← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1047

النكت على شرح النووي على صحيح مسلم

هانى فقيه

Полный текст (170 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بين يدي الكتاب الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيّدنا ونبيّنا محمد بن عبدالله، خير خلقه أجمعين، وعلى آله، وصحابته، الطيّبين الطاهرين، أما بعد: فإن شرح صحيح مسلم، المعروف بـ «المِنْهَاج بشرْح صحيْح مُسلم ابن الحَجَّاج»، لشيخ الإسلام أبي زكريا يحيى بن شَرَف النَّووي الشافعي (٦٣١ ـ ٦٧٦ هـ) ﵀ (١)، هو من أجلّ وأرفع شروح صحيح الإمام مسلم، إن لم يكن أجلُّها وأرفعُها على الإطلاق.

стр. 2

وقد تميّز شرحه هذا بمزايا كثيرة جداً، وأثنى عليه الأئمة، ووصفوه بالاستيفاء وعِظَم البَرَكة (١)، وغدا مرجعاً مهماً في بابه، وقلَّ مكتبة شرعية، ليس فيها نسخة منه، بل قلَّ شرح من شروح كتب السنّة، إلا وقد نقل عنه مراراً، واستشهد بكلامه، أو اعترض عليه أحياناً. كل هذا مما يدلّ على جليل قدر هذا الكتاب، ورفيع منزلته، ووضع القبول له ـ إن شاء الله ـ في الأرض. ومن عظيم مِنَن الله عليّ أن أكرمني بصحبة هذا الكتاب زمناً طويلاً، حتى إني طالعته كاملاً مراراً، وأفدتُ منه فوائد غزاراً. وكنتُ أثناء مطالعتي للكتاب ربما وقفتُ على مواضع منه رأيتها محلّ نقد قويّ، أو اعتراض جليّ على المؤلف ﵀، فكنت أقيّد هذه المواضع للمراجعة، حتى اجتمع لديّ منها الشيء الكثير. * مجمل الاعتراضات على شرح النووي: وهذه الاعتراضات يمكن إجمالها في التالي: فأحياناً يعزو النووي ﵀ روايات للصحيح ليست فيه. وأحياناً ينفي روايات عن الصحيح وهي فيه.

стр. 3

وأحياناً ينسب أقوالًا لأئمة لا تصحّ عنهم. أو ينفي أقوالاً لأئمة وهي ثابتة عنهم. أو يَهِم في تواريخ بعض الوفِيّات. أو يصحح روايات ضعيفة. أو يضعف روايات صحيحة. أو يذكر اجتهادات لا أصل لها. أو يذكر كلاماً موهماً يفيد معنى غير مقصود. أو يستدل لمسألة بدليل ويغفل دليلاً أقوى منه. أو يُجحف في بعض الأحاديث فلا يعطها حقّها من الشرح والإيضاح. أو يضيّق في تفسير بعض الأحاديث، فيقصُرها على معنى واحد، مع أن ظاهرها محتملٌ لمعان أخرى قوية، وربما كانت جميعها داخلة ومشمولة في مراد النص. أو يحكم ببطلان بعض الشروح والتفسيرات مع أن لها وجهاً قوياً من النظر. وأحياناً قد يحكي الإجماع في مسائل اشتهر فيها الخلاف، سواء في فروع الفقه، أو في جرح بعض الرواة وتعديلهم، أو تضعيف وتصحيح بعض الأحاديث، فيحكي الاتفاق مع ثبوت الخلاف واشتهاره، الأمر الذي حمل غير واحد من الأئمة إلى نقد صنيعه، ووصفه بالتساهل، كالحافظ ابن

стр. 4

عبدالهادي الحنبلي (١) والعلامة القِنَّوجي (٢)، ووصفه الحافظُ ابن حجر مرَّة بالمبالغة، فقال: «بالغ كعادته» (٣). وستمر بك شواهد وأمثلة عديدة على ذلك أثناء البحث. هذا وقد رأيتُ الآن ـ بعد أن استخرتُ الله ئى ـ جمع هذه المواضع، وإفرادها في كتاب مستقل، متبعاً فيه النهج التالي: * منهجي في الكتاب: ١ ـ اقتصرتُ على نقد أوهام النووي الجليّة، وما قد يقع له من سهو أو خطأ أو تقصير مما أشرت إليه آنفاً. ٢ ـ لم أتعقب النووي في مسائل الفروع الاجتهادية الخلافية، لأن الأمر فيها واسع، والكلام حولها يطول، وكثيرٌ منها قد أشبع بحثاً وتأليفاً ودراسة. ٣ ـ لم أتعقب النووي فيما جانب فيه الصواب من مسائل الاعتقاد، فقد أفرد هذا بعض فضلاء المعاصرين بكتاب مستقل (٤)، فلم أر داعٍ لتكرار الكلام. ٤ - أذكر في البدء كلام النووي بنصه، ثم أذكر محل الانتقاد عليه، وإيضاح سببه، معتنياً بنقد الأئمة له وتعقبهم عليه إن وجدت شيئاً من ذلك.

стр. 5

٥ ـ احرص على الاختصار قدر الإمكان، والاقتصار على مواضع النقد وبيان الوهم، دون الدخول في تفاصيل المسائل، أو مناقشة الأدلة، فهذا ليس من مهام البحث، إلا بالقدر الذي يخدم موضع النقد فحسب. ٦ ـ رتبت المسائل المنتقَدة حسب ترتيب ورودها في الكتاب، مقسّمة على ترتيب كتب صحيح مسلم، موثقاً كلام النووي ببيان رقم الجزء ورقم الصفحة من شرحه على صحيح مسلم. وكنت أودّ لو أنني رتبت المسائل بحسب موضوعاتها، فأذكر أوهام النووي في التخريج على حدة، وأوهامه في حكاية الإجماع على حدة، وأوهامه في التواريخ على حدة … وهكذا، كما فعل الحافظ ابن القطان الفاسي في نقده لكتاب الأحكام الوسطى لعبد الحق الإشبيلي، ثم رأيت الاكتفاء بترتيب المسائل حسب ورودها في الكتاب، ولكل من الطريقتين مزية لا توجد في الأخرى، والأمر في هذا واسع. * الدراسات السابقة: هناك كتب ثلاثة سبقتني في نقد شرح النووي على صحيح مسلم، وهي: ١ ـ «جزء فيه استدراكات على شرح النووي لصحيح مسلم»، للإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي (ت: ٧٤٤ هـ)، التقطه الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ) من منتقى، كان قد جمعه ابن عبد الهادي من شرح النووي لصحيح مسلم.

стр. 6

وقد نشر هذا الجزء في (١٤ صفحة) الباحث مصطفى بن بلْقاسم بلْحاج، ضمن دوريَّة عالم المخطوطات والنوادر (١). وقد تميَّز هذا الجزء بتنوع مسائله، ودقَّة ملحوظاته، فصاحبه ابن عبد الهادي عالمٌ كبيرٌ، وإمامٌ جليلٌ من أئمة الحديث والفقه، إلا أنه جزء صغير جداً، أشبه ما يكون بالإشارات ورؤوس الأقلام، وكثيراً ما يكتفي ابن عبد الهادي بالإشارة إلى كلام النووي، ثم يعقِّب عليه بقوله: «فيه نظر» أو نحوها من العبارات المختصرة، دون إبداء أي تفصيل أو إيضاح. وقد أفدتُ من هذا الجزء في مواضع يسيرة جداً، لا تتجاوز ستة تعقبات وهي: ١ ـ تعقُّبه النووي في تاريخ وفاة سفيان بن عيينة. ٢ ـ تعقُّبه في وهمه في أحد الرواة؟ ٣ ـ تعقُّبه في حكاية اتفاق السَّلَف على صحة الصلاة في الدار المغصوبة. ٤ ـ تعقُّبه في نسبة عدم نقض الوضوء من أكل لحوم الإبل إلى الخلفاء الأربعة. ٥ ـ تعقُّبه في حكايته الاتفاق على تضعيف حديث من غَسَّل واغتسل. ٦ ـ تعقُّبه في قوله ببقاء الخَضِر ﵇ حيّاً حتى اليوم. وأما بقيَّة اعتراضات ابن عبد الهادي فقد تركتها، لأن معظمها إما مسائل اجتهادية خالف فيها ابن عبد الهادي النووي، أو اعتراضات في قضايا لغوية

стр. 7

ونحوية، أو الكلام على بعض الرواة جرحاً وتعديلاً، أو تعقبات في ضبط بعض الألفاظ والأسماء. وجلّ هذه الاعتراضات مما لا يتفق مع منهج بحثي الذي قصرته على القصور والأوهام المحضة فحسب. ٢ ـ «نكت شرح مسلم للنووي»، لمؤلفه الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. هذا الكتاب وصفه الحافظ السخاوي بقوله: «لم يكمل، رأيت منه كرّاسة من الكلام على المقدمة، وأخرى من الكلام على غيرها» (١). والكتاب لم يصلنا منه شيء حسب علمي، ولم ينقل عنه أحد، فلا تعرف طبيعته على وجه الدِّقة. ٣ ـ «الردود والتعقبات على ما وقع للإمام النووي في شرح صحيح مسلم من التأويل في الصفات وغيرها من المسائل المهمات». وهو من تأليف الشيخ مشهور حسن آل سلمان، (معاصر)، بيد أن مؤلفه خصصه لنقد النووي في بعض مسائل الاعتقاد، ولم يتعرض لغير ذلك، وقد استثنيت في بحثي هذه المسائل حتى لا يتكرر الكلام. وفي الختام أود الإشارة إلى أمر أحسبه بديهي، لكن لا بأس من التنبيه عليه ولو بإيجاز، وهو أن كشف أوهام النووي ﵀ ونقدها، إنما مقصوده خدمة كتابه هذا، والارتقاء به نحو الأفضل، وليس المقصود انتقاصه، أو

стр. 8

الغض منه، أو تتبع زلاته، حاشا لله، فهذا مما لم يخطر على البال لأمور أربعة: الأمر الأول: أن مؤلف الكتاب النووي إمام كبير وعالم جليل، لكنه ليس بمعصوم في كل ما يقول ويكتب، وكما قيل: «أبى الله أن يصحّ إلّا كتابه». الأمر الثاني: أن الكتاب واسع جدا (١)، وهو يعد معْلمة إسلامية، أو مدوَّنة كبرى في علوم الشريعة، فكونه وهم أو أخطأ في عشر مسائل أو مائة، فهذا مما لا يعدّ شيئاً، مقابل آلاف المسائل والتحقيقات التي أفادها وأصاب فيها. الأمر الثالث: أن النووي نفسه قد مارس النقد والاستدراك على غيره، وتعقَّب كثيراً من العلماء والأئمة والشراح الذين سبقوه، ونبّه على أوهامهم، وصوَّب أخطاءهم، واستدرك عليهم. وفي شرحه هذا مئات الشواهد والأمثلة على ذلك. الأمر الرابع: أنني لم أنفرد بهذا العمل النقدي، فقد سبقني له كثيرٌ من الأئمة من الذين انتقدوا النووي، أو اعترضوا على بعض كلامه، كما سوف تراه في البحث إن شاء الله تعالى. ولعل بعض القراء قد يضيقون صدراً بكتب الردود والتعقبات، ويحسبونها من فضول العلم وتضييع الأوقات!! وهذا خطأ جسيم، واعتقاد

стр. 9

عقيم، فإن من عظيم ألطاف الله بهذه الأمّة أن علماءها يردّ بعضهم على بعض، ولا يسكت بعضهم عن أغلاط بعض، حتى وإن كان المردود عليه من أهل الفضل والصلاح. وبهذه المزيّة حفظ الله ئى شريعته، وصانها من كل تغيير أو تبديل قد يعتريها أو يطرأ عليها. لكن شرط هذا كله أن يكون الردّ والتعقب في حدود البحث العلمي، مع رعاية أدب الخطاب، وألا يكون الغرض منه تتبع الزلات، وإفحام الخصوم، وإسكات المخالفين!! * عنوان البحث ومعناه: هذا وقد رأيتُ تسمية الكتاب بـ: «النُّكَت على شَرْح النَّووي على صحيح مُسْلم». والنُّكَت في اصطلاح العلماء هي: الملحوظات والمسائل العلمية القصيرة التوضيحية (١). ومنه قول المؤرخ المَقَّرِي التلمساني في ترجمة الحافظ مُنذر بن سعيد البَلُّوطي: «كان إذا قرئ عليه صحيحا البخاري ومسلم والموطأ يصحِّح النُّسخ من حفظه، ويملي النُّكت على المواضع المُحتاج إليها» (٢). ومنه قول الحافظ العراقي في مقدمة التقييد والإيضاح: «فأردتُ أن

стр. 10

أجمع عليه (١) نكتاً تقيّد مطلقه وتفتح مغلقه» (٢). وإذن فهذا البحث هو ملحوظات علمية قصيرة توضيحية على بعض كلام النووي في شرحه على صحيح مسلم، جمعت ما تيسر لي منها أثناء قراءة الكتاب، دون قصد التتبع أو الاستقصاء. هذا والله أسأل أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. * * *

стр. 11

من المُقدِّمة ١ ـ حصره فوائد المستخرجات في ثلاث فقط وهي أكثر: ذكر النووي ﵀ أن لكتب المستخرجات ثلاث فوائد، فقال: «ويستفاد من مخرَّجاتهم ثلاث فوائد: علو الإسناد، وزيادة قوة الحديث بكثرة طرقه، وزيادة ألفاظ صحيحة مفيدة» (١). «قال الباحث»: حصْر فوائد المستخرجات في الثلاثة المذكورة فيه نظر، فقد ذكر العلماء فوائد كثيرة لكتب المستخرجات، ومنها غير ما ذكره النووي: ١ ـ أن يروي في الصحيح عن مدلِّس، ويرويه صاحب المستخرج عنه مصرِّحاً بالسماع، مما ينفي تهمة التدليس. ٢ ـ أن يروي صاحب الصحيح عن راوٍ مختلط، من غير أن يبين هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، فيأتي صاحب المستخرج، فيرويه من طريق من سمع منه قبل الاختلاط. ٣ ـ قد تقع في الصحيح بعض الأسماء المبهمة، كحدثنا فلانٌ أو رجلٌ، أو مهملة، كحدثنا محمدٌ مثلاً، ويأتي مصرَّحاً بالاسم في كتاب المستخرج. ٤ ـ قد يقع في متن الصحيح بعض الكلام المدرج، من غير فصل،

стр. 12

ويأتي في المستخرج مميزاً ومنفصلاً … إلى غير ذلك من الفوائد (١). وقد تكرر من النووي ﵀ هذا الحصر في كتابه «التقريب والتيسير في أصول الحديث»، بيد أنه أنقص واحدة هناك، وجعل الفوائد فائدتين فقط، فقال: «وللكتب المخرَّجة عليهما فائدتان: علو الإسناد، وزيادة الصحيح» (٢)!!. ولأجل هذا الحصر انتقده الحافظ السيوطي ﵀، وقال: «لم يذكر المصنِّف ـ النووي ـ تبعاً لابن الصَّلَاح للمستخرج سوى هاتين الفائدتين، وبقي له فوائد أخر … » (٣) ثم أخذ يعدّدها، مما أشرت إلى بعضها آنفاً. وكذلك رأيت الحافظ العراقي قد تعقَّب ابن الصَّلَاح وهو أصل النووي بمثل ما سبق، فقال: «لو قال إن هاتين الفائدتين من فائدة المستخرجات كان أحسن، فإن فيها غير هاتين الفائدتين» (٤). ٢ ـ وهْمُه في تاريخ وفاة الإمام سفيان ابن عُيينة: ترجم النووي ﵀ للإمام سفيان بن عُيينة، وقال: «توفي سنة تسع وتسعين ومائة» (٥).

стр. 13

«قال الباحث»: صوابه: ثمان وتسعون ومائة، كما قال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ (١)، وهو المقرَّر عند عامة علماء التراجم والسّيَر (٢). ولعل منشأ خطأ النووي ﵀ أنه تابع فيه الحافظ ابن الصَّلَاح ﵀، حيث جزم ابن الصَّلَاح بأن ابن عُيينة توفي سنة: تسع وتسعين ومائة (٣). وتعقَّبه الحافظ العراقي، ونبَّه على أنه وهْم منه (٤). فهذا إذن هو منشأ خطأ النووي ﵀ فيما يظهر لي، خاصة إذا ما علمنا بأن النووي كان قد اختصر ولخّص كتاب علوم الحديث لابن الصَّلَاح، فلعله التقط هذه المعلومة منه. ٣ ـ وهمٌ في راوٍ: قال النووي ﵀: «من المختلطين: حُصين بن عبد الوهاب الكوفي» (٥). «قال الباحث»: تعقَّبه ابن عبد الهادي: بأنه: حُصين بن عبدالرحمن،

стр. 14

وليس عبد الوهاب (١). والأمر كما ذكر ابن عبد الهادي، فلم أقف في المختلطين على من اسمه حُصين بن عبد الوهاب (٢). ٤ ـ جزمه بالسن التي كانت بين عبدالله بن عمرو بن العاص وأبيه: قال النووي ﵀: «ومن طريف أحوال عبدالله بن عمرو بن العاصي أنه ليس بينه وبين أبيه في الولادة إلا إحدى عشرة سنة، وقيل اثنتا عشرة» (٣). «قال الباحث»: كذا جزم النووي بالسن التي كانت بين عبدالله بن عمرو وبين أبيه، مع أن من أهل العلم من جزم بأنه كان بينهما عشرون سنة، جزم بذلك ابن يونس المصري (٤) وأبو نعيم الأصبهاني (٥) وغيرهما، فالله أعلم. * * *

стр. 15

ومن كتاب الإِيْمَان ٥ ـ حكايته إجماع السَّلَف على صحة الصلاة في الدَّار المغصوبة والنظر في ذلك: قال النووي ﵀: «الصلاة في الدَّار المغصوبة صحيحة، غير محوجة إلى القضاء عند جماهير العلماء، بل بإجماع السَّلَف» (١). «قال الباحث»: حكاية النووي إجماع السَّلَف على صحة الصلاة في الأرض المغصوبة تعقَّبه فيها ابن عبدالهادي بقوله: «ليس هذا كما قال» (٢). والأمر كما قال ابن عبد الهادي، لأن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كان لا يرى صحة الصلاة في الدار المغصوبة في إحدى الروايتين عنه، واختارها بعض أصحابه (٣). والنووي ﵀ لا يجهل مخالفة الإمام أحمد بن حنبل في المسألة، لكنه كان يرى أن الإجماع منعقد على الصحة قبل مخالفة الإمام أحمد، وأنه

стр. 16

محجوج بالإجماع قبله (١)، وهذا ما لم يذكر النووي له مستنداً. وقد سبق للفقيه الشافعي أبي بكر الباقلاني ﵀ (ت: ٤٠٣ هـ) أن حكى أيضاً إجماع السَّلَف على صحة الصلاة في الدار المغصوبة، ولعله سَلَفُ النووي في المسألة، وتعقَّبه الإمام ابن تيمية، فقال: «وهو ـ يعني الباقلاني ـ في غير موضع يدعي إجماعات لا حقيقة لها، كدعواه إجماع السَّلَف على صحة الصلاة في الدار المغصوبة، بكونهم لم يأمروا الظَّلَمة بالإعادة، ولعله لا يَقْدِر أن ينقل عن أربعة من السَّلَف أنهم استفتوا في إعادة الظَّلَمة ما صلّوه في مكان مغصوب، فأفتوهم بإجزاء الصلاة … » (٢). ٦ ـ جزمه بالمدة التي كانت بين وفاة خديجة وأبي طالب: قال النووي ﵀: «توفيت خديجة أم المؤمنين ﵂ بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام» (٣). «قال الباحث»: كذا جزم النووي ﵀ بالمدة التي كانت بين وفاة خديجة وأبي طالب، مع أنه مجرّد قول قاله بعض أهل العلم (٤)، لا يوجد ما يثبته أو يؤكده.

стр. 17

وهناك من أهل العلم من قال: إن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمسة وثلاثين يوماً (١). وبعضهم قال: كان بين وفاتهما شهر وخمسة أيام (٢). وأمَّا شيخ المغازي محمد بن إسحاق ﵀ فلم يحدّد شيئاً بالأيام، واكتفى بقوله: «إنها توفيت وأبا طالب في عام واحد» (٣). وتابعه على ذلك ابن هشام (٤). وقد أورد الحافظ البيهقي ما ذكره النووي بصيغة تشعر بعدم الثبوت، فقال: «بلغني أن موت خديجة كان بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام» (٥). لأجل هذا كان الأولى بالنووي عدم الجزم بالمسألة، والاكتفاء بقوله: فيما قيل، أو فيما قاله بعض العلماء، هذا أدق وأصوب، والله أعلم. ٧ ـ أحاديث في صحيح مسلم لم يشرحها النووي إطلاقاً: من عادة النووي ﵀ شرح جميع أحاديث صحيح الإمام مسلم، بيد أن هناك بضعة أحاديث لم أره تعرض لشرحها إطلاقاً، ومنها على سبيل المثال:

стр. 18

حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «كيف أنتم إذا نَزَل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» (١). حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «جَعَل ـ النبي ﷺ ـ اثني عشر ميلاً حول المدينة حِمَى» (٢). حديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعاً: «لأُخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أَدَعَ إلا مسلماً» (٣). حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «اللُّهم أعوذ بك من شرّ ما عملت، ومن شرّ ما لم أعمل» (٤)، لم يشرح قوله: من شرّ ما لم أعمل. حديث أبي هريرة مرفوعاً: «رأيت عمرو بن عامر الخُزاعي يجرّ قَصَبه في النار، وكان أول من سَيَّب السُّيُوب» (٥). حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» (٦). حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك

стр. 19

رجل يقال له الجَهْجَاه» (١). حديث عبدالله بن عمر ﵄ مرفوعاً: «أراني في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي كبِّر، فدفعته إلى الأكبر» (٢). ٨ ـ ضبطه بعض الألفاظ دون أن يبيّن معناها: ذكر النووي ﵀ جملة من ألفاظ أحاديث صحيح مسلم الغريبة، واكتفى بضبطها دون بيان معناها، ومن ذلك على سبيل المثال: «أُسْكفة»: اكتفى بقوله: «هي بهمزة قطع مضمومة، وبإسكان السين» (٣)!! «الضِلَع»: اكتفى بقوله: «الضلع بكسر الضاد وفتح اللام» (٤) ولم يبين معناه. «البَرذعة»: اكتفى بقوله: «بفتح الباء» (٥)، ولم يزد. «اسْتَعَطَ» (٦): لم يضبطها ولم يشرحها.

стр. 20

«الجَذعة» (١): لم يضبطها ولم يشرحها. «الكمأة»: اكتفى بقوله: «بفتح الكاف وإسكان الميم وبعدها همزة مفتوحة» (٢). ٩ ـ سكوته عن رواية تفرَّد بها كذاب: قال النووي ﵀: «ذكر البزَّار (٣) خبراً في الإسراء عن عليّ كرم الله وجهه، وذكر مسير جبريل ﵇ على البُراق، حتى أتى الحِجَاب، وذكر كلمة، وقال: خَرَج مَلَكٌ من وراء الحِجَاب، فقال جبريل: والذي بعثك بالحق إن هذا المَلَك ما رأيته منذ خُلقت، وإني أقرب الخلْق مكاناً» (٤). «قال الباحث»: ما كان يجدر بالنووي ﵀ ذكر هذه الرواية والسكوت عنها دون التنبيه على ضعفها الشديد، بل إنها شبه موضوعة، فقد تفرَّد بروايتها راوٍ اسمه: زياد بن المنذر الكوفي، يرويه عن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جده عليّ بن أبي طالب به. وزياد بن المنذر هذا كذَّبه غير واحد من الحفاظ، كابن معين، وقال:

стр. 21

«عدوّ الله، ليس يسوى فلساً» (١). وقال ابن حبان: «كان رافضياً يضع الحديث» (٢). وقال النسائي: «متروك الحديث» (٣). فأمثال هؤلاء الرواة لا يحسن إيراد مروياتهم والسكوت عنها، دون التنبيه على حالها، والله أعلم. ١٠ ـ نفيه رواية عن صحيح البخاري وهي فيه: ذكر النووي ﵀ حديث ابن عباس، قال «لمَّا نزلتْ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ورهْطَك منهم المخلَصين، خَرَج رسول الله ﷺ حتى صعد الصَّفَا، فهتف: «يا صباحاه» … الحديث» (٤)، ثم قال النووي: «ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري» (٥). يعني قوله: ورهْطَك منهم المخلَصين. «قال الباحث»: بل هي ثابتة في صحيح البخاري، في كتاب

стр. 22

تفسير القرآن، باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] (١). وقد أشار الحافظُ ابن حجر إلى وهم النووي هذا، فقال: «وفي هذه الزيادة تعقُّب على النووي حيث قال في شرح مسلم إن البخاري لم يخرِّجها، أعني ورهْطَك منهم المخلَصين، اعتماداً على ما في هذه السُّورة (٢)، وأغفل كونها موجودة عند البخاري في سورة تبَّت» (٣). ومن الطريف أن النووي ﵀ قال في مقدمة الشرح: «وقد رأيتُ جماعةً من الحفاظ غلِطوا فنفوا رواية البخاري أحاديث، وهي موجودة في صحيحه في غير مظانِّها السابقة إلى الفَهْم» (٤). وقد وقع النووي ﵀ في مثل هذا هنا، فجلَّ من لا ينسى سبحانه. * * *

стр. 23

ومن كتاب الطَّهارة ١١ ـ حكايته الإجماع على تحريم سجود التلاوة والشكر بغير طهارة: قال النووي ﵀: «أجمعت الأمةُ على تحريم الصلاة بغير طهارة، من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة، والنَّافلة، وسجود التلاوة والشكر» (١). «قال الباحث»: حكاية الإجماع على تحريم سجود التلاوة والشكر بغير طهارة فيها نظر، فقد صحَّ عن ابن عمر أنه كان يسجد للتلاوة على غير وضوء (٢). وكذا نقل الحافظ العراقي بعض الآثار عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يسجدون للتلاوة بغير طهارة (٣). بل نقله ابن القيِّم عن كثير من السَّلَف (٤).

стр. 24

وهو اختيار الإمام ابن تيمية، وأطال في تقريره (١). وإذا كان الأمر كذلك فليس في المسألة إجماع كما ذكر النووي ﵀. ١٢ ـ ذكره فرضيات مستبعدة: قال النووي ﵀: «قال أصحابنا: ولو خلق للإنسان وجهان وجب غسلهما» (٢)!! يعني في الضوء. «قال الباحث»: ليت النووي ﵀ نزّه شرحه من أمثال هذه الفرضيات البعيدة الوقوع كل البعد!! وقد وقع له في شرحه هذا نظائر من ذلك، كقوله عند حديثه عن سُنّة الخِتَان: «وأما من له ذكران، فإن كانا عاملين وجب ختانهما، وإن كان أحدُهما عاملاً دون الآخر ختن العامل، وفيما يعتبر العمل به وجهان: أحدهما بالبول، والآخر بالجماع … » (٣)!! وقوله: «هل يحلّ أكل المني الطاهر، فيه وجهان، أظهرهما لا يحلّ، لأنه مستقذر، فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة علينا، وأما مني غير الآدمي … » (٤).

стр. 25

وقوله عن ختم القرآن: «وبعضهم يختم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات، وهو أكثر ما بلغنا» (١)!! وهذا محال، لأن الختمة الواحدة تحتاج إلى ما يقارب العشر ساعات، فكيف بمن يختم ثمان ختمات في يوم وليلة؟ هذا يحتاج أكثر من ثلاثة أيام من القراءة المتواصلة دون توقف البتة!! والحاصل أن أمثال هذه الفروع والفرضيات ليس محلها كتب شروح السنة، إن وظيفة كتب شروح السنة هي: بيان معاني الأحاديث النبوية، وما تدلّ عليه من أحكام وحِكم وفوائد، مع دفع ما قد يرد عليها من إشكالات في المتن أو الإسناد، ونحو ذلك من المسائل الواضحات البينات، ذات الصلة المباشرة بالنصوص، وما عدا ذلك فتركه أولى، لاسيما والمؤلف قال في المقدمة: «أقتصر على التوسط وأحرص على ترك الإطالات» (٢). ١٣ ـ إيهامه نفي وجود رواية في الصحيحين وتعقُّب الأئمة له: قال النووي ﵀: «إنما قال ﷺ نحو وضوئي (٣) ولم يقل مثْل، لأن حقيقة مماثلته ﷺ لا يقدر عليها غيره» (٤).

стр. 26

«قال الباحث»: تعقَّبه الحافظ ابن حجر، فقال: «لكن ثَبَتَ التعبير بها في رواية المصنِّف ـ يعني البخاري ـ في الرِّقاق من طريق معاذ بن عبد الرحمن، عن حُمْران، عن عثمان، ولفظُه: من توضَّأ مثل هذا الوُضوء (١)، وله في الصيام من رواية مَعْمَر: من توضَّأ وضُوئي هذا (٢)، ولمسلم من طريق زيد بن أسْلَم، عن حُمران: توضَّأ مثل وضُوئي هذا (٣). وعلى هذا فالتعبير بِنَحْو من تصرُّف الرّواة، لأنها تطلقُ على المِثْلِيَّة مجازاً، ولأن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهراً، لكنّها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروكُ بحيث لا يخلُّ بالمقصود، والله تعالى أعلم» (٤). وبنحو هذا التعقُّب قال غير واحد من الأئمة، كالعيني في عمدة القاري (٥)، والقسطلاني في إرشاد الساري (٦)، والصنعاني في العُدّة (٧). وبهذا يظهر أن نفي النووي لرواية المِثْلِيَّة غير سديد مع ثبوتها في

стр. 27

الصحيحين، والأغلب أنه لم يستحضر ذلك عند كتابة ما تقدم، والله أعلم. ١٤ ـ تصحيحه حديث «من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» وهو ضعيف: قال النووي ﵀: «قال بعض أصحابنا يجب الإيتار (١) مطلقاً لظاهر الحديث، وحجّة الجمهور الحديث الصحيح في السُّنن أن رسول الله ﷺ قال: من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» (٢). «قال الباحث»: كذا صحح الحديث، والصواب أنه ضعيف، فقد رواه أبو داود في سننه (٣) من طريق الحُصين الحُبراني، عن أبي سعد الخير، عن أبي هريرة به مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف، فيه: الحُصين الحُبراني وهو مجهول، قال الذهبي: «لا يعرف» (٤). وقال ابن حزم (٥)، وابن حجر (٦)، والخزرجي (٧): «مجهول».

стр. 28

وقد ضعف الحديث جمع غفير من الأئمة، فقال البيهقي: «ليس بالقوي» (١). وقال ابن عبد البر: «ليس إسناده بالقائم» (٢). وقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: «في إسناده الحُصين الحُبراني وليس بقوي» (٣). وقال ابن حجر: «مداره على أبي سعد الحُبراني الحمْصي، وفيه اختلاف، وقيل إنه صحابي، ولا يصحّ، والراوي عنه حُصين الحُبراني وهو مجهول» (٤). وبناء عليه فلا يسلّم للنووي ﵀ تصحيحه للحديث، والله تعالى أعلم. ١٥ ـ إغفاله موضعاً ثَبَتَ استحباب السواك فيه: قال النووي ﵀: «السواك مستحب في جميع الأوقات، ولكن في خمسة أوقات أشدّ استحباباً، أحدها عند الصلاة … الثاني: عند الوضوء، الثالث: عند قراءة القرآن، الرابع: عند الاستيقاظ من النوم،

стр. 29

الخامس: عند تغيّر الفم» (١). «قال الباحث»: أغفل النووي ﵀ موضعاً سادساً ورد النص به، وهو: عند الدخول إلى البيت، كما ثَبَتَ في صحيح مسلم، من رواية عائشة ﵂، أنها سُئلت: «بأيّ شيءٍ كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته، قالتْ: بالسواك» (٢). ولست أدري لِمَ أغفل النووي هذا الموضع مع ثبوته في صحيح مسلم. وقد قال العلامة ابن علَّان الصديقي تعليقاً على حديث عائشة المذكور: «فيه ندب السواك عند دخول المنزل، وذلك لإزالة ما يحصل عادة بسبب كثرة الكلام الناشئة عن الاجتماع» (٣). وبحسب بعضهم: «ربّما يتغيّر رائحة الفم بمحادثة الناس، فمن حسن معاشرة الأهل إزالته» (٤). ١٦ ـ قوله في الصِّفَة المستحبة لتقليم الأظافر والنظر فيه: قال النووي ﵀ في صفة تقليم الأظافر: «ويستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين، فيبدأ بمسبحة يده اليمنى، ثم الوسطى، ثم البِنْصَر، ثم الِخنْصَر، ثم الإِبهام، ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخِنْصَرها، ثم بِنْصَرها

стр. 30

إلى آخرها، ثم يعود إلى الرجلين اليمنى فيبدأ بخِنْصَرها، ويختم بخِنْصَر اليسرى والله أعلم» (١). «قال الباحث»: ليس على استحباب الترتيب المذكور دليل شرعي، لذلك تعقَّبه الحافظ ابن حجر، فقال: «لم يذكر للاستحباب مستنداً» (٢)!!. ويبدو ـ والله أعلم ـ أن النووي ﵀ أخذ الصفة المذكورة عن الغزالي ﵀، حيث ذكرها في كتابه الإحياء (٣) بنحو ما ذكر النووي. وقد أنكر على الغزالي وقتها عصريُّه الإمام أبو عبدالله المازري المالكي ﵀، وقال: «إنه مبني على ما لا حقيقة له» (٤). وأيّده الحافظُ العراقي، فقال: «لم أجد له أصلاً» (٥). وقال الحافظ السخاوي: «لم يثبت في كيفيته ـ يعني قص الأظافر ـ، ولا في تعيين يوم له، عن النبي ﷺ شيء، وما يعزى من النَّظم في ذلك لعليّ ﵁، ثم لشيخنا ﵀ فباطلٌ عنهما، وقد أفردتُ لذلك مع بيان الآثار الواردة فيه جزءاً» (٦).

стр. 31

١٧ ـ تحسينه إسناد حديث «حوِّلوا مقعدتي قِبَل القبلة» والنظر في ذلك: قال النووي ﵀: «حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بلغه أنّ أناساً يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبي ﷺ : أَوَ قد فعلوها، حوِّلوا بمقعدي إلى القبلة. رواه أحمد في مسنده (١)، وابن ماجه (٢)، وإسناده حسن» (٣). «قال الباحث»: تحسين إسناد هذا الحديث فيه نظر، لأنه مروي من طريق خالد بن أبي الصَّلْت، عن عِراك بن مالك، عن عائشة به. وهذا إسناد فيه علل، منها: أولاً: جهالة خالد بن أبي الصَّلْت، فقد قال الإمام أحمد: «ليس معروفاً» (٤). وقال الذهبي: «لا يكاد يعرف» (٥). وضعفه عبد الحق الإشبيلي (٦).

стр. 32

ثانياً: الانقطاع بين خالد بن أبي الصَّلْت وعِراك، فقد أشار البخاري في تاريخه إلى أن خالد بن أبي الصَّلْت لم يسمع من عِراك (١). ثالثاً: الانقطاع بين عِراك وعائشة، فقد أنكر الإمام أحمد ابن حنبل سماعه منها، وقال: «من أين سمع عن عائشة؟» (٢)، وكذا قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣). ولأجل هذه العلل وغيرها، ضعف الحديث غير واحد من الأئمة، فقال الإمام البخاري: «فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها» (٤). وقال ابن حزم: «ساقط» (٥). وقال الذهبي: «حديث منكر» (٦). وقال ابن القيم: «لا يصحّ، إنما هو موقوف على عائشة» (٧). وبهذا يظهر أن تحسين الإمام النووي لإسناد الحديث المذكور فيه تساهل، والعلم عند الله تعالى.

стр. 33

١٨ ـ كلامٌ موهم في العقود التي يجب أن تصان عنها المساجد: ذكر النووي ﵀ ما يجب صيانة المساجد عنه، فقال: «البيع والشراء وسائر العقود، وما في معنى ذلك» (١). «قال الباحث»: هكذا أطلق النووي منع سائر العقود في المساجد، مع أن جمهور العلماء بمن فيهم الشافعية صرَّحوا باستحباب عقد النكاح في المساجد (٢). قال الحافظ ابن الصَّلَاح: «يستحب أن يكون العقد في مسجد، لما روت عائشة ﵂، قالتْ: قال رسولُ الله ﷺ : «أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدُّفُوف»، أخرجه الترمذي، غير أنه قال: حديثٌ غريبٌ» (٣).

стр. 34

وما من شك أن الإمام النووي لا يخفى عليه مثل هذا، لكن عبارته فيها من الإيهام ما قد يفهم منه التعميم، فاقتضى التنبيه. ١٩ ـ حكايته الاتفاق على جواز تطهُّر الرجل والمرأة من إناء واحد وتعقُّب الأئمة له: قال النووي ﵀: «أما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائزٌ بإجماع المسلمين» (١). «قال الباحث»: حكاية النووي الإجماع في المسألة غير مُسلَّم، فقد انتقده جمع من الأئمة. قال الحافظ العراقي: «ما حكاه ـ النووي ـ من إجماع المسلمين على جواز تطهيرهما من إناء واحد … ليس بجيِّد، فقد حكى ابن عبد البر في التمهيد (٢) عن طائفة أنه لا يجوزُ أن يغترف الرجل مع المرأة من إناء واحد؛ لأن كلَّ واحد منهما يتوضأ حينئذ بفضل صاحبه» (٣). وكذا تعقَّبه في حكاية الإجماع: الحافظ ابن حجر في الفتح، وقال: «فيه نظر» (٤)، وكذا قال الشوكاني في نيل الأوطار (٥).

стр. 35

٢٠ ـ حكايته الاتفاق على ضعف حديث «من أتى امرأته وهي حائض»: قال النووي ﵀: «حديث ابن عباس المرفوع: من أتى امرأته وهي حائض فليتصدَّق بدينار أو نصف دينار، حديث ضعيف باتفاق الحفاظ» (١). «قال الباحث»: ما حكاه من اتفاق الحفاظ على تضعيف الحديث غير مُسلَّم، فقد صححه جمع الأئمة المتقدمين، منهم الحاكم في المستدرك، فقال: «حديث صحيح» (٢)، وكذا صححه الحافظ أبو الحسن ابن القطان في بيان الوهم والإيهام، وأطال في تقرير ذلك، وردّ على من ضعّفه (٣). وكذا ذهب إلى القول بصحته من المتأخرين الحافظ ابن الملقن، وانتصر لتصحيح الحاكم للحديث، وردّ على مخالفيه (٤). ولأجل هذا ردّ الحافظ ابن عبد الهادي على النووي دعواه الاتفاق هذه فقال: «وليس الأمرُ كما قال، وقد تكرر منه هذا في أحاديثَ صحَّحها بعضُ الأئمة، كحديث قيس بن طَلْق في مسِّ الذَّكر، وحديث: «لا نذرَ في معصية، وكفارتُه كفارةُ يمين»، وحديث الحكم بن عمرو في النهي عن توضُّؤ الرجل

стр. 36

بفضل المرأة، وحديث ابن مسعود في الوضوء بالنَّبيذ، وحديث أبي هريرة: «من غسَّل ميتًا فَلْيَغتسِل»، وأحاديث إيجاب نصف صاع من حنطة في صدقة الفطر، وحديث: «نهى عن ثمن الكلب، إلا كلبَ صيد» (١)، انتهى. وهذه الأحاديث التي أشار إليها الحافظ ابن عبد الهادي سيأتي النظر فيها في محلِّها إن شاء الله، والتنبيه عليها إن كان الأمر كما قال، والله أعلم. ٢١ ـ نفيه وجود رواية ثابتة في بعض كتب السنّة: قال النووي ﵀: «وأمَّا ما يقع في كثير من كتب الفقه: إنما ذلك عِرْق انقطع وانفجر (٢)، فهي زيادة لا تعرف في الحديث» (٣). وكرر هذا في كتابه المجموع، فقال: «وقول إمام الحرمين والغزاليِّ: عِرْقٌ انقطع منكر، فلا يعرف لفظة انقطع في الحديث» (٤).

стр. 37

«قال الباحث»: زيادة «انقطع» معروفة، وهي مخرَّجة في مسند الإمام أحمد (١)، وسنن الدارقطني (٢)، ومستدرك الحاكم وصححه (٣)، والبيهقي (٤). لذلك تعقَّب الحافظ ابن الملقن ﵀ الذين أنكروا وجود هذه الزيادة في كتب الحديث، كابن الصَّلَاح والنووي وغيرهما، وقال: «وهو غريب منهم، فهذه اللَّفظة صحيحة، مَوْجُودة في سنن الدَّارقُطني، والبيْهقي، وصحيح الحاكم، وقال: صحيح» (٥). لكن كلام ابن الملقن عليه ملحوظتان: الملحوظة الأولى: أنه فاته أن الزيادة المذكورة مخرَّجة في مسند الإمام أحمد كما سبق، وهو أجلّ من الكتب التي ذكرها، والعزو إليه أولى (٦). الملحوظة الثانية: قوله: إنها لفظة صحيحة، فيه نظر، لأنه تفرَّد بروايتها عثمان بن سعد الكاتب، عن عبدالله بن أبي مُليكة، عن خالته فاطمة بنت أبي حبيش به.

стр. 38

وعثمان بن سعد هذا عامة الأئمة على تضعيفه، كابن معين، وأبي زرعة، والنسائي، والدارقطني وغيرهم (١). وبهذا يظهر أن نفي النووي ﵀ وجود لفظة «انقطع» في كتب السّنة غير سديد، كما أن تصحيح ابن الملقن لها غير سديد أيضاً، وجَلَّ من لا ينسى ولا يهم. ٢٢ ـ قوله بكراهة قطع اللَّحم بالسكين من غير حاجة والنظر فيه: قال النووي ﵀: «يكره ـ قطع اللَّحم بالسكين ـ من غير حاجة» (٢). «قال الباحث»: الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى مستند شرعي، ولم يذكر النووي مستنده على ذلك. نعم أخرج أبو داود بسنده، عن عائشة ﵂ مرفوعاً: «لا تقطعوا اللَّحم بالسكين، فإنه من صنيع الأعاجم» (٣)، لكنه حديث ضعيف، في إسناده: نَجيح بن عبد الرحمن، أبو معشر السندي المدني، ضعفه معظم الأئمة (٤)،

стр. 39

ولخَّص ابن حجر حاله بقوله: «ضعيف» (١). وقد ضعف الحديث جمع كبير من الأئمة، منهم: الإمام أحمد بن حنبل حيث قال: «ليس بصحيح، لا نعرف هذا» (٢). وقال أبو داود: «هو حديث ليس بالقوي» (٣). وقال ابن حجر (٤) والعيني (٥): «حديث ضعيف». وقال الحافظ العراقي: «لم يثبت النهي عن قطع اللحم بالسكين» (٦). وقد ساق الحديث الإمامان ابن عدي (٦) والذهبي (٧) ضمن مناكير أبي معشر. وبناء على ما تقدَّم لا يُسلَّم للنووي ﵀ قوله بكراهة قطع اللحم بالسكين، كيف وقد ثبت عن النبي ﷺ عكس ذلك في أحاديث عدّة، أنه قطع اللحم بالسكين، منها: حديث عمرو بن أميَّة الضمْري، أنه: «رأى رسولَ الله ﷺ يحتزُّ من كتف شاة، فدُعي إلى الصلاة، فألقى السكين،

стр. 40

فصلَّى ولم يتوضأ» (١). ٢٣ ـ نسبته عدم نقض الوضوء بأكل لحم الإِبل إلى الخلفاء الأربعة وتعقُّب الأئمة له: قال النووي ﵀: «اختلف العلماء في أكل لحوم الجزور (٢)، وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، ممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ … » (٣). «قال الباحث»: نسبة هذا القول إلى الخلفاء الأربعة غير مسلَّم، فقد تعقَّبه الحافظ ابن عبد الهادي، وقال: «فيه نظرٌ، وكأنَّهم قالوه فيما مسَّته النار» (٤). يريد ابن عبد الهادي أن هذه النسبة ليست بثابتة عن الخلفاء الأربعة. ومما يؤيد كلام ابن عبد الهادي أن النووي نفسه لم يجزم بالنسبة
следующие страницы →