والخوارج (١) .
الشرح: القول بأن الأسماء غير الله أو عين الله بهذا الإطلاق من البدع التي أحدثها أهل الكلام، فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو
стр. 37
سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ (الغير) من الإجمال: فإن أُريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم؛ فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى [انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٠- ٨١) ، ودرء تعارض العقل والنقل (٣ / ٢٤ - ٢٥) ] .
والأحسن أن يقال إن أسماء الله هي أسماء حسنى لله، وقد خالفت الأشعرية إمامهم الأشعري وسائر أئمة الإسلام فجعلوا أسماء الله غير الله ثم حكموا بأنها مخلوقة، وهذا القول لا يقل كفرا عن القول بخلق القرآن.
قال الإمام أحمد: (من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر) ، وقال إسحاق بن راهويه: (أفضوا الجهمية إلى أن قالوا: أسماء الله مخلوقة. . وهذا الكفر المحض) ، وقال خلف بن هشام المقري: (من قال إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس) . [نقلها اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢ / ٢٠٧، ٢١٤) ] .
стр. 38
الخلاصة:
لا يقال إن أسماء الله هي عين الله أو غيره إجمالا بل الأمر فيه تفصيل.
المناقشة:
س١: هل يقال إن أسماء الله هي الله أو غيره؟ وضح ذلك.
س٢: ما حكم من زعم أن أسماء الله مخلوقة؟
س٣: اذكر مذهب الأشاعرة والماتريدية في مسألة هل أسماء الله الحسنى هي الله أو غيره؟
س ٤: عرِّف بالمعتزلة والخوارج بإيجاز مع ذكر أهم الأصول التي بني عليها مذهبهم.
стр. 39
[صفة العلم]
(صفة العلم) * وأقروا أن لله سبحانه علما كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾
الشرح: يثبت أهل السنة والجماعة لله تعالى صفة العلم، وقد قرر هذا الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٥٥) ] حيث قال: (ويثبتون أن له. . وعلما) ، والصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ (ص ٥- ٦) ] حيث قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع. . والعلم) ، وهذا هو ما دلت عليه الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
فهذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث، وعلمه الكامل بالغيوب كلها التي يطلع على ما شاء منها من شاء من
стр. 40
خلقه، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة والمرسلين فضلا عن غيرهم من العالمين.
وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات والأشجار، والرمال والحصى والتراب، وما في البحار من حيوانات ومعادنها وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها ويشتمل عليه ماؤها، كل ذلك عنده في كتاب مبين، أي في اللوح المحفوظ، وهذا دليل على عظمته ، ولو أن الخلق اجتمعوا كلهم على أن يحيطوا ببعض صفاته لم يكن لهم قدرة ولا طاقة على ذلك.
فالنصوص الشرعية الدالة على صفة العلم كثيرة، فأهل السنة والجماعة أجمعوا على الإيمان بها وأثبتوا ما تدل عليه معنى ونَفَوا الكيفية.
قال الأشعري في رسالة أهل الثغر [ص (٦٦) ] : (وأجمعوا على أنه تعالى لم يزل موجودا حيا قادرا عالما. .) ، أما الجهمية فأنكروا أن يكون لله علم أضافه لنفسه، وجحدوا أن يكون قد أحاط بكل شيء علما، وحاربوا النصوص الدالة على ذلك، فمعبودهم على هذا الاعتقاد ليس العليم الخبير الذي هو بكل شيء عليم وإنما يعبدون العدم.
стр. 41
الخلاصة:
صفة العلم صفة ثابتة لله تعالى دل عليها الكتاب والسنة والإجماع.
المناقشة:
س١: بيِّن مذهب أهل السنة في إثبات صفة العلم لله.
س٢: اذكر الأدلة التي تثبت أن لله تعالى علما.
س ٣: ما موقف الجهمية من إثبات صفة العلم لله؟
стр. 42
[صفتا السمع والبصر]
(صفة السمع والبصر) * وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة (١) .
الشرح: يثبت أهل السنة لله تعالى صفتي السمع والبصر على الحقيقة، وهذا ما قرره الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٥٥) ] حيث قال: (ويثبتون أن له وجها وسمعا. .) والصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٥) ] حيث قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر. .) كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ بل هم مجمعون على إثباتها، قال الأشعري في رسالة الثغر [ص (٦٦) ] : (وأجمعوا على أنه تعالى لم يزل موجودا حيًّا قادرا عالما مريدا سميعا بصيرا) ، وهما صفتان حقيقيتان، وجمهور الماتريدية
стр. 43
والأشعرية على إثباتهما، وتفلسف بعضهم بإرجاعهما إلى صفة العلم، وهذا تعطيل واضح فاضح.
الخلاصة:
يثبت أهل السنة لله تعالى صفتي السمع والبصر، وهما صفتان حقيقيتان تدلان على المعنى الحقيقي لهما وعلى الكيفية اللائقة بالله تعالى.
المناقشة:
س١: بيِّن مذهب أهل السنة في صفتي السمع والبصر.
س٢: اذكر دليلا على إثبات هاتين الصفتين لله تعالى.
س ٣: ما موقف الأشاعرة والماتريدية من إثبات صفتي السمع والبصر؟
стр. 44
[القوة لله جميعا]
(القوة لله جميعا) * وأثبتوا لله القوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
الشرح: يثبت أهل السنة لله تعالى صفة القوة، فهو القوي الذي لا يغلب ، وليس لقوته حدود، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية [ (٧ / ١٥٧) ] : (أي أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وأن بطشه شديد) ، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ فبارزوا الجبار العداوة وجحدوا بآياته وعصوا رسوله) ، وقال ابن جرير في تفسيره لهذه الآية [ (٢٥ / ١٠١) ] : (فيحذروا عقابه، ويتقوا سطوته، لكفرهم به، وتكذيبهم رسله) .
الخلاصة:
أهل السنة يثبتون القوة لله تعالى.
стр. 45
المناقشة:
س١: ما المراد بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ؟
س ٢: ما موقف أهل السنة من هذه الآية؟
стр. 46
[الخير والشر بقضاء الله وقدره]
(الخير والشر بقضاء الله وقدره) * وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله.
الشرح: قلت: مذهب أهل السنة والجماعة أن الخير والشر كلاهما مخلوقان مقدوران لله، وهذا ما قرره الإسماعيلي في اعتقاد أهل الحديث [ص (٦١: ٦٢) ] حيث قال: (ويقولون إن الخير والشر والحلو والمر بقضاء من الله أمضاه وقدَّره، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، وإنهم فقراء إلى الله لا غنى لهم عنه في كل وقت) .
وفصَّل هذه المسألة الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٧٨- ٨١) ] فقد قال: (ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر والحلو والمر بقضاء الله تعالى وقدره، لا مرد لهما ولا حيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يصدوه بما لم يقض الله عليه لم يقدروا على ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عباس ﵄، وقال الله :
стр. 47
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾
ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم إن الخير والشر من الله وبقضائه، لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله ﷺ في دعاء الاستفتاح: «تباركت وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك» [أخرجه مسلم] ، ومعناه - والله أعلم - والشر ليس مما يضاف إليك إفرادا وقصدا حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر أو يا مقدر الشر، وإن كان هو الخالق والمقدر لهما جميعا، ولذلك أضاف الخضر ﵇ إرادة العيب إلى نفسه فقال فيما أخبر الله تعالى عنه في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ولذلك قال مخبرا عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه ﷻ .
стр. 48
الخلاصة:
الخير والشر كلاهما مخلوقان مقدَّران لله تعالى، لا يكون شيء منهما إلا بإذنه، فهو خالقهما جميعا، وهذا قول أهل السنة، غير أن الشر لا يضاف إليه على انفراد لما فيه من توهُّم النقص والعيب.
المناقشة:
س١: هل الشر مخلوق لله تعالى أم لا؟ وضِّح مذهب أهل السنة في ذلك.
س٢: ما المراد بقوله ﵊: «والشر ليس إليك» ؟
стр. 49
[إثبات المشيئة]
(إثبات المشيئة) * وأن الأشياء تكون بمشيئة الله كما قال : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وكما قال المسلمون: ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون.
الشرح: قلت: وهذا مذهبهم: أن كل ما هو كائن فبقضاء الله وقدره، هذا ما قرره أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٥١) ] حيث قال: (ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ويقولون: لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله، ولا أن يبدل علم الله؛ فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو والقادر لا يُغلب) .
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية [ (٨ / ٣٦٢) ] : (أي ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله رب العالمين) .
وقال البغوي في تفسيره لهذه الآية [ (٨ / ٣٥١) ] : (أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك
стр. 50
إلا بمشيئة الله، وفيه إعلام أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله ولا شرا إلا بخذلانه) .
والفرق بين الإرادة الكونية والشرعية هو أن الإرادة الكونية لا بد أن تقع ولكنها ليست بالضرورة محبوبة لله، بل قد يُراد أمر هو مكروه لله كالكفر، وأما الإرادة الشرعية فإنها متعلقة بالمحبوب لله تعالى وإن كان لم يقع، فهي أقرب لمعنى المحبة والأولى أقرب لمعنى المشيئة، فالأولى واقعة لا محالة، والثانية محبوبة من غير شك إلا أنها قد لا تقع.
الخلاصة:
يثبت أهل السنة (إرادة) كونية وهي التقدير الأزلي و (إرادة) شرعية وهي المراد من العباد شرعا، فالأولى تنفذ ولو كانت غير مرضية من الله، والثانية مرضية من الله وإن كانت غير نافذة، والعباد مسؤولون عن مقتضى الإرادة الشرعية.
المناقشة:
س١: عرِّف أقسام الإرادة الإلهية عند السلف.
س٢: فرِّق بين الإرادة الشرعية والكونية.
س٣: اذكر بعض الأدلة على إثبات المشيئة لله تعالى.
стр. 51
[الاستطاعة]
(الاستطاعة) * وقالوا: إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله أو أن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله.
الشرح: رحم الله المؤلف فلم يكن دقيقا في نسبة هذا القول إلى أصحاب الحديث أهل السنة والجماعة؛ إذ إنه قول ضعيف مرجوح، ومذهب أهل السنة في الاستطاعة هو ما قرره الإمام الطحاوي [كما في شرح الطحاوية، ص (٤٩٩) ] حيث قال: " والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
فالاستطاعة نوعان: الأولى: استطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل، فهذه لا يجب أن تقارِن الفعل بل قد تكون قبله متقدمة عليه، وهذه الاستطاعة المتقدمة صالحة
стр. 52
للضدين، ومثال هذه الاستطاعة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فهذه الاستطاعة قبل الفعل، ولو لم تكن إلا مع الفعل ما وجب الحج إلا على من حج، ولما عصى أحد بترك الحج، ولا كان الحج واجبا على أحد قبل الإحرام، بل قبل فراغه، ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة، ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما فعل فقط، إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ و (الوسع) الموسوع، وهو الذي تسعه وتطيقه، فلو أريد به المقارن لما كلف أحد إلا الفعل الذي أتى به فقط دون ما تركه من الواجبات إلى غير ذلك من الأدلة.
وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب وعليها يتكلم الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس.
الثانية: الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل، وهذه هي الاستطاعة المقارنة للفعل الموجبة له، ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا - الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾
стр. 53
[سورة الكهف، الآيتان: ١٠٠، ١٠١] ، فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه، وهذه حال من صدَّه هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزَّلة واتباعها، وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك، وهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة للفعل، وهذه الاستطاعة هي الاستطاعة الكونية وهي مناط القضاء والقدر وبها يتحقق وجود الفعل [انظر: مجموع الفتاوى (٨ / ٣٧٢، ٣٧٣) ، ودرء تعارض العقل والنقل (١ / ٦١) ، وشرح العقيدة الطحاوية (٤٩٩-٥٠٣) ] .
وخالف أهلَ السنة الجهميةُ والمعتزلة والأشعرية، أما الجهمية فقالوا: إنه ليس للعبد أي استطاعة لا قبل الفعل ولا معه [انظر: الملل والنحل (١ / ٨٥) ، والفرق بين الفرق ص (٢١١) ] .
وأما المعتزلة فقالوا: إن الله تعالى قد مكَّن الإنسان من الاستطاعة، وهذه الاستطاعة قبل الفعل وهي قدرته عليه وعلى ضده وهي غير موجبة للفعل [انظر: مقالات الإسلاميين (١ / ٣٠٠) ، والفرق بين الفرق ص (١١٦) ، وشرح الأصول الخمسة ص (٣٩٨) ] .
وأما الأشعرية فقالوا: إن الاستطاعة مع الفعل، لا يجوز
стр. 54
أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه، وما يفعله الإنسان فهو كَسْب له [انظر: الإرشاد ص (٢١٩) ، والإنصاف ص (٤٦) ، وشرح العقيدة الطحاوية (٤٩٩- ٥٠٤) ] .
الخلاصة:
يثبت أهل السنة للعبد استطاعة بمعنى الوُسْع والقدرة وسلامة الآلات، وهذه قد تتقدم على الفعل أو تقارنه ولا يجب بها الفعل لكن خطاب الشرع مرتبط بها، وأما الاستطاعة التي يجب بها الفعل وهي بمعنى التوفيق فهذه بإرادة الله تعالى وحده وهي التي تقارن الفعل.
المناقشة:
س١: اشرح مذهب أهل السنة في مسألة استطاعة العبد.
س ٢: بيِّن مذهب كل من الجهمية والمعتزلة والأشعرية في مسألة استطاعة العبد.
стр. 55
[أفعال العباد]
(أفعال العباد) * وأقروا أنه لا خالق إلا الله، وأن سيئات العباد يخلقها الله، وأن أعمال العباد يخلقها الله ، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا.
الشرح: قلت: هذا أمر متفق عليه عند الأئمة وقد نقله عنهم الإمام الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٠: ٦١) ] : (ويقولون إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله ، وأن أكساب العباد كلها مخلوق لله، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا حجة لمن أضله الله ولا عذر كما قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ - فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ومعنى (نبرأها) أي نخلقها بلا خلاف في اللغة، وقال مخبرا عن أهل الجنة:
стр. 56
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ وقال: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ) .
قال التيمي في الحجة [١ / ٤٢١] باب الرد على الجهمية والمعتزلة: (أفعال العباد وليست بفعل الله وإنما هي مخلوقة له) .
وقال الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص ٧٥- ٨٩] : (ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء إلى دينه ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه ولا عذر له لديه، قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾
стр. 57
فسبحانه خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فريقين: فريقا للنعيم فضلا، وفريقا للجحيم عدلا، وجعل منهم غويا ورشيدا وشقيا وسعيدا، وقريبا من رحمته وبعيدا وكذلك من مذهب أهل السنة والجماعة أن الله مريدٌ لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد به إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ولو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس، فكُفر الكافرين وإيمان المؤمنين وإلحاد الملحدين وتوحيد الموحدين وطاعة المطيعين ومعصية العاصين كلها بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة ويسخط الكفر والمعصية ولا يرضاها، قال الله : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ) .
قلت: هذه خلاصة مذهب أئمة حديث أهل السنة والجماعة، فقد دلت النصوص من الكتاب والسنة والإجماع على أن الله سبحانه هو الخالق لكل شيء من الأعيان والأوصاف والأفعال وغيرها، وأن مشيئة الله عامة شاملة لجميع الكائنات فلا يقع منها شيء إلا بتلك المشيئة، وأن
стр. 58
خلقه سبحانه الأشياء بمشيئته إنما يكون وفقا لما علمه منها بعلمه القديم ولما كتبه وقدره في اللوح المحفوظ، وأن للعباد قدرة وإرادة تقع بها أفعالهم، وأنهم الفاعلون حقيقة لهذه الأفعال باختيارهم، وأنهم لهذا يستحقون عليها الجزاء إما بالمدح والمثوبة وإما بالذم والعقوبة، وأن نسبة هذه الأفعال إلى العباد فعلا لا ينافي نسبتها إلى الله إيجادا وخلقا لأنه هو الخالق لجميع الأسباب التي وقعت بها، وقد خالف في هذا:
أولا: الجهمية الجبرية: فقد سلبوا عن العبد قدرته وإرادته، فالعبد عندهم كالريشة المعلقة في الهواء، وتأثر بهم أيضا الأشعرية حيث قالوا إن العبد غير مختار في فعله، وكسب الأشعرية معروف لأنه جبر متطور لأن معنى الكسب عندهم هو: (أن العبد إذا صمم عزمه فالله تعالى يخلق الفعل عنده، والعزم أيضا فعل يكون واقعا بقدرة الله تعالى، فلا يكون للعبد في الفعل مدخل على سبيل التأثير وإن كان له مدخل على سبيل الكسب، والحق أن الكسب عند الأشاعرة هو تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها من غير تأثير) .
ثانيا: القدرية المعتزلة: وهؤلاء يقولون إن للعبد قدرة وإرادة مطلقتين مستقلتين عن الله تعالى، قال القاضي عبد الجبار: (إن أفعال العباد غير
стр. 59
مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها) فكأنهم أوجدوا خالقا غير الله وهو الإنسان (١) ولذلك سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة (٢) .
* وأن الله سبحانه وفق المؤمنين لطاعته وخذل الكافرين، ولَطَف بالمؤمنين ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم ولو أصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين، وأن الله سبحانه يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن لا يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، ويؤمنون بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله كما قال، ويُلجئون أمرهم إلى الله سبحانه، ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت والفقر
стр. 60
إلى الله في كل حال.
اللغة: - (خذل) : أي حرم التوفيق والعون.
- (طبع على قلوبهم) : ختم عليها فلا تعرف الحق.
- (يلجئون) : أي يفوِّضون أمورهم لله وينزلون حاجاتهم به.
الشرح: أغفل المؤلف رحمه الله تعالى أمرا مهما وهو الحكمة في تقدير الخير والشر، فالله يهدي من يشاء فضلا ويضل من يشاء عدلا، قال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل الفقه والجماعة [ص (١٠٨) ] : (يهدي من يشاء، ويعصم ويُعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله) .
فمن هداه إلى الإيمان فبفضله وله الحمد، ومن أضله فبعدله وله الحمد، فالله سبحانه حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة، وحكمته هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل.
الخلاصة:
يرى أهل السنة أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومقدَّرة له.
стр. 61
المناقشة:
س١: بيِّن مذهب أهل السنة بشأن مسألة أفعال العباد.
س ٢: هل يتفق قول المعتزلة مع قول أهل السنة في هذا الباب؟
س ٣: بين مذهب الأشعرية في ذلك.
стр. 62
[القرآن كلام الله على الحقيقة غير مخلوق]
(القرآن كلام الله على الحقيقة غير مخلوق) * ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق.
الشرح: أجمل المؤلف رحمه الله تعالى مذهب أهل الحديث أئمة السنة في هذه المسألة الخطيرة التي ضل فيها طوائف وفرق عديدة، وحُبس الإمام أحمد بن حنبل من أجل أنه امتنع أن يقول إن القرآن مخلوق، كما أوذي غيره من علماء السنة بسببها من المأمون والمعتصم ومن بعده.
وقد بسط الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي والصابوني من بعده والتيمي واللالكائي بيان مذهب أصحاب الحديث، فقد قال أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٥٧) ] : (ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يُصرف بقراءة القارئ له بلفظه، ومحفوظا في الصدور، متلوًّا بالألسن، مكتوبا في المصاحف، غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فهو قد قال بخلق القرآن) .
قال التيمي [١ / ٣٦٨] : (قال أصحاب الحديث وأهل السنة: إن القرآن المكتوب الموجود في المصاحف،
стр. 63
والمحفوظ الموجود في القلوب، هو حقيقة كلام الله بخلاف ما زعم قوم أنه عبارة عن حقيقة الكلام القائم بذات الله ودلالة عليه، والذي هو في المصحف محدث وحروف مخلوقة، ومذهب أهل السنة وفقهائهم أنه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله وأدى جبريل إلى النبي ﷺ وتحدى به النبي ﷺ . . .) .
فالحاصل أن مذهب أهل السنة في القرآن هو أن القرآن بلفظه ومعناه كلام الله حقيقة، تكلم به، وسمع منه جبريل، وسمع من جبريل رسول الله ﷺ ، وسمع الصحابة من الرسول ﷺ ، وأن الله تعالى تكلم بصوت يسمع، وكما أنه له ذات لا تشبه الذوات، فكذا صفاته لا تشبه الصفات وكذلك صوته لا يشبه صوت أحد من خلقه، ونحن نتكلم بالقرآن بأصواتنا، فأصواتنا مخلوقة ولكن كلام الله تعالى غير مخلوق.
وأما الأشعرية والماتريدية فقالوا: كلام الله كلام نفسي بدون حرف ولا صوت ولا يتجزأ ولا يتبعَّض، وليس فيه أمر ولا نهي، ولا خبر ولا استخبار، أما التوراة والإنجيل والقرآن فليس كلام الله على الحقيقة بل هو مخلوق وهو كلام الله مجازا لأنه دال على كلام الله النفسي.
стр. 64
واختلف الماتريدية عن الأشعرية بأن قالوا: كلام الله النفسي لا يسمع، فموسى وغيره من الأنبياء لم يسمعوا كلام الله وإنما سمعوا صوتا مخلوقا في الشجرة، أما الأشعرية فقد قالوا: كلام الله النفسي يسمع، فكلامهم هذا أبعد عن النقل والعقل لذلك قال كثير من الأشعرية إن معنى سمع كلام الله أي فهم كلام الله لعلمهم أن القول بسماع الكلام النفسي سفه وتغفيل.
فالحاصل أن الجهمية الأولى والكلابية والماتريدية والأشعرية كلهم متفقون ومجمعون على أن هذا القرآن العربي مخلوق وليس كلام الله على الحقيقة (١) .
стр. 65
[بدعة الوقف في القرآن]
(بدعة الوقف في القرآن) * والكلام في الوقف واللفظ من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم ولا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق.
اللغة: (الوقف) : بمعنى التوقف في القرآن فلا يقال مخلوق أو غير مخلوق، (مبتدع) : هو المحدِث في الدين ما لم يأذن به الله.
الشرح: الواقفة: هم الذين وقفوا في القرآن فقالوا: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وبدَّعوا من خالفهم، قال الدارمي في التعريف بهم: (ثم إن أناسا ممن كتبوا العلم بزعمهم وادعوا معرفته وقفوا في القرآن فقالوا: لا نقول: (مخلوق هو ولا غير مخلوق) ومع وقوفهم هنا لم يرضوا حتى ادعوا أنهم ينسبون إلى البدعة من خالفهم وقال بأحد هذين القولين) . [الرد على الجهمية، ص (٤٣٢) ، ضمن مجموعة عقائد السلف] ، أما موقف أهل السنة من الواقفة فقد أفرد عبد الله بن أحمد في كتابه السنة [ (١ / ١٧٩) ] بابا في قول أبي عبد الله - أحمد بن حنبل - في الواقفة وفيه: (سمعت أبي ﵀ وسئل عن الواقفة؟ فقال أبي: من كان يخاصم ويعرف بالكلام فهو
стр. 66
جهمي ومن لم يُعرف بالكلام يجانب حتى يرجع ومن لم يكن له علم يسأل) .
وقال عبد الله: سمعت أبي ﵀ مرة أخرى وسئل عن اللفظية والواقفة فقال: (من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، وقال مرة أخرى: هم شر من الجهمية) .
وكذا اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١ / ٣٢٣) أفرد بابا في (سياق ما روي في تكفير من وقف في القرآن شاكًّا فيه أنه غير مخلوق) ذاكرا آثار علماء السلف من أهل المدينة والكوفة وبغداد ومصر والشام وأهل الجزيرة وخراسان في تكفير من وقف في القرآن شاكًّا فيه.
وكذا الدارمي أفرد بابا في الرد عليهم فقد قال: (باب الاحتجاج على الواقفة) [ص (٣٤٢- ٣٤٤) ضمن مجموعة عقائد السلف] .
الخلاصة:
يقول أهل السنة إن القرآن كلام الله حقيقة وأنه غير مخلوق، ويبدِّعون من توقف في القرآن أو قال لفظي بالقرآن مخلوق.
стр. 67
المناقشة:
س١: بيِّن قول أهل السنة في القرآن، وفي إثبات صفة الكلام الإلهي.
س ٢: اشرح مذهب الأشعرية والماتريدية والجهمية والكلابية في القرآن.
س ٣: ما هو قول الأشعرية والماتريدية في صفة الكلام؟ وما مقصودهم بالكلام النفسي؟
س ٤: ما الفرق بين الأشعرية والماتريدية في مسألة الكلام النفسي؟
س ٥: ما حكم من توقف في القرآن شاكًّا فيه أنه غير مخلوق؟
س ٦: ما القول فيمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟
стр. 68
[رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة]
(رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة) * ويقولون إن الله سبحانه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون، قال الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وأن موسى ﵇ سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكًّا فأعلمه أنه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة.
اللغة: (تجلى) : ظهر، (محجوبون) : يُحجب بينهم وبين الرؤية بحجاب، (دكًّا) : مستويا بالأرض.
الشرح: دل على إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة بأبصارهم القرآنُ والسنة النبوية والإجماع، قال ابن القيم في كتاب حادي الأرواح [ص (٢٤١) ] : (دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث. . على أن الله سبحانه يُرى يوم القيامة بالأبصار عيانا كما يرى القمر ليلة البدر صحوا، وكما ترى الشمس في الظهيرة) .
стр. 69
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: (وأجمع جمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله يُرى في الآخرة كما جاء في كتابه وصح به النقل عن رسوله) . [عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي، ص (٣٠- ٣١) ضمن المجموعة العلمية السعودية] .
وقال الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر [ص (٧٦) ] : (وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى) ، قلت: وكذا قرر عقيدة أهل الحديث في الرؤية الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٢: ٦٣) ] .
(ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله في القيامة دون الدنيا، ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثوابا له في الآخرة كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه كانوا جميعهم عنه محجوبين وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله ولا التحديد له، ولكن يرونه جل وعز بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف) .
وكذا الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [
стр. 70
ص (٦٥- ٦٦) ] حيث قال: (ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ يوم القيامة بأبصارهم وينظرون إليه، على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» (١) والتشبيه في هذا الخبر وقع للرؤية بالرؤية لا للمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرَّجة في كتاب الانتصار بطرقها) .
تنبيه: إن الأشعرية والماتريدية يتظاهرون بإثبات رؤية الله ولكنهم اشترطوا شروطا جعلوها من المستحيلات ولذلك قال أذكياؤهم: لا خلاف بيننا وبين المعتزلة في الرؤية، بل كلنا على الرؤية العلمية لا البصرية، ولذلك قالوا بجواز رؤية أعمى في الصين بَقَّة في الأندلس ولا شك أن رؤية أعمى في الصين بَقَّة في الأندلس من الرؤية العلمية وليست من الرؤية البصرية في شيء (٢) .
стр. 71
الخلاصة:
يرى أهل السنة أن المؤمنين يرون الله تعالى في الآخرة بأبصارهم رؤية حقيقية لا يُضامون في رؤيته وليست رؤية علمية كما قال المبتدعة.
المناقشة:
س١: ما هو موقف أهل السنة من مسألة الرؤية في الآخرة؟
س ٢: اذكر دليلا واحدا من الكتاب والسنة على إثبات الرؤية في الآخرة.
س ٣: اذكر مذهب الأشعرية والماتريدية في مسألة الرؤية.
стр. 72
[قولهم في مرتكب الكبيرة]
(قولهم في مرتكب الكبيرة) * ولا يكفِّرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر، ومعهم بما هم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر.
اللغة: - (ولا يكفرون) : أي لا يحكمون بالكفر.
- (الكبائر) : هي الذنوب التي ورد في حقها لعن أو وعيد شديد.
الشرح: دل على إثبات أن الكبيرة لا تُخرج صاحبها من الإيمان القرآن والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾
قال الأشعري: (وأجمعوا على أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعا إليه النبي ﷺ أن الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان) [رسالة الثغر، ص (٩٤) ] ، وهذا هو ما قرره الحافظ
стр. 73
أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٤) ] حيث قال: (ويقولون إن أحدا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين لو ارتكب ذنبا أو ذنوبا كثيرة صغائر أو كبائر، مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله؛ فإنه لا يكفر به ويرجون له المغفرة، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ) .
وكذا شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني حيث قال في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٧١- ٧٢) ] : (ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار) .
الخلاصة:
لا يحكم أهل السنة على مرتكب الكبيرة بالكفر، بل هو مسلم فاسق، ولا يكفرون أحدا بذنب ما لم يستحله، ويقولون
стр. 74
إن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة يوم القيامة إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه.
المناقشة:
س١: عرِّف الكبيرة.
س ٢: ما قول أهل السنة في مرتكب الكبيرة؟
س ٣: ما حكم مرتكب الكبيرة الذي يموت على غير توبة؟
стр. 75
[أركان الإيمان]
(أركان الإيمان) * والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم.
الشرح: تقدم شرح هذه الأركان في أول الكتاب، أما الإيمان باليوم الآخر فسيذكره المؤلف مفصلا في ثنايا الرسالة.
وقوله: (وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم) فإنه مأخوذ من قوله ﷺ : «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك» (١) .
ومعنى ذلك أن الإنسان إذا قدر الله له أن يصاب بسوء فليس من الممكن أن يخطئه هذا السوء، بل لا بد أن يصيبه وإن فعل ما فعل، وتحرَّز بما تحرز، فهو لا بد مصيبه، وإن قدّر الله له أن يعافى من هذا السوء فإنه لا يمكن أن يصاب به، وإن اجتمع