← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1047

النكت على شرح النووي على صحيح مسلم

هانى فقيه

Полный текст (170 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومن كتاب الكسوف ٤٥ ـ حكايته الإجماع على سنِّيَّة صلاة الكسوف وتعقُّب الأئمة له: قال النووي ﵀: في حكم صلاة الكسوف: «أجمع العلماءُ على أنَّها سنةٌ» (١). «قال الباحث»: حكاية الإجماع فيها نظر، فقد نقل الحافظُ ابن حجر عن بعض العلماء أنه أوجبها، فقال: «الجمهور على أنها سنة مؤكدةٌ، وصرَّح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها (٢)، ولم أره لغيره، إلَّا ما حكي عن مالك أنَّه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزَّين بن المنيّر عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنِّفي الحنفية أنها واجبة» (٣). وهذا الذي ذكره ابن حجر عن بعض الحنفية، صرَّح به غير واحد من علماء الحنفية كالعلامة الكاساني، حيث قال: «وقال بعض مشايخنا

стр. 72

إنها واجبة» (١). وكذا قال العيني: «وقال بعض مشايخنا إنها واجبة، للأمر بها» (٢). والحاصل أن لا إجماع في المسألة كما ذكر النووي ﵀.

стр. 73

ومن كتاب الجَنَائز ٤٦ ـ كلامٌ موهم في استحباب مشْط رأس الميِّت وضفْره: قال النووي ﵀: «فيه (١) استحباب مشْط رأس الميِّت وضَفْره» (٢). «قال الباحث»: كلام النووي ﵀ يوهم تسوية الحكم بين المرأة والرجل في استحباب المشط والضَّفْر المذكور. وهذا ما لم يقل به أحدٌ من أهل العلم فيما أعلم، فإن عامة العلماء على اختصاص ذلك بالمرأة وحدها (٣). والحاصل أن النووي ﵀ لم يحرّر العبارة كما يجب، وكان الأولى أن يقول: فيه استحباب مشط رأس المرأة وضفره، بدلاً من قوله: رأس الميِّت، والله أعلم.

стр. 74

٤٧ ـ حكايته الاتفاق على ضعف حديث «من غسل ميتاً فليغتسل» وتعقُّب الأئمة له: ذكر النووي ﵀ حديث أبي هريرة مرفوعاً: «من غسل ميتاً فليغتسل، ومن مسَّه فليتوضأ» (١)، ثم قال: «ضعيف بالاتفاق» (٢)!! «قال الباحث»: حكاية الاتفاق غير مسلَّمة، فالحديث حسنه الترمذي (٣)، وصححه ابن حبان (٤)، وابن السكن (٥). وكل هؤلاء الأئمة كانوا قبل النووي (٦). لذلك تعقَّبه الحافظ ابن عبد الهادي، فقال: «ليس الأمر كما قال» (٧). وكذا تعقَّبه الحافظ ابن الملقن فقال: «كذا قاله النووي في «شرح مسلم»،

стр. 75

وتبعه بعض شراح هذا الكتاب ـ يعني عمدة الأحكام ـ، وليس بجيّد … » (١)، ثم أخذ يسمى بعض من صححه. نعم لو قال النووي: الحديث ضعيف عند أكثر العلماء لكان أصوب، فقد نُقِلَ تضعيفه عن الإمام أحمد، وابن المديني، والذهلي، والبخاري، والبيهقي، وابن الجوزي وغيرهم من الأئمة (٢). ٤٨ ـ حكايته الاتفاق على ضعف يزيد بن أبي زياد مع توثيق جمع من الأئمة له: قال النووي ﵀: «يزيد بن أبي زياد مجمع على ضعفه» (٣). «قال الباحث»: رحم الله النووي ما أكثر ما يحكي الإجماع في مسائل اشتهر فيها الخلاف!! ويزيد بن أبي زياد هذا وإن كان أكثر الأئمة على ضعفه، لكنهم لم يجمعوا على ذلك كما ذكر النووي، فقد أخرج له مسلم في صحيحه مقروناً بغيره (٤). وأخرج الترمذي حديثاً من طريقه وحسنه (٥).

стр. 76

وقال يعقوب بن سفيان: «يزيد بن أبي زياد، وإن كان قد تكلَّم الناس فيه لتغيّره في آخر عُمُره، فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل منصور والحكم والأعمش، فهو مقبول القول ثقة» (١). وقال الحافظ أحمد بن صالح المصري: «يزيد بن أبي زياد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلَّم فيه» (٢). وقال العجلي: «جائز الحديث، وكان بآخرة يُلقن» (٣). وقد وثقه من المتأخرين الشيخ أحمد شاكر، ودافع عنه (٤). فالحاصل أن مثل هذا الراوي لا يقال إنه مجمع على ضعفه كما هي عبارة النووي، والأولى أن يقال: إنه ضعيف عند الجمهور، أو عند الأكثرية، والعلم عند ربّ البرية. ثم إن للنووي ﵀ وهماً آخر يتعلّق بيزيد بن أبي زياد هذا، فإن الإمام مسلماً ﵀ قال في مقدِّمة صحيحه: «فإنّ اسم السِّتْر والصِّدْق وتعاطي الأخبار يشملهم، كعطاء بن السَّائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم وأضرابهم من حُمّال الآثار ونُقّال الأخبار» (٥).

стр. 77

فقال النووي معلقاً: «وأما يزيد بن أبي زياد فيقال فيه أيضاً يزيد بن زياد وهو قرشي دمشقي، قال الحفاظ: هو ضعيف … » (١). وهذا وهمٌ من النووي ﵀، فإن الدمشقي هذا راوٍ آخر مختلف، ليس هو المذكور في كلام الإمام مسلم، فالمذكور في كلام الإمام مسلم كوفي وليس دمشقياً. وقد نبَّه على وهم النووي هذا الحافظُ ابن حجر فقال: «وأغرب النووي فذكر في مقدِّمة شرح مسلم ترجمة يزيد بن أبي زياد، وابن أبي زياد الدمشقي المذكورة قبل هذه الترجمة، وزعم أنه مُراد مسلم بقوله يزيد بن أبي زياد، وفيه نظر لا يخفى» (٢). ٤٩ ـ إغفاله دليلاً قوياً في جواز الدَّفن ليلاً: قال النووي ﵀: «اختلف العلماء في الدَّفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة … وقال جماهير العلماء من السَّلَف والخَلَف لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصديق ﵁ وجماعة من السَّلَف دُفنوا ليلاً من غير إنكار … » (٣). «قال الباحث»: هذا استدلال قوي، لكن ثمة ما هو أقوى منه، وهو دفنه ﷺ ليلاً من غير إنكار.

стр. 78

فالمشهور الذي عليه أكثر الأئمة أن النبي ﷺ دُفن ليلاً، كما دلَّ عليه جملة من الأحاديث والآثار، منها حديث عائشة ﵂، قالت: «توفي النبي ﷺ يوم الاثنين، ودُفن ليلة الأربعاء» (١). قال الحافظ ابن كثير: «وهو الذي نصَّ عليه غير واحد من الأئمة سَلَفاً وخَلَفاً» (٢). فكان الأولى بالنووي ﵀ ألا يهْمل هذا الدليل إلى جانب بقيَّة ما ذكره من الأدلة، والله تعالى أعلم. ٥٠ ـ ردّه تفسيراً قوياً لحديث «أسرعوا بالجنازة» وتعقُّب الأئمة له: ذكر النووي ﵀ حديث: «أسرعوا بالجنازة .. » (٣)، ثم جزم بأن المراد بالإسراع: المشي بالجنازة إلى قبرها، وردّ على من فسره بالإسراع بتجهيزها، وقال إنه: «قول باطلٌ مردودٌ» (٤).

стр. 79

«قال الباحث»: ما حكم النووي ببطلانه غير مسلَّم، فمقتضى الأمر بالإسراع يشمل الأمرين معاً؛ الإسراع بالمشي بها إلى قبرها، والإسراع بتجهيزها من غسل وتكفين ونحوه بعد تيقن الموت. ليس هناك ما يمنع التفسيرين معاً. لذلك تعقَّب العلامةُ الفاكهي كلامَ النووي، وقال: «هذا جمود على ظاهر لفظ الحديث» (١). وأيَّده الحافظُ ابن حجر، فقال: «ويؤيده ـ يعني كلام الفاكهي ـ حديث ابن عمر، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إذا مات أحدكم، فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره. أخرجه الطبراني (٢) بإسناد حسن (٣). ولأبي داود (٤)، من حديث حُصين بن وحْوَح، مرفوعاً: لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله الحديث» (٥).

стр. 80

٥١ ـ إطلاقه كراهة الركوب في الذهاب مع الجنازة: قال النووي ﵀: «يكره الركوب في الذهاب معها» (١)، يعني الجنازة. «قال الباحث»: قيَّده في شرح المهذب بقوله: «إلا أن يكون له عُذر، كمرض أو ضعف ونحوهما، فلا بأس بالركوب» (٢). وكذا قال الحافظ العراقي: «ويستثنى من كراهة الركوب حالة العُذر» (٣). فكان الأولى بالنووي التقييد هنا كما قيَّد في شرح المهذب. والأمر في هذا واسع، لأن مثل هذا القيد قد يكون معلوماً وحاضراً في ذهن القارئ، بما يغني عن ذكره، والله تعالى أعلم. ٥٢ ـ سقط وتحريف في شرح النووي: قال النووي ﵀: «وفي هذا الحديث (٤) كراهة تَجْصِيص القبْر، والبناء عليه، وتحريم القعود، والمراد بالقعود: الجلوس عليه، هذا

стр. 81

مذهب الشافعي وجمهور العلماء، وقال مالك في الموطأ المراد بالقعود الجلوس» (١). «قال الباحث»: وقع هنا تحريف وسقط في كلام النووي، وصوابه: «وقال مالك في الموطأ المراد بالقعود: الحَدَث، وهو تأويل ضعيف أو باطلٌ». كذا نقله الحافظ ابن حجر (٢) عن النووي، وبه يستقيم الكلام. وهو الموافق لكلام الإمام مالك في الموطأ، حيث قال: «وإنما نهي عن القعود على القبور، فيما نَرَى للمَذَاهب» (٣). يريد قضاء حاجة الإنسان من غائط وبول، كما في شروح الموطأ (٤). وهذه الإفادة وإن كانت خارجة عن موضوع البحث، إلا أنني ذكرتها من باب الفائدة، علها تستدرك عند إعادة طباعة شرح النووي، والله الموفق.

стр. 82

ومن كتاب الزكاة ٥٣ ـ تفسيره لحديث «عودة أرض العرب مُروجاً وأنهاراً» والنظر فيه: ذكر النووي ﵀ حديث أبي هريرة مرفوعاً: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً (١)» ثم فسره بقوله: «معناه ـ والله أعلم ـ أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة، لا تزرع ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلَّة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلَّة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به» (٢). «قال الباحث»: تعقَّبه الشيخُ حمود التويجري (٣)، فقال: «وفي هذا التأويل نظر؛ لأن أرض العرب أرض قاحلة لا أنهار فيها، وإنما تسقى نخيلها

стр. 83

وزروعها من مياه الآبار، ولو تركت وأعرض عنها وبقيت مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياه الآبار؛ لبقيت قاحلة يابسة، والصحيح أن هذه إشارة إلى ما ابتدئ فيه الآن من حفر الآبار الارتوازية التي ينبع الماء منها بكثرة، وإلى عمل السدود التي تحبس مياه السيول، فتكون أنهارًا تجري إلى الأراضي الطيبة، فتكون مزارع ومروجًا للدواب … وقد ظهر مصداق ما أخبر به رسول الله ﷺ في أرض العرب بما ظهر فيها الآن من الآبار الارتوازية، وسيتم ذلك فيما بعد، فتكون مروجًا وأنهارًا؛ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه» (١). وهذا اجتهاد من الشيخ التويجري ﵀ في تفسير الحديث، ومن الصَّعب الجزم بتنزيل الحديث عليه دون مستند شرعي يشهد له. وهناك تفسير ثالث للحديث ذهب إليه بعض المشتغلين بمسائل الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة في العصر الحديث، حيث قرروا أن في الحديث معجزة علمية لم تعرف ولم تكتشف إلا اليوم!!. قالوا: إن الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة أثبتت بأن جزيرة العرب كانت في العصور القديمة قبل نحو عشرة آلاف سنة أرضاً خصبة، تغطيها مساحات واسعة من الأنهار والبحيرات المائية، قبل أن تطرأ عليها حالة الجفاف والتصحر الحالية. قالوا: فقوله في الحديث: «حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً»

стр. 84

يدل على أنها كانت كذلك في وقت سابق، وأنها ستعود إلى حالتها الأولى قبل قيام الساعة (١). «قال الباحث»: كل هذه الأقوال: فرضيات واجتهادات محتملة في تفسير الحديث، ليس لدينا ما يثبتها، أو ينفيها على وجه اليقين. والأصوب فيما يبدو: أن يكون العود في قوله «حتى تعود» معناه الصيرورة، أي تصير مروجاً وأنهاراً، ومنه قول العرب: عاد الرأْس منِّي كالثَّغَام، بمعنى صار (٢). وعليه فإن جزيرة العرب سوف يطرأ عليها في مستقبل الزمان تغيرات مناخية تقلبها من أرض يابسة جرداء إلى أرض ذات مطر غزير وأنهار، وليس بالضرورة أنها كانت قديماً كذلك، وهذا أمر ليس بالغريب في ظل ما نشاهده اليوم من تغيرات المناخ وتقلباته في كثير من نواحي الأرض، فكم من أرض كانت يابسة، ثم غمرتها المياه مع مرور الأزمنة المتطاولة، وكم من أرض انحسر الماء عنها، وأصبحت يابسة يمشي فوقها الناس، بعد أن كانت مغمورة تحت الماء. هذا هو الأقرب في تفسير الحديث، لكونه يتماشى مع ظاهره، دون زيادات واحتمالات.

стр. 85

والحاصل أن عودة جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً في آخر الزمان هو من علامات الساعة وقرب قيامها، فيجب الإيمان به كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ ، ولا يضيرنا الجهل بتحديد أسباب حصول ذلك، فمثل هذا مما لا يضر المسلم في دينه، ولا في عقيدته شيئاً، والعلم عند الله تعالى. ٥٤ ـ حصره عدم تكفير الخوارج في مذهب الشافعي فحسب والتعقُّب عليه: قال النووي ﵀: «مذهب الشافعي وجماهير أصحابه العلماء أن الخوارج لا يكفرون، وكذلك القدرية وجماهير المعتزلة وسائر أهل الأهواء» (١). «قال الباحث»: عدم تكفير الخوارج ليس حكراً على مذهب الشافعي كما توهم عبارة النووي، بل هو قول جماهير علماء أهل السنة كما نقله عنهم غير واحد، كابن حجر (٢)، والقسطلاني (٣)، والمناوي (٤)، والشوكاني (٥)، وغيرهم كثير. بل قد حكى الإمام الخطابي إجماع العلماء على أن الخوارج على

стр. 86

ضلالهم مسلمون، فقال: «أجمعوا على أنهم على ضلالهم مسلمون» (١). وكذا حكى الإمام ابن تيمية إجماع الصحابة على عدم تكفيرهم، ونصّ عبارته: «الخوارج كانوا من أظهر النَّاس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيراً لها، ولم يكن في الصحابة من يكفِّرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين» (٢).

стр. 87

ومن كتاب الصِّيام ٥٥ ـ تضعيفه تفسيراً قوياً لحديث: «إن في السّحور بركة»: قال النووي ﵀: «أما البركة التي فيه (١) فظاهرة، لأنه يقوِّي على الصيام، وينشِّط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام، لخفة المشقَّة فيه على المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد في معناه، وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف؛ وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلَّى، أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة، أو التأهب لها حتى يطلع الفجر» (٢). «قال الباحث»: لست مع النووي في تصويب المعنى الأول وحصر الحديث فيه، والظاهر أن الحديث يشمل الأمرين معاً، تحصيل البركة الدنيوية من تقوية بدن الصائم على احتمال مشقة الصيام في النهار، ويشمل أيضاً تحصيل البركة الدينية من الاستيقاظ في وقت السحر المبارك، ومداومة الذكر

стр. 88

والدعاء، ومتابعة السنّة … لذلك قال الحافظ ابن حجر ﵀: «الأَولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخُلُق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام» (١). ويقول ابن دقيق العيد وكأنه يردّ على كلام النووي: «وهذه البركة: يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنّة توجب الأجر وزيادته. ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية، لقوة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إجحاف به … ومما عُلل به استحباب السحور: المخالفة لأهل الكتاب، فإنه يمتنع عندهم السحور، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأمور الأخروية» (٢). والحاصل أن النووي ﵀ ربما ضيّق في تفسير بعض الأحاديث، فيقصرها على معنى واحد فحسب، مع أن ظاهرها محتملٌ لمعان أخرى قوية، وربما كانت جميعها داخلة ومشمولة في مراد النصّ، كما وقع هنا، والله تعالى أعلم.

стр. 89

٥٦ ـ اختصار مُجحف: قال النووي ﵀: «معنى المباشرة (١) هنا اللَّمس باليد، وهو من التقاء البشرتين» انتهى (٢). «قال الباحث»: أجحف النووي ﵀ في إيضاح معنى الحديث وبيان مسائله، فاكتفى ببيان المعنى اللغوي للمباشرة فحسب، والشراح يقولون: المراد بالمباشرة في الحديث: استمتاع الصائم بامرأته بالملامسة والمداعبة ومقدمات الجماع دون الجماع، كما ذكره غير واحد، كابن الأثير (٣) وغيره. ٥٧ ـ إغفاله تفسيراً قوياً لحديث «للصائم فرحتان»: قال النووي ﵀: «وأما ـ فرَحه ـ عند فطره (٤)، فسببها: تمام عبادته وسلامتها من المفسدات وما يرجوه من ثوابها» (٥). «قال الباحث»: هذا سبب حسنٌ، ويحتمل أن يكون سبب الفَرَح هو: زوال جوع الصائم وعَطَشه حين أبيحَ له الفطر، كما أشار إليه الإمام القرطبي،

стр. 90

بل قال: «إنه السابق للفَهْم» (١). وليس هناك ما يمنع شمول الحديث للمعنيين معاً، فيفرح الصائم بتمام عبادته وسلامتها، ويفرح بزوال جوعه وعَطَشه. ومثله أيضاً الموضع التالي: ٥٨ ـ إغفاله تفسيراً قوياً لحديث «من صام يوماً في سبيل الله»: قال النووي ﵀: «فيه (٢) فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوّت به حقاً، ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه» (٣). «قال الباحث»: كلام النووي هذا محمول على أن المراد بسبيل الله في الحديث: الجهاد، مع أن من المحتمل أن يكون المراد به: قصد وجه الله وابتغاء مرضاته مطلقاً، كما صرَّح به غير واحد كالقرطبي (٤) وغيره. فهذا تفسير قوي محتمل للحديث، وكان حريّ بالنووي ﵀ ذكره أو الإشارة إليه ولو بإيجاز.

стр. 91

ومن كتاب الحَجّ ٥٩ ـ حكايته الإجماع على وجوب غسل الميِّت والتعقُّب عليه: قال النووي ﵀: «التكفين واجبٌ وهو إجماعٌ في حقِّ المسلم، وكذلك غسله، والصلاة عليه، ودفنه» (١). «قال الباحث»: حكاية الإجماع على وجوب غسل الميت متعقَّبة، فإن بعض المالكية رجحوا السنّيّة، وهو اختيار الإمام القرطبي المالكي في شرحه على مختصر مسلم (٢). لذلك تعقَّب الحافظُ ابن حجر النووي في المسألة، وقال: «هو ذهولٌ شديدٌ» (٣)!! والمقصود ألَّا إجماع في المسألة كما حكى النووي، وإن كنا لا نشك

стр. 92

في ضعف القول بعدم الوجوب، لمخالفته صريح الأمر النبوي (١)، وما عليه جماهير أهل العلم، والله تعالى أعلم. ٦٠ ـ نسبته إلى أبي حنيفة قولاً لا يصحّ عنه: قال النووي ﵀: «مذهب مالك والشافعي وأحمد والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنه يصحّ حجُّ الصبي ويثاب عليه ويترتب عليه أحكام حجُّ البالغ، إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإِسلام، فإذا بلغ بعد ذلك واستطاع لزمه فرض الإِسلام، وخالف أبو حنيفة الجمهور، فقال: لا يصحّ له إحرام، ولا حجّ، ولا ثواب فيه، ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحجّ، قال: وإنما يحجّ به ليتمرن ويتعلم ويتجنب محظوراته للتعلم» (٢). «قال الباحث»: تعقَّبه الشيخ الكشميري الحنفي، فقال: «نَسَبَ إلينا النووي أن حجّ الصبي لا يعتبر عندنا، وهو باطلٌ. نعم يقع نفلاً ولا يعتبر عن حجّة الإسلام» (٣).

стр. 93

والأمر كما قال الكشميري، فعامة كتب الحنفية مع الجمهور، ولم أر منهم من نسب إلى أبي حنيفة ما ذكره النووي ﵀، وما من شك أن أهل المذهب أدرى بمذهب إمامهم من غيرهم. يقول العلامة الكاساني الحنفي ﵀: «فأما البلوغ والحرية فليسا من شرائط الجواز، فيجوز حجّ الصّبي العاقل بإذن وليِّه، والعبد الكبير بإذن مولاه، لكنه لا يقع عن حجَّة الإسلام» (١). وفي البحر الرائق ـ وهو من كتب الحنفية الشهيرة ـ: «لو حجّ ـ الصَّبي ـ وهو مميِّز بنفسه أو غير مميِّز بإحرام وليِّه فهو نفلٌ» (٢). ٦١ ـ حكايته الإجماع على عدم شرعية الرَّمَل في طواف النساء والتعقُّب عليه: قال النووي ﵀: «اتفق العلماء على أن الرَّمَل (٣) لا يشرع للنساء» (٤)، يعني في الطواف. وكرره في المجموع فقال نقلاً عن ابن المنذر: «أجمع العلماء على أن

стр. 94

المرأة لا ترمل ولا تسعى بل تمشي» (١). «قال الباحث»: خالف ابن حزم في المسألة، فقال: «فإذا قَدِم المعتمر، أو المعتمرة مكة فليدخلا المسجد، ولا يبدآ بشيء، لا ركعتين ولا غير ذلك قبل القصد إلى الحجر الأسود فيقبِّلانه، ثم يلقيان البيت على اليسار ولا بدَّ، ثم يطوفان بالبيت من الحجر الأسود إلى أن يرجعا إليه سبع مرَّات، منها ثلاث مرَّات خَبَبَا وهو مشْي فيه سرعة» (٢). فهذا كلام ابن حزم ينقض ما حكاه النووي من الإجماع، إلا إن كان النووي يقصد إجماع من قبل ابن حزم، أو أنه لا يعتد بخلافه، أو أنه لم يقف على كلامه، والله تعالى أعلم. ٦٢ ـ إيهامه ضعف أثر عن ابن عباس وهو في الصحيحين: قال النووي ﵀: «من بعث هديه لا يصير محرماً ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا حكاية رُويت عن ابن عباس … أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المُحرم» (٣). «قال الباحث»: كلام النووي يوهم ضعف أثر ابن عباس ﵄، لكونه أسنده إليه بصيغة التمريض (حكاية رويت)، مع أنه أثر ثابتٌ عنه، أخرجه

стр. 95

الشيخان، البخاري ومسلم، ولفظه عن ابن عباس: «من أهدى هدياً حَرُم عليه ما يحرُم على الحاجّ، حتى ينحر الهدي» (١). ٦٣ ـ قوله بأن فضيلة تضعيف الصلاة في المسجد النبوي مختصةٌ بالمسجد الذي كان في زمنه ﷺ دون ما زيد فيه بعده والتعقُّب عليه: قال النووي ﵀: «واعلم أن هذه الفضيلة مختصةٌ بنفس مسجده ﷺ الذي كان في زمانه، دون ما زيد فيه بعده، فينبغي أن يحرص المصلّي على ذلك» (٢). «قال الباحث»: يؤخذ على الإمام النووي أنه اقتصر على هذا القول مع أن جمهور العلماء على خلافه. فقد قرر جمهور العلماء (٣) أن الزيادة تأخذ حكم المسجد الأصلي في فضيلة التضعيف. لذلك تعقَّب كلام النووي غير واحد، منهم: الحافظ العراقي، وقال:

стр. 96

«فيه بعد ونظر ظاهر» (١)، وكذا تعقَّبه السيوطي (٢)، وملا علي القاري وأطال في الردّ عليه (٣). وليس من شرط هذا الكتاب مناقشة النووي ﵀ في المسائل الخلافية، لأن ذلك يطول جداً كما أشرت إليه في المقدِّمة، وإنما ذكرت هذه المسألة لأن النووي اقتصر فيها على قول واحد خالفه فيه جمهور العلماء. وقد ذكر العلامة السمهودي نقلاً عن الشيخ محب الدين الطبري أن النووي ﵀ رجع عن قوله هذا (٤).

стр. 97

ومن كتاب النِّكاح ٦٤ ـ ذكره احتمالاً ضعيفاً في نسخ إباحة اللَّعب بعرائس البنات: قال النووي ﵀: «المراد (١) هذه اللُّعب المسماة بالبنات، التي تلعب بها الجواري الصغار … ويحتمل أن يكون هذا منهياً عنه، وكانت قصة عائشة هذه ولُعَبُها في أول الهجرة قبل تحريم الصور» (٢). «قال الباحث»: يردّ هذا الاحتمال ما ثبت في سنن أبي داود، عن عائشة ﵂، قالت: «قدِم رسولُ الله ﷺ من غزوة تبوك، أو خيبر وفي سَهْوتها سِتْرٌ، فهبَّت ريْحٌ فكشفت ناحية السِّتْر عن بنات لعائشة لُعَبٌ، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: بناتي، ورأى بينهن فَرَساً له جناحان من رِقَاع، فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهن؟»، قالت: فَرَسٌ، قال: «وما هذا الذي عليه؟» قالت: جناحان، قال: «فَرَسٌ له جناحان؟» قالت: أما سمعتَ أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالتْ: فضحك حتى رأيت نواجذه» (٣).

стр. 98

فهذا نصّ يردّ ما ذكره النووي من احتمال أن إباحة اللعب بالبنات كان في أول الهجرة ثم نسخ، لأن هذه الحادثة وقعت في السنة السابعة أو التاسعة، وهي تاريخ غزوتي خيبر وتبوك. ٦٥ ـ قوله في وَأْد العرب للبنات والتعقُّب عليه: ذكر النووي ﵀ مسألة وَأْدَ البنات، وهي دفنهن أحياء، وقال: «كانت العرب تفعله خشية الإملاق، وربما فعلوه خوف العار» (١). «قال الباحث»: لو أنه قيّده ببعض العرب لكان أولى، فإن هذه العادة القبيحة لم تكن منتشرة ولا ذائعة بين جميع قبائل العرب، بل كان ذوو الشرف منهم لا يفعلونها، وينهون عنها، وإلا فكيف بقيت نساؤهم، بل كيف بقوا هم أصلاً. وقد أشار إلى هذا جمع من الأئمة، كالقرطبي ﵀ عندما كتب يقول: «وقد كان ذوو الشَّرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه، حتى افتخر به الفرزدق، فقال:

стр. 99

ومنّا الذي منع الوائدات … فأحيا الوئيد فلم يُوأد يعني جدَّه صَعْصَعَة كان يشتريهنَّ من آبائهنَّ، فجاء الإسلام وقد أحْيا سبعين موءودة» انتهى (١). وأما القصة التي يذكرونها عن وَأْدِ عمَر بن الخطاب ﵁ لابنته في الجاهلية، وأنه كان يبكي حين يذكر ذلك، فليس لها أصلٌ، ولم أجد لها أثراً في كتاب التراجم والتاريخ والسير القديمة بعد التفتيش الشديد عنها!! ٦٦ ـ قوله في صفة رَضَاع الكبير والتعقُّب عليه: ذكر النووي ﵀ حديث عائشة في قصة دخول سالم مولى أبي حذيفة على سهْلة بنت سُهيل، وقول النبي ﷺ : «أرضعيه تحرمي عليه» (٢)، ثم نقل توجيه العلماء لقوله: «أرضعيه»، فنقل عن القاضي عياض قوله: «لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها ولا التقت بشرتاهما» (٣)، ثم قال النووي: «وهذا الذي قاله القاضي حسن، ويحتمل أنه عفي عن مسّه للحاجة، كما خصّ بالرضاعة مع الكبر» (٤)!! «قال الباحث»: هذا الاحتمال الثاني غير صحيح، وكان الأولى عدم ذكره، إذ كيف يحلّ لرجل بالغ كامل الرجولة أن ينظر إلى ثدي امرأة أجنبية،

стр. 100

فضلاً أن يلتقمه بفمه ويرضعه ويمصه، كما يفعل الأطفال، هذا مما لا يحلّ قطعاً!!. وعامة الشراح فسروا كلمة «أرضعيه» بأنها تحلب له اللبن في إناء، ثم يشربه من غير أن ينظر إلى الثدي أو يمسّه أو يقترب منه، ولا يذكرون القول بالرضاع المباشر إلا لردّه والإنكار على قائله، كما تراه في كلام الأئمة ابن قتيبة (١)، وابن عبد البر (٢)، والعراقي (٣) وغيرهم. يقول ابن قتيبة ﵀: «ولم يرد النبي ﷺ ضعي ثديك في فيه، كما يُفعل بالأطفال، ولكن أراد: احلبي له من لبنك شيئاً، ثم ادفعيه إليه ليشربه. ليس يجوز غير هذا؛ لأنه لا يحل لسالمٍ أن ينظر إلى ثدييها، إلى أن يقع الرَّضاع، فكيف يبيح له، ما لا يحل له، وما لا يؤمن معه من الشهوة؟» (٤). ويقول ابن عبد البر: «هكذا إرضاع الكبير يحلب له اللبن ويسقاه، وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل فلا، لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء» (٥).

стр. 101

٦٧ ـ نفيه وجود رواية ثابتة في بعض كتب السنّة: قال النووي ﵀ تعليقاً على حديث: الولد للفراش (١): «جاء في رواية احتجبي ـ يعني يا سودة ـ منه، فإنه ليس بأخٍ لك، وقوله «ليس بأخٍ لك» لا يُعرف في هذا الحديث، بل هي زيادة باطلةٌ مردودةٌ» (٢). «قال الباحث»: بل هي زيادة معروفة مخرَّجة في مسند الإمام أحمد (٣) وسنن النسائي (٤) وغيرهما، وإن كان الأئمة قد اختلفوا في تصحيحها، فأعلّها البيهقي (٥)، والمنذري (٦)، والمازري (٧)، وأما الحاكم فصحّح إسنادها (٨)، كما أفاده الحافظ ابن الملقن (٩). فقول الإمام النووي بأنها زيادة لا تعرف في الحديث غير صواب، إلا إن كان قَصَد نفي صحتها، لا نفي وجودها في كتب السنّة، والله أعلم.

стр. 102

٦٨ ـ كلامٌ موهم في استحباب صلاة ركعتين عند القدوم من السفر: قال النووي ﵀ تعليقاً على حديث جَمَل جابر الذي اشتراه منه النبي ﷺ (١): «فيه استحباب ركعتين عند القدوم من السفر» (٢). «قال الباحث»: لم يحرر النووي ﵀ العبارة كما يجب، فأوهم أن استحباب صلاة ركعتين عند القدوم من السفر مطلق في أي مكان، مع أن حديث جابر المذكور قيَّده بالمسجد، ولفظه: «اشترى منّي رسول الله ﷺ بعيراً، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد، فأصلّي ركعتين» (٣). وهذا ما صرّح به النووي نفسه بعد ذلك في باب بيع البعير واستثناء ركوبه، حيث ذكر حديث جابر، وقال: «فيه أنه يستحب للقادم من السفر أن يبدأ بالمسجد فيصلّي فيه ركعتين» (٤). وكذا صرَّح به في شرحه على المهذب، حين قال: «السنّة للقادم من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلّي فيه ركعتين» (٥). فلو أن النووي ﵀ قيّد العبارة بالمسجد هنا كما قيّدها في بقيّة

стр. 103

المواضع لكان أولى وأحرى، والله تعالى أعلم. ٦٩ ـ تفسيره حديث: «لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَز اللَّحم» والنظر فيه: ذكر النووي ـ رحمه لله ـ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم يَخْنَزْ (١) اللَّحم (٢) ثم فسره بقوله: «قال العلماء: معناه أن بني إسرائيل لمّا أنزل الله عليهم المنّ والسَّلوى نهوا عن ادخارهما، فادخروا ففسد وأنْتَن، واستمر من ذلك الوقت» (٣)!! «قال الباحث»: في هذا التفسير نظر، لأن مقتضاه أن اللحوم والأطعمة قد تغيّرت طبيعة خلقتها بسبب بني إسرائيل، فكانت قبل وجودهم لا تتغير ولا تتعفَّن، حتى وإن تركت زمناً طويلاً، ثم أصبحت تتغير وتتعفَّن بعد ذلك!! وفي هذا نظرٌ، لأن الأصل أن الله ئى جعل لهذا الكون وما فيه سنناً ثابتة منذ خلقه، بما فيها فساد اللحم وتعفنه إن ترك زمناً طويلاً. لذلك كان الأصوب في تفسير الحديث أن يقال: إن بني إسرائيل هم أول من سنّ إمساك الطعام وحبسه عن مستحقيه، حتى صار يفسد ويتغيّر،

стр. 104

وقلَّدهم الناس في ذلك. هذا مقصود الحديث، وليس أن اللحوم والمأكولات قد تغيّرت طبيعتها التي خلقها الله عليها يوم خلق الأشياء والله أعلم. وقد أشار إلى هذا التفسير القاضي البيضاوي ﵀ (ت: ٦٨٥ هـ)، فقال: «والمعنى: لولا أن بني إسرائيل سنوا ادخار اللَّحم حتى خنز لما ادخر، فلم يَخْنَز» (١). وبنحوه قال العلامة الطيبي في شرح المشكاة (٢). هذا هو الأصوب في تفسير الحديث وليس كما ذكر النووي ﵀.

стр. 105

من كتاب الرَّضاع ٧٠ ـ تحسينه حديث «أفعمياوان أنتما»، وهو ضعيف: ذكر النووي ﵀: حديث أم سلمة: «أنها كانت هي وميمونة عند النبي ﷺ فدخل بن أم مكتوم، فقال: النبي ﷺ احتجبا منه، فقالتا: إنه أعمى لا يبصر، فقال النبي ﷺ : أفعمياوان أنتما، فليس تُبصرانه»، ثم قال النووي: «هذا الحديث حديث حسن رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) وغيرهما» (٣). «قال الباحث»: حسن النووي الحديث المذكور، والأصوب أنه ضعيف، لأنه مروي من طريق نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة به. ونبهان هذا لم أقف على من وثقه غير ابن حبان (٤). وقد جهله غير واحد من الحفاظ، فقال البيهقي: «إن البخاري ومسلماً

стр. 106

صاحبي الصحيح لم يخرجا حديثه في الصحيح، وكأنه لم يثبت عدالته عندهما، أو لم يخرج من حد الجهالة برواية عدل عنه» (١). وقال ابن عبد البر (٢) وابن حزم (٣): «مجهول». وقال ابن بطال: «ليس بمعروف بنقل العلم» (٤). وقال ابن حجر: «مقبول» (٥)، يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين الحديث، ولم أر من تابعه. والحديث قال ابن حجر: «مختلف في صحته» (٦)، وضعفه ابن عبدالبر في التمهيد، وقال: «لا أصل» (٧) فلا يسلم للنووي تحسين الحديث، والله أعلم.

стр. 107

من كتاب البُّيوع ٧١ ـ حكايته إجماع أهل اللغة على أن الحَبَل خاص بالآدميات، والحَمْل لبقية الحيوانات والتعقُّب عليه: قال النووي ﵀: «اتفق أهل اللغة على أن الحَبَل مختص بالآدميات، ويقال في غيرهن الحَمْل، يقال حَمَلت المرأة ولداً وحَبَلت بولد، وحَمَلت الشاة سَخْلَة (١)، ولا يقال حَبَلت» (٢). وكرر هذا في كتابه تهذيب الأسماء واللغات، فقال: «اتفق أهل اللغة: على أن الحَبَل مختص بالآدميات، وإنما يقال في غيرهن الحَمْل، يقال: حَبَلت المرأة ولداً وحَبَلت بولد، وحَبَلت من زوجها، وحَمَلت الشاة والبقرة والناقة ونحوها، ولا يقال: حَبَلت» (٣). «قال الباحث»: تعقَّبه الحافظ ابن حجر بأن ابن سيده صاحب المحكم أثبت الحَبَل للحيوانات قولاً لأهل اللغة، قال ابن حجر: «أثبته صاحب

стр. 108

المحكم (١) قولاً، فقال: اختُلف أهي للإناث عامة أم للآدميات خاصة … وفي ذلك تعقُّب على نقل النووي اتفاق أهل اللغة على التخصيص» (٢) انتهى. وكذا أثبت الحَبَل لغير الآدميات الإمام اللغوي أبو زيد سعيد بن أوس (ت: ٢١٥ هـ) (٣)، فقال: «يقال حبُلى في كل ذات ظفر» (٤). ٧٢ ـ حكايته الإجماع على ضعف أحاديث النهي عن ثمن الكلب إلا كلب صيد والنظر في ذلك: قال النووي ﵀: «وأما الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلا كلب صيد، وفي رواية: إلا كلباً ضارياً … فكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث» (٥). «قال الباحث»: حكاية الإجماع هذه بحاجة إلى مراجعة، فقد صحح الأحاديث الواردة في الاستثناء العلامة ابن التركماني، وقال: «الاستثناء رُوي من وجهين جيّدين، من طريق الوليد بن عبيدالله، عن عطاء، عن أبي هريرة. ومن طريق الهيْثم، عن حمّاد، عن أبى الزبير، عن جابر … إلى أن قال:

стр. 109

فظهر أن الحديث بهذا الاستثناء صحيح» (١). ٧٣ ـ نفيه رواية ثابتة عن ابن معين: قال النووي ﵀: «قال القاضي (٢): وقال يحيى بن معين: إن أهل المدينة لا يصححون سماع النُّعمان ـ يعني ابن بشير ـ من النبي ﷺ ، وهذه حكاية ضعيفة أو باطلة، والله أعلم» (٣). «قال الباحث»: إن كان النووي يقصد بطلان المقولة مطلقاً عن يحيى ابن معين، فليس كذلك، فهي ثابتة، كما في رواية تلميذه الدوري عنه (٤). أما إن كان يقصد ردّ المقولة وإبطالها فهذا صحيح، فجماهير العلماء على إثبات سماع النُّعمان بن بشير من النبي ﷺ ، كما قاله النووي نفسه في الموضع السابق. وقد ثبت تصريح النُّعمان ﵁ بالسماع من النبي ﷺ في حديث الحلال بيِّن والحرام بيِّن … وهو مخرَّج في الصحيحين (٥).

стр. 110

٧٤ ـ تبويبٌ غير مناسب: ذكر النووي ﵀ حديث جابر بن عبدالله: «أن عبداً جاء إلى النبي ﷺ فبايعه على الهجرة، ولم يشعر أنه عبدٌ، فجاء سيّده يريده، فقال له النبي ﷺ بعنيه، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحداً بعدُ حتى يسأله أعبدٌ هو» (١). وقد بوَّب عليه النووي بقوله: «باب جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلاً» (٢)!! «قال الباحث»: لو أنه قال: «باب جواز بيع العبد بالعبدين»، كما فعل الإمام المنذري في مختصره لصحيح مسلم (٣) لكان حسناً، فعبارة المنذري أدق وألطف، خاصة وأن الوارد في الحديث بيع العبد بالعبد وليس بيع الحيوان بالحيوان، وتشبيه العبد بالحيوان مما لا يحسن.
следующие страницы →