← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1047

النكت على شرح النووي على صحيح مسلم

هانى فقيه

Полный текст (170 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بفضل المرأة، وحديث ابن مسعود في الوضوء بالنَّبيذ، وحديث أبي هريرة: «من غسَّل ميتًا فَلْيَغتسِل»، وأحاديث إيجاب نصف صاع من حنطة في صدقة الفطر، وحديث: «نهى عن ثمن الكلب، إلا كلبَ صيد» (١)، انتهى. وهذه الأحاديث التي أشار إليها الحافظ ابن عبد الهادي سيأتي النظر فيها في محلِّها إن شاء الله، والتنبيه عليها إن كان الأمر كما قال، والله أعلم. ٢١ ـ نفيه وجود رواية ثابتة في بعض كتب السنّة: قال النووي ﵀: «وأمَّا ما يقع في كثير من كتب الفقه: إنما ذلك عِرْق انقطع وانفجر (٢)، فهي زيادة لا تعرف في الحديث» (٣). وكرر هذا في كتابه المجموع، فقال: «وقول إمام الحرمين والغزاليِّ: عِرْقٌ انقطع منكر، فلا يعرف لفظة انقطع في الحديث» (٤).

стр. 37

«قال الباحث»: زيادة «انقطع» معروفة، وهي مخرَّجة في مسند الإمام أحمد (١)، وسنن الدارقطني (٢)، ومستدرك الحاكم وصححه (٣)، والبيهقي (٤). لذلك تعقَّب الحافظ ابن الملقن ﵀ الذين أنكروا وجود هذه الزيادة في كتب الحديث، كابن الصَّلَاح والنووي وغيرهما، وقال: «وهو غريب منهم، فهذه اللَّفظة صحيحة، مَوْجُودة في سنن الدَّارقُطني، والبيْهقي، وصحيح الحاكم، وقال: صحيح» (٥). لكن كلام ابن الملقن عليه ملحوظتان: الملحوظة الأولى: أنه فاته أن الزيادة المذكورة مخرَّجة في مسند الإمام أحمد كما سبق، وهو أجلّ من الكتب التي ذكرها، والعزو إليه أولى (٦). الملحوظة الثانية: قوله: إنها لفظة صحيحة، فيه نظر، لأنه تفرَّد بروايتها عثمان بن سعد الكاتب، عن عبدالله بن أبي مُليكة، عن خالته فاطمة بنت أبي حبيش به.

стр. 38

وعثمان بن سعد هذا عامة الأئمة على تضعيفه، كابن معين، وأبي زرعة، والنسائي، والدارقطني وغيرهم (١). وبهذا يظهر أن نفي النووي ﵀ وجود لفظة «انقطع» في كتب السّنة غير سديد، كما أن تصحيح ابن الملقن لها غير سديد أيضاً، وجَلَّ من لا ينسى ولا يهم. ٢٢ ـ قوله بكراهة قطع اللَّحم بالسكين من غير حاجة والنظر فيه: قال النووي ﵀: «يكره ـ قطع اللَّحم بالسكين ـ من غير حاجة» (٢). «قال الباحث»: الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى مستند شرعي، ولم يذكر النووي مستنده على ذلك. نعم أخرج أبو داود بسنده، عن عائشة ﵂ مرفوعاً: «لا تقطعوا اللَّحم بالسكين، فإنه من صنيع الأعاجم» (٣)، لكنه حديث ضعيف، في إسناده: نَجيح بن عبد الرحمن، أبو معشر السندي المدني، ضعفه معظم الأئمة (٤)،

стр. 39

ولخَّص ابن حجر حاله بقوله: «ضعيف» (١). وقد ضعف الحديث جمع كبير من الأئمة، منهم: الإمام أحمد بن حنبل حيث قال: «ليس بصحيح، لا نعرف هذا» (٢). وقال أبو داود: «هو حديث ليس بالقوي» (٣). وقال ابن حجر (٤) والعيني (٥): «حديث ضعيف». وقال الحافظ العراقي: «لم يثبت النهي عن قطع اللحم بالسكين» (٦). وقد ساق الحديث الإمامان ابن عدي (٦) والذهبي (٧) ضمن مناكير أبي معشر. وبناء على ما تقدَّم لا يُسلَّم للنووي ﵀ قوله بكراهة قطع اللحم بالسكين، كيف وقد ثبت عن النبي ﷺ عكس ذلك في أحاديث عدّة، أنه قطع اللحم بالسكين، منها: حديث عمرو بن أميَّة الضمْري، أنه: «رأى رسولَ الله ﷺ يحتزُّ من كتف شاة، فدُعي إلى الصلاة، فألقى السكين،

стр. 40

فصلَّى ولم يتوضأ» (١). ٢٣ ـ نسبته عدم نقض الوضوء بأكل لحم الإِبل إلى الخلفاء الأربعة وتعقُّب الأئمة له: قال النووي ﵀: «اختلف العلماء في أكل لحوم الجزور (٢)، وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، ممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ … » (٣). «قال الباحث»: نسبة هذا القول إلى الخلفاء الأربعة غير مسلَّم، فقد تعقَّبه الحافظ ابن عبد الهادي، وقال: «فيه نظرٌ، وكأنَّهم قالوه فيما مسَّته النار» (٤). يريد ابن عبد الهادي أن هذه النسبة ليست بثابتة عن الخلفاء الأربعة. ومما يؤيد كلام ابن عبد الهادي أن النووي نفسه لم يجزم بالنسبة

стр. 41

المذكورة في كتابه المجموع، وإنما قال: «وهو محكي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ … » (١)، فلم يجزم كما فعل هنا في شرح مسلم، وإنما أشار إلى أنه مجرد حكاية قول نُقل عن الخلفاء الأربعة.

стр. 42

ومن كتاب الصَّلاة ٢٤ ـ قوله فيما يستحب للسَّامع قوله عند التَّثويب في أذان الفجر وتعقُّب الأئمة له: قال النووي ﵀: «إذا ثَوَّب (١) المؤذن في صلاة الصبح، فقال: الصلاة خير من النوم، قال سامعه: صَدَقْتَ وبَرِرْتَ» (٢). «قال الباحث»: قول «صَدَقْتَ وبَرِرْتَ» عند سماع: الصلاة خير من النوم، لا أصل له في الشرع، كما أشار إلى ذلك جمع من الحفاظ والأئمة، منهم: الحافظ ابن الملقن (٣)، والحافظ ابن حجر (٤). وقد أنكره أيضاً العلامة الصَّنْعاني، وقال: «هذا استحسانٌ من قائله، وإلَّا فليس فيه سنّةٌ تعتمد» (٥).

стр. 43

وكذا قال العلامة المباركفوري: «لم أقف على حديث يدلّ عليه» (١). ٢٥ ـ حكايته الإجماع على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام والتعقُّب عليه: قال النووي ﵀: «أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام» (٢). «قال الباحث»: حكاية الإجماع فيها نظر، فقد نقَضَه النووي نفسه بعد أسطر عندما حكى عن بعضهم القول بالوجوب، فقال: «وحكي عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيَّار السيَّاري من أصحابنا» (٣). وقد حكي القول بالوجوب أيضاً عن جماعة، منهم: الأوزاعي، والحُميدي شيخ البخاري، وابن خزيمة وغيرهم (٤). كذلك تنتقض حكاية الإجماع بأنه نُقل عن بعض متقدمي المالكية القول بعدم شرعية رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، حكاه عنهم الفقيه الحافظ أبو الوليد الباجي المالكي (٥).

стр. 44

فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ منهم من استحب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ومنهم من أوجب ذلك، ومنهم من نفى المشروعية مطلقاً، فلا إجماع في المسألة كما ادعى النووي. ٢٦ ـ حكايته الاتفاق على ضعف أبي شيبة الواسطي والتعقُّب عليه: قال النووي ﵀: «حديث علي ﵁ أنه قال: «من السنّة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة» ضعيف، متفق على تضعيفه، رواه الدارقطني (١) والبيهقي (٢) من رواية أبي شيبة عبد الرحمن ابن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف بالاتفاق» (٣). «قال الباحث»: كلام النووي عليه ملحوظتان: الملحوظة الأولى: أنه عزا الحديث إلى الدارقطني والبيهقي مع أنه مخرَّج في مسند الإمام أحمد (٤) وسنن أبي داود (٥)، والعزو إليهما أولى ممن ذكر.

стр. 45

الملحوظة الثانية: حكاية الاتفاق على تضعيف عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي فيها نظر، فقد دافع عنه الحافظ ابن حجر في مناسبة أخرى، وقال: «قد أخرج له من طريقه الترمذي، وقال: غريبٌ، وحسَّن له غيرُه، مع قوله إنه تكلّم فيه من قِبَل حفظه، وصحَّح الحاكم من طريقه حديثاً غير هذا، وأخرج له ابن خُزيمة في الصِّيام من صحيحه آخر، لكن قال في القلب من عبد الرحمن شيءٌ» (١). وبهذا يظهر أن حكاية النووي الاتفاق على تضعيف عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي غير مسلَّمة، وإن كان غالبية الأئمة على تضعيفه (٢). ٢٧ ـ اختصاره الشديد في شرح حديث «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام»: ذكر النووي ﵀ حديث أبي هريرة مرفوعاً: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار (٣)» … ثم اكتفى بقوله: «وهذا كله بيان لغِلَظِ تحريم ذلك، والله أعلم» (٤). «قال الباحث»: اختصر الإمام النووي ﵀ كثيراً في شرح هذا

стр. 46

الحديث على خلاف عادته، فالعلماء عادة ما يذكرون عند شرح هذا الحديث بعض أحكام مسابقة المأموم للإمام في الصلاة، ويذكرون الخلاف في تفسير قوله: «يحوِّل الله رأْسه رأْس حمار»، أهو على الحقيقة أم على المجاز؟ ولماذا خصّ الحمار بالذكر دون غيره من الحيوانات، إلى غير ذلك من المسائل. وقد وجدتُ الحافظ ابن الملقن قد تعقَّب النووي بما ذكرته آنفاً، فقال: «واعلم أن النووي ﵀ في «شرحه لمسلم» أَجْحَفَ في شرح هذا الحديث، فلم يذكر فيه غير أنه قال بعد أن روى: «رأْسه ووجهه وصورته»: هذا كلّه بيانٌ لغِلَظِ تحريم ذلك، ولم يَزد» (١)!!. ٢٨ ـ اختلاف قوله في تصحيح حديث: قال النووي ﵀: «ولا يسن زيادة وبركاته (٢)، وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيف (٣)، وأشار إليها بعض العلماء، ولكنها بدعة إذ لم يصحّ فيها حديث» (٤)!!

стр. 47

«قال الباحث»: كذا قال النووي ﵀:، وخالف في كتابيه الآخرين المجموع (١)، وخلاصة الأحكام (٢)، فصحح إسناد زيادة وبركاته، وقال: «إسنادها صحيح»!! وهذا هو رأي جمع من الحفاظ، كلهم صححوا زيادة وبركاته في السلام، منهم: الحافظ دقيق العيد، وابن سيّد الناس (٣)، وابن عبد الهادي (٤)، وابن الملقن (٥)، وابن حجر (٦)، والصنعاني (٧). ٢٩ ـ نسبته نقض الوضوء بلمس المرأة للجمهور والتعقُّب عليه: قال النووي ﵀: «لمس النساء: الجمهور على أنه ينقض» (٨). «قال الباحث»: نسبة القول بالنقض للجمهور بهذا التعميم فيه نظر،

стр. 48

لأن الحنفية لا يرون نقض الوضوء بمس المرأة مطلقاً (١). وأما المالكية (٢)، والحنابلة (٣) فالمشهور عندهم: أنه ينقض إذا كان اللمس بشهوة، ولا ينقض بغير شهوة. فلم يبق قائل بالنقض مطلقاً إلا الشافعية (٤)، فكيف ينسب قول الشافعية وحدهم إلى الجمهور!!. ورجل في قامة الإمام النووي من المؤكد أنه لا يخفى عليه هذا التفصيل، لكن عبارته فيها من الإيهام ما اقتضى التنبيه عليها. * * *

стр. 49

ومن كتاب المسَاجد ٣٠ ـ قوله في إزالة الصَّديد والدماء عن القبور الدَّارسة والنظر فيه: قال النووي ﵀:: «فيه (١) جواز نبش القبور الدَّارسة (٢) وأنه إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض» (٣). «قال الباحث»: رحم الله النووي فإنه لم يحرّر العبارة كما يجب، حتى أصبحت غير مفهومة، لأن القبور الدارسة لا يبقى عادة فيها صديد ولا دماء، لتقادم عهدها، وطول مدتها، وذهاب أثرها، فكيف يشترط إزالة الصديد والدماء منها!! لذلك كان الأولى حذف قيْد «الدارسة» حتى يستقيم الكلام، والعلم عند الله تعالى.

стр. 50

٣١ ـ قوله في مسألة نسخ السُّنَّة للقرآن والنظر فيه: قال النووي ﵀: «نسخ السّنّة للقرآن جوَّزه الأكثرون، ومنعه الشافعي» (١). «قال الباحث»: ما نسبه النووي للأكثرين من تجويز نسخ السّنّة للقرآن فيه نظر، فجمهور العلماء على منع ذلك شرعاً إن كانت السنة آحادية، لأنها أضعف من القرآن ثبوتاً، والأضعف لا يرفع الأقوى منه، ولم يخالف في ذلك إلا قلة قليلة كالظاهرية. وأما السنّة المتواترة فقد جوَّز جماعة نسخها للقرآن، ومنعه جماعة، ولهم مناقشاتٌ وردودٌ مطولة، ليس هذا محلّ ذكرها، والمقصود التنبيه والإعلام بما في كلام النووي من الإجمال والإيهام، والله أعلم (٢). ٣٢ ـ نفيه قولاً ثابتاً عن سعيد بن المُسيِّب: قال النووي ﵀: «وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى عن ابن المُسيِّب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصحّ عنه» (٣).

стр. 51

«قال الباحث»: بل هو ثابت عن سعيد بن المُسيِّب، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سُفْيان، عن حمَّاد، قال: سألتُ عنه سعيد بن المُسيِّب، قال: يُقيمُهُ عن يساره (١). وهذا إسناد صحيح، سفيان هو الثوري، وحمَّاد هو ابن سلمة البصري. لذلك جزم بنسبة هذا القول لسعيد بن المُسيِّب غير واحد من المصنِّفين والشراح، كابن المنذر (٢)، والقاضي عياض (٣)، وابن الأثير (٤)، والحافظ ابن حجر، وقال: «ولم يُتابع على ذلك» (٥). يعني لم يوافِق سعيداً أحدٌ من العلماء على قوله هذا. ٣٣ ـ حكايته الاتفاق على أن المدلِّس لا يُحتجّ بحديثه إلا إذا صرَّح بالسَّماع، وتعقُّب الأئمة له: قال النووي ﵀: «اتفقوا على أن المدلِّس لا يُحتجّ بعنعنته» (٦). وكرر هذا في كتابه المجموع في مواضع، فقال: «أجمع العلماء من

стр. 52

المحدثين والفقهاء والأصوليين أن المدلِّس إذا قال عن لا يحتجّ بروايته» (١). وفي موضع آخر: «اتفق العلماء على أن المدلِّس إذا قال عن لا يحتجّ بروايته» (٢). «قال الباحث»: إطلاق الاتفاق بهذه الصورة فيه نظر، فهناك من الأئمة من يحتجّ بحديث المدلِّس حتى وإن قال عن. حكى هذا الخطيب البغدادي عن خلْق كثير من العلماء (٣). وهناك من ردّ حديث المدلِّس مطلقاً وإن صرَّح بالسماع، حكاه ابن الصَّلَاح عن بعضهم (٤). وهناك من فصَّل في المسألة، فقال: إن كان تدليس الراوي نادراً أو كان لا يدلِّس إلا عن ثقة، فعنعنته محتجّ بها. وإن كان الراوي كثير التدليس، فروايته مردودة، إلا ما صرح فيه بالسماع. وأما من كان كثير التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، فهذا متفق بين الأئمة على ردّ حديثه، إلا ما صرَّح فيه بالسماع. هذا مجمل ما قرره أئمة هذا الشأن، كالحافظ العراقي (٥)، وابن

стр. 53

حجر (١) رحمهما الله، فليس في المسألة اتفاق عام كما توهم عبارة النووي ﵀. وبعد كتابة الأسطر السابقة، رأيت الحافظين العراقي والسخاوي، قد تعقبا حكاية النووي للاتفاق المذكور، فقال الحافظ العراقي: «حكى ـ النووي ـ في شرح المهذب الاتفاق على أن المدلِّس لا يحتجّ بخبره إذا عنْعن وهذا منه إفراط» (٢). وأما الحافظ السخاوي فأشار إلى الخلاف في المسألة، ثم ذكر كلام النووي، وقال إنه: «مُتَعَقَّب» (٣). ٣٤ ـ إيهامه أن دليل منع البيع والشراء في المساجد ثبت بالقياس مع أنه ثابت بالنص: قال النووي ﵀: «في هذين الحديثين (٤) فوائد منها: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويلحق به ما في معناه من البيع

стр. 54

والشراء والإجارة ونحوها» (١). «قال الباحث»: عبارة النووي توهم أن دليل منع البيع والشراء في المسجد هو القياس على نشد الضالة وليس كذلك، بل هو ثابت بالنص، كما في حديث أبي هريرة مرفوعاً: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أرْبح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالةً، فقولوا: لا ردَّ الله عليك» (٢). وإذن فالنهي عن البيع والشراء في المسجد ثابت بالنص لا بالقياس، والإمام النووي لا يخفى على مثله هذا، كيف وقد ذكره في كتابه المجموع (٣) عندما عدّد ما ينهى عنه في المسجد، لكن عبارته الآنفة موهمة، فلزم التنبيه عليها، والله أعلم. ٣٥ ـ تحسينه حديثاً ضعيفاً في سكوت الإمام بعد قراءة الفاتحة: قال النووي ﵀: «يُستحب عندنا وعند جماعة للإمام أن

стр. 55

يسكت في الجهرية بعد الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، وجاء فيه حديثٌ حَسَنٌ في سنن أبي داود وغيره» (١). «قال الباحث»: الحديث المشار إليه ذكره النووي في شرح المهذب (٢)، وهو ما رواه الحَسَن البصري، عن سمُرة بن جُندب، أنه: «حَفِظَ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتةً إذا كبَّر، وسكتةً إذا فَرَغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]» (٣). وتحسين النووي ﵀ للحديث فيه نظر، والأرجح أنه ضعيف، لأن مداره على الحَسَن البصري، يرويه عن سمُرة بن جُندب. وبغض النظر عن خلاف العلماء في سماع الحَسَن من سمُرة، إلا أنه كان كثير التدليس (٤)، ولم يصرِّح بالسَّماع من سمُرة بن جُندب. لذلك قال ابن المنذر: «في إسناده مقال» (٥). وقال الجَصَّاص: «حديث السكتتين غير ثابت» (٦).

стр. 56

وقد أعلّه الشيخان: الألباني (١)، وشعيب الأرنؤوط (٢) بهذه العلّة، أعني عدم تصريح الحَسَن بالسَّماع من سمُرة، والله أعلم. ٣٦ ـ كلامه في تحديد عوالي المدينة والنظر فيه: قال النووي ﵀: «أما العوالي فهي القُرى التي حول المدينة، أبعدها على ثمانية أميال من المدينة، وأقربها ميلان، وبعضها ثلاثة أميال» (٣). «قال الباحث»: عوالي المدينة هي من جهة الشرق بالتحديد، كما نص عليه كثير من الكتاب والمؤرخين، بمن فيهم النووي نفسه في كتابه تهذيب الأسماء واللغات، حيث قال: «هي مواضع وقُرى بقرب مدينة رسول الله ﷺ من جهة الشرق» (٤). وقال ابن حجر: «العوالي: عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها» (٥). فلو قيَّد النووي العبارة في شرح مسلم كما قيَّدها في تهذيب الأسماء واللغات لكان أحسن، لأنها جاءت مطلقة لم تحدّد، فأوهمت أن هذه القرى

стр. 57

من جميع جهات المدينة!! ٣٧ ـ مخالفته جمهور العلماء في تاريخ غزوة الأحزاب: قال النووي ﵀ عن غزوة الأحزاب: «كانت سنة أربع من الهجرة، وقيل سنة خمس» (١). «قال الباحث»: أكثر علماء المغازي على القول الثاني، وهو أن غزوة الأحزاب كانت سنة خمس، كما يقول الحافظ ابن حجر (٢). وكذا نسبه إلى الأكثر جمع من العلماء، منهم: ابن حزم الأندلسي (٣) والحافظ ابن كثير (٤)، والديار بكري (٥)، والحلبي (٦)، والدكتور العُمري (٧) وغيرهم كثيرون. وعلى كل فللنووي ﵀ سَلَف فيما ذهب إليه (٨)، وإن كان خلافاً للجمهور.

стр. 58

٣٨ ـ تصحيحه حديث أنس في قنوت صلاة الصبح وهو ضعيف: قال النووي ﵀: «وأما أصل القنوت في الصبح فلم يتركه ـ يعني النبي ﷺ ـ حتى فارق الدنيا، كذا صحّ عن أنس ﵁» (١). «قال الباحث»: حديث أنس المشار إليه لا يصحّ، فقد أخرجه أحمد (٢)، والدارقطني (٣)، والبيهقي (٤)، وغيرهم، كلهم من طريق أبي جعفر الرازي، عن الرَّبيع بن أنس، عن أنس بن مالك، أنه قال: «مازال رسول الله ﷺ يقنتُ في الفجر حتى فارق الدنيا». وهذا إسناد ضعيف، مداره على أبي جعفر الرازي، واسمه عيسى بن ماهان، مختلف فيه، وقد ضعفه جمع كبير من الحفاظ، منهم الإمامان أحمد (٥) وابن حبان (٦) وغيرهما (٧). وقال ابن حجر: «صدوق سيء الحفظ، خصوصاً عن مغيرة» (٨).

стр. 59

لذلك ضعف الحديث جمع غفير من الأئمة منهم: ابن الجوزي، وقال: «لا يصحّ» (١)، وابن القيم (٢)، وابن التركماني (٣)، وابن رجب، وقال: «منكر، روي عن أنس من وجوه كثيرة، لا يثبت منها شيء، وبعضها موضوعة» (٤). وقال الحافظ ابن حجر: «اختلفت الأحاديث عن أنس واضطربت، فلا يقوم بمثل هذا حجة» (٥). لذلك لا يسلَّم للنووي تصحيحه الحديث المذكور، والعلم عند الله تعالى.

стр. 60

ومن كتاب صلاة المُسافرين وقصرها ٣٩ ـ نسبتُه حديثاً لصحيح مسلم ليس فيه: قال النووي ﵀: «في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ ، فمنهم القاصر ومنهم المُتِم، ومنهم الصائم ومنهم المُفْطر، لا يعيبُ بعضهم على بعض» (١). «قال الباحث»: هذا وهم من النووي ﵀، فالحديث ورد في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد الخُدري وجابر بن عبدالله، ومن رواية أنس ابن مالك، لكن ليس فيه البتَّة ذكر القصر والإتمام في السفر، وإنما فيه الفطر والصوم فحسب. ولفظه من حديث أبي سعيد وجابر ﵄، قالا: «سافرنا مع رسول الله ﷺ ، فيصوم الصائم، ويفطر المُفْطر، فلا يعيب بعضهم على بعض» (٢). ولفظه من رواية أنس بن مالك، قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فلم يعب الصائم على المُفْطر، ولا المُفْطر على الصائم» (٣).

стр. 61

ثم وجدت جماعة من أهل العلم قد تعقَّبوا النووي بنحو ما ذكرته، منهم العلامة الشوكاني، حيث قال: «ولم نجد في صحيح مسلم قوله: «فمنهم القاصر ومنهم المتُم» (١). وكذا تعقَّبه الشيخ الكشميري، فقال: «والعجبُ من الشيخ النووي أنه ذكر مع هذه القطعة؛ قطعة إتمام الصلاة في السفر وقصرها أيضاً، ثم عزاه إلى مسلم، مع أنه ليس فيه اسمُها ولا رسمُها» (٢). وكذا قال الشيخ المباركفوري في تحفة الأحوذي (٣). ٤٠ ـ نسبته حديثاً لسنن أبي داود وهو في صحيح مسلم: قال النووي ﵀: «ثبتَ عن أمِّ هانئ أن النبي ﷺ يوم الفتْح صلَّى سُبحة الضُحى ثمانِ ركعات، يُسلِّم من كلِّ ركعتين، رواه أبو داود في سننه (٤) بهذا اللفظ، بإسناد صحيح على شرط البخاري» (٥). «قال الباحث»: حديث أمِّ هانئ ثابتٌ في صحيح مسلم، والعزو إليه أولى من أبي داود، ولفظه عند مسلم، عن أمِّ هانئ بنت أبي طالب ﵂: «أنه لمَّا كان عامُ الفتْح، أتَتْ رسولَ الله ﷺ وهو بأعلى مكة، قام رسولُ الله ﷺ

стр. 62

إلى غسله، فسترتْ عليه فاطمةُ، ثم أخذ ثوبه فالتحف به، ثم صلَّى ثمانِ ركعات، سُبحة الضُحى» (١). وقد سبق للنووي ﵀ شرح هذا الحديث في موضعه من شرحه على صحيح مسلم، ومما قاله هناك: «هذا اللفظ فيه فائدة لطيفة، وهي أن صلاة الضُحى ثمانِ ركعات، وموضع الدلالة كونها قالت سُبحة الضُحى، وهذا تصريح بأن هذا سنّة مقررة معروفة، وصلَّاها بنيَّة الضُحى، بخلاف الرواية الأخرى صلَّى ثمانِ ركعات وذلك ضُحى، فإنَّ من الناس من يتوهم منه خلاف الصواب، فيقول: ليس في هذا دليل على أنَّ الضُحى ثمانِ ركعات، ويزعم أنَّ النبي ﷺ صلَّى في هذا الوقت ثمانِ ركعات بسبب فتْح مكة لا لكونها الضُحى، فهذا الخيال الذي يتعلَّق به هذا القائل في هذا اللفظ لا يتَأتَّى له في قولها سُبحة الضُحى» (٢). هذا كلام النووي نقلته بحروفه، لكنه ﵀ نسيه هنا، فاكتفى لإثبات سنيَّة صلاة الضُحى بحديث عزاه إلى سنن أبي داود فحسب، وهو كما قلنا ثابتٌ في صحيح مسلم. ولعل سبب ذهول النووي ﵀ أن مسلماً أخرج حديث أمِّ هاني الصَّريح في سنَّة الضُحى في غير مظنته، فقد أخرجه في كتاب الحيْض، بينما

стр. 63

لم يذكره مع الأحاديث التي أخرجها في استحباب صلاة الضُحى، من كتاب الصلاة، والعلم عند الله تعالى. ٤١ ـ حكايته الإجماع على كراهة الصلاة التي لا سبب لها في أوقات النهي وجواز الفرائض المؤداة فيها والتعقُّب عليه: ذكر النووي ﵀ أحاديث النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس (١)، ثم قال: «أجمعت الأمَّةُ على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها» (٢). «قال الباحث»: هاهنا مسألتان حكى النووي الإجماع فيهما: المسألة الأولى: كراهة الصلاة التي لا سبب لها في أوقات النهي. المسألة الثانية: جواز أداء صلاة الفريضة في أوقات النهي. والصواب ألّا إجماع في المسألتين، فالخلاف فيهما مشهور، لذلك تعقبه الحافظُ ابن حجر، فقال: «ما نقله ـ النووي ـ من الإجماع والاتفاق مُتعقَّب فقد حكى غيره عن طائفة من السَّلَف الإباحة مطلقاً، وأن أحاديث النهي منسوخةٌ، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم (٣).

стр. 64

وعن طائفة أخرى المنع مطلقاً في جميع الصلوات، وصحّ عن أبي بكرة وكعب ابن عُجرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات» (١). قلت: وكذا تعقَّبه الحافظُ العراقي، فقال بعد أن ذكر أن الحنفية منعوا الصلوات جميعاً في أوقات النهي ولو كانت فريضة فائتة (٢)، قال ﵀: «وبذلك يظهر أن قول النووي في شرح مسلم اتفقوا على جواز الفرائض المؤدَّاة فيها مردودٌ، فإن الحنفية منعوا الصبح فيها، وزاد بعضهم على ذلك فمنع العصر، أيضاً ذكر ابن حزم من طريقين: أن أبا بكرة نام في بستان عن العصر، فلم يستيقظ حتى اصفرّت الشمس، فلم يصلّ حتى غربت الشمس، ثم قام فصلَّى» (٣). وإذن فلا إجماع في كلتا المسألتين، والله تعالى أعلم. ٤٢ ـ حكايته الإجماع على جواز صلاة الجنازة في أوقات النَّهي وتعقُّب الأئمة له: ذكر النووي ﵀ حديث عُقبة بن عامر مرفوعاً: «ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلِّي فيهن، أو أن نقبُر فيهنّ موتانا، حين تطلع

стр. 65

الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب» (١)، ثم قال: «صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت (٢) بالإجماع» (٣). «قال الباحث»: حكاية الإجماع في المسألة متعقَّبة، فالخلاف فيها مشهور، وقد ذهب جمع من العلماء إلى كراهة صلاة الجنازة في الأوقات المذكورة. قال الإمام الترمذي بعد أن روى حديث عقبة بن عامر السابق: «العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: يكرهون الصلاة على الجنازة في هذه الساعات … وهو قول أحمد وإسحاق» (٤). وقد تعقَّب العلامة المباركفوري كلام النووي أيضاً، وقال: «قوله صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فيه نظر ظاهر، كما ستقف على ذلك في بيان المذاهب … » (٥)، ثم ساق أقوال العلماء وخلافهم في المسألة. وكذا تعقَّب حكاية الإجماع هذه الحافظ ابن حجر، وإن لم يسم النووي،

стр. 66

فقال: «وحكى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في الأوقات المكروهة وهو متعقَّب» (١). وفي مرقاة المفاتيح: «المذهب عندنا ـ الحنفية ـ أن هذه الأوقات الثلاثة يحرُم فيها الفرائض والنوافل، وصلاة الجنازة … » (٢). فكل هذه النقول الموثقة تنقض ما ذكره النووي ﵀ من الإجماع على عدم كراهة صلاة الجنازة في أوقات النهي المذكورة، والعلم عند الله تعالى.

стр. 67

ومن كتاب الجُمُعة ٤٣ ـ نسبته قولاً للقاضي عياض وهو لغيره: ذكر النووي ﵀ حديث مسلم: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فُرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له … » (١)، ثم قال: «قال القاضي: الظاهر أنه فُرض عليهم ـ أي أهل الكتاب ـ تعظيمُ يوم الجمعة بغير تعيين، ووَكَل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختلف اجتهادهم في تعيينه، ولم يهدهم الله له … ولو كان منصوصاً لم يصحّ اختلافهم فيه» (٢). «قال الباحث»: ما نسبه النووي للقاضي عياض ليس من كلامه، وإنما نقله القاضي عن بعض المشايخ (٣)، وهذا نص كلامه في إكمال المعلم: «وقال بعض المشايخ ما معناه: إنه ليس في الحديث دليلٌ أن يوم الجمعة فُرض عليهم تعيينه، فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك فرضًا فُرض عليه، والظاهر

стр. 68

أنه فرض عليهم يوم الجمعة يعظمونه بغير تعيين، ووَكَل إلى اختيارهم تعيينه … ولو كان منصوصاً عليه لم يصحّ اختلافهم» (١). وقد نبّه على وهم النووي الحافظُ العراقي، فقال: «حكى القاضي عياض هذا الكلام عن بعض المشايخ، فجاء النوويّ في شرح مسلم فحكاه عن القاضي نفسه، وقد عرفتَ أنه إنما حكاه عن غيره» (٢). ثم ردّ العراقي بقوة على هذا القول، ووصفه بأنه قول بارد، لأن مخالفات اليهود والنصارى لأوامر الله كثيرة، ولذلك ذمهم الله تعالى. يعني فلا يستغرب منهم تضييع يوم الجمعة بعد أن فرض الله عليهم تعظيمه وعيّنه لهم، والله تعالى أعلم.

стр. 69

ومن كتاب صلاة العيدين ٤٤ ـ قوله بأن السيدة عائشة كانت دون سن البلوغ عند مشاهدتها للحَبَشَة وهم يلعبون بالحراب في المسجد وتعقُّب الأئمة له: أبدى الإمام النووي ﵀ احتمال كون السيدة عائشة ﵂ كانت صغيرة لم تبلغ ولم تكلّف، عندما كانت تنظر مع النبي ﷺ للحبشة وهم يلعبون بالحراب في المسجد (١). وقد ذكر هذا الاحتمال حتى يردّ على من استدل بالحديث على جواز نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي!! ونصّ عبارة النووي: «لعل هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر، وأنها كانت صغيرةً قبل بلوغها، فلم تكن مكلَّفة» (٢). «قال الباحث»: تعقَّبه الحافظ ابن حجر، فقال: «الظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها، وقد تقدم من رواية ابن حبَّان (٣) أن ذلك وقع لما قدم وفْد الحبشة،

стр. 70

وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنة» (١). وبنحو كلام ابن حجر قال جمع من الأئمة، منهم: الحافظ العيني (٢) والسيوطي (٣)، والقسطلاني (٤).

стр. 71

ومن كتاب الكسوف ٤٥ ـ حكايته الإجماع على سنِّيَّة صلاة الكسوف وتعقُّب الأئمة له: قال النووي ﵀: في حكم صلاة الكسوف: «أجمع العلماءُ على أنَّها سنةٌ» (١). «قال الباحث»: حكاية الإجماع فيها نظر، فقد نقل الحافظُ ابن حجر عن بعض العلماء أنه أوجبها، فقال: «الجمهور على أنها سنة مؤكدةٌ، وصرَّح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها (٢)، ولم أره لغيره، إلَّا ما حكي عن مالك أنَّه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزَّين بن المنيّر عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنِّفي الحنفية أنها واجبة» (٣). وهذا الذي ذكره ابن حجر عن بعض الحنفية، صرَّح به غير واحد من علماء الحنفية كالعلامة الكاساني، حيث قال: «وقال بعض مشايخنا

стр. 72

إنها واجبة» (١). وكذا قال العيني: «وقال بعض مشايخنا إنها واجبة، للأمر بها» (٢). والحاصل أن لا إجماع في المسألة كما ذكر النووي ﵀.

стр. 73

ومن كتاب الجَنَائز ٤٦ ـ كلامٌ موهم في استحباب مشْط رأس الميِّت وضفْره: قال النووي ﵀: «فيه (١) استحباب مشْط رأس الميِّت وضَفْره» (٢). «قال الباحث»: كلام النووي ﵀ يوهم تسوية الحكم بين المرأة والرجل في استحباب المشط والضَّفْر المذكور. وهذا ما لم يقل به أحدٌ من أهل العلم فيما أعلم، فإن عامة العلماء على اختصاص ذلك بالمرأة وحدها (٣). والحاصل أن النووي ﵀ لم يحرّر العبارة كما يجب، وكان الأولى أن يقول: فيه استحباب مشط رأس المرأة وضفره، بدلاً من قوله: رأس الميِّت، والله أعلم.

стр. 74

٤٧ ـ حكايته الاتفاق على ضعف حديث «من غسل ميتاً فليغتسل» وتعقُّب الأئمة له: ذكر النووي ﵀ حديث أبي هريرة مرفوعاً: «من غسل ميتاً فليغتسل، ومن مسَّه فليتوضأ» (١)، ثم قال: «ضعيف بالاتفاق» (٢)!! «قال الباحث»: حكاية الاتفاق غير مسلَّمة، فالحديث حسنه الترمذي (٣)، وصححه ابن حبان (٤)، وابن السكن (٥). وكل هؤلاء الأئمة كانوا قبل النووي (٦). لذلك تعقَّبه الحافظ ابن عبد الهادي، فقال: «ليس الأمر كما قال» (٧). وكذا تعقَّبه الحافظ ابن الملقن فقال: «كذا قاله النووي في «شرح مسلم»،

стр. 75

وتبعه بعض شراح هذا الكتاب ـ يعني عمدة الأحكام ـ، وليس بجيّد … » (١)، ثم أخذ يسمى بعض من صححه. نعم لو قال النووي: الحديث ضعيف عند أكثر العلماء لكان أصوب، فقد نُقِلَ تضعيفه عن الإمام أحمد، وابن المديني، والذهلي، والبخاري، والبيهقي، وابن الجوزي وغيرهم من الأئمة (٢). ٤٨ ـ حكايته الاتفاق على ضعف يزيد بن أبي زياد مع توثيق جمع من الأئمة له: قال النووي ﵀: «يزيد بن أبي زياد مجمع على ضعفه» (٣). «قال الباحث»: رحم الله النووي ما أكثر ما يحكي الإجماع في مسائل اشتهر فيها الخلاف!! ويزيد بن أبي زياد هذا وإن كان أكثر الأئمة على ضعفه، لكنهم لم يجمعوا على ذلك كما ذكر النووي، فقد أخرج له مسلم في صحيحه مقروناً بغيره (٤). وأخرج الترمذي حديثاً من طريقه وحسنه (٥).
следующие страницы →