← Тараджим

Тараджим · id 1046

الإنصاف والاعتدال عند الحافظ الذهبي

هانى فقيه

Полный текст (77 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال الذهبي معلقاً: «كلام ابن مندة في أبي نُعيم فظيع، لا أحبّ حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان، لا أعلم لهما ذنباً أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها .... إلى أن قال: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمتُ أن عصراً من الأعصار سلِم أهلُه من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم» (١).

стр. 37

الفصل العاشر دعوته ترك الإغراق في صراعات التاريخ وإشعال نار العداوات بسببها يقول ﵀: «قد تكلَّم خلقٌ من التابعين بعضهم في بعض، وتحاربوا، وجرت بينهم أمورٌ لا يمكن شرحُها، فلا فائدة في بثّها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصمُ نفسه، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١). ــــــ وعندما أشار الذهبي ﵀ إلى ما حصل بين بعض الصحابة ﵃ من خلاف وحروب، قال: «سبيلُنا أن نستغفر للكل، ونحبهم، ونكفّ عما شجر بينهم» (٢). ــــــ وقال أيضاً: «تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين» (٣). وهذا من فقه هذا الإمام ودقيق نظره، فمعظم صراعات المسلمين اليوم ومخاصماتهم تدور حول حوادث

стр. 38

تاريخية غابرة قد تجاوزها الدهر منذ زمن سحيق، ولم يعد لوجودها داع أو مبرر، إلا اتخاذها ذريعة لتأجيج نار العداوات وتجديد الخصومات بين المسلمين بسوء فهم أو سوء نية. • • •

стр. 39

الفصل الحادي عشر تمييزه بين مستويات البدعة، وتفرقته بين الغلاة وغيرهم من إنصاف الذهبي ﵀ واعتدال فكره أن كان كثيراً ما يفرّق في الحكم بين الغلاة وغيرهم من شتى أرباب الطوائف والمذاهب، وهذا له صور وشواهد كثيرة منها: تفرقته بين غلاة الصوفية ومعتدليهم. فالذهبي ﵀ كان لا يضع الصوفية كلهم في سلّة واحدة، بل كان يفرّق بين من تمسكوا منهم بالكتاب والسنّة، والتزموا بأحكام الشريعة (١)، وبين المخلّطين منهم، من أصحاب الشعوذة والترهات والشطحات والخرافات. فهو يشيد بالطائفة الأولى ويذب عنها، بينما يشتد بنقده وتقريعه على الطائفة الثانية ويحط عليها. والشواهد كثيرة من كلام الذهبي في ذلك، اكتفى هنا بما قاله في ترجمة الإمام المحدِّث أبي سعيد بن الأعرابي،

стр. 40

واسمه أحمد بن محمد البصري، نزيل مكة، (ت: ٣٤٠ هـ). قال الذهبي منتقداً بعض مصطلحات الصوفية الغامضة التي لا طائل منها: «إي والله، دققوا وعمقوا، وخاضوا في أَسرار عظيمة، ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال، ولا وجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصَّحو والسّكر إلا مجرد خطرات ووساوس، ما تفوّه بعباراتهم صدِّيق، ولا صاحب، ولا إمام من التَّابعين. فإن طالبتهم بدعاويهم مقتوك، وقالوا: محجوب، وإن سلَّمت لهم قيادك تخبَّط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال، ورمقتَ العُباد بعين المقت، وأهل القرآن والحديث بعين البُعد، وقلتَ: مساكين محجوبون. فلا حول ولا قوة إلا بالله. فإنما التصوُّف والتأَله والسُّلوك والسَّير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشَّريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزُّز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والعالم إذا عَرِي من التَّصوف والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إِذا

стр. 41

عري من علم السنّة، زل عن سواء السبيل» (١). موقفه من غلاة الصوفية: وأما غلاة المتصوفة ومنحرفيهم وأهل الشطحات والترهات منهم، فإليك ما قاله الذهبي عن بعض رؤوسهم الكبار: ١ - الحسين بن منصور الحلاج (ت: ٣٠٩ هـ). قال الذهبي: «كانت له بداية جيدة وتأله وتصوف، ثم انسلخ من الدين، وتعلم السحر، وأراهم المخاريق … » (٢). ٢ ـــــــ شهاب الدين السهروردي (ت: ٥٨٧ هـ). قال الذهبي: «سائر كتبه فلسفة وإلحاد. نسأل اللَّه السّلامة فِي الدّين» (٣). ٣ ـــــــ عمر بن علي ابن الفارض (ت: ٦٣٢ هـ). قال الذهبي: «شاعر الوقت، شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي، ثم المصري، صاحب الاتحاد الذي قد ملأ به التائية … فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما

стр. 42

في العالم زندقة ولا ضلال، اللَّهم ألهمنا التقوى، وأعذنا من الهوى، فيا أئمة الدِّين ألا تغضبون لله؟! فلا حول ولا قوّة إلا بالله» (١). ٤ ـــــــ عفيف الدين سليمان بن علي التلمساني (ت: ٦٩٠ هـ). قال الذهبي: «أحد زنادقة الصوفية» (٢). ٥ ـــ محي الدين ابن عربي (ت: ٦٣٨). قال الذهبي: «فو الله لإن يعيش المسلم جاهلاً خلف البقر لا يعرف من العلم شيئاً سوى سور من القرآن يصلى بها الصلوات ويؤمن بالله وباليوم الآخر - خيرٌ له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة» (٣). ــــــ وقد وصف الذهبي كلام ابن عربي وابن الفارض وأمثالهما بالعَسل الذي أذيب فيه السُّم، يستلذه الشخص، فيسرى في بدنه وهو لا يشعر حتى يهلكه (٤). ــــــ ووصف بعض كلامهم بأنه شرٌّ من الشرك (٥)، وأنه محض الكفر والزندقة (٦).

стр. 43

ــــــ وكان لا يرى حاجة إلى فتح باب الاعتذار عن مقالاتهم الصريحة في مخالفة قواطع الإسلام، وكان يقول: «إن فتحنا باب الاعتذار عن المقالات، وسلكنا طريقة التّأويلات المستحيلات لم يبق في العالم كُفر ولا ضلال، وبَطَلَت كتب المِلَل والنِّحَل واختلاف الفِرَق» (١). تفرقته بين غلاة المرجئة ومرجئة الفقهاء. كذلك كان الذهبي يفرق بين مرجئة الفقهاء الذين كانوا لا يرون دخول العمل في مسمى الإيمان، وإن كانوا يرون وجوب العمل وفرضيته، فهو يرى أن هذه مقولة خفيفة لا تستدعي تبديع صاحبها أو رميه بالضلالة، لكن الضلال كل الضلال في مذهب غلاة المرجئة الذين كانوا يقولون بأن المعاصي لا تضرّ المرء شيئاً ما دام مقراً بالتوحيد!! ــــــ يقول ﵀: «الإرجاء مذهب لعدّة من جلّة العلماء، لا ينبغي التحامل على قائله» (٢). يقصد إرجاء الفقهاء الذي أوضحنا معناه قبل قليل.

стр. 44

ــــــ ويفصّل القول في المسألة في ترجمة فقيه العراق حمَّاد بن أبي سليمان الكوفي، (ت: ١٢٠ هـ)، فيقول: «قال معمَرٌ: قلت لحمَّاد: كنت رأساً، وكنت إماماً في أصحابك، فخالفتهم، فصرت تابعاً! قال: إِني أن أكون تابعاً في الحقِّ، خيْر من أن أكون رأساً في الباطل. قلتُ (١): يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرارٌ باللِّسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي - إن شاء الله - وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التَّوحيد ترك الفرائض، نسأل الله العافية» (٢). ــــــ وفي ترجمة الحافظ عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد (ت: ٢٠٦ هـ)، قال: «كان على الإرجاء عددٌ كثير من علماء الأمة، فهلا عُدَّ مذهباً، وهو قولهم: أنا مؤمنٌ حقاً عند الله الساعة، مع اعترافهم بأنَّهم لا يدرون بما يموت عليه المسلم من كفر أو إيمان، وهذه قولة خفيفة، وإنما الصَّعب قول غلاة المرجئة: إن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة، وإن تارك الصلاة والزكاة، وشارب الخمر، وقاتل الأنفس، والزاني، وجميع هؤلاء، يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار، ولا يعذبون أبداً. فردوا أحاديث الشَّفاعة المتواترة، وجسَّروا كل

стр. 45

فاسق وقاطع طريق على المُوبقات، نعوذ بالله من الخذلان» (١). تفرقته بين غلاة القدرية وغيرهم. كان الذهبي ﵀ كثيراً ما يفرق بين غلاة القدرية الذين كانوا ينفون علم الله بالحوادث قبل وقوعها، وبين القدرية الذين اقروا بالعلم لكنهم قالوا بأن الشرّ من خلق العباد. ولا ريب أن كلا المقولتين بدعة في الدين في رأي الذهبي وغيره من علماء السلف، لكن السلف كانوا يشددون كثيراً على غلاة القدرية، وكانوا يرون أن مقولتهم هذه مقولة كفرية. وأما الفريق الثاني فمقولتهم بدعة أيضاً، لكنها أخفّ من الأولى، وقد تورط في القول بها بعض كبار الأئمة. ــــــ يقول الذهبي ﵀: «قد لُطخ بالقدر جماعة، وحديثهم في «الصحيحين» أو أحدهما، لأنهم موصوفون بالصِّدق والأمانة» (٢). ــــــ ويقول في ترجمة الإمام الحافظ عبد الوارث بن سعيد العنبري، (ت: ١٨٠ هـ): «كان عالماً مجوِّداً من فصحاء

стр. 46

أهل زمانه، ومن أهل الدين والورع، إلا أنه قدري مبتدِع» (١). ــــــ وفي ترجمة الإمام الحافظ قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٧ هـ) يقول الذهبي: «كان يرى القَدَر - نسأل الله العفو. ومع هذا، فما توقَّف أحدٌ في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعلَّ الله يعذر أمثاله ممَّن تلبَّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكمٌ عدلٌ لطيفٌ بعباده، ولا يسأل عمَّا يفعل. ثمَّ إنَّ الكبير من أئمَّة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتِّباعه، يغفر له زلَله، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه. نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التَّوبة من ذلك» (٢). نقده للغلاة من كل الطوائف: وإن شئتم الحق فقد كان الحافظ الذهبي يمقتُ الغلو والغلاة من أي فئة كانوا، وكان يقول: «غلاة المعتزلة، وغلاة الشِّيعة، وغلاة الحنابلة، وغلاة الأشاعرة، وغلاة

стр. 47

المرجئة، وغلاة الجهمية، وغلاة الكرامية قد ماجت بهم الدنيا، وَكثروا، وفيهم أذكياء وعبّاد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التَّوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنّة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن» (١). تفرقته بين من كُفِّر ببدعة وبين الكافر الأصلي. هذا من إنصاف الذهبي واعتداله أنه كان يفرّق بين من كفره بعض العلماء بسبب بدعة قال بها وبين الكافر الأصلي كاليهودي والنصراني، ولا يرى أنهما في المنزلة سواء. وفي ذلك يقول: «من كُفِّر ببدعة وإن جلَّت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلّى وحجّ وزكي، وإن ارتكب العظائم وضلّ وابتدع، كمن عاند الرسول وعبد الوثن ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها» (٢). • • •

стр. 48

الفصل الثاني عشر تقريره أن العبرة في الرواة الصِّدق والإتقان وإن تلبسوا ببدعة فهو على سبيل المثال يقول عن بعض االرواة الذين قالوا ببدعة نفي القَدَر وأن أفعال الشرّ من خلق العبد نفسه، قال: «قد لُطِخَ بالقَدَر جماعةٌ، وحديثهم في (الصَّحيحين) أو أحدهما؛ لأنَّهم موصوفون بالصِّدق والإتقان» (١). ـــــــــ وأوضح هذا في موضع آخر فقال: «جميع تصرفات أئمّة الحديث، تؤذن بأن المبتدع إذا لم تبح بدعته خروجه من دائرة الإسلام، ولم تبح دمه، فإن قبول ما رواه سائغ. وهذه المسألة لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتَّضح لي منها: أن من دخل في بدعة، ولم يُعد من رؤوسها، ولا أمعن فيها، يقبل حديثه ...... » (٢). • • •

стр. 49

الفصل الثالث عشر نقده كثرة الخوض في دقائق العقائد ومعضلاتها لقد كان الحافظ الذهبي يكره كثرة الخوض والجدال في مضائق مسائل الاعتقاد وتفصيلاتها الدقيقة التي شاع البحث فيها في تلك الأزمنة، وشغلت وقتاً غير قصير من جهود العلماء وتفكيرهم، وكان يرى أن السكوت عن هذه المسائل أولى وأسلم، خاصة وأنها قد تسببت في كثيرٍ من الخصام والقلاقل والفتن بين علماء الأمة. ولنذكر بعض الشواهد الدالة على ذلك من كلام الذهبي: الشاهد الأول: مسألة هل الإيمان مخلوق؟ قال الذهبي: «وأما مسألة خلق الإيمان وعدمه، ففيها بحث ليس هذا موضعه، والسكوت أولى وأسلم» (١). الشاهد الثاني: مسألة رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج.

стр. 50

فقد ذكر الذهبي خلاف العلماء في المسألة، ثم رجّح التوقف فيها، وقال: «فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فإثبات ذلك أو نفيه صعبٌ، والوقوف سبيل السلامة، والله أعلم، وإذا ثبت شيء قلنا به، ولا نعنّف من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول: الله ورسولُه أعلم، بلى نعنّف ونبدِّع من أنكر الرؤية في الآخرة، إذ رؤية الله في الآخرة ثبتت بنصوص متوفرة» (١). الشاهد الثالث: مسألة إثبات الحدّ لله . فعندما ذكر الذهبي اختلاف العلماء في مسألة إثبات الحدّ لله ، قال: «الخوض في ذلك مما لم يأذن به الله، ولا أتى نصٌّ بإثبات ذلك ولا بنفيه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وتعالى الله أن يُحدّ أو يُوصف إلا بما وصف به نفسه أو علّمه رسله بالمعنى الذي أراد بلا مثل ولا كيف، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]» (٢).

стр. 51

ــــــ كرر هذا في موضع آخر فقال: «لم يأت نص بإثبات الحدّ ولا بنفيه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١). ــــــ وكرره كذلك في موضع ثالث، فقال: «الصواب الكفّ عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نصٌّ، ولو فرضنا أن المعنى صحيح، فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله، خوفاً أن يدخل القلب شيء من البدعة، اللهم احفظ علينا إيماننا» (٢). ــــــ وفي موضع رابع قال وهو يعلق على إنكار بعض العلماء على الإمام ابن حبان (ت: ٣٥٤ هـ) إنكاره للحد، فقال الذهبي: «إنكاره الحدّ وإثباتكم للحدّ نوع من فضول الكلام، والسكوت عن الطرفين أولى، إذ لم يأت نص بنفي ذلك ولا إثباته، والله تعالى ليس كمثله شيء … فمن نزَّه الله وسكت سلِم وتابع السلف» (٣). الشاهد الرابع: مسألة اللفظ بالقرآن. وهذه المسألة طال نزاع العلماء حولها، هل يصحّ أن يقال

стр. 52

لفظي بالقرآن مخلوق، أو لا يصح، ومع أن الذهبي شرح المسألة مراراً وأوضح وجه الصواب فيها من وجهة نظره (١)، إلا أن كان يرى أن الكفّ وترك الخوض في هذا الفصل أولى وأنه من حسن الإيمان لما يحويه من اللبس والإيهام، وكان يقرر أن الأمر المقطوع به أن القرآن كلام الله المنزّل غير مخلوق، وهذا يكفي (٢). وكان يقول: «في هذه المسألة بحوث طويلةٌ، الكفّ عنها أولى، ولا سيما في هذه الأزمنة المزمنة» (٣). الشاهد الخامس: عندما ترجم لصديقه ورفيقه في الطلب أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي (ت: ٧٤٢ هـ) صاحب كتاب تهذيب الكمال وغيره، قال: «وكان - المزيّ - يقرر طريقة السلف في السنّة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية، وجرى بيننا مجادلات ومعارضات في ذلك تركُها أسلم وأولى» (٤).

стр. 53

ما يكفى المؤمن اعتقاده في رأي الذهبي: وقد لخّص الإمام الذهبي ما يجب على المسلم اعتقاده من مسائل الإيمان، فقال: «يكفي المسلمَ في الإيمان أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والبعث بعد الموت، وأن الله ليس كمثله شيء أصلاً، وأن ما ورد من صفاته المقدسة حق، يمر كما جاء، وأن القرآن كلام الله وتنزيله، وأنه غير مخلوق، إلى أمثال ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ولا عبرة بمن شذّ منهم، فإن اختلفتِ الأمة في شيء من مشكل أصول دينهم، لزمنا فيه الصمت، وفوضناه إلى الله، وقلنا الله ورسوله أعلم، ووسعنا في السكوت» (١). • • •

стр. 54

الفصل الرابع عشر نهيه عن القول بالمسائل الشاذة والغريبة وقد قرر الحافظ الذهبي في هذه المسألة قواعد ذهبية، فقال: «ينبغي للمسلم أن يستعيذ من الفتن، ولا يشغب بذكر غريب المذاهب لا في الأصول ولا في الفروع، فما رأيتُ الحرَكة في ذلك تحصِّل خيراً، بل تثير شراً وعداوة ومقتاً للصُّلحاء والعبّاد من الفريقين، فتمسَّك بالسّنة، وألزم الصمت، ولا تخض فيما لا يعنيك، وما أشكل عليك فردَّه إلى الله ورسوله، وقفْ، وقل: الله ورسوله أعلم» (١). وكان من رأي الذهبي: أن الحديث وإن صحّ لا يُعمل به إلا بشروط منها: أن يكون سالماً من العلل القادحة، وألا يعارضه حديث صحيح آخر، وأن يعمل به إمام من أئمة الاجتهاد المعروفين، وألا يكون من الأحاديث التي أجمع أئمة الاجتهاد على ترك العمل بها (٢). وهذا - والله أعلم - لأن الحديث إذا أجمع الأئمة على ترك العمل به فهو إما أن يكون فيه علّة خفيّة تقدح في

стр. 55

صحته وإن كان ظاهره السلامة منها، أو يكون منسوخاً بنصوص أخرى. • • •

стр. 56

الفصل الخامس عشر توسطه في مسألة الاجتهاد والتقليد مسألة الاجتهاد والتقليد وقع فيها خلط وخبط بين كثير من طلبة العلم، وانقسموا فيها بين طرفي نقيض. فريق حرّم التقليد مطلقاً وأوجب الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة، وفتح باب الاجتهاد لكل من هب ودب من صغار طلبة العلم ونكراتهم، حتى قال بعضهم عن الأئمة: نحن رجال وهم رجال!! وفي مقابل هؤلاء: فريق أوجب التقليد، وحرّم الاجتهاد مطلقاً، وسدّ أبوابه جميعاً، أو جعل له شروطاً تعجيزية لا تتوفر حتى في كبار الأئمة!! أما الإمام الذهبي فله رأي وسطي في هذه المسألة، فهو يُسيغ النظر في النصوص والأدلة واستنباط الأحكام منها، لكنه يخصّ ذلك بمن تأهل وتبحر في علوم الشريعة، وبلغ رتبة الاجتهاد وامتلك أدواته بشهادة الأئمة له.

стр. 57

ــــــ ففي ترجمة الإمام مالك (ت: ١٧٩ هـ) ﵀، إمام دار الهجرة، نقل الذهبي عن بعض الشيوخ قوله: (إن الإمام لمن التزم تقليده، كالنبيّ مع أمّته، لا تحلّ مخالفته)!! ثم تعقبه الذهبي فقال: «قوله " لا تحل مخالفته " مجرد دعوى، واجتهاد بلا معرفة، بل له مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حجّته في تلك المسألة أقوى، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له» (١). ــــــ وفي ترجمة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، ينعى الذهبي على المقلدين من العلماء، ويقول: «كلُّ إمام يؤخذ من قوله ويُترك إلا إمام المتقين الصادق المصدوق الأمين المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، فيا لله العجب من عالم يقلّد دينه إماماً بعينه في كل ما قال، مع علمه بما يرِد على مذهب إمامه من النصوص النبوية فلا قوة إلا بالله» (٢). وكان يقول أيضاً: «ما يتقيّد بمذهب واحدٍ إلا من هو قاصر في التمكن من العِلم كأكثر علماء زماننا، أو من هو متعصِّب» (٣). ــــــ لكن الذهبي يضع للاجتهاد شروطاً ولا يفتح بابه للناس جميعاً، ففي ترجمة الإمام ابن حزم الأندلسي

стр. 58

الظاهري، (ت: ٤٥٦ هـ)، نقل الذهبي عن ابن حزم قوله: «أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيّد بمذهب». ثم تعقبه فقال: «نعم من بلغ رُتبة الاجتهاد، وشهد له بذلك عدةٌ من الأئمة، لم يسُغ له أن يقلِّد، كما أن الفقيه المبتدئ والعامي الذي يحفظ القرآن أو كثيراً منه، لا يسوغ له الاجتهاد أبداً، فكيف يجتهد، وما الذي يقول؟ وعلام يبني؟ وكيف يطير ولمّا يريِّش؟ والقسم الثالث: الفقيه المنتهي اليقظ الفهِم المحدّث، الذي قد حفظ مختصراً في الفروع، وكتاباً في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل، مع حفظه لكتاب الله، وتشاغل بتفسيره، وقوة مناظرته، فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيّد، وتأهل للنظر في دلائل الأئمة، فمتى وضح له الحقّ في مسألة وثبت فيها النص وعمل بها أحد الأئمة الأعلام، كأبي حنيفة مثلاً أو كمالك أو الثوري أو الأوزاعي أو الشافعي وأبي عُبيد وأحمد وإسحاق، فليتبع فيها الحقّ، ولا يسلك الرُّخص، وليتورع ولا يسعه فيها بعد قيام الحجة عليه تقليدٌ» (١)؟!

стр. 59

الفصل السادس عشر نقده لعلل وأدواء طلبة العلم في زمانه وقد أفرد الذهبي لذلك رسالة صغيرة ماتعة عنوانها: "بيان زَغَل العلم"، وبعض المصادر تسميها: "رسالة فيما يُذم ويُعاب في كل طائفة". وفي هذه الرسالة فصّل الذهبي القول في كثيرٍ من علل طلبة العلم وأدوائهم، خاصة الشرعيين منهم على اختلاف تخصصاتهم، بحكم أنه واحدٌ منهم، عالمٌ بأحوالهم. ــــــ فهو يأخذ على كثيرٍ من القرّاء إفراطهم في مراعاة قواعد التجويد والتلاوة إلى حد التنطع والمبالغة، كتفخيم الحروف وترقيقها، وتتبع غرائب القراءات الشاذة والتطريب الزائد، ولو كان ذلك على حساب التدبر والخشوع وحضور القلب وإهمال العمل الذي هو لبّ القراءة وثمرتها (١).

стр. 60

ــــــ وأما الفقهاء فيأخذ الذهبي على كثيرٍ منهم: إهمالهم العناية بالسنّة النبوية، وعدم معرفتهم صحيحها من سقيمها. كما أخذ على بعضهم تعصّبهم لمذاهبهم، وإن خالفت صريح النصوص، ومعارضة بعضهم النصّ الصحيح بالرأي الفاسد والقياس البعيد. فضلاً عن انشغال الكثيرين منهم بالجدال والمناظرة وترتيب الأدلة ومداهنة الأمراء وطلب الرئاسة والتكبر بالعِلم، في الوقت الذي يُعرِضون فيه عن ذكر الله وتلاوة القرآن وإخلاص النيَّة وأداء السُّنن وما يرقّق القلوب ويذكر بالآخرة (١). ــــــ وأما أهل الحديث فغالبهم عند الذهبي: (لا يفهمون، ولا هِمَّة لهم في معرفة معاني الحديث، ولا في التدين به ..... إنما همَّتهم في السَّماع على الشيوخ، وتكثير العدد من الأجزاء والرواة، لا يتأدبون بآداب الحديث، ولا يستفيقون من سَكْرة السَّماع .... ) (٢). والذهبي لا يقصد بأهل الحديث هنا أئمته الكبار، وإنما يقصد

стр. 61

من اكتفى منهم برواية الأحاديث وكتابتها ونقلها وأهمل التفقه في معانيها وتدبر ما تدل عليه من أحكام وفوائد. ــــــ وأما النحاة واللغويون، فيقول عنهم: «النحويون لا بأس بهم، وعملهم حسنٌ يُحتاج إليه، لكن النحوي إذا أمعن في العربية، وعري من علم الكتاب والسنة، بقي فارغاً بطالاً لعَّباً» (١). وهكذا يمضي الذهبي في رسالته هذه في نقد بقية أرباب العلوم على اختلاف اختصاصاتهم وبيان ما لهم من فضل فيشيد به وما عليهم من مآخذ فينبه عليها، وكل قصده من وراء هذا النقد الارتقاء بتلك العلوم والدفع بها وبأصحابها إلى ما هو أفضل.

стр. 62

الفصل السابع عشر دعوته إلى ترك التحدث بمسائل العلم التي قد تضرّ العامة في دينهم يقول ﵀: «ينبغي للمُحدّث ألا يُشهر الأحاديث التي يتشبث بظاهرها أعداء السنن من الجهمية، ..... وأهل الأهواء، والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت، فإنك لن تحدث قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم، ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليك، أو الذين يفهمون منه ما يضرهم» (١). ــــــ وقد أوضح الذهبي هذه القضية في موضع آخر فقال تتميماً للكلام السابق: «وقد قال علي ﵁: حدِّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون (٢). وقد صحّ أن أبا هريرة كتم حديثاً كثيراً مما لا يحتاجه المسلم في دينه، وكان يقول: "لو بثثته فيكم

стр. 63

لقطع هذا البلعوم" (١). وليس هذا من باب كتمان العلم في شيء، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره، وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء. والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره: علم الأوائل وإلهيات الفلاسفة وبعض رياضتهم بل أكثره، وعِلم السحر، والسيمياء، والكيمياء، والشعبذة، والحيل، ونشر الأحاديث الموضوعة، وكثير من القصص الباطلة أو المنكرة، وسيرة البَطَّال المختلقة، وأمثال ذلك، ورسائل إخوان الصفا، وشعر يعرَّض فيه إلى الجناب النبوي، والعلوم الباطلة كثيرة جداً فلتحذر، ومن ابتلي بالنظر فيها للفرجة والمعرفة من الأذكياء فليقلل من ذلك، وليطالعه وحده، وليستغفر الله تعالى، وليلتجئ إلى التوحيد، والدعاء بالعافية في الدين، وكذلك أحاديث كثيرة مكذوبة وردت في الصفات لا يحل بثها إلا التحذير من اعتقادها، وإن أمكن إعدامهما فحسب. اللهم فاحفظ علينا إيماننا، ولا قوة إلا بالله» (٢).

стр. 64

الفصل الثامن عشر تحذيره من الغلو في العبادة كان الذهبي ﵀ كثيراً ما ينهى عن الغلو في العبادة، لمخالفة ذلك للسنّة أولاً، ولأنه غالباً ما يفضي إلى تضييع عبادات أخرى لا تقلّ أهمية عنها. ــــــ وعلى سبيل المثال: عندما نقل بعضُ الرواة عن الإمام الحافظ وكيع ابن الجراح (ت: ١٩٦ هـ) أنه كان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة!! أنكر ذلك الذهبي وقال: «قد صحّ نهيُه ﵇ عن صوم الدَّهر، وصحّ أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث، والدِّين يسرٌ، ومتابعة السنّة أولى» (١). ــــــ وعندما ذكر الذهبي حديث النهي عن قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث ليالٍ، علَّق قائلاً: «أقلُّ مراتب النَّهي أن تكره تلاوة القرآن كلِّه في أقلَّ من ثلاثٍ، فما فقُه ولا تدبَّر من تلا في أقلَّ من ذلك.

стр. 65

ولو تلا ورتَّل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملاً فاضلاً، فالدين يسرٌ، فوالله إنَّ ترتيل سُبع القرآن في تهجُّد قيام اللَّيل مع المحافظة على النوافل الرَّاتبة، والضُّحى، وتحيَّة المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المَكتوبة والسَّحر، مع النَّظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدُّعاء والاسْتغفار، والصَّدقة وصلة الرَّحم، والتَّواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغلٌ عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتَّقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كلِّ يوم، فقد خالف الحنيفيَّة السَّمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبَّر ما يتلوه .... إلى أن قال: وكلُّ من لم يزمَّ نفسه في تعبُّده وأوراده بالسنَّة النبويَّة، يندم ويترهَّب ويسوء مزاجه، ويفوته خيرٌ كثيرٌ من متابعة سنَّة نبيِّه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلماً للأمَّة أفضل الأعمال، وآمراً بهجر التَّبتل والرهبانيَّة التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصَّوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر اللَّيل إلاّ في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك

стр. 66

من الأوامر والنَّواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجورٌ، والعابد العالم بالآثار المحمديَّة، المتجاوز لها مفضولٌ مغرورٌ، وأحبُّ الأعمال إلى الله -تعالى - أدومها وإن قلَّ» (١). ــــــ وقد تحدّث الذهبي في غير ما موضع عن خطر وخطل ما يفعله بعض العبّاد من المبالغة في إيذاء أنفسهم بالجوع والسهر وحرمانها من تناول الأطعمة الطيبة بحجة الزهادة، وأوضح أن ذلك كثيراً ما يفضي إلى اختلال العقل وفتح باب الشك والوسوسة واضطراب الحواس. يقول ﵀: «من بالغ في الجوع - كما يفعله الرُّهبان - ورفض سائر الدُّنيا ومألوفات النَّفس من الغذاء والنَّوم والأهْل، فقد عرَّض نفسه لبلاءٍ عريض، وربما خُولط في عقله، وفاته بذلك كثيرٌ من الحنيفية السَّمحة، وقد جعل الله لكلِّ شيء قدراً. والسَّعادة في متابعة السُّنن، فزن الأمور بالعدل، وصم وأفطر، ونَم وقم، وألزم الورع في القوت، وارض بما قسم الله لك، واصمت إلا من خير» (٢).

стр. 67

الفصل التاسع عشر توقيره للنبي ﷺ بين الغلو والجفاء للذهبي كلام نفيس في مسألة وجوب توقير النبي ﷺ في حدود المسموح به شرعاً، فلا غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، يقول ﵀: «لو روى الشخص حديث: أن النبي ﷺ سُحِرَ، وحاول بذلك تنقصاً كفر وتزندق، وكذا لو روى حديث أنه: سلَّم من اثنتين، وقال: ما درى كم صلى! يقصد بقوله شينه ونحو ذلك كفر، فإن النبي ﷺ قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فالغلو والإطراء منهي عنه، والأدب والتوقير واجب، فإذا اشتبه الإطراء بالتوقير توقف العالم وتورع، وسأل من هو أعلم منه حتى يتبين له الحق، فيقول به، وإلا فالسكوت واسع له، ويكفيه التوقير المنصوص عليه في أحاديث لا تحصى، وكذا يكفيه مجانبة الغلو الذي ارتكبه النصارى في عيسى، ما رضوا له بالنبوة حتى رفعوه إلى الإلهية وإلى الوالدية، وانتهكوا رتبة الربوبية الصمدية، فضلوا وخسروا، فإن إطراء رسول الله ﷺ يؤدى إلى إساءة الأدب على الرب، نسأل الله تعالى أن يعصمنا بالتقوى، وأن يحفظ علينا حبنا للنبي ﷺ كما يرضى» (١).

стр. 68

الفصل العشرون توسطه في مسألة الأسماء والصفات كان الإمام الذهبي ﵀ في مسألة أسماء الله وصفاته يسير على منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، لا يؤِّول ولا يشبّه، وكان يقول: «نعوذ بالله من التشبيه ومن إنكار أحاديث الصِّفات، فما يُنكر الثابت منها من فقُه، وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامانِ مذمومان: تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب، فما أوّلها السلف، ولا حرّفوا ألفاظها عن مواضعها، بل آمنوا بها، وأمروها كما جاءت. المقام الثاني: المبالغة في إثباتها، وتصوّرها من جنس صفات البشر، وتشكّلها في الذهن، فهذا جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف لم نره، ولا أخبرنا أحدٌ أنه عاينه مع قوله لنا في التنزيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ، تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدَّسة، نقرّ بها ونعتقد أنها حق، ولا نمثلها أصلاً ولا نشكِّلها» (١).

стр. 69

ــــــ بيد أن الذهبي وبالرغم من ترجيحه لطريقة السلف الصالح في إثبات الصفات الإلهية دون تشبيه أو تأويل أو تكييف، إلا أنه لم يكن يكفّر القائلين بتفويض معاني بعض تلك الصفات أو تأويلها بقصد تعظيم الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين، وكان يرى التماس العذر لهؤلاء. فقد نقل في ترجمة أبي العباس السراج (ت: ٣١٣ هـ) أنه قال: «من لم يُقرّ بأن الله تعالى يعجبُ ويضحكُ وينزلُ كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: من يسألني فأعطيَه، فهو زنديق كافرٌ، يستتاب، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين»!! ثم تعقّبه الذهبي وردّ عليه قائلاً: «لا يُكفّر، إلا إن علم أن رسول الله ﷺ قاله، فإن جحد بعد ذلك فهذا معاند، نسأل الله الهدى، وإن اعترف أن هذا حق، ولكن قال: لا أخوض في معانيه، فقد أحسن، وإن آمن وأول ذلك كله أو تأول بعضه فهو طريقة معروفة» (١).

стр. 70

ــــ وعندما ذكر الخلاف في إثبات كلام الله تعالى حقيقة بحرف وصوت قال: «الذي أعتقده ما صحّ به النّصّ، وهو أنّ الله كلّم موسى تكليما، وسمع موسى كلامَ الله حقيقة بأذنه، وما عدا هذا لا أخوض فيه، ولا أكفّر من خاض فيه مِنْ الطّرفين» (١). ـــــ وقد وصف الذهبي حال المثبتين للصفات والمؤولين لها فقال: «ما قصدهم إلا تعظيم الباري من الطرفين، ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنّة، وهذا هو مذهب السلف ﵃» (٢). وهذا يدل على أن الذهبي كان يرجح مذهب الإثبات مع نفي التشبيه، لكنه كان يلتمس العذر للمخالفين الذين قصدوا تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين وإن كانوا قد أخطؤوا الطريق. ــــــ وكان الذهبي كثيراً ما يكرر هذه العبارة: «نرجو لكل من بذل جهده في طلب الحق أن يُغفر له من هذه الأمة المرحومة» (٣).

стр. 71

الخاتمة إذن فقد كان مقصود هذا البحث هو الإسهام في حلّ معضلة الغلو الديني وتفكيك بنيته، بعد أن تسبب في كثير من أزمات الأمة، وكان من أسباب جمودها وتخلفها وتأخرها عن الالتحاق بركب الازدهار والنمو والتفوق. وتفكيك هذا الفكر كما قدمت له أدوات مختلفة، من هذه الأدوات مواجهته بالفكر الوسطي المعتدل لدى كبار علماء الأمة وأعلامها، ممن يحظون باحترام وثقة وتقدير بين المسلمين. وقد وقع اختيار البحث على أحد هؤلاء الأئمة الأعلام، وهو الإمام الحافظ الجليل والناقد المؤرخ الكبير شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، أحد أئمة الحديث النبوي وأساطينه وحامل رايته وناشر علومه بشهادة كبار علماء الأمة ممن عاصروه أو جاءوا بعده.

стр. 72

وقد أبرز البحث الكثير من أفكار القصد والاعتدال التي دعا إليها الذهبي ووثقها من كتبه. وأبرز أيضاً أن الذهبي وبالرغم من قصده واعتداله إلا أنه لم يكن رجلاً متساهلاً في دينه ولا متهاوناً في عقيدته، بل لقد كان عالماً سُنيّاً ربانياً، يجري على قانون السّلف الصالح في التمسك بالكتاب والسنّة والذبّ عنهما والدعوة إليهما، معظماً للحديث وأهله، وكان يقول: «لولا الحُفَّاظ الكبار، لخطبت الزنادقة على المنابر» (١). وكان يقول أيضاً: «إذا رأيت المتكلم يقول: دعنا من الكتاب والسنّة، وهات ما دلّ عليه العقل، فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت العارف يقول: دعنا من الكتاب والسنّة والعقل، وهات الذوقَ والوجد، فاعلم أنه شرٌّ من إبليس، وأنه ذو اتحاد وتلبيس» (٢). نعم لقد أبرز البحث أن الذهبي كان حازماً وصارماً تجاه الانحرافات الواضحة والبدع الجليّة المصادمة للكتاب والسنّة، ينقد أصحابها ويرد عليهم ويكشف عن مساوئهم، من صوفية غالية، وباطنية بغيضة، ومعطلة ومجسمة وخوارج وفلاسفة وقرامطة ومشعوذين متلاعبين باسم الدين ....

стр. 73

لكنه في الوقت نفسه لم يكن يرى الإسراف في المواقف ولا الشطط في النقد، بل كان يحب المهل والريث، وكان يحب للأمور أن توزن بميزان القسط والعدل الذي أمر الله به في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]، دون إفراط أو تفريط، أو وكس أو شطط. وقد لاحظ البحث أيضاً أن معظم المآخذ التي كان يوجهها الحافظ الذهبي لبعض علماء زمانه منذ ثمانمائة عام تقريباً لا تزال باقية حتى اليوم كما هي لم تتغير أو تتحسن كثيراً، الأمر الذي ينذر بخطر، ويدل على أن عجلة الإصلاح الديني عندنا لا تزال تسير في بطء شديد وتعثّر، إن لم تكن متوقفة، برغم حاجة الأمة للإصلاح، وبرغم كثرة الزلازل العنيفة التي أصابتها وهزت كيانها من الداخل والخارج. فنسأل الله معونته وتوفيقه وسداده، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

стр. 74

فهرس المصادر والمراجع ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، (مكتبة ابن تيمية، طبعة ٢). ابن عبد البر، يوسف بن عبد البر المالكي، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، (المغرب: وزارة عموم الأوقاف، د. ط، ١٩٦٧ م). ابن قدامة، عبد الله بن أحمد المقدسي، المغني، (القاهرة: مكتبة القاهرة، د. ط، ١٩٦٨ م). ابن كثير، إسماعيل بن عمر الدمشقي، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د. ط، ١٩٨٨ م). ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، السنن، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء الكتب العربية، د. ط، د. ت). أحمد بن محمد بن حنبل، المسند، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ).

стр. 75

الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الجامع الصغير، (بيروت: المكتب الإسلامي، د. ط، د. ت). الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن الترمذي، (بيروت: المكتب الإسلامي، د. ط، ١٩٩١ م). المناوي، عبد الرؤوف، فيض القدير بشرح الجامع الصغير، (مصر: المكتبة التجارية، د. ط، ١٣٥٦ هـ). البخاري، محمد بن إسماعيل، الصحيح، تحقيق: مصطفى البُغا، (بيروت: دار ابن كثير، د. ط، ١٩٨٧ م). بشار عوّاد معروف، الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، د. ط، ٢٠٠٨ م). الترمذي، محمد بن عيسى، السنن، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرين، (مصر: شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي، ط ٢، ١٩٧٥ م). الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، (دار الكتاب العربي، بيروت،) ط ٢، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م. الذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفاظ، تصحيح:
следующие страницы →