← Тараджим

Тараджим · id 1046

الإنصاف والاعتدال عند الحافظ الذهبي

هانى فقيه

Полный текст (77 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

محتويات البحث بين يدي البحث. لماذا اخترت الذهبي؟ الذهبي في سطور. منهجي في البحث وصعوباته والدراسات السابقة. الفصل الأول: إنصافه في تراجمه. الفصل الثاني: تحذيره من سفك الدماء. الفصل الثالث: ذمه الشديد للخوارج وإنصافه في الحكم عليهم. الفصل الرابع: تحذيره من المسارعة إلى التكفير بغير برهان قطعي. الفصل الخامس: تحذيره من التكفير بسبب الاختلاف في فروع العقائد. الفصل السادس: تحذيره من التبديع والتضليل لأجل زلة أو هفوة. الفصل السابع: دفاعه عن الأئمة والتماس الأعذار لهم. الفصل الثامن: دعوته إلى وجوب المحافظة على الأخوة برغم الخلاف. الفصل التاسع: تقريره بأن كلام الأقران يطوى ولا يروى. الفصل العاشر: دعوته إلى ترك الإغراق في صراعات التاريخ وإشعال نار العداوات بسببها.

стр. 2

الفصل الحادي عشر: تمييزه بين مستويات البدعة وتفرقته بين الغلاة وغيرهم. الفصل الثاني عشر: تقريره بأن العبرة في الرواة الصدق والإتقان وإن تلبسوا ببدعة. الفصل الثالث عشر: نقده كثرة الخوض في مضائق العقائد وتفصيلاتها الدقيقة. الفصل الرابع عشر: نهيه عن القول بالمسائل الشاذة والغريبة. الفصل الخامس عشر: توسطه في مسألة الاجتهاد والتقليد. الفصل السادس عشر: نقده لعلل وأدواء طلبة العلم. الفصل السابع عشر: دعوته إلى ترك التحدث بمسائل العلم التي تضرّ العامة. الفصل الثامن عشر: تحذيره من الغلو في العبادات. الفصل التاسع عشر: توقيره للنبي ﷺ بين الغلو والجفاء. الفصل العشرون: توسطه في مسألة الأسماء والصفات.

стр. 3

بين يدي البحث لعل من أبرز القضايا التي تشغل المجتمعات الإسلامية اليوم، قضية نقد الفكر الديني المتطرف وتفكيك بنيته، بعد أن اكتوت كثيرٌ من أقطاره بنيرانه، وتسبب في مزيد من أزماته واختناقاته داخلياً وخارجياً على مرّ العصور. إن نقد الفكر الديني المتطرف وإضعافه له أدوات مختلفة ووسائل متنوعة، منها: مواجهته بما يقابله من الفكر الوسطي المعتدل لدي كبار علماء الأمة وأعلامها، ممن يحظون باحترام وثقة وثقل وتقدير بين المسلمين. وقد رأيت أن أسلط الضوء في بحثي هذا على أحد أبرز هؤلاء الأعلام ممن عرفوا بقصدهم واعتدالهم ووسطيتهم وسعيهم للم الشمل والتماس الأعذار ونقدهم لكثير من أفكار الغلو والتطرف البعيدة عن تعاليم الإسلام السمحة وقيمه النبيلة. هذا العالم هو: الإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨ هـ رحمه الله تعالى.

стр. 4

من الذهبي ولماذا اخترته؟ وربما تساءل البعض: لماذا اخترت الذهبي من بين سائر الأئمة؟ وجواباً عن هذا السؤال أقول: إن منهج الاعتدال والوسطية هو السِّمة الغالبة على علماء الأمة منذ صدر الإسلام وعبر عصوره حتى يومنا هذا إلا من شذ وندر. وإنما اخترت الذهبي لأسباب ثلاثة: السبب الأول: يعود إلى أن الذهبي قد ترك لنا في هذا الباب تقعيدات مهمة وتأصيلات قيّمة، تجدر دراستها وإدارة حديث جاد حولها للإفادة منها. السبب الثاني: أن هذه التأصيلات والتقعيدات صادرةٌ عن إمام كبير، وحافظ ناقد قدير، قد عرف علمه العلماء ودان لمكانته المحدثون والفقهاء، فضلاً عمّا عُرف به من الديانة والورع، فكلامه له وزنه وقيمته وتأثيره، وإن كنّا لا ندعي العصمة له ولا لغيره من علماء المسلمين.

стр. 5

السبب الثالث: أن الذهبي ﵀ لم يترك لنا في موضوع الاعتدال والوسطية كتاباً مستقلاً أو فصلاً مفرداً، وإنما هي تعقيبات وتعليقات متفرقة كان يبثها وينثرها في مختلف كتبه كلّما عنّت لها حاجة أو طرأت لها مناسبة. إن الإمام الحافظ الذهبي لم يكن مجرد مؤرخ ينقل أخبار من تَقَدّم فحسب، بل كان كثيراً ما ينقد ما ينقل ويعقّب ويعلّق على كل ما لا يراه صحيحاً أو مخالفاً للشرع أو العقل أو خارجاً على حدّ الذوق العام أو ما فيه مبالغة ومجازفة ظاهرة، فضلاً عن نقده للكثير من الكتب والمصادر التي يطالعها وينقل عنها. ولعل هذه الخصلة هي أهم ما تتجلى فيه قيمة كتب الحافظ الذهبي، أعني هذه التعليقات والتعقيبات والتصويبات التي كان يبثها بين الحين والآخر، وإلا فإن ما يذكره من معلومات وحوادث قد تكون متاحة في بقية كتب التراجم والتاريخ الأخرى. ولأجل هذه الأسباب كلها جاءت هذه المحاولة المتواضعة من كاتب هذه السطور في جمع ما تفرق من كلام الذهبي ولم شتاته

стр. 6

وتبويبه وتوثيقه فيما يخص موضوع الإنصاف والاعتدال فحسب، وإن كنت لا أزعم الاستيعاب والتقصي، وقد تكون فاتتني بعض المواضع مما هو من طبع البشر.

стр. 7

الذهبي في سطور (١): ولعله من المفيد قبل أن نبحر مع الإمام الذهبي وأفكاره أن نعرّف به أولاً ولو بشكل مختصر جداً، ونوضّح شيئاً من مكانته العلمية الرفيعة. وإن شئتم الحق فالتعريف بالذهبي يطول جداً، والكلام عن علمه وفضله قد يكون له بداية وليس له نهاية. وباختصار أقول: الذهبي هو: ١ ــ الإمام الحافظ الناقد المؤرخ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي الدمشقي الشافعي. ٢ ــ كان مولده في مدينة دمشق سنة: ٦٧٣ هـ، وعلى ترابها نشأ وترعرع وطلب العلم. ٣ ــ طوَّف الإمام الذهبي في مختلف البلدان والأقطار، والتقى بأكثر شيوخ العالم الإسلامي في وقته وأخذ عنهم، وقد عرّف

стр. 8

بشيوخه هؤلاء في مؤلف ضخم مطبوع في مجلدين كبيرين، سماه: "معجم الشيوخ"، وله كتاب آخر اقتصر فيه على شيوخه في الحديث، سماه: "المعجم المختص بالمحدثين". ٤ ــ بَرَع الإمام الذهبي في العديد من العلوم، وتقلّد مناصب علمية رفيعة، وانصبّ اهتمامه الأكبر على فنون الحديث والتاريخ ونقد الرواة، وحول هذه الموضوعات الثلاثة أخرج أروع كتبه ومؤلفاته. ٥ ــ تجاوزت مؤلفات الذهبي الثلاثمائة مؤلف، ما بين مطول ومختصر ومتوسط الحجم، ومن أشهر مؤلفاته: مدونته الكبرى: "تاريخ الإسلام"، والتي تجاوزت الخمسين مجلداً، وكتابه "سير أعلام النبلاء"، الذي طبع في خمس وعشرين مجلداً ضخماً، و"تذكرة الحفاظ"، و"ميزان الاعتدال في نقد الرجال" وغيرها من المؤلفات. ٦ ـ تبوأ الذهبي منزلة رفيعة في علم الحديث والتاريخ، ويكفي أن الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، صاحب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، وهو من هو في العلم والحفظ والمعرفة، ذكر

стр. 9

أنه شرب من ماء زمزم سائلاً الله أن ينال مرتبة الذهبي وبراعته في الرسوخ في العلم (١). ٧ ــ وقد أثنى على الذهبي وأشاد بعلمه وفضله كلُّ من عاصره أو جاء بعده من أهل العلم والمؤرخين، كعَلَم الدين البرزالي (٧٣٩ هـ)،، وصلاح الدين الصَّفدي (٧٦٤ هـ)، والحُسيني (٧٦٥ هـ)، وابن السبكي (٧٧١ هـ)، وابن كثير (٧٧٤ هـ)، وابن ناصر الدين الدمشقي (٨٤٢ هـ)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، وبدر الدين العيني (٨٥٥ هـ)، والسخاوي (٩٠٢ هـ) وجلال الدين السيوطي (٩١١ هـ)، والعلامة الشوكاني (١٢٥٠ هـ)، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، ولا أرى حاجة لنقل كلامهم طلباً للاختصار والإيجاز (٢). ٨ ـــ ومع أن الذهبي عاش في عصر كثر فيه الجمود الفكري والتعصب المذهبي إلا أنه استطاع التخلص من كثير من ذلك بفضل سعة علمه وفطنته وبعد نظره وإنصافه.

стр. 10

وقد أشار إلى هذه الخصلة الحميدة فيه تلميذُه المؤرخ الناقد صلاح الدين الصَّفدي (ت ٧٦٤ هـ) عندما قال عنه: "لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة (١) النقلة، بل هو فقيه النظر، له دُربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات" (٢).

стр. 11

منهجي في البحث وصعوباته والدراسات السابقة: وأما عن منهجي في البحث: فقد قمت بجمع ما وقفتُ عليه من كلام الحافظ الذهبي مما يخصّ موضوع الكتاب فحسب (١)، ثم صنّفت كلامه ووثّقته وبوّبته ووضعت له ما يناسبه من عناوين جانبية. ولم أر داعيا لإطالة البحث أو إثقال حواشيه بشرح كلام الذهبي أو نقل ما يشهد له من النصوص أو من كلام الأئمة إلا في القليل النادر. فكلام الذهبي واضح جداً، ولو فتحت باب الشرح والتعليق لطالت ذيول البحث وتشعبت فصوله وخرج عن مقصوده. أيضاً قد يكرر الذهبي بعض الآراء والأفكار في مواطن عدة من كتبه بحسب الحاجة والمناسبة، وفي هذه الحال قد أكتفي ببعض الشواهد من كلامه، وأترك الأخرى خشية الإطالة.

стр. 12

وعلم الله أني قد اضطررت في سبيل جمع هذه المادة إلى مطالعة وجرد معظم كتب الذهبي الكبار، من أمثال مدونته الكبرى: تاريخ الإسلام بمجلداتها التي زادت على الخمسين مجلداً، وكتابه العظيم: سِيَر أعلام النبلاء، وكتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ومعجم الشيوخ الكبير، والمعجم المختص بالمحدثين، والعِبَر في أخبار من غَبَر، وتذكرة الحفاظ، وبيان زَغَل العلم. هذه أهم كتب الذهبي، وقد تكون له تعليقات في ثنايا كتبه الأخرى، لكني أتصور ندرتها فتركتها، والله أعلم. ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الباحثين كان قد سبقني في جمع شيء من كلام الذهبي وتعليقاته، لكني وجدتها كتباً عامة جمعت من كلام الذهبي وآراءه قضايا متنوعة، تتعلق بالآداب والسلوك وضرورة لزوم سنة النبي ﷺ ومحبته وتعظيم العلماء، أو كلاماً يتعلق بتحقيق مسائل في السيرة أو التاريخ أو العقيدة أو الفقه، فضلاً عن كونها لم تستقرء كتب الذهبي وقد فاتها الشيء الكثير. هذا وقد كنت عزمت على تسمية كتابي هذا بالوسيطة في

стр. 13

فكر الحافظ الذهبي، لكني عدلت إلى تسميته بـ "الإنصاف والاعتدال في فكر الحافظ الذهبي" لأني رأيت الذهبي نفسه قد استعمل هذه العبارة عندما ذكر اختلاف بعض الناس في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بين غال في حبِّه أو مفرط في بغضه، فقال الذهبي ﵀ معلقاً: «فبالله كيف يكون حال من نشأ في إِقليم، لا يكاد يُشاهد فيه إِلاَّ غالياً في الحبِّ، مفرطاً في البغض، ومن أين يقع له الإِنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية … » (١). ولعلي أختم هذا المقدمة بما ختم به الحافظ الذهبي مقدمة كتابه تاريخ الإسلام عندما قال: (وأنا أرغبُ إلى الله تعالى، وابتهلُ إليه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يغفر لجامِعة وسامِعه ومطالِعه وللمسلمين، آمين) (٢).

стр. 14

الفصل الأول إنصافه في تراجمه لعل من أبرز السمات التي لا تخطئها العين في منهج الإمام الذهبي وفي مسيرته العلمية إنصافه الشديد لكل من ترجم له أو كتب عنه من الأعلام والمشاهير حتى وإن كانوا يختلفون معه في المذهب أو المعتقد. إن كل من يطالع تراجم الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء أو تاريخ الإسلام أو تذكرة الحفاظ أو ميزان الاعتدال أو غيرها تجده لا يفرق في النقد بين علماء المذاهب وأرباب الطوائف وبيان ما لهم وما عليهم، سواء كانوا ممن يتفقون معه أو يختلفون. فالذهبي ينقل عادة آراء الموافقين والمخالفين في العَلَمِ المترجَم، حتى يقدم صورة متكاملة عنه من كل جانب. بينما نجد كثيراً من الكتاب والمؤرخين قديماً وحديثاً يتأثرون بمذاهبهم ومشاربهم واختلاف توجهاتهم وأمزجتهم عند الحديث عن غيرهم، فيقتصرون إما على التبجيل والمدح

стр. 15

أو على الذم والقدح، بحسب قرب المترجَم أو بعده عن مذاهبهم ومعتقداتهم وقناعاتهم الشخصية. وشواهد الإنصاف كثيرة في كتب الذهبي، اكتفي منها بثلاثة طلباً للاختصار. الشاهد الأول: موقفه من الإمام أبي حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، صاحب كتاب إحياء علوم الدين، وأحد أبرز منظري الصوفية وزعماء الأشاعرة. لقد انتقد الإمام الذهبي أبا حامد الغزالي كثيراً وأبدى جملة من الملحوظات عليه، خاصة في باب التصوف واستدلاله بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبه دون علم له بذلك، لكن ولأن الغزالي له جهود كبيرة في نشر علوم الشريعة، والتصدي لكثير من الفرق الضالة والمنحرفة كالباطنية والفلاسفة فقد أنصفه الذهبي وعرف له فضله وقدره وصدّر ترجمته بقوله في السير: «الشيخ الإمام البحر، حجّة الإسلام، أعجوبة الزمان، زين الدين، أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الشافعي الغزالي صاحب التصانيف والذكاء المفرط» (١).

стр. 16

وقال منصفاً كتابه الإحياء: «وأما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثيرٌ، لو لا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علماً نافعاً» (١). وقال أيضاً مدافعاً عن الغزالي: «الغَزالي إمامٌ كبير، وما من شَرط العالِم أنهُ لا يخطئ» (٢). وقد ختم ترجمته بقوله: «فرحم الله الإمام أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندَّعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول» (٣). وقد عدَّه من العلماء المجددين في القرن الخامس (٤). وما من شك أن موقف الذهبي هذا يعد غاية في الوسطية والاعتدال حيث لم يمنعه نقده للإمام الغزالي في بعض المسائل الشرعية من إنصافه والإقرار بعلمه وفضله، مع تصريحه بأن العالم في المنظور الإسلامي ليس من شرطه أنه لا يخطئ البتة، فليس في الإسلام كهنة ولا أئمة معصومون، وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا

стр. 17

صاحب هذا القبر ﷺ كما يقول الإمام مالك بن أنس (١). الشاهد الثاني: موقف الحافظ الذهبي من الإمام ابن حزم الأندلسي الظاهري (ت: ٤٥٦ هـ)، صحاب كتاب المحلى وغيره. فقد أثنى الذهبي في كتبه على ابن حزم ﵀، ووصفه بالإمامة والحفظ والتدين والتبحر في علوم الدين، مع أنه انتقده في الوقت نفسه بقسوة في مسائل شرعية كثيرة في الأصول والفروع، خاصة في تأثره بعلوم المنطق والفلسفة في باب الاعتقاد، وظاهريته المفرطة في الفقه، ولهجته الحادة في نقد الأئمة. وقد ترجم الذهبي له في ثمان وعشرين صفحة من القطع الكبير من كتابه سير أعلام النبلاء وختم ترجمته بقوله: (ولي أنا ميل إلى أبي محمد ـــ يعني ابن حزم ـــ لمحبته في الحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أُكفره ولا أُضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه وسَعَة علومه) (٢).

стр. 18

وفي تصوري أن هذا الموقف من الإمام الذهبي يعد غاية الغايات في باب التسامح والاعتدال والوسطية، والنظر إلى المخالِف بعين الإنصاف، والدعوة إلى عدم التهور في تكفير المسلم ورميه بالضلال لأجل زلّة أو اجتهاد خاطئ في مسألة. الشاهد الثالث: موقفه من كتاب "الشِّفا في التعريف بحقوق المصطفى" للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي، (ت: ٥٤٣ هـ)، ففي ترجمته من السير قال: «تواليفه نفيسة، وأجلها وأشرفها كتاب الشِّفا، لو لا ما حشاه بالأحاديث المُفتعلة، عملُ إمام لا نقد له في فنّ الحديث ولا ذوق، والله يثيبه على حسن قصده، وينفع بشفائه وقد فعل» (١).

стр. 19

الفصل الثاني تحذيره من سفك الدماء لقد كان الحافظ الذهبي ﵀ كثيراً ما يشدّد في شأن الدماء والأرواح كلما ترجم لشخص عرف باستهانته بها. والنبي ﷺ صحً عنه أنه قال: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً» (١). وإن تيسر لك مطالعة كتابه: سير أعلام النبلاء أو مدونته الكبرى: تاريخ الإسلام أو كتابه المختصر: العِبَر بأخبار من غَبَر فسوف تقف على شواهد كثيرة من نقده لكل من تورط في هذا الأمر المريع من أمثال: الحجاج بن يوسف الثقفي (ت: ٩٥ هـ)، وأبي مسلم الخُراساني (ت: ١٣٧ هـ)، الداعية إلى دولة بني العباس، والحاكم بأمر الله العُبيدي (ت: ٤١١ هـ)، حاكم مصر، والمهدي ابن تومرت (ت: ٥٢٤ هـ)، حاكم بلاد المغرب، وطاغية التتار جنكيز خان (ت: ٦٢٤ هـ)، الذي قال الذهبي: «بأن قتل المسلم

стр. 20

عنده أهون من قتل البرغوث» (١)!!. وحفيده هولاكو، الذي قال الذهبي: «بأنه سفك دم ألف ألف أو يزيدون» (٢)!! ــــــ وقد انتقد الذهبي ﵀ كثرة الأرواح البريئة التي أزهقت عند قيام دولة بني العبّاس، وقال: «فرحنا بمصير الأمر إليهم، ولكن والله ساءنا ما جرى؛ لما جرى من سيول الدِّماء، والسَّبي، والنَّهب، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فالدولة الظالمة مع الأمن وحقن الدماء، ولا دولة عادلة تنتهك دونها المحارم، وأنى لها العدل؟ بَلْ أَتَتْ دَوْلَةً أعجمية خراسانيَّة جبَّارة، ما أشبه الليْلة بالبارحة» (٣). ــــــ وقال في موضع آخر: «وفي عصر هذه الطبقة (٤) تحولت دولة الإسلام من بني أمية إلى بني العباس في العام اثنتين وثلاثين ومائة، فجرى بسبب ذلك التحول سيولٌ من الدماء، وذهب تحت السيف عالَمٌ لا يحصيهم إلا الله بخراسان والعراق والجزيرة والشام، وفعلت العساكر الخراسانية الذين هم المسودة كلَّ قبيح، فلا حول ولا قوة إلا بالله» (٥). ــــــ ومن الطريف أن الذهبي ﵀ كان يرى أن الشدة

стр. 21

في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تفضي بصاحبها إلى التكفير واستباحة الدماء!! يقول ﵀: «ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدَّة، فيقع في الهجران المحرَّم، وربَّما أفضى إلى التكفير (١) والسَّعي في الدَّم» (٢).

стр. 22

الفصل الثالث ذمه الشديد للخوارج (١)، وتوسُّطه في الحكم عليهم. لقد ذمّ الإمام الذهبيُّ الخوارجَ في مواطن كثيرة من كتبه وحمل عليهم بسبب غلوهم في الدين وسفكهم للدماء بالرغم من شدة تدينهم وكثرة عبادتهم لكن على جهالة. ــــــ يقول ﵀: «أوقعهم ــــ يعني الخوارج ــــ الغلو في الدين إلى تكفير العصاة بالذنوب، وإلى قتل النساء والرجال، إلا من اعترف لهم بالكفر وجدّد إسلامه» (٢)!! ــــــ وفي موضع آخر يقول: (الخوارج كلاب النَّار (٣)، وَشَرُّ

стр. 23

قَتْلَى تَحْتَ أَدِيْمِ السَّمَاءِ (١)، لأَنهم مرقوا من الإسلام، ثم لا ندري مصيرهم إلى ماذا، ولا نحكم عليهم بخلود النار، بل نقف) (٢). ــــــ وكذلك قوله: «الخوارج كلاب النَّار، قد مرقوا من الدّين، وَمع هذا فلا نقطع لهم بخلود النَّار، كما نقطع به لعبَدة الأصنام والصُّلبان» (٣). وقد وصفهم أيضاً بأنهم أعداء للمسلمين (٤). وهذا من إنصاف الذهبي ﵀ ووسطيته فهو وبالرغم من نقده للخوارج وذمه الشديد لهم وتحذيره منهم إلا أنه لم يقطع بكفرهم ولا بخلودهم في النار، وهذا هو مذهب أهل السنة، أعني عدم تكفير الخوارج، كما حكاه عنهم الإمام النووي (ت: ٦٧٦ هـ) في شرحه على صحيح مسلم (٥). بل نقل الإمام الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) إجماع العلماء على: أن الخوارج على ضلالهم مسلمون وليسوا بكفار (٦)

стр. 24

الفصل الرابع تحذيره من المسارعة إلى التكفير بغير برهان قطعي ففي ترجمة الفيلسوف المتصوّف الحسين بن منصور الحلاج (ت: ٣٠٩ هـ) يقول الذهبي: «فما ينبغي لك يا فقيه أن تبدر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أَنْ تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل أن من رآه المسلمُون صالحاً محسناً، فهو كذلك، لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجراً أو منافقاً أو مبطلا، فهو كذلك، وأن من كان طائفةٌ من الأمة تضلِّله، وطائفةٌ من الأمة تثني عليه وتبجِّله، وطائفةٌ ثالثةٌ تقف فيه وتتورَّع من الحطِّ عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوَّض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة؛ لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح، ويصفو قلبك من الغِّل للمؤمنين» (١). وكلام الذهبي هذا يمكن أن نخلص منه إلى قواعد مهمة، منها:

стр. 25

١ ــ عدم رمي المسلم بالكفر بغير برهان قطعي صريح. ٢ ــ عدم ادعاء الولاية لمن تأكد ضلاله وتبرهنت زندقته وانحرافه عن الشريعة ونصوصها البينة. ٣ ــ أن من عُرف عند جماهير الأمة بالخير والصلاح والاستقامة فهو صالح خيّر مستقيم إن شاء الله، لأن الأمة هم شهداء الله في أرضه. ٤ ـــ أن من عُرف بفجوره واشتهر بانحرافه، فهو كذلك بحسب الظاهر، وإن كنا لا نقطع له في باطن الأمر، لكن كما قال الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ): «نرجوا للمحسن ونخاف على المسيء» (١). ٥ ــ أن من اختلف فيه علماء الأمة ما بين مادح وقادح، ومعدل ومجرّح، فهذا ممن ينبغي الحذر في الحكم عليه. والأسلم تفويض أمره إلى الله، والاستغفار له في الجملة، لأن أسلامه ثابتٌ بيقين، وكفره مشكوك فيه، وبهذا كما يقول الذهبي: يصفوا قلب المسلم من الغلّ للمسلمين.

стр. 26

الفصل الخامس تحذيره من التكفير بسبب الاختلاف في فروع العقائد وهذا كثير في كلام الذهبي ﵀. من ذلك ما نقله في ترجمة أبي الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤ هـ) ﵀، عن أزهر بن أحمد السرخسي، أنه قال: (لما قرُب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد عليّ أني لا أُكفِّر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات). وقد علَّق الذهبي على كلام الأشعري فقال: «وبنحو هذا أدين، وكذا شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه، يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم» (١).

стр. 27

الفصل السادس دعوته إلى ترك التضليل والتبديع لأجل زلّة أو هفوة، وأن العبرة بكثرة الفضائل ويبدو أن هذه المسألة كانت تشغل ذهن الذهبي وتفكيره كثيراً، ربما لكثرة ما كان يرى من النزاع الذي كان يقع بين أصحاب المذاهب المختلفة والذي كان يصل إلى حد التهاجر والفجور في الخصومة وهضم حق الآخرين، فكرر الدعوة في مؤلفاته إلى ضرورة التحلي بالإنصاف والاعتدال مع العلماء، وعدم الحطّ عليهم لأجل بعض الهفوات أو الهنّات، وأن العبرة بكثرة المحاسن. وأنا أنقل إليكم بعض ما قاله الذهبي في ذلك: أولاً: قوله: «لو أننا أهدرنا كل عالم زلّ، لما سلم معنا إلا القليل، فلا تحطّ يا أخي على العلماء مطلقاً، ولا تبالغ في تقريظهم مطلقاً، واسأل الله أن يتوفاك على التوحيد» (١). ثانياً: قوله: «لو أننا كلما أخطأ إمامٌ مجتهد في مسألة خطأ مغفوراً له هجرناه وبدَّعناه، لما سلم أحدٌ من الأئمة، والله الهادي للحق،

стр. 28

والراحم للخلق» (١). ثالثاً: قوله: «لو أنا كلما أخطأَ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له، قمنا عليه، وبدّعناه، وهجرناه، لما سَلِم معنا لا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة» (٢). رابعاً: قوله في ترجمة الحافظ محمد بن إسحاق بن خُزيمة، (ت: ٣١٧ هـ)،: «ولو أن كلَّ من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدَّعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه» (٣). خامساً: قوله في ترجمة الحافظ وكيع بن الجراح الكوفي (ت: ١٩٧ هـ)،: «كان ملازماً لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه، فكان متأولاً في شربه، ولو تركه تورعاً، لكان أولى به، فإن من توقى الشُّبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، وقد صح النَّهي والتَّحريم للنَّبيذ المذكور، وليس هذا موضع هذه الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، فلا قدوة في خطأ العالم، نعم، ولا يوبخ بما فعله باجتهاد نسأَل الله المسامحة» (٤).

стр. 29

سادساً: قوله في السِّير: «نحبّ العالِم على ما فيه من الاتباع والصِّفات الحميدة، ولا نحبّ ما ابتدع فيه بتأوِيل سائغ، وإنَّما العبرة بكثرة المحاسن» (١) سابعاً: قوله في ترجمة أبي بكر الشاشي الشافعي، (ت: ٤١٧ هـ): «الكمال عزيز، وإنما يُمدح العالِم بكثرة ما له من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطه، ولعله رجع عنها، وقد يُغفر له باستفراغه الوسع في طلب الحق، ولا قوة إلا بالله) (٢).

стр. 30

الفصل السابع دفاعه عن الأئمة والتماسه الأعذار لهم وشواهد هذا كثيرة في مؤلفات الذهبي، منها على سبيل المثال: ١ ـــــ دفاعه عن الإمام الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن حِبّان البُستي (ت: ٣٥٤ هـ) صاحب كتاب الصحيح في اتهامه بالزندقة. فقد ذكر الذهبي أن بعض العلماء نقل عن ابن حبان أنه قال: «النبوة: العلم والعمل»!! ثم أنكروا عليه بسبب ذلك وحكموا بزندقته وكتبوا إلى الخليفة بقتله!! لكن الذهبي دافع عن ابن حبان وقال: «هذا له محملٌ حسنٌ، ولم يُرد حصر المبتدأ في الخبر، ومثله: الحج عرفة، فمعلوم أن الرجل لا يصير حاجاً بمجرد الوقوف بعرفة، وإنما ذكر مهمّ الحج ومهم النبوة، إذ أكمل صفات النبي العلم والعمل، ولا يكون نبياً إلا أن يكون عالماً عاملاً، نعم النبوة موهبة من الله تعالى لمن اصطفاه من

стр. 31

أولى العلم والعمل، لا حيلة للبشر في اكتسابها أبداً، وبها يتولد العلم النافع والعمل الصالح، ولا ريب أن إطلاق ما نقل عن أبي حاتم لا يسوغ، وذلك نفسٌ فلسفي» (١). ٢ ــــ دفاعه عن الفقيه أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، (ت: ٤٧٤ هـ)، شارح الموطأ وغيره. فقد ذكر الذهبي أن بعض علماء بلده كان قد كفّره بسبب قوله: إن النبي ﷺ قد كتب اسمه بنفسه يوم صلح الحديبية كما جاء في صحيح البخاري (٢)، قالوا: إن في هذا تكذيب للقرآن الكريم الذي أخبر عن نبيه بأنه نبي أميّ. لكن الذهبي لم يقبل بتكفير هذا الفقيه الجليل، وأطال في الدفاع عنه قائلاً: «يجوز على النبي ﷺ أن يكتب اسمه ليس إلاّ، ولا يخرج بذلك عن كونه أميّاً، وما من كتب اسمه من الأمراء والولاة إدماناً للعلامة يُعد كاتباً، فالحكم للغالب لا لما ندر، وقد قال ﵇: "إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب" أي لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلاً، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، [الجمعة: ٢]، وقوله ﵇: «لا نحسب» حق،

стр. 32

ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب وقسم الفيء وقسمة المواريث بالحساب العربي الفطري، لا بحساب القبط، ولا الجبر والمقابلة، بأبي هو ونفسي ﷺ ، وقد كان سيّد الأذكياء، ويبعد في العادة أن الذكي يُملي الوحي وكتب الملوك وغير ذلك على كتّابه، ويرى اسمه الشريف بخاتمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطول، ولا يخرج بذلك عن أميّته، وبعض العلماء عدّ ما كتبه يوم الحديبية من معجزاته، لكونه لا يعرف الكتابة وكتب، فإن قيل: لا يجوز عليه أن يكتب، فلو كتب لارتاب مبطلٌ، ولقال: كان يُحسن الخط، ونظر في كتب الأولين، قلنا: ما كتب خطاً كثيراً، حتى يرتاب به المبطلون، بل قد يقال: لو قال مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه: لا أعرف أن أكتب اسمي الذي في خاتمي، لارتاب المبطلون أيضاً، ولقالوا: هو غاية في الذكاء فكيف لا يعرف ذلك، بل عرفه وقال: لا أعرف. فكان يكون ارتيابهم أكثر، وأبلغ في إنكاره والله أعلم» (١). ٣ ـــــ دفاعه عن المحدث الثقة حسين المعلّم، (ت: ١٥٠ هـ). فقد نقل الذهبي عن بعض الأئمة تضعيف حسين المعلم بسبب أغلاط وقعت له في رواية بعض الأحاديث، وردّ الذهبي عليهم فقال: «الرجل ثقة، وقد احتج به صاحبا

стр. 33

الصحيحين … وليس من شرط الثقة أن لا يغلط أبداً، فقد غلط شعبة ومالك، وناهيك بهما ثقة ونبلاً … » (١). ٤ ــــ وكرر هذا المعنى في ترجمة الإمام الحافظ هشام بن عروة الأسدي، (ت: ١٤٦ هـ). فقد ردّ على من ضعفه بسبب بعض الأخطاء، وقال: «أرني إماماً من الكبار، سَلِمَ من الخطأ والوهم» (٢). ٥ ـــــ ومثل ذلك فعل في دفاعه عن الحافظ الكبير عبد الرزاق بن همام الصنعاني، (٢١١ هـ). فقد نقل الذهبي عن الحافظ العباس بن عبد العظيم قوله: «والله الذي لا إله إلا هو، إن عبد الرزاق كذّاب، والواقدي أصدق منه»!! فردّ عليه الذهبي وقال: «والله ما برّ عباس في يمينه، ولبئس ما قال، يعمَد إلى شيخ الإسلام، ومحدّث الوقت، ومن احتج به كلُّ أرباب الصحاح، وإن كان له أوهام مغمورة، وغيره أبرع في الحديث منه، فيرميه بالكذب، ويقدِّم عليه الواقدي الذي أجمعت الحفَّاظ على تركه، فهو في مقالته هذه خارقٌ للإجماع بيقين» (٣).

стр. 34

الفصل الثامن دعوته إلى وجوب المحافظة على الأخوة برغم الخلاف وسأذكر شاهدين من كلام الذهبي على هذا: الشاهد الأول: ما نقله الذهبي في ترجمة الإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀ صاحب المذهب، عن أبي موسى الصّدفي، أنه قال: (ما رأيت أعقلَ من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في المسألة). ثم علّق الذهبي قائلاً: (وهذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقهِ نفسه، فما زال النظراء يختلفون) (١). الشاهد الثاني: في ترجمة الحافظ إسحاق بن راهويه الحنظلي، (ت: ٢٣٨ هـ). فقد نقل الذهبي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: (لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً)) (٢).

стр. 35

الفصل التاسع تقريره بأن كلام الأقران (١) يطوى ولا يروى، خاصة إذا ما تبين أنه بسبب حسد أو عداوة وقد قرر هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتبه: ــــــ كقوله: «لو سمعنا كلام الْأقران، بعضهم في بعض لاتَّسَع الخَرْقُ» (٢). ــــــ وقوله: «كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفتُ إليه، بل يطوى ولا يروى» (٣). ــــــ وقوله: «قد علم أن كثيراً من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدرٌ لا عبرة به» (٤). ــــــ وقوله في ترجمة الحافظ أبي نُعيم الأصبهاني، (ت: ٤٣٠ هـ)، عندما ذكر كلام الحافظ ابن مندة (ت: ٤٧٥ هـ) فيه بسبب خلاف وقع بينهما في مسألة اللفظ بالقرآن هل هو مخلوق؟

стр. 36

قال الذهبي معلقاً: «كلام ابن مندة في أبي نُعيم فظيع، لا أحبّ حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان، لا أعلم لهما ذنباً أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها .... إلى أن قال: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمتُ أن عصراً من الأعصار سلِم أهلُه من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم» (١).

стр. 37

الفصل العاشر دعوته ترك الإغراق في صراعات التاريخ وإشعال نار العداوات بسببها يقول ﵀: «قد تكلَّم خلقٌ من التابعين بعضهم في بعض، وتحاربوا، وجرت بينهم أمورٌ لا يمكن شرحُها، فلا فائدة في بثّها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصمُ نفسه، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١). ــــــ وعندما أشار الذهبي ﵀ إلى ما حصل بين بعض الصحابة ﵃ من خلاف وحروب، قال: «سبيلُنا أن نستغفر للكل، ونحبهم، ونكفّ عما شجر بينهم» (٢). ــــــ وقال أيضاً: «تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين» (٣). وهذا من فقه هذا الإمام ودقيق نظره، فمعظم صراعات المسلمين اليوم ومخاصماتهم تدور حول حوادث

стр. 38

تاريخية غابرة قد تجاوزها الدهر منذ زمن سحيق، ولم يعد لوجودها داع أو مبرر، إلا اتخاذها ذريعة لتأجيج نار العداوات وتجديد الخصومات بين المسلمين بسوء فهم أو سوء نية. • • •

стр. 39

الفصل الحادي عشر تمييزه بين مستويات البدعة، وتفرقته بين الغلاة وغيرهم من إنصاف الذهبي ﵀ واعتدال فكره أن كان كثيراً ما يفرّق في الحكم بين الغلاة وغيرهم من شتى أرباب الطوائف والمذاهب، وهذا له صور وشواهد كثيرة منها: تفرقته بين غلاة الصوفية ومعتدليهم. فالذهبي ﵀ كان لا يضع الصوفية كلهم في سلّة واحدة، بل كان يفرّق بين من تمسكوا منهم بالكتاب والسنّة، والتزموا بأحكام الشريعة (١)، وبين المخلّطين منهم، من أصحاب الشعوذة والترهات والشطحات والخرافات. فهو يشيد بالطائفة الأولى ويذب عنها، بينما يشتد بنقده وتقريعه على الطائفة الثانية ويحط عليها. والشواهد كثيرة من كلام الذهبي في ذلك، اكتفى هنا بما قاله في ترجمة الإمام المحدِّث أبي سعيد بن الأعرابي،

стр. 40

واسمه أحمد بن محمد البصري، نزيل مكة، (ت: ٣٤٠ هـ). قال الذهبي منتقداً بعض مصطلحات الصوفية الغامضة التي لا طائل منها: «إي والله، دققوا وعمقوا، وخاضوا في أَسرار عظيمة، ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال، ولا وجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصَّحو والسّكر إلا مجرد خطرات ووساوس، ما تفوّه بعباراتهم صدِّيق، ولا صاحب، ولا إمام من التَّابعين. فإن طالبتهم بدعاويهم مقتوك، وقالوا: محجوب، وإن سلَّمت لهم قيادك تخبَّط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال، ورمقتَ العُباد بعين المقت، وأهل القرآن والحديث بعين البُعد، وقلتَ: مساكين محجوبون. فلا حول ولا قوة إلا بالله. فإنما التصوُّف والتأَله والسُّلوك والسَّير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشَّريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزُّز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والعالم إذا عَرِي من التَّصوف والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إِذا
следующие страницы →