← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وروى ابنُ أبي الدنيا وغيرُه عن أبي وائلٍ قالَ: خرجْنا معَ ابنِ مسعودٍ ومعنا الربيعُ بنُ خُثَيم، فأتينَا على تنورٍ على شاطئ الفراتِ، فلمَّا رآهُ عبدُ اللَّهِ والنارُ تلتهبُ في جوفهِ قرأَ هذه الآيةَ (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) إلى قوله: (ثُبُورًا) ، فصعقَ الربيعُ بنُ خثَيمٍ فاحتملناه إلى أهلهِ، فرابطَهُ عبدُ اللَّهِ حتى صلَّى الناسُ الظهرَ فلم يُفقْ، ثم رابطَهُ إلى العصرِ فلم يُفِقْ، ثم رابطَهُ إلى المغربِ فأفاقَ، فرجعَ عبدُ اللَّهِ إلى أهلهِ. ومن روايةِ مسمع بنِ عاصم قالَ: بتُّ أنا وعبدُ العزيزِ بن سليمانَ وكلابُ ابنُ جريٍّ وسلمانُ الأعرجُ على ساحلٍ من بعضِ السواحلِ، فبكَى كلاب حتى خشيتُ أن يموتَ، ثم بكى عبدُ العزيزِ لبكائِهِ ثم بكَى سلمانُ لبكائهِمَا. وبكيتُ - واللَّهِ - لبكائِهم لا أدْرِي ما أبكَاهُم، فلما كانَ بعدُ سألتُ عبدَ العزيزِ فقلتُ: يا أبا محمدٍ ما الذي أبكاك ليلتئذٍ؟ قالَ: إنَي - واللَّهِ - نظرتُ إلى أمواج البحرِ تموجُ وتجيلُ، فذكرتُ أطباقَ النيرانِ وزفراتِها، فذلكَ الذي أبكاني. ثم سألتُ كلابًا أيضًا نحوًا مما سألتُ عبدَ العزيز، ِ فواللَّهِ؛ لكأنّما سمعَ قصتَهُ، فقال لي مثلَ ذلكَ، ثم سألتُ سلمانَ الأعرجَ نحوًا مما سألتُهما. فقالَ لي: ما كانَ في القومِ شرّ منّي، ما كانَ بُكائي إلا لبكائِهم رحمةً لهم مما كانُوا يصنعونَ بأنفسِهِم - رحمهُمُ اللَّهُ تعالى. * * *

стр. 737

قوله تعالى (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: (فَقَذ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ) ، قال: المعنى: فقد كذبكم أصنامكم بقولكم؛ لأنكم ادعيتم أنها الآلهة وقد أقررتم أنها لا تنفع، فإقراركم يكذب دعواكم. في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ) ، قال هو يدل على فضل هداية الخلق بالعلم، ويبين شرف العالم على الزاهد المنقطع؛ فإن النبي ﷺ كالطبيب، والطبيب يكون عِنْدَ المرضى، فلو انقطع عنهم هلكوا. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُ دْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) وخرَّج النسائيّ من حديثِ أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إذا أسلمَ العبدُ

стр. 738

فحَسُنَ إسلامُهُ، كتَبَ اللَّهُ له كُل حَسنة كانَ أزلفَها، ومحيت عنه كلُّ سيئة كان أزلفها، ثمَّ كانَ بعدَ ذلكَ القصاصُ، الحسنةُ بعشْر أمثالِها إلى سَبع مائةِ ضعف، والسيئةُ بمثلها إلا أن يتجاوزَ اللَّهُ ". وفي روايةٍ أخرى: "وقيلَ لهُ: ائْتَنِفِ الْعَمَلَ ". والمرادُ بالحسناتِ والسيئاتِ التي كانَ أزلَفَهَا: ما سبقَ منه قبلَ الإسلامِ. وهذا يدلُّ على أنه يُثابُ بحسناتهِ في الكفرِ إذا أسلمَ وتُمحى عنه سيئاتُه إذا أسلَمَ، لكن بشرطِ أن يحسُنَ إسلامُه، ويتقِي تلكَ السيئاتِ في حالِ إسلامِهِ. وقد نصَّ على ذلكَ الإمامُ أحمدُ. ويدلُّ على ذلكَ ما في "الصحيحينِ " عن ابنِ مسعودٍ قال: قلنا: يا رسولَ اللَّهِ، أنؤاخذُ بما عملْنا في الجاهليةِ؟ قالَ: "أما مَنْ أحسنَ منكُم في الإسلامِ فلا يُؤاخذُ بِهَا، ومن أساءَ أُخِذَ بعملِهِ في الجاهليةِ والإسلام". وفي "صحيح مسلم " عن عمرِو بنِ العاصِ قال للنبيِّ ﷺ لما أسلمَ: أريدُ أن أشترطَ، قالَ: "تشترطُ ماذَا؟ " قلتُ: أن يُغفرَ لِي. قالَ: "أما عَلمتَ أنَّ الإسلامَ يهدمُ ما كانَ قبلَهُ؟ ". وخرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ ولفظُه: "إن الإسلامَ يجبُّ ما كانَ قبلَهُ منَ الذنوبِ " وهذا محمولٌ على الإسلامِ الكاملِ الحسنِ، جمعًا بينَهُ وبين حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي قبلَهُ. وفي "صحيح مسلم " أيضًا عن حكيم بنِ حزام قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ أمورًا كنتُ أصنعُها في الجاهليةِ من صدقةٍ أو عتاقةٍ أو صلة رحم، أفيها أجرٌ؟

стр. 739

فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ : " أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ" وفي روايةٍ لهُ: قالُ: فقلتُ: واللَّهِ؛ لا أدعُ شيئًا صنعتُه في الجاهليةِ إلا صنعتُ في الإسلام مثلَهُ. وهذا يدلُّ على أنَّ حسناتِ الكافرِ إذا أسلمَ يُثابُ عليهَا كما دلَّ عليه حديثُ أبي سعيدٍ المتقدِّمُ. وقد قيلَ: إن سيئاتهِ في الشركِ تبدَّلُ حسناتٍ، ويُثابُ عليها، أخذًا من قولهِ تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) . "وقد اختلفَ المفسرونَ في هذا التبديلِ على قولِين: فمنهُم مَنْ قالَ: هو في الدنيا، بمعنى: أنَّ اللَّه يُبَدِّلُ من أسلمَ وتابَ إليه بدلَ ما كان عليهِ من الكفرِ والمعاصِي: الإيمانَ والأعمالَ الصالحةَ. وحكَى هذا القولَ إبراهيمُ الحربيُّ في "غريب الحديثِ " عن أكثرِ المفسرينَ، وسمَّى منهم ابنَ عباسٍ، وعطاءً، وقتادةَ، والسُّديَّ، وعكرمةَ. قلتُ: وهو المشهورُ عن الحسنِ. قالَ: وقال الحسنُ وأبو مالكٌ وغيرُهما: هي في أهلِ الشركِ خاصةً، ليس هي في أهلِ الإسلامِ. قلتُ: إنما يصحُّ هذا القولُ على أنْ يكونَ التبديلُ في الآخرةِ كما سيأتِي. وأما إن قيلَ: إنه في الدنيا، فالكافرُ إذا أسلمَ والمسلمُ إذا تاب في ذلكَ سواءٌ، بل المسلمُ إذا تابَ فهو أحسنُ حالاً من الكافر إذا أسلمَ.

стр. 740

قالَ: وقال آخرونَ: التبديلُ في الآخرةِ: جعلت لهم مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً منهم: عمرُو بنُ ميمون، ومكحولٌ، وابنُ المسيبِ، وعليٌّ بنُ الحسينِ، قالَ: وأنكرهُ أبو العاليةَ، ومجاهدٌ، وخالد سبلان، وفيه موضعُ إنكارٍ، ثم ذكرَ ما حاصلهُ: أنه يلزمُ من ذلكَ: أن يكونَ مَن كثرتْ سيئاتُهُ أحسن حالاً ممن قلَّتْ سيئاتُه، حيثُ يُعطى مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً. ثم قالَ: ولو قال قائل: إنما ذكرَ اللَّهُ أن يُبدلَ السيئاتِ حسناتٍ ولم يذكرِ العددَ كيفَ تبدَّل فيجوزُ أن معنى تبدَّلُ: أن من عملَ سيئةً واحدةً وتابَ منها تبدَّلُ مائةَ ألفِ حسنةٍ، ومن عملَ ألفَ سيئة أن تبدَّل ألفَ حسنةٍ، فيكونُ حينئذٍ مَنْ قلَّت سيئاتُهُ أحسنُ حالاً. قلتُ: هذا القولُ - وهو التبديلُ في الآخرةِ - قد أنكرَهُ أبو العاليةَ، وتلا قولَهُ تعالَى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) ، وردّه بعضُهم بقولِه تعالَى: (وَمَن يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، وقولهِ تعالَى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) . ولكن قد أُجيبَ عن هذا: بأنَّ التائبَ يُوقفُ على سيئاتهِ؛ ثمَّ تبدَّلُ حسناتٍ، قالَ أبو عثمانَ النهديُ: إن المؤمنَ يُؤتَى كتابهُ في سَتْرٍ من اللَّه عزّ وجلّ، فيقرأُ سيئاتهِ، فإذَا قرأَ تغيَّر لها لونُه حتَّى يمرَّ بحسناتِهِ، فيقرؤُها فيرجعُ إليه لونُه، ثم ينظرُ فإذا سيئاتُه قد بُدلمتْ حسناتٍ، فعندَ ذلكَ يقولُ: (هَاؤُمُ اقرَءُوا كتَابِيَهْ) . ورواهُ بعضُهم عن أبي عثمانَ عن ابنِ مسعودٍ، وقالَ بعضُهم: عن أبي عثمانَ عن سلمانَ.

стр. 741

وفي "صحيح مسلم " من حديثِ أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إني لأعلمُ آخرَ أهلِ الجنَّةِ دُخولاً الجنة، وآخرَ أهلِ النارِ خروجًا منها، رجلٌ يُؤتَى بهِ يومَ القيامةِ فيقالُ: اعرضُوا عليه صِغارَ ذنوبهِ وارفعُوا عنه كبارها، فيعرضُ اللَّهُ عليه صغارَ ذنوبهِ. فيقالُ له: عملتَ يومَ كذا وكذا، كذا وكذا؛ وعملتَ يومَ طذا وطذا، كذا وكذا؛ فيقولُ: نعم، لا يستطيعُ أن يُنكرَ وهو مشفقٌ من كبارِ ذنوبِهِ أن تُعرضَ عليه، فيقالُ لهُ: فإنَّ لكَ مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً، فيقولُ: يا ربِّ قد عملتُ أشياءَ لا أراها ها هنا". قال: فلقد رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ ضَحِكَ حتَّى بدتْ نواجذُه. فإذا بُدلت السيئاتُ بالحسناتِ في حقِّ من عوقِبَ على ذنوبهِ بالنارِ، ففي حق من مُحِيَ سيئاتُه بالإسلامِ والتوبةِ النصوح أوْلَى، لأنَّ محوَها بذلكَ أحبُّ إلى اللَّهِ من محوِها بالعقابِ. وخَرَّج الحاكم من طريقِ الفضلِ بنِ مُوسى، عن أبي العنبسِ عن أبيهِ. عن أبي هُريرةَ قالَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ليتمنَّينَ أقوامٌ أنَّهم أكثرُوا من السيِّئاتِ ". قالوا: بِمَا يا رسولَ اللَّه؟ قال: "الذين بدَّلَ اللَهُ سيئاتهم حسناتٍ ". وخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ سليمانَ أبي داود الزهريِّ عن أبي العنبسِ عن أبيه عن أبي هريرةَ - موقوفًا، وهو أشبهُ مِن المرفوع. ويُروى مثلُ هذا عن الحسنِ البصريّ أيضًا، وهو يُخالف قولَه المشهور: إن التبديلَ في الدنيا. وأما ما ذكره الحربي في التبديلِ، وأنَّ من قلَّت سيئاتُهُ يُزاد في حسناتهِ،

стр. 742

ومن كثرتْ سيئاتُه يُقَلَّلُ من حسناتهِ، فحديثُ أبي ذرٍّ صريحٌ في ردِّ هذا، وأنه يُعطى مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً. وأما قولُه: يلزمُ من ذلكَ أن يكونَ من كثرت سيئاتُه أحسنَ حالاً ممن قلَّت سيئاتُهُ، فيقالُ: إنما التبديلُ في حقِّ مَنْ ندمَ على سيئاته، وجعلَهَا نصبَ عينيهِ، فكلَّما ذكرَه ازدادَ خوفًا ووجلاً وحياءً من اللًّهِ، ومسارعةً إلى الأعمالِ الصالحةِ المكفرةِ كَمَا قالَ تعالى: (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا) ، وما ذكرناهُ كله داخلٌ في العمل الصالح، ومن كانتْ هذه حالُهُ. فإنَّه يتجرعُّ من مرارةِ الندمِ والأسفِ على ذنوبِهِ أضعاف ما ذاق من حلاوتها عند فعلها، ويصير كل ذنبٍ من ذنوبه سببًا لأعمالٍ صالحةٍ ماحيةٍ له، فلا يُستنكرُ بعد هذا تبديلُ هذه الذنوبِ حسناتٍ. وقد وردت أحاديثُ صحيحةٌ صريحةٌ في: أن الكافرَ إذا أسلم وحَسُنَ إسلامُه تبدَّلت سيئاتُه في الشِّرك حسناتٍ، فخرَّج الطبراني من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرِ بنِ نفيرٍ عن أبي فروةَ شطبٍ: أنه أتى النبيَّ ﷺ فقالَ: أرأيتَ رجلاً عَمِلَ الذنوبَ كُلَّها، ولم يتركْ حاجةً ولا داجةً، فهل له مِنْ توبة؟ فقالَ: " أسلمتَ؟ " قال: نَعم، قال: "فافعل الخيراتِ، واتركِ السيئاتِ. فيجعلُها اللَهُ لك خيراتٍ كلَّها". قالَ: وغَدَرَاتي وفَجَراتي؛ قالَ: "نعم ". قال: فما زال يُكبِّرُ حتَّى توارَى. وخرَّجه من وجهٍ آخرَ بإسنادٍ ضعيف عن سلمةَ بنِ نفيل، عن النبيِّ ﷺ . وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ نحوَهُ من حديثِ مكحولٍ مرسلاً، وخرَّجَ البزار

стр. 743

الحديثَ الأوَّل. وعندهُ: عن أبي طويلٍ شطبٍ الممدودِ: أنه أتى النبيَّ، فذكرَهُ وكذا خرَّجه أبو القاسم البغويُّ في "معجمِهِ "، وذكرَ: أن الصوابَ عن عبدِ الرحمنِ بن جُبيرِ بنِ نفيرٍ مرسلاً أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، طويل شَطْب، والشطبُ في اللغةِ: الممدودُ، فصحفه بعضُ الرواةِ، وظنَّه اسمَ رجل. * * * قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) قالَ اللَّهُ تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) . [قالَ البخاريُّ] : ومعنى الدعاء في اللغة: الإيمانُ. اعلم؛ أنَّ أصلَ الدعاءِ في اللغة: الطلبُ، فهو استدعاءٌ لما يطلبة الداعِي. ويُؤْثِرُ حصولَه. فتارةً يكونُ الدعاءُ بالسؤالِ من اللَّهِ والابتهالِ إليه، كقول الداعِي: اللهمَّ اغفرْ لي، اللَّهمَّ ارحمْنِي. وتارةً يكونُ بالإِتيانِ بالأسبابِ التي تقتضي حصولَ المطالبِ، وهو الاشتغالُ بطاعةِ اللَّهِ وذكرهِ، وما يجب من عبدهِ أن يفعَله، وهذا هو حقيقةُ الإيمانِ. وفي "السنن الأربعةِ"، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "إنَّ الدُّعاءَ هو العبادة، ثم قرأ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) ".

стр. 744

فما استجلبَ العبدُ من اللَّهِ ما يحبُ، واستدفعَ منه ما يكره، بأعظمَ من اشتغالِهِ بطاعةِ اللَّهِ وعبادتهِ وذكرِه، وهو حقيقةُ الإيمانِ، فإن اللَّهَ يدفع عنِ الذين آمنوا. وفي "الترمذيِّ "، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ ﷺ ، قال: "يقُولُ الربُّ : مَن شغلَهُ القرآنُ وذكرِي عن مسألتِي أعطيتهُ أفضلَ ما أُعطِي السائِلِينَ ". وقال بعضُ التابعينَ: لو أطعتمُ اللَّهَ ما عصاكُم. يعني: ما منعكُم شيئًا تطلبونَهُ منه. وكان سفيانُ يقولُ: الدعاءُ تركُ الذنوبِ. يعني: الاشتغالَ بالطَّاعَةِ عن المعصية. وأما قولُه تعالى: (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكمْ) ، فيه للمفسرينَ قولان: أحدهما: أن المرادَ: لولا دعاؤُكم إيَّاه. فيكونُ الدعاءُ بمعنى الطاعةِ، كما ذكرنَا. والثاني: لولا دعاؤُه إياكُم إلى طاعتِهِ، كمَا في قولهِ تعالَى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، أي: لأدعوهُم إلى عِبادَتي. وإنما اختلف الفسرون في ذلكَ لأنَّ المصدرَ يضافُ إلى الفاعلِ تارةً، وإلى المفعولِ أُخرى.

стр. 745

سُورَةُ الشُّعَراء قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) وقد استدلَّ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ بتفرُّدِ اللَّهِ بهذه الأمورِ على أنَّه لا إلهَ غيرُهُ، وأنَّ كُلَّ ما أشركَ معهُ باطل، فقالَ لقومِه: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) . فإنَّ من تفرَّد بخلقِ العبد وبهدايَته وبرزقِهِ وإحيائِهِ وإماتتِهِ في الدُّنيا، وبمغفرةِ ذنوبِهِ في الآخرةِ مستحقَّ أن يتفرًّ دَ بالإلهيةِ والعبادةِ والسؤالِ والتضرعُّ إليه والاستكانةِ لهُ. قالَ اللَّهُ : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) . * * *

стр. 746

قوله تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) القلبُ واللسانُ همَا عبارةٌ عن الإنسانِ؛ كما يُقالُ: الإنسانُ بأصغريهِ. قلبهِ، ولسانهِ. وخرَّجَ ابنُ سعدٍ من روايةِ عروةَ بنِ الزبرِ مرسلاً أَنَّ النبي ﷺ لما رأى أَشجَّ عبدَ القيسِ، وكانَ رجُلاً دميمًا، فقالَ للنبيِّ ﷺ : "إنه لا يُستقى في مُسُوكِ الرجال، إنما يُحتاجُ من الرجلِ إلى أصغريه؛ لسانه، وقلبه. وقال المتنبي: لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ. . . ولم يبقَ إلا صورةَ اللحم والدمِ فمن استقامَ قلبُه ولسانُه استقامَ شأنُهُ كلُّه، فالقلبُ السليمُ هوَ الذي ليسَ فيه محبةُ شيءٍ مما يكرهُهُ اللَّهُ، فدخلَ في ذلكَ: سلامتُهُ من الشركِ الجليِّ. والخفي، ومن الأهواءِ والبدع، ومن الفسوقِ والمعاصِي؛ كبائرِهَا وصغائرِهَا الظاهرةِ والباطنةِ: كالرياءِ والعجبِ والغلِّ والغشِّ والحقدِ والحسدِ وغيرِ ذلكَ وهذا القلبُ السليمُ هو الذي لا ينفعُ يومَ القيامةِ سواهُ؛ قالَ تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) . إذا سلمَ القلبُ لم يسكنْ فيه إلا الربُّ. في بعضِ الآثارِ، يقولُ اللُّه: "وما وسعنِي سمائِي ولا أَرضِي، ولكن وسعنِي قلبُ عبدِي المؤمنِ ". * * *

стр. 747

وقوله ﷺ : "ألا وإنَّ في الجسدِ مضغةً، إذا صَلَحت، صلحَ الجسدُ كلّه، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ ". فيه إشارةٌ إلى: أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارِحِه، واجتنابِه للمحرَّماتِ واتِّقائِهِ للشُّبهاتِ بحسبِ صلاح حركةِ قلبهِ. فإنْ كانَ قلبُه سليمًا، ليسَ فيه إلا محبةُ اللَّهِ ومحبةُ ما يُحبُّه اللَّهِ، وخشيةُ اللَّهِ وخشيةُ الوقوع فيما يكرهُهُ، صلحَتْ حركاتُ الجوارح كلها، ونشأ عن ذلكَ اجتنابُ المحرَّماتِ كلِّها، وتوقِّي الشبهاتِ حذرًا مِنَ الوقوع في المحرَّماتِ. وإن كانَ القلبُ فاسِدًا، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلبُ ما يحبُه، ولو كرهَهُ اللَّهُ، فسدتْ حركاتُ الجوارح كلِّها، وانبعثتْ إلى كل المعاصِي والمشتبهاتِ بحسبِ اتِّباع هوى القلبِ. ولهذا يقالُ: القلبُ ملكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعونَ لهُ، منبعثونَ في طاعتِهِ، وتنفيذِ أوامر، لا يخالفونَهُ في شيءٍ من ذلكَ، فإنْ كانَ الملكُ صالحًا كانتْ هذه الجنودُ صالحةً، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابةِ فاسدةً، ولا ينفع عندَ اللَّهِ إلا القلبُ السليمُ، كما قالَ تعالَى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) . وكان النبيُّ ﷺ يقولُ في دعائِهِ: "أسألكَ قلبًا سليمًا". فالقلبُ السليمُ: هو السالمُ من الآفاتِ والمكروهاتِ كلِّها، وهوَ القلبُ

стр. 748

الذي ليسَ فيه سوى محبةِ اللَّهِ وما يحبُّهُ اللَّهُ وخشية اللَّهِ، وخشية ما يُباعدُ منه. وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" عن أنس عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه ". والمرادُ باستقامةِ إيمانِه: استقامةُ أعمالِ جوارِحِه، فإنَّ أعمالَ الجوارح لا تستقيمُ إلا باستقامةِ القلبِ، ومعنى استقامةِ القلبِ: أن يكونَ ممتلئًا مِنْ محبَّةِ اللَّهِ، ومحبَّةِ طاعتهِ، وكراهةِ معصيتهِ. قال الحسنُ لرجلٍ: داوِ قلبكَ " فإنَّ حاجةَ اللَّهِ إلى العبادِ صلاحُ قلوبِهم. يعني: أنَّ مرادَهُ منهُم ومطلوبَهُ صلاحُ قلوبِهِم، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللَّهِ وعظمتُه ومحبّتهُ وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤه والتوكلُ عليه، وتمتلئ مِنْ ذلك، وهذا هو حقيقةُ التوحيدِ، وهو معنى "لا إله إلا اللَّهُ "، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألهُه وتعرفُه وتحبه وتخشاه هو اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماواتِ والأرضِ إلهٌ يُؤَله سِوى اللَّهِ، لفسدتْ بذلكَ السماواتُ والأرضُ، كما قالَ تعالَى: (لوْ كَان فيهِمَا آلِهَةٌ إِلأَ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) . فعلم بذلكَ أنَّه لا صلاحَ للعالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ معًا حتى تكون حركاتُ أهلِهَا كلها للَّهِ، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلبِ وإرادته، فإن كانتْ حركتُه وإرادتُه للَّهِ وحدَه، فقدْ صَلحَ وصلحتْ حركاتُ الجسدِ كلها، وإنْ كانتْ حركةُ القلبِ وإرادتُهُ لغيرِ اللَّهِ تعالَى، فسدَ، وفسدتْ حركاتُ الجسدِ

стр. 749

بحسبِ فسادِ حركةِ القلبِ. وروى الليثُ عن مجاهدٍ في قولهِ تعالَى: (وَلا تُشْرِكوا بِهِ شَيْئًا) . قال: لا تحبُّوا غيرِي. وفي "صحيح الحاكم " عن عائشةَ ﵂ عن النبيِّ ﷺ قال: "الشِّركُ أخفَى من دبيبِ الذرِّ على الصفا في الليلةِ الظَّلماءِ، وأدناهُ: أن تُحِبَّ على شيءٍ من الجورِ، وأن تُبغضَ على شيء من العدلِ، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغضُ؟ قال اللَهُ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ". فهذا يدل على أنَّ محبةَ ما يكرهُهُ اللَّهُ، وبغضَ ما يُحبه اللَّهُ متابعة للهوى، والموالاةُ على ذلك والمعاداةُ عليه من الشركِ الخفيِّ، ويدل على ذلكَ قولُه تعالَى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فجعلَ علامةَ الصدقِ في محبته اتباعَ رسولِهِ، فدل على أن المحبةَ لا تتمُّ بدونِ الطاعةِ والموافقةِ. قال الحسنُ: قال أصحابُ رسول اللَّهِ ﷺ : يا رسول اللَّهِ، إنَّا نُحِبُّ ربنا حبًّا شديدًا. فأحبَّ اللَّهُ أن يجعل لحبِّه علمًا، فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) . ومن هنا قال الحسنُ: اعْلم أنكَ لن تُحبَّ اللَّهَ حتى تُحبَّ طاعتَه. وسُئلَ ذو النونِ: متى أُحِبُ ربِّي؟ قال: إذا كانَ ما يُبغضُهُ عندكَ أمرَّ من الصبرِ. وقال بشرُ بن السَّري: ليسَ من أعلامِ الحبِّ أن تحبَّ ما يُبغضُه حبيبُك.

стр. 750

وقال أبو يعقوبَ النهرجوريُّ: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ . ولم يُوافقِ اللَّهَ في أمر، فدعواهُ باطلٌ. وقالَ رُويمٌ: المحبةُ: - الموافقةُ في كل الأحوالِ. وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: ليسَ بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يحفظْ حدودَهُ. وعن بعضِ السلفِ قالَ: قرأتُ في بعضِ الكتبِ السالفةِ من أحبَّ اللَّهَ لم يكنْ عندهُ شيءٌ آثرَ من مرضاتِهِ، ومن أحبَّ الدنيا لم يكنْ عندَهُ شيءٌ آثرَ من هوى نفسهِ. وفي "السننِ " عن النبيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ أعطَى للهِ، ومنعَ للهِ، وأحبَّ للَّهِ، وأبغضَ للهِ، فقد استكملَ الإيمانَ " ومعنى هذا أن حركاتِ القلبِ والجوارح إذا كانتْ كلُّها للَّهِ فقدْ كمُلَ إيمانُ العبدِ بذلكَ ظاهرًا وباطِنًا، ويلزمُ من صلاح حركاتِ القلبِ صلاحُ حركاتِ الجوارح، فإذا كانَ القلبُ صالحًا ليسَ فيه إلا إرادةُ اللَّهِ وإرادةُ ما يريدُه لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فِيما يُريدُه اللَّهُ، فسارعتْ إلى ما فيه رضاهُ وكَفَّتْ عما يكرَهُهُ، وعمَّا يُخشى أن يكونَ مما يكرههُ وإن لم يتيقنْ ذلكَ. قال الحسنُ: ما نظرتُ ببصرِي، ولا نطقتُ بلسانِي، ولا بطشتُ بيدي. ولا نهضتُ على قدمِي، حتى أنظرَ على طاعةٍ أو على معصيةٍ؛ فإن كانتْ طاعةٌ تقدمتُ، وإن كانتْ معصيةٌ تأخَّرتُ. وقال محمدُ بنُ الفضلِ البَلخيُّ: ما خطوتُ منذ أربعينَ سنةً خطوةً لغيرِ اللهِ . وقيلَ لداودَ الطائىِّ: لو تنحيتَ من الظل إلى الشمسِ؟ فقالَ: هذه خُطًا لا أدرِي كيفَ تكتبُ.

стр. 751

فهؤلاءِ القومُ لما صلحتْ قلوبُهم، فلم يبقَ فيها إرادةٌ لِغير اللَّهِ، صلحتْ جوارحُهم، فلم تتحرَكْ إلا للهِ ، وبما فيهِ رضاهُ، واللَّهُ أعلم. * * * قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) وقولُه: "إني لأرى منْ خلفي كما أرى منْ بين يدي ". هو فضيلة للنبيِّ ﷺ خصَّهُ اللَّهُ بها. فكانَ ينظرُ ببصيرتِهِ كما ينظرُ ببصر، فيرى من خلفَه كمَا يرَى من بينَ يديهِ. وقد فسَّرهُ الإمامُ أحمدُ بذلكَ في روايةِ ابنِ هانئ، وتأولَ عليه قولَهُ تعالَى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) . كما روى ابنُ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) . أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يرى أصحابَهُ في صلاتهِ من خلفِهِ، كما يَرى من بين يديهِ. وتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: أن اللَّه تعالى يَرَى نبيَّه ﷺ حين يقومُ إلى صلاتهِ. ويَرَى تقلبَ نظره إلى الساجدينَ معه في صلاتهِ. وقال الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ: قولُ النبيِّ ﷺ : "إني لأراكم من وراء ظهرِي "؟ قال: كانَ يرى من خلفَهُ كما يَرى من بينَ يديهِ. قلتُ: إن إنسانًا قالَ لي: هو

стр. 752

في ذلكَ مثل غيره، وإنما كانَ يراهُم كما ينظرُ الإمامُ عن يمينهِ وشمالهِ؛ فأنكرَ ذلكَ إنكارًا شديدًا. * * *

стр. 753

سُورَةُ النَّمْلِ قوله تعالى: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) قال ابن الجوزي في "المقتبس " سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: (أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) . قال: هذا من تمام برّ الوالدين. كأنَّ هَذا الوَلَدَ خَافَ أَنْ يكون وَالِدَاهُ قَصَّرا فِي شُكْرِ الرَّبِّ ، فسأل اللَّه أن يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ على ما أنعم به عليه وعليهما؛ ليَقُوم بما وَجَبَ عَلَيْهِما من الشُّكر إن كانا قَصَّرا. *** قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا) وقال ابنُ عيينةَ: "لا إله إلا اللَّهُ لأهلِ الجنةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدُّنيا". وكذلكَ ترنُّمهم بالقرآنِ وسماعهُم لهُ، وأعلاه: سماعُه من اللَّهِ ﷻ وتقدستْ أسماؤُه، فأينَ هذا من تلاوةِ أهلِ الدنيا وذكرِهم؛ وأمَّا سائرُ العباداتِ: فما كانَ منها فيه مشقةٌ على الأبدانِ فإنَّ أهلَ الجنةِ قد أُسقطَ ذلك عنْهم؛ وكذلكَ ما فيه نوعُ ذلٍّ وخضوع كالسجودِ ونحوهِ.

стр. 754

وأما ما في العباداتِ من النعيم الحاصلِ بها لأهلِ المعرفةِ في الدُّنيا، فإنَّه يحصلُ في الجنةِ أضعافًا مع راحةِ البدنِ من مشقةِ التكليفِ التي في الدُّنيا فتجتمعُ لهم راحةُ القلبِ والبدنِ على أكملِ الوجوهِ. وهذا مثلُ الصلاةِ، فإن العارفينَ في الدُّنيا إنما يتنعمونَ بما فِيهَا منَ الناجاةِ وآثارِ القربِ، وما يرِدُ عليهم من الوارداتِ في تلاوةِ الكتابِ ونحوِ ذلكَ من نعيم القلوبِ، وربما يستغرقونَ به عن الشعورِ بتعبِ الأبدانِ فهذا القدرُ الذي حصلَ لهم به التنعمُ في الدنيا يتزايدُ في الجنةِ بلا ريبٍ، لاسيَّما في أوقاتِ الصلواتِ، فإنَّ أكملَهُم من ينظرُ إلى وجهِ اللَّهِ كلَّ يومٍ مرتينِ، بكرةً وعشيةً، في وقتِ صلاةِ الصبح وصلاةِ العصرِ، لمِا جاءَ في حديثِ ابنِ عمَر مرفوعا وموقوفًا، وإلى ذلك أشارَ النبيُّ ﷺ بالمحافظة على هاتينِ الصلاتينِ عقيبَ ذكرِهِ رؤيةَ الربِّ سبحانَهُ في حديثِ جريرٍ البجلي. فالنعيمُ الحاصلُ لأهلِ الجنَّةِ بالرؤيةِ والمخاطبةِ في هذينِ الوقتينِ أكملُ مما كانَ حاصلاً في الدنيا، وكذلكَ صلاةُ الجمعةِ: فإنهم يجتمعونَ في وقتِها في يومِ المزيدِ ويتجلَّى لهم سبحانَهُ ويحاضرُهم محاضرةً، وكذلكَ في العيدينِ. فهذا؛ أكملُ مما كانَ يحصلُ لهم في الدنيا في صلاتِهِم من آثارِ القربِ وحلاوةِ مع راحةِ البدنِ ونعيمهِ أيضًا. فتبينَ بهذا أن نعيمَ الجنةِ أكملُ من نعيم

стр. 755

الدنيا مطلقًا، وسواءٌ في ذلكَ نعيمُ الأبدانِ بالأكلِ والشربِ والجماع، ونعيمُ القلوبِ والأرواح بالمعارفِ والعلومِ والقربِ والاتصالِ والأنسِ والمشاهدةِ. فظهرَ بهذا أن قولَهُ تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منْهَا) ، هو على ظاهره من غيرِ حاجةٍ إلى تأويلٍ ولا تكلُّفٍ فإنَّ كثيرًا من المفسرينَ فسروا الحسنةَ بكلمةِ التوحيدِ والجزاءَ عليهم بالجنةِ، ثم استشكلُوا تفضيلَ الجنَّةِ على التوحيدِ، وبما ذكرناه يزولُ الإشكالُ. ويتبين؛ أن التوحيدَ الذي في الجنةِ أكملُ من التوحيدِ الذي في الدنيا وهو جزاءٌ له، وكذلكَ المعرفةُ والمحبةُ والشوقُ أيضًا، فقد جاءَ في بعضِ أحاديثِ يومِ المزيدِ: أنَّهم ليسُوا إلى شيءٍ أشوقَ منهم إلى يومِ الجمعةِ، وسبب بهذا الغلطِ الذي أشرنَا إليه من قولِ من قالَ: إنَّ العارفينَ لا يشتاقونَ إلى اللَّهِ في الدُّنيا لأنَّهم يشهدونهُ بقلوبِهِم حاضرًا، وتباشرُ قلوبَهُم أنوارُه ويتجلَّى لها فيستأنسونَ بِهِ ويطمئنونَ إليهِ. وهذا؛ وإنْ كانَ نُقِلً عن بعضِ السلفِ المتقدمينَ فهو أيضًا غلطٌ، ولعلَهُ صدرَ من قائِلهِ في حالِ استغراقهِ في مشاهدة ما شاهدَهُ فظنَّ أنه ليسَ وراءَ ذلك مطلبٌ، وهذا كما قالَ بعضُهم: "إنه تمرُّ بي أوقاتٌ أقولُ: إنْ كانَ أهلُ الجنةِ في مثلِ ما أنا فيه، إنَّهم لِفي عيشٍ طيب ". ومعلومٌ أنَّ أهلَ الجنةِ في أضعافِ أضعافِ ما هو فيه من النعيم واللذةِ. ولكنَّه لما استعظمَ ما حصلَ له من النعيم ظنَّ أنه ليس وراءَهُ شيءٌ، وعند التحقيقِ يتبينُ أنَّ ما حصلَ في الدنيا للقلوبِ من تجلِّي أنوارِ الإيمان يدلُّ على عظمةِ ما يحصلُ في الجنةِ، وليسَ بينهما نسبةٌ فيتزايدُ بذلكَ الشوقُ إلى ما وراءَه، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يسألُ ربه الشوقَ إلى لقائِهِ، مع أنَّه أَكملُ الخلقِ مشاهدةً ومعرفةً، وكانَ يقولُ في الوصالِ: "إني لستُ كهيئتكُمْ، إنِّي أظَل عِندَ ربِّي يُطعمُني ويسقِيني ".

стр. 756

ويشيرُ إلى ما تجلَّى لقلْبه من آثارِ القرب والأنسِ بما يقوِّيةِ ويغذِّيهِ ويُغْنِيهِ عنِ الطعامِ والشرابِ. ً * * * وإنَّما شرعَ اللَهُ إقامَ الصَّلاةِ لذكرِه، وكذلكَ الحجَّ والطَّوافَ. وأفضلُ أهلِ العباداتِ: أكثرهم للَّهِ ذكرًا فِيها، فهذا كلُّه ليسَ من الدنيا المذمومةِ، وهو المقصودُ من إيجادِ الدُّنيا، وأهلِها، كمَا قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) . وقد ظنَّ طوائفُ مِنَ الفقهاءِ والصُّوفيَّةِ أنَّ ما يُوجدُ في الدنيا من هذه العباداتِ أفضلُ ممَّا يُوجدُ في الجنَّة مِنَ النَّعيم، قالُوا: لأنَّ نعيمَ الجنَّةِ حظُّ العبدِ، والعباداتُ في الدُّنيا حقُّ الربِّ، وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظِّ العبد. وهذا غلطٌ، ويقوِّي غلطهم قولُ كثيرٍ منَ المفسِّرين في قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالحسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا) ، قالُوا: الحسنةُ: لا إله إلا اللَّه، وليس شيء خيرًا منها. ولكن الكلام على التَّقديم والتَّأخير. والمراد: فله منها خيرٌ، أي: له خيرٌ بسببها ولأجلها. والصَّوابُ: إطلاقُ ما جاءت به نصوصُ الكتابِ والسنةِ، أنَّ الآخرةَ خيرٌ منَ الأُولى مطلقًا. وفي "صحيح الحاكم " عن المُستوردِ بن شدَّادٍ، قالَ: كنَّا عندَ النبي ﷺ ، فتذاكرُوا الدُّنيا والآخرةَ، فقالَ بعضُهم: إنَّما الدنيا بلاغٌ للآخرةِ، -

стр. 757

وفيها العملُ، وفيها الصَّلاةُ، وفيها الزكَاةُ. وقالتْ طائفةٌ منهم: الآخرةُ فيها الجنَّةُ، وقالوا ما شاءَ اللَّهُ. فقالَ رسولُ اللَّه، ﷺ : "ما الدُّنيا في الآخرةِ إلا كما يمشي أحدُكم إلى اليمِّ، فأدخلَ أصبعَهُ فيه، فما خرجَ منه فهو الدّنيا". فهذا نصٌّ بتفضيلِ الآخرةِ على الدُّنيا، وما فيها من الأعمالِ. ووجه ذلك: أنَّ كمالَ الدُّنيا إنما هو في العلم والعملِ، والعلمُ مقصودُ الأعمالِ، يتضاعفُ في الآخرةِ بما لا نسبةَ لما في الدّنيا إليه، فإنَّ العلمَ أصلُه العلمُ باللهِ وأسمائهِ وصفاتهِ، وفي الآخرةِ ينكشفُ الغطاءُ، ويصيرُ الخبرُ عيانًا، ويصيرُ علمُ اليقينِ عينَ اليقينِ، وتصيرُ المعرفةُ باللَّهِ رؤيةً له ومشاهدةً. فأينَ هذا مما في الدنيا؟ وأما الأعمالُ البدنيةِ، فإن لها في الدنيا مقصدينِ: أحدهما: اشتغالُ الجوارح بالطَّاعةِ، وكدُّها بالعبادةِ. والثاني: اتِّصالُ القلوبِ باللَّه وتنويرُها بذكرِه. فالأولُ؛ قد رُفعَ عن أهلِ الجنَّة، ولهذا رُوي أنَّهم إذا همّوا بالسجودِ للَّه عند تجلِّيه لهُم يقالُ لهم: ارفعوا رؤوسكُم فإنَّكم لسْتُم في دارِ مجاهدةٍ. وأما المقصودُ الثاني؛ فحاصل لأهلِ الجنَّةِ على أكملِ الوُجُوه وأتمِّها، ولا نسبةَ لما حصلَ لقلوبِهِم في الدُّنيا من لطائفِ القُرْبِ والأنسِ والاتًّصالِ إلى ما يُشاهدونه في الآخرةِ عيانًا، فتتنعَّمُ قلوبُهم وأبصارُهم وأسماعُهم بقرب اللَّهِ. ورؤيته " وسماع كلامهِ، لا سيَّما في أوقاتِ الصلوات في الدّنيا، كالجُمع والأعيادِ، والمقرَّبون منهم يحصُلُ ذلك لهم كلَّ يوم مرَّتينِ بكرةً وعشيًا في وقتِ صلاةِ الصبح وصلاةِ العصرِ.

стр. 758

ولهذا، لمَّا ذكَر النَّبيُّ ﷺ أنَّ أهلَ الجنةِ يرونَ ربَّهم، حضَّ عقيبَ ذلكَ على المحافظةِ على صلاةِ العصرِ وصلاة الفجرِ؛ لأنَّ وقتَ هاتين الصَّلاتينِ وقتٌ لرؤيةِ خواصِّ أهلِ الجنةَ ربَهم وزيارتهم لهُ، وكذلكَ نعيمُ الذِّكرِ وتلاوةُ القرآن لا ينقطعُ عنهُم أبدًا، فيُلهمونَ التَّسبيحَ كَما يُلهمونَ النَّفسَ. قال ابنُ عيينة: لا إله إلا اللَّه لأهلِ الجنَّةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدُّنيا. فأينَ لذَّةُ الذكَرِ للعارفينَ في الدُّنيا مِنْ لذَّتهم بهِ في الجنَّةِ؟!. فتبيَّن بهذا أن قولَهُ تعالَى:: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منْهَا) . على ظاهرِه، فإنَّ ثوابَ كلمةِ التَوحيدِ في الدُّنيا أن يصِلَ صاحبُها إلى قولها في الجنَّةِ على الوجهِ الذي يختصُّ به أهلُ الجنَّةِ. وبكلِّ حال، فالذي يحصُلُ لأهلِ الجنة مِن تفاصيلِ العلم باللَّه وأسمائهِ وصفاتهِ وأفعالهِ، ومن قُربهِ ومشاهدتِهِ ولذةِ ذكرِه هو أمرٌ لا يمكنُ التَّعبيرُ عن كُنْهِهِ في الدُّنيا، لأنَّ أهلَها لم يُدركوه على وجهِهِ، بل هو ممَّا لا عينٌ رأتْ. ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، واللَّهُ تعالى المسئول أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا، بمنِّه وكرمِه ورحمته، آمين. * * *

стр. 759

سُورَةُ القَصَصِ قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ) ، وفي الآية التي تليها (أَفَلا تبْصِرُونَ) ، قال: إنما ذكر السماع عند ذكر الليل والإبصار عند ذكر النهار؛ لأن الإنسان يدرك سمعه في الليل أكثر من إدراكه بالنهار. ويرى بالنهار أكثر مما يرى بالليل. قال المبرد: سلطان السمع في الليل، وسلطان البصر في النهار. * * * قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لمَنْ آمَنَ) : قال: إيثار

стр. 760

ثواب الآجل على العاجل حالة العلماء، فمن كان هكذا فهو عالم. ومن آثر العاجل على الآجل فليس بعالم. * * * قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مدحَ اللَّهُ تعالَى في كتابِه منْ لا يُريدُ العلوَّ في الأرضِ ولا الفسادَ، فقالَ: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) . وروى ابنُ جريرٍ بإسنادٍ فيه نظر عن على ﵁، قالَ: إنَّ الرجلَ ليعجبهُ من شراكِ نعلهِ أن يكونَ أجودَ من شراكِ صاحبهِ، فيدخلَ في قولهِ: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) . وكذا رُويَ عن الفضيلِ بنِ عياضٍ في هذه الآيةِ. قالَ: لا يُحِبُّ أن يكونَ نعلُه أجودَ من نعلِ غيرِه، ولا شراكُهُ أجودَ مِنْ شراك غيره. وقد قيل: إن هذا محمولٌ على أنه أرادَ الفخرَ على غيرِه لا مجرَّدَ التجملِ، قال عكرمةُ وغيرُه من المفسرينَ في هذه الآيةِ: العلوُّ في الأرضِ: التكبُّر، وطلبُ الشرفِ والمنزلةِ عندَ ذي سلطانِها. والفسادُ: العملُ بالمعاصِي. وقد وردَ ما يَدُلُّ على أنه لا يأثمُ مَنْ كره أن يفوقَه أحد من الناس في الجمالِ، فخرَّج الإمامُ أحمدُ ﵀ والحاكم في "صحيحهِ " من

стр. 761

حديث ابنِ مسعودٍ ﵁ قالَ: أتيتُ النبيَّ ﷺ وعندُه مالكُ بنُ مرارةَ الرَّهاويُّ، فأدركتُه وهو يقولُ: يا رسول اللَّه، قد قُسمَ لي من الجمالِ ما ترى، فما أحبُّ أحدًا من النَّاسِ فضلني بشِراكين فما فوقَهُما، أليسَ ذلكَ هو من البغي؟ فقالَ: "لا، ليسَ ذلك بالبغْي، ولكنَّ البغيَ مَنْ بطرَ - أو قال: سفه - الحقَّ وغمط الناسَ ". وخرَّج أبو داود من حديثِ أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ معناه، وفي حديثه: " الكبرُ " بدل " البغى ". فنفى أن تكونَ كراهتُه لأن يفوقَهُ في الجمالِ بغيًا أو كبرًا، وفسَّر الكبرَ والبغيَ ببطرِ الحقِّ، وهو التكبُّر عليه، والامتناعُ من قبوله كبرًا إذا خالفَ هواهُ. ومن هنا قالَ بعض - السلفِ: التواضعُ: أن تقبلَ الحقَّ من كلِّ من جاءَ به، وإن كانَ صغيرًا، فمن قبلَ الحقَّ ممَّن جاءَ به، سواءٌ كانَ صغيرا أو كبيرًا وسواءٌ كان يحبُّه أو لا يحبُّه، فهو متواضعٌ، ومن أبى قبُولَ الحقِّ تعاظُمًا عليه، فهو متكبِّرٌ. وغمصُ الناسِ: هو احتقارُهم وازدراؤُهم، وذلك يحصُلُ مِنَ النَّظرِ إلى النَّفسِ بعينِ الكمالِ، وإلى غيرهِ بعينِ النَّقصِ. * * *

стр. 762

سُورَةُ الرُّومِ قوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قالت بعضُ العارفاتِ من السلف: مَنْ عملَ للهِ على المُشاهدةِ، فهو عارفٌ، ومن عملَ على مشاهدةِ اللَّه إَيَّاه فهو مخلصٌ. فأشارتْ إلى المقامينَ اللذين تقدَّم ذكرهُما: أحدَهما: مقامُ الإخلاصِ، وهو: أن يعملَ العبدُ على استحضارِ مُشاهدةِ اللَّهِ إياهُ، واطّلاعِهِ عليهِ، وقربِهِ منهُ، فإذا استحضرَ العبدُ هذا في عملِهِ. وعَملَ عليه، فهو مخلص للَّه، لأنَّ استحضارَهُ ذلكَ في عملهِ يمنعُهُ من الالتفاتِ إلى غيرِ اللَّه وإرادتِهِ بالعملِ. والثاني: مقامُ المشاهدةِ، وهو: أن يعملَ العبدُ على مقتضى مشاهدتِهِ للَّهِ تعالى بقلبِهِ، وهو أن يتنوَّرَ القلبُ بالإيمانِ، وَتَنْفُذُ البصيرةُ في العرفان، حتَّى يصيرَ الغيبُ كالعيانِ. وهذا هو حقيقةُ مقامِ الإحسانِ المشارِ إليه في حديثِ جبريلَ ﵇. ويتفاوت أهلُ هذا المقامِ فيه بحسبِ قوةِ نفوذِ البصائرِ. وقد فسَّر طائفةٌ مِنَ العُلماءِ المثلَ الأعْلى المذكورَ في قولهِ : (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) ، بهذا المعنى، ومثلُه: قولُه تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) ،

стр. 763

والمرادُ: مثلُ نورِه في قلبِ المؤمنِ، كذا قاله أُبيُّ بنُ كعبٍ وغيرُه منَ السَّلف. وقد سبقَ حديثُ: "أفضلُ الإيمانِ أن تعلمَ أنَّ اللَّه معكَ حيثُ كنت ". وحديثُ ما تزكيةُ المرءِ نفسه؛، قال: "أن يعلمَ أنَّ اللَّهَ معه حيثُ كانَ ". وخرَج الطبرانيُّ من حديثِ أبي أُمامةَ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ثلاثة في ظلِّ اللَّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: رجل حيثُ توجَّه عَلِمَ أنَّ اللَّه معه "، وذكر الحديث. وقد دلَّ القرآنُ على هذا المعنى في مواضِعَ متعدده، كقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) . وقولِه تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كنتُمْ) . وقولِه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) . وقولِه: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) . وقولِه: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) . وقولِه: (وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) . * * * وبهذا فُسِّر المثلُ الأعلَى المذكورُ في قولهِ تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) .

стр. 764

ومثلُه: قولُه تعالى: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) . قال أبيُّ بنُ كعبٍ وغيرُه من السلفِ: مَثَلُ نورِه في قلبِ المؤمنِ. فمن وصلَ إلى هذا المقامِ فقد وصلَ إلى نهايةِ الإحسانِ، وصارَ الإيمانُ لقلبهِ بمنزلةِ العيانِ، فعرفَ ربَّه، وأنسَ به في خلوتهِ، وتنعَّمَ بذكره ومناجاتهِ ودعائه، حتَّى ربَّما استوحشَ من خلقهِ. كما قالَ بعضُهم: عجبتُ للخليقة، كيفَ أنستْ بسواكَ؟! بل عجبتُ للخليقةِ كيف استنارت قلوبُها بذكرِ سواك؟!. وقيلَ لآخرَ: أما تستوحشُ؟ قال: كيفَ أستوحشُ، وهو يقولُ: أنا جليسُ من ذكرني؟!. وقيل لآخرَ: أما تستوحشُ وحدَك؟ قالَ: ويستوحشُ مع اللَّهِ أحدٌ؟! وكان حبيب أبو محمدٍ يخلُو في بيتِهِ، ويقولُ: من لم تقرَّ عينُه بكَ فلا قرَت عينُه، ومن لمْ يأنسْ بكَ فلا أنسَ. وقال الفضيلُ: طوبَى لمن استوحشَ من الناسِ وكان اللَّه جليسَه. " وقال معروفٌ لرجلٍ: توكلْ على اللَّهِ، حتَّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ.

стр. 765

وقال ذو النونِ: علامةُ المحبينَ للَّهِ: أن لا يأنسُوا بسواهُ، ولا يستوحشُوا معهُ، ثم قالَ: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللَّه أنسَ باللَّه؛ لأن اللَّهَ أجلُّ في صدورِ العارفينَ أن يحبُّوا غيرَه. * * * ثبتَ في "الصحيحينِ " و"السننِ " و"المسانيدِ" من غيرِ وجه أن جبريلَ - ﵇ سألَ النبيَّ ﷺ عن الإحسانِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "الإحسانُ: أنْ تعبدَ اللَّهَ كأنكَ تراهُ، فإن لم تكنْ تراهُ فإنهُ يراكَ ". وقال بعضُ العارفينَ من السلف: "منْ عملَ للَّهِ على المشاهدةِ فهو عارف. ومنْ عملَ على مشاهدةِ اللَّهِ إياه فهو مخلِصٌ". فهذان مقامان: أحدهما: الإخلاصُ، وهو أن يعملَ العبدُ على استحضارِ مشاهدةِ اللَّهِ إياه، واطلاعِهِ عليه وقربِهِ منه، فإذا استحضَر العبدُ ذلكَ في عملِهِ، وعملَ على هذا المقامِ فهو مخلصٌ للَّه، لأنَّ استحضارَهُ ذلكَ يمنعُهُ من الالتفاتِ إلى غيرِ اللَّهِ وإرادتهِ بالعملِ. والثاني: المعرفةُ التي تستلزمُ المحبةَ الخاصةَ، وهو: أن يعملَ العبدُ على مشاهدةِ اللَّهِ بقلبهِ، وهو أنْ يتنورَ قلبُه بنورِ الإيمانِ وتنفذَ بصيرتُه في العرفانِ. حتَّى يصيرَ الغيبُ عنده كالعيانِ، وهذا هو مقامُ الإحسانِ المشارُ إليه في حديثِ جبريلَ ﵇، ويتفاوتُ أهلُ هذا المقامِ فيه بحسبِ قوةِ نفوذِ البصائرِ. وقدْ فسَّرَ طائفة من العلماءِ المثلَ الأعلى المذكورَ في قولِهِ تعالى:

стр. 766

(وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) ، بهذا ومثلُه قولُه تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَل نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) الآية، وقد فسَّرها أبيُّ ابنُ كعبٍ وغيرُه من السلفِ بأنَّ المرادَ: مثلُ نورِ اللَّهِ في قلبِ المؤمنِ. ومِن هذا حديثُ حارثةَ المشهورُ لما قالَ للنبي ﷺ : "وكأنَّي أنظر إلى عرشِ ربِّي بارِزًا؛ وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ يتزاورونَ فيها، وإلى أهلِ النارِ يتعاوونَ فِيها" فقال النبيُّ ﷺ : "عرفتَ فالزمْ، عبدٌ نوَّرَ اللَهُ الإيمانَ في قلبهِ ". وهذا الحديثُ مروي مرسلاً، ورُويَ مسندًا متَّصِلاً لكن من وجوهٍ ضعيفةٍ. وخطبَ عروةُ إلى ابنِ عمرَ ابنتَهُ وهما في الطوافِ فلم يجبْهُ بشيءٍ، ثم رآهُ بعدَ ذلك فاعتذرَ إليه وقال: "كنَا فى الطوافِ نتخايلُ اللَّه بين أعينِنا". خرَّجَّهُ أبو نُعيمٍ وغيرُه. ويتولَّدَ من هذينِ المقامينِ للعارفينَ مقامُ الحياءِ من اللَّهِ ، وقد أشارَ النبيُّ ﷺ إلى ذلكَ في حديث بهزِ بنِ حكيم عن أبيه عن جده أنه سئلُ عن كشفِ العورةِ خاليًا؟ فقال: "اللهُ أحَقُّ أنْ يُستحيَا منهُ " وقد ندبَ النبي ﷺ إلى دوامِ استحضارِ معيةِ اللَّهِ وقربِهِ وإلى الحياء منه بذلكَ في غيرِ حديثٍ. كما دلَّ عليه قولُه تعالى: (وَهُوَ مَعَكمْ أَيْنَ مَا كَنتُمْ) الآية. وقوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) . وخرَّج البزار من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن معاويةَ الغاضريِّ أنَّ رجلاً قالَ:

стр. 767

يا رسولَ اللَّهِ، ما تزكيةُ المرءِ نفسَهُ؟ قالَ: "أن يعلمَ أنَّ اللَّه حيثُ كانَ معهُ ". وخرجَ الطبرانيُّ من حديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ ﵁ عن النبي ﷺ قالَ: "أفضلُ الإيمانِ: أنْ تعلمَ أنَّ اللَّه معكَ حيثُ كنتَ". وبإسناد فيه نظرٌ من حديثِ أبي أمامةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ : "ثلاثةٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ تعالى يوْم لا ظل إلا ظلُّهُ: رجُلٌ حيثُ توجَّهَ علمَ أنَّ اللَّه معهُ " إلخ. ومن حديثِ سعيدِ بنِ يزيدَ الأزدي أنه قال للنبيِّ ﷺ : أوصِني، قال: "أُوصِيكَ أنْ تستَحِي منَ اللَّه كمَا تستَحِي رَجُلاً صالحًا مِنْ صالحِي قومِكَ ". ورويناه بإسناد فيه ضعفٌ من حديثِ أبي أمامةَ أن النبي ﷺ قال: "اسْتَحِ مِنْ اللَّه استحياؤُكَ مِنْ رجُلينِ مِنْ صالحِي عشيرتكَ هُما معكَ لا يُفارقانِكَ ". * * * قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) [قال البخاري] : باب: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)

стр. 768

فأمره بإقامةِ وجهِهِ، وهو إخلاصُ قصدِه وعزمِه وهمِّه للدينِ الحنيفِ، وهوَ الدينُ القيِّم، وهو فطرةُ اللَّهِ التي فطرَ العبادَ عليها، فإنَّ اللَّهَ ركَب في قلوبِ عبادِه كلِّهم قبولَ توحيدِه والإخلاصِ لَه، وإنَّما يغيرهم عن ذلك تعليمُ منْ علمهم الخروج عنه. ولمَّا كان الخطابُ له ﷺ لم تدخل فيه أمتُهُ معه قالَ بعدَ ذلكَ: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) ، فجعلَ ذلكَ حالاً له ولأمتِهِ، وهو إنابتُهُم إليه. ويعني به: رجوعَهم إليهِ، وأمرهم بتقواه، والتقوى تتضمنُ فعلَ جميع الطاعاتِ وتركَ المعاصِي والمخالفاتِ. وخصَّ من ذلكَ إقامَ الصلاةِ، فلم يذكرْ من أعمالِ الجوارح باسمِهِ الخاصِ سواها، والمرادُ بإقامتها: الإتيانُ بها قائمةً على وجهِها التامِّ، وفي ذلكَ دليلٌ على شرَفِ الصلاةِ وفضلها، وأنها أهمُّ أعمالِ الجوارح. ومن جملة إقامتِهَا المأمورِ به: المحافظةُ على مواقيتِهَا، فمن صَلَّى الصلاةَ لغير مواقيتِهَا التي وَقَّتها اللَهُ فلم يُقم الصلاةَ، بل ضيَّعها وفرَّط فيها وسَها عنها. قال ابنُ عبَّاسٍ في قوله تعالى: (الَّذِينَ يقِيمونَ الصَّلاةَ) . قال: يقيمون الصلاةَ بفرضِهَا. وقال قتادة: إقامةُ الصلاةِ؛ المحافظةُ على مواقيتها ووضوئِها،

стр. 769

ورُكُوعِها وسجُودِها. وقال مُقاتل بنُ حيَّان: إقامتُها: المحافظةُ على مواقيتِهَا، وإسباغُ الطهورِ فيها، وتمامُ ركوعِها وسجودِها، وتلاوةُ القرآنِ فيها، والتشهدُ، والصلاةُ على النبيِّ ﷺ ، فهذا إقامتُها. خرَّجه كلَّه ابنُ أبي حاتمٍ. ولهذا مدَحَ سبحانهُ الذين هُم على صلاتِهم يحافظونَ والذينَ هم على صلاتِهم دائمونَ، وقد فسَّره ابنُ مسعودٍ وغيرُه بالمحافظةِ على مواقيتهَا، وفسَّره بذلك مسروق والنخعيُّ وغيرُهما. وقيل لابنِ مسعودٍ: إن اللَّهَ يكثر ذكرَ الصلاةِ في القرآنِ: (الَّذينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِم دَائِمونَ) ، و (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ؟ قال: ذاكَ على مواقيتِها. قيل لهُ: ما كنَّا نرَى ذلكَ إلا على تركها؟ قال: تركُها الكفرُ. خرَّجه ابنُ أبي حاتم ومحمدُ بنُ نصرٍ المروزي وغيرُهما. وكذلك فسَّرَ سعدُ بنُ أبي وقاص ومسروق وغيرُهما السَّهوَ عن الصلاةِ بالسهوِ عن مواقيتها. ورُويَ عن سعدٍ مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ.

стр. 770

قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) قال اللَّهُ تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) . وقالَ تعالى: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) . قال بعضُ السلفِ: في القبرِ، يعني: أن العملَ الصالحَ يكونُ مِهَادًا لصحابِه في القبرِ، حيث لا يكونُ للعبدِ من متاع الدنيا فراشٌ ولا وسادٌ ولا مهادٌ، بل كلُّ عاملٍ يفترشُ عملَهَ ويتوسَّده من خير أو شرٍّ. * * *

стр. 771

سُورَةُ لُقْمَانَ قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) فأمَّا تحريمُ الغناءِ: فقد استُنبطَ من القرآنِ من آياتِ متعدّدة. فمن ذلكَ: قولُ اللَّهِ : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) الآية. قالَ ابن مسعود ﵁: هوَ - واللَّهِ - الغناء. وقال ابنُ عباسِ: هو الغناءُ وأشباهُه، وفسَّره أيضًا بالغناءِ خَلقٌ من التابعينَ منهُم: مجاهد وعكرمةُ والحسنُ وسعيدُ بنُ جبير وقتادةُ والنَّخعيُ وغيرُهم، وقال مجاهد في قولِهِ تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) : قالَ: الغناءُ والمزاميرُ. وقالَ ابنُ عباس ﵄ في قولِهِ تعالى: (وَأَنتُمْ سَامِدُونَ) قال: هو الغناءُ - بالحِمْيَريةِ. وقال بعضُ التابعينَ في قولِهِ تعالى: (وَإِذَا مَروا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) قالَ: إن اللغوَ هنا: الغناءُ. وعن أبي أمامَة عن النبيِّ ﷺ قالَ: "لا تبيعُوا القَيْناتِ، ولا تشتروهُنَّ، ولا تُعلموهُنَّ، ولا خير في تجارة فيهنَّ، وثمنهُن حَرامٌ. في مثلِ هذا أنزلت هذه الآيةُ: (وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيتِ) الآية".

стр. 772

خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من روايةِ عبيْدِ اللَّهِ بن زحر عن عليِّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامةَ، وقال: قد تكلمَ بعضُ أهلِ العلمِ في عليِّ بنِ يزيدَ وضعَّفهُ، وهوَ شاميّ. وذكرَ في كتابِ "العللِ " أنه سَأل البخاريَّ عن هذا الحديثِ فقالَ: عليٌّ بنُ يزيدَ ذاهبُ الحديثِ، ووثّقَ عبيدَ اللَّهِ بنَ زحرٍ والقاسمَ ابنَ عبدِ الرحمنِ، وخرَّجه محمدُ بنُ يحيى الهمذانيُّ الحافظُ الفقيهُ الشافعيّ في "صحيحِهِ "، وقالَ: عبيدُ اللَّهِ بن زحر: قال أبو زرعةَ: لا بأسَ به صَدوقٌ. قلتُ: عليٌّ بنُ يزيدَ لم يتفقوا علي ضَعْفِهِ. بل قالَ فيه أبو مُسْهرٍ - وهوَ من بلدِهِ وهو أعلمُ بأهلِ بلدِهِ من غيرِهِم - قالَ فيه: ما أعلمُ فيه إلا خيرًا. وقال ابنُ عديً: هو في نفسهِ صالحٌ، إلا أنْ يروي عنه ضعيفٌ فيُؤتَى من قبلِ ذلكَ الضعيفِ. وهذا الحديثُ قد رواه عنه غيرُ واحدٍ من الثقاتِ. وقد خرَّجَ الإمامُ أحمدُ من روايةِ فرج بنِ فضالةَ عن علي بنِ يزيدَ عن القاسم عن أبي أمامةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إن اللَّه بعثَني رحمةً وهدًى للعالمينَ، وأمرَني أن أمحقَ المزاميرَ والبرابِطَ والمعازفَ والأوثانَ ": وذكرَ بقيةَ الحديثِ، وفي آخرِه: "ولا يحلُّ بيعُهُنَّ، ولا شراؤهن، ولا تعليمُهن، ولا تجارةٌ فيهنَّ، وثمنُهنَ حرامٌ". يعني: الضاربات. وفرجُ بنُ فضالةَ مختلفٌ فيه أيضًا. ووثقه الإمامُ أحمدُ وغيرُه. وخرَّجَ الإسماعيليُّ وغيرهُ، من حديث عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ عن النَّبي ﷺ قالَ: "ثمنُ المغنيةِ حرامٌ، وغناؤُها حرامٌ " َ. وإسنادُه كلُّهم ثقاتٌ متفقٌ عليهِم. سوى يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ النوفليِّ. فإنه مُختلفٌ في أمرِه. وخرَّجَ حديثَه هذا محمدُ بنُ يحيى الهمذاني في صحيحهِ وقال: في النفسِ منْ يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ.

стр. 773

مع أن ابن معين قالَ: ما كانَ به بأسٌ. وبوَبَ الهمذانيُ هذا في "صحيحِهِ " على: تحريمِ بيع المغنياتِ وشرائِهنَّ. وهو من أصحابِ ابنِ خزيمةَ وكانَ عالمًا بأنواع العلومِ. وهو أولُ منْ أظهرَ مذهبَ الشافعيِّ بهمذانَ واجتهدَ في ذلكَ بمالِهِ ونفسِهِ. وكانَ وفاتُه سنةَ سبع وأربعينَ وثلاثمائةٍ - رحمه اللَّه تعالى -. وخرَّجَ في بابِ تحريمِ ثمنِ المغنيةِ من روايةِ أبي نعيم الحلبيِّ عن ابنِ المباركِ عن مالكٍ عن ابنِ المنكدرِ عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "من قعدَ إلى قينةٍ يستمعُ منها، صُبَّ في أذنيهِ الآنُكُ يومَ القيامةِ". وقال: أبو نُعيمٍ الحلبيُّ اسمه عبيدُ بنُ هشامٍ. قلتُ: قد وثقه أبو داودَ وقالَ: إنه تغيَّر بآخرةٍ. وقد أنكرَ عليه أحاديثَ تفردَ بها، منها هذا الحديثُ. وفي النهي عن بيع المغنياتِ أحاديثُ أُخرُ عن عليٍّ وعائشةَ ﵄ وغيرِهما، وفي أسانيدِهَا مقالٌ. وروى عامرُ بنُ سعدٍ البجليُّ قال: دخلتُ على قرظةَ بنِ كعبٍ وأبي مسعودٍ الأنصاريِّ في عُرْس، فإذا جواري يتغنينَ، فقلتُ: أنتم أصحابُ محمدٍ وأهلُ بدر، ويُفعلُ هذا عندكُم؟! قال: اجلسْ إن شئْتَ واسمعْ، وإن شئتَ فاذهبْ؛ فإنَّه قد رُخِّصَ لنا في اللهوِ عندَ العرسِ. خرَّجَه النسائيُّ والحاكم وقال: صحيح على شرطِهما. والرخصةُ في اللهوِ عند العرسِ تدلُّ على النهيِّ عنهُ في غيرِ العُرسِ، ويدل عليه قولُ النبيِّ ﷺ في حديثِ عائشةَ ﵂ المتفقِّ عليه في "الصحيحينِ: " لمَّا دخلَ عليها وعندَها جاريتانِ تغنيانِ وتدفانِ. فانتهرهُما أبو بكر الصِّديقُ ﵁،

стр. 774

وقالَ: مَزمورُ الشيطانِ عندَ رسولِ اللَّه ﷺ ؟! فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "دعهُما، فإنها أيامُ عيدٍ". فلم يُنكرْ قولَ أبي بكرٍ ﵁. وإنّما علَّل الرخصةَ بكونهِ في يومِ عيدٍ؛ فدلَّ على أنَّه يُباح في أيامِ السرورِ: كأيامِ العيدِ، وأيامِ الأفراح: كالأعراسِ وقدومِ الغُيَّابِ، ما لا يُباحُ في غيرِها من اللهوِ. وإنما كانتْ دفوفُهم نحوَ الغرابيلِ وغناؤُهم بإنشادِ أشعارِ الجاهليةِ في أيامِ حروبهِم وما أشبهَ ذلكَ. فمن قاسَ على ذلكَ سماعَ أشعارِ الغزلِ مع الدفوفِ المصلصلةِ، فقدْ أخطأ غايةَ الخطأ، وقاسَ مع ظهورِ الفرقِ بين الفرع والأصلِ. وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: " الغناءُ يُنبتُ النفاقَ في القلبِ، كما ينبتُ الماءُ البقل ". وقد رُوي عنه مرفوعًا. خرَّجَه أبو داود في بعضِ نسخ السنن. وخرَّجَه ابنُ أبي الدنيا والبيهقيُّ وغيرُهما. وفي إسنادِ المرفوع من لا يُعرفُ، والموقوفُ أشبهُ. وأما تحريمُ آلاتِ الملاهِي: فقد تقدَّم عن مجاهدٍ أنَّه أدخلَها في صوتِ الشيطانِ المذكورِ في قولِ اللَّهِ تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهم بِصَوْتِكَ) . * * *

стр. 775

قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) وأما قول جبريلَ: "أخبرني عن الساعةِ؟ فقال: ما المسئولُ عنها بأعلمَ منَ السائلِ ". فمعناه: أن الناسَ كلَّهم في وقتِ الساعةِ سواءٌ، وكلّهم غيرُ عالمينَ به على الحقيقةِ. ولهذا قال: "خمسٌ لا يعلمُهنَّ إلا اللَهُ "، ثم تلا: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية. وهذه مفاتيحُ الغيبِ، الذي لا يعلمُها إلا اللَّهُ. وقد جاءَ عن ابنِ مسعود: "أن نبيَّنا أوتِيَ علمَ كلِّ شيءٍ سوى هذه الخمسِ". ورُوي ذلك مرفوعًا من حديثِ ابنِ عمرَ. وكلاهُما في "مسندِ الإمامِ أحمدَ". وذُكرَ عندَ عَمرِو بنِ العاصِ العلمُ بوقتِ الكسوفِ قبلَ ظهورهِ، فأنكرهُ بعضُ مَن حضرَه، فقال عَمرو: إنمَا الغيبُ خمسٌ، ثم تلا هذه الآيةَ. قال: وما سوى ذلك يعلمُه قومٌ ويجهلُه قومٌ. خرَّجَه حميدُ بنُ زنجويهِ. وقد زعمَ بعضُهم كالقرطبيِّ، أن هذه الخمسَ لا سبيلَ لمخلوقٍ إلى علم بها
следующие страницы →