يا مَن أبى مِقْوَلي إلا مدائحه ... ولو مدحت سواه كنت أعنيه
ومن حداني إلى أني أخاطبه ... بالمدح، حتى كأني لا أناجيه
إلا مخافة ذي جَهْل (١) وذي حسد ... يلحى، فيعرب عمّا فيه مِنْ فيه
وإن تعرَّض ذو ضِغْن تلوتُ له ... «فذلكنّ الذي لُمتنّني فيه»
تمت (٢).
* * * *
وله أيضًا يذكر ذلّ الخصوم ﵀:
لئن نافقوه، وهو في السجن، وابتغوا ... رضاه، وأبدوا رِقَّةً، وتودّدا
فلا غَرْو أن ذلّ الخصومُ لبأسه ... ولا عجبٌ إن هاب سَطْوته العِدا
فمِن شيمة العضب المهنَّد أنه ... يُخاف ويُرجى، مغمدًا ومجرَّدا
* * * *
وله أيضًا فيه يمدحه رحمه الله تعالى:
أيا مَن مناقبه فاخرهْ ... ويا مَن مواهبه غامره (٣)
ويا من سحائب إفضاله ... بآمال آمالها ماطره
ويا من له همة لم تزل ... بُنْجح مقاصده ظافره
ويا مَن عزائمه لا تَنِي ... إلى درجات العُلا سائره
стр. 632
ويا ليث حرب إذا ما سطا ... تذلّ له الأُسُدُ الكاسره
ويا طود حِلْم إذا ما جنى ... عليه امرؤ ينثني عاذره
وإن نال منه بسوء المقالِ ... وقُبْح الفعال غدا غافره
ويا بحر علم تكاد البحارُ ... تفيض بأمواجه الزاخره (١)
ويا مَن أدِلَّته بالنصوص ... لأخصامه أبدًا قاهره
ويا مَن براهين أقواله ... كشمس الضحى إذْ بدت سافره
ويا مَن عوارف عرفانه ... تفوقُ على الأنجم الزاهره
ويا مَن صوارمُ آرائه ... لأعناق أعدائه باتره
ويا قدوةً يقتدي العارفون ... بنور هدايته الوافره
ومَن قَصْده بهدى الطالبينَ ... يؤيّد باطنُه ظاهرَه
ويا داعي الخلق في عصره ... إلى الحقّ بالحُجَج الباهره
ويا مَن مكارمُ أخلاقه ... زكت بعناصره الطاهره
ويا مَن بدائع أوصافه ... تُعين على مدحه شاعره
وماذا عسى يَبْلغ المادحون ... من القول بالفِطَن القاصره (٢)
ومجدك قد أعْجَز (٣) الواصفيـ ... ـن وصيَّر آذانهم حائره
ولكنّ ذلك جهد المقِلّ ... فكن بالقبول له جابره
стр. 633
أيا مَن دعائي ويا مَن ولائي ... وفائح أثنيتي العاطره (١)
لعلياء حضرته دائمًا ... تردّد واردة صادره
لعمرك إن كان حظِّي غدًا ... مِنَ الله في داره الآخره
كما هو عندك في هذه ... «فتلك إذًا كرَّة خاسره»
* * * *
وله أيضًا فيه يمدحه رحمه الله تعالى:
اللهَ نشكُر مخلصين، ونحمد ... وله نعظِّم دائمًا، ونُوَحِّد
وبفضله (٢) الضافي نلوذُ ونلتجي ... وإليه نسعى مُخبتين ونَحْفِد
وبه نصول ونستعين على العِدى ... إذ لا سواه لنا إلاه نَعْبُد
فله الثنا والمجد، إذ هو أهله ... وله الجلالة والبقاء السرمد
مولًى حبانا في فتور زماننا ... بفتًى يثقِّف ديننا ويسدّد
أعني تقيّ الدين، أكمل سيّد ... لدعائم الشرع الشريف يشيّد
العالم الوَرِ ع المحقّق، والذي ... من دون رتبته السُّهى والفرقد
من جاد بالنفس (٣) النفيسة منه في ... ذات الإلاه ولم يَرُعْه تهدّد
стр. 634
مَن لم يخف في الله لومةَ لائم ... كلّا، ولم يرجعه عنه مُفَنّد
حَبر حباه الله ﷻ ... بصفات مجدٍ في عُلاه تخلّد
هو بحر علم، طود حلم راسخ ... في الحقّ لا وانٍ ولا متردّد
صدرٌ لديه تحبّب وتألّف ... للمؤمنين ورأفة وتودّد
وكذاك فيه على المنافق غِلْظة ... وتمنّع، وتصَعّب، وتشَدّد
هو قائم لله يهدي خلقَه ... أبدًا إلى سُبل النجاة ويرشد
فلذاك أصبح للبريّة قدوةً ... في العصر إذ هو فيه قُطْب مفرد
لك يا أبا العباس، أذْعَنَ فرقةٌ ... من قبل قد كانت لحقّك تجحَد
ضاقت بهم سَعةُ الفضا مذ عاينوا ... لك كلّ يوم رفعة تتجدّد
ورأوك ممتازًا بحسن مناقب ... ليست لغيرك في زمانك توجد
فعراهم الحسدُ المضلّ فأصبحوا ... ولديهمُ منه المقيم المُقْعِد
إن يحسدوك فغير بِدْعٍ منهمُ ... جَمُّ الفضائل لا محالة يُحْسَد
راموا بلوغَ مقامك العالي، وما ... علموا بأنّك في المعالي أوحد
فدعا بهم داعي قصورهم: اخْلُدوا ... ومع الخوالف ما حييتم فاقعدوا (١)
لما نأت عَزَماتهم عن شأوك السْـ ... سَامي (٢)، وصُدّوا عن حِماهُ وأُبْعِدوا
همّوا بأمر لم ينالوا منه ما ... طلبوا، لقد ضلوا ولمَّا يهتدوا
ورموك بالإفك الفظيع، وأطنبوا ... بالقول فيما زوَّروا، وتقلّدوا
стр. 635
وبغوا عليك بما افتروه تعمّدًا ... وسجيّةُ الباغين أن يتعمّدوا
لم يتركوا شيئًا به يتوصّلوا ... طَمَعًا إلى ما قرَّروه وأكَّدوا
إلا نَحَوه، وبالغوا في جهدهم ... لكن سعدتَ وإنهم لن يسعدوا
حتى إذا ما استيأسوا من نيل ما ... كانوا جميعًا حاولوا وتقصَّدوا
خافوا سطاك فأجمعوا آراءهم ... أن يودعوك السّجن، ثم يخلِّدوا
فابى إلاهك أن ينالوا منك ما ... راموا، وهل يزكو لباغٍ مقصد
ما ذاك إلا حال يوسف حُزته ... إرثًا حباك به الكريم المرفد (١)
فبلغتَ فيه من الرياضة فوق ما ... تختاره، وَصَفا لديك المورد
ثم انقضت أيامُ خَلْوتك التي ... كَمُل العلاءُ بها وتمَّ السّؤدد
وبرزتَ كالإبريز فارق كِيْرَه ... فاحتار فيه الجِهْبِذ المستنقد
وظهرتَ كالصبح المنير إذا بدا ... في الأفق فانقشع الظلامُ الأسود
وشُهرت كالعَضْب المجرّد مقسمًا ... في غير هامِ عِداته لا يغْمَد
فهناك أُعْقِد للجدال مجالس ... كانوا أرادوا أنها لا تعْقَد
فرأوا نكولًا عن جدالك خيفة (٢) ... وتذبْذَبتْ آراؤهم وتفنَّدوا
حتى إذا أُمِروا بذاك وأيقنوا ... أنَّ الخميس، ولا خلاف الموعد
حشدوا عليك جموعَهم وتحزَّبوا ... وتواثبوا وتحفَّلوا وتجرّدوا
стр. 636
وحموا عصابتك الحضور وحاولوا ... [أن يغلبوك] (١) إذا هُمُ لك أفردوا
فنهضتَ معتصمًا بربّك واثقًا ... متوكّلًا تثني عليه وتَحْمد
وإليه أخلصتَ التوكّل موقنًا ... أن ليس يُخْذَل من به يَسْتنجد
ثم استخرت الله واستفتحته ... فيما تروم من الأمور وتقصد
فحباك منه عواطفًا ولواطفًا ... يفنى الزمانُ وذكرُها لا يَنْفَد
وأتاك نصر الله والفتح الذي ... بهما جميعًا كنتَ منه توعَد
فوثبتَ وثْبَة ثائرٍ لله لم ... تحفل بما حشدوا، ولا ما جنَّدوا
أبديتَ من كنز العلوم غوامضًا ... مكنونةً لولاك كانت تُفْقَد
أسْمَعْتهم (٢) منها لِمَا لم يسمعوا ... وأتيتهم منها بما لم يَعْهدوا
أسندتها ورَوَيتها نصًّا كما ... جاءت معنعنةً، فيالك مُسند
حَصِرت صدورُهم عن استفهامها ... وتحيَّروا لسماعها وتبلَّدوا
وبدا لهم ما لم يكونوا يحسبوا ... مما يسوؤهمُ ومما يُكمِدُ
فاسعد بها من مِحْنة في طيِّها ... مِنَح أقرَّ لها الجَحُود الملحد
نِلْت الفَخار بها وحزتَ مآثرًا ... سُرّ الصِّحابُ بها وغُمَّ الحُسَّد
وغدوتَ فيها كابن حنبل تاليًا ... تقفو جميلَ جماله وتجدّد
أخمدت نار جهالة، ما خِلتُها ... لولا جهادك واجتهادك تُخْمَد
стр. 637
أرْضَيتَ ربّك إذ أضفتَ كلامَه ... حقًّا إليه، وليس فيه تردُّد
وكذاك أثبتَّ العلوَّ والاستوا ... من غير تكييفٍ وحصرٍ يوجد
ونزول خالقنا إلى أدنى سما (١) ... ليلًا، كما صحّ الحديثُ المُسْنَد
وذكرتَ أسماء الإلاه، ولم تَزِغ ... ميلًا إلى ما حرَّفوه وألحدوا
ورويتَ أخبار الصفات وآيها ... مَرًّا، كما نقل الثقاتُ وجوَّدوا
ونصرتَ ملّة أحمد الهادي، وقد ... أيّدت سنته، فأنت مؤيّد
وأقمت مذهب أحمد الثبت الصبو ... ر على الأذى، فلك الهنا يا أحمد
أوضحتَ منهجه السويّ (٢) وأنه ... مُذ كان فهو المستقيم الأرْشَد
وأثرتَ محنته وقمت مقامه ... في العصر تُرْغم شانئيك وتُكْمِد
فاحمد إلاهك، إنّه لك ناصر ... وابشر فعاضدك النبيّ محمّد
المصطفى الطَّهِر الزكيّ المجتبى ... الهاشميّ الأبطحيّ السيّد
خير الورى وأجلّ مَن وطئ الثرى ... وأبرّ مبعوثٍ به يُسْترشد
صلى عليه الله ما سَجَعت ضحًى ... وُرْقٌ على أعلا الغصون تغرِّد
وعلى صحابته الكرام وآله ... والتابعين لهديه وبه هُدوا
والحمدُ لله العميم نواله ... والحمدُ [أفضل] (٣) ما يقال وأوكد
تمت، والحمد لله وحده.
стр. 638
وله أيضًا يمدحه (١) ــ ﵀ ورضى عنه ــ:
الحقُّ حصحص لا عذرٌ لمعتذرِ ... وقد تحقَّقه من كان ذا بَصَر
وفاح عَرْفُ شذاه في الوجود فظلْـ ... ـلَ الكون في أَرَجٍ من نشره العَطِر
ولاح لألاؤه في الأفق، فانقشعت ... غياهبُ الإفك من خوفٍ ومن حَذَر
وفَرَّ يُدْبِرُ يمشي القهقرى، واهتكوه ... له تبع تسعون في الأثر (٢)
مذبذبين لضعف العزم تحسبهم ... سفرًا [أعَاقَهُمُ] (٣) جبنٌ عن السفر
ضاقت بهم سَعَةُ الأقطار حين سما ... سموّ قَدْر تقيِّ الدين في البشر
وفاق أنداده في العصر قاطبةً ... بالعلم والحلم، والتفسير، والنظر
وامتاز بالدرجات العاليات على ... شيوخ أشياخهم في سالف الدَّهَر
كانوا يظنون أنّ العلم منحصرٌ ... فيهم إلى أن أتاهم أحمد الأثر
ركن الشريعة محيي العدل ناصر ديـ ... ـن الحق، مستنصر بالآي والخبر
ففلَّ بالنصِّ والإجماع جَمْعهم ... فأصبحوا بعد ذاك (٤) الحصر في حَصَر
стр. 639
لا يهتدون إلى رشدٍ، وإنهمُ ... لفي ضلال، وفي غَيٍّ، وفي سُعُر
قد حُمِّلوا حسدًا من عند أنفسهم ... له فهم منه، في همٍّ (١)، وفي فِكَر
تبًّا لهم، ما الذي نالوا بسعيهم؟ ... وما عسى بَلَغوا في ذاك من وطر؟
أيستطيعون أن يمحون ما كَتَبتْ ... يدُ المهيمن بعد الذِّكر في الزُّبُر؟
أم يقدرون على تبديل ما نفذت ... به نوافذ أمر الله من قدر؟
بل كلما أوقدوا للحرب نار غَضًى ... بالكيد منهم طفاها مُنْزِل السّور
وردّ كيدهمُ فيهم وأرجعهم (٢) ... بالتَّعس والنَّكْس والخذلان والدّبر
واختاره للورى داعٍ إلى سبل الـ ... خيرات، والنفع نَهَّاءً عن الضَّرر
واختصَّه منه بالزُّلفى وثَبّته ... بالحزم، والعزم، والتأييد، والظَّفَر
وكم مناقب مجدٍ قد حباه بها ... وزاده بسطةً في العلم والعمر
وكم له في ذُرى العَلْياء مرتبةٌ ... منيفة نالها من بارئ الصور
وكم له من أيادٍ في العطاء غدت ... تُربي على العارضِ الهطّال بالمطر
وهمة في المعالي غير وانية ... تُزري إذا ابتدئت بالصارم الذّكَر
وكم له من كرامات مبينة ... سنَاؤها كضياء الشمس والقمر
وحسبنا عود أهل العُودِ معجزةً ... ما مثلها عبرة تبقى لمعتبر
رؤوس كلّ ضلالات ومحدثة ... وبدعة نشأت في البدو والحضر
стр. 640
لما استقرَّ لديهم عُلْوُ هِمّته ... وأن سيرته من أكمل السير
وأنّ دعوته للناس كلهم ... إلى الهدى باجتهاد غير محتصر
وأنّه قائم لله منتصبٌ ... في نُصرة الدين لا يخشى من الخطر
خافوا سَطاه، فمذ حلّوا بساحته ... وشاهدوا مَخْبرًا يوفي على الخبر
وعاينوا وجهَه الهادي، وقابلهم ... منصور عزم بربّ العرش مقتدر
وجاءهم بأسانيد مُعنعنةٍ ... عن الهُداة الثقات القادة الغُرَر
وقام بالحجج المقبول شاهِدُها ... مميزًا بين عُرْف القول والنُّكُر
مبرهنًا بدلالات منوّرة ... يُهْدَى لعرفانها من كان ذا نظر
فأذعنوا عَنوةً للأمر حين رأوا ... نورَ الحقيقة بادٍ غير مستتر
ولم يسعهم مُماراةٌ، ولا جدل ... لكنهم سلَّموا تسليمَ مُنْقهر
وهذه شيمةٌ بين الورى عُرفت ... فيمن يخالفه من سائر البشر
إذ قلَّما فاء منهم للهدى أحدٌ ... حتى يُرى فيه أنواعٌ من العِبَر
فالحمد لله كالِيْه وناصِره ... ومجتبيه وواقيه مِن الغِيَر
وأكمل الصلوات الزاكيات على ... رسوله (١) المصطفى المختار من مضر
محمد السيد الهادي وعترته ... وصحبه الأكرمين الأنجم الزُّهُر
صلى الإلاه عليهم كلما سجعت ... حمائمُ الدَّوح بالألحان في السَّحَر
تمت والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه (٢).
стр. 641
وله أيضًا في تبيين عدم قيام الأصحاب مع الشيخ، حين يَعْظُم الخَطْب، ويقع الحرب:
سبرتُ خلالَ الأصفياء تدبّرًا ... وميّزتُ أحوالَ الصِّحاب تأمّلا
فشاهدتهم في السلم مَن تَلْقَ منهمُ ... تجده محبًّا يدّعي صحّة الوَلا
وعند نزول الخَطْب حاولتُ أن أرى ... أخا ثقةٍ إن أدبر الحظُّ (١) أقبلا
فلم ألق إلا لائمًا مُتبرِّمًا ... ولم أر إلا شاتمًا متعقِّلًا
فلما تحقَّقْتُ التخلّفَ منهمُ ... شطبتُ عليهم شَطْبة الضب: «لا إلى» (٢)
تمت.
* * * *
وله أيضًا فيمن أبدى عذلًا في حبّه ومتابعته جهلًا:
سيّان إن عَذَل الواشون أو عذروا ... لا خُبْر عندهمُ منه ولا خَبَر
لاموا على حبّه جهلًا، وما عقلوا ... وعنَّفوا فيه عدوانًا، وما شعروا
ولو رأوا حُسْنَه الزاهي بأعينهم ... كما أراه أقلّوا اللومَ واقتصروا
ولو تجلَّت معانيه الحِسانُ لهم ... وشاهدوها كما شاهدتها بُهِروا
لكنه مُذْ بدا لألاؤه غَشِيت ... أبصارُهم، فانثنوا منه وما نظروا
تمت، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله.
стр. 642
مرثاة أخرى لغيره:
فقدَ الأنامُ فوائدًا وفضائلًا ... فقدوا من العلم الشريف جلائلا
في موت بحر العلم والحَبر الذي ... سلك العلوم مذاهبًا ودلائلا
أعني تقيَّ الدين أوحدَ عصره ... قد كان حقًّا بالفضائل عاملا
قد أُوْدِع القبرُ الشريفُ علومَه ... عجبًا لوسع القبر بحرًا سائلا
قد كان لا يحتاج طالب علمه ... كثر (١) السؤال، وليس يلقى سائلا
قد كان ركنًا في المواعظ جملة ... بحرًا عميقًا إن أردت مُسائلا
وإذا رآك يكون حقًّا بادئًا ... لك بالسلام مُوادِدًا ومُسائلا
يا ربّ، فارحمه وبُلَّ ثراه بالـ ... ـغيث الكريم، معاودًا ومواصلا
يا ربّ وافعل ذا بكلِّ موادِدٍ ... ومجاورٍ قبرَ الإمام مؤمّلًا
يا رب وارحمنا، وكلّ مشيِّع ... صلى عليه، أو أتاه مُقَبِّلا
من كان مسرورًا به وبعلمه ... من بعده، فالحزن أضحى عاجلا
زكّى الإلاه ثراه، فضلًا منه في ... كلّ الزمان، وزاد غيثًا هاطلا
بعد السلام على النبيِّ المصطفى ... أعلى البرية في المعاد منازلا
وعلى الصحابة والقرابة كلّهم ... والتابعين أواخرًا وأوائلا
تمت.
* * * *
стр. 643
وقال بعضهم في شيخ الإسلام ــ ﵀ ورضي عنه وجعل الجنة مأواه ــ:
دموعي على صحن الخدود تسيلُ ... وصبري قصير والغرام طويل
على فَقْد مَنْ قد كان للدين ناصحًا ... وكافح أهلَ الشرك وهو فضيل
لفقد تقيّ الدين ضاقت مذاهبي ... وفي كبدي نار الفِراق تجول
إمامٌ كريم، كان لله عابدًا ... وفي زهده شرحٌ هناك يطول
وقد كان للإسلام كهفًا ومسعدًا ... إذا ما أصاب المسلمين نزول
وكان على حكم المهيمن صابرًا ... وفي كلّ ما يُلْقى إليه حَمُول
بشرع رسول الله قد كان قائمًا ... وعن سنة الرحمن ليس يحول
وجاهد في الرحمن حقَّ جهاده ... وكان له صبر عليه جميل
لقد بكت الدنيا حقيقًا لفقده ... ويبكيه علمٌ نافعٌ وأصول
وفي أرض مصر يالها من عجائب ... لديه جرت، وهو الصبور الحمول
ألا يوم الاثنين الذي كان قبضُه ... ففيه عزاء المسلمين جزيل
وفي سجنه يتلو ثمانين خَتمةً ... قراءةَ ترتيل وقصد سبيل
وفي موته دقّت بشائر رحمةٍ ... أتاه من المولى رضًى وقبول
وسار إلى ربٍّ قديم مهيمن ... عظيم كريم ليس ذاك قليل
عليه سلام الله ما لاح بارقٌ ... وما سار غيث بالسماء هطول
* * * *
стр. 644
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا نظمه العبد الفقير إلى رحمة ربه ومغفرته بدر الدين حسن بن محمد النحوي المارداني (١)، في الشيخ الإمام العالم العلامة (٢) الأوحد، شيخ الإسلام، وقدوة الأنام تقي الدين أحمد ابن تيمية ــ تغمده الله برحمته ورضي عنه ــ:
ألا أيها القلب الذي عدم الصبرا ... أفِقْ طالما جرعت من لوعة صبرا
ويا عبرات الجفن أظهرتِ بالأسى ... لنا عبرًا بالدّمع أسطرها تُقرا (٣)
أيأمن مِنْ خَطْب الليالي مُخَاطبٌ ... وشيمتها في الناس أن تظْهِر الغدرا (٤)
وهل خالد في الدَّهر عمرو وخالد ... لعمرك لا يبقى، ولو أمَّل العمرا
قضى ماجدٌ، ما مثله اليوم واحد ... وأبقى جميل الفعل من بعده ذكرا
دمًا لو بكته دِمْنَةُ الربع والدُّمى ... وأمطرت الشِّعرى العبور لها العبرا
أو اغبرَّ وجهُ الروض (٥) يوم مُصابه ... لقلّ، وجلَّ الخَطْب من فقده قدرا
فتًى ألِفَ المعروف والجود عادة ... تعوَّدها طفلًا، وكان بها أحرى
كأن لم يقل يومًا مقالًا، فتنثني ... إلى قوله الأسماع طائفة قهرا
ولا ظهرَتْ بين الأنام علومُه ... ولا طَرَّزت شامًا ولا جَمَّلت مصرا
стр. 645
دعاني ظلال الصبر في صبر فقده ... فأرسل رُسْل الدمع من مقلتي تترا
سننتَ تقيّ الدين أحمد سُنةً ... وأوسعت في كَسْب العلا بالندى صدرا
أيا شافعيَّ الوقت في ضبط نقله ... نثرتَ على الأيام من لفظك الدرّا
قنعتَ وفي الدنيا زهدت ديانةً ... وفارقتها واخترت ضَرَّتها الأخرى
أفضتَ على الايام بحرَ مكارمٍ ... وعلم، فأربحت المتاجرَ والأجرا
عجبتُ لقبرٍ ضمّ جسمك تُربُه ... أيحوي الثرى في تربه الشمس والبحرا!
نُقِلت من الدنيا إلى ظلِّ روضة ... وحُزت الذي أمَّلت بالمقلة السَّهْرا
وشاهدت في حُسْن الزيادة نَضْرة ... وألْبِسْت وشيًا عند نظرتها نظرا
تدرَّعتَ أثوابَ المحامد والتقى ... كعرضك بيضًا وابتدلت بها خَضْرا (١)
لئن نقلَ الأعداءُ عنك ضلالةً ... رواية نقلٍ ما أحاطت بها خُبْرا
وإن أودعوك السجن منهم جهالةً ... فقد زدت قدرًا عندما نقصوا قدرا
فما يختفي إلا الجواهرُ في الورى ... ومن ظُلَم الأصداف يستخرج الدرّا
أيا سائلي، عن علمه وصفاته ... هو البحر فاعجب فيه (٢) من يصف البحرا
هو الغيث يثني (٣) عنه كلّ لطيمة ... من الروض بل تزكو لأوصافه نَشْرا
سما حاتمًا جودًا، وفاخر عاصمًا ... ففاق لمن يقري الضيوف ومن يقرا
стр. 646
أيا بطَلٌ، يوم الجدال مجدِّلٌ (١) ... فوارسَ علم من فواضله قهرا
إذا قال في علياك أمعنُ قائلٍ ... فما حاط من معشار ما نلته العُشْرا
وماذا يقول المادحون بوصفه ... وقدرك فوق الشِّعْر جلّ عن الشِّعرى
تفرّدت في عِلْم وزهد وفطنة ... فضلت بها في الفضل بين الورى ذكرا
أعدت نهار الجهل ليلًا مسوَّدًا ... وكافر ليل الكفر صيّرته فجرا
نظمت على جيد الزمان قلائدًا ... بفضلك نظمًا من علومك أو نثرا
لقد كنت في يوم الفَخَار وفي الوغى ... شجاعًا يردّ الليث عن سبله قهرا
سيوفك بيض مثل عِرْضك في الورى ... إذا اسودّ ليل النقع، صيَّرتها حُمرا
كأنك قد أُفْرِغْتَ في فرد قالب ... تلاشى فلم يصبر على قلبة أخرى
فجئت على الأيام فردًا ومن رأى ... مثالك (٢) من كنز المكارم قد أثرى
فأقسم بالقرآن في العصر صادقًا ... بأنك قد شرّفْتَ من دهرك العصرا
سقاك حيًا من وابل الغيث ثَجَّةٌ (٣) ... وحيّا ندًى قد ضمّ مِن كفِّك البحرا
ونوّر نوّارُ الربيع ربوعَه ... وأطلع في أرجائه الزّهر والزهرا
تمت بحمد الله وحسن توفيقه.
* * * *
стр. 647
وله أيضًا فيه ــ ﵀ ورضي عنه ــ آمين:
أبى اليومَ سرُّ الكون أن يتكتَّما ... وصبغ مشيب (١) الدّمع أن يتكلَّما
وكلُّ مصون من شجون ولوعة ... به تمَّ فَرْط الحزن والدمع قد نما
قضى ومضى مولى سما كلَّ ماجد ... فأوحش رَبْع المكرمات وأظلما
غمامة جود أقلعت بعد صوبها ... وبدرُ سُعودٍ غاب لمَّا تتمّما
وبحرُ علوم غاض زاخرُ يمِّه ... وركن معالٍ قد وهى وتهدّما
عيوني مصاب الخطب لما تحققت ... بها الدمع (٢) من جفني تَعَنْدَم عندما
أيا فاضل العصر الذي في صفاته ... تأخّر من في الفضل عنه تقدَّما
قضيت جميلَ الفعل أوحد ملّة ... حمى الدين والإسلام عزمًا وسلّما
ليهْنِكَ كم جدّلت يومًا مجادلًا ... وكلمته باللفظ منه تكلّما
نثرت على فرق الزمان جواهرًا ... ودُرًّا على جيد الليالي تنظّما
بفضل صلاة مع صلاتك في الدُّجى ... وجودك والإحسان أربحت مَغْنما
سبقت إلى الغايات في الفضل للورى ... على قدم، مقدامها قد تقدَّما
مضى عَلَم في الناس حَبْر معلّم ... فأوحش من رَبْع المدارس مَعْلما
فأصبح درس الفضل والعلم دارسًا ... يودّ بأن يشكو الجَوَى ويُكلَّما
فتًى لو قُلامات الأنامل قلّما ... لكان شبيه مثله اليوم قلّما (٣)
стр. 648
فلو أنصفته الباكياتُ لفقده ... بكته دمًا من فيض أجفانها الدَّمّا (١)
فتًى صيَّر المعراج للخلد في الدّجى ... بأوراده، لما تسلَّم سلما
فكم جادلَتْ أقوالُه من معاند ... تقاصر عنه، حين أقدم أحجما
وكم ردعت أراؤه من مخالفٍ ... عن الدين بحثًا، حين سلّم أسْلَما
لبست تقيَّ الدين ثوبَ نقاوة ... من الفضل عن مولى سواك تحرما
تخيرت ما يبقى على كلِّ هالك ... فأرْبَحت من تلك التجارة مَغْنما
لقيت الذي قدَّمته من صنائع ... من الخير أو ما جُدْتَ منك تكرُّما
وفي الحشر تلقى كلُّ نفس نفائسًا ... ويُجْزَى الذي في الناس أجرم أجرما
تأخَّرت عن نيل المناصب رفعةً ... ومثلك في أيامنا ما (٢) تقدَّما
بنيتَ على الإسلام ركنًا ومَعْصَمًا ... يقبّل منه المجد كفًّا ومِعْصَما
أقمتَ قناةَ الدين منك بعزمةٍ ... وأطفأتَ نار الشرك منك فأظلما
صبرت على حمل الأذى منك راضيًا ... وأعرضت عن فعل الأعادي تكرُّما
شهرت على أهل البدائع في الورى ... صوارم شِرْكُ الكفرِ منها تصرّما
وقفتَ على يوم الجلاد شجاعة ... بعزمٍ يردّ المشرفيّ مُثَلَّما
إذا بكت الأبطال خوف قبيلةٍ ... ضحكت بثغرٍ في الوغى قد تبسَّما
ولما تبدّى نورُ نعشك لامعًا ... تمنَّت بنات النعش أن تتحطَّما
وودّت بأن تدنو الثريّا إلى الثرى ... نثارًا عليه، رِفْعة وتعظّما
стр. 649
نزلتَ على أهل المقابر رحمة ... وأنقذتهم من ظلمة الظلم والظّما (١)
سقى قبرك الوسمي في كلّ سَحْرة ... سحائبُ رضوان به الروض وسّما (٢)
ورفّ عليه الأقحوان مفلّجا ... وأطلع فيه الروض نجمًا وأنجما
تمت، والحمد لله ربِّ العالمين.
* * * *
بسم الله الرحمن الرحيم، مرثاة في شيخ الإسلام العالم الرباني أحمد ابن تيمية الحرَّاني، للشيخ شمس الدين الحنبلي، من أهل الصالحية، ومولده قريبًا من سنة إحدى وسبعمائة بسفح قاسيون:
خَطْب جسيم [عَرانا] هائل جَلَل ... قد عزَّ منه العزا، وابيضّت المقل
والوقت قبض، فلا صبر ولا جَلَد ... أتى وصَرْف الليالي سابق عَجِل
والأمر يَعْظُم (٣)، والأفكار حائرة ... وقد أحاطت بنا الأهوال والوجل
كأنما الشمس في جوِّ السما كسفت ... وضوؤها بائن عنها ومنفصل
والجوّ في مأتم، كالليل منظره ... كأنَّ جنح الدّجى في الليل مُنْسَبل (٤)
فدمعتي بدمي يا سعد قد مُزِجت ... كأنما في فؤادي النار تشتعل
أُمسي وأصبح والأحزان تكمدني ... وحسرتي بدوام الدّهر تتصل (٥)
стр. 650
قد زادني أسفي، واشتدّ بي جزعي ... وأيقنتُ أنْ حياتي حثَّها الأجل
وارَحْمتا لقلوب فُطّرت أسفًا ... لقد عراها مصابٌ حادثٌ جَلَل
وساءها فَقْدُ من كان الأنيس لها ... وخاب عند رجاها القصدُ والأمل
يا باكيًا طول [هذا] (١) الليل منتحبًا ... لا يعتريه على طول البكا ملل
زد في البكاء بدمعٍ هاطل هَمِل ... عسى بدمعك حرّ الوجه ينغسل
واعلم بأنّ السما والأرض باكية ... على ابن تيميّة، والسهل والجبل
هذا الإمام التقيّ السيد الألمعي (٢) ... البارع، اللوذعيّ الجامع الوجل
حَبرٌ، إمامٌ، تقيٌّ، زاهدٌ، ورع ... ليث، همام، حصور، أوحد، بطل
العلم، والحلم، والآداب: شيمتُه ... واللطف، والجود، والإحسان مكتمل
ماذا يقول فصيحٌ في مناقبه ... والزهد منهجه، والعلم والعملُ
لقد حبا الله أيّام الزمان به ... علومه أبحر، والخلقُ تنتهل
قد كان كالشمس للدنيا إذا طلعت ... واليوم، لا عِوَض عنه، ولا بَدَل
نال الهداية في مبدا هدايته ... وفي نهايته الإرشاد والجمل
قد كان معتصمًا بالله منتصرًا ... وواثقًا، مكتفٍ بالله، مُتَّكل
لله درّ أبي العباس مِنْ رجل ... ما إن يُرى في البرايا مثله رجل
تالله لا عاذل بالعذل يعدلني (٣) ... عنه، وحاشاي أنْ يُلْهِيني العذل
стр. 651
يا سيَّد العصر كم خلَّفت من كبدٍ ... حرَّى عليك، وعينٍ دمعها هَطِلُ
ليبكينَّ عليك العلمُ مِن أسفٍ ... ليبكينّ عليك الفقهُ والجَدَل
ليبكينَّك أقوامٌ إذا وفدوا ... من البلاد بعلم أمره شَكِل
لتبكينّك دارٌ كنت تسكنها ... وتشتكي فقدَك الأسحارُ والأُصُل
فازوا بعلمك أقوام، وقد سُعِدوا ... إذ عن جناب حماك الرّحْب ما عدلوا
وشاع ذكرُك في الدنيا بأجمعها ... فأنت في الناس مضروبٌ بك المثل
دانت لعلمك أهلُ الأرض قاطبةً ... فأنت مفتي الورى في كلِّ ما جهلوا
شبَّهت علمك بالبحر المحيط كما الـ ... ـبحر المحيط بكلِّ الأرض مشتمل
وإن تكن في مجال الدرس كنت به ... ليثًا تصول، ومن ألفاظك الأسَل
تروي الخلاف وتأتي بالأصول وعن ... أهل الحديث بما قالوا وما نقلوا
وذكر (١) علمك في الآفاق منتشر ... على ممرّ الليالي، ليس ينفصل
كم قد أتتك فتاوى لا عِداد لها ... أجبتَ أربابَها عن كلّ ما سألوا
وكم أجبت النصارى عن مسائلهم ... بمُخْرِقات (٢) علوم عنك تنتقل
وكم قمعت ـ فدتك النفسُ ـ من بدع ... وكنت فيها بأمر الله تستطل
وكم تواضعت عن علمٍ ومعرفة ... تقًى، وقدرك بالجوزاء منتعل (٣)
لقد رويت من الآثار أوضحها ... كما روَتْها الثقاتُ السادة الأُوَل
من ذا يضاهيك فيما قد خُصِصْت به ... وبحر علمك منه العارض الهَطِل
стр. 652
قد كنت أعجوبةً في الدّهر مدهشة ... وكان درسك فيه العقل ينذهل
وكان يومك يومًا أمره عجبٌ (١) ... والناس للنعش بالهامات قد حَمَلوا
والخلق لا يهتدوا من عُظْم ما ازدحموا ... فكم دموع تراها وهي تنهمل
يا رحمةً نزلت في الأرض وانتشرت ... على جميع الذي في تُرْبه نزلوا
سَقتْ ثراك الغوادي طِيْبَ وابلها ... كما ضريحك من تحت الرضا (٢) خَضِل
كما حُبيت بدار الخلد منزلةً ... حللتها، وعليك الحَلْي والحُلَل
وتاجك النور والنعلان من ذهب ... وهكذا عن فتى شيبان (٣) قد نقلوا
قل للذي سَرَّه موتُ الإمام: لقد ... يكفيك جهلك يا مَن غرَّه الأمل
أما علمت بأنَّ الموتَ ما سَلِمت ... منه ملوك بني الدنيا ولا الرسل
أين الملوكُ وأبناءُ الملوك، لقد ... صالت عليهم صروفُ الدّهر فارتحلوا
وعن قليل ترى الدنيا وقد رَحَلت ... فليس يغني ولاياتٌ ولا دُوَل
وليس يغني المُسِيْ يوم اللقا نَدَم ... إذ أثقلَتْ ظهرَه الأوزارُ والزلل
وإنما المتقي تُرْجى النجاةُ له ... لأنه خائف من ربِّه وَجِل
ولم يزل في قيام الدين مجتهدًا ... وإن خلا في الدياجي فهو مبتهل
قل للذي كتبوا (٤) علياه واجتهدوا ... إنّ الذي علموا بعض الذي جهلوا
стр. 653
والله، لستُ بمُحْصٍ مدحه أبدًا ... ولو أتيتُ بما ضاقت به السبل
عليه منّي سلام الله ما صدحت ... وُرْقٌ (١) على فَنَن، في نَوحِها زجل
تمت، وهي سبعة وخمسون بيتًا.
* * * *
[مرثيّة أخرى] (٢):
يا قوم توبوا إلى الرحمن وابتهلوا ... فقد قضى رجل ما مثله رجل
يا قوم [و] استغفروا الرحمن خالقنا ... قد غار بحر علوم موجه العمل
روى أحاديث الصحيح وعنه (٣) ... سائر أخبار رُسْل الله تنتقل
الحلم والعلم والزهد المكين ومن ... ما في مقالاته ريب ولا زلل
كم بدعة قد محاها ثم أبطلها ... وكم أزاح لنا مِنْ منكر عملوا
كم قام في أمر دين الله مجتهدًا ... ولم يكن عنده في أمره ملل
كم نار شرٍّ طفاها وهو مبتسم ... ......... (٤) ولا خوف ولا وجل؟
كم أظهر الحقَّ لما قلَّ ناصره ... وكم أبان لهم أمرًا له جهلوا
كم طوَّقَ الناسَ في أعناقهم مِننًا ... ما ليس يحمله سَهْل ولا جبل
قد كان ذا موردٍ عَذْبٍ لقاصده ... والناس تصدر منه ثمّ ترتحل
стр. 654
من قبله جا إلى غازان مبتسمًا ... على الجواد وكلّ الخلق قد نزلوا
حتى إذا جاءه والخلق تنظره ... قامَ الجميعُ ولم يأخذهم كسلُ
فقال جهرًا له والخلق تسمعه: ... هل أنت محمودُ بالإسلام متصل؟
فقال له: الشام يا محمودُ دارُ تقًى ... ومعقل الأنبياء عنه (١) فارتحلوا
يكفيكم ما رأيتم مِنْ جنازته ... ونعشه فوق رؤوس الخلق يَنتقل
إن كان فوق رؤوس حملوه فقد ... أولاهمُ نعمًا ما ليس تنحمل (٢)
قد كنت أرجوه لي ذخرًا وآمله ... وأرتجيه إذا ضاقت بي الحِيَل
قد كان ذا رجل للناس كلّهم ... يا أيها الناس كفّوا قد قضى الأجل (٣)
تمت وهي ثمانية عشر بيتًا.
* * * *
رثاء (٤) في الشيخ تقيّ الدين أبي العباس، أحمد ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ:
لما نُعي الشيخ الإمام المتّقي ... نجل رئيس فاضل حَبر تقي
فاضت محاجر مقلتي، يا حسرتي ... لفراقه فرقًا، وزاد تقلّقي
стр. 655
زفرات أشواقي أكاد لحرّها ... تنقض مني مهجتي (١) بتحرُّقي
وتركت من بعد التقيّ بلَوعَةٍ ... ومدامعي مِنْ بعده لا ترتقي
متهتّك الأستار وَلْهَان الحشا ... أبكي الدماءَ عليه حتّى نلتقي
حَزَني عليه مدى الزمان تأسّفًا ... يا مقلتي سُحّي دمًا وترقرقي
يا قلب ذُبْ أسفًا عليه وحسرًة ... فقليل ما لاقيت شَيَّب مَفْرقي
يا مهجتي ذوبي عليه صبابةً ... وتقطَّعي لفراقه وتمزَّقي
يا مقلتي سُحّي بدمعٍ هاطل ... متحدّر سحّ السحاب المطبق
يا ليتني يوم الفراق حضرته ... حتى أجدّد ما مضى من موثقي
وأودِّع الوجه المليح بنظرةٍ ... يحيا بها قلب الكئيب المُشْفق
ما كان أهنا عيشَنا بحياته ... يا ليت يوم فراقه لم نُخْلَق
لو كان يُفْدى ما بخلت بمهجتي ... في حقِّه، ولكنتُ أوَّل من يقي
يا أهله، لا تجزعوا لفراقه ... ولأجل كأسٍ من حمام قد سُقي
فله جنان الخلد يسكنها غدًا ... وعلى مناصبها العليَّة يرتقي
هو شيخنا، ورئيسنا، وإمامنا ... لله درّ الطاهر الحبر التقي
إن قلتُ: طود العلم فهو حقيقة ... فاسمع بهذا القول فيه وحقِّق
يفتي بجمع مذاهب عن أربع ... لكنه في الفضل آخر من بقي
هو في القراءة أوحدٌ في عصره ... هو في الأصول مفيدنا والمنطقي
стр. 656
شيخ الطريقة والحقيقة عارف ... ورث الإمامة والعلوم، فحَقِّق
متصدّق، متفضّل، متطوِّل ... لله ما أجزاه من متصدِّق
قد كان فينا وابلًا نحيا به ... وثناؤه فينا كمسكٍ معبق
قد كان فينا جنّة أنهارها ... تجري لنا من علمه المتدفِّق
قد كان فينا سيّدًا مِنْ سيد ... فاقطع بهذا القول فيه وصدِّق
يا قبره يهنيك ما قد حُزْتَه ... من زاهد برٍّ زكيّ متَّقي
قد صرت جنّةَ روضة بحلوله ... فلَكَ الفَخَار بسيّدٍ وموفّق
فالله يرحمه ويجبر كسره ... ويغيثنا من فضله المغدودق
واجبر بعفوك ناظمًا لقريضها ... حسنًا أعنه تفضّلًا وتصدَّق
ثمّ الصلاة على النبيّ محمد ... خير الأنام ومن لعرشك يرتقي
والحِقْ به الآل الكرام وصحبه ... بكرامة فلأنت أكرم مُلْحِق
تمت، والحمد لله ربّ العالمين.
* * * *
وقال الشيخ الصالح العابد محمد أبو طاهر البعلي الحنبلي (١)، يمدح شيخ الإسلام والمسلمين الإمام أحمد ابن تيمية ــ ﵀ ورضي عنه ــ:
يا ابن تيميّة يا أفصح العلما ... يا مَن لأسرار دين الله قد فهما
стр. 657
يا آيةً ظهرت في الكون باهرةً ... لا زلت في سِلْك دين الله منتظما
وكنت واسطة في عقده أبدًا ... تزيل منه الأذى والفُحْشَ والسَّقَما
جمعتَ منه الذي قد كان فَرَّقه ... قومٌ رأوه هدًى منه، وكان عمى
وكنت أحرص خلقِ الله كلّهم ... على التآلف، تعطي الفضلَ والنِّعَما
ولست خِبًّا لئيمًا باخلًا شَرِهًا ... لكن تقيًّا، نقيًّا، سيد الكُرَما
تعفو عن الجاهل الجاني فترحمه ... وتكثر العدل والإنصاف للخُصَما
ما زلت تغضبُ في ذات الإلاه ولم ... تكن لنفسك يا ذا الحِلْم منتقما
فأنت حَبر هدًى أحيا الإلاه به ... من دينه سننًا أماته الغُشَما
في رأس سبع مئين كنت قد وجبت ... لك الإمامةُ يا خلاصة العلما (١)
وكلّ شيء به جُلّ الورى هلكوا ... فشيخنا ذو التقى (٢) مِنْ شرِّه سَلِما
وكلّ وصفِ كمالٍ في نظائره ... له خصائصه لا تقتضي العَدَما
كان المبرِّز في كلّ العلوم، وقد ... أضْحَت له في ذرى أسنامها عَلَما
وكان حاوي صفات الخير أجمعها ... قد حلَّ في كلّ حالات التقى قَدَما
لما أراد عِداه دَحْضه دُحِضوا ... وزاده الله عزًّا دائمًا، وسما
أضحت عوائده تبدي فوائده ... على موائده في حضرة الحُكَما
فهو التقيّ به أهلُ التقى ألفوا ... وأبعد الله عنه المجرمَ الزّنما
стр. 658
وهو المحكّ الذي بان العبادُ به ... إما كرامًا وإما خُيّبًا لُؤما
فإن أردتَ معايير العباد به ... عَرّض بذكراه مدحًا وانظر السيما (١)
ترى الغويّ حزينًا ثم منقبضًا ... وتنظر المتقي قد سُرّ مبتسمًا
فحبّه نعمة فاز السعيدُ بها ... وبغضه نقمة بها الشقيْ وُسِما
فالحمد لله، أهل الحمد، خالقنا ... كم قد أفاض علينا في الورى نِعَما
عافى القلوبَ من الأسقام أجمعها ... وعمَّ بالجود مَن وفّى ومَن ظَلَما
كم أفرجت كربة عنَّا بمِنّته ... وكم أعان وكم عفا (٢) وكم رحما
لا ترتجى غيره في رفع نازلةٍ ... يبقى الهدى عنك والإحسان منصرمًا
ولا تكن بسواه عنه مشتغلًا ... لكي تنال التُّقى والفوزَ والكرما
وكن محبًّا له ساعٍ بطاعته ... فالسعي في غير هذا يورِثُ النَّدَما
تمت بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (٣).