِ، ووثّقَ عبيدَ اللَّهِ بنَ زحرٍ والقاسمَ ابنَ عبدِ الرحمنِ، وخرَّجه محمدُ بنُ يحيى الهمذانيُّ الحافظُ الفقيهُ الشافعيّ في "صحيحِهِ "، وقالَ: عبيدُ اللَّهِ بن زحر: قال أبو زرعةَ: لا بأسَ به صَدوقٌ. قلتُ: عليٌّ بنُ يزيدَ لم يتفقوا علي ضَعْفِهِ. بل قالَ فيه أبو مُسْهرٍ - وهوَ من بلدِهِ وهو أعلمُ بأهلِ بلدِهِ من غيرِهِم - قالَ فيه: ما أعلمُ فيه إلا خيرًا. وقال ابنُ عديً: هو في نفسهِ صالحٌ، إلا أنْ يروي عنه ضعيفٌ فيُؤتَى من قبلِ ذلكَ الضعيفِ. وهذا الحديثُ قد رواه عنه غيرُ واحدٍ من الثقاتِ. وقد خرَّجَ الإمامُ أحمدُ من روايةِ فرج بنِ فضالةَ عن علي بنِ يزيدَ عن القاسم عن أبي أمامةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إن اللَّه بعثَني رحمةً وهدًى للعالمينَ، وأمرَني أن أمحقَ المزاميرَ والبرابِطَ والمعازفَ والأوثانَ ": وذكرَ بقيةَ الحديثِ، وفي آخرِه: "ولا يحلُّ بيعُهُنَّ، ولا شراؤهن، ولا تعليمُهن، ولا تجارةٌ فيهنَّ، وثمنُهنَ حرامٌ". يعني: الضاربات. وفرجُ بنُ فضالةَ مختلفٌ فيه أيضًا. ووثقه الإمامُ أحمدُ وغيرُه. وخرَّجَ الإسماعيليُّ وغيرهُ، من حديث عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ عن النَّبي ﷺ قالَ: "ثمنُ المغنيةِ حرامٌ، وغناؤُها حرامٌ " َ. وإسنادُه كلُّهم ثقاتٌ متفقٌ عليهِم. سوى يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ النوفليِّ. فإنه مُختلفٌ في أمرِه. وخرَّجَ حديثَه هذا محمدُ بنُ يحيى الهمذاني في صحيحهِ وقال: في النفسِ منْ يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ.

стр. 773

مع أن ابن معين قالَ: ما كانَ به بأسٌ. وبوَبَ الهمذانيُ هذا في "صحيحِهِ " على: تحريمِ بيع المغنياتِ وشرائِهنَّ. وهو من أصحابِ ابنِ خزيمةَ وكانَ عالمًا بأنواع العلومِ. وهو أولُ منْ أظهرَ مذهبَ الشافعيِّ بهمذانَ واجتهدَ في ذلكَ بمالِهِ ونفسِهِ. وكانَ وفاتُه سنةَ سبع وأربعينَ وثلاثمائةٍ - رحمه اللَّه تعالى -. وخرَّجَ في بابِ تحريمِ ثمنِ المغنيةِ من روايةِ أبي نعيم الحلبيِّ عن ابنِ المباركِ عن مالكٍ عن ابنِ المنكدرِ عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "من قعدَ إلى قينةٍ يستمعُ منها، صُبَّ في أذنيهِ الآنُكُ يومَ القيامةِ". وقال: أبو نُعيمٍ الحلبيُّ اسمه عبيدُ بنُ هشامٍ. قلتُ: قد وثقه أبو داودَ وقالَ: إنه تغيَّر بآخرةٍ. وقد أنكرَ عليه أحاديثَ تفردَ بها، منها هذا الحديثُ. وفي النهي عن بيع المغنياتِ أحاديثُ أُخرُ عن عليٍّ وعائشةَ ﵄ وغيرِهما، وفي أسانيدِهَا مقالٌ. وروى عامرُ بنُ سعدٍ البجليُّ قال: دخلتُ على قرظةَ بنِ كعبٍ وأبي مسعودٍ الأنصاريِّ في عُرْس، فإذا جواري يتغنينَ، فقلتُ: أنتم أصحابُ محمدٍ وأهلُ بدر، ويُفعلُ هذا عندكُم؟! قال: اجلسْ إن شئْتَ واسمعْ، وإن شئتَ فاذهبْ؛ فإنَّه قد رُخِّصَ لنا في اللهوِ عندَ العرسِ. خرَّجَه النسائيُّ والحاكم وقال: صحيح على شرطِهما. والرخصةُ في اللهوِ عند العرسِ تدلُّ على النهيِّ عنهُ في غيرِ العُرسِ، ويدل عليه قولُ النبيِّ ﷺ في حديثِ عائشةَ ﵂ المتفقِّ عليه في "الصحيحينِ: " لمَّا دخلَ عليها وعندَها جاريتانِ تغنيانِ وتدفانِ. فانتهرهُما أبو بكر الصِّديقُ ﵁،

стр. 774

وقالَ: مَزمورُ الشيطانِ عندَ رسولِ اللَّه ﷺ ؟! فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "دعهُما، فإنها أيامُ عيدٍ". فلم يُنكرْ قولَ أبي بكرٍ ﵁. وإنّما علَّل الرخصةَ بكونهِ في يومِ عيدٍ؛ فدلَّ على أنَّه يُباح في أيامِ السرورِ: كأيامِ العيدِ، وأيامِ الأفراح: كالأعراسِ وقدومِ الغُيَّابِ، ما لا يُباحُ في غيرِها من اللهوِ. وإنما كانتْ دفوفُهم نحوَ الغرابيلِ وغناؤُهم بإنشادِ أشعارِ الجاهليةِ في أيامِ حروبهِم وما أشبهَ ذلكَ. فمن قاسَ على ذلكَ سماعَ أشعارِ الغزلِ مع الدفوفِ المصلصلةِ، فقدْ أخطأ غايةَ الخطأ، وقاسَ مع ظهورِ الفرقِ بين الفرع والأصلِ. وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: " الغناءُ يُنبتُ النفاقَ في القلبِ، كما ينبتُ الماءُ البقل ". وقد رُوي عنه مرفوعًا. خرَّجَه أبو داود في بعضِ نسخ السنن. وخرَّجَه ابنُ أبي الدنيا والبيهقيُّ وغيرُهما. وفي إسنادِ المرفوع من لا يُعرفُ، والموقوفُ أشبهُ. وأما تحريمُ آلاتِ الملاهِي: فقد تقدَّم عن مجاهدٍ أنَّه أدخلَها في صوتِ الشيطانِ المذكورِ في قولِ اللَّهِ تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهم بِصَوْتِكَ) . * * *

стр. 775

قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) وأما قول جبريلَ: "أخبرني عن الساعةِ؟ فقال: ما المسئولُ عنها بأعلمَ منَ السائلِ ". فمعناه: أن الناسَ كلَّهم في وقتِ الساعةِ سواءٌ، وكلّهم غيرُ عالمينَ به على الحقيقةِ. ولهذا قال: "خمسٌ لا يعلمُهنَّ إلا اللَهُ "، ثم تلا: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية. وهذه مفاتيحُ الغيبِ، الذي لا يعلمُها إلا اللَّهُ. وقد جاءَ عن ابنِ مسعود: "أن نبيَّنا أوتِيَ علمَ كلِّ شيءٍ سوى هذه الخمسِ". ورُوي ذلك مرفوعًا من حديثِ ابنِ عمرَ. وكلاهُما في "مسندِ الإمامِ أحمدَ". وذُكرَ عندَ عَمرِو بنِ العاصِ العلمُ بوقتِ الكسوفِ قبلَ ظهورهِ، فأنكرهُ بعضُ مَن حضرَه، فقال عَمرو: إنمَا الغيبُ خمسٌ، ثم تلا هذه الآيةَ. قال: وما سوى ذلك يعلمُه قومٌ ويجهلُه قومٌ. خرَّجَه حميدُ بنُ زنجويهِ. وقد زعمَ بعضُهم كالقرطبيِّ، أن هذه الخمسَ لا سبيلَ لمخلوقٍ إلى علم بها

стр. 776

قاطع، وأما الظنُّ بشيءٍ منها بأمارةٍ قد يخطئ ويصيبُ، فليسَ ذلكَ بممتنع. ولا نفيه مراد من هذه النصوص. * * *

стр. 777

سُورَةُ السَّجْدَة قوله تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) وقولُه تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِهِ) . والمرادُ بالإنسانِ: آدمُ ﵇، ومعلوم أنَّ تسويتَهُ، ونفخَ الرُّوح فيهِ، كان قبلَ جعلِ نسلِهِ من سُلالة من ماء مهينٍ، لكنْ لما كانَ المقصودُ ذكرَ قدرةِ اللهِ في مبدأ خلقِ آدمَ وخلقِ نسلِهِ، عطفَ ذكرَ أحدِهِما على الآخرِ، وأخَّر ذكرَ تسويةِ آدمَ ونفخ الروح فيه، وإن كانَ ذلك متوسطا بين خلقِ آدمَ من طينٍ وبينَ خلقِ نسلِهِ. واللهُ أعلم. * * * قوله تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) عنْ مُعاذ ﵁ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، أخبرنِي بعمل يُدخلُنِي الجنَّةَ ويُباعِدُنِي منَ النَّارِ.

стр. 778

قالَ: "لقدْ سألتَ عنْ عظيمٍ، وإنهُ ليسيرٌ على من يسرهُ اللَّه عليه: تعبدُ الله لا تُشركُ بهِ شيئًا، وتقيمُ الصلاةَ، وتؤتِي الزَّكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ ". ثُمَّ قالَ: "ألا أدُلكَ على أبوابِ الخيرِ؛ الصَّومُ جُنَّة والصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جوفِ الليلِ، ثُمَّ تَلا: (تَتَجَافَى جُنُوبهمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) حتى بلغ: (يَعْمَلُونَ) ". ثم قالَ: "ألا أخبرُكَ برأسِ الأمرِ وعمودِه وذروةِ سنامِه؟ ". قُلتُ: بلى يا رسولَ الله. قال: " رأسُ الأمرِ: الإسلامُ، وعمودُهُ: الصلاةُ، وذروةُ سنامِهِ: الجهادُ ". ثُمَّ قالَ: "ألا أُخبركَ بملاكِ ذلكَ كلِّهِ؟ ". قُلتُ: بلى يا رسولَ اللَّه. فأخذَ بلسانهِ، قالَ: "كُفَّ عليكَ هذَا". قُلتُ: يا نَبِيَّ الله، وَإِنَّا لمؤُاخذُونَ بما نتكلَّمُ بهِ؟. فقال: "ثكلتْكَ أُمُّكَ، وهل يكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ على وجوهِهِم، - أوْ على مناخرهِم - إلا حصائِدُ ألسنتهِم ". رواهُ الترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسن صحيحٌ. هذا الحديثُ، خرَّجَه: الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجةَ. من روايةِ معمرٍ، عن عاصم بنِ أبي النجودِ، عن أبي وائلٍ، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، وقالَ الترمذيُّ: "حسنٌ صحيح".

стр. 779

وفيما قالهُ ﵀ نظر من وجهينِ: أحدهما: أنَه لم يثبتْ سماعُ أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركهُ بالسِّنِّ. وكانَ معاد بالشام، وأبو وائلٍ بالكوفةِ، وما زالَ الأئمةُ - كأحمدَ وغيرِه - يستدلُّون على انتفاءِ السّماع بمثلِ هذا، وقد قال أبو حاتمٍ الرازىُّ في سماع أبي وائل من أبي الدرداءِ: قد أدركهُ، وكان بالكُوفةِ، وأبو الدُّردَاءِ بالشامِ - يعني: أنه لم يصحَّ له سماع منهُ. وقد حكَى أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ عن قومٍ أنهم توقَّفُوا في سماع أبي وائل من عمرَ، أو نفوه، فسماعُه من معاذ أبعدُ. والثاني: أنَّه قد رواهُ حمَّادُ بنُ سلمةَ عن عاصمٍ بنِ أبي النَّجودِ عن شهرِ ابن حوشب عن معاذ، خرَّجه الإمامُ أحمدُ مختصرًا، قال الدارقطني: وهو أشبهُ بالصَّوابِ؛ لأنَّ الحديثَ معروف من رواية شهر على اختلافٍ عليه قلت: ورواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا، وشهر مختلف في توثيقهِ وتضعيفه. وقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ من روايةِ شهرٍ عن عبدِ الرحمنِ بن غنمٍ عن معاذ. وخرَّجه الإمامُ أحمدَ - أيضا - من روايةِ عُروة بن النزال - أو النزالِ ابنِ عروةَ -، وميمونِ بنِ أبي شبيب، كلاهما: عن معاذ. ولم يسمعْ عروةُ ولا ميمونُ من معاذٍ. وله طرق أخرى عن معاذٍ كلُّها ضعيفة. وقولُه: "ثم تلا: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) . يعني: أن النبيَّ ﷺ تلا هاتينِ الآيتينِ عندَ ذكرِه فضلَ صلاةِ الليلِ، ليبيِّنَ بذلكَ فضلَ صلاةِ الليلِ.

стр. 780

وقد رُويَ عن أنسٍ أن هذه الآيةَ نزلتْ في انتظارِ صلاةِ العشاءِ. خرَّجه الترمذيُّ وصححه. ورُويَ عنه أنه قالَ في هذه الآيةِ: كانُوا يتنفلونَ بينَ المغربِ والعشاءِ. خرَّجه أبو داود. ورويَ نحوُه عن بلالٍ، خرَّجه البزارُ بإسنادٍ ضعيف. وكلُّ هذا يًدخلُ في عمومِ لفظِ الآيةِ، فإنَّ اللَّهَ مدحَ الذين تتجافَى جنوبُهم عن المضاجع لدعائه، فيشملُ ذلكَ كل من تركَ النَّومَ بالليلِ لذكرِ اللَهِ ودُعائهِ، فيدخلُ فيه مَن صلًّى بينَ العشاءينِ، ومن انتظرَ صلاةَ العشاءِ فلم ينَمْ حتَّى يُصلِّيَهَا، لاسيَّما مع حاجتِهِ إلى النومِ ومجاهدةِ نفسهِ على تركهِ لأداءِ الفريضةِ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاءِ: "إنَّكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصَّلاةَ". ويدخلُ فيه من نامَ ثمَّ قامَ مِن نومه باللَّيلِ للتهجُّد، وهو أفضلُ أنواع التطوع بالصلاةِ مطلقًا. وربما دخلَ فيهِ من تركَ النوم عندَ طلوع الفجرِ، وقامَ إلى أداء صلاةِ الصُّبح، لاسيما مع غلبةِ النَّوم عليهِ، ولهذا يُشرعُ للمؤذِّن في أذانِ الفجرِ أن يقولَ في أذانهِ: الصلاةُ خيرٌ من النومِ. وقوله ﷺ : "وصلاةُ الرَّجُلِ من جوفِ الليلِ " ذكرَ أفضلَ أوقاتِ التهجُّدِ بالليلِ، وهو جوفُ الليلِ. وخرَّج النسائيُّ والترمذيُّ من حديثِ أبي أمامةَ،

стр. 781

قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: " جوفُ اللَّيلِ الآخرِ، ودُبرُ الصلواتِ المكتوباتِ ". وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا، ولفظُه: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ قالَ: أيُّ الصلاةِ أفضلُ؟ قالَ: "جوفُ اللَّيلِ الأوسطِ ". قالَ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: "دُبرُ المكتوباتِ ". وخرَّج النسائيُّ من حديث أبي ذرٍّ قالَ: سألتُ النبيَّ ﷺ : أيُّ الليلِ خير؟ قالَ: "خيرُ الليلِ: جوفُه ". وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي مسلمٍ قالَ: قلتُ لأبي ذرٍّ: أيُّ قيامِ الليلِ أفضلُ؟ قالَ: سألتُ النبيَّ ﷺ كما سألْتنَي، فقالَ: "جوفُ الليلِ الغابرِ أو نصفُ اللَّيلِ، وقليلٌ فاعلُه ". وخرَّجهُ البزارُ، والطبرانيُّ من حديثِ ابنِ عمرَ، قالَ: سُئلَ النبيُّ ﷺ : أيُّ الليلِ أجوبُ دعوةً؟ قالَ: "جوفُ الليلِ، " زادَ البزارُ في روايتهِ: "الآخِرِ". وخرَّجَ الترمذيُّ من حديثِ عمرِو بنِ عبسةَ سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: "أقربُ ما يكونُ الرَّبُّ من العبدِ: في جوفِ الليلِ الآخِر. فإنْ استطعتَ أن تكونَ ممَّن يذكرُ اللَّهَ في تلكَ الساعةِ فكنْ ". وصححهُ. وخرَّجه الإمامُ أحمدُ، ولفظُه: قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الساعاتِ أفضل؟

стр. 782

قالَ: "جوفُ الليلِ الآخِرِ" وفي روايةٍ لهُ - أيضًا -: قالَ: "جوفُ الليلِ الآخِرِ أجوبُه دعوة". وفي روايةٍ له: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هل مِنْ ساعةٍ أقربُ إلى اللَّهِ من أُخرى؟ قال: "جوفُ الليلِ الآخِرِ". وخرَّجه ابنُ ماجةَ، وعندَهُ: "جوفُ اللَّيلِ الأوسطِ ". وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ عن عمرِو بنِ عبسةَ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هل منْ ساعةٍ أفضلُ من ساعةٍ؟ قالَ: "إنَّ اللهَ ليتدلَّى في جوفِ الليلِ، فيغفرُ، إلا ما كانَ من الشركِ ". وقد قيلَ: إن جوفَ اللَّيلِ إذا أطلقَ فالمرادُ به: وسطُه. وإن قيلَ: جوفُ الليلِ الآخرِ، فالمرادُ وسطُ النِّصفِ الثانِي، وهو السُّدسُ الخامسُ من أسداسِ الليلِ، وهو الوقتُ الذي ورد فيه النُّزولُ الإلهي. * * * وروَى عطيةُ، عن أبي سعيد، قال: إنَّ اللَّهَ خَلق جنَّة عدنٍ من ياقوتةٍ حمراءَ، ثم قال لها: تزيَّني فتزينت، ثم قالَ لها: تكلَّمِي، فقالت: طُوبى لمن رضيتَ عنه، ثم أطبقها وعلَّقها بالعرشِ، فهي تُفتحُ في كلِّ سحرٍ، فذلك بردُ السحرِ. - وعن ابن عبَّاس، قال: كان عرشُ اللَّه على الماءِ، ثم اتخذَ لنفسِه جنَّةً، ثم اتخذَ دونها أخرى، وطبَّقهما بلؤلؤةٍ واحدةٍ لا يعلمُ الخلائقُ ما فيهما وهما اللتانِ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) . وذكرَ صفوانُ بنُ عمرٍو، عن بعضِ مشايخهِ، قال: الجنةُ مائةُ درجةٍ: أولها: درجةُ فِضةٍ، وأرضُها فِضةٌ، ومساكنُها فضةٌ، وترابها المسكُ.

стр. 783

والثانية: ذهبٌ، وأرضُها ذهبٌ، وآنيتها ذهبٌ، وترابُها المسكُ. والثالثة: لؤلؤ، وأرضُها لؤلؤ، وآنيتُها لؤلؤ، وترابُها المسكُ، وسبعٌ وتسعونَ بعد ذلك ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، ثم تلا: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) . وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "يقولُ اللهُ عر وجلَّ: أعددتُ لعبادي الصَّالحينَ ما لا عين رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ". ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءُوا إن شئتم: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) . وفي "صحيح مسلمٍ" عن المغيرةِ بنِ شعبة - يرفعه: "سألَ موسى ربَّه، قال: ياربّ، ما أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً؟ قال: هو رجل يجيءُ بعدما أُدخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ. فيقالُ له: ادخُلِ الجنَّةَ، فيقولُ: ياربِّ، كيفَ وقد أخذَ الئاسُ منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقالُ له: أترضى أن يكون لكَ مثلُ مُلكِ ملكٍ من مُلُوكِ الدُّنيا؟ فيقولُ: رضيتُ يا ربِّ. فيقولُ: لك ذلك ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ، فقال له في الخامسة: رضيتُ يا ربِّ، فيقالُ: هذا لكَ وعشرةُ أمثالهِ، ولكَ ما اشتهتْ نفسُك ولذَّت عينُك، فيقولُ: رضيتُ ربِّ. قال: فأعلاهُم منزلةً؟ قال: أولئك الذينَ أردتُ، غرستُ كرامتَهُم بيدِي، وختمتُ عليها، فلم ترَ عينٌ ولم تسمعْ أذنٌ ولم يخطرْ على قلبِ بشرٍ. قال: ومصداقُهُ في كتاب الله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) ". * * *

стр. 784

سُورَةُ الأحْزَاب قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) كانت مجالسُ النبيِّ ﷺ مع أصحابه عامتُها مجالسَ تذكيرٍ باللَّهِ وترغيبٍ وترهيبٍ، إمَّا بتلاوةِ القرآنِ، أو بما آتاهُ اللَّه من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما ينفعُ في الدِّين، كما أمَرَه اللَّهُ تعالى في كتابه أن يذكِّرَ ويعِظَ ويقُصَّ، وأن يدعوَ إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشَر ويُنذرَ، وسمَّاه اللَّهُ: (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) . والتبشير والإنذارُ هو الترغيبُ والترهيبُ، فلذلك كانتْ تلك المجالسُ توجبُ لأصحابِهِ رقَّةَ القلوبِ والزهُدَ في الدُّنيا والرَّغبةَ في الآخرةِ. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) و"الجِلْباب ": قال ابن مسعودٍ ومجاهدٌ وغيرُهما: هو الرِّداءُ، ومعنى ذلك: أنه للمرأة كالرداءِ للرجلِ، يسترُ أعلاها، إلا أنه يُقَنِّعُها فوقَ رأسِهَا، كما

стр. 785

يضعُ الرجلُ رداءَه على منْكِبَيْه. وقد فسَّر عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ قولَ اللَّهِ : (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ) : بأنها تُدنيه من فوقِ رأسِهَا، فلا تُظْهِر إلا عَيْنَها، وهذا كانَ بعد نزولِ الحجابِ، وقد كُنَّ قبلَ الحجابِ يَظهرن بغيرِ جلبابٍ، ويُرى من المرأةِ وجهُها وكَفَّاها، وكان ذلك ما ظهرَ منها من الزينة في قولِهِ : (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) . ثم أُمِرَتْ بستْرِ وجهِها وكفيها، وكان الأمْرُ بذلك مختصًا بالحرائرِ دونَ الإماءِ، ولهذا قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) . يعني: حتى تُعرفَ الحرةُ فلا يتَعَرَّضُ لها الفُسَّاقُ، فصارتِ المرأةُ الحرةُ لا تخرج بين الناسِ إلا بالجلبابِ، فلهذا سُئل النبيُّ ﷺ لما أمَرَ النساءَ بالخروج في العيدين، وقيل له: المرأةُ منا ليسَ لها جلبابٌ؟ فقال: "لتُلبسْها صاحبتُها من جلبابها" يعني: تُعِيرُها جلبابًا تخرجُ فيه. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) خرَّج البخاريُّ من حديثِ: مَعْمَر، عنْ همَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كان بنو إسرائيل يغْتَسِلُونَ عُرَاةً، ينظرُ بعضُهُم إلى بعضٍ، وكان مُوسى ﵇ يَغْتسلُ وحْدَهُ، فقالوا: واللَّهِ، ما يمنع مُوسَى أنْ يغْتَسِلَ معنا، إلا أنَّهُ آدَرُ،

стр. 786

فذهبَ مرَّة" يغتسلُ، فوضعَ ثوبَهُ على حَجَرٍ، ففر الحجَرُ بثَوْبِهِ، فخَرَجَ مُوسَى في إثْرِه، يقولُ: ثَوْبَي يا حَجَرُ، ثَوْبِي يا حجرُ، حتَّى نظرتْ بَنُو إسرائيل إلى مُوسى، فقالوا: واللًّه، ما بمُوسَى بأسٌ، وأخَذَ ثوْبَهُ، فطَفِقَ بالحَجَرِ ضرْبًا". قالَ أبو هريرة: واللَّهِ، إنَّهُ لندَبٌ بالحَجَرِ - ستَّةٌ أوْ سبْعَةٌ - ضربًا بالحَجَرِ. وعن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "بيْنَا أيُّوبُ ﵇ يغْتَسِلُ عُرْيَانًا فخرَّ عليه جَرَادٌ من ذَهَبٍ، فجعل أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثوبهِ، فناداهُ ربُّه: يا أيُّوبُ، ألم أكُنْ أغْنَيتُك عمَّا تَرى؟ قال: بلى وعِزتكَ، ولكنْ لا غِنَى بي عنْ بَرَكتِكَ". ورواه إبراهيمُ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن صفْوَانَ بنِ سُلَيْم، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : "بَيْنَا أيُّوبُ ﵇ يغْتَسِلُ عُرْيَانًا ". وخرَّجَ البخاريُّ في "أخبار الأنبياءِ" من "صحيحِهِ " هذا قصةَ موسى - ﵇ من وجهٍ آخر، من روايةِ عوف، عن ابنِ سيرينَ والحسنِ وخلاسٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ موسى ﵇ كان رجلاً حيِيًّا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء، استحياءً منه، فآذاه من آذَاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستترُ هذا السترَ إلا من عيب بجلدِهِ، إما برصٌ وإما أدرةٌ وإما آفةٌ، وإن اللَّه أرادَ أن يُبرَئه، فخلا يومًا وحدَه، فوضعَ ثيابَه على الحَجَرِ، ثم اغتسلَ، فلما فرغَ أقبلَ إلى ثيابِهِ، ليأخذها، وإن الحجرَ عدا بثوبِهِ، فأخذَ موسى عصاهُ، وطلبَ الحجرَ، فجعلَ يقولُ: ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ، حتى انتهى إلى ملإِ بني إسرائيلَ، فرأوْهُ عُريانًا، أحسنَ ما خلَقَ اللهُ،

стр. 787

وأبرأهُ اللَّه مما يقولونَ، وقامَ الحجرُ، فأخذَ ثوبَهُ فلبسَهُ، وطفقَ بالحجر ضربًا - ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا -، فذلك قولُهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) . "الأدرةُ": انتفاخُ الخصيةِ. و"الندبُ ": الأثرُ الباقي في الحجرِ، من ضربِ موسى ﵇ له. قال الخطابيُّ: وفيه من الفقهِ: جوازُ الاطلاع على عوراتِ البالغينَ، لإقامة حقًّ واجبٍ كالختانِ ونحوه. قلتُ: هذا فيه نظرٌ " فإن موسى ﵇ لم يقصدِ التعرِّي عندَ بني إسرائيل " لينظرُوا إليه، وإنَّما قدَّر اللَّهُ له ذلك حتى يبرئَه عندهم مما آذوْه به. وقد يقالُ: إنَّ اللَّهَ لا يقدِّرُ لنبيِّه ما ليسَ بجائزٍ في شرعِهِ. وأما الاستدلالُ به على جوازِ الاغتسالِ في الخلوةِ عُريانًا، فهو مبنيٌّ على القولِ بأن شرعَ مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا، ما لم يأتِ شرْعُنا بخلافِهِ. وقد استدلَّ بهذا على جوازِ الغسلِ في الخلوةِ عُريانًا: إسحاقُ بنُ راهويه - أيضًا -، وذكر أنه وإنْ كان شرعَ من قبلنا، إلا أنه لم يردْ شرعُنا بخلافِهِ. وقد يمنعُ هذا من يقولُ: قد ورد شرعُنا بالتسترِ في الخلوةِ - أيضًا -. وسيأتي بيانُ ذلك في البابِ الآتي - إن شاء اللَّه تعالى. وقد روى حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ . قال: "إنَّ موسى بنَ عمران ﵇ كان إذا أراد أن يدخلَ الماءَ لم يُلقِ ثوبَهُ، حتى يواريَ عورتَهُ في الماء".

стр. 788

خرَّجه الإمامُ أحمد. وعليٌّ بنُ زيد، هو: ابنُ جُدْعَانٍ، متكلَّمٌ فيه. وكذا القولُ في الاحتجاج بحديثِ أيوبَ ﵇ عُريانًا. وأمَّا الطريق الذي ذكره البخاريُّ تعليقًا لحديثِ اغتسالِ أيوبَ - عليه السلامُ -؛ فخرَّجه الإمام (١) . * * * سُورَةُ سَبَأٍ قوله تعالى: (إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول: في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُوموا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) . قال: المعنى: أن يكون قيامكم خالصًا للَّه ، لا لغلبة خصومكم، فحينئذ تفوزون بالهدى. * * *

стр. 789

سُورَةُ فَاطِرٍ قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) قال ابنُ الجَوزِي فِي "المُقتَبَسِ ": سَمِعتُ الوَزير يقولُ في قَولِهِ تَعالى (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) . قالَ: فَطَلَبتُ الفِكرَ في المُناسَبَةِ بَين ذكْرِ النِّعمَةِ وَبَين قوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ، فرأيت أنَّ كُلَّ نعمة ينالها العبدُ فاللًّه خالقُها، فقد أنعمَ بخلقه لتلك النعمة، وَبِسَوقِهَا إلى المُنعَم عليه. ً * * * قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) وقولُهُ: "والطيباتُ "، فُسرتْ بالكلماتِ الطيباتِ، كما في قولِهِ تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) ، فالمعنى: إنَّ ما كان من الكلامِ فإنَّه للَّه. يُثنَى به عليه ويُمجَّدُ به. وفُسرتِ "الطيبات " بالأعمال الصالحة كلِّها، فإنها توصفُ بالطيّب. فتكونُ كلُّها للَّه، بمعنى: أنه يُعبدُ بها ويُتقرت بها إليه. * * *

стр. 790

قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) أما سماعُ الموتى لكلامِ الأحياءِ: ففي "الصحيحينِ " عن أنسٍ، عن أبي طلحةَ، قال: لمَّا كانَ يومُ بدرٍ وظهرَ عليهم رسول اللَّهِ ﷺ أمرَ ببضعةٍ وعشرينَ رجلاً، وفي رواية أربعةً وعشرينَ رجلاً من صناديدِ قريشٍ، فألقُوا في طوىً من أطواءِ بدرٍ، وإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نادَاهم قالَ: "يا أبا جهلِ بنَ هشامٍ، يا أميَّة بنَ خلفٍ، يا عتبةَ بنَ ربيعةَ، يا شيبةَ بنَ ربيعةَ، أليسَ قدْ وجدتُم ما وعدَ ربُّكم حقًّا؟ فإنِّي قد وجدتُ ما وعدنِي ربِّي حقَّا" فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّه ما تُكلِّم من أجسادٍ لا أرواحَ فيها، فقال: "والذي نفسِي بيدِهِ ما أنتُم بأسمعَ لمَا أقولُ منهم ". وفي "صحيح مسلم" من حديث أنسٍ نحوُهُ من غيرِ ذكرِ أبي طلحةَ. وفي حديثِهِ قال: "والذي نفسِي بيدِهِ، ما أنتُم بأسمعَ لمَا أقولُ منهم، ولكنهم لا يقدرونَ أن يجيبُوا". وفيه - أيضًا - عن أنسٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ عن النبي ﷺ هذه القصة بمعناها. وفي "الصحيحينِ " عن ابنِ عمرَ ﵄، قال: اطَّلع رسولُ اللَّه ﷺ على أهلِ القَليبِ، فقالَ: "وجدتُم ما وعدَكُم حقًّا؟ " فقيلَ له: أتدعُو أمواتًا؟ قال: "ما أنتُم بأسمعَ منهم، ولكنَّهم لا يجيبون " وفي روايةٍ قالَ: "إنهم الآنَ يسمعونَ ما أقولُ ". وقد أنكرتْ عائشةُ ﵂ ذلك، كما في "الصحيحينِ "

стр. 791

عن عروةَ، عن عائشة ﵂، أنها قالتْ: ما قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنهم ليسمعونَ الآنَ ما أقولُ ". وقد وهِمَ - يعني ابن عمرَ - إنما قال: "إنهم ليعلمونَ الآنَ ما كنتُ أقولُ لهُم إنه حقٌّ " ثم قرأت قولَه: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) . (وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي الْقُبورِ) . وقد وافقَ عائشةَ على نفي سماع الموتى كلامَ الأحياءِ طائفة من العلماءِ. ورجَّحَهُ القاضي أبو يعْلى من أصحابِنا، في كتابِ "الجامعِ الكبيرِ" له. واحتجّوا بما احتجتْ به عائشةُ ﵂، وأجابُوا عن حديثِ قليبِ بدرٍ بما أجابتْ به عائشة ﵂ وبأنه يجوزُ أن يكونَ ذلك معجزةً مختصةً بالنبيِّ ﷺ دون غيرِهِ، وهو سماعُ الموتى لكلامِهِ. وفي "صحيح البخاريِّ " عن قتادةَ قالَ: أحياهُم اللَّهُ تعالى يعني أهلَ القليبِ حتى أسمعَهُم قولَه، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا. وذهب طوائفُ من أهلِ العلم إلى سماع الموتى في الجملةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: ذهبَ إلى ذلكَ جماعة من أهلِ العلم - وهم الأكثرونَ - وهو اختيارُ الطبريِّ وغيره، ويعني بالطبريِّ: ابنَ جريرٍ، وكذلكَ ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ وغيرُه من العلماءِ، وهؤلاءِ يحتجونَ بحديثِ القليبِ، كما سبق، وليسَ هو بوهم ممن رواه، فإن عمرَ وأبا طلحةَ وغيرَهما ممن شهدَ القصةَ حكاه عن النبيِّ ﷺ . وعائشةُ لم تشهدْ ذلك، وروايتُها عن النبيّ ﷺ أنه قالَ: "إنهم ليعلمونَ الآنَ أن ما كنتُ أقولُ لهم حق" يؤيد روايةَ من رَوى: "إنهم ليسمعون "، ولا ينافيه، فإن الميتَ إذا جازَ أن يعلمَ جازَ أن يسمعَ، لأنَّ الموتَ ينافي العلمَ، كما ينافي

стр. 792

السمعَ والبصرَ، فلو كان مانِعًا من البعضِ لكانَ مانعًا من الجميع. وروى أبو الشيخ الأصبهانيُ بإسناده عن عبيدِ بنِ مرزوق، قالَ: كانتِ امرأة بالمدينةِ يقالُ لها: أمُّ محجنٍ، تقمُّ المسجدَ، فماتتْ، فلم يعلمْ بها النبيُّ ﷺ فمرَّ على قبرِها، فقال: "ما هذا القبرُ؟ " فقالوا: قبرُ أمِّ محجنٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "التي كانتْ تقمُّ المسجدَ؟ " قالوا: نعم، فصفَّ الناسَ وصلَّى عليها، ثم قالَ: "أيَّ العملِ وجدتِ أفضل؟ " قالوا: يا رسولَ اللَّهَ أتسمع؟ قالَ: "ما أنتم بأسمعَ منها". فذكرَ أنها أجابتْهُ، قَمُّ المسجدِ، وهذا مرسل. وأمَّا أنَّ ذلك خاصّ بكلامِ النبيِّ ﷺ فليسَ كذلكَ، وقد ثبت في الصحيحينِ عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إن العبدَ إذا وُضِعَ في قبر وتولَّى عنه أصحابُهُ، إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالِهِم "، وقد سبقَ ذكرُهُ، وسنذكر الأحاديثَ الواردةَ بسماع الموتى سلامَ من يسلِّمُ عليهم فيما بعدُ إن شاء اللَّه تعالى. وأما قولُهُ تعالى: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) . وقولُه: (وَمَا أَنتَ بِمسْمِعٍ من فِي الْقُبُورِ) فإنَّ السماعَ يطلقُ ويرادُ به إدراكُ الكلامِ وفهمُهُ، ويرادُ به أيضًا الانتفاعُ به، والاستجابة لهُ، والمرادُ بهذه الآية. نفيُ الثاني دون الأولِ، فإنَّها في سياقِ خطابِ الكفَّارِ الذينَ لا يستجيبونَ للهُدى ولا للإيمانِ إذا دُعوا إليه، كما قالَ اللَّهُ تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) ، الآيةُ في نفي السماع والإبصارِ عنهم، لأنَّ الشيءَ قد ينفى لانتفاءِ فائدتِهِ وثمرتِهِ، فإذا لم ينتفع المرءُ بما سمعَهُ وأبصرَهُ،

стр. 793

فكأنَّه لم يسمعْ ولم يبصرْ، وسماعُ الموتى هو بهذه المثابةِ، وكذلكَ سماعُ الكفَّارِ لمن دعاهُم إلى الإيمانِ والهُدى. وقولُ قتادةَ في أهلِ القليبِ: أحياهُمُ اللَّهُ تعالى حتى أسمعَهُم. قولُهُ يدلُّ على أنَّ الميتَ لا يسمعُ القولَ إلا بعد إعادةِ الروح إلى جسده، كذلك قال طوائفُ من السلفِ كثيرةٌ أنه لا يُسأل في قبره إلا بعد إعادةِ الروح إلى جسدهِ، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ عن النبيِّ ﷺ الطويل، وقد سبقَ ذكرُ بعضِه، وفيه في حقِّ الكافرِ: "وتُعَاد روحُهُ إلى جسدِه". وفي "مسند الإمامِ أحمدَ" من حديث الأعمشِ عن المنهالِ، عن زاذانَ. عن البراءِ، فَي حقِّ المؤمنِ والكافرِ في كل منهما، قال: "وتُعاد روحُهُ إلى جسده". وكذلك عند ابنِ منده، إعادتُها إلى جسدِهِ عند ضربِ الملَكِ له، بعد أن يضربه فيصيرُ ترابًا، من روايةِ يونسَ بنِ خبابٍ، عن المنهالِ، وقد سبقَ ذلك كلُّه. وخرَّج ابنُ ماجةَ وغيرُه، من حديثِ أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في صفةِ قبضِ الروح والمسألةِ، وقال في روح الكافرِ: "فتصيرُ إلى القبرِ" وقد سبقَ أيضًا. وخرَّج ابنُ منده بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا - عن ابنِ عباسٍ عن النبي ﷺ في

стр. 794

صفةِ قبضِ الروح، وفيه قالَ: "فيهبطونَ بها - يعني الروح - على قدرِ فراغِهم من غسلِهِ وأكفانِهِ، فيدخلونَ ذلك الروحَ بين جسده وأكفانِهِ " وهذا لا يثبتُ. وخرَّج الخلالُ في كتابِ "شرح السنة" من طريقِ أبي هاشمٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إنَّ المؤمنَ إذا نزلَ به الموتُ أتاهُ ملَكُ الموتِ ينادِيه: يا روح طيبة اخرجِي من الجسدِ الطيبِ، قال: فإذا خرجتْ روحُه لفّتْ في خرقةٍ حمراءَ، فإذا غسِّل وكفِّن، وحملَ على السريرِ وارتفعتِ الروحُ فوقَ السريرِ حيثُ تحولَ السريرُ، تحولتْ حتى يوضعَ في قبره، فإذا وُضِعَ في قبر أُجْلسَ، وجيءَ بالروح، فَجُعِلَتْ فيه، فقيل له: من ربُّك، وما دينُك، ومن نبيُّك؟ فيقولُ: ربي اللَّهُ، وديني الإسلامُ، ونبيي محمد ﷺ فيقالُ له: صدقَتَ، فيوسَعُّ له في قبر مدَّ البصرِ، ثم ترفعُ روحُه، فتجعَلُ في أعْلَى عليينَ، ثم تلا عبدُ اللَّهِ هذه الآيةَ: (إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) . وخرَّج ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ سالم بنِ أبي الجعدِ، قال: قال حذيفةُ: الروحُ بيدِ ملَكٍ، وإن الجسدَ ليغسَّلَ، وإنَّ الملَكَ ليمشِي معه إلى القبرِ، فإذا سُوي عليه سلَكَ فيه، فذلكَ حين يخاطبُ. ومن طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الزنادِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى. قال: الروحُ بيد ملَكٍ يمشي مع الجنازةِ، يقولُ: اسمعْ ما يقالُ لك، فإذا بلغ حفرتَهُ دفنَ معه. ومن طريقِ داودَ العطارِ، عن أبي نجيحِ، قإل: ما مِنْ ميِّت يموتُ إلا روحُهُ في يد مَلَكٍ ينظرُ إلى جسدِهِ، كيف يغسلُ ويكفَّنُ، وكيف يُمشَى به إلى قبر، ثم تُعاد إليه روحُه، فيجلسُ في قبره.

стр. 795

وكذا قال أبو صالح وغيرُه من السلفِ في قوله تعالى: (كَيفَ تَكْفرونَ بِاللَّهِ وَكنتُمْ أَمْوَاتًا فَأحْيَاكمْ ثمَّ يمِيتكمْ ثمَّ يحْيِيكمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترْجَعونَ) ، فدلَّ على أنَّ الحياةَ الأولى هي القبرُ للسؤالِ، وإنْ كانَ الأكثرونَ خالفُوا في ذلك. فهؤلاء السلفُ كلُّهم صرَّحُوا بأن الروح تعادُ إلى البدنِ عند السؤالِ. وصرَّح بمثلِ ذلك طوائفُ من الفقهاءِ والمتكلمينَ من أصحابِنا وغيرِهِم. كالقاضي أبي يعْلى وأصحابِهِ، وأنكر ذلك طائفة منهم ابنُ حزمٍ وغيرُه. وذكرَ أن السؤال للروح خاصةً، وكذلك سماعُ الخطابِ، وأنكر أن تعادَ الروحُ إلى الجسدِ في القبرِ للعذابِ وغيرِه، وقالُوا: لو كان ذلك حقًّا للزمَ أن يموتَ الإنسانُ ثلاثَ مراتٍ ويحيى ثلاثَ مراتٍ، والقرآنُ دلَّ على أنَهما موتتانِ وحياتانِ فقط، وهذا ضعيف جدًّا، فإنَّ حياةَ البرزخ ليستْ حياةً تامةً مستقلة كحياةِ الدنيا وكالحياةِ الآخرةِ بعدَ البعثِ، وإنما فيها نوعُ اتصالِ الروح في البدنِ بحيثُ يحصلُ بذلكَ شعورُ البدنِ وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرِهما، وليستْ هي حياةً تامةً حتى يكونَ انفصالُ الروح به موتًا تامًّا، وإنًّما هو شبيهٌ بانفصالِ روح النائم عنه، ورجوعِها إليه، فإنَّ ذلك يسمَّى موتًا وحياةً. كما كان النبيُّ ﷺ يقولُ إذا استيقظَ من منامِهِ: "الحمدُ للهِ الذي أحيانَا بعد ما أماتنا، وإليه النشور" وسماه اللَّهُ تعالى وفاةً، لقوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى) ، مع هذا فلا ينافي ذلكَ أن يكونَ النائمُ حيًّا، وكذلك اتصالُ روح الميتِ ببدنه وانفصالها عنه لا يوجبُ أن يصيرَ للميتِ

стр. 796

حياةً مطلقةً. وممن رجَّح هذا القولَ - أعني السؤالَ والنعيمَ والعذابَ للروح خاصةً - من أصحابِنا ابنُ عقيلٍ وأبو الفرج ابن الجوزيِّ. في بعضِ تصانيفِهما. واستدلَّ ابنُ عقيلٍ بأنَّ أرواحَ المؤمنينَ تنعمُ في حواصلِ طيرٍ خضرٍ، وأرواح الكافرينَ تعذَّب في حواصلِ طيرٍ سودٍ، وهذه الأجسادُ تبْلَى فدلَّ ذلك على أنَّ الأرواحَ تعذبُ وتنعمُ في أجسادٍ أخرَ، وهذا لا حجةَ فيه لأنَّه لا ينافي اتصالَ الروح ببدنِها أحيانًا مع بقائِهِ واستحالتِهِ. واستدل طائفة ممن ذهبَ إلى هذا القول بما روى منصورُ بنُ عبدِ الرحمنِ. عن أبي أُمامة قال: دخلَ ابنُ عمرَ المسجدَ، وابنُ الزبيرِ قد قتلَ وصلبَ. فقيلَ له: هذه أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ في المسجدِ، فقال لها: اصبري فإنًّ هذه الجثث ليستْ بشيءٍ، وإنَّما الأرواحُ عند اللَّهِ، فقالت: وما يمنعنِي من الصبرِ، وقد أُهدِيَ رأسُ يحيى بنِ زكريا إلى بغيٍّ من بَغايا بني إسرائيلَ. وروى ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ ابنِ عمرَ - صاحبِ السقيا - قال: نزلَ ابنُ عمرَ إلى جانبِ قبورٍ قد درستْ، فنظرَ إلى قبر منها، فإذا بجمجمةٍ بادية. فأمرَ رجلاً فواراهَا، ثم قال: إنَّ هذه الأبدانَ ليست يضرُّها هذا الثرى شيئًا، وإنَّما الأرواح التي تُعاقَبُ وتثابُ إلى يوم القيامةِ. وروى محمدُ بنُ سعدٍ، عن الواقديِّ، حدثني ثورُ بنُ يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ قال: لما انهزمتِ الرومُ يومَ أجنادينَ، انتهَوا إلى موضع لا يعبرُه إلا إنسان، فجعلت الروم تقاتل عليه، فتقدَّم هشام بن العاصِ فقاتلهم حتى قُتِل، ووقع على تلك الثلمة فسدَّها، فلما انتهى المسلمون إليها، هابوا أن

стр. 797

يوطئه الخيل، فقال عمرو بنُ العاص: إنَّ اللَّهَ قد استشهدَهُ ورفعَ روحَهُ وإنما هو جثةٌ فأوطِئوهُ الخيلَ، ثم أوطأه وتبِعَهُ الناسُ حتى قَطَّعوهُ. وهذه الآثارُ لا تدلُّ على أنَّ الأرواح لا تتصلُ بالأبدانِ بعد الموتِ، وإنَّما تدلُّ على أنَّ الأجسادَ لا تتضررُ بما ينالها من عذابِ الناسِ لها ومن أكل الترابِ لها، وهذا حقٌّ، فإنَّ عذابَ القبرِ ليسَ من جنسِ عذابِ الدنيا، وإنَّما هو نوعٌ آخرُ يصلُ إلى الميتِ بمشيئةِ اللَّهِ وقدرتِهِ. وقولهم: إنَّ الأرواحَ عندَ اللَّهِ تعالى تعاقَبُ وتثابُ لا ينافي أنْ تتصلَ بالبدنِ أحيانًا، فيحصلُ بذلكَ إلى الجسدِ نعيمٌ أو عذابٌ، وقد تستقلُّ الروحُ أحيانًا بالنعيم والعذابِ، إما عند استحالةِ الجسدِ أو قبلَ ذلك. وقد أثبتَ طائفة أخرى النعيمَ والعذابَ للجسدِ بمجرَّدِهِ، من غيرِ اتصالِ الروح به، وممن ذكرَ ذلك من أصحابِنا: ابنُ عقيلٍ في كتابِ "الإرشادِ" له وابنُ الزاغوني، وحُكي عن ابنِ جريرٍ الطبريِّ - أيضًا - وذكرَ القاضي أبو يعْلى أنه ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، فإنه قال في روايةِ حنبلٍ: أرواحُ المؤمنينَ في الجنةِ، وأرواحُ الكفارِ في النارِ، والأبدانُ في الدنيا يعذَب اللَّهُ من يشاءُ، ويرحمُ من يشاءُ منها بعفوه. قال القاضي: ظاهرُ هذا أن الأرواحَ تعذَّبُ وتنعمُ على الانفرادِ وكذلكَ الأبدانُ إذا كانتْ باقيةً أدَّى إلى الأجزاءِ التي استحالتْ، قال: فلا يمتنعُ أن يُخلقَ في الأبدانِ إدراك تحسُّ به النعيمَ والعذابَ، كما خُلقَ في الجبلِ لما تجلَّى له ربُّه ثم جعلَهُ دكًّا. وقال ابنُه القاضي أبو الحسين: ولأنه لمَّا لم يستحِلْ نطقُ الذراع المسمومةِ،

стр. 798

لم يستحلْ عذابُ الجسدِ البالي وإيصالُ العذابِ إليه بقدرةِ اللَّهِ . وقد يستدلُّ لهذا أيضًا بأنَّ عمرَ بن الخطابِ قال للنبيِّ ﷺ يوم كلَّم أهلَ القليب: كيف تكلِّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها؟ فلم ينكر النبيُّ ﷺ ذلك، وإنَما قالَ: "ما أنتُم بأسمعَ لما أقولُ منهم " فدلَّ على أنَّ سماعَهُم حصل مع أجسامِهِم والأرواح فيها. وقد دلَّ القرآنُ على سجودِ الجماداتِ وعلى تسبيحها للَّهِ . وخشوعِها له، فدلَّ على أنَّ فيها حياةً وإدراكًا، فلا يمتنعُ مثلُ ذلك في جسدِ ابنِ آدمَ بعد مفارقة الروح له، واللَّهُ أعلم. ويدلُّ على ذلكَ: ما أخبرَ اللَّهُ عن شهاداتِ الجلودِ والأعضاءِ يومَ القيامةِ وما رُويَ عن ابن عباسٍ في اختصامِ الروح والجسدِ يومَ القيامةِ، فيدلُّ على أنَّ الجسدَ يخاصمُ الروحَ ويكلِّمها وتكلِّمُه، وممّا يدلُّ على وقوع العذابِ على الأجسادِ، الأحاديثُ الكثيرةُ في تضييقِ القبرِ على الميتِ، حتى تختلفَ أضلاعُهُ، ولا"نه لو كانَ العذابُ على الروح خاصّةً لم يختصَّ العذابُ بالقبرِ ولم يُنسبْ إليه. * * * قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) في قولِه تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) . دلَّت هذه الآيةُ على إثباتِ الخشيةِ للعلماءِ بالاتفاقِ وعلى نفْيِها عنْ غيرِهم على أصح القولينِ، وعلى نفْي العِلْم عنْ غيرِ أهلِ الخشيةِ أيضًا.

стр. 799

أما الأول: فلا ريبَ فيه فإنَّ صيغة "إنما" تقتضِي تأكد ثبوتِ المذكورِ بالاتِّفاق؛ لأنَّ خصوصيةَ "إن" إفادةُ التأكيدِ وأمَّا "ما": فالجمهور على أنَّها كافةٌ، ثُمَّ قالَ جمهورُ النحاةِ: هيَ الزائدةُ التي تدخلُ على إنَّ، وأنَّ، وليتَ، ولعلَّ، وكأن، فتكفها عن العملِ لأنَّ الأصلَ في الحروفِ العاملة أن تكونَ محضةً فإذا اختصتْ بالاسم أو الفعلِ ولم يكنْ كالجزءِ منهُ عملت فيه، وإنَّ وأخواتُها مختصةٌ بالاسم فتعملُ فيه فإذا دخلتْ عليها "ما" زالتْ اختصاصُها فصارَتْ تدخلُ على الجملة الاسميةِ والفعليةِ فبَطلَ عملُها وإنَما عملتْ "ما" النافيةُ على اللغةِ التي نَزَلَ بها القرآنُ وهي لغةُ أهل الحجازِ استحْسانًا لمشَابَهتِها لـ "ليس " وذهبَ بعضُ الكوفيينَ، وابنُ درستويه إلى أنَّ "ما" مع هذهِ الحروفِ اسمٌ مبهمٌ بمنزلةِ ضميرِ الشأنِ في التفخيم والإبهامِ وفي أنَّ الجملةَ بعدَهُ مفسرةٌ له ومخبَرٌ بها عنْهُ، وذهبتْ طائفةٌ من الأصوليينَ وأهلِ البيانِ إلى أن "ما" هذه نافيةٌ واستدلُّوا بذلكَ على إفادتِها الحصرَ. وأنَّ "إن" أفادت الإثباتَ في المذكورِ، و"ما" النفيَ فيما عداهُ وهذا باطلٌ باتفاقِ أهلِ المعرفةِ باللسانِ فإنَّ "إن" إنما تفيدُ توكيدَ الكلامِ إثباتًا كان أو نفيًا لا يفيدُ الإثباتَ. و"ما" زائدةٌ كافة لا نافيةٌ وهي الداخلةُ على سائر أخواتِ إنَّ: لكنَّ وكأنَ وليتَ ولعلَّ، وليستْ في دخولها على هذه الحروفِ نافيةً بالاتفاقِ فكذلكَ الداخلةُ على إنَّ وأنَّ، وقد نُسِبَ القولُ بأنها نافيةٌ إلى أبي علي الفارسي لقولِهِ في كتابِ "الشيرازيات ": إنَّ العربَ عاملُوا "إنما" معاملةَ النفيِّ و"إلا" في فصلِ الضميرِ لقولِهِ: "وإنَّما يدافعُ عن أحسابِهِم أنا أوْ مِثْلِي ".

стр. 800

وهذا لا يدل على أنَّ "ما" نافيةٌ على ما لا يخفَى وإنَما مرادُه أنَّهم أجرَوا "إنما" مَجْرى النفي و"إلاَّ" في هذا الحكم لما فيها معنى النفى ولم يصرِّحْ بأنَّ النفيَ مستفادٌ منْ "ما" وحْدَهَا، وقيلَ: إنه لا يمتنعُ أنْ يكون "ما" في هذه الآيةِ بمعنى الذي والعلماءُ خبرٌ والعائدُ مستترٌ في يخشى. وأُطلقتْ "ما" على جماعةِ العقلاءِ كما في قولِهِ تعالى: (أَو ما مَلَكَت أَيْمَانُكُم) ، و (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ) . وأما دلالةُ إلا على التأكيد وهو نفيُ الخشيةِ عنْ غيرِ العلماءِ فمِنْ صيغةِ "إنَّما" أمَّا على قولِ الجمهورِ وأنَّ "ما" هي الكافةُ فيقولُ إذا دخلتْ "ما" الكافةُ على "إنَّ " أفادت الحصرَ هذا هو الصحيحُ، وقدْ حكاهُ بعضُ العلماءِ عن جمهورِ الناسِ وهو قولُ أصحابِنا كالقاضي، وابنِ عقيلٍ، والحلواني. والشيخ موفق الدين، وفخرِ الدِّين إسماعيلَ بنِ علي صاحبِ ابن المِنّي، وهوَ قولُ أكثرِ الشافعية كأبي حامدٍ وأبي الطيب، والغزالي والهرَّاسي، وقولُ طائفةٍ من الحنفيةِ كالجرجاني، وكثيرٌ من المتكلمينَ كالقاضي أبي بكرٍ، وغيرِهِ، وكثيرٌ من النحاةِ وغيرِهِم، بلْ قدْ حكاهُ أبو علي فيما ذكرَهُ الرازيُّ عن النحاةِ جملةً، ولكن اختلفُوا في دلالتها على النفي هلْ هُوَ بطريقِ المنطوقِ، أو بطريقِ المفهوم؟ فقال كثيرٌ من أصحابِنا، كالقاضي في أحدِ قوليه وصاحبُ ابنِ المنّي والشيخُ موفَّقُ الدِّين: إنَّ دلالَتَها على النفي بالمنطوقِ كالاستثناءِ سواء وهو قولُ أبي حامد، وأبي الطيب منَ الشافعية، والجرجاني من الحنفية. وذهبتْ طائفةٌ من أصحابِنا كالقاضِي في قولِهِ الآخرِ وابنِ عقيلٍ والحلواني. إلى أنَّ دلالتها على النفي بطريقِ المفهومِ وهُوَ قولُ كثيرٍ من الحنفيةِ،

стр. 801

والمتكلمينَ، واختلفُوا أيْضًا هلْ دلالتُها على النفي بطريقِ النَّصِ، أو الظاهر. فقالتْ طائفة: إنَّما تدلُّ على الحصرِ ظاهِرًا، أو يحتملُ التأكيد، وهذا الذي حكاهُ الآمديُّ عن القاضي أبي بكرٍ، والغزاليِّ، والهرَّاسيِّ، وغيرِهم من الفقهاء وهُوَ يشبهُ قولَ من يقولُ إنَّ دلالتَها بطريقِ المفهومِ فإنَّ أكثرَ دلالاتِ المفهومِ بطريقِ الظاهرِ لا النَّص، وظاهرُ كلامِ كثيرٍ من أصحابنا وغيرِهِم، أنَ دلالتَها على النَّفي والإثباتِ كليهما بطريقِ النَّصِ لأنَّهم جعلُوا "إنَّما" كالمسْتَثْنى والمستثنى منه سواء وعندهم أنَ الاستثناءَ منَ الإثباتِ نفْيٌ ومنَ النفي إثْباتٌ، نصًّا لا محلاً. وأمَّا من قالَ: إنَّ الاستثناءَ ليسَ لإثباتِ النقيضِ بَلْ لرفع الحكْمِ إما مطلقًا أوْ في الاستثناءِ منَ الإثباتِ وحده كما يُذكرُ عن الحنفيةِ وجعلُوه من بابِ المفهومِ الذي ينفونَهُ، فهُوَ يقولُ ذلكَ في "إنَّما" بطريقِ الأوْلَى فظَهَرَ بهذا أنَّ المخالف في إفادَتِهَا الحصرَ هوَ من القائلينَ بأنَّ دلالتَها على النفيِّ بالمفهومِ وهم قسمان: أحدهما: مَنْ لا يَرى كونَ المفهومِ حُجَّةً بالكليةِ كالحنفيةِ، ومَنْ وافقَهُم منَ المتكلمينَ. والثاني: مَنْ يراهُ حجةً من الجملةِ، ولكنْ ينفيه هَاهُنا لقيامِ الدليلِ عندَهُ على أنَّه لا مفهومَ لها، واختارَهُ بعضُ المتأخرينَ منْ أصحابِنا، وغيرِهم، وبيانُ ذلكَ أنَّ "إنَّما" مركبةٌ منْ "إنَّ " المؤكدةِ و"ما" الزائدةِ الكافةِ فيُستفادُ التوكيدُ منْ "إنَّ " والزائدُ لا معنى له نعم أكثرُ ما يُقالُ "إنَّ " تفيدُ تقويةَ التوكيدِ كما في الباءِ الزائدةِ ونحوها، فأمَّا أنْ يُحدِثَ معنًى آخرَ فلا، وقد يعدم بيان بطلانِ

стр. 802

قولِ منْ ادَّعى أنَّ "ما" نافية وأنَّ النفيَ فيمَا عدا المذكورِ مُستفادٌ منها. وأيضًا فورودُها لغيرِ الحصرِ كثيرٌ جدًّا كقولهِ تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) . وقولِ النبي ﷺ "إنما الرِّبا في النسيئة" وقولِهِ: "إنَّما الشهرُ تِسعٌ وعشرونَ " وغيرِ ذلكَ منَ النصوصِ ويُقالُ: "إَنَّما العالِمُ زيد" ومثلُ هذا لو أُريدَ به الحصرُ لكانَ هذا. وقد يُقالُ: إن أغلبَ مواردِهَا لا تكونُ فيها للحصرِ فإنَّ قولَهَ تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا تفيدُ الحصرَ مُطْلقًا فإنَّه لهُ أسماءٌ وصفاتٌ كثيرةٌ غيرَ توحُّدِهِ بالإلهيةِ، وكذلك قولُهُ: (قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) . فإنَّه لم ينحصر الوحيُ إليه في هذا وحده. وكذلكَ قوله: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ) ومثلُ هذا كثيرٌ جدًّا وممَّا يبيّنُ عدمَ إفادتِها للحصرِ قولُه ﷺ : "ما مِنْ نبي من الأنبياءِ إلا قد أوتيَ منَ الآياتِ ما آمنَ على مثلِهِ البشرُ، وإنَّما كان الذي أوتيتُهُ وحيًا أوحاهُ اللَهُ إليَّ. فأرجُو أنْ أكونَ أكثرُهُم تابِعًا يومَ القيامةِ" فلَوْ كانتْ "إنَّما" للحصرِ لبَطَلَتْ أنْ تكونَ سائرُ آياتِ النبيِّ ﷺ ومعجزاتِهِ سوى القرآنِ آياتٍ لهُ تدلُّ على صدقِهِ لاعْترافِهِ بنَفْي ذلكَ وهذا باطلٌ قطْعًا فدلَّ على أنَّ "إنَما" لا تفيدُ الحصرَ في مثلِ هذا الكلامِ وشبهِهِ. والصوابُ: أنَّها تدلُّ على الحصرِ، ودلالَتها عليه معلومٌ بالاضطرارِ منْ لغةِ العربِ، كما يُعلمُ منْ لغتِهِم بالاضطرارِ معانِي حروفِ الشرطِ والاسْتفهامِ

стр. 803

والنفىِ والنَّهْي وغيرِ ذلكَ ولهذا يَتواردُ "إنَّما" وحروفُ الشرطِ والاستفهامُ والنَّفْيُ الاستثناء كما في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا تجْزَوْنَ مَا كنتُمْ تَعْمَلُونَ) . وقوله: (إِنَّمَا إِلهكم إِلَهٌ وَاحِدٌ) . وقوله: (إِنَّمَا اللَّه إِلَهٌ وَاحِدٌ) (إِنَّمَا إِلَهكمْ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) . فإنه كقولِهِ: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ) . وقولِهِ: (مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، ونحوِ ذلكَ. ولهذا كانتْ كُلُّها واردةً في سياقِ نفْي الشركِ وإبطالِ إلهيةِ سوى اللَّهِ سبحانَهُ، وأمَّا أنَّها مركبةٌ من "إنَّ " و"ما" الكافةِ فمُسلَّم، ولكنَّ قولَهُم إنَّ "ما" الكافةَ أكثرُ ما تفيدُهُ قوةُ التوكيدِ لا تُثْبتُ مَعْنى زائدًا، يجابُ عنهُ من وجوه: أحدها: أنَّ "ما" الكافةَ قدْ تُثبتُ بدخولِهَا على الحروفِ معْنىً زائِدًا، وقدْ ذكرَ ابنُ مالك أنَها إذا دَخَلتْ على الباءِ أحدَثَتْ معنى التقليلِ، كقولِ الشاعرِ: فالآن صِرْتَ لا تَحِيدُ جَوَابًا. . . بما قدْ يُرى وأنتَ حَطِيبُ قالَ: وكذلك تُحدِثُ في "الكافِ " معْنَى التعْليلِ، في نحوِ قولِهِ تعالى: (وَاذْكُرُوهُ كمَا هَدَاكمْ) ، ولكِنْ قد نُوزِعَ في ذلك وادَّعى أنَّ "الباءَ" و"الكافَ " للسببيةِ، وأنَّ "الكافَ " بمجردِهَا تفيدُ التعليلَ. والثاني: أن يُقالَ: لا ريبَ أنَّ "إنَّ " تفيدُ توكيدَ الكلامِ، و"ما" الزائِدةُ تُقوِّي هذا التوكيدَ وتثبتُ مَعْنى الكلامِ فتفيدُ ثبوتَ ذلكَ المعْنى المذكورِ في اللفظِ خاصةً ثبوتًا لا يشاركه فيه غيرُهُ واختصَاصُهُ به، وهَذا منْ نوع التوكيدِ والثبوتِ ليسَ معنىً آخرَ مغايرًا لهُ وهوَ الحصرُ المدَّعى ثبوتُهُ بدخولِ "ما" يخرجُ عنْ إفادةِ قوَّةِ معنى التوكيدِ وليسَ ذلكَ بمُنْكرٍ إذ المستنكرُ ثبوتُ مَعْنى آخرَ بدخولِ الحرفِ الزائدِ منْ غيرِ جنسِ ما يُفيدُهُ الحرفُ الأوَّلُ.

стр. 804

الوجه الثالث: أنَّ "إن" المكفوفةُ "بما" استُعْملتْ في الحصرِ فصارتْ حقيقةً عرفيَّةً فيه، واللفظُ يصيرُ لَهُ بالاسْتعمالِ مَعْنى غيرَ مَا كانَ يقْتضِيهِ أصلُ الوضع، وهكذا يُقالُ في الاستثناءِ فإنَه وإنْ كانَ في الأصلِ للإخراج منَ الحكْم لكنْ صارَ حقيقة عرفيةً في مناقضةِ المستَثْنى فيه، وهذا شبية بنقلِ اللفظِ عنِ المعنى الخاصِ إلى العامِ إذا صارَ حقيقة عرفيةً فيه لِقَوْلِهِم "لا أشربُ له شربةَ ماءٍ" ونحوِ ذلكَ، ولنقلِ الأمثالِ السائرةِ ونحوِهَا مما ليسَ هذا موضعُ بَسْطِهِ، وهذا الجوابُ ذكرَهُ أبو العباسِ ابنِ تيميةَ في بعضِ كلامِهِ القديمِ وهُوَ يقْتضِي أنَّ دلالةَ "إنَّما" على الحصرِ إنَّما هوَ بطريقِ العُرفِ والاستعمالِ لا بأصلِ وضعْ اللغةِ، وهو قولٌ حكاهُ غيرُهُ في المسألةِ. وأمَّا قولُه تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) . وقولُهُ ﷺ : "إنَّما الربا في النسيئةِ"، و"إنَّما الشهرُ تِسع وعشرونَ " وقولُهُم: "إنَّما العالِمُ زيد" ونحوُ ذلك، فيُقالَ: معلومٌ منْ كلامِ العربِ أنَّهم ينفونَ الشيءَ في صِيغ الحصْرِ وغيرِهَا تارةً لانتفاءِ ذاتِهِ وتارةً لانتفاءِ فائدتِهِ ومقصودِهِ، ويحصرونَ الشيءَ في غيرِه تارةً لانحصارِ جميع الجنسِ فيه وتارةً لانحصارِ المفيدِ أو الكاملِ فيه، ثمَّ إنهم تارة يعيدونَ النفيَ إلى المسمَّى وتارةً إلى الاسم وإنْ كان ثابِتًا في اللغةِ إذا كان المقصودُ الحقيقيُّ بالاسْم منتَفِئا عنه ثابِتًا لغير لقولِهِ تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَوْرَاةَ وَالاٍنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبكمْ) ، فنَفَى عنهُم مسمَّى الشيءِ معَ أنَّه في الأصلِ شامل لكلِّ موجودٍ مِنْ حق وباطلٍ كما كانَ ما لا يفيدُ ولا منفعةَ فيه يَؤُولُ إلى الباطلِ الذي هو العدمُ فيصيرُ بمنزلةِ المعدومِ بلْ قدْ يكونُ أولَى بالعدمِ منْ المعدَمِ المستمرِ عدمُهُ لأنَه قدْ يكونُ فيه ضررٌ فجنْ قال الكذبَ فلم يَقُل شيئًا

стр. 805

ولم يعملْ ما ينفعُهُ بلْ ما يضرُّه، ولهذا لمَّا سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الكفارِ فقالَ: "ليسُوا بشيء". ويقولُ أهلُ الحديثِ عنْ بعض الرواةِ المجروحينِ والأحاديثِ الواهيةِ: "ليسَ بشيءٍ " إذا لم يكنْ مما يُنتفعُ بِهِ في الروايةِ لظهورِ كذبِهِ عمْدًا أوْ خطأ، ويقال أيضًا لمن خرجَ عنْ موجب الإنسانيةِ في الأخلاقِ ونحوِهَا: هذا ليسَ بآدميّ ولا إنسانٍ وما فيه إنسانية، ومنه قولُ النِّسوَةِ في يوسفَ ﵇: (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) . وكَذلكَ قولُ اللَّهِ تعالى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) . وقولُ النبيِّ ﷺ "ليس المسكينُ بهذا الطوَّافُ الذي تردُّه اللقمةُ واللقْمتانِ والتمرةُ والتمرتانِ إنَّما المسكينُ الذي لا يجد ما يُغنيه ولا يُفْطَنُ له فيُتصدَّقُ عليه ولا يسْألُ الناسَ إلحافًا" وكذلك قال: "ما تعدُّونَ المفلِسَ فيكُم؟ " قالُوا: الذي لا دِرهَم له ولا دِينار قالَ: "ليس ذلكَ بالمفلِسِ، ولكنَّ المفلِسَ من يأتِي يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ الجبالِ ويجيءُ وقد شتمَ هذا وضَرَبَ هذا وأخذَ مالَ هذا فيأخُذُ هذا منْ حسناتِهِ وهذا منْ حسَنَاتِهِ فإذا لم يتبقَّ لَهُ حسنةٌ أُخِذَ منْ سيئاتِهِم فَطُرِحَتْ عليه ثُمَّ ألقي في النارِ" وقالَ: "ما تعُدُّون الرقوبَ فيكُم؟ " قالُوا: الرقوبُ منْ لا يُولدُ لهُ. قال: "الرقوبُ منْ لم يُقدِّم منْ ولدِهِ شيئا". وكذلك قولُهُ ﷺ : "ليسَ الشديد بالصُّرعةِ ولكنَّ الشديدَ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ " وقولُهُ ﷺ : "ليسَ الغِنَى عن كثْرةِ العَرَضِ وإنَّما الغِنَى غِنَى النفْسِ".

стр. 806

وأمثال ذلك، فهذا كلُّه نفيٌ لحقيقةِ الاسم منْ جهَةِ المُضِيِّ الذي يجب اعتبارُه، فإنَّ اسمَ الرقوبِ والمفلسِ والغني والشديد ونحوِ ذلك إنَّما يتعارفُه الناسُ فيمنْ عَدِمَ مالَهُ وولدَهُ أوْ حصلَ له مال أو قوَّةٌ في بدنِهِ، والنفوسُ تجزعُ من الأوَّلَيْن وترغب في الآخرَيْنِ، فيعتقدُ أنَّه هو المستحقُّ لهذا الاسم دونَ غير فبين ﷺ أنَّ حقيقةَ ذلك المعْنَى ثابتةٌ لغير هذا المتوهمِ على وجْهٍ ينبغي بعلو الاعتقاد والقصدِ بذلكَ الغيرِ فإن مَنْ عدِمَ المال والولدَ يومَ القيامةِ حيثُ يضرُ عدمُهُ أحقُّ باسم المفلس والرقوبِ ممن يُعدمهُمَا حيثُ قدْ لا يتضرر بذلكَ تضررًا معتبرًا ولذلك وجودُ غِنى النفسِ وقوتِها أحقُّ بالمدح والطلبِ منْ قوَّةِ البدنِ وغِنَى المال وهكذا قولُه ﷺ : " إنَّما الرِّبا في النسيئةِ" أوْ لا "رِبَا إلا في النسيئة". فإنَّ الرِّبا العام الشاملُ للجنسينِ، والجنسُ الواحدُ المتفقةُ صفاتُهُ إنَّما يكونُ في النسيئةِ وأمَّا رِبَا الفضلِ فلا يكونُ إلا في الجنسِ الواحدِ ولا يفعلُهُ أحدٌ إلا إذا اختلفت الصفاتُ، كالمضروب بالتِّبْرِ، والجيدِ بالرديءِ، فأمَّا مع استواءِ الصفاتِ فلا يبيعُ أحد دِرْهمًا بدرهمينِ، وأيضًا فرِبَا الفضلِ إنَّما حُرِّم لأنه ذريعةٌ إلى رِبا النسيئة كما في "المسند" عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لاتبيعُوا الدرهمَ بالدرهمينِ، إنِّي أخافُ عليكُمُ الرِّبا". فالربا المقصود بالقصد الأول هُوَ رِبَا النسيئةِ، فإذا بِيعَ مائة بمائةٍ وعشرينَ مع اتَفاقِ الصفاتِ ظهرتْ أن الزيادةَ قابلتِ الأجلَ الذي لا منفعة فيه وإنَّما دخل فيه للحاجة، ولهذا لا يضمنُ الآجال باليد فلو بقيت العينُ في يَده، أو المال في ذمتِهِ مدةً لم يضمن الأجلَ بخلافِ زيادةِ الصفةِ، فإنَها مضمونةٌ في الإتلافِ والغصْبِ وفي المبيع إذا قابلتْ غيرَ الجنسِ، فلهذا قِيلَ: إنَّما الرِّبا في

стр. 807

النَّسيئةِ ولا رِبَا إلا في النسيئةِ، فإنَّ المستحقَّ لاسم الرِّبا في الحقيقةِ هو رِبَا النسيئةِ ولذلكَ نَفى الأسماءَ الشرعيةَ لانتفاءِ بعضِ واجباتِهَا لقولِهِ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..) إلى قوله: (أولَئِكَ هُمُ المؤْمِنُونَ حَقًّا) ، وهؤلاءِ همُ المستحقونَ لهذا الاسم على الحقيقةِ الواجبةِ دون منْ أخلَّ بشيءٍ من واجباتِ الإيمانِ والإسلامِ عمن انتفَى عنهُ بعض واجباتِهما لقولِهِ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث. وقولِهِ: "المسلم منْ سلِم المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمهاجرُ من هَجَرَ ما نهى الله عنه" وقولِه: "المؤمن من أمنَهُ الناس على دمائهِم وأموالِهِم، والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في ذاتِ اللَّهِ ". ومثلُ هذا كثير، وكذلك قولُهُ ﷺ : "إنَّما الشهرُ تِسع وعشرون " فإنَّ هذا هو عددُ الشَّهرِ اللازمِ الدائم، واليومُ الزائدُ على ذلكَ أمر جائز يكون في بعضِ الشهورِ ولا يكونُ في بعضِها، بخلافِ التسعةِ والعشرين، فإنَّه يجبُ عددُها واعتبارُها بكلِّ حال، وهذا كما يُقال: الإسلامُ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ. َ فهذا هو الذي لا بدَّ منه، وما زاد على ذلك فقدْ يجبُ على الإنسانِ، وقد يموتُ قبلَ التمكنِ، فلا يكونُ الإسلامُ في حقِّه إلا ما تكلَّمَ به، وحاصلُ الأمرِ أن الكلامَ الخبريَّ هو إمَّا إثباث أو نفيٌ فكما أنهم في الإثباتِ يثبتونَ - للشيءِ اسمَ الشيءِ إذا حصلَ فيه مقصودُ الاسم وإن انتفتْ صورةُ المسمَّى، فكذلكَ

стр. 808

في النَّفي، فإنَّ أدواتِ النَّفي تدل على انتفاءِ الاسمِ بانتفاءِ مسمَّاه فذلك، تارةً لأنه لم يُوجدْ أصلاً، وتارةً لأنه لم توجدِ الحقيقةُ المقصودةُ بالمسمَّى، وتارةً لأنه لم تكنْ تلكَ الحقيقةُ، وتارةً لأن ذلك المسمَّى مما لا ينبغي أنْ يكونَ مقصودًا بل المقصودُ غيرُه، وتارةً لأسبابٍ أُخرَ وهذا كلُّه إنَّما يظهرُ من سياقِ الكلامِ وما اقترنَ به من القرائنِ اللفظية التي لا تخرجُهُ عن كونِهِ حقيقةً عندَ الجمهورِ ولكونِ المركبِ قد صارَ موضوعًا لذلكَ المعْنى، أوْ مِنَ القرائنِ الحاليةِ التي تجعلُه مجازًا عند الجمهور، وأمَّا إذا أطلقَ الكلامُ مجرَّدًا عن القرينتينِ فمعناهُ السلبُ المطلقُ وهوَ أكثرُ الكلامِ وهذا الجوابُ ملَّخصٌ من كلامِ شيخ الإسلام أبي العباسِ ابن تيمية ﵀. وأما قولُهُ تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، وقولُهُ: (إِنَّمَا أًنتَ مُنذِرٌ) . ونحو ذلك، فالجواب عنهُ أن يُقال: الحصر تارةً يكونُ عامًا كقولِهِ: (إِنَّمَا إِلَهُكمْ اللَّه الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) ، ونحوِ ذلك. وتارةً يكونُ خاصًّا بما يدل عليه سياقُ الكلامِ فليسَ الحصرُ أن ينفيَ عن الأوَّل كل ما سوى الثاني مطلقًا، بلْ قد ينْفِي عنه ما يُتوهَمُ أنه ثابتٌ لهُ مِنْ ذلك النوع الذي أثبتَ له في الكلامِ. فقولُه: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، فيه نفيُ تعددِ الإلهيّةِ في حقِّه سبحانَهُ وأنَّه لا إله غيره، ليسَ المرادُ أنه لا صفةَ له سوى وحدانيةِ الإلهيةِ. وكذلك قولُهُ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) . فإنَّ المراد به أنه لم يُوحَ إليَّ في أمرِ الإلهيةِ إلا التوحيدَ لا الإشراكَ. والعجبُ أن أبا حيَّان الأندلسيّ أنكر على الزمخشريّ ادعاءَه الحصرَ في هذه الآيةِ لاستلزامهِ عندَهُ أنَّه لم يوحَ إليه غيرَ التوحيدِ، قال: لأنَّ الحصرَ إنما

стр. 809

يلقى من جهة: "أنما" المفتوحةِ الهمزةِ، قالَ: ولا يُعرفُ القولُ بإفادتها الحصرَ إلا عندَ الزمخشريِّ وحده. وردَّ ذلك عليه شيخُنا أبو محمدٍ بنِ هشامٍ بناءً على أنَّ (أنَّ) المفتوحةَ فرع عن "إن " المكسورةِ على الصحيح، قال: ولهذا صحَّ للزمخشريِّ أن يدَّعي أنها تفيدُ الحصرَ "إنَّما" انتهى. وهذا كلُّه لا حاجةَ إليه في هذه الآيةِ فإنَّ الحصرَ مستفاد فيها مِنْ "إنما" المكسورةِ التي في أولِ الآيةِ فلو فرض أن "أنما" المفتوحةَ لا تفيد الحصرَ لم ينتفِ بذلكَ الحصرُ في الآيةِ على ما لا يخْفى، وكذلكَ قولُهُ تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِر) ، أي لستَ ربًّا لهم ولا مُجازِيًا ولا محاسِبًا، وليسَ عليكَ أن تجبرَهُم على الإيمانِ، ولا أن تتكلفَ لهم طلبَ الآياتِ التي يقترحونَها عليكَ (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِر) ، فليسَ عليكَ إلا الإنذارُ، كما قال: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) وقالَ: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) . ومنْ هَا هُنا يظهرُ الجوابُ عن قولِه: "إنما كان الذي أوتيتُه وحيًا أوحاهُ اللَّهُ إليَّ " فإنَّه قالَ: "ما مِنْ نبى إلا وقد أوتي من الَآياتِ ما آمنَ على مثلِهِ البشرُ، وإنَّما كانَ الذي أوتيتُه وحيًا أوحاهُ اللَهُ إليَّ، فأرجُو أنْ أكونَ أكثرُهم تابعًا يومَ القيامةِ" فالكلامُ إنما سِيقَ لبيانِ آياتِ الأنبياء العظامِ الذي آمن لهم بسببها الخَلْقُ الكثيرُ، ومعلومٌ أن أعظمَ آياتِ النبيِّ ﷺ التي آمن عليها أكثرُ أُمَّتِهِ هي الوحيُ وهوَ الذي كان يدعو به الخلقَ كلَّهم، ومنْ أسلمَ في حياتِهِ خوفًا فأكثرُهم دخلَ الإيمانُ في قلبهِ بعد ذلك بسببِ سماع الوحي لمسلمي الفتح وغيرِهِم، فالنفيُ توجه إلى

стр. 810

أنه لم تكنْ آياتُهُ التي أوجبتْ إسلامَ الخلقِ الكثيرِ من جنسِ ما كانِ لمن قبله مثلَ ناقةِ صالح وعصا موسى ويدِهِ وإبراءِ المسيح الأكمه والأبرصَ وإحياءِ الموتى ونحو ذلك، فإنَّ هذه أعظمَ آياتِ الأنبياءِ قبلَه وبها آمن البشرُ لهم. وأمَّا آيتُه هو ﷺ التي آمنَ البشرُ عليها في حياتِهِ وبعدَ وفاتِهِ فهيَ الوحيُ التي أُوحِي إليه وهيَ التي توجبُ إيمانَ البشرِ إلى يومِ القيامةِ كما قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقرْآن لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) . ولهذا قيل: إنَّ آياتِ الأنبياءِ انقطعتْ بموتِهِم وآياتِهِ ﷺ باقيةً إلى يومِ القيامةِ، ومما يبيِّن أنَّ الحصرَ لم ينتفِ عنْ "إنَّما" في شيء من هذه الأنواع التي توهمُوها، أنَّ الحصرَ قد جاءَ فيها وفي مثلِها بِإلاَّ كما جاء بـ "إنَّما" فإنه جاء "لا ربا إلا في النسيئة" كما جاء "إنما الربا في النسيئة" وجاءَ في القرآن (وَمَا محَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل) . كما جاء: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ) وكذلك قوله: (مَا الْمَسِيحُ ابْن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) . ومثلُ ذلك كثير فهذا وجهُ إفادتِهَا الحصر في هذهِ الآيةِ على القولِ المشهور وهو "إنما" في قولِهِ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ، هي الكافةُ. وأما على قولِ منْ جعلَهَا موصولةً فتفيدُ الحصرَ منْ جهةٍ أُخرى وهو أنَّها إذا كانتْ موصولةً فتقديرُ الكلامِ "إن الذين يخشون الله هم العلماء" وهذا أيضًا يفيدُ الحصرَ" فإنَّ الموصولَ يقتضي العمومَ لتعريفِهِ، وإذا كان عامًّا لزمَ أنْ يكونَ خبرُهُ عامًّا أيضًا لئلا يكونَ الخبرُ أخصَّ من المبتدأ، وهذا النوعُ من الحصرِ يسمَّى حصرَ المبتدأ في الخبرِ، ومتى كان المبتدأ عامًّا فلا ريبَ إفادتهُ الحصرَ، وأمَّا دلالة الآيةِ على الثالثِ، وهو نفي العلم من غيرِ أهلِ الخشيةِ. فمن جهةِ الحصرِ أيضا فإنَّ الحصرَ المعروفَ المطردَ فهو حصرُ الأولِ في الثاني،
следующие страницы →