مقدِّمة شيخنا العلَّامة صالح بن فوزان الفوزان
الحمد لله. وبعد:
فقد اطَّلعت على كتاب الشَّيخ عبد العزيز الرَّيِّس «الحقُّ الأبلج في الرَّدِّ على العَرْفج» في بيان ضابط البدعة شرعًا، فوجدته كتابًا جيِّدًا في موضوعه، مؤيَّدًا بالأدلَّة الشَّرعيَّة.
فجزاه الله خيرًا ونفع بعلمه وبكتابه.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وآله وصحبه.
كتبه
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
في ٢١/ ١٠/ ١٤٣٧ هـ
стр. 2
مقدمة
سلام عليكم ورحمة وبركاته.
أمَّا بعد:
فإنَّه يُطالعنا حينًا بعد حينٍ؛ أقوامٌ بكتب، ومقالات، وكلمات، يَدْعون فيها إلى ضلالات وجهالات موبقات.
ومن شرها وأضلها ما أُلبس اللباسَ الجميل، بإظهار اتباع الدليل، وحقيقتُه الإضلالُ عن السبيل؛ لأنه بذلك يَرُوج، وبين العامة الدهماء يموج، ولو دَقَّق الناظر لرآه هباءً، وفي التحقيق والعلم خرابًا، لاسيما مع قلة العلم بالوحي وظهور الجهل بميراث النبي ﷺ عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أشراط الساعة أن يُرفَع العلمُ، ويثبتَ الجهلُ» متفق عليه (١).
وإنه في هذه الأزمان، يتعين على أهل العلم والإيمان أن يدافعوا عن دين الرحمن؛ لئلا تُحرف معالمه الحِسان، فإن من أعظم الواجبات السَّعيَ لبقاء الدين جليًّا، وعن الدخيل نقيًّا.
اللهم وفق حماة الشريعة ودعاة السنة المحمدية للقيام بهذا الواجب.
وإن من الكتب العصرية، المحرفة للعلوم الشرعية، والجامعة بين شدة التحريف، وهزال الحجَّةِ والتخريفِ كتابَ (مفهوم البدعة) للدكتور - المتخصص في غير العلوم الشرعية - عبد الإله بن حسين العرفج - هداه الله لرشده -،
стр. 3
الذي نازع في أن الأصل في العبادات التوقيفُ مطلقًا، والذي جعل الخلاف في تحقيق المناط راجعًا على التأصيل بالنقض، وبعبارة أخرى: جعل خلاف العلماء في تبديع بعض الأعمال راجعًا للخلل في ضابط البدعة، حتى أتى هو في القرن الخامس عشر، فضبط البدعة بضابط لم يستطعه الأولون، ولا العلماء الماضون من علماء المذاهب الأربعة وغيرهم!!، والذي دعا هذا المسكين - بقصد أو بغير قصد - إلى القول بأنه لا ضابط للبدعة؛ هو محاولة تشريع بعض البدع، كبدعة الاحتفال بمولد رسول الله ﷺ ونحو ذلك!!.
ولما ذكر ضابط البدعة - بعد طلب أحد المقدمين للكتاب -، خلّط - زيادةً على تخليطه الأول - في تقسيم مواقف العلماء من البدعة إلى مضيقين وموسعين - فتناقض في ضابط التقسيم، وفي تصنيف العلماء في هذه الأقسام!!
ثم خلط - بعمد أو بجهل - بين الترك التعبدي المقصود «الذي وُجِدَ المقتضي له وانتفى مانعه»؛ مع بقية التروك التعبدية وغير التعبدية، والمقصودة وغير المقصودة، فبهذا عمد إلى المتشابه وترك المحكم، وسلك طريق من قال الله فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾] آل عمران: ٧ [.
ومما شجعني على كتابة الرد على كتاب (مفهوم البدعة) هو جمع ما تيسر من أصول أهل السنة السلفية في التبديع، وكشف شبهات أهل الضلال والتجديع، على هذه الأصول السلفية والعلوم الشرعية.
стр. 4
وقد قسمت مناقشة (كتاب مفهوم البدعة) (١) قسمين:
الأول: تأكيد المسلمات السنية في البدعة.
الثاني: كشف شبهات كتاب مفهوم البدعة.
وجعلت القسم الأول مقدمات (٢)، وعددها اثنتا عشرة مقدمة:
المقدمة الأولى: ذم الشرع والسلف للبدع.
المقدمة الثانية: لا يوصف شيء مُحْدَث بأنه بدعة شرعًا؛ إلا إذا عدّه عبادة.
المقدمة الثالثة: العبادة لا تخرجُ عن أن تكون واجبةً ومستحبةً: «فعلًا»، أو محرمةً ومكروهةً: «تركًا».
المقدمة الرابعة: لا يصح التعبد بالمباح لذاته.
المقدمة الخامسة: البدع كلها محرمة.
المقدمة السادسة: كل بدعة ضلالة، ولا يوجد في الدين بدعة حسنة.
المقدمة السابعة: الأصلُ في العباداتِ التوقف والمنعُ والحظر إلا بدليلٍ، فلا يصحُّ لأحدٍ أن يتعبَّد اللهَ بشيءٍ إلا بدليلٍ شرعيٍّ معتبرٍ.
المقدمة الثامنة: ما تركه رسول الله ﷺ وصحابته من العبادات مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، فهو سنة تركية؛ ففعله بدعةٌ منكرة.
стр. 5
المقدمة التاسعة: البدع تدخل في الوسائل كما تدخل في الغايات.
المقدمة العاشرة: القياسُ لا يصحُّ في العباداتِ غير معقولةِ المعنى (العلة).
المقدمة الحادية عشرة: كل عبادةٍ مشروعةٍ في الجملة؛ فليس لأحدٍ أن يخصصها أو يقيِّدها بمكانٍ أو زمانٍ أو كيفية أو سببٍ أو غير ذلك إلا بدليلٍ.
المقدمة الثانية عشرة: العمل بالعام أو المطلق دون النّظر إلى عمل السّلف وفهمهم في تخصيصه أو تقييده؛ من جملة البدع.
أمّا القسم الثاني فقد جعلته مناقشة لشبهاته، وهي ما بين رد مجمل، ثم مناظرة لفهم قول العرفج وتناقضه، ثم ردٍّ مفصَّلٍ، وركزت فيه على أكبر أخطائه وشبهاته، وعددُ شبهاته التي تم كشفها - بفضل الله - نحْوُ أربعين شبهة.
وقد سميت هذا الكتاب:
ومما أظنه كافيًا لبيان ضلال هذا الكتاب معرفة المقدمين له وهم:
محمد عبد الغفار الشريف.
محمد الحسن بن الددو.
علي بن السيد عبدالرحمن آل هاشم الحسني.
стр. 6
عمر بن حامد الجيلاني.
عجيل بن جاسم النشمي.
وإني لأدعو أهل السنة جميعًا شيبًا وشبابًا أن يدرسوا معتقد أهل السنة، وتوحيد الله ويرسخوا فيه؛ ليكونوا حماة يذودون عن دين الله، ويردون شبهات وجهالات كل من يريد تحريف الشريعة وتغييرها.
وإن مما يُحزن له أن يزهد كثير من أهل السنة عن دراسة معتقدهم وتوحيدهم، ومنهم من إذا درسه زهد في الدفاع عنه، وبيان خطأ المخطئين إما كسلًا أو رغبة عنه، أو تلبيسًا بأن أُقنع بقول من قال: بأن الردود لا تنفع وتقسي القلب .. وهكذا.
وهذه من خدع الشيطان وحبائله فإن الحق لا يبقى ظاهرًا جليًّا حتى يكون له أنصارٌ يظهرونه ويحمونه ويستميتون في نشره وحفظه.
وإن لنا أسوةً بالأئمة الماضين، ثم في هذه العصور المتأخرة، بأئمة الدعوة النجدية السلفية، فقد بقيت دعوتهم السلفية ظاهرة منتشرة في أصقاع الأرض، لاستمرار أنصارها في الدفاع عنها وردهم على كل مبطل، وتعاقبوا على ذلك حتى اختطفت جماعاتٌ حزبية متقنعة بالسنة - كالإخوان المسلمين والسرورية والتبليغ وغيرهم - كثيرًا من شبابنا، - بل وكثيرًا من العامة -؛ في هذه العقود، فغيبوا الناس عن هذه الدعوة حتى جهلها أبناؤها بل وعاداها بعضهم.
يا أهل السنة، وحماة الدين، وحراس العقيدة، ارجعوا إلى ما كان عليه سلفكم الصالح ومن سار على منهجهم، كأئمة الدعوة النجدية السلفية، وعلمائكم
стр. 7
الأجلاء، كالعلامة ابن باز، والعلامة الألباني، والعلامة ابن عثيمين، والعلامة صالح بن فوزان الفوزان، وغيرهم.
فكونوا على التوحيد والسنة غيورين، وعنهما مدافعين، على نهج السلف الماضين، لتلقوا الله راضين مرضيين.
أسأل الله الرحمن الرحيم الذي إياه نعبد وإياه نستعين، أن يسددني ويعينني ويتقبل هذا الكتاب، ويجعله ذخرًا يوم الدين عند لقياه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
د. عبدالعزيز بن ريس الريس
٧/ ٧/ ١٤٣٧ هـ
* * *
стр. 8
القسم الأول
تأكيد المسلمات السنية فيما يتعلق بالبدعة
لما كان كتاب (مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتاوى المعاصرة) لعبد الإله بن حسين العرفج، مخالفًا لمسَلَّماتٍ سُنِّية معروفة عند أهل العلم، كان لازمًا بيانُ هذه المسلمات والتذكير بها، فإن مجرد معرفتها كاف في سقوط وتهافت كتاب العرفج وأمثاله، وعدم الالتفات إليه عند ذوي الألباب.
وهاك - أخي - هذه المقدِّمات، لتأكيد تلك المُسَلَّمات.
المقدمة الأولى
ذمُّ الشَّرعِ والسلفِ للبدع
قد تكاثرت الأدلة وكلمات سلف هذه الأمة في ذم البدع ووصفها بالضلالة، ومن أصول هذا الباب ما أخرج الشيخان (١) عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌّ».
وأخرج مسلم (٢) عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».
стр. 9
و أخرج الخمسة إلا النسائي (١) عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: «وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنها ضلالة».
وثبت عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «اقتصادٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ» (٢).
وثبت عن أبي الدرداء أنه قال: «اقتصادٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة، إنَّك إنْ تتَّبعْ خيرٌ مِنْ أن تبتدع، ولن تخطئ الطَّريقَ ما اتَّبعْتَ الأثر» (٣).
وثبت عن أبيِّ بن كعب ﵁ أنه قال: «عليكم بالسَّبيل والسُّنة، فإنه ليس من عبدٍ على سبيل وسنَّةٍ ذكَر الرحمنَ ففاضت عيناه من خشية الله، فتمسَّه النَّارُ، وليس من عبدٍ على سبيل وسنَّةٍ ذكرَ الرَّحمن فاقشعرَّ جلدُه من مخافة الله إلَّا كان مثَلُه كمثل شجرة يبس ورقها، فبينما هي كذلك إذ أصابتها الريح فتَحاتَّ عنها ورقُها، إلا تحاتَّت عنه ذنوبه كما تَحاتَّ عن هذه الشَّجرة ورقُها، وإنَّ اقتصادًا في سبيلٍ وسنَّة خيرٌ من اجتهادٍ في خلافِ سبيلٍ وسنَّة» (٤).
стр. 10
وعن ابن عمر أنه قال: «كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها النَّاس حسنةً» (١).
وقال سعيد بن جبير: «لأنْ يصحبَ ابني فاسقًا شاطرًا سُنِّيًا، أحبُّ إليَّ من أن يصحبَ عابدًا مبتدعًا» (٢).
وقال أرطاةُ بن المنذر: «لأن يكون ابني فاسقًا من الفسَّاق أحبُّ إليَّ من أن يكون صاحبَ هوى» (٣).
قال الفضيل بن عياض: «لأن آكل عند اليهوديِّ والنصرانيِّ أحبُّ إليَّ من أن آكلَ عند صاحبِ بدعة، فإني إذا أكلتُ عندهما لا يُقتَدى بي، وإذا أكلتُ عند صاحبِ بدعةٍ اقتَدَى بيَ النَّاسُ، أُحِبُّ أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصْنٌ مِنْ حديدٍ» (٤).
قال الإمام الشَّافعي: «لأن يلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشِّرك، خيرٌ من أن يلقاه بشيءٍ من الهوى» (٥).
قال الإمام أحمد: «قبورُ أهل السُّنة من أهل الكبائر روضةٌ، وقبورُ أهل البدعة من الزُّهَّاد حفرةٌ، فسَّاق أهلِ السنَّة أولياءُ الله، وزهَّادُ أهلِ البدعة أعداءُ الله» (٦).
стр. 11
قال البَرْبهاريُّ: «وإذا رأيتَ الرجل من أهل السنَّة رديء الطَّريقِ والمذهب، فاسقًا فاجرًا صاحبَ معاصٍ، ضالًّا وهو على السنة؛ فاصحَبْه، واجلس معه، فإنَّه ليس يضرُّك معصيتُه، وإذا رأيتَ الرجل مجتهدًا في العبادة متقشفًا محترقًا بالعبادة صاحبَ هوى، فلا تجالسْه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمشِ معه في طريق، فإنِّي لا آمنُ أن تستحليَ طريقته؛ فتهلكَ معه.
ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: «يا بنيَّ من أين جئتَ؟ قال: من عند فلان، قال: يا بنيّ! لأن أراك خرجت من بيت خنثى، أحبُّ إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله يا بنيّ زانيًا فاسقًا سارقًا خائنًا، أحبُّ إلي من أن تلقاه بقولِ فلان وفلان».
ألا ترى أنَّ يونسَ بن عبيد قد علم أن الخنثى (١) لا يضل ابنه عن دينه، وأنَّ صاحب البدعة يضلُّه حتى يكفر؟!» (٢).
قال ابن القيم: «بل ما أكثر من يتعبد الله بِما حرَّمه الله عليه، ويعتقد أنه طاعةٌ وقربةٌ، وحاله في ذلك شرٌّ من حال من يعتقد ذلك معصيةً وإثمًا، كأصحاب السماع الشعري الذي يتقربون به إلى الله تعالى، ويظنون أنَّهم من أولياء الرَّحمن، وهم في الحقيقة من أولياء الشيطان» (٣).
стр. 12
المقدمة الثانية
لا يوصف شيء محدث بأنه بدعة شرعًا إلا إذا عدّه عبادة
من أعظم ضوابط البدعة أنها لا تكون إلا فيما يُتعبَّد ويُتديَّن به، والأدلة على هذا كثيرةٌ من الكتاب والسنة الصحيحة، ومنها هذان الدليلان:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [وجه الدلالة أنهم جمعوا بين التشريع (الإحداث)، والزعم أنه من الدِّين المقرِّب لله، فصارت شاملةً للبدع. وبهذه الآية استدل العلماء المحققون على حرمة البدع كما سيأتي - إن شاء الله - من كلام ابن جرير وابن تيمية وابن رجب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. والعادات؛ الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾] يونس: ٥٩ [» (١).
الدليل الثاني: عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ» متفق عليه (٢).
стр. 13
قال الحافظ العلائي: «والرَّد هنا باتفاق أئمة اللغة والحديث بمعنى (المردود)» (١).
وجه الدلالة: قوله (أمرنا) أي ديننا. فعلى هذا خرجت البدع الدنيوية من أصل الحظر والمنع، فلا يمنع شيءٌ منها إلا بدليلٍ، فلا يصح لأحدٍ أن يمنع السيارات الحديثة والطائرات ونحوهما بحجة أنهما غير موجودين في عهد رسول الله ﷺ ، لأن هذه أمورٌ دنيوية لا أمورٌ دينية.
وقد قرر هذا العلماء، قال ابن جرير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ .. ﴾: «يقول تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين بالله شُرَكاءُ في شِركهم وضلالتهم «شَرعُوا لهم من الدِّين مالم يأذن به الله» يقول: ابتدعوا لهم من الدِّين ما لم يُبح الله لهم ابتداعَه».
وتقدم ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن فقهاء أهل الحديث، كأحمد وغيره.
ولما ألف الطرطوشي وأبو شامة كتابيهما في البدع بينا أن المرادَ بالبدع الإحداثُ في الدين.
قال الطرطوشي المالكي: «وقسم يظنه معظمهم - إلا من عصم الله - عباداتٍ، وقربات، وطاعات، وسننًا.
فأما القسم الأول، فلم نتعرض لذكره؛ إذ كُفينا مؤنة الكلام فيه؛ لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين» (٢).
فبين بهذا أن كتابه المؤلف في البدع إنما هو فيما يتعلق بالإحداث في الدين.
وقال أبو شامة الشافعي: «فوصف ذلك عبد الله - أي ابن مسعود - بأنه بدعة لما كان موهمًا أنه من الدين، لأنه قد ثبت أن التجرد مشروع في الإحرام بنسك الحج والعمرة» (٣).
وقال: «فأمَّا القسم الأول فلا نطيل بذكره إذ قد كفينا مؤنة الكلام فيه لاعتراف فاعله انه ليس من الدين» (٤).
стр. 14
وقال أيضًا: «وأما القسم الثاني الذي يظنه معظم الناس طاعة وقربة إلى الله تعالى وهو بخلاف ذلك، أو تركه أفضل من فعله، فهذا الذي وضعت هذا الكتاب لأجله، وهو ما قد أمر الشرع به في صورة من الصور؛ من زمان مخصوص أو مكان معين، كالصوم بالنهار، والطواف بالكعبة، أو أُمِرَ به شخصٌ دون غيره، كالذي اختص النبي ﷺ من المباحات والتخفيفات، فيقيس الجاهل نفسه عليه فيفعله وهو منهي عن ذلك، ويقيس الصور بعضها على بعض ولا يفرق بين الأزمنة والأمكنة، ويقع ذلك من بعضهم بسبب الحرص على الآثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات، فيحملهم ذلك الحرص على فعلها في أوقاتٍ وأماكنَ نهاهم الشرع عن اتخاذ تلك الطاعات فيها» (١).
стр. 15
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد قرَّرنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة: أنَّ البدعة هي الدِّين الذي لم يأمر الله به ورسوله، فمن دان دِينًا لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك» (١).
وقال: «وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [، فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله» (٢).
وقال: «وهو سبحانه إنما يُعبَد بما شَرع من الدين، لا يُعبَد بما شُرع من الدين بغير إذنه؛ فإن ذلك شرك، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ - إلى قوله - ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾] الشورى: ١٣ [.
والدين الذي شرعه إما واجب وإما مستحب، فكل من عبد عبادة (٣) ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة كانت من الشرك والبدع، والحج إلى القبور ليس من شرعه لا واجبًا ولا مستحبًّا، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه حديثًا صحيحًا في استحباب ذلك، ولا عن أصحابه ولا علماء أمته» (٤).
стр. 16
وقال: «وقد قررنا في القواعد في قاعدة السُّنة والبدعة؛ أن البدعة هي الدِّين الذي لم يأمر الله به ورسوله، فمن دان دينًا لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾» (١).
وقال: «ومعنى ذلك أنه لا يشرع الاجتماع لهذا السماع المحدث، ولا يؤمر به، ولا يُتَّخذ دينًا وقربة، وأنَّ القُرَبَ والعباداتِ إنما تؤخذ عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فكما أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، فإنه لا دين إلَّا ما شرعه الله، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾» (٢).
وقال الشاطبي: «وإنما قُيِّدت بالدِّين لأنها فيه تُخْتَرع، وإليه يضيفها صاحبها أيضًا، فلو كانت طريقةً مخترعةً في الدنيا على الخصوص؛ لم تُسمَّ بدعةً، كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم … » اهـ (٣).
وقال ابن رجب: «فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصلٌ من الدِّين يُرجع إليه؛ فهو ضلالةٌ» اهـ (٤).
стр. 17
المقدمة الثالثة
العبادة لا تخرُجُ عن أن تكون واجبةً ومستحبةً فعلًا،
أو محرمةً ومكروهةً تركًا
وهذا بدهي لمن تدبر معنى العبادة شرعًا، لأن العبادة فعل ما يحبُّ اللهُ فعْلَه، وتركُ ما يحبُّ اللهُ تركَه، وهذا لا يكون من جهة الفعل إلا واجبًا أو مستحبًّا، ومن جهة الترك إلَّا محرَّمًا أو مكروهًا، ومع أن هذا الأمر واضح من جهة المعنى فإن العلماء أيضًا قرروه وأجمعوا عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «يقتضي أن السفر إليه - أي إلى قبر رسول الله - ليس بمستحب وليس هو واجبًا بالاتفاق، فلا يكون قربةً وطاعة، فإنَّ القربة والطاعة إمَّا واجبٌ وإمَّا مستحبٌّ، وما ليس بواجب ولا مستحبٍّ فليس قربةً ولا طاعةً بالإجماع» (١).
وقال: «إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنَّه قربةٌ وطاعة وبرٌّ، وطريق إلى الله؛ واجبٌ أو مستحبٌّ، إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله ﷺ ؛ وذلك يُعْلَم بالأدلَّة المنصوبة على ذلك، وما عُلم باتِّفاق الأمَّة أنه ليس بواجبٍ ولا مستحب ولا قربةٍ؛ لم يجز أن يُعتقد أو يُقالَ: إنه قربةٌ وطاعة، فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصدُ التقرب به إلى
стр. 18
الله ولا التعبدِ به، ولا اتخاذه دينًا، ولا عمله من الحسنات، فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقادٍ وقول، ولا بإرادة وعمل» (١).
وقال: «والدين الذي شرعه إما واجب وإما مستحب، فكل من عبد عبادة (٢) ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة؛ كانت من الشرك والبدع، والحجُّ إلى القبور ليس من شرعه لا واجبًا ولا مستحبًّا، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه حديثًا صحيحًا في استحباب ذلك، ولا عن أصحابه ولا علماء أمته» (٣).
وقال: «فأما ما أمرك الله ورسوله بإرادتك إياه فإرادته إما واجب وإما مستحبٌّ، وترك إرادة هذا إما معصية وإما نقص» (٤).
المقدمة الرابعة
لا يصح التعبد بالمباح لذاته
لأن المباح ليس مما يحب الله فعله ولا تركه، بل إن التعبد به لذاته بدعة، فليس مستحبًا ولا واجبًا إلا في حال واحدةٍ - يأتي ذكرها إن شاء الله -، فمن باب أولى أنه لا يصح أن يتعبَّد لله بفعل المكروهات والمحرمات، فبهذا لا توجد عبادةٌ جائزةٌ مباحةٌ من جهة الفعل وهي ليست واجبةً أو مستحبةً.
стр. 19
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا أصلٌ عظيمٌ تجب معرفته والاعتناء به، وهو أن المباحات إنما تكون مباحةً إذا جُعلت مباحاتٍ، فأما إذا اتُّخذت واجباتٍ أو مستحبَّاتٍ؛ كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلةِ جَعْل ما ليس من المحرَّمات منها، فلا حرام إلَّا ما حرَّمه الله، ولا دينَ إلَّا ما شرع الله، ولهذا عظُم ذمُّ الله في القرآن لمن شَرَع دينًا لم يأذن الله به، ولمن حرَّم مالم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرَّمات؟ .. - إلى أن قال: - بإهمال هذا الأصل غلط خلقٌ كثيرٌ من العلماء والعُبَّاد، يرون الشيء إذا لم يكن محرَّمًا لا يُنهى عنه، بل يُقال: إنه جائزٌ، ولا يفرِّقون بين اتخاذه دينًا وطاعةً وبرًّا، وبين استعماله كما تُستعمل المباحات المحضة، ومعلومٌ أن اتخاذه دينًا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما، أو بالقول أو بالعمل أو بهما؛ من أعظم المحرَّمات، وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يُعلم أنها معاص وسيئات» (١).
وقال: «فلزوم زيٍّ معيَّنٍ من اللباس، سواءٌ كان مباحًا أو كان مما يُقال: إنه مكروهٌ، بحيث يُجعَلُ ذلك دينًا مستحبًّا وشعارًا لأهل الدِّين؛ هو من البدع أيضًا، فكما أنه لا حرام إلا ما حرَّمه الله، فلا دين إلا ما شرَّعه الله» (٢).
وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية على الذين يقولون: إن السَّفر إلى قبر الرسول ﷺ مباحٌ، ثم يتعبَّدون لله بذلك، فبيَّن أنه على فرض الإباحة؛ فإن العبادة لا تكون إلا بأمرٍ واجبٍ أو مستحبٍّ، ولا تكون بأمرٍ مباحٍ، وقد تقدم (٣).
стр. 20
قال السبكي: «ففعْلُ ذلك بدعةٌ ولا ينبغي أن يدخل في الدين ما ليس منه، ولا أن نعتقد في شيء أنه سنة حتى يكون له شبيه أصل، ولا يكفي كونه مباحًا، فإن جَعْله من الدين، أو مطلوبًا، وسنة وشعارًا؛ إنما يكون من جهة الشرع، وما لأحد أن يحدثه، لا شيخ ولا غيره» (١).
تنبيه: يصحُّ التعبُّد بالمباح في حال واحدةٍ، وهو أن يكون عونًا على فعل الطاعات، فلا يُتعبَّد به لذاته، وإنما لغيره من باب الوسائل، ويدلُّ لهذا ما روى مسلم (٢) عن أبي ذرٍّ أن رسول الله ﷺ قال: «وفي بُضع أحدكم صدقةٌ» قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجرٌ؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ»، وأخرج الشيخان (٣) عن سعد بن أبي وقاصٍ أن رسول الله ﷺ قال: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرتَ عليها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك» وروى البخاري (٤) أن أبا موسى قال لمعاذ بن جبل: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أوَّل الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي».
стр. 21
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما إذا فعل المؤمن ما أُبيح له قاصدًا للعدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه، فإنه يُثاب على ذلك، كما قال النبي ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقةٌ … » (١).
وقال: «وإذا عرف أن لذَّاتِ الدنيا ونعيمَها إنما هي متاعٌ ووسيلةٌ إلى لَذَّات الآخرة، وكذلك خُلقت، فكل لذةٍ أعانت على لذات الآخرة فهو مما أمر الله به ورسوله، ويُثاب على تحصيل اللذة بما يثوب إليه منها من لذات الآخرة التي أعانت هذه عليها … » (٢).
وقال: «ومن كان إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه، ويقصد أن يستعين بما أبيح له على ما أمره الله، فهو من أولئك» (٣).
قال ابن القيم: «والعبد إذا عزم على فعل أمرٍ فعليه أن يعلم أولًا هل هو طاعةٌ أم لا؟ فإن لم يكن طاعةً فلا يفعله إلا أن يكون مباحًا يستعين به على الطاعة، وحينئذٍ يصير طاعةً … » (٤).
قال ابن رجب بعد حديث أبي ذر السابق: «وظاهر هذا السياق يقتضي أنه يؤجر على جِماعِهِ لأهله بنيِّة طلب الولد الذي يترتب الأجر على تربيته وتأديبه في حياته ويحتسبه عند موته … » (٥).
стр. 22
قال ابن حجر: «المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائلَ للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلًا» (١)، وقال - أيضًا -: «طريقة النبي ﷺ الحنيفية السَّمحة، فيُفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوَّى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل» (٢).
المقدمة الخامسة
البدع كلها محرمة
إن كل بدعة في الدين محرمة، ومن الأدلة على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: أخرج الشيخان (٣) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌّ».
وجه الدلالة: أن البدع مردودة، وما كان كذلك فهو محرم، قال ابن القيم: «لأنها بدعة محرمة، والبدعة مردودة» (٤).
الدليل الثاني: أخرج مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٣).
وجه الدلالة: أن المحدثات والبدع شر الأمور، وهي ضلالة، فما كان كذلك فهي محرمة.
стр. 23
الدليل الثالث: عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: «وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإنها ضلالة» أخرجه الخمسة إلا النسائي (١).
وجه الدلالة: أنه نهى عنها بقوله: «وإياكم» ثم وصفها بأنها ضلالة، وما كان كذلك فهو محرم.
الدليل الرابع: أقوال الصحابة، قال ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (٢)، وقال ابن عمر: «وكل بدعة ضلالةٌ وإن رآها الناس حسنةً» (٣)(١)، وجعل ابن مسعود المحْدِثين للذكر الجماعي بالحصى مفتتحي بابِ ضلالة، فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون؟» قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصًى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: «فعُدُّوا سيئاتِكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيءٌ، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبلَ، وآنيته لم تُكسَرْ، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملَّةٍ هي أهدى من ملَّة محمد ﷺ أو مفتتحو بابِ ضلالة» (٤).
الدليل الخامس: إجماع السلف الصالح على أن كل بدعة ضلالة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «مسألة أن كل بدعة في الدين ضلالة محرمة، هذا مما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح» (٥).
فكل من زعم أن من البدع بالمعنى الشرعي ما ليس محرمًا فهو محجوج بهذا الإجماع.
стр. 24
ويزيد هذا الإجماعَ قوَّةً؛ إجماعُ العلماء على أن المعاصي الشبهاتية (البدع) أشدُّ إثمًا من المعاصي الشهوانية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أهل البدع شرٌّ من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع» (١).
فبهذا يتبين أن البدع أشد إثمًا من الكبائر.
وسيأتي - إن شاء الله - تقرير الشاطبي لذلك.
الدليل السادس: أن للبدع لوازمَ شنيعةً، منها زَعْم أنَّ الدين لم يكملْ، فتكون تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾] المائدة: ٣ [.
ومنها اتهام رسول الله ﷺ أنه خان الرسالة، قال الإمام مالك بن أنس:
«من أحدث في هذه الأمة اليوم شيئًا لم يكن عليه سلفُها، فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فما لم يكن يومئذٍ دينًا، لا يكون اليوم دينًا» (٢).
وهذه اللوازم لا توجد في عموم المعاصي الشهوانية من الصغائر والكبائر.
ومما يؤكد أن البدعة أشد إثمًا من المعاصي الشهوانية، كلماتُ أهل العلم في ذم البدع، وتقدم نقل طرف منها.
стр. 25
وقال الشاطبي: «وحاصل ما ذكر هنا (١) أن كل مبتدع آثم، ولو فرض عاملًا بالبدعة المكروهة، إنْ ثبتَ فيها كراهةُ التنزيه» (٢).
وقال: «أما الشرعُ، ففيه ما يدل على خلاف ذلك (٣)؛ لأن رسول الله ﷺ ردَّ على من قال: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أنكح النساء … إلى آخر ما قالوا، فرد عليهم ذلك ﷺ وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» (٤).
وهذه العبارة من أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموهُ إلا فعلَ مندوبٍ، أو تركَ مندوبٍ إلى فِعْلِ مندوبٍ آخرَ - ثم قال -:
«وكلية قوله: «كل بدعة ضلالة» شاهدة لهذا المعنى، والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد، وهي خاصية المحرم» - ثم قال -:
«والشواهد في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن الهيِّنَ عند الناس من البدع؛ شديدٌ وليس بهيِّنٍ، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾] النور: ١٥ [- ثم قال -:
«المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة، وإلى ما هو كبيرة، حسبما تبين في علم الأصول الدينية، فكذلك يقال في البدع المحرمة: إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارًا بتفاوت درجاتها كما تقدم، وهذا على القول بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة» - ثم قال -:
стр. 26
«فكما انحصرت كبائر المعاصي أحسنَ انحصار - حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب -؛ كذلك تنحصر كبائر البدع أيضًا، وعند ذلك يعترض في المسألة إشكالٌ عظيم على أهل البدع يعسر التخلص منه في إثبات الصغائر فيها، وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين، إما أصلًا، وإما فرعًا؛ لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع؛ زيادةً فيه، أو نقصانًا منه، أو تغييرًا لقوانينه، أو ما يرجع إلى ذلك، وليس ذلك بمختص بالعبادات دون العادات؛ إن قلنا بدخولها في العادات، بل تشمل الجميع.
وإذا كانت بكليتها إخلالًا بالدين؛ فهي إذًا إخلالٌ بأول الضَّروريات، وهو الدِّين، وقد أثبت الحديث الصحيحُ أنَّ كل بدعة ضلالة، وقال في الفِرَق: «كلها في النار إلا واحدة» (١)، وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل.
هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائرَ، كما أن القواعد الخمس أركانُ الدين، وهي متفاوتة في الترتيب، فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان، وكذلك سائرها، مع أن الإخلال بكل واحد منها كبيرة، فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة» (٢).
стр. 27
المقدمة السادسة
كل بدعة ضلالة ولا يوجد في الدين بدعة حسنة
ويدل لذلك ما يلي:
الأمر الأول: عموم الأدلة فإنها تدل على أن البدع كلها ضلالة، وأنه لا توجد بدعة حسنة. كحديث جابر: «كل بدعة ضلالة» (١)، وحديث العرباض ابن سارية: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة» (١)، وحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (١).
قوله: «أحدث» فعل في سياق الشرط يفيد العموم.
وقوله: «أمرنا» عام لأنه نكرة مضافة.
قال الشاطبي: «قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية، أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة، وأتي بها شواهد على معان أصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكررها، وإعادة تقريرها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾] الأنعام: ١٦٤ [، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾] النجم: ٣٩ [وما أشبه ذلك، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك.
فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى، وبحسب الأحوال المختلفة أن كل بدعة ضلالة، وأن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع في الدين كلها مذمومة.
стр. 28
ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها. فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها» (١).
الأمر الثاني: عموم آثار الصحابة. قال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم (٢). وقال ابن عمر: وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة (٢).
الأمر الثالث: الإجماع. حكاه ابن تيمية والشاطبي.
١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «مسألة أن كل بدعة في الدين ضلالة محرمة، هذا مما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح» (٣).
وقال: «ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة؛ فهو ضال مبتدع بدعةً سيئة، لا بدعة حسنة، باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يُعبد إلا بما هو واجب أو مستحب» (٤).
٢ - قال الشاطبي: «أن ذم البدع والمحْدَثات عام لا يخص محدثة دون غيرها، ويدخل تحت هذه الترجمة النظرُ في جملة من شبه المبتدعة التي احتجوا بها».
ثم قال: «إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك، وتقبيحها والهروب عنها، وعمن اتسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل» (١).
стр. 29
الأمر الرابع: القول بأن في الدين بدعةً حسنةً تناقضٌ، وذلك أنه إما أن يدل الدليل على هذه البدعة، أو لا، فإن دلّ الدليل عليها فلا يصح أن تسمى بدعة؛ لأن الدليل دل عليها، فتكون من الدين لا من البدع، وإما أن لا يدل الدليل عليها فهي مردودة؛ لأن الأصل في العبادات التوقف والمنع.
قال الشاطبي: «أن هذا التقسيم (١) أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوبٍ أو ندب أو إباحة لما كان ثَمَّ بدعةٌ، ولكان العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخير فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعًا، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها، جمعٌ بين متنافيين» (٢).
وقد خالف بعض المتأخرين وزعموا أن في الدين بدعةً حسنة، واستدلوا بأمور أشهرها ما يلي:
أولًا: روى الخطيب عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ» (٣).
стр. 30
ثانيًا: روى مسلم (١) عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قومٌ حفاةٌ عُراةٌ مجتابي النِّمار أو العباء، مُتقلديّ السيوف، عامَّتهم من مُضرَ، بل كلهم من مُضر، فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لِما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثُمَّ خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلّى ثم خطب، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ … ﴾] النساء: ١ [الآية، والآية التي في سورة الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ … ﴾] الحشر: ١٨ [تصدَّقَ رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره، (حتى قال) ولو بشقِّ تمرةٍ» قال: فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفُّه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعامٍ وثيابٍ، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلَّل كأنه مُذْهبةٌ، فقال رسول الله ﷺ : «من سنَّ في الإسلام سُنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن يُنقَص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنةً سيئةً كان عليه وزرُها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن يُنقَص من أوزارهم شيءٌ».
وجه الدلالة: أن البدع الحسنة داخلة في عموم السنة الحسنة.
ثالثًا: قال عمر بن الخطاب لما رأى الناس يُصلون القيام جماعةً في رمضان: «نعم البدعةُ هذه» رواه البخاري (٢).
رابعًا: كتابة القرآن وجمعه في مصحفٍ واحدٍ كما أمر أبو بكر - بمشورة عمر - زيدَ بنَ ثابت.
стр. 31
أخرج البخاري (١) أن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ وكان ممن يكتب الوحي - قال: «أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحَرَّ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن»، قال أبو بكر: قلت لعمر: «كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟» فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شابٌّ عاقل، ولا نتهمك،
«كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ »، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: «كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي ﷺ ؟» فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن».
خامسًا: أن حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» مخصصٌ لحديث: «كل بدعةٍ ضلالةٌ» ومبينٌ للمراد منه، إذ لو كانت البدعة ضلالة بدون استثناء، لكان لفظ الحديث: من أحدث في أمرنا هذا شيئًا فهو ردٌ، لكن لما قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ» أفاد أن المحدث نوعان: ما ليس من الدِّين، بأن كان مخالفًا لقواعده ودلائله، فهو مردودٌ وهو البدعةُ الضلالة، وما هو من الدين بأن شهد له أصلٌ، أو أيده دليلٌ؛ فهو صحيحٌ مقبولٌ وهو السنة الحسنةُ.
стр. 32
والإجابة على هذه الأدلة الخمسة كالتالي:
أما استدلالهم الأول بحديث «ما رآه الناس حسنًا فهو حسن» فلا يصح الاستدلال به لأسباب ثلاثة:
السبب الأول: أنه ضعيف ضعفه العلماء، قال ابن حزم: «واحتجوا في الاستحسان بقول يجري على ألسنتهم، وهو: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن»، وهذا لا نعلمه يسند إلى رسول الله ﷺ من وجه أصلًا، وأما الذي لا شك فيه فإنه لا يوجد ألبتة في مسند صحيح، وإنما نعرفه عن ابن مسعود» (١).
قال ابن القيم: «أن هذا ليس من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما يضيفه إلى كلامه مَنْ لا عِلْمَ له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود من قوله» (٢).
قال ابن عبد الهادي: «إسناده ساقطٌ، والأصح وَقْفه على ابن مسعود» (٣).
قال العلامة الألباني: «إن في إسناده كذابًا»، ثم ذكر أنه إنما يثبت موقوفًا على ابن مسعود (٤)، كما أخرجه الإمام أحمد (٥) والخطيب في الفقيه والمتفقِّه (٦).
السبب الثاني: أن لفظ الحديث المرفوع - لو صحَّ - فيه تخصيصُ الحكمِ بالصَّحابة، لا عمومِ المسلمين، وذلك أن لفظه: «إن الله نظر في قلوب العباد
стр. 33
فلم يجد قلبًا أتقى من أصحابي، ولذلك اختارهم فجعلهم أصحابًا، فما استحسنوا فهو عند الله حسن، وما استقبحوا فهو عند الله قبيح».
فهو راجع لإجماع الصحابة.
السبب الثالث: أنه لو صح فهو محمول على إجماع العلماء.
قال ابن حزم: «وهذا لو أتى من وجه صحيح لما كان لهم فيه متعلق، لأنه إنما يكون إثبات إجماع المسلمين فقط، لأنه لم يقل: «ما رآه بعض المسلمين حسنا فهو حسن»، وإنما فيه: «ما رآه المسلمون»، فهذا هو الإجماع الذي لا يجوز خلافه؛ لو تُيقِّن، وليس ما رآه بعض المسلمين بأولى بالاتباع مما رآه غيرهم من المسلمين، ولو كان ذلك لكنا مأمورين بالشيء وضده وبفعل شيء وتركه معا وهذا محال لا سبيل إليه» (١).
قال ابن القيم: «أنه لو صح مرفوعًا فهو دليل على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسنًا فهو عند الله حسن، لا ما رآه بعضهم فهو حجَّةٌ عليكم» (٢).
قال الشاطبي: «فلا حجة فيه من أوجه: أحدها: أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون بجملتهم حسنًا فهو حسن، والأمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حُسْن شيء يدلُّ على حُسْنه شرعًا، لأن الإجماع يتضمن دليلًا شرعيًّا؛ فالحديث دليل عليكم لا لكم … » (٣).
стр. 34
قال العلامة الألباني: «وعلى افتراض صلاحية الاحتجاج به، فإنه لا يعارض تلك النصوص، لأمور:
الأول: أن المراد به إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر، كما يدل عليه السياق، ويؤيده استدلال ابن مسعود به على إجماع الصحابة على انتخاب أبي بكر خليفة، وعليه فاللام في «المسلمون» ليس للاستغراق كما يتوهمون، بل للعهد … » (١).
وأما استدلالهم الثاني بحديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» فلا يصح الاستدلال به لأسباب ثلاثة:
السبب الأول: أن الأدلة يفسر بعضها بعضًا، فلما جاءت الأدلة الكثيرة في ذم البدع، فيحمل معنى السنة الحسنة على غير البدع.
قال الشاطبي: «فإن قوله ﷺ : «من سن سنة حسنة … » ليس المراد به الاختراع ألبتة، وإلا لزم من ذلك التعارض بين الأدلة القطعية، إن زعم مُورد السؤال أن ما ذكره من الدليل مقطوعٌ به، فإن زعم أنه مظنون؛ فما تقدم من الدليل على ذم البدع مقطوعٌ به، فيلزم منه التعارض بين القطعي والظني، والاتفاق من المحققين أن لا تعارض بينهما لسقوط الظني وعدم اعتباره، فلم يبق إلا أن يقال: إنه من قبيل العام والخاص، ولا تعارض بينهما عند المحققين على التنزل بفقد التعارض، فليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن السبب الذي لأجله جاء الحديث هو الصدقة المشروعة، بدليل ما في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله ﵄ قال: كنا عند رسول الله
стр. 35
- ﷺ في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار، - ثم ذكر الحديث - فتأملوا أين قال رسول الله ﷺ : «من سن سنة حسنة» و «من سن سنة سيئة»، تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه، حيث أتى بتلك الصرة، فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر بذلك رسول الله ﷺ حتى قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة» الحديث، فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة، وأن الحديث مطابق لقوله في الحديث الآخر: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي» الحديث إلى قوله: «ومن ابتدع بدعة ضلالة»، فجعل مقابل تلك السنة الابتداع، فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة، وكذلك قوله ﷺ : «ومن أحيا سنتي فقد أحبني».
ووجه ذلك في الحديث الأول ظاهر؛ لأنه ﷺ لما حض على الصدقة أوَّلًا، ثم جاء ذلك الأنصاري بما جاء به، فانثال بعده العطاء إلى الكفاية، فكأنها كانت سنَّةً أيقظها رضي الله تعالى عنه بفعله، فليس معناه من اخترع سنة وابتدعها ولم تكن ثابتة … » (١).
فبهذا يُحمل الحديث على من عمل عملًا مشروعًا دلت عليه الأدلة، مثل فعل الأنصاري الذي ابتدأ الصدقة فتتابع الناس على ذلك.
стр. 36
قال الشيخ العلامة ابن عثيمين: «وهناك جواب لا بأس به: أن معنى «من سن» من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها، وعلى هذا فيكون «السَّنُّ» إضافيًّا نسبيًّا، كما تكون البدعة إضافيَّةً نسبيَّة لمن أحيا سنَّة بعد أن تُرِكت» (١).
وقال أيضًا: «جواب ثالث يدل له سبب الحديث، وهو قصة النفر الذين وفدوا إلى النبي ﷺ ، وكانوا في حالة شديدة من الضيق، فدعا النبي ﷺ إلى التبرع لهم، فجاء رجل من الأنصار بيده صرة من فضة كادت تثقل يده، فوضعها بين يدي الرسول ﷺ فجعل وجه النبي ﵊ يتهلل من الفرح والسرور، وقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، فهنا يكون معنى «السَّنِّ» سنَّ العمل تنفيذًا، وليس سنَّ العملِ تشريعًا، فصار معنى «من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً»: مَنْ عمل بها تنفيذًا، لا تشريعًا؛ لأن التشريع ممنوع «كل بدعة ضلالة»» (٢).
السبب الثاني: أن الحديث استدلال بمورد النزاع، فكل العلماء - سواء كانوا ممن يقسمون البدع إلى حسنة وسيئة، أو ممن لا يقسمونها - لا يُدخلون في قوله: «سنة حسنة» ما يرون أن أدلة الشرع تمنعه وتحكم بعدم حسنه، إلا أن المقسمين يصفون هذا بالبدعة السيئة، وغير المقسمين يصفونه بالبدعة، وعلى أصلهم لا يوجد في الدين بدعة حسنة، بل كلها ضلالة، ثم الذي رأيت من العلماء، سواء المقسمين للبدعة خمسة أقسام، أو غير المقسمين؛ أنهم لا ينازعون في تشريع بعض العبادات المستحدثة بضوابطها الشرعية، كما سيتكرر بيان هذا - إن شاء الله -، لكن قد يختلفون في أمرين:
стр. 37
الأمر الأول: تأصيل بعض الأدلة، كالتوسع في العمومات، وهكذا …
الأمر الثاني: الاختلاف في تنزيل الأدلة على بعض الوقائع، من باب الاختلاف في تحقيق المناط.
وهذان الأمران يختلفان من عالم إلى عالم، فهي لا تدل أن في طريقة التبديع مدرستين، بل هذا اختلاف فردي من عالم إلى عالم في تعامله مع هذه المسائل، وضبطه لها تنظيرًا وتطبيقًا.
وهذا لا يجوّز القول بأن في الدين بدعةً حسنةً شرعًا، بل ما وافق الدين من المحدثات بضوابطه فهو ليس بدعة، بل عبادة شرعية؛ لأنه قد دل عليها الدليل، وإن كان يصح أن يسمى بدعة بالمعنى اللغوي.
لأجل هذا جعل ابن حجر الهيتمي الخلاف لفظيًّا فقال: «وليست بدعةً شرعًا، فإن البدعةَ الشرعية ضلالةٌ، كما قال ﷺ ، ومَن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسَّم البدعة اللغوية، ومن قال: كل بدعة ضلالةٌ، فمعناه البدعة الشرعية، ألا ترى أن الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان أنكروا غير (١) الصلوات الخمس، كالعيدين، وإن لم يكن فيه نهي، وكرهوا استلام الركنين الشاميين، والصلاة عقيب السعي بين الصفا والمروة قياسًا على الطواف، وكذا ما تركه ﷺ مع قيام المقتضي، فيكون تركُه سنَّةً وفعلُه بدعةً مذمومة، وخرج بقولنا: (مع قيام المقتضى في حياته) تركُه إخراجَ اليهود من جزيرة العرب، وجمع المصحف، وما تركَه لوجود المانع، كالاجتماع للتراويح، فإن المقتضي التامَّ يدخل فيه المانع» (٢).
стр. 38
وما ذكره الهيتمي صحيح؛ فإنه لا ثمرة عملية للخلاف في تقسيم البدعة إلى ضلالة وحسنة، أو القول بأن كلها ضلالة، لكن القول بأن الخلاف لفظيٌّ فيه نظر؛ لأن معناه أنَّ القول بأنه يوجد في الدين بدعة حسنة؛ صحيحٌ، وهذا خطأ؛ لأن رسول الله ﷺ بين أن البدع كلَّها ضلالة، ولكن الفائدة الكبيرة من بيان أن الخلاف لا ثمرة له هو أنه لا يصح لأحد أن يشرع بدعًا بحجة أن في الدين بدعة حسنة كما يفعله كثير.
وقال الشيخ العلامة ابن عثيمين: «وما ادعاه بعض العلماء من أن هناك بدعة حسنة فلا تخلو من حالين:
١ - أن لا تكون بدعة، لكن يظنها بدعة.
٢ - أن تكون بدعة فهي سيئة، لكن لا يعلم عن سوئها.
فكل ما ادُّعي أنه بدعة حسنة فالجواب عنه بهذا» (١).
فبهذا يكون الاستدلال بهذا الحديث استدلالًا بمورد النزاع، لا سيما وكل العلماء متفقون على أن الأصل في العبادات المنع والحظر، وانه لا ينتقل عن هذا إلا بدليل على ما سيأتي بيانه - إن شاء الله -.
السبب الثالث: الحكم على بدعة بالحُسْن إن كان عقليًّا، فهذا مردود؛ لأن الشرع كامل، وعقول الناس تتفاوت، كما قال عبد الله بن مسعود للذين يذكرون الله حلقًا: «وكم من مريد للخير لن يصيبه» (٢).
стр. 39
وإن كان شرعيًّا فيلزم الواصفَ لبدعة بالحسن أن يبين دليله، فإن قبل بميزان الشرع، وإلا رد.
قال الشاطبي: «قوله: «من سن سنة حسنة» و «من سن سنة سيئة» لا يمكن حمله على الاختراع من أصل، لأن كونها حسنة أو سيئة لا يعرف إلا من جهة الشرع» (١).
قال العلامة ابن عثيمين: «أن من قال: «من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً» هو القائل: «كل بدعة ضلالة» ولا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب له قولًا آخر، ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله ﷺ أبدًا، ولا يمكن أن يرد على معنى واحد مع التناقض أبدًا، ومن ظن أن كلام الله تعالى أو كلام رسوله ﷺ متناقض فليعد النظر، فإن هذا الظن صادر إما عن قصور منه، وإما عن تقصير ولا يمكن أن يوجد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله ﷺ تناقض أبدًا.
وإذا كان كذلك فبيان عدم مناقضة حديث: «كل بدعة ضلالة» لحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة»؛ أن النبي ﷺ يقول: «من سن في الإسلام»، والبدع ليست من الإسلام، ويقول: «حسنة» والبدعة ليست بحسنة، وفرق بين السَّنِّ والتبديع» (٢).
стр. 40
وأما استدلالهم الثالث بقول عمر: «نعمت البدعة هذه» فلا يصح لسببين:
السبب الأول: أنه ليس من جملة البدع، لأن رسول الله ﷺ قد فعل القيام جماعة في رمضان ثم تركه لمانعٍ، وهذا المانع زال بموته، فصار فعله سنةً شرعيةً، فقد أخرج الشيخان (١) عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يخْفَ علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم، فتعجزوا عنها»، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك.
فإذن يُحمل قول عمر بن الخطاب على المعنى اللغوي لا الشرعي، لأن هذا الفعل ليس بدعةً شرعيَّةً، بل سنَّةٌ نبويَّةٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما صلاة التراويح، فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه» (٢)، ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثًا، وصلاها أيضًا في العشر الأواخر في جماعة مرات، وقال: «إن الرجل