وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطانَ في معصيةِ اللَّه، فقد عبدَهُ كما قال :
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) .
فتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قولِ: لا إله إلا اللَّه، إلا لمن لم يكنْ
في قلبِهِ إصْرار على محبةِ ما يكرهُهُ اللَّهُ، ولا على إرادةِ ما لا يُريدهُ اللَّهُ.
ومتى كان في القلبِ شيءٌ منْ ذلك، كانَ ذلك نقصًا في التوحيدِ، وهو مِنْ
نوع الشِّركِ الخفيِّ، ولهذا قال مجاهد في قولِهِ تعالى: (لا تشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)
قال: لا تحبُّوا غيرِي.
وفي "صحيح الحاكم " عن عائشةَ ﵂، عن النبي ﷺ قال:
"الشِّركُ أخْفى من دبيبِ الذَّر على الصَّفا في الليلةِ الظَّلماءِ، وأدناهُ أنْ تُحِبَّ على شيء منَ الجوْرِ، وتُبغِضَ على شيءٍ من العدلِ، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغضُ؟
قال اللَّهُ : (قلْ إِن كنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعونِي يُحْبِبْكمُ اللَّهُ) ".
وهذا نصٌّ في أنَّ محبةَ ما يكرهُه الله، وبغضَ ما يُحبُه متابعة للهوى.
والموالاةُ على ذلك والمعاداةُ عليه من الشركِ الخفي ".
* * *
وقد ورد إطلاقُ الإله على الهوى المتَّبع، قالَ اللَّه تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ) .
قال الحسنُ ﵀: هو الذي لا يَهْوى شيئًا إلا ركبه.
وقال قتادةُ: هو
стр. 947
الذي كلَّما هَويَ شيئًا ركبه، وكلَّما اشْتهى شيئًا أتاهُ، لا يحجزُهُ عن ذلك ورعٌ ولا تقْوى.
ورُوي من حديث أبي أمامة بإسنادٍ ضعيف: "ما تحت ظلِّ سماءٍ إلهٌ يعبدُ
أعظمُ عند اللَّهِ من هوى متَّبع ".
وفي حديثِ آخرَ:
"لا تزالُ لا إله إلا اللَّهُ تدْفَعُ عن أصحابها حتَّى يؤثِرُوا دنياهم
على دينهم، فإذا فعلُوا ذلكَ رُدَّتْ عليهم، ويقالُ لهم: كذبْتُم ".
ويشهدُ لهذا: الحديث الصحيحُ عن النبيِّ ﷺ :
"تَعِسَ عبدُ الدينارِ، تعِسَ عبد الدرهم، تعسَ عبدُ القطيفةِ، تعِسَ عبدُ الخميصةِ، تعِسَ وانتكسَ، وإذا شِيكَ فلا انتقشَ ".
فدلَّ هذا على أنَّ كلَّ من أحبَّ شيئًا وأطاعه وكانَ غايةَ قصدِهِ
ومطلوبِهِ، ووالى لأجله، وعادى لأجلهِ، فهو عبدُهُ، وكان ذلك الشيءُ
معبودَهُ وإلهَهُ.
ويدلُّ عليه أيضًا أنَّ اللَّه تعالى سمَّى طاعةَ الشيطانِ في معصيتِهِ عبادةً
للشيطانِ، كما قال اللَّهُ تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) ، وقال تعالى حاكِيًا عن خليلِهِ إبراهيمَ ﵇ لأبيه:
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) .
فمنْ لم يتحققْ بعبوديةِ الرحمنِ وطاعتِهِ فإنَّه يعبدُ الشيطانَ بطاعتِهِ له، ولم يخلُصْ من عبادةِ الشيطانِ إلا من أخلصَ عبوديةَ الرحمنِ، وهم الذين قال فيهم:
(إِن عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) .
فهم الذين حقَّقُوا قول: " لا إله إلا اللَّه ".
стр. 948
وأخلصُوا في قولِها، وصدَّقُوا قولَهم بفعلِهِم، فلم يلتفتوا إلى غيرِ اللَّهِ محبةً
ورجاءً وخشيةً وطاعةً وتوكُلاً، وهم الذين صدَقُوا في قولِ:
"لا إله إلا اللَّه " وهم عبادُ اللَّه حقًا، فأمَّا من قالَ: "لا إله إلا اللَّه "
بلسانِهِ، ثم أطاعَ الشيطانَ وهواه في معصيةِ اللَّهِ ومخالفتِهِ فقدْ كذَّبَ فعلُه قولَهُ، ونقصَ من كمالِ توحيدِهِ بقدرِ معصيةِ اللهِ في طاعةِ الشيطانِ والهوى
(وَمَنْ أَضَلّ مِمنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) .
(وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .
فيا هذا كنْ عبدًا للَّه لا عبدًا للهوى، فإنَّ الهوى يهوِي بصاحبِهِ في النارِ:
(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) .
تعسَ عبدُ الدرهم! تعسَ عبدُ الدينارِ! واللهِ لا ينجُو غدًا من عذابِ اللَّه
إلا من حقَّقَ عبوديةَ اللَّه وحدَهُ، ولم يلتفتْ إلى شيءٍ من الأغيار، من عَلِمَ
أنَّ إلهه فردٌ، فليُفْردْهُ بالعبوديةِ (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ".
كان بعضُ العارفينَ يتكلَّم على أصحابِهِ على رأسِ جبلٍ، فقالَ في كلامِهِ:
لا ينالُ أحدٌ مرادَه حتى ينفردَ فردًا بفردٍ، فانزعجَ واضطربَ، حتى رأى
أصحابُهُ أنَّ الصخورَ قد تدكْدكتْ، وبقي على ذلك ساعةً، فلمَّا أفاق فكأنَّه
نُشِرَ من قبرِهِ.
قولُ: "لا إله إلا اللَّهُ " تقتَضِي أنْ لا يُحبَّ سواهُ، فإنَّ الإلهَ هو الذي
يُطاعُ، فلا يعصى محبةً وخوفًا ورجاءً، ومن تمام محبته محبَّةُ ما يحبُّه.
وكراهةِ ما يكرَهُهُ، فمنْ أحبَّ شيئًا مما يكرهُهُ اللَّهُ، أو كرِهَ شيئًا مما يحبُّه اللَّهُ
لم يكملْ توحيدُه وصدقه في قولِ: "لا إله إلا اللَّهُ "، كان فيه من
الشركِ الخفيِّ بحسبِ ما كرههُ مما يحبُّه الله، وما أحبَّه مما يكرهُهُ اللَّهُ،
стр. 949
قال اللَّهُ تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨) .
قال الليث عن مجاهدٍ في قوله: (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) .
قال: لا يحبون غيري.
وفي "صحيح الحاكم " عن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ قال:
"الشركُ في هذه الأمَّةِ أخْفَى من دبيبِ النملِ على الصَّفا في الليلةِ الظلماِء، وأدناهُ أن تحبَّ على شيءٍ من الجورِ، أو تُبغضَ على شيءٍ من العدلِ، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغضُ؟
قال اللَّه : (قُلْ إِن كنتُمْ تُحِبونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ".
وهذا نصّ في أنَّ محبةَ ما يكرهُه اللَّه، وبغضَ ما يحبُّه متابعةٌ للهَوى.
والموالاةُ على ذلك والمعاداةُ فيه من الشِّركِ الخفِيِّ.
وقال الحسنُ: اعلمْ اْنَّكَ لن تحبَّ اللَّهَ حتَّى تحبَّ طاعتَهُ.
وسُئل ذو النونِ: متى أُحبُّ ربِّي؟
قال: إذا كان ما يبغضه عندَكَ أمرَّ من الصبر.
وقال بشرُ بنُ السريِّ: ليس من أعلامِ الحب أن تحبَّ ما يبغضُ حبيبُك.
وقال أبو يعقوب النَّهْرجوْرِي: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يوافقِ اللَّهَ في
أمرِه فدعواه باطلةٌ.
وقِال يحيى بن معاذٍ: ليس بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يحفظْ
حدوده.
وقال رويمٌ: المحبةُ: المُوافقةُ في جميع الأحوال، وأنشد:
стр. 950
ولو قلتَ لي مُتْ قلتُ سمعًا وطاعةً. . . وقلتُ لداعِي الموتِ أهلاً ومرحبًا
ويشهدُ لهذا المعنى أيضًا قولُهُ تعالى:
(قُلْ إِن كنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .
قال الحسنُ: قالَ أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ :
إنَّا نحبُّ ربَّنا حبًّا شديدًا، فأحبَّ اللَّهُ أن يجعلَ لحبِّه عَلَمًا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ.
ومن هاهُنا يُعلم أنه لا تتمُّ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّهُ إلا بشهادة أن محمدًا
رسولُ اللَّه، فإنَّه إذا علمَ أنه لا تتمُّ محبةُ اللَّهِ إلا بمحبَّةِ ما يحبُّه، وكراهةِ ما
يكرهُه، فلا طريقَ إلى معرفة ما يحبُّه وما يكرَهُهُ إلا من جهةِ محمدٍ المبلِّغ
عن اللَّهِ ما يحبُّه وما يكرهُهُ باتًّباع ما أمرَ به، واجتنابِ ما نَهى عنه، فصارت
محبةُ اللَّه مستلزمة لمحبةِ رسولِهِ ﷺ وتصديقِهِ ومتابعته، ولهذا قرنَ اللَّهُ بين محبتِهِ ومحبةِ رسولِهِ في قولِهِ تعالى:
(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ)
إلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
كما قرنَ طاعتَهُ وطاعةَ رسوله ﷺ في مواضع كثيرة.
وقال ﷺ :
"ثلاث من كنَّ فيهِ وجد بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللَهُ ورسولُهُ
أحبَّ إليه مما سوَاهُمَا، وأنْ يحبَّ الرجلَ لا يحبُّه إلا للهِ، وأنْ يكرهَ أن يرجعَ إلى الكفر بعد أن أنقذه اللَّهُ منه كما يكرهُ أن يُلقَى في النارِ".
هذه حالُ السحرةِ لمَّا سكنتِ المحبةُ قلوبَهُم سمحُوا ببذلِ النفوسِ وقالُوا
لفرعون: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ) ، ومتى تمكنتِ المحبةُ في القلبِ
стр. 951
لم تنبعثِ الجوارحُ إلا إلى طاعةِ الربِّ، وهذا هو معنى الحديثِ الإلهيِّ الذي
خرَّجه البخاريُّ في "صحيحه " وفيه:
"ولا يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ به وبصرَهُ الذي يبصرُ به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشِي بها" وقد قيل: إن في بعض الروايات:
"فبي يسمعُ وبي يبصرُ وبي يبطشُ وبي يمشي ".
والمعنى: أن محبةَ اللَّه إذا استغرقَ بها القلبُ واستولتْ عليه لم تنبعثِ
الجوارحُ إلا إلى مراضِي الربِّ، وصارتِ النفسُ حينئذ مطمئنةً بإرادةِ مولاها
عن مرادِها وهواها.
يا هذا، اعبدِ اللَّهَ لمرادِهِ منكَ لا لمرادِكَ منه، فمنْ عبدَهُ لمرادِهِ منه فهوَ ممن
يعبدُ اللَّهَ على حرْفٍ، إن أصابَهُ خيرْ اطمأنَّ به، وإن أصابتْهُ فتنة انقلبَ على
وجهه خسرَ الدنيا والآخرةَ، ومتى قويتِ المعرفةُ والمحبةُ لم يُرِدْ صاحبها إلا ما
يريدُ مولاهُ.
وفي بعضِ الكتب السالفةِ:
من أحبَّ اللَهَ لم يكنْ شيء عندَهُ آثرُ من رضاهُ، ومن أحب الدنيا لم يكنْ شيءٌ عندَه آثرُ من هوى نفسِهِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن الحسنِ قال: ما نظرتُ ببصرِي ولا نطقتُ
بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمِي، حتى أنظر على طاعةِ
اللهِ أو على معصيتِهِ، فإنْ كانتْ طاعةً تقدمتُ، وإن كانتْ معصيةً تأخَّرْتُ.
هذا حالُ خَواصِّ المحبينَ الصادقينَ، فافهمُوا رحمكُمُ اللَّهُ هذا، فإنَّه من
دقائق أسرارِ التوحيدِ الغامضةِ.
стр. 952
وإلى هذا المقامِ أشارَ النبي ﷺ في خطبتِهِ لما قدِمَ المدينةَ حيثُ قال:
"أحبُّوا اللَّهَ من كلِّ قلوبِكُم ".
وقد ذكرها ابنُ إسحاقَ وغيرُه، فإنَّ من امتلأ قلبُه من محبةِ اللَّه، لم يكنْ
فيه فراغٌ لشيءٍ من إراداتِ النفسِ والهوى، وإلى ذلكَ أشارَ القائلُ، بقولِهِ:
أروحُ وقدْ ختصتَ على فؤادِي. . . بحبِّك أن يحلَّ بهِ سواكَا
فلو أنَي استطعتُ غضضْتُ طرْفِي. . . فلم أنظرْ به حتَى أراكَا
أحبُّك لا ببعضِي بلْ بكلِّي. . . وإنْ لم يُبقِ حُبُّك لي حِرَاكَا
وفي الأحبابِ مخصوصٌ بوجدِ. . . وآخر يدَّعي معه اشْتِرَاكَا
إذا اشتبكتْ دموع في خدودِ. . . تبيَن من بكى ممن تباكى
فأمَّا منْ بكَى فيذوبُ وجْدًا. . . وينطقُ بالهوى من قدْ تشَاكَا
متى بقي للمحبِّ حظٌّ من نفسِهِ فما بيدِهِ من المحبةِ إلا الدَّعْوى، إنما
المحبُّ من يفْنى عن هوى نفسِهِ كلِّه، ويبْقى بحبيبِهِ، فبي يسمعُ وبي يبصرُ.
وفي الإسرائيلياتِ يقولُ اللَّهُ:
"ما وسِعَنِي سمائي ولا أرضِي، ووسعنِي قلبُ عبدِي المؤمنِ "
فمتى كان القلبُ فيه غيرُ اللَّهِ فاللَّهُ أغنى الأغنياءِ عن
الشِّركِ، وهو لا يَرضى بمزاحمة أصنامِ الهوى.. الحقُّ غيورٌ يغار على عبدِهِ
المؤمنِ أن يسكنَ في قلبِهِ سواهُ، أو يكنَّ فيه شيئًا ما يرضاه.
أردناكُمُ صِرْفًا فلمَّا مزجتُمُ. . . بَعِدتُم بمقدارِ التفاتِكُم عنَّا
وقلنا لكُم لا تُسْكِنُوا القلبَ غيرَنا. . . فأسكنْتُم الأغيارَ ما أنتُمُ مِنَّا
لا ينجو غدًا إلا من لقي اللَّهَ بقلبٍ سليم ليسَ فيه سواه، قال اللَّه تعالى:
(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)
стр. 953
القلبُ السليمُ: هو الطاهرُ من أدناسِ المخالفاتِ، فأمَّا المتلطخُ بشيءٍ من
المكروهاتِ فلا يصلُحُ لمجاورةِ حضرةِ القدوسِ إلا بعدَ أن يطهرَ في كيرِ
العذابِ، فإذا زالَ عنه الخبثُ صلَحَ حينئذ للمجاورةِ.
"إن اللَّه طيِّب لا يقبلُ إلاطيبًا".
فأما القلوبُ الطيبةُ فتصلحُ للمجاورةِ من أولِ الأمرِ:
(سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) .
(سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) .
(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) .
من لم يُحرِق اليومَ قلبَهُ بنارِ الأسف على ما سلفَ أو بنار الشوقِ إلى لقاء
الحبيبِ فنار جهنَّمَ له أشدُّ حَرًّا. َ
* * *
стр. 954
سُورَةُ الأَحْقَافِ
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)
قولُ سفيانَ بنِ عبدِ اللَّهِ للنبي ﷺ :
"قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا بعدَك "
طلبَ منه أن يُعلِّمَه كلامًا جامعًا لأمرِ الإسلامِ كافيًا حتَّى لا يحتاجَ
بعدَه إلى غيرهِ، فقالَ له النبيُّ ﷺ :
" قلْ: آمنتُ باللهِ، ثمَّ استقمْ "
وفي الروايةِ الأخرى: " قلْ: ربِّيَ اللَهُ، ثمَّ استقمْ ".
هذا منتزعٌ من قولهِ : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) .
وقولهِ : ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) .
وخرج النسائي في "تفسيرهِ " من روايةِ سهيلِ بنِ أبي حزمٍ: حدثنا ثابتٌ.
عن أنسٍ أن النبيَّ ﷺ قرأ:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّه ثُمَّ استَقَامُوا) فقالَ:
"قدْ قالَها الناسُ، ثمَّ كفرُوا، فمن ماتَ عليها فهو من أهلِ الاستقامةِ".
стр. 955
وخرَّجه الترمذيُّ، ولفظهُ: فقال: "قد قالَها الناسُ، ثُمَّ كفرَ أكثرُهم، فمن ماتَ عليها، فهو مِمنِ استقامَ "، وقال: حسنٌ غريبٌ، و"سهيل " تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه.
وقاَل أبو بكرٍ الصديقُ في تفسيرِ (ثُمَّ اسْتَقَامُوا)
قال: لم يشركُوا باللَّه شيئًا.
وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيرِه.
وعنه قال: ثم استقامُوا على أنَّ اللَّهَ رَبُّهم.
وعن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ قال: هذه أرخصُ آيةٍ في كتابِ اللَّهِ:
(قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) على شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهَ.
ورُويَ نحوهُ عن أنسٍ ومجاهدٍ والأسودِ بنِ هلال، وزيدِ بنِ أسلمَ.
والسُّدِّيِّ وعكرمةَ وغيرِهم.
ورُويَ عن عمرَ بن الخطابِ أنَّه قرأَ هذه الآيةَ على المنبرِ
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) .
فقالَ: لم يَروغوا رَوَغَانَ الثعالبِ.
وروى عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عنِ ابنِ عباس في قولهِ تعالى: (ثُمَّ اسْتَقَامُوا)
قال: استقامُوا على أداءِ فرائضهِ.
وعن أبي العاليةَ، قال: ثمَّ أخلَصُوا له الدين والعملَ.
وعن قتادةَ قال: استقامُوا على طاعةِ اللَّهِ، وكانَ الحسنُ إذا قرأَ هذه الآيةَ
قال: اللهمَّ أنت ربُّنا فارزقنا الاستقامةَ.
ولعلَّ من قال: "إنَّ المرادَ الاستقامةُ على التوحيدِ"
إنَّما أرادَ التوحيدَ الكاملَ الذي يُحرِّمُ صاحبَه على النارِ، وهو تحقيقُ معنى لا إلهَ إلا اللَّهَ، فإنَّ الإلهَ هو الذي يُطاعُ، فلا يُعصى خشيةً وإجلالاً ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلاً
ودعاءً، والمعاصِي كلُّها قادحةٌ في هذا التوحيدِ، لأنَّها إجابةٌ لداعي الهوى
стр. 956
وهو الشيطان، قالَ اللَّهُ : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)
قال الحسنُ وغيرُه: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبَه.
فهذا يُنافي الاستقامةَ على التوحيدِ.
وأما على روايةِ من روى: "قُلْ آمنْتُ باللَّه ".
فالمعنى أظهرُ، لأنَّ الإيمانَ يدخلُ فيه الأعمالُ عندَ السلفِ وَمن تابعَهم من أهلِ الحديثِ.
وقالَ اللَّهُ : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) .
فأمرَه أن يستقيمَ هو ومن تابعَه، وأن لا يُجاوزُوا ما أُمِروا به.
وهو الطغيانُ، وأخبرَ أنَّه بصيرٌ بأعمالِهم، مطَّلعٌ عليها، قال تعالى:
(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) .
وقالَ قتادةُ: أُمِرَ محمدٌ ﷺ أن يستقيمَ على أمرِ اللهُ. وقالَ الثوريُّ: على القرآنِ.
وعن الحسنِ قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية ُ شَمَّرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فما رؤي ضاحكًا.
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. وذكر القُشَيريُّ وغيرُه عن بعضِهم: أنَه رأى
النبيَّ ﷺ في المنامِ، فقالَ له: يا رسولَ اللَّه قلتَ: "شَيبتني هُودٌ وأخواتُها"، فما شيَّبك منها؟
قال: " قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) ".
وقالَ : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) .
وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بإقامةِ الدِّين عمومًا كمَا قالَ:
(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) .
стр. 957
وأمرَ بإقامِ الصلاةِ في غيرِ موضع من كتابهِ، كما
أمرَ بالاستقامةِ على التوحيدِ في تلك الآيتينِ.
والاستقامةُ: هي سلوكُ الصِّراطِ المستقيم، وهو الدِّينُ القيّمُ من غيرِ تعريج
عنه يمنةً ولا يَسرةً، ويشملُ ذلك فعلَ الطَّاعاتِ كلِّها، الظاهرةِ والباطنةِ.
وتركَ المنهيات كلِّها كذلك، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصالِ الدِّينِ كُلِّها.
وفي قولهِ : (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِروهُ) ، إشارةٌ إلى أنَّه
لا بُدَّ من تقصيرٍ في الاستقامةِ المأمورِ بها، فيجْبُرُ ذلك الاستغفارُ المقتضي
للتَّوبةِ والرُّجوع إلى الاستقامة، فهو كقولِ النبيِّ ﷺ -لمعاذ: "اتَّقِ اللَّهَ حيثُما كنتَ، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها".
وقد أخبرَ النبيُّ ﷺ
أنًّ الناسَ لن يُطيقُوا الاستقامةَ حقَّ الاستقامةِ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ من حديثِ ثوبانَ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"استقيموا ولن تُحْصوا، واعلمُوا أنَّ خيرَ أعمالكُم الصَّلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ ".
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: "سَدِّدُوا وقاربُوا، ولا يحافِظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ ".
وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "سدِّدُوا وقاربُوا".
فالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامةِ، وهو الإصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمالِ
والمقاصدِ كالذي يرمي إلى غرضٍ فيُصيبُه.
وقد أمرَ النبيُّ ﷺ عليًّا أن يسألَ
اللَّهَ السَّدادَ والهُدى، وقالَ له:
"اذكرْ بالسَدادِ تسديدَكَ السَّهمَ، وبالهدى هدايتك الطَّريق ".
стр. 958
والمقاربةُ: أن يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرضِ إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسه.
ولكنْ بشرطِ أن يكونَ مصمِّمًا على قصدِ السَّدادِ وإصابةِ الغرضِ، فتكونُ
مقاربتُه عن غيرِ عمد.
ويدلُّ عليه قولُ النبيِّ ﷺ في حديثِ الحكم بنِ حزنٍ الكُلَفي:
"أيُّها النَّاس إنَّكم لنْ تعملُوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم، ولكنْ سدِّدُوا وأبشرُوا".
والمعنى: اقصِدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ، فإنَّهم لو سدَّدُوا في
العمل كله، لكانوا قد فعلُوا ما أُمِرُوا به كُلّه.
فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيدِ، كما فسر أبو بكر الصدِّيق
وغيرُه قولَه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَ اسْتَقَاموا) ، بأنَّهم لم يلتفتُوا
إلى غيرِه، فمتى استقامَ القلب على معرفةِ اللهِ، وعلى خشيتهِ، وإجلالهِ.
ومهابتهِ، ومحبتهِ، وإرادتهِ، ورجائهِ، ودعائهِ، والتوكُّلِ عليه، والإعراضِ عما سِواه، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعتهِ، فإن القلبَ هو ملك الأعضاءِ، وهي جنودُه، فإذا استقامَ الملكُ، استقامت جنودُه ورعاياه، وكذلك فسِّر قولُه : (فَاَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) ، بإخلاصِ القصدِ للَّهِ وإرادتهِ وحدَه لا شريكَ له.
وأعظمُ ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح: اللسانُ، فإنَّه ترجمانُ
القلب والمعبِّرُ عنه، ولهذا لما أمرَ النبي ﷺ بالاستقامةِ، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظِ لسانهِ، وفي " مسندِ الإمامِ أحمدَ " عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال:
"لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيمَ قلبُه.
ولا يستقيمَ قلبُه حتَّى يَّسَتقيمَ لسانُه ".
стр. 959
وفي "الترمذيِّ " عن أبي سعيدٍ الخدري مرفوعًا وموقوفًا:
"إذا أصبحَ ابنُ آدمَ، فإن الأعضاءَ كلَّها تكفرُ اللسانَ، فتقولُ: اتق اللهَ فينا، فإنما نحنُ بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوجَجْتَ اعوججنا".
* * *
قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ)
[قال البخاري] بَابٌ إذَا هَبَّتِ الرِّيحُ: حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم: أنا
محمدُ بنُ جعفرٍ: أخبرنِي حُميدٌ، أنَّهُ سمعَ أنس بن مالكٍ يقولُ: كانتِ الرِّيحُ
الشديدَةُ إذا هَبَّتْ عُرفَ ذلكَ في وَجهِ النَّبيِّ ﷺ .
إنما كان يظهرُ في وجهِ النبيِّ ﷺ الخوفُ من اشتدادِ الريح؛ لأنه كان يخشَى أن تكونُ عذابًا أُرسلَ إلى أمَّتِهِ.
وكان شدةُ خوفِ النبيِّ ﷺ على أُمته شفقةً علَيهم، كما وصفَهُ اللَّهُ بذلكَ في قولهِ: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) .
ولما تلاً عليه ابنُ مسعودٍ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) بكَى.
ولما تلاً قولَه: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) الآية، بكى، وقالَ:
" اللهمَّ، أُمَّتي، أُمَّتي "، فأرسلَ اللَّهُ جبريلَ يقولُ له:
"إن اللَّهَ يقولُ: إنَا سنُرضيكَ في أمتِك ولا نَسُوءُكَ ".
стр. 960
وكان يقولُ: "شيَّبتني هودٌ وأخواتُها".
وجاءَ في روايةٍ مرسلةٍ: "قَصَّفْنَ عليَّ الأمَم ".
يشيرُ إلى أنَّ شيبهُ منها ما ذُكر مِن هلاكِ الأممِ قبلَ أمَّته وعذابهم.
وكانَ عندَ لقاءِ العدوِّ يخافُ على مَن معه من المؤمنينَ، ويستغفرُ لهم، كما
فعلَ يومَ بدرٍ، وباتَ تلكَ الليلةَ يصلِّي ويبكي ويستغفرُ لهُم، ويقولُ:
"اللهمَّ، إن تُهلكْ هذه العِصَابةَ لا تُعبدُ في الأرض ".
وكلُّ هذا مِن خوفِه وشفقتهِ عليْهم.
وقد جاءَ في رواياتٍ متعددةٍ: التصريحُ بسببِ خوفهِ من اشتدادِ الريح:
ففي "الصحيحينِ " من حديثِ سليمانَ بنِ يسارٍ، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ
ﷺ كانَ إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِفَ ذلكَ في وجهِهِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ: أرى الناسَ إذا رأوُا الغيمَ فرِحوا؛ رجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأراكَ إذا رأيتَه عَرفتُ في وجهِك الكراهيةَ؟
فقالَ: "يا عائشة، ما يُؤمِّني أن يكونَ فيه عذابٌ قد عُذبَ قومٌ بالريح، وقدْ رأى قومٌ العذابَ، فقالُوا: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) ".
وخرَّجَا - أيضًا - من روايةِ ابنِ جريج، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قالتْ كانَ
رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا رأَى مخيلةً في السماءِ أقبلَ وأدبرَ، ودخلَ وخرجَ، وتغيَّر
стр. 961
وجهُه، فإذا أمطرتِ السماءُ سُرِّي عنه، فعرَّفتْه عائشةُ ذلكَ، فقالَ النبي ﷺ :
"وما أدْرِي لعلَّه كلما قالَ قومٌ: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ) " الآية.
وزاد مسلمٌ - في أولِهِ -: كانَ النبيُّ ﷺ إذا عصفتِ الريحُ قال: "اللهمَّ، إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسِلَت به، وأعوذُ بكَ مِن شرها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلتُ به ".
وخرَّجَهُ النسائي، ولفظُه: "كانَ إذا رأَى ريحًا"، بدل: "مخيلة".
وخرجَ مسلمٌ - أيضًا - من حديثِ جعفرِ بنِ محمدٍ، عن عطاء، عن
عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كانَ يومُ الريح والغيمِ عُرفَ ذلكَ في وجههِ، فأقبلَ وأدبرَ، فإذَا مطرَ سُرَّ بهِ، وذهبَ عنه ذلكَ.
قالتْ عائشةُ: فسألته، فقالَ:
"إنِّي خشيتُ أن يكونَ عذابًا سُلِّطَ على أمتي ".
وخرجَ الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ من حديثِ المقدامِ بنِ شريع، عن أبيهِ.
عنْ عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذَا رأى سحابًا مقبلاً منْ أفقٍ من الآفاقِ تركَ ما هُوَ فيه وإن كانَ في صلاتِهِ، حتى يستقبلَه، فيقولُ: "اللهمَّ، إنا نعوذُ بكَ من شرِّ ما أُرْسلَ "، فإنْ أمطرَ قالَ: "اللهمَّ سقيًا نافعًا" - مرتينِ أو ثلاثا -، فإنْ كشفَه اللَّهُ ولم يُمطِرْ حمِدَ اللهَ على ذلكَ.
ولفظهُ لابنِ ماجَةَ.
стр. 962
وخرَّجَهُ أبو داود، ولفظُه: كانَ إذا رأى ناشئًا في أفقِ السماءِ تركَ
العملَ، وإن كانَ في صلاه، ثم يقولُ: "اللهمَّ، إني أعوذُ بكَ من شرِّها".
وخرَّجه ابنُ السني، ولفظُه: كان إذا رأَى في السماء ناشئًا، غبارًا أو
ريحًا، استقبلَهُ مِن حيثُ كانَ، وإن كانَ في الصلاةِ تعوذَ باللًّهِ من شرِّه.
وكذا خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.
وخرجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائي في "اليومِ والليلةِ" وابنُ ماجةَ وابنُ
حبانَ في "صحيحه " من حديثِ أبي هريرةَ، عنِ النبي ﷺ ، قالَ:
"الريحُ من روح اللَّهِ، تأتي بالرحمةِ، وتأتي بالعذابِ، فإذا رأيتمُوها فلا تسبُّوها، واسألُوا اللَّهَ خيرَها، واستعيذُوا باللَّهِ من شرِّها".
وخرجَ الترمذيُّ من حديثِ أبى بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "لا تسبُّوا الريحَ، فإذا رأيتُمْ ما تكرهونَ فقولُوا: اللَّهُمَّ، إنَّا نسألُكَ من خيرِ هذهِ الريح وخيرِ ما فيها، وخيرِ ما أُمرتْ به، ونعوذُ بكَ من شرِّ هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أُمرتْ
وقال: حسن صحيح.
وخرَّجَه النسائيُّ في " اليومِ والليلةِ " مرفوعًا وموقوفًا على أبيِّ بنِ كعبٍ
﵁.
стр. 963
وفي البابِ: أحاديثُ أخرُ متعددةٌ.
ورُويَ عن ابنِ مسعود، قال: لا تسبُّوا الريحَ؛ فإنها بشرٌ ونَذر ولواقحُ.
ولكنِ استعيذُوا باللَّهِ من شرِّ ما أُرسلَتْ به.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: لا تسبُّوا الريحَ؛ فإنها تجيءُ بالرحمةِ، وتجيء
بالعذاب، وقولوا: اللهمَّ، اجعلْهَا رحمةً، ولا تجعلْها عذابًا.
خرَّجهما ابنُ أبي الدنيا.
وخرَّج - أيضًا - بإسنادهِ، عن علي، أنه كانَ إذَا هبَّتِ الريحُ قالَ: اللهمَّ.
إن كنتَ أرسَلْتَها رحمةً فارحمْنِي فيمنْ ترحَمُ، وإن كنتَ أرسلْتَها عذابًا
فعافِني فيمنْ تعافي.
وبإسنادِهِ، عنِ ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ إذَا عصفتِ الريحُ: شدُّوا التكبيرَ.
فإنها تذهبُ.
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه لما وُلِيَ هبتْ ريحٌ، فدخلَ عليه رجلٌ وهو
مُنْتقعُ اللونِ، فقال: ما لكَ يا أميرَ المؤمنينِ؟
قال: ويحَك، وهل هلكتْ أمةٌ إلا بالرِّيح؟
* * *
стр. 964
سُورَةُ مُحَمَّدٍ
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)
منْ حفظَ حدودَ اللَّهِ وراعَى حقوقَهُ، تولَّى اللَّهُ حفظَهُ في أمورِ دينهِ
ودنيا، وفي دنيا وآخرتِهِ.
وقد أخبرَ اللَّهُ تعالَى في كتابِهِ أنه وليُّ المؤمنينَ وأنه يتولَّى الصالحينَ.
وذلكَ يتضمنُ أنه يتولَّى مصالحَهُم في الدنيا والآخرةِ، ولا يكلُهُم إلى غيرِهِ
قالَ تعالَى: (اللَّهُ وَلِى الَّذِينَ آمَنوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .
وقالَ تعالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) .
وقالَ تعالَى: (وَمَن يَتَوَكلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .
وقالَ تعالَى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) .
فمن قامَ بحقوقِ اللَّهِ عليهِ فإنَّ اللَّهَ يتكفلُ له بالقيامِ بجميع مصالحِهِ في
الدنيا والآخرةِ، ومن أرادَ أن يتولَّى اللَّهُ حفظَهُ ورعايتَهُ في أموره كلِّها فليراع
حقوقَ اللَّهِ عليهِ، ومن أرادَ ألا يصيبَهُ مما يكرهُ فلا يأتِ شيئًا مما يكرهُهُ اللَّهُ.
كان بعضُ السلفِ يدورُ على المجالسِ ويقولُ: من أحبَ أن تدومَ له
العافيةُ فليتقِ اللَّهَ.
стр. 965
وقالَ العمريُّ الزاهدُ لمن طلبَ منه الوصيةَ: كما تحبُّ أن يكونَ اللَّهُ لكَ.
فهكذَا كنْ للَّهِ .
وفي بعضِ الآثار: يقولُ اللَهُ:
"وعِزتي وجَلالي لا أطلعُ على قلبِ عبدٍ فأعلمُ أن الغالبَ عليه حبُّ التمسكِ بطاعتي، إلا توليتُ سياسَتَهُ وتقويمهُ ".
وفي بعضِ الكتبِ المتقدمةِ: يقولُ اللَّهُ
"يا ابنَ آدمَ، ألا تعلمُنِي ما يضحككَ، يا ابنَ آدمَ، اتقني. . . (١) ونَمْ حيثُ شئتَ ".
والمعنى: أنكَ إذا قمتَ بما عليكَ للَّهِ من حقوقِ التقوى فلا تهتمَّ بعدَ ذلكَ
بمصالحكَ، فإن اللَّهَ هو أعلمُ بها منكَ، وهو يوصلُّهَا إليكَ على أتمِّ الوجوهِ
من غيرِ اهتمامٍ منكَ بِهَا.
وفي حديث جابرٍ ﵁، أن النبيَّ ﷺ قالَ: "من كانَ يحبُّ أن يعلمَ منزلتَهُ عندَ اللهِ، فلينظرْ كيفَ منزلةُ اللِّهِ عندَهُ، فإنَّ اللهَ ينزلُ العبدَ منه حيث أنزلَهُ من نفسِهِ ".
فهذا يدل على أنَّه على قدرِ اهتمامِ العبدِ بحقوقِ اللَّهِ ومراعاةِ حدودِهِ.
واعتنائه بذلكَ وحفظهِ لهُ يكونُ اعتناؤُه به وحفظُهُ لهُ، فمن كانَ غايةُ همَه
رِضَا اللًّهِ عنهُ وطلبَ قربِهِ ومعرفتِهِ ومحبتهِ وخدمتِهِ، فإنَّ اللَّهَ يكونُ له على
حسبِ ذلكَ كما قالَ تعالَى: (فَاذْكرُونِي أَذْكُركُمْ) .
(وَأَوفُوا بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدِكُمْ) ، بل هو سبحانَهُ أكرمُ الأكرمينَ.
فهو يجازِي بالحسنةِ عشرًا ويزيدُ، ومن تقرّبَ منه شبرًا تقرّبَ منه ذراعًا. ومن تقرّبَ منه ذراعًا ثقرّبَ منه باعًا، ومن أتاهُ يمشِي أتاهُ هرولةً.
стр. 966
ما يُؤتَى الإنسانُ إلا من قِبَل نفسِهِ ولا يصيبُهُ المكروهُ إلا من تفريطِهِ في
حق ربه .
قال علي ﵁: لا يَرْجوَن عبد إلاْ رَّبهُ، ولا يخافنَّ إلا ذنبَهُ.
وقال بعضُهم: من صَفَى صُفّي لهُ، ومن خلطَ خُلِّط عليهِ.
وقال مسروقٌ: من راقبَ اللهَ في خطراتِ قلبِهِ عصمَهُ اللَّهَ في حركاتِ
جو ارِحِهِ.
وبسطُ هذا المعنى يطولُ جدًّا، وفيمَا أشرْنَا إليه كفايةٌ، وللهِ الحمدُ.
* * *
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)
ثم قال البخاري ﵀: وَيَزيدُ وينقصُ.
قال اللَّه : (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) ، (وَزِدْناهُمْ هُدًى) .
(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) ، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنوا إِيمَانًا) .
وقوله : (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) .
وقوله: (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) .
وقوله: (وَمَا زَادَهُم إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) .
زيادة الإيمان ونقصانه؛ قولُ جمهورِ العلماءِ.
وقد رُوي هذا الكلامُ عن طائفة من الصحابةِ، كأبي الدرداءٍ، وأبي هريرةَ.
وابنِ عباسٍ، وغيرِهم من الصحابةِ.
стр. 967
ورويَ معناه عن علي وابنِ مسعودٍ - أيضًا.
وعن مجاهدٍ وغير من التابعينَ.
وتوقَّف بعضُهُم في نقصِهِ، فقالَ: يزيدُ، ولا يقالُ: ينقصُ.
ورويَ ذلكَ عن مالكٍ، والمشهورُ عنه كقولِ الجماعةِ.
وعن ابنِ المباركِ، قالَ: الإيمانُ يتفاضلُ.
وهو معنى الزيادة والنقصِ.
وقد تلا البخاريُّ الآياتِ التي فيها ذكرُ زيادةِ الإيمانِ.
وقد استدلَّ بِهَا علَى زيادةِ الإيمانِ أئمةُ السَّلفِ قديمًا، منهُم:
عطاءُ بنُ أبي رباح فمن بعدَه.
وتلا البخاريُّ - أيضًا - الآياتِ التي ذكَرَ فيهَا زيادةَ الهُدَى؛ فإنَّ المرادَ
بالهُدَى هنا فعلُ الطاعاتِ، كما قالَ تعالى بعد وصفِ المتقينَ بالإيمانِ بالغيبِ.
وإقامِ الصلاةِ، والإنفاقِ مما رزقَهُم، وبالإيمانِ بما أُنزلَ إلى محمدٍ وإلى مَنْ
قبلَهُ، وباليقينِ بالآخرةِ، ثم قالَ: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِهِمْ) .
فسمَّى ذلكَ كلَّه هدًى، فمن زادتْ طاعاتُهُ فقد زادَ هداهُ.
ولما كانَ الإيمانُ يدخلُ فيه المعرفةُ بالقلبِ، والقولُ والعملُ كلُّه، كانتْ
زيادتُهُ بزيادةِ الأعمالِ، ونقصانُهُ بنقصانِهَا.
وقد صرح بذلك كثيرٌ من السلف، فقالُوا: يزيد بالطاعة، وينقصُ
بالمعصية. َ
* * *
стр. 968
قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
فصل: في فضائل لا إله إلا الفَه.
وكلمةُ التوحيدِ لها فضائلُ عظيمة لا يمكنُ هاهنا استقصاؤُها، فلنذكر
بعضَ ما وردَ فِيها:
١ - فهيَ كلمةُ التقوى كما قالَ عمرُ ﵁
وغيرُه من الصحابة.
٢ - وهي كلمةُ الإخلاصِ.
٣ - وشهادةُ الحقِّ.
٤ - ودعوةُ الحقِّ.
٥ - وبراءةٌ من الشركِ، ونجاةُ هذا الأمرِ.
٦ - ولأجلِهَا خُلِقِ الخلقُ. كما قال تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) .
٧ - ولأجلِهَا أُرسلتِ الرُّسلُ وأنزلتِ الكتبُ، كما قالَ تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) .
وقالَ تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) .
ونحو هذه الآياتِ.
وهذه الآية ُ أولُ ما عدَّدَ اللَّهُ من النعم في سورةِ النحلِ التي تُسَمَّى سورةُ
النعم.
ولهذا قال ابنُ عيينةَ: ما أنعمَ اللَّهُ على عبدٍ من العبادِ نعمةً أعظمُ من
أن عرَّفهم "لا إلهَ إلا اللَّهُ ".
وأنَّ "لا إلهَ إلا اللَّه " لأهلِ الجنةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدنيا.
стр. 969
٨ - ولأجلِهَا أُعدَّتْ دارُ الثوابِ ودارُ العقابِ.
٩ - ولأجلِهَا أُمرتِ الرسلُ بالجهادِ، فمنْ قالَها عصمَ مالَه ودمَه، ومن
أباها فمالُه ودمُه هدر.
١٠ - وهي مفتاحُ الجنةِ.
١١ - ومفتاحُ دعوةِ الرسلِ.
١٢- وبها كلَّمَ اللَّهُ موسى كِفاحًا.
وفي "مسندِ البزار" وغيرِه عن عياضِ الأنصاريِّ عن النبيِّ ﷺ قال:
"إن لا إلهَ إلا اللَهُ كلمةُ حق على اللهِ كريمة ولها من اللهِ مكان وهي كلمة من قالَها صادِقًا أدخلَهُ اللَهُ بها الجنةَ، ومن قالَها كاذبًا حقنتْ دمَهُ، وأحرزتْ مالَه، ولَقِي اللهَ غدًا فحاسَبَهُ ".
وهي مِفتاحُ الجنةِ كما تقدم.
١٣ - وهي: ثمنُ الجنةِ:
قاله الحسنُ، وجاءَ مرفوعًا من وجوه ضعيفة:
"ومن كانتْ آخرَ كَلامه دخلَ الجنةَ". "
١٤ - وهي: نجاة من النارِ:
وسمعَ النبيُّ ﷺ مؤذنًا يقولُ: أشهد أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، فقالَ: خرج من النارِ". خرَّجه مسلم.
стр. 970
١٥ - وهي: توجبُ المغفرةَ:
في "المسندِ" عن شدَّادِ بن أوس وعبادةَ بنِ الصامتِ: أن النبيَّ ﷺ قال لأصحابهِ يومًا:
"ارفعُوا أيدِيكم وقولُوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ ". فرفعْنا أيدِينا ساعةً، ثم
وضعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يدَهُ، ثم قالَ: "الحمدُ للَّهِ، اللهُمَّ بعَثْتَنِي بهذهِ الكلمةِ، وأمرْتَني بها، ووعدتنِي بها الجنةَ، وإنَّك لا تخلفُ الميعادَ"، ثم قالَ: "أبشِرُوا فإن اللهَ قدْ غَفَرَ لكُم ".
١٦ - وهي: أحسنُ الحسناتِ:
قال أبو ذرِّ: قلتُ يا رسولَ اللَّه: كلِّمْني بعمل يقربني من الجنةِ، ويباعدُني
من النارِ، قالَ: "إذا عملتَ سيئة فاعملْ حسنةَ، فإنها عشرُ أمثالِها.
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، "لا إله إلا اللَّه " من الحسناتِ؟
قالَ: "هيَ أحسنُ الحسناتِ ".
١٧ - وهي: تمحو الذنوبَ والخطايا:
وفي "سننِ ابنِ ماجةَ " عن أُمِّ هانئ عن النبيِّ ﷺ قال: "لا إلهَ إلا اللهُ لا تتركُ ذنبًا، ولا يسبقُها عملٌ ".
رُئِي بعضُ السلفِ بعدَ موتِهِ في المنامِ فسُئلَ عن حالهِ، فقالَ: ما أبقتْ لا
إلهَ إلا اللَّهُ شيئًا.
١٨- وهي: تجدد ما درسَ من الإيمانِ في القلبِ:
وفي "المسند" أن النبيَّ ﷺ قالَ لأصحابِهِ:
"جدِّدوا إيمانَكم ".
قالوا: كيفَ نجدِّدُ إيمانَنَا؟
стр. 971
قال: "قولُوا: لا إله إلا الله، وهي لا يعدِلُها شيءٌ في الوزنِ، فلو وُزِنتْ
بالسماواتِ والأرضِ رجحْت بهن ".
كما في "المسندِ" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو عن النبيِّ ﷺ : "أن نوحًا قالَ لابنِهِ عندَ موتِهِ: آمرُكَ بلا إلهَ إلا اللَهُ، فإنَّ السماواتِ السبعَ والأرضينَ السبعَ لو وُضعِتْ في كِفة ووضِعَتْ لا إلهَ إلا اللَهُ في كفةٍ، رجحتْ بهن لا إلهَ إلا اللَهُ، ولو أن السماوات السبعَ والأرضينَ السبعَ كن في حلقةٍ مبهمةٍ قصَمتهُن لا إلهَ إلا الله ".
وفيه أيضًا عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو عن النبى ﷺ :
"أن موسى ﵇ قالَ: يا رب علِّمني شيئًا أذكرُك وأدعوكَ به، قال: يا موسى قلْ: لا إله إلا اللَّه.
قالَ: يا ربِّ: كلُّ عبادِكَ يقولون هذا.
قال: قل: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا أنت يا ربِّ.
إنما أريد شيئا تخصُّنِي به.
قال: يا مُوسى، لو أنَّ السماوات السبعَ وعامرَهنَّ غيري
والأرضينَ السبعَ في كفةٍ، ولا إلهَ إلا اللَهُ في كفةٍ، مالتْ بهن لا إله إلا الله ".
وكذلك ترجحُ بصحائفِ الذنوب، كما في حديثِ السجلاتِ والبطاقةِ.
وقد خرَّجهُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ أيضًا من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو عن
النبيِّ ﷺ .
١٩ - وهي: التي تخرقُ الحجبَ حتَّى تصلَ إلى اللَّهِ :
وفي الترمذي عن عبدِ اللَّهِ بن عمرو عن النبيِّ ﷺ قال: "لا إله إلا اللَّهُ ليسَ لها دونَ اللَّهِ حجابٌ حتى تصلَ إليهِ ".
стр. 972
وفيه أيضًا عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ :
"ما قالَ عبدٌ: لا إله إلا اللَّه مخلصًا إلا فُتحتْ له أبوابُ السماءِ حتى تُفضِي إلى العرشِ ما اجتُنِبَتِ الكبائرُ".
ويروى عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا:
" ما منْ شيء إلا بينهِ وبينَ اللَّهِ حجابٌ، إلا قولَ:
لا إلهَ إلا الله كما أنَّ شَفتَيْكَ لا تحجبُهما كذلكَ لا يحجِبُها شيء
حتى تنتهي إلى اللهِ ".
وقال أبو أمامةَ: ما مِنْ عبدٍ يهلِّلُ تهليلةً فينهنهها شيء دونَ العرشِ.
٢٠ - وهي الَّتِي ينظرُ اللَهُ إلى قائِلِها، ويجيبُ دعاه:
خرَّجَ النسائيُّ في كتابِ "اليومِ والليلةِ" من حديثِ رجلينِ من الصحابة
عن النبيِّ ﷺ :
"منْ قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، له الملكُ وله الحمدُ، وهو
على كلِّ شيءٍ قديرٌ مخلِصًا بها روحُه مصدِّقًا بها لسانُه، إلا فَتَقَ له السماءَ فتقًا، حتَى ينظرَ إلى قائِلِها مِنْ أهلِ الأرضِ، وحُقَّ لعبدٍ نظرَ إليهِ أن يعطِيَهُ سؤلَهُ ".
٢١ - وهي: الكلمةُ الَّتي يصدِّقُ اللَهُ قائِلَهَا:
كما أخرجَ النسائيُّ والترمذيُّ وابنُ حبان من حديثِ أبي هريرةَ وأبي
سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ قال:
"إذا قالَ العبدُ: لا إلهَ إلا اللَّهُ واللَّهُ أكبرُ، صدَّقهُ ربُه.
وقالَ: لا إلهَ إلا أنا وأنا أكبرُ. وإذا قالَ: لا إلَه إلا اللَهُ وحدَهُ، لا شريكَ لهُ، يقولُ اللَهُ: لا إلهَ إلا أنا وحدِي لا شريكَ لي. وإذا قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ وحدَه، لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، قال اللَّهُ: لا إلهَ إلا أنا، لي الملكُ، ولي الحمدُ. وإذا قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّهِ،
стр. 973
قالَ اللَّهُ: لا إلهَ إلا أنا، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بِي ".
وكان يقولُ: "من قالها - في مرضِهِ ثم ماتَ لم تَطعمهُ النارُ".
٢٢ - وهي: أفضلُ ما قاله النبيونَ:
كما وردَ ذلكَ في دعاءِ يومِ عرفة.
٢٣ - وهي: أفضلُ الذِّكْرِ:
كما في حديثِ جابرٍ المرفوع: "أفضلُ الذكرِ لا إلهَ إلا اللَهُ ".
وعن ابنِ عباسٍ: أحبُّ كلمةٍ إلى اللَّهِ لا إلهَ إلا اللَّه، لا يقبلُ اللَّهُ عملاً
إلا بِها.
٢٤ - وهي: أفضلُ الأعمالِ وأكثرُها تضعيفًا، وتعدلُ عتقَ الرقابِ، وتكونُ حِرزًا من الشيطانِ:
وكما في "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ :
"من قالَ: لا إله إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، له الملكُ وله الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يومٍ مائةَ مرةٍ كانتْ له عدلَ عشرِ رقابٍ، وكُتبَ له مائةُ حسنةٍ، ومُحيَ عنه مائةُ سيئةٍ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاءَ بهِ، إلا أحدٌ عملَ أكثرَ من ذلكَ ".
وفيهما أيضًا عن أبي أيوبٍ الأنصاريِّ ﵁ عن النبي ﷺ :
"من قالَها عشرَ مراتٍ كانَ كمنْ أعتقَ أربعَ أنفسٍ من وَلَدِ إسماعيلَ ".
стр. 974
وفي الترمذي عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: "منْ قالها إذا دخل السوقَ، وزادَ فيها:
يُحي ويميتُ وهوَ حيٌ لا يموتُ بيدِهِ الخيرُ وهوَ على كل شيء قديرٌ
كتبَ اللَهُ له ألفَ ألفَ حسنةٍ، ومحا اللَّهُ عنه ألفَ ألفَ سيئةٍ، ورفعَ اللَهُ له ألفَ ألفَ درجة".
وفي روايةٍ: "ويبنى له بيتٌ في الجنةِ".
٢٥ - ومن فضائِلِها: أنها أمانٌ من وحشةِ القبرِ وهولِ الحشرِ:
كما في "المسندِ" وغيرِهِ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"ليسَ على أهلِ لا إلهَ إلا اللَّهُ وحشة في قبورهم ولا في نشورِهم، وكأئي بأهلِ لا إلهَ إلا اللَهُ قد قامُوا ينفضونَ الترابَ عن رؤوسِهم، ويقولونَ: الحَمُد للَّه الَّذي أذهبَ عنَّا الحزنُ ".
وفي حديثٍ مرسلٍ: "من قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ الملكُ الحق المبينُ، كل يومٍ مائةَ مرةٍ كانتْ له أمانًا من الفقرِ، وأنسًا من وحشةِ القبرِ، واستجلبتْ له الغِنى، واستقرعتْ له بابَ الجتةِ".
٢٦ - وهيَ: شعارُ المؤمنينَ إذا قامُوا من قبورِهم:
قال النضرُ بنُ عربي: بلغَنِي أن الناسَ إذا قامُوا من قبورِهِم كانَ شعارُهم:
لا إلَه إلا اللهُ.
وقد خرج الطبرانيُّ حديثًا مرفوعًا:
"إن شعارَ هذه الأمةِ على الصراطِ: لا إلهَ إلا أنتَ ".
стр. 975
٢٧ - ومن فضائلها: أنَّها تفتحُ لقائِلِها أبوابَ الجنةِ الثمانيةَ، يدخلُ من أيِّها
كما في حديث عمرَ عن النبيِّ ﷺ فيمَنْ أتَى بالشهادتينِ بعد الوضوء، وقدْ خرَّجهُ مسلمٌ.
وفي "الصحيحينِ " عن عبادةَ بن الصامتِ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"من قالَ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولِهِ وكلمتُه ألقَاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأنَّ الجنةَ حق والنارَ حق أدخلَهُ اللَّهُ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثمانيةِ شاء".
وفي حديثِ عبد الرحمنِ بنِ سمرةَ عن النَّبيِّ ﷺ
في قصةِ منامِهِ الطويل، وفيه قالَ:
"ورأيتُ رجلاً من أُمَّتِي انتهى إلى أبوابِ الجنةِ، فأُغلقت الأَبوابُ دونَهَ.
فجاءتْه شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، فتحتْ له الأبوابَ، وأدخلنْهُ الجنةَ".
٢٨ - ومن فضائلها أنَّ أهلَها وإنْ دخلُوا النارَ وبتقصيرِهم في حقوقِها فإنهم
لابد أن يخرجُوا منها.
وفي "الصحيحينِ " عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"يقولُ اللَهُ :
وعِزَّتي وجلالِي وكبريائِي وعظمتِي لأُخرجنَّ منها منْ قالَ: لا إله إلا اللَّهُ ".
وأخرجَ الطبراني عن أنس عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"إن ناسًا منْ أهلِ لا إلهَ إلا اللَّهُ
стр. 976
يدخلونَ النارَ بذنوبهم، فيقولُ لهم عبدةُ اللات والعزَّى: ما أغنى عنكُم قولُ: لا إله إلا اللَّه، فيغضبُ اللَّهُ لهم فيخرِجُهُم من النارِ، فيدخلونَ الجنةَ".
ومن كان في سخطه يُحسنُ. . . فكيفَ يكونُ إذا ما رضي؟
لا يسوي بين من وحَّده وإن قصَّر في حقوقِ توحيدهِ، وبينَ من أشركَ به.
قال بعضُ السلفِ: كان إبراهيمُ ﵇ يقولُ:
اللهمَّ لا تشركْ من كان يشركُ بكَ شيئًا بمن كانَ لا يشركُ بكَ.
كان بعضُ السلفِ يقولُ في دعائِه: اللهمَّ إنَّك قلتَ عن أهلِ النارِ: إنَّهم
أقسمُوا باللَّهِ جهدَ أيمانِهم لا يبعثُ اللَّه من يموتُ، ونحنُ نقسمُ باللهِ جَهدَ
أيمانِنا ليبعثنَّ اللَّهُ من يموتُ، اللهمَّ لا تجمع بينَ أهلِ القَسَمَينِ في دارٍ واحدةٍ.
كان أبو سليمانَ يقولُ: إن طالَبنِي ببخلِي طالبتُه بجودِهِ، وإن طالَبني
بذنوبي طالبتُه بعفوِه، وإن أدخلَنِي النارَ أخبرتُ أهلَ النارِ أنِّي أُحبُّه.
ما أطيبَ وصلَه وما أعذبَه! . . . وما أثقلَ هجرَه وما أصَعبَه!
وفي السخطِ والرِّضى ما أهيبَه! . . . القلبُ يحبُّ وإنْ عذبه
وكان بعضُ العارفينَ يبْكِي طولَ ليلهِ ويقولُ:
إن تعذِّبْني فإنِّي لك محبٌّ، وإنْ ترحمْني فإنَي لك محبٌّ.
العارفونَ يخافونَ من الحجابِ أكثرَ مما يخافونَ من العذابِ.
قال ذو النونِ: خوفُ النارِ عند خوفِ الفراقِ كقطرةٍ في بحرٍ لُجي.
كان بعضُهم يقولُ: إلهِي وسيدِي ومولاي! لو أنَّك عذبْتنِي بعذابِكَ كلِّه.
كانَ ما فاتَني من قربِكَ أعظمُ عنْدِي من العذابِ.
стр. 977
قيلَ لبعضِهم: لو طردكَ ما كنتَ تفعلُ.
قالَ:
إِذَا أنا لم أجْد من الحبِّ وصْلاً. . . رمتُ في النارِ مُنْزلا ومقِيلا
ثم أزعجتُ أهلَهَا بندَائِي. . . بكرةً في عرصَاتِها وأصِيلا
معشرَ المشركينَ ناحُوا على منْ. . . يدِّعِي أنَّه يحبُّ الجليلا
لم يكنْ في الذي ادعاه محقًّا. . . فجزاهُ به العذابَ الطَّوِيلا!
إخوانِي!
اجتهدُوا اليومَ في تحقيقِ التوحيدِ، فإنَّه لا يُنجي من عذابِ اللَّهِ إلا إيَّاه.
وما نطقَ الناطقونَ إذْ نطقُوا. . . أحسنَ من: لا إلهَ إلا الله.
تباركَ اللَّهُ ذو الجلالِ ومنْ. . . أشهدُ أن لا إِلهَ إلا هُو
مَن لذنوبِي ومنْ يمحِّصُها. . . غيرُك يَا منْ لا إِلهَ إلا هُو
جنان خلدٍ لمنْ يوحدُه. . . أشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو
نيرانُه لا تحرقُ منْ. . . يشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو
أقولُها مخلِصًا بِلا بُخلٍ. . . أشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
стр. 978
سُورَةُ الفَتْحِ
قوله تعالِ: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)
إن الزرعَ وإنْ كانَ له طاقةً منه ضعيفةٌ ضئيلةٌ إلا أنه يتقوَّى بما يخرجُ معه
وحولَهُ ويعتضدُ به، بخلافِ الشجرةِ العظامِ فإنَّ بعضَها لا يشدُّ بعضًا.
وقد ضربَ اللَّهُ تعالى مثلَ النبي ﷺ وأصحابِهِ بالزرع لهِذا المعنى قال:
(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) .
قوله: (أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أي: فِرَاخَهُ.
(فَآزَرَهُ) أي: ساواه وصارَ مثلَ الأمِّ وقوي به.
(فَاسْتَغْلَظَ) أي: غَلُظَ.
فالزرعُ مثلُ النبيِّ ﷺ إذ خرجَ وحدهُ فأمدَّه بأصحابِهِ وهُم شطأ الزرع كما قَوَّى الطاقةَ من الزرع بما نَبَتَ منها حتَى غلظتْ واستحكمتْ.
(فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) : جمعُ ساق.
وفي الإنجيلِ: " سيَخرُجُ قوْم يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرع ".
وقد قالَ : الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) .
وقال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّنْ بَعْضٍ) .
стр. 979
فالمؤمنونَ بينَهُم ولاية وهي مودةٌ ومحبة باطنةٌ.
ثم قالَ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) .
لأن المؤمنينَ قلوبُهم على قلبِ رجلٍ واحدٍ فيما يعتقدونَهُ من الإيمانِ وأما
المنافقونَ فقلوبُهم مختلفة.
كما قالَ: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شتَّى) .
فأهواؤُهُم مختلفةٌ.. إلخ. ولا ولايةَ بينَهُم في الباطنِ وإنَّما بعضُهم من
جنس بعض في الكفر والنفاقِ.
وفي "الصحيحينِ " عن النبيِّ ﷺ :
"المؤمِنُ للمُؤْمِنِ كالبُنيان يَشُدُّ بعضُهُ بعضا"
وشبَّكَ بينَ أصابعِهِ.
وفيهما أيضًا عن النبي ﷺ :
"مثل المُؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهِم كمثَلِ الجسَدِ الوَاحدِ، إذَا اشتَكَى منهُ عضوٌ تداعَى سائِرهُ بالحُمَّى والسهَرِ".
* * *
стр. 980
سُورَةُ الحُجُرَاتِ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)
وقال الحسنُ في قولهِ تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
قال: لا تذبَحُوا قبلَ الإمامِ.
خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.
* * *
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)
فإن علامةَ محبَّةِ اللَّهِ ورسولِهِ محبةُ ما يحبّهُ اللَّهُ ورسولُه، وكراهةُ ما
يكرهُه اللَّهُ ورسولُه - كما سبقَ -، فإذا رسخَ الإيمانُ في القلبِ وتحققَ بِهِ.
ووجدَ حلاوتَهُ وطعمَه، أحبَّه وأحبَّ ثباتَهُ ودوامَهُ، والزيادَة منه، وكرهَ
مفارقتَه، وكانَ كراهتُه لمفارقتِه أعظمَ عندَه من كراهِة الإلقاءِ في النارِ.
قال اللَّه تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) .
والمؤمنُ يحبُّ الإيمانَ أشدَّ من حبِّ الماءِ الباردِ في شدَّةِ الحرِّ للظمآنِ،
стр. 981
ويكره الخروجَ منه أشدَّ من كراهةِ التحريقِ بالنيرانِ.
كما في "المسندِ" عن أبي رزينٍ العقيلي، أنه سألَ النبيَّ ﷺ عن الإيمانِ، فقالَ:
"أنْ تشهَدَ أنْ لا إِله إلا اللَهُ، وحدَه لا شريكَ لَهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنْ يكونَ اللَهُ ورسولُه أحبَّ إليكَ مما سواهُما، وأن تحرق في النَّارِ أحبُّ إليكَ من أنْ تشركَ باللهِ، وأن تحبَّ غير ذي نسبٍ لا تحبه إلا للَّه، فإذَا كنتَ كذلكَ فقد دخلَ حبُّ الإيمانِ في قلبك، كما دخلَ حبُّ الماءِ للظمآنِ في اليوم القائظ ".
وفي "المسند" - أيضًا -: أن النبيَّ ﷺ وصَّى معاذَ بن جبل، فقال له - فيما وصاه به -:
"لا تشركْ باللَّهِ شيئًا، وإن قُطِّعْتَ وحُرِّقت ".
* * *
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
وقوله ﷺ :
"المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يَخذُلُه، ولا يَكذِبُه، ولا يَحقِرُه ".
هذا مأخوذٌ من قولِهِ : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
، فإذا كانَ المؤمنونَ إخوةً أُمروا فيمَا بينَهُم بما يُوجبُ تآلُفَ
القلوبِ واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوبِ واختلافَها، وهذا من
ذاكَ.
وأيضا: فإنَّ الأخَ مِنْ شأنِهِ أن يوصِلَ إلى أخيه النَّفعَ، ويكفَّ عنه الضررَ.
ومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كَفُّه عَنِ الأخ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ
стр. 982
بالمسلم، بل هو محرَّمٌ في حق كلِّ أحدٍ، وقد سبق الكلامُ على الظلْمِ
مستوفيًا عند ذكرِ حديث أبي ذر الإلهي:
"يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلم على نفسِي، وجعلتُه بينَكُم مُحرَّمًا فلا تَظَالَمُوا".
ومِنْ ذلكَ: خِذْلانُ المسلم لأخيهِ، فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ أن يَنْصُرَ أخاه، كما قالَ النبيُّ ﷺ :
"انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مظلومًا".
قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أنصُرُهُ مظلومًا، فكيفَ أنصرُهُ ظالمًا؟
قالَ: "تمنعُه عَنِ الظلم، فذلكَ نَصْرُك إيَّاهُ ".
خرَّجهُ البخاريُّ بمعناهُ من حديثِ أنسٍ.
وخرَّجهُ مسلمٌ بمعناه من حديثِ جابرٍ.
وخرَّج أبو داود من حديثِ أبي طلحةَ الأنصاريِّ وجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ.
عن النبيِّ ﷺ ، قالَ:
"ما مِنْ امرئٍ مسلمٍ يَخذُلُ امْرءًا مُسلمًا في موضعٍ تُنتهكُ فيه
حُرمتُه، ويُنتقصُ فيه من عِرضهِ إلا خذلهُ اللَهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتهُ، وما من امرئٍ ينصُرُ مُسلمًا في موضع يُنتقصُ فيه من عِرضِهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتهِ إلا نصرَه اللَّه في موطن يُحبُّ فيه نُصرتَهُ ".
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ أبي أمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ عنِ النَّبيِّ
ﷺ قالَ:
"مَنْ أُذِلَّ عندهُ مؤمنٌ فلم ينصُرْه وهو يَقْدِرُ على أنْ ينصُره أذلَّهُ اللَّهُ على
رءوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ".
وخرَّج البزارُ من حديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ، عن النَّبيَ ﷺ قال:
стр. 983
"مَنْ نصرَ أخاهُ بالغَيبِ وهو يستطيعُ نصرَه نصرهُ اللَّهُ في الدنيا والآخرةِ".
ومن ذلكَ: كذبُ المسلم لأخيه، فلا يُحِل له أن يُحدِّثه فيكذبهُ، بل لاْ يُحدِّثه إلا صدقًا.
وفي "مسندِ الإمام أحمدَ" عن النَّوَّاس بنِ سَمعانَ، عن النبيِّ
ﷺ قالَ:
"كَبُرَت خيانة أنْ تُحدِّثَ أخاكَ حديثًا هو لك مُصدِّق وأنتَ به كاذبٌ ".
ومن ذلكَ: احتقارُ المسلم لأخيهِ المسلم، وهو ناشئ عن الكِبْر، كما قالَ النبيُّ ﷺ :
"الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغمْطُ النَّاسِ ".
خرَّجه مسلمٌ من حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁.
وخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وفي روايةٍ لهُ: "الكِبْرُ سَفَهُ الحَقِّ، وازدراءُ الناسِ "، وفي روايةٍ: "وغمصُ الناسِ "، وفي روايةٍ زيادةٌ: "فلا يَراهم شيئًا".
وغمصُ النَّاسِ: الطَّعْنُ عليهم وازدراؤهُم.
وقالَ اللَّهُ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) .
فالمتكبرُ ينظرُ إلى نفسِهِ بعينِ الكمالِ، وإلى غيره بعينِ النَّقصِ، فيحتقرُهُم ويزدريهِم، ولا يراهمُ أهلاً لأنْ يقومَ بحقُوقِهِم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحدٍ منهمُ الحقَّ إذا أوردَهُ عليهِ.
* * *
قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)
[قَال البخاريُّ] : بَاب إذا لم يكُنِ الإسلامُ علَى الحقيقةِ وكان على
стр. 984
الاستسلامِ أوِ الخوْفِ مِنَ القَتْلِ:
لقولِهِ : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) .
فَإِذَا كانَ على الحقيقةِ فهُوَ علَى قولِهِ: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ) .
وَقولِهِ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) .
معنى هذا الكلامِ: أن الإسلامَ يُطلقُ باعتبارينِ.
أحدُهما: باعتبارِ الإسلامِ الحقيقيِّ، وهو دينُ الإسلامِ الذي قالَ اللَّهُ فيهِ:
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ) .
وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) .
والثاني: باعتبارِ الاستسلامِ ظاهرًا، مع عدمِ إسلامِ الباطنِ إذا وقَع خوفًا.
كإسلامِ المنافقينَ.
واستدلَّ بقوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) .
وحملَهُ على الاستسلامِ خوفًا وتقيةً.
وهذا مرويٌّ عن طائفةٍ من السلفِ، منهم: مجاهدٌ وابنُ زيدٍ ومقاتلُ بنُ
حيانَ وغيرُهم.
وكذلك رجَّحه محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ، كما رجَّحه البخاريُّ؛ لأنهما لا
يفرقانِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ، فإذا انتفى أحدُهما انتفَى الآخرُ.
وهو اختيارُ ابنِ عبدِ البرِّ، وحكاهُ عن أكثرِ أهلِ السنةِ من أصحابِ مالكٍ
стр. 985
والشافعيِّ وداودَ.
وأما من يفرقُ بين الإسلامِ والإيمانِ، فإنه يستدلُّ بهذه الآيةِ على الفرقِ
بينهُما، ويقول: نفيُ الإيمانِ عنهم لا يلزمُ منه نفيُ الإسلامِ، كما نَفَى الإيمانَ
عن الزاني والسارقِ والشاربِ، وإن كان الإسلامُ عنهم غيرَ منفيً.
وقد وردَ هذا المعنى في الآيةِ عن ابنِ عباسٍ وقتادَة والنخَعيِّ.
ورُوي عن ابنِ زيدٍ - معناه - أيضًا.
وهو قولُ الزهريِّ وحمادِ بنِ زيدٍ وأحمدَ.
ورجَّحه ابنُ جريرٍ وغيرُه.
واستدلُّوا به على التفريقِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ.
وكذا قال قتادةُ في هذه الآيةِ، قال: (قُولُوا أَسْلَمْنَا) : شهادةَ أن لا إله إلا
اللَّهُ، وهو دينُ اللَّهِ، والإسلامُ درجةٌ، والإيمانُ تحقيقٌ في القلب.
والهجرةُ في الإيمانِ درجةٌ، والجهادُ في الهجرةِ درجةٌ، والقتلُ في سبيل الله درجةٌ.
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.
فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصلُ الدينِ، والإيمان ما قام بالقلوبِ
من تحقيقِ التصديقِ بالغيب، فهؤلاء القومُ لم يحقَقُوا الإيمانَ في قلوبِهم.
وإنما دخلَ في قلوبِهم تصديق ضعيفٌ، بحيثُ صحَّ به إسلامُهم.
ويدلُّ عليه: قولُه تعالى: (وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) .
واختلفَ مَنْ فرَّق بين الإسلامِ والإيمانِ، في حقيقة الفرقِ بينهما: