بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
أما بعد: فقد انتسب إلى أبي الحسن الأشعري في هذا العصر كثير من المسلمين، وأطلقوا على أنفسهم الأشاعرة نسبة إليه، وادعوا أنهم ملتزمون بما هو عليه في الاعتقاد وخاصة في مسائل الصفات، والحق أنهم لم يأخذوا بالعقيدة التي اعتنقها إمامهم في نهاية حياته كما في كتاب (الإبانة) و (المقالات) ، ومن العجيب أنهم زعموا أن الإمام أبا الحسن الأشعري ألف
стр. 3
كتابه (الإبانة) مداراة للحنابلة وتقية، وخوفا منهم على نفسه.
وهذا كلام فيه نظر، بل إنه جد خطير، إذ إن فيه قدحا في الإمام أبي الحسن الأشعري واتهاما له بأنه يبدل عقيدته - في الظاهر - على حسب الأحوال والملابسات، أو مجاراة للتيارات الفكرية السائدة، وهذه مسألة خطيرة، فالغاية لا تبرر الوسيلة عند أهل الحق، وينبغي للإنسان أن يحسن الظن بأمثال الإمام في هذا، بل إنني أجزم ببطلان هذا الزعم في حق الإمام الجليل، إذ إنه لا يمكن أن يداري أو يجاري في عقيدته، وهي مدار السلامة وهي العقد بينه وبين الله تعالى، ولا يفعل هذا إلا الموغلون في البدعة، والذين ليسوا على رسوخ في عقيدتهم وثقة بما هم عليه، كأمثال الباطنية وغيرهم. ثم إن الحنابلة لم تكن لهم سلطة يمكن أن تلحق الأذى بالإمام، بل كان في أيامه كثيرون من المبتدعة المعاندين، ولم ينزل بهم بطش الحنابلة وبأسهم، فهذه دعوى باطلة مردودة.
وقد صرح الإمام في هذين الكتابين بأنه على عقيدة أهل الحديث، والزاعمون لهذا البطلان ممن انتسبوا إلى الإمام وسموا أنفسهم بالأشاعرة إنما هم في الحقيقة قد سلكوا طريقة ابن كلاب البصري، وهو ما كان عليه الأشعري في طوره الثاني من أطوار اعتقاده؛ فقد كان أولا معتزليا ثم تحول إلى مذهب ابن كلاب ثم استقر أخيرا على عقيدة السلف.
стр. 4
وادعى أتباعه أنهم هم أهل السنة والجماعة، ونسبوا من آمن بالنصوص الشرعية في الصفات الإلهية وأجراها على ظاهرها بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل نسبوه إلى التشبيه والتجسيم، وهذا عين المخالفة لإمامهم حيث صرح بإثبات الصفات التي وردت في الكتاب والسنة، وردَّ على المعطلة والمشبهة. ولتوضيح هذه الحقيقة وتجليتها رأيت إبراز ما قرَّره في المقالات من مذهب أهل الحديث وصرح بأنه ملتزم به مع التعليق والإيضاح لما يحتاج لتعليق وذلك لبيان مدى موافقة الأشعري لمنهج السلف ومعتقدهم ومن ثم يظهر مخالفة أتباعه له في الاعتقاد.
وحسب علمي فإن ما قرره الأشعري في مقالاته عن أهل الحديث لم يحظ بشرح مستقل ولم يعتن به، لذا وضعت هذا الشرح المختصر. أما المنهج الذي سأتبعه في هذا الشرح فهو كالآتي:
١ - رأيت أن أفضل من يشرح ما قرره الأشعري عن أصحاب الحديث في أمور الاعتقاد هم أهل الحديث أنفسهم لذا فإني أرجع إلى الكتب المؤلفة في عقيدة أهل السنة والجماعة على طريقة أهل الحديث وهي ما يأتي:
أ- اعتقاد أئمة أهل الحديث للحافظ الإمام أبي بكر الإسماعيلي.
стр. 5
ب- اعتقاد السلف أصحاب الحديث للحافظ الإمام شيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل الصابوني.
ج- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للحافظ الإمام شيخ الإسلام أبي القاسم عبد الله اللالكائي.
د- الحجة في بيان المحجة للإمام الحافظ أبي محمد الفضل التيمي الأصبهاني وغير ذلك من كتب أهل السنة والجماعة.
٢ - فإن لم أجد اجتهدت في شرح كلام المؤلف مستدلا له من الكتاب والسنة، وقد أذكر أقوال أهل العلم، وقد أكتفي بذكر الأدلة فقط لوضوح المسألة وجلائها.
٣ - كما أني لم ألتزم في الجملة بطريقة واحدة في العرض، فقد أبدأ بذكر الأدلة ثم أثني بالنقل عن أهل العلم، وقد أبدأ بالنقل عنهم أولا لتقرير وبسط وشرح ما ذكره الأشعري.
٤ - عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها من كتاب الله تعالى وذلك بذكر السورة ورقم الآية.
٥ - قمت بتخريج الأحاديث الواردة في الكتاب سواء في ثنايا النقول عن الأئمة أو غير ذلك، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت به، وإلا اجتهدت في بيان موضعه من كتب السنة الأخرى مع بيان درجته من حيث
стр. 6
الصحة وذلك نقلا عن أهل العلم المعتبرين.
٦ - قسمت الكتاب إلى فقرات وضعت لكل منها عنوانا وذلك على حسب موضوعها تسهيلا على القارئ.
٧ - قمت بشرح معاني الكلمات الصعبة المحتاجة إلى بيان وذلك في البند الخاص بـ " اللغة ".
٨ - قمت بعمل خلاصة لكل فقرة توجز أهم ما يستفاد منها.
٩ - قمت بعمل مناقشة تشتمل على بعض الأسئلة فيما يتعلق بموضوع الفقرة، وذلك تحفيزا للقارئ على الانتباه، ولكي يصلح الكتاب كذلك للناشئة الذين يستفيدون من هذه الطريقة.
هذا والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي الخطأ والزلل، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 7
[أصول الاعتقاد عند أهل الحديث]
قال أبو الحسن الأشعري:
هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة (أصول الاعتقاد عند أهل الحديث) * جملة ما عليه أهل الحديث والسنة:
الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله.
اللغة: (جملة) أي مجمل ومجموع - (الإقرار) الاعتراف والتصديق.
الشرح: سُمُّوا أهل الحديث لاتباعهم الحق بدليله من الكتاب والسنة ولتتبعهم أحاديث رسول الله ﷺ للعمل بها وتقديمها على كل قول (١) ؛ فهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية الثابتة على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه كيف لا وهم يتقربون إلى الله تعالى باتباع سنة رسول الله ﷺ وطلبهم لآثاره.
قال علي بن المديني في تفسيره لحديث رسول الله صلى الله
стр. 8
عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ولا يضرهم من خالفهم» ، قال: (هم أهل الحديث والذين يتعاهدون مذاهب الرسول ويذبون عن العلم) [شرف أصحاب الحديث ص ١٠] ، وسئل الإمام أحمد عن معنى هذا الحديث فقال: (إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم) . [معرفة علوم الحديث ص ٢] .
وقال الحاكم: (لقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يُرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين واتبعوا آثار السلف من الماضين ومنعوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين) . [معرفة علوم الحديث ص٢] . وقال ابن حبان في قول النبي ﷺ : «فعليكم بسنتي» (١) قال: (إن من واظب على السنن وقال بها ولم يعرج على غيرها من الآراء فهو من الفرق الناجية) . [الإحسان (١ / ١٠٥) ] .
стр. 9
وهذا ردٌّ بالغ على من يزعم أن أهل الحديث ليسوا طائفة معينة، ومنشأ هذا الزعم الفاسد أن لفظ (أهل الحديث) يطلق على اصطلاحين:
الأول: كل من اشتغل بعلم الحديث فهذا يدخل فيه أهل السنة والجماعة وأهل البدع، فعلى هذا الاصطلاح ليس أهل الحديث طائفة معينة.
الثاني: من يعتقد عقيدة أئمة الحديث والسنة فعلى هذا لا يدخل فيهم أهل البدع، فكلام أئمة السنة في الثناء على (أهل الحديث) وأنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ينصبُّ هذا على الاصطلاح الثاني، ويدخل في ذلك كل من كان على عقيدة أئمة السنة ولو لم يكن من علماء أهل الحديث. [انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١ / ٢٤) ] .
تنبيه:
كلمة: (أهل الظاهر) يستخدمها أهل البدع ويطلقونها على أهل السنة، وهي أيضا تطلق على معنيين:
الأول: عدم تأويل نصوص الوحي سواء كانت في المسائل العلمية العقدية أو المسائل الفقهية العملية وتقديم نصوص الشرع على جميع أقوال الناس كائنا من كان، والذهاب خلف النصوص أينما سارت ركائبها، فكلمة أهل الظاهر على هذا الاصطلاح تساوي كلمة أهل الحديث وأصحاب الحديث
стр. 10
وأهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة.
الثاني: هو من يقصر نصوص الشرع عن دلالتها الوضعية والالتزامية والتضمنية كمن يزعم في قول النبي ﷺ : «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» (١) أنه لا يجوز التبول في الماء الدائم ولكن لو بال في الإناء ثم صب ما في الإناء من البول في الماء الدائم جاز.
ووجه بطلان هذا الزعم أنه قصر نص الشارع عن دلالاته المعنوية فإنه إن لم يجز التبول في الماء الدائم فصبُّ ما في الإناء من البول في الماء الدائم أولى ألا يجوز؛ فإن البول في الماء الدائم قد تدعو الحاجة إليه، أما البول في الإناء ثم صبه فيه فلا موجب له بل هو محض العبث في الماء، فهذه الطريقة ليست طريقة أهل الحديث.
فأهل الظاهر على هذا المعنى الثاني: هم على طرفي نقيض مع متعصبة أهل الرأي الذين حرفوا نصوص الشرع وأولوها لكي توافق مذاهبهم، وقدموا أقوال أئمتهم وآراءهم على نصوص الشرع.
وأهل الحديث هم وسط بين إفراط أهل الرأي وتفريط أهل
стр. 11
الظاهر. وقد أطلق المبتدعة على أصحاب الحديث أنهم (أهل الظاهر) وأنهم (حشوية) و (مشبهة) و (مجسمة) لتنفير الناس عن طريقة أهل الحديث؛ وهم كاذبون في رميهم لهم بالحشوية والمشبهة والمجسمة، وأما رميهم (بأنهم أهل الظاهر) . فإن قصدوا المعنى الأول فهذا لا يضرهم ويقال لأهل البدع: هل أنتم باطنية فترمون أهل الحديث بالظاهرية؟ بل يقال لأهل البدع: أنتم لا شك باطنية في كثير من تأويلاتكم وتحريفاتكم لنصوص الشرع في العقائد والمسائل الفقهية.
فأهل الحديث على هذا أهل ظاهر وليسوا باطنية مثلكم فهذه منقبة لهم لا مثلبة، والحمد لله.
وإن قصدتم المعنى الثاني: لـ (أهل الظاهر) فعامة أهل الحديث براء من هذا، والله أعلم.
الإقرار بالله: شرع المؤلف في بيان أصول الإيمان الستة المذكورة في حديث جبريل وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وسيأتي كلام المؤلف على القدر واليوم الآخر في ثنايا الكتاب، ومعنى الإيمان بالله : الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومالكه وخالقه، وأنه مستحق لصفات الكمال المنزه عن صفات النقص والعيب، وأنه وحده المستحق لأن يفرد بالعبادة والخضوع والطاعة،
стр. 12
فهو سبحانه متفرد بالربوبية والألوهية وصفات الكمال فلا يكون العبد مؤمنا حتى يوحد الله في الربوبية والألوهية وفي الأسماء والصفات. [انظر تيسير العزيز الحميد (١٧) ، وتطهير الاعتقاد ص (٣) ] .
الملائكة: وأما الإيمان بالملائكة: فهو أن تصدق بوجودهم وأنهم عباد مكرمون خلقهم الله لعبادته فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يفترون عن عبادته ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾
والإيمان بأوصافهم وأعمالهم التي يقومون بها كما جاء في الكتاب والسنة.
والإيمان بمن ورد النص بتسميتهم على وجه الخصوص مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ونقول إن من قال بأنهم إناث فقد كفر لمخالفته كتاب الله، ولا يقال إنهم ذكور إذ لم يرد في ذلك نص صحيح.
الكتب: وأما الإيمان بالكتب: فهو أن تصدق بأنه تعالى أنزل على رسله كتبا ليعلم الناس بها الحق من الباطل والخير من الشر، وهذه الكتب كثيرة يجب الإيمان بها جملة ولكن يجب الإيمان تفصيلا لأربعة منها وهي: التوراة التي أنزلت على موسى،
стр. 13
والزبور الذي أنزل على داود، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، والقرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، وأن ما في القرآن كلام الله على الحقيقة تكلم به وسمع منه جبرائيل وبلغ جبرائيل رسول الله محمدا ﷺ ، فسمع من جبرائيل، وليس كما يزعم أهل البدع أنه ليس كلام الله على الحقيقة بل هو عبارة عن أعلام الله، ويجب الإيمان بأن الله تعالى قد حفظ القرآن من التحريف والتبديل، وأن كل حرف فيه هو كلام الله تعالى.
الرسل: وأما الإيمان بالرسل: فهو أن توقن بأن الله أرسل للناس - ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده - رسلا مبشرين لأهل التوحيد والسنن ومنذرين لأهل الشرك والبدع وأهل المعاصي، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، كما يجب أن تؤمن بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله وأنبيائه وهم: آدم، ونوح، وإدريس، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وهود، وصالح، وشعيب، وذو الكفل، وأيوب، ويونس، ولوط، وزكريا، ويحيى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين.
стр. 14
* وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئا، وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
الشرح: مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وهذا تنزيه منفصل ومنه تنزيه الله تعالى عن الشريك والظهير والشفيع بدون إذنه واتخاذ صاحبة والكفؤ والند.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
أما التنزيه المتصل تنزيه الله عن السِّنَة والنوم والموت والعجز والذل والسفه والنسيان والغفلة والحاجة والتعب واللغوب، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾
وأهل السنة (أصحاب الحديث) ينفون ما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسول الله ﷺ ، ولا يتعرضون لصفات الكمال ونعوت الجلال بنفي ولا تحريف، وعندهم
стр. 15
أن إثبات الصفات الثابتة في الكتاب والسنة ليس من التشبيه في شيء بل التشبيه في نفي الصفات لا في إثباتها.
وخالفهم المتكلمون في مفهوم التنزيه؛ فقد جعلوه معولا لهدم بنيان صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة. وأول من أدخل النفي في التنزيه هم الجهمية، فقد نقل عنهم الأشعري في (المقالات) أنهم أجمعوا على: (أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وليس بجسم ولا شبه ولا جثة ولا صورة ولا شخص، ولا جوهر ولا عرض، ولا بذي لون ولا طعم ولا مجسة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عمق ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يبعض وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات ولا بذي يمين وشمال وأمام وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه الزمان، ولا يجوز عليه المماسة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق) .
فهذا جملة قولهم في التوحيد. وقد شاركهم في هذه الجملة الخوارج وطوائف من المرجئة وطوائف من الشيعة والماتريدية.
وقال ابن أبي العز الحنفي في بيان فساد هذه الطريقة: (والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات
стр. 16
ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده. والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل وهو أنه عالم قادر، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي، ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله) . [انظر الرد على الجهمية للإمام أحمد ص (١٠٥) ، ومقالات الإسلاميين، ص (١٥٥) ، وشرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٤) ، ومجموع الفتاوى، (١١ / ٤٨٣، ٤٨٤) ] .
وأن محمدا عبده ورسوله: وصف الله نبيه محمدا ﷺ بالعبودية وبالرسالة في أشرف المقامات، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ وقال في مقام التحدي بالتنزيل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾
стр. 17
[سورة البقرة، الآية: ٢٣] . وقال في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
ونهى ﷺ عن الغلو في إطرائه فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (١) .
وللأسف فإن كثيرا من المسلمين خالفوا نص رسول الله وغلوا فيه غُلوَّ النصارى في عيسى ﵇، وصرفوا له كثيرا من العبادات، وأفرطوا في حقه من جانب آخر فقدموا على كثير من أقواله ﷺ أقوالَ الرجال الذين غلوا فيهم.
وأصحاب الحديث إذا سمعوا حديثا من أحاديث رسول الله ﷺ الصحيحة فكأنهم سمعوه من فِي الرسول ﷺ فيصدقون به ويعملون به ولا يقدمون عليه قولا ولا رأيا ولا ذوقا ولا كشفا ولا وجدا ولا قياسا ولا عقلا.
стр. 18
* وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
اللغة: (لا ريب فيها) : لا شك فيها، (يبعث من في القبور) : يحشرهم ويحييهم ويجمعهم للحساب.
الشرح: هذا الكلام مأخوذ من: [١] حديث عبادة بن الصامت ﵁ حيث قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» أخرجه البخاري ومسلم (١) .
[٢] اقتباسا من الآية الكريمة في سورة الحج [الآية (٧) ] ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
стр. 19
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بالله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله وبكل ما رواه الثقات عن الرسول ﷺ ، ويقرون بتفرد الله بالوحدانية في كل شيء، وبنبوة محمد ﷺ ويؤمنون بالجنة والنار وبالبعث بعد الموت.
المناقشة:
س١: اذكر أصول الإيمان عند أهل الحديث بإيجاز.
س ٢: فصِّل القول في المقصود بـ: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله.
стр. 20
[الاستواء على العرش]
(الاستواء على العرش) * وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
اللغة: (الرحمن) : فعلان من رحم، وهي دالة على الامتلاء والكثرة، ومقصودها سعة الرحمة العامة.
الشرح: وقد ورد ذكر الاستواء في غير هذا الموضع في ستة مواضع من كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
وقال : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ﴾
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾
стр. 21
وهذه الآيات تدل على استواء الله على عرشه وعلوه على خلقه ﵎، وكلها بلفظ استوى المتعدي بعلى، وقد فسره أئمة السنة كأبي العالية ومجاهد وغيرهم بالعلو والارتفاع، وقد سئل الإمام مالك عن الاستواء فقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) . [الأسماء والصفات ص (٥١٥: ٥١٦) ] .
وقال ابن المبارك: (نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية) . [الرد على الجهمية للدارمي ص (٦٧) ] .
وأجمع السلف على ذلك كما حكاه الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر [ص (٧٥) ] فقد قال: (وأجمعوا. . أنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه) .
هذه عقيدة أهل السنة قاطبة وعقيدة الأشعري كما ترى، ومع ذلك كله خالفت الأشعرية إمامهم خاصة وسائر أئمة السنة عامة، وهذا من عجائبهم وتناقضهم لأنهم إما على التفويض الذي هو جهل وتجهيل، وإما على التأويل الذي هو تحريف وتعطيل.
стр. 22
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة باستواء الله على عرشه استواء حقيقيا يليق بجلاله.
المناقشة:
س١: بيِّن مذهب أهل الحديث في صفة الاستواء على العرش لله سبحانه.
س ٢: اذكر الفرق بين قول أهل الحديث وقول الأشعرية في هذه الصفة.
стр. 23
[صفة اليدين]
(صفة اليدين) * وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾
وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾
اللغة: (بلا كيف) بلا تصوُّر كيفية معينة للصفة.
الشرح: ورد إثبات صفة اليدين في عدة مواضع من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أما الكتاب فقد ذكر المؤلف بعضا منها، وأما في السنة فقد عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ضمن كتاب التوحيد، أورد فيه جملة من الأحاديث الصحيحة كلها تثبت صفة اليدين لله تعالى، منها حديث أنس بن مالك مرفوعا في الشفاعة العظمى وفيه: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا يُرِحْنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى
стр. 24
ربك» . . . " (١) وحديث ابن عمر ﵄ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك» . . . " (٢) وحديث أبي هريرة ﵁، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحَّاء الليل والنهار» (٣) .
فالنصوص المتقدمة دالة على إثبات اليدين لله ، وهي لا تحتمل التأويل بحال، ولا يمكن حمل اليدين إلا على الحقيقة، ومن لم يحملها على الحقيقة فهو معطِّل لتلك الصفة، ولقد صرح الإمام أبو حنيفة ﵀ أن من لم يحمل النصوص على الحقيقة وتأوَّل صفة اليدين بالقدرة أو بالنعمة فقد أبطل الصفة.
فقد قال: (ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا
стр. 25
كيف) . [الفقه الأكبر ص (٣٠٢) ] . وقال ابن بطال في الرد على من أوَّل صفة اليدين بالقدرة أو النعمة: (ويكفي في الرد على من زعم أنهما بمعنى القدرة أنهم أجمعوا على أن له قدرة واحدة في قول المثبتة ولا قدرة له في قول النفاة. . ويدل على أن اليدين ليستا بمعنى القدرة أن قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إشارة إلى المعنى الذي أوجب السجود، فلو كانت بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته، ولقال إبليس: وأي فضيلة له عليَّ وأنا خلقتني بقدرتك، كما خلقته بقدرتك فلما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ دل على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه قال: ولا جائز أن يراد باليدين النعمتان لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق لأن النعم مخلوقة) . [فتح الباري، ١٣ / ٣٩٣ - ٣٩٤] .
وهذا ما أجمع عليه السلف، قال الأشعري:
(أجمعوا على أنه يسمع ويرى، وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه) . [رسالة الثغر، ص (٧٢) ] .
وقرره الإسماعيلي في عقيدة أهل الحديث حيث قال [ص (٥١) ] : (وخلق آدم ﵇ بيده، ويداه مبسوطتان ينفق
стр. 26
كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف) .
ومع ذلك كله ترى الأشعرية يخالفون إمامهم ويفوضون هذه الصفة تفويض أهل الجهل والتجهيل أو يؤولون تأويل أهل التحريف والتعطيل.
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بصفة اليدين، وأنها صفة حقيقية دالة على المعنى اللائق به سبحانه.
المناقشة:
س١: ما هو قول أهل السنة في صفة اليدين؟
س٢: اذكر أقوال الأشعرية في صفة اليدين وكيف ترد عليهم؟
стр. 27
[صفة العينين]
(صفة العينين) * وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾
الشرح: صرح المؤلف بإثبات العينين لله تعالى واستدل له كما بوب في كتابه الإبانة (الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين) ثم استدل لكل صفة بالأدلة من كتاب الله، ثم قال بعد ذكره لأدلة صفة الوجه والعين: (فأخبر أن له وجها وعينا ولا تُكيف ولا تحد) ، [الإبانة (١٢٠- ١٢١) ] .
وهذا ما قرره الصابوني [في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث ص (٥) ] حيث قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين) .
هذا وقد جاء ذكر العين وصفا لله تعالى في القرآن مفردة مضافة إلى الضمير المفرد كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ كما جاءت مجموعة كما في الآية التي ذكرها المؤلف.
قال ابن القيم: (ذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين
стр. 28
واحدة ليس إلا، كقولك: افعل هذا على عيني، لا يريد أن له عينا واحدة، وإنما إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرا أو مضمرا فالأحسن جمعها مشاكلة للفظ كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد كقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ وإن أضيفت إلى ضمير الجمع جمعت كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ وكذلك إضافة اليد والعين إلى اسم الجمع الظاهر كقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ وقوله: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ وقد نطق الكتاب والسنة بذكر اليد مضافة إليه مفردة ومجموعة ومثناة، وبلفظ العين مضافة إليه مفردة ومجموعة، ونطقت السنة بإضافتها إليه مثناة كما قال عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن» . . . ") [مختصر الصواعق، ١ / ٣٤ - ٣٥] ، والحديث عند العقيلي في الضعفاء [ (١ / ٧٠) ] ، وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي متروك.
وقد عقد الإمام البخاري في كتاب التوحيد في صحيحه
стр. 29
باب قول الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ وقوله جل ذكره: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ثم روى بإسناده إلى نافع عن عبد الله قال: ذُكر الدجال عند النبي ﷺ فقال: «إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية» (١) .
وكذا أسند إلى قتادة قال: سمعت أنسا ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب، إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر» (٢) .
قال العلامة عبد الحق الهاشمي [في شرحه لكتاب التوحيد للبخاري ص (٧٧) ] ﵀: (عرض الإمام البخاري في هذا الباب صحة إسناد العين إلى الله تعالى من غير تأويل مع اعتقاد التنزيه) .
وقال فضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان [في شرحه لكتاب التوحيد للبخاري (١ / ٢٨١) ] : (قد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ صراحة، وإجماع أهل العلم بالله والإيمان به،
стр. 30
على أن الله تعالى موصوف بأن له عينين حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته) ، وقد ذكر الإجماع الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر.
وقد خالفت الأشعرية إمامهم في إثبات صفة العين فأوَّلوها بأنواع من التحريفات وعطلوها.
الخلاصة:
يثبت أهل السنة لله تعالى صفة العينين على الكيفية اللائقة بالله تعالى.
المناقشة:
س١: بيِّن مذهب أهل السنة في صفة العين.
س٢: بيِّن كيف تستدل على صحة مذهب أهل الحديث في إثبات صفة العينين لله تعالى؟
س٣: ما هو موقف الأشاعرة والماتريدية من النصوص الدالة على إثبات صفة العينين لله تعالى؟
стр. 31
[صفة الوجه]
(صفة الوجه) * وأن له وجها كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
اللغة: (الجلال) : العظمة والكبرياء.
الشرح: صرح المؤلف هنا بإثبات صفة الوجه واستدل له كما صرح به واستدل له في كتابه الإبانة [ص (١٢١) ] ثم قال: (فأخبر أن له سبحانه وجها لا يفنى ولا يلحقه الهلاك) .
قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى: (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، ونقر بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجوه أحد من المخلوقين، وعز ربنا أن نشبهه بالمخلوقين، وجل ربنا عما قالت المعطلة) ، [التوحيد، ص١٠: ١١] .
وهذا هو ما قرره أبو بكر الإسماعيلي [في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث ص (٥٥) ] حيث قال: (ويثبتون أن له وجها. . .) .
وكذا الصابوني [في عقيدة السلف أصحاب الحديث، ص (٥- ٦) ] حيث قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل
стр. 32
بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع. . والوجه) ، فقد أثبت الله لذاته المقدسة صفة الوجه في أربع عشرة آية من آي الذكر الحكيم، واستدل المؤلف بآية واحدة من تلك الآيات، وهي قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾
وأثبت له الرسول ﷺ صفة الوجه في أحاديث معروفة مشهورة منها حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا وفيه: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور» ، وفي رواية: «لو كشفه لأحرقت سَبَحَات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (١) .
وصح عن النبي ﷺ أنه استعاذ بوجه الله، فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد باب (كل شيء هالك إلا وجهه) عن جابر ﵁ قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾
стр. 33
قال النبي ﷺ : " أعوذ بوجهك " فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال النبي ﷺ : " أعوذ بوجهك "، قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ فقال النبي ﷺ : " هذا أيسر» (١) .
وكان من دعاء النبي ﷺ : «وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك» (٢) .
ومن المعلوم أنه لا يستعاذ إلا بالله وصفاته، والاستعاذة لا تكون بالمخلوق أبدا.
وقد خالفت الأشعرية إمامهم في تعطيلهم لهذه الصفة وتحريف نصوصها بأنواع من التأويلات.
الخلاصة:
صفة الوجه صفة ثابتة لله تعالى على الكيفية اللائقة به،
стр. 34
ويرى أهل السنة أنها صفة حقيقية فلا يخرجونها عن ظاهرها بتأويل.
المناقشة:
س١: بيِّن قول أهل السنة والجماعة في صفة الوجه.
س٢: اذكر دليلا يبين أن صفات الله تعالى غير مخلوقة.
س٣: ما موقف الأشاعرة من النصوص الدالة على إثبات صفة الوجه؟
стр. 35
[أسماء الله أسماء حسنى لله غير مخلوقة]
(أسماء الله أسماء حسنى لله غير مخلوقة) * وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة (١)
стр. 36
والخوارج (١) .
الشرح: القول بأن الأسماء غير الله أو عين الله بهذا الإطلاق من البدع التي أحدثها أهل الكلام، فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو
стр. 37
سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ (الغير) من الإجمال: فإن أُريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم؛ فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى [انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٠- ٨١) ، ودرء تعارض العقل والنقل (٣ / ٢٤ - ٢٥) ] .
والأحسن أن يقال إن أسماء الله هي أسماء حسنى لله، وقد خالفت الأشعرية إمامهم الأشعري وسائر أئمة الإسلام فجعلوا أسماء الله غير الله ثم حكموا بأنها مخلوقة، وهذا القول لا يقل كفرا عن القول بخلق القرآن.
قال الإمام أحمد: (من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر) ، وقال إسحاق بن راهويه: (أفضوا الجهمية إلى أن قالوا: أسماء الله مخلوقة. . وهذا الكفر المحض) ، وقال خلف بن هشام المقري: (من قال إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس) . [نقلها اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢ / ٢٠٧، ٢١٤) ] .
стр. 38
الخلاصة:
لا يقال إن أسماء الله هي عين الله أو غيره إجمالا بل الأمر فيه تفصيل.
المناقشة:
س١: هل يقال إن أسماء الله هي الله أو غيره؟ وضح ذلك.
س٢: ما حكم من زعم أن أسماء الله مخلوقة؟
س٣: اذكر مذهب الأشاعرة والماتريدية في مسألة هل أسماء الله الحسنى هي الله أو غيره؟
س ٤: عرِّف بالمعتزلة والخوارج بإيجاز مع ذكر أهم الأصول التي بني عليها مذهبهم.
стр. 39
[صفة العلم]
(صفة العلم) * وأقروا أن لله سبحانه علما كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾
الشرح: يثبت أهل السنة والجماعة لله تعالى صفة العلم، وقد قرر هذا الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٥٥) ] حيث قال: (ويثبتون أن له. . وعلما) ، والصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ (ص ٥- ٦) ] حيث قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع. . والعلم) ، وهذا هو ما دلت عليه الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
فهذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث، وعلمه الكامل بالغيوب كلها التي يطلع على ما شاء منها من شاء من
стр. 40
خلقه، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة والمرسلين فضلا عن غيرهم من العالمين.
وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات والأشجار، والرمال والحصى والتراب، وما في البحار من حيوانات ومعادنها وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها ويشتمل عليه ماؤها، كل ذلك عنده في كتاب مبين، أي في اللوح المحفوظ، وهذا دليل على عظمته ، ولو أن الخلق اجتمعوا كلهم على أن يحيطوا ببعض صفاته لم يكن لهم قدرة ولا طاقة على ذلك.
فالنصوص الشرعية الدالة على صفة العلم كثيرة، فأهل السنة والجماعة أجمعوا على الإيمان بها وأثبتوا ما تدل عليه معنى ونَفَوا الكيفية.
قال الأشعري في رسالة أهل الثغر [ص (٦٦) ] : (وأجمعوا على أنه تعالى لم يزل موجودا حيا قادرا عالما. .) ، أما الجهمية فأنكروا أن يكون لله علم أضافه لنفسه، وجحدوا أن يكون قد أحاط بكل شيء علما، وحاربوا النصوص الدالة على ذلك، فمعبودهم على هذا الاعتقاد ليس العليم الخبير الذي هو بكل شيء عليم وإنما يعبدون العدم.