← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وحاشاي أن أسلو هواهم وحُبُّهُم ... يُذكِّرني حفظ العهود القديمة فهم سرُّ أسراري، ونور نواظري (١) ... ورُوحي وريحاني وأُنسي وبَهْجَتي ... أتى وهم عينُ أعياني وقَلْبي وقالبي ... وهم منتهى قصدي ومشهدُ رؤيتي وهم في مغانيهم حياتي حقيقةً ... وهم في معانيهم (٢) أُهيلُ مودَّتي وهم في تجلّيهم شموسي إذا بدوا ... وهم في تجنِّيهم رِياضي وجنَّتي (٣) وهم أينما كانوا نِهايةُ مَقْصدي ... وهم أينما حلُّوا مُرادي وبُغْيتي وهم نورُ أنواري وسِرُّ حقائقي ... وهم أُنْسُ تأنيسي ومأمَنُ خِيفتي تُرى يشتفي قَلْبي برؤيتهم على ... رياض الهنا يومًا وتبردُ غُلَّتي وتَحْيا بهم رُوحي حياةً هنيَّةً ... مُسَرْمدةَ التَّنعِيم في غير محنةٍ (٤) إذا سمحوا لي نظرةً من جمالهم ... فقد نلتُ من رضوانهم كلَّ وصلة عليهم سلامُ الله ما هبَّتِ الصَّبا ... وما ناحت الأطيارُ شوقًا وحنَّت وقد آن أن أُبدي خفايا صبابتي ... وأُظْهِرُ للعُذَّال أصلَ رَزيَّتي وأبكي على من كان يجمعُ شَمْلَنا ... على طاعة الرحمن في كل لمحة وأندُبُ أحزاني بما قد أصابني ... وأنثُرُ أشجاني بنظمِ قصيدتي فقَدْتُ إمامًا لم يزل متوكِّلًا ... على الله لا يُصْغي إلى غيرِ سنة

стр. 597

فقدتُ إمامًا كان بالعلم عاملًا ... وكان حقيقًا قامعًا كل بدعة أتى بكتاب الله والسُّنَّة التي ... عَلَت وارتقت حقًّا على كلِّ ملة أتى بأحاديثِ الرسولِ وشرْحِها ... وعمن رواها بالمتون الصحيحة أتى بعلوم العالمين جميعها ... بزُهدٍ وتأييْدٍ ودينٍ وقوَّة أتى بأصُول الدين والفقه مجملًا ... وفصَّلها تفصيل مِنْ غيرِ شُبهة أتانا بأحوال الرسول حقيقةً ... وسيرتُه (١) تسمو على كلِّ سيرة أتانا بأحوال الصحابة كلّهم ... وللتابعين (٢) الملّةِ المستقيمة أتانا بأوصاف الأئمة كلِّها ... وصنَّفَ (٣) كُتْبًا في صفات الأئمة أتانا بوصف الصالحين وحالِهم ... وما هم عليه من جميل العقيدة وعلَّمنا شرعَ الرسول ودينَه ... بأفصح ألفاظٍ وأصْدَق لهجة وأعْلَمَنا أنّ النجاةَ من الهوى ... تَمَسُّكُنا بالسنة النبوية وحذَّرنا مِن كلِّ زيغٍ وبدعةٍ ... وعن كلِّ طاغٍ خارجٍ عن محجَّة وناظرَ أربابَ العقائد كلَّهم ... وبيَّن من قد ضلَّ من كلِّ فرقة وردَّ على أهل الضلالِ جميعِهم ... بأوضح برهانٍ وأبلغ حُجَّة [ق ١٦١] وبيَّن تكذيبَ اليهود وخُبثَهم ... وما بدَّلوا في الملّة الموسوية وأخبرهم عن سرِّ أسباب كفرهم ... فتعسًا لهم مِن أمّةٍ غَضَبيَّة

стр. 598

وأظهر أيضًا للنصارى ضلالَهم ... وما أحْدَثوا في المِلة العيسويَّة وباحثهم حتى تبيَّن أنهم ... سُكارى حَيارى بالطباع الخبيثة وردَّ على كُتْبِ الفلاسفة الأولى ... بمنقولِ أحكامٍ ومعقولِ حكمة وقرَّر إثباتَ النُّبواتِ عندهم ... وجال عليهم كَرَّةً بعد كرَّة وردَّ على جهمٍ وجَعْدِ بن دِرهمِ ... وبشرِ المَرِيسي عُمْدةِ الجهميَّة زنادقةٌ كم أهلكوا من عوالمٍ ... بسوءِ اعتقاداتِ النفوسِ السقيمة وجادل أهلَ الإعتزال جميعَهم ... وسلَّ عليهم سيفه بالأدلة يقولون: قولُ الله من بعض خَلْقه ... لقد كُبْكِبوا في قعرِ نارٍ حميَّة وبَاحَثَ أشياخَ الروافضِ وانْثَنَى ... يُقاتلهم بِالدِّرَّةِ العُمريَّة لأنَّهمُ عادَوا خواصَ محمَّدٍ ... وسبّوا فَهُم في الأصل شرُّ الخليقة بغوا وافتروا جَهْلًا فهم أنحسُ (١) الورى ... وأكذَبُ خَلْقِ الله من كلِّ فِرْقة فكمْ أحدثوا في ديننا من ضلالةٍ ... فلا مرحبًا بالفِرْقة القدريَّة (٢) وهم خصماءُ الله تبًّا لدينهم ... وبُعدًا لهم من عُصْبةٍ ثنويَّة وردَّ على قومٍ تربَّت (٣) نفوسُهم ... على النفي والتعطيل من غير حُجَّة وردَّ على أهل التناسخ عندما ... تجرَّوا وخاضوا في أمورٍ عظيمة ومزَّقهم في كلِّ وادٍ لأنهم ... يقولون لا شيء سوى البرزخيَّة

стр. 599

وقد أنكروا أمرَ المعاد بقولهم ... نفوسٌ نأت عنَّا وفي الغير حَلّت وجادَل (١) أهلَ الاتحاد وردَّهم ... إلى أشرف المسرى وأهدى طريقة وأنقذهم من ظُلْمة الجَهْل والعمى ... بنورٍ وبرهان ودين النصيحة وردَّ على أهل الحلول فإنهم ... يرون تجلِّي الحقّ في كلِّ صورة وقد زعموا أنَّ التجلِّي مَظاهرٌ ... ولا سيّما في صورةٍ أمْرَديَّة فمن أجْلِ هذا يرقصون ديانةً ... وفي رَقْصهم جاءوا بكلِّ قبيحة يرون شهودَ المُرْد والرقصِ قُربةً ... فيا ويلَهم من خِزْي يوم الفضيحة وردَّ على تُبّاع (٢) إبليسَ عندما ... رآهم وقد مالوا إلى الجبرية وكم قد طوى في علمه من طوائفٍ ... حرورية منهم على حَشَوية مطايا بُنيَّاتِ الطريق سَرَتْ بهم ... إلى أن أناخوا في عِراص القطيعة وفي بحر آراء العقائد أُغرقوا ... رَمَتهم خيالات العقولِ السخيفة وكم قد أراهم كلَّهم سُبل الهُدى ... وكم قد نهاهم مرةً بعد مرَّة فمن كان قُطْبَ الكون في حال عصره ... سواه ومن قد فاز بالبدليَّة شجاعٌ هُمامٌ بارعٌ في صفاته ... يروم مَرامًا في المراقي العليَّة تزهَّد في كلّ الوجود وغيره ... يدور على الدنيا بنفسٍ دنيَّة يجود على المِسْكين في حال عُسْره ... بأطماره (٣) في حبّ باري البريَّة

стр. 600

ويَلْقى لمن يلقاه بالبِشْر والرضا ... بأوصافه الحُسْنى ونفسٍ زكيّة ويدعو لمن قد نال مِنْ ثَلْم عِرْضه ... ولم ينتقم ممن أتى بالأذيَّة يُسارع في الخيرات سرًّا وجَهْرةً ... ويلهو عن اللَّذات في كلِّ طَرْفة [ق ١٦٢] يجاهد في الله الكريم بجُهده ... بصِدْقٍ وإخلاصٍ وعَزْم ونيّة ويأمر بالمعروف حبًّا لربهِ ... وينهى عن الفحشاء نهيًا بهمَّة تقيٌّ نقيٌّ طاهرُ الذيل مُذْ نشا ... كريمُ السجايا ذو صفاتٍ حميدة أليس الذي قد شاع في الكون ذكرُه ... وعمَّ البرايا بالفتاوى العظيمة فمن كان تاجَ العارفين لِوقْتنا ... وشيخَ الهدى قل لي بغير حميَّة هو الحبرُّ والقطبُ الذي شاعَ ذِكْره ... وفاح شَذاهُ كالعبير المفتَّت إذا ما ذكرنا حالَه وصفاتِه ... كأنَّا حللْنا في نعيمٍ وروضة تَهَنّأ أبا العباس بالقُرْبِ والرِّضا ... لقد نلتَ ما ترجو بكلِّ مسرَّة ألا يا تقيَّ الدين يا فرْدَ عصرِهِ ... بُرُوقُك قد لا حتْ كشمسٍ مضيئة وبانت لكلّ الناس أوصافُك التي ... برَزْتَ بها مثل العيون الغزيرة ظهرتَ بأنواع العلوم وجِنْسها ... وسارتْ بها الرُّكبانُ في كلِّ بلدة وأظهرتَ (١) ما قد كان للناس خافيًا ... بكلِّ معانٍ والفُنونِ الغريبة وأوضحتَ إشكالًا وبيَّنتْ مُبْهمًا ... وأبديتَ أسرارًا بنفسٍ عليمة وكم غُصْتَ في بحر المعارف غوصةً ... ولجَّجتَ فاستخرجتَ كلّ يتيمة ظهرتَ بإحسانٍ وحُسْنِ سماحةٍ ... ودينٍ وتوحيدٍ وكلِّ فضيلة

стр. 601

خرجتَ من السّجن الذي كان ضيِّقًا ... إلى دار فوزٍ في رياضٍ فسيحة وقد نلتَ من مولاك ما كنتَ راجيًا ... وأشْهَدكَ المعنى بعينٍ قريرة حُمِلتْ على النعش الذي كان تحته ... مئين ألوفًا في بكاءٍ وضجَّة وصلى عليك المسلمون (١) جميعُهم ... بحسنِ اعتقِادٍ فيك يا شيخَ قدوة وأمّا النساءُ المؤمناتُ فإنَّهنْ ... خرجن حَيارى فَوجةً بعد فَوجة ومَعْهُنَّ أبكارٌ تحجَّبن بالتُّقى ... يَنُحْنَ بأكبادٍ عليك حزينة صبرتَ على الأحكام طوعًا وطاعةً ... وذُقْتَ من الآلام طَعْم البليَّة وكنتَ حَمولًا للنوائب كلِّها ... صبُورًا على الأقدار في دار غُرْبَةٍ وأوسعْتَ صدرًا للمقادير عندما ... شهدتَ جمالَ الحبِّ في كلّ خلوة ولاحتْ لك الأنوارُ بالمشهدِ الذي ... تطُوفُ به الأرواح (٢) في رَوض جنَّة وعاينْتَ موجودًا تعالتْ صفاتُهُ ... وشاهدْتَ محبوبًا بعين البصيرة فلا أوحشَ الرحمنُ منكَ ولا خلَتْ ... ربُوعُك من تلك العلومِ الجليلة ولا أقفَرتْ منك الطلولُ ولا نأتْ ... ديارُك من تلك الصفاتِ الجميلة ولا سكنتْ (٣) يومَ الوداع دُموعُنا ... ولا اكتحلَتْ فيكَ الجفون بغَمْضَة ولا احتجبَتْ أسماعُنا عنك ساعةً (٤) ... ولا أيِسَت منك العيونُ بنظرة

стр. 602

لقد كنتَ رَوحًا للقلوب وراحةً ... وقُوتًا وأُنسًا للنفوس النفيسة تمسَّكْت بالدِّين الحنيفيِّ والهدى ... وبالعُروة الوثْقَى وأصل الشريعة ظهرتَ إلى الدنيا بأحسنِ مظهرٍ ... ورُحْتَ إلى الأخرى بأكمل رَوحة وودَّعتنا توديعَ مَن غيرُ راجعٍ ... وفارقتنا والدَّارُ غيرُ بعيدة شَرِبْت بكأس العارفين مُدَامةً ... حقيقتُها من سرِّ عين الحقيقة وَجُدْتَ بكأس الفضل (١) منك تكرُّمًا ... على تابعينَ السُّنَّة الأحمديَّة فسبحان من أعطاك من فيض جودِهِ ... لقد نلتَ قُربًا لا يُنالُ بحيلة وقد (٢) عِشْتَ محبوبًا ومتَّ مُكرَّمًا ... عليك من الرحمن أزكى تحيَّة [ق ١٦٣] وما برحتْ تعلوك أنوارُ أُنسِه ... وما زِلْتَ في عِزٍّ وقربٍ ورفعة ومأواك جنَّاتُ النَّعيم مع الذي ... تفرَّد من بين الورى بالوسيلة نبيُّ الهدى خيرُ الورى صاحب اللِّوا ... شفيعٌ على الإطلاقِ في كلِّ أُمَّة عليه صلاةُ الحقِّ ثمَّ سلامُهُ ... على عددِ الأنفاس في كلِّ طَرْفَة وبعدُ فلله المحامدُ كلُّها ... على ما أرانا من وضوح المحجَّة وها أنا يا ربِّي عُبيدٌ متيَّمٌ ... عساك ترى حالي وتغفرُ زلَّتي تمت، وعدَّتها مائةٌ وسبعةٌ وعشرون بيتًا (٣).

стр. 603

وله ــ أيضًاـ عفا الله عنهما (١): للهِ عَيشٌ (٢) تقضَّى بالثنيَّاتِ ... مَعْ جيرةٍ لذَّ لي فيهم صَباباتي ما كان أهْنا زماني في رُبوعهمُ ... والسَّعْدُ يسعى بما فيه إراداتي والكأسُ تُمْلا (٣) بأنواع السّرور وفي ... قُربِ الأحبَّةِ تَبْدو لي سعاداتي إذا تجلَّوا على قلبي بِحُسْنهم ... كأنَّنِي في نعيمٍ وسط روضاتي قد كنتُ في قُربهم والوصل مقترنٌ (٤) ... لم يَخْطر الصَّدُّ والهِجْرانُ في ذاتي واليومَ أصبحتُ أبكي بعد بُعْدِهمُ ... لمَّا تناءوا نأتْ عنِّي مسرَّاتي وغابَ مُذ غاب عن عيني جمالهمُ ... راحي ورُوحي ورَيحاني وراحاتي ولا صفا بعدَهم عيشي بمَنْهلةٍ ... ومُذْ تولّوا تولى طِيبُ لذَّاتي يا سادةً ملكوا قلبي بِلُطْفهمُ ... ما ضرَّهم لو أعادوا لي أُوَيقاتي فهم مُرادي وهم سُؤْلي وهم أملي ... وهم نهايةُ مقصودي وغاياتي وهم سروري وهم سمعي وهم بصري ... وهم نعيمي وروضاتي وجنَّاتي وهم حياتي وهم أُنسي وهم شَرَفي ... وذِكْرُهُم لم يزل في القلب جَلْواتي (٥) لما سروا وفؤادي في هوادجهم ... ناديتُ من حُرَقي: يا عُظْمَ لوعاتي

стр. 604

ما كنتُ أعلمُ قُرْبي في محبَّتهم ... حتَّى رَمَتْنِي إلى الأبعاد راياتي فاندُبْ على ما مضى من عيشةٍ (١) وصفا ... وابكِ على ما جرى يا قلبيَ العاتي واذكُر مصارعَ قومٍ كيف قد شربوا ... بعد الزُّلال بكاساتِ (٢) المنيَّات فأصْبَحُوا في الثَّرى تَبْلى وجوهُهم ... تحتَ التُّرابِ فيا عُظْمَ المُصيبات وأنتَ من بَعْدهم تَسري لسيرهمُ ... إمَّا بدارِ هوانٍ أو بجنَّات أقولُ ما قاله العبد المنيبُ وقد ... أوْدَى به السّجنُ في برٍّ وطاعات: أنا الذَّليلُ أنا المسكينُ ذو شَجَنٍ ... أنا الفقيرُ إلى ربِّ السموات أنا الكسيرُ أنا المحتاجُ يا أملي ... جُدْ لي بفَضْلك واعفُو (٣) عن خطيَّاتي أنا الغريبُ فلا أهلٌ ولا وطنٌ ... أنا الوحيدُ فكُنْ لي في مُلِمَّاتي أنا العُبَيدُ الذي ما زلتُ مُفْتقرًا ... إليك يا سيِّدي في كلِّ حالاتي مالي سواك ولا لي (٤) عنكَ مُنْصَرَفٌ ... ذكراك في القلب قرآني وآياتي أنتَ القديرُ على جَبْري بوَصْلِك لي ... أنتَ العليم بأسرار الخفيَّات أدْعوكَ يا سيّدي يا مُشْتَكى حَزَني ... يا جابري يا مُغيثي في مُهِمَّاتي فانظر إلى غُرْبتي (٥) وارْحَمْ ضنا جسدي ... يا راحم الخلق يا باري البَرِيَّات ما زال مفتَقِرًا في باب سَيِّده ... ما زال مُبْتليًا بالامتحانات

стр. 605

ما زالَ مُهْتديًا ما زالَ مقتديًا ... ما زال مُجْتهدًا في كلِّ خيراتِ (١) [ق ١٦٤] ما زال يتبعُ آثارَ الرسولِ على الـ ... ـنهجِ القويمِ بأعلامِ الدَّلالات يهدي (٢) لسنته يُفْتى بشِرْعتِه ... يرعى لحُرْمته في كلِّ ساعات قُطْبُ الزَّمان وتاجُ الناس كلّهم ... رُوح المعاني حوى كلَّ العبادات (٣) حبرُ الوجودِ فريدٌ في معارفه ... أفنى بسيفِ الهُدى أهلَ الضلالات حوى من المصطفى عِلْمًا ومعرفةً ... وجاءه منه إمداد النوالات ما جاءه سائلٌ إلا ويَمْنحُهُ ... إما بجود وإما بالمداراة ماذا أقولُ وقولي فيه منحَصِر ... في وصف أخلاقه كلّت عباراتي في عِلْمه ما عِلْمنا من يُناسبه ... إلّا أئمتنا أهلُ العنايات في زُهدِه ما سَمِعْنا من يُشاكِله ... إلّا رجالٌ مضوا أهلُ الكرامات في جوده ما وجدنا من يماثله ... غيرُ البرامك كانوا في سعادات يجود وهو فقيرٌ إنَّ ذا عَجَبٌ ... هذا (٤) الذي ما سمعنا في الحكايات تلوحُ شمسُ المعاني في شمائله ... وفي صفا وجهه نورُ الهدايات بحر المعارف تاهوا في بدايته ... أهلُ المعاني وأربابُ النهايات

стр. 606

قُطْب الحقائق حاروا في فضائله ... أهلُ التَّصوُّف أصحابُ (١) الرِّياضات أعجوبةُ الدَّهْر فردٌ في مظاهره (٢) ... علّامةُ الوقت في الماضي وفي الآتي يا لهف (٣) قَلْبي على من كان يَجْمَعنا ... على فنونِ المعاني والإشارات فارقتُ من كان يُرْويني برؤيتهِ ... إذا تبدَّى بدا سِرُّ العبادات يَرْوي الأحاديث عن سُكَّانِ كاظمةٍ ... فيَطْرَبُ الكونُ من طيبِ الرِّوايات ويُطْنِبُ الذّكر في إحسانِ حُسْنِهمُ ... فيَرْقُصُ القَلْبُ شوقًا نحو ساداتِ ... أ أفْضَى إلى الله والجنَّاتُ مَسْكنُه ... عليه من ربِّه أزكى تحيَّاتي ثمَّ الصلاةُ على خيرِ الأنامِ ومَن ... قد خصَّه الله من بين البريَّات اختاره ليلة الإسرا لحضرته ... حتَّى تجلَّى له ربُّ السَّموات (٤) عليه منِّي سلامُ الله ما هَمَعتْ ... سُحْبُ الغمام وجادت بالزّيادات والحمد لله حمدًا لا انقطاعَ له ... أرجو به من إلهي مَحْوَ زلّاتي آخرها (٥)، وعدتها خمسةٌ وخمسون بيتًا. * * * *

стр. 607

ومنها للقاضي الإمام العالم شهابِ الدين أبي العباس أحمد بن فضل الله، ﵀ وسامحه (١): أهَكَذا بالدَّياجي يُحْجَبُ القمرُ ... ويُحْبَس النَّوُّ حتى يذهب المطرُ (٢) أهَكذا تُمْنع الشمسُ المنيرةُ عن ... منافع الأرض أحيانًا فتَسْتترُ أهكذا الدَّهْر ليلٌ (٣) كلُّه أبدًا ... فليس يُعْرفُ في أوقاته سَحَرُ أهكذا السيفُ لا تمضي مضاربُهُ ... والسيفُ في الفَتْك ما في عَزْمه خَوَرُ أهكذا القوسُ تُرْمى بالعراءِ وما ... تُصْمي الرّمايا وما في باعها قِصرُ (٤) أهكذا يُتركُ البحرُ الخِضَمُّ ولا ... يُلوَى عليه وفي أصْدافه الدُّرَرُ أهكذا بتقيِّ الدِّين قد عَبِثتْ ... أيدي العِدى وتعدَّى نحوه الضَّررُ إلى ابن تيميَّة تُرْمى سِهامُ أذًى ... مِنَ الأنام ويُدْمَى النابُ (٥) والظُّفُرُ

стр. 608

بذَّ (١) السّوابق مُمتد العبادة لا ... ينالُه مَللٌ فيها ولا ضَجَرُ ولم يكن مثلُه بعد الصحابة في ... علمٍ عظيمٍ (٢) وزهدٍ ماله خطرُ [ق ١٦٥] طريقُهُ كان يمشي قبل مِشْيته ... بها أبو بكرٍ الصديقُ أو عمرُ فَرْدُ المذاهب في أقوال أربعة ... جاءوا على أثَرِ السُّبَّاق وابتدروا لمَّا بَنوا قبلَه عُليا مذاهبهم ... بنى وعمَّر منها مثلَ ما عمروا مثل الأئمة قد أحيا زمانَهم ... كأنه كان فيهم وهو مُنْتَظرُ إن يرفعوهم جميعًا رفعَ مبتدأ ... فحقُّه الرفعُ أيضًا إنه خبرُ أمثلُه بينكم يُلقى بمَضْيَعةٍ ... حتى يطيحُ له عمدًا دمٌ هَدَرُ يكون وهو أمانيٌّ لغيركمُ ... تنوبُه منكمُ الأحداثُ والغِيَر والله لو أنّه في أرض غيركمُ (٣) ... لكان مِنْكم على أبوابه زُمَرُ مثل ابن تيميّة يُنْسى بمَحْبِسه ... حتى يموتَ، ولم يُكْحَل به بَصرُ مثل ابن تيميَّة تَرْضى حواسدهُ ... بِحَبْسه، أولكم في حَبْسه عُذَرُ مثل ابن تيميّة في السِّجْن معتقلٌ ... والسِّجن كالغِمْد وهو الصارمُ الذَّكَرُ مثل ابن تيميّةٍ يُرْمى بكلِّ أذًى ... وليس يُجْلى قَذًى منه ولا نَظَرُ مثل ابن تيمية تُذْوَى (٤) خمائلُه ... وليس يُلْقطُ من أفنانه الزَّهَرُ

стр. 609

مثل ابن تيميةٍ شمسٌ تغيب سُدًى ... وما تَروق بها (١) الآصالُ والبُكَرُ مثل ابن تيميّةٍ يمضي وما نَهكَت ... له سيوفٌ ولا خَطِّيّةٌ سُمُر (٢) مثل ابن تيميّةٍ يمضي وما عَبِقَت ... بمِسْكه العاطر (٣) الأرْدانُ والطُّرَرُ ولا تُجارى له خيلٌ مسوَّمة ... وجوه فُرْسانها الأوضاح والغُرَرُ ولا تَحُفُّ به الأبطالُ دائرةً ... كأنّهم أنجمٌ (٤) في وَسْطها قمرُ ولا تُعبِّسُ حَرْبٌ في مواقفه ... يومًا ويضْحَكُ في أرجائها (٥) الظَّفَرُ حتى يقوَّم هذا الدين مِن مَيَلٍ ... ويستقيمَ على مِنْهاجه البَشَرُ بل هكذا السلفُ الأبرارُ ما بَرِحوا ... يُبلَى اصطبارُهم جهدًا وهم صُبُرُ تأسَّ بالأنبياء الطُّهْرِ كم بلغت ... فيهم مضرَّةُ أقوامٍ وكم هُجِروا في يوسفٍ في دُخول السِّجن مَنْقَبةٌ ... لمن يُكابدُ ما يَلْقى وَيصْطبرُ أَيذْهبُ المنهل الصّافي وما نَقَعَتْ ... به الظِّماءُ (٦) وتبقى الحَمْأةُ الكَدَرُ مضى حميدًا ولم يَعْلق به وَضَرٌ ... وكلّهم وضَرٌ في الناس أو وَذَرُ (٧)

стр. 610

طَوْد من الحلم لا يُرقى له قُنن (١) ... كأنما الطَّودُ من أحْجاره حَجَرُ بَحْرٌ من العلم قد فاضت بقيّتُه ... فغاضَت الأبْحُرُ العُظمَى وما شَعَروا يا ليت شِعْريَ هل في الحاسدين له ... نظيرهُ في جميع القومِ إن ذُكِروا هل فيهمُ لحديث المُصْطَفى أحدٌ ... يميِّز النَّقْد أو يُروى له خبرُ (٢) هل فيهمُ من يضُمُّ البحثَ في نَظَرٍ ... أو مِثْله من يضمُّ البَحْثُ والنظرُ هلّا جَمَعْتم له من قومكُم ملأً ... كَفِعل فرعونَ مَعْ موسى لِيَعْتبروا (٣) قولوا لهم: قال هذا فابْحثوا معه ... بجمعِكُم (٤) وانظروا الجهَّال إن قدروا تُلقي الأباطيلَ أسحارٌ لها دَهَش ... فيلقفُ الحقُّ ما قالوا وما سحروا فليتهم مثل ذاك الرَّهْطِ من ملأٍ ... حتَّى يكون لكم في شأنهم عِبَرُ وليتهم أذْعنوا للحقّ مثلَهم ... وآمنوا (٥) كلّهم من بعدِ ما كفروا يا طالما نَفَروا عنه مجانَبَةً (٦) ... وليتهم نَفَعوا في الضّيم أو نَفَروا هل فيهمُ صادعٌ للحقِّ مِقْوَلُه ... أو خائضٌ للوغى والحَرْبُ تَسْتعرُ

стр. 611

[ق ١٦٦] رمى إلى نحر غازانٍ مواجهةً ... سِهامهُ من دُعاءٍ عَوْنُه القَدَرُ بتلِّ راهطَ والأعداءُ قد غَلَبوا ... على الشآم وطال (١) الشَّرُّ والشررُ وشقَّ في المرْج والأسيافُ مُصْلَتةٌ ... طوائفًا كُلّها أو بعضها التترُ هذا وأعداؤه في الدُّور أشْجَعهم ... مثلُ النّساء بظلِّ الباب مُسْتترُ وبعْدَها كِسْروانٌ والجبال وقَدْ ... أقامَ أطوادَها والطَّود مُنْفطرُ واسْتحصَد القومَ بالأسياف جُهْدهمُ ... فطالما بطلوا طغوى وما بَطِروا قالوا: قبرناهُ، قلنا: إن ذا عجبٌ ... ححقًّا ألِلْكوكبِ (٢) الدُّرِّيّ قد قَبَروا وليس يَذْهب معنًى مِنه مُتَّقدٌ ... وإنما تَذْهبُ الأجسامُ والصُّوَرُ لم يَبْكه نَدَمًا من لا يَصبّ دمًا ... يَجْري به دِيَمًا يَهْمِي وينهمرُ (٣) لَهْفي عليك أبا العبَّاس كم كرمٍ ... لما قَضَيتَ قَضَى من عمره العُمُرُ سَقَى ثَراك من الوَسْميِّ صَيِّبُهُ ... وزان مغناك (٤) قَطْر كُلَّه قَطَرُ ولا يزالُ له برقٌ يُغازله ... حُلوُ المراشِف في أجْفانه حَوَرُ لِفَقْد مِثلك يا مَنْ لا لَهُ (٥) مَثَلٌ ... تأسى المحاريبُ والآياتُ والسورُ يا وارثًا من علوم الأنبياء نُهًى ... أوْرَثتَ قلبيَ نارًا وَقْدُها الفِكَرُ

стр. 612

[يا واحدًا لستُ أستثني به أحدًا ... من الأنام ولا أُبقي ولا أذَرُ] (١) يا عالمًا بنقولِ الفقه أجْمعِها ... أعنكَ تُحْفَظُ زلّاتٌ كما ذكروا يا قامع البِدَع اللّاتي تجنَّبها ... أهْلُ الزَّمان وهذا البدو والحَضَرُ (٢) ومُرْشدَ الفِرْقة الضُّلّال نهجَهُمُ ... إلى الطريق فما حاروا ولا سَهِروا ألمْ تَكُن للنصارى واليهودِ معًا ... مُجادِلًا وهم في البَحْث قد حَصِروا وكم فتًى جاهلٍ غِرّ أبَنْتَ له ... رُشدَ المقالِ فزال الجَهْلُ والغَرَرُ ما أنكروا منك إلّا أنهم جهلوا ... عظيم قَدْرك لكن ساعدَ القَدَرُ قالوا بأنَّك قد أخطأتَ مسألةً ... وقد يكونُ فهلّا منكَ تُغْتَفَرُ (٣) غَلِطْت في الدَّهْر أو أخطأتَ واحدةً ... أما أَجَدْتَ إصاباتٍ فَتعْتذرُ ومن يكونُ على التحقيق مُجْتهدًا ... له الثوابُ على الحالَين لا الوَزَرُ ألم تكن بأحاديثِ النبيِّ إذا ... سُئلتَ تَعْرفُ ما تأتي وما تَذَرُ حاشاكِ من شُبَهٍ فيها ومِنْ شَبَهٍ ... كلاهما منك لا يَبْقى له أثرُ (٤) عليكَ في البحث أن تُبْدي غوامضَهُ ... «وما عليك إذا لم تفهم البَقَرُ» قدّمتَ لله ما قدّمتَ مِن عملٍ ... وما عليكَ بهم، ذمّوك أو شكروا هل كان مثلُك من يَخْفَى عليه هُدًى ... ومن سمائك تَبْدو الأنْجُمُ الزُّهُرُ

стр. 613

وكيف تحذرُ من شيءٍ تزلُّ به ... أنتَ التَّقيُّ فماذا الخوفُ والحَذَرُ *** ثم الصلاةُ على المُخْتارِ من مُضَرٍ ... من تَسْكبُ المُزْنُ توسيلًا به مطرُ (١) تمت، وهذا البيت الأخير لغير قائلها، وهو الفقير إلى الله تعالى زين الدين عبد الرحمن بن عبد الهادي، غفر الله له ولسلفه ولسائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين. وهي تسعة وسبعون بيتًا. وقد رُثِي الشيخ ــ رحمة الله عليه ــ بقصائدَ كثيرة غير هذه، وفيما ذُكِر كفايةٌ. آخر ما اخْتُصِرَ من المناقب، والحمد لله ربّ العالمين، وصلواته على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 614

مراثي ومدائح شيخ الإسلام من نسخ الكتاب مما ليس في نسخة الأصل

стр. 615

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) قال الشيخ الفقيه أمين الدين عبد الوهاب بن سلّار الشافعي (٢) ﵁ يرثي الشيخ تقي الدين الإمام أحمد ابن تيمية: كلُّ حيّ له الممات ورودُ ... ليس في [ذي] الدُّنا لمرءٍ خلود كلّ خِلٍّ مفارق لخليل ... كلّ وصل إلى انفصالٍ (٣) يعود ليس يبقى إلا إلاه البرايا ... دائم الملك والبقا، لا يبيد عينُ سحِّي بمدمعٍ ليس يرقا ... وسهادٍ دائمْ والاجفانُ جُودُ (٤) يالجرح بمهجتي، ليس يبرى ... أو يجودوا بطيفهم، أو يعودوا هل لما بي من مسعدٍ أو معين ... عزَّ صبري، وفَرْط حُزْني يزيد ويْكَ نفسي، تعاملي باصطبارٍ ... فالذي قد قضى بهذا مُريد قد رُزئنا إمامَ عِلْم ودين ... عَدِمَ المثل في الزمان فريد يالحُزْن عليه، عمَّ البرايا ... يا لنارٍ لها بقلبي وقود كان شيخَ الإسلام عقلًا ونقلًا ... سَنن البِدْع عنده (٥) مردود كان في العلم والشجاعة فذًّا ... وهو في الزّهد والعفاف يسود

стр. 616

كان بالعرف آمرًا، لا لحظٍّ (١) ... وعن النُّكر للعباد يذود كان لله ذاكرًا كلَّ وقتٍ ... وعن اللهو والضلال بعيد مات لله صابرًا وسط سجن ... يوم الاثنين، سِرُّه مشهود وتولاه الأبرار غسلًا ودفنًا ... أبيض الوجه، في الثرى ملحود حين وافى على الرؤوس مُسَجًّى ... والبرايا من كلّ حيّ وُفُود صِحْتُ من فَرْط ما بدا لي: مهلًا ... لك في جنة الخلودِ خلود يا لها من رَزِيَّةٍ طاش فيها ... كلّ لبّ وتقشَعِرّ الجلود يا ابن تيميّة، عليكَ سلامي ... كلّ وقت يمضي، ووقت يعود يا ابن عبد الحليم، حِلْمك يسمو ... يا ابن عبد السلام، سلمك جود يا إمام العلوم، مَن للفتاوى؟ ... ولحلّ الإشكال حبر تفيد (٢) ولفهم الكتاب والنقل بحرٌ ... في معانيهما مصيب سديد يا بشوشًا (٣) لكلِّ من رام نفعًا ... إنَّ من نال من جناك سعيد كلّ وقتٍ مضى لديك سماعًا ... ذاك عند التحقيق عُمْرٌ جديد ليت شعري، أيامنا باجتماع ... بك، هل تَبْدُوَنْ (٤) لنا أو تعود؟ طبت تربًا، وقُدِّسَتْ منك روحٌ ... ومُنِحْت النعيم مهما تريد والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 617

للإمام المحدِّث الفقيه الفاضل تقيّ الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الله بن سالم الجعبري (١) مرثاة في شيخ الإسلام تقيّ الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية رحمة الله عليه: جلَّ رُزئي وقلَّ مني (٢) اصطباري ... يا لقومي من قاصم الأعمار مَنْ مُعيني على نوائب دهري ... ومُلمَّاته، ومَنْ أنصاري؟ قد سقتني الأيامُ جُرعة صبرٍ ... عزَّ صبري لها، وبان اصطباري فدموعي مثل الغمام انسجامًا ... ونُواحي في الليل مثل القَماري يا عَذُولي، أقصِرْ، فإنك خِلْوٌ ... من شجوني فلا احترقت بناري طاب كأسُ المنون صِرفًا أدِرْها ... لا كؤوسًا ممزوجة مِن عُقار لست أبغي الحياةَ بعدُ، ولكن ... بُغيتي أن أموت في الأبرار بعد سبعٍ من المئين وعشريـ ... ـن خريفًا من هجرة المختار مع ثمان للعَقْد عشرون إذ ذاكْ ... يوم الاثنين بعد نصف النهار (٣) مدفن الحَبرِ محرزِ العلم حقًّا ... تَرْجُمانِ الكتاب والآثار أحمدٍ، أحمدِ المناقب والوصـ ... ـف ابن تيميّةِ الكريم النِّجار التقي النقي، ذي المجد والسؤ ... دَدِ والمكرُمات، والإيثار

стр. 618

إن يكن جسمه تغيَّب في التُّرْ ... ب فمعناه نشرُه كالعَرار (١) كان قطبًا، وعالمًا وإمامًا ... [كان] (٢) شيخًا لوحده بالفخار جابرًا لليتيم، برًّا، رحيمًا ... علمه مشرقٌ على الأمصار لم أجد بعده مُعينًا على الدهـ ... ـر معينًا سوى عيون جواري فنهاري من فَقْده مثل ليلي ... بعد ليلٍ بوصله كالنهار يا ابن تيميّة، ويا أوحدَ العصـ ... ـر، ويا سيدًا غريبَ الديار كنت كالكهف ملجأً لمخيف ... من ضلال، وناصرًا (٣) باقتدار إن دعوتُ البكاء بعدك والصبـ ... ـر أجاب البكا، وولَّى اصطباري فرجائي إن ينقطع مِن وصال ... سوف يبقى حزني مدى الأعمار كنت حِبًّا للمتقين إمامًا ... فَالْقَ ما قد وُعِدْتَ من سَتَّار غافرِ الذنب قابل التوب ذي الطو ... ل، العزيز المهيمن الغفَّار وعلى نفسك الزكية منِّي ... يا منائي ومنتهى أوطاري كلّ وقت: تحيّة وسَلام ... ما أضاءت كواكبُ الأسحار تمت، والحمد لله وحده. * * * *

стр. 619

للإمام نجم الدين إسحق بن ألمى التركي (١)، يجيب صدر الدين ابن الوكيل، في قصيدة هجا بها شيخ الإسلام أحمد ابن تيميّة، وزَعَم أنه لما خرج من دمشق في محنته الأولى مُطِرت السماء: مَن مبلغٌ عنّي الخبيثَ مقالةً ... كالسيف أَقْصَمَ ظهرَه بفرِنْدِه أزَعَمْت إذ غاب الإمام همى الغما ... مُ؟ كذبتَ، بل بكت السماءُ لفقده أوَ ما ترى شمسَ الضحى في مأتم ... والجوّ قد لبس الحداد لبعده فَلَيَدْخُلَنَّ لأرض مصرٍ آمِنًا (٢) ... بسكينةٍ حفَّت به من عنده ولَيْرجِعَنَّ إلى دمشق مؤيَّدًا ... حقًّا، كما عاد الحسامُ لغِمْده وترى بعينك ما يسؤوك من عُلًا ... يفنى الزمانُ، ولا نفادَ لمجده أظللتَ من حمقٍ به متشبهًا ... أين الثعالب في الشَّرَى من أُسْدِه مَخَضَتْكما أيدي الزمان، فكنت كالز ... بد الجفاء، وكان خالص زبده فاستر معايبَك التي سارت بها الرّ ... كبان في غَور الوجود ونجده فكفاك مقتًا أن تكون محارِبًا ... لوليّ ربِّ العالمين وعبده تمت، وهي عشرة أبيات. * * * *

стр. 620

للشيخ شمس الدين الذَّهبي مرثية في الشيخ ﵀ (١): يا موتُ خذ من أردت، أو فَدَعِ ... محوتَ رسمَ العلوم والورع أخذت شيخ الإسلام وانفصمت ... عُرى التُّقَى، واشتفى أولو البدع غيَّبْت بحرًا مفسِّرًا، جبلًا ... حَبرًا، تقيًّا، مجانب الشبع فإن يُحَدِّث، فمسلمٌ ثقةٌ ... وإن يناظر، فصاحبُ اللّمع وإن يخُضْ نحوَ سيبويه يفُهْ ... بكلّ معنًى في الفنّ مخترع وصار عالي الإسناد حافِظَهُ ... كشعبةٍ، أو سعيدٍ الضبعي والفقه فيه، فكان مجتهدًا ... وذا جهاد، عارٍ من الجَزَع وجوده الحاتميّ مُشتهر ... وزهده القادريّ في الطمع أسكنه الله في الجنان ولا ... زال علينا في أجمل الخِلَع مَعْ مالك، والإمام أحمد، والنْـ ... ـنُعمان، والشافعيّ، والنخعي (٢) مضى ابن تيميّة، وموعده ... مَعْ خَصْمه يوم نفخة الفَزَع تمت، وعدّتها أحد عشر بيتًا. * * * *

стр. 621

وقال بعضهم في شيخ الإسلام تقيّ الدين ــ قدَّس الله روحه ــ: الحمد لله حمدًا دائمًا أبدَا ... مباركًا طيِّبًا يستغرق العددا ثم الصلاة على الهادي وعِتْرته ... وصحبه وذويه الصفوة السُّعَدا بهم وهم خير مأمول وأكرم مَرْ ... جُوٍّ وأعظم مقصود لمن قَصَدا (١) قد أنجز الله للأبرار ما وُعدوا ... من رَفْع نازلة مَسَّت إمام هدى وأصلح الله ذاتَ البين وانفرجت ... شدائدٌ فكَّكت أهوالُها الزردا وأغمد الله سيفًا كان مُشتهرًا ... وأطفأ الله جمرًا كان قد وَقَدا وألَّف الله ما بين القلوب على التْـ ... ـتَقوى، وعرَّفها طُرْق الهدى وهدى فأصبح الناس في صفوٍ بلا كدَرٍ ... من بعدما كان كلٌّ عَيشُه نَكِدا وَعْدًا على الله حقًّا نصرُ ناصره ... كذا عليه به القرآن قد شهدا ولم تكن محنة، بل منحة جمعت ... لُطْفًا خفيًّا، ولطفًا للعيون بدا فيها بصائر للمستبصرين بها ... يُنْبي لمن غاب عنها مَنْ لها شهدا فداوِموا شكر نُعْمَى كالحيا وكَفَتْ ... على الورى وكَفَت كلّ الأنام ردى فيا لها نعمة عمّت سلامة من ... بالروح يُفدى وقلَّت أن تكون فدا فهو الإمام الذي ما زال عند ذوي الـ ... أحكام في سائر الأحكام مجتهدا إن قيل من هو؟ فاطرَبْ عند ذاك وقل: ... نَجْل ابن تيميَّة فاشدد به عضدا

стр. 622

أو قيل: مِنْ وُلْدِ مَنْ هذا الكريم؟ فقل: ... من وُلْدِ مجدٍ علا، أكْرِم به ولدا مولًى له في جلادٍ أو مجادلة ... لواء نصر وتوفيق قد انعقدا تهاب مجلسَه العالي الملوكُ، ومَن ... يُخشى سَطاه، ومن لم يَرْهَبِ الأسدا من أجل تعظيمه للحقّ لو وقف الْـ ... ـلَيثُ الهصور لديه راح مرتعدا وكونه تَرَك الدنيا وزينتها ... زهدًا ولا سَبَدًا أبقى ولا لَبَدا تصغى المسامِعُ ليتًا (١) عند منطقه ... كأنما السمع بالألفاظ قد عُقدا وتُذْكِرُ (٢) اللهَ ذكراهُ ورؤيتُه ... تذكار واجد ما قد كان قد فُقِدا ترى ازدحامًا على أبوابه أبدًا ... إما لكسب علوم، أو لنيل جَدا لم يَدْعُ يومًا على من خاض في دمه ... بغيًا، ولا لام ذا لومٍ ولا حَقَدا وربما استغفر الله العظيم لمن ... عمدًا عليه اعتدى، أو قَتْله اعتمدا كذا يكون فتى الفتيان، لا رجل ... يكون (٣) كالنّمر الضاري إذا حَرَدا «هذي المكارم لا قَعبان من لَبَنٍ» ... لا يكفيان لبعض الجائعين غدا له صفات كنَشْر الروض تالدةً ... غِبَّ العهاد (٤) عليك الريح مفتقدا أو كالنجوم التي تهدي أخا سَفَرٍ ... ليلًا، إذا ظل في الظلماء منفردا

стр. 623

عليه ألبابُ أربابِ التّقَى عكفت ... ومجتنى الشهد لم يُعْكَف عليه سُدَى مَن للمسائل، إن أعيت غوامضها ... يحلّ مشكلها المستصعب العقدا؟ ومن إذا رُصَّ بالسادات مجلسُه ... يكون في صدره صدرًا إذا قعدا يكاد يسلبُ ألبابَ الرّجال بما ... يرويه مما يزيد المهتدين هدى مِنَ العلوم التي عن ربّه صدرت ... ومِن حديثٍ عن المختار قد وردا وعن صحابته والتابعين، وعن ... أئمة ساد مَنْ عنهم روى سندا أم من يشنّف أسماعَ الأنام بما ... يربو على الدرِّ منثورًا ومنتضدا سوى الإمام تقيِّ الدين أحمد تا ... ج العارفين، وقاه الله كلَّ ردى ومن يحدِّث عن بحر، فلا حرج ... عليه، بل هو مأثوم إذا اقتصدا وكم بمصر وبالشام الشريف فتًى؟ ... لكن بمجموع هذا الحَبر ما وُجِدا كفاه آيةَ تأييدٍ سِعايةُ من ... سعى، ولم يستطع يؤذي له جسدا لكنه حين حاز السّبْق من صغر ... وفاق كلَّ كبيرٍ فاق (١) وانفردا وحاز علمًا لَدُنيًّا، ومنقبةً ... تفتتت منه أكباد العِدَى حسدا فأجمعوا كيدَهم يبغون فتنته ... فما أعان عليه ربُّه أحدا ولم يطق حاسد (٢) في الأرض قاطبةً ... بأن يَمُدَّ بمكروهٍ إليه يدا وكان سيفًا على الأضداد مشتهرًا ... فحاولوا أن يكون السيفُ منغمدا

стр. 624

ومن يصدُّ سنا شمس إذا طلعت ... أو يحجب البدر إن شقّ الدّجى وبدا ونور ربّك لا يُطفى، وإن (١) حرص الـ ... خِبُّ اللئيمُ على الإطفاء واجتهدا وقد درى كلّ ذي خُبْرٍ بأنَّ له ... من فيض بحر عطايا ربّه مددا وقد علمتم به لمّا ادّعاه إلى ... مصر الذين علمتم ما بها وُجِدا فاسترشَدَ اللهَ في الإصدار (٢) عن بلدٍ ... نَبَا بِه، واستخار الله، ثم غدا فاختار مسراه مولاه ووفّقه ... فيه، وهيَّا له من أمره رشدا وسار والله يكلؤه ويحرسه ... وكيف لا وعليه كان معتمِدا والشمس ما حُجبت بالغيم عن بلد ... إلا أنار سناها غيره بلدا فالدرّ لو لزم الأصداف ما ارتفع الْـ ... ـلَبّات، وارتكب التيجانَ واقتعدا (٣) لم يُبْقِ توديعه يوم الرحيل لذي ... صبرٍ وذي جَلَد صبرًا ولا جَلَدا كأنّ حاديه يومَ استقلّ به ... مسيره نحو مصرٍ بالقلوب حدا فاستعبرتْ أعْيُنٌ كادت لفُرْقته ... تَبْيَضُّ حزنًا وأولاها البكا رمدا (٤) هذا، وكم قد قضى ظامٍ إليه ولم ... يُقْضى له قبل وَشْك البين أن يردا

стр. 625

وما يَضُرُّ فتًى حالت منيتُه ... دون الأماني إذا ما عُدَّ في الشهدا فحلَّ مصرَ عزيزًا عند مالكها ... وفي مهمَّاته أضحى له عَضُدا لتُشْرق الدولة الغَرّا بِهِ، وإذا ... أضلّ جهلُ جَهولٍ بالعلوم هَدى ويأمر الناسَ بالتقوى ويخبرهم ... بسنة المصطفى، فعلًا ومعتقدا ولا يزال بأعلى فرق منبره ... منزَّهًا أحدًا في ملكه صمدا وفي مجالسه اللاتي يحفّ بها ... ملائكُ الذِّكْر تُحصي مَن لها شهدا يدعو لسيدنا السلطان ناصر ديـ ... ـن الله نجل قلاوون الفتى أبدا بأن يدومَ له في الملك أربعة: ... عزّ، ونصر، وتأييد، وكَبْت عِدَى حتى يُمَلِّكه الله العراق فيمـ ... ـحو الشركَ، والرفضَ منها، والذي مردا وعاد مِنْ مصر نحو الشام في دَعَة ... مصالحًا، مصلحًا ما كان قد فسدا فحين وافى دمشق الشام محترزًا ... من حَلِّ عقد ودادٍ للورى عقدا رَوّى صَدَى مهجٍ قد طالما ظَمِئت ... إليه شوقًا، وجلَّى للقلوب صدا وجاءنا بعد يأس مثل عافية ... جاءت عليلًا، فلما لابسته هدى ولاح شمسٌ على روض وسحَّ ندًى ... والشمس عادتها في الروض رفع ندى واخضرَّ روضُ الأماني ثم فاح شذًا ... بانُ الحمى، وتغنَّى وُرْقه، وشدا وصفّق النهر، والأغصان قد رقصت ... مَسَرَّة بفتًى من مصر قد وردا وسُرّ أهلُ التقى من كلِّ طائفة ... أن عادَ أكرمَ مما كان حين بدا وأنجح الله في الدنيا مقاصدَه ... وسوف يؤتيه أجرَ الصابرين غدا

стр. 626

فادعوا له، ولمن (١) كان السفير له ... حتى ألمَّ بكم مِنْ بعد ما بَعُدا وحقَّقَ الله ما أمَّلتموه له ... وصار كلٌّ بكلٍّ عيشه رغدا فقل لقوم شقوا: زال الشقاء إلى ... أعدائكم، وبقيتم أنتم السُّعَدا عين أصابت، ولكن عين عائنه ... ألا تروه رقاد الموت قد رقدا والله ما خيَّب الله الدعاة له ... من كلِّ عبدٍ له يدعو إذا سجدا لكن أجابَ وأعطى فوقَ ما طلبوا ... فالحمد لله حمدًا دائمًا أبدا تمت بحمد الله وعونه (٢) وحسن توفيقه. * * * * أنشد هذه القصيدة الشيخ الأجل شمس الدين أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجي: قال: أنشدنا لنفسه جميع هذه القصائد: الشيخ الإمام سعد الدين أبو محمد سعد الله بن بُخَيخ (٣) في مدح شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه، ورحمه وعفا عنه ــ: أيها الماجدُ الذي فاق فخرًا ... وسما رِفْعة على الأقران يا إمامًا أقامه الله للعا ... لَمِ هادٍ باللطف والإحسان (٤)

стр. 627

يا غريب المثال، يا موضح الإشـ ... ـكال بالبيّنات والبرهان يا تقيّ الدنيا مع الدين، يا مَن ... خُصَّ بالفضل واكتمال المعاني لا تملّ العُوَّاد إن أكثروا التّرْ ... داد أو أقدموا (١) بلا استئذان أنت روح الوجود في عصرك الآ ... ن وقلب الورى، وعين الزمان والبرايا إذا اعتبرت جميعًا ... منك أضحوا بمنزل الجثمان وإذا الداء خامر الروحَ والقلـ ... ـب تعدّى الدّا إلى الأبدان فجديرٌ بسائر الصّحْب إن هم (٢) ... أطنبوا في السؤال للرحمن أن يُدِمْ (٣) ظلَّك الظليل عليهم ... سالمًا من طوارق الحَدَثان بالنبيّ الهادي محمدٍ المبـ ... ـعوث بالمعجزات والقرآن وبأصحابه مع الآل والأز ... واج والتابعين بالإحسان (٤) صلوات الإلاه تترى عليهم ... وعليه ما أشرق النيِّران تمت و (٥) عدتها ثلاثة عشر بيتًا. * * * *

стр. 628

وله ﵀: يا من له فِطْنة فاقت ذوي الفطن ... يا ذا المناقب (١) والأفضال والمنن يا من أواليه في سِرّي وفي عَلَني ... لا تَلْحُني في انخزالي عن (٢) بني الزّمن ولا اغترابي عن الأهلين والوطن يا من لدين هواه بتُّ معتقدَا ... ومَن بذيل هواه ظَلْت معتضدا كن لي عذيرًا فلا نلتُ العداة غدا ... ولا تلمني إذا أصبحتُ منفردا عن الوجود بلا خِلّ ولا سكن كم جهد مثلي أن يُخفي تمَلْمُلَه (٣) ... عن الوشاة، وأن يُخفي تحمّله إن نمَّ دمعي بأسراري يحقّ له ... فبي من الوجد ما إنْ لو تحمّله رَضوى لذاب جوى، أو يَذْبُل لفني (٤) لكنّ قلبي، وإن ضاقت مسارحه ... لما حوته من البلوى جوارحه به غريمُ غرامٍ لا يبارحه ... ولي من الفكر ندمان أطارحه ما بي، فأفهم ما أشكو (٥) ويفهمني شُغِلت فيه به عمّن سواه فما ... أُلْوِي على صَرْف دهرٍ جار أو رَحِما

стр. 629

ولا أبالي أُذيع السّرُّ أو كُتما ... وكيف أصبح بالأغيار ملتئما (١) وبعض ما بيَ عن إيَّاي يشغلني هذا ولو أُضْرِمت في القلب نار غضًى ... ما ازددتُ إلا ابتهاجًا بالهوى ورضا لكنّ جوهر صبري مذ غدا عَرَضًا ... أنشدت قولَ الفتى الجِيليّ متَّعِظا به ومن مثل قول السيد الحسن (٢) مخاطبًا لجهول بات يؤلمه ... عَذْلًا، ويلحاه فيما ليس يعلمه عَنّي ملامك إني لست أفهمه ... وربّ وقت وجودي فيه أسأمه دع الأجانب بل روحي تزاحمني تمت. * * * * وله فيه أيضًا ــ ﵀ ورضي عنه ــ: يا عالمًا جلَّ عن ضدٍّ يضاهيه ... وفاق أقرانه فيما يعانيه يا ذا الفضائل، يا زين الأماثل، يا ... مُردي المماثل، يا مُوهي مُناويه إيضاح فضلك لا يحتاج تكملةً ... لكن مفصَّله عن ذاك مجزيه يا من إذا رُمْتُ أن أحصي مناقبه ... نظمًا ونثرًا وأنشيه وأرويه حصرت لولا سجاياه تهذّبني ... لما ظفرت بمعنًى من معانيه

стр. 630

مُحرّر المجد في مدحيك لخّص (١) لي ... هدايةً أرْشَدَت إرشاد تنبيه يا عمدة المُقْتدي حقًّا ومقنعه ... فيما يروم، وكافيه ومُغْنيه ويا نهاية طلّاب الرعاية من ... وسيط علم وخيرٍ أنت حاويه يا غُنية المبتغين الرّشْد مانحهم ... فتوحَ غيبٍ أتى من عند باريه أبديت تعجيز أهل النظم فاعترفوا ... بالعجز عن كُنه ما أصْبَحْت تُبديه (٢) لله كم مَيْتِ علمٍ أنت تنشره ... من بعد ما كادت الأيامُ تطويه وكم حصون ضلال أنت هادمها ... قهرًا، وكم قول غاوٍ أنت موهيه بَيّنتَ إفسادَ ما قد حللوه لهم ... تبيينَ تحريمٍ لا تبيينَ تنزيه من الدياثة (٣)، حيث الجُعْل يبذله الـ ... ـمسكين من كفِّه، كيما يكافيه وقمت بالحقّ في ذا العصر مجتهدًا ... في نَصْره مُبطلًا دعوى أعاديه يا حجةَ الله في هذا الزمان على الـ ... ـوجود ما بين قاصيه ودانيه يا من براه إلاه العرش داعية ... إلى الهدى بلطيف من تأتِّيه يا كاشف المشكلات المعضلات لنا ... بأبلجٍ مُستنيرٍ من فتاويه

стр. 631

يا مَن أبى مِقْوَلي إلا مدائحه ... ولو مدحت سواه كنت أعنيه ومن حداني إلى أني أخاطبه ... بالمدح، حتى كأني لا أناجيه إلا مخافة ذي جَهْل (١) وذي حسد ... يلحى، فيعرب عمّا فيه مِنْ فيه وإن تعرَّض ذو ضِغْن تلوتُ له ... «فذلكنّ الذي لُمتنّني فيه» تمت (٢). * * * * وله أيضًا يذكر ذلّ الخصوم ﵀: لئن نافقوه، وهو في السجن، وابتغوا ... رضاه، وأبدوا رِقَّةً، وتودّدا فلا غَرْو أن ذلّ الخصومُ لبأسه ... ولا عجبٌ إن هاب سَطْوته العِدا فمِن شيمة العضب المهنَّد أنه ... يُخاف ويُرجى، مغمدًا ومجرَّدا * * * * وله أيضًا فيه يمدحه رحمه الله تعالى: أيا مَن مناقبه فاخرهْ ... ويا مَن مواهبه غامره (٣) ويا من سحائب إفضاله ... بآمال آمالها ماطره ويا من له همة لم تزل ... بُنْجح مقاصده ظافره ويا مَن عزائمه لا تَنِي ... إلى درجات العُلا سائره

стр. 632

ويا ليث حرب إذا ما سطا ... تذلّ له الأُسُدُ الكاسره ويا طود حِلْم إذا ما جنى ... عليه امرؤ ينثني عاذره وإن نال منه بسوء المقالِ ... وقُبْح الفعال غدا غافره ويا بحر علم تكاد البحارُ ... تفيض بأمواجه الزاخره (١) ويا مَن أدِلَّته بالنصوص ... لأخصامه أبدًا قاهره ويا مَن براهين أقواله ... كشمس الضحى إذْ بدت سافره ويا مَن عوارف عرفانه ... تفوقُ على الأنجم الزاهره ويا مَن صوارمُ آرائه ... لأعناق أعدائه باتره ويا قدوةً يقتدي العارفون ... بنور هدايته الوافره ومَن قَصْده بهدى الطالبينَ ... يؤيّد باطنُه ظاهرَه ويا داعي الخلق في عصره ... إلى الحقّ بالحُجَج الباهره ويا مَن مكارمُ أخلاقه ... زكت بعناصره الطاهره ويا مَن بدائع أوصافه ... تُعين على مدحه شاعره وماذا عسى يَبْلغ المادحون ... من القول بالفِطَن القاصره (٢) ومجدك قد أعْجَز (٣) الواصفيـ ... ـن وصيَّر آذانهم حائره ولكنّ ذلك جهد المقِلّ ... فكن بالقبول له جابره

стр. 633

أيا مَن دعائي ويا مَن ولائي ... وفائح أثنيتي العاطره (١) لعلياء حضرته دائمًا ... تردّد واردة صادره لعمرك إن كان حظِّي غدًا ... مِنَ الله في داره الآخره كما هو عندك في هذه ... «فتلك إذًا كرَّة خاسره» * * * * وله أيضًا فيه يمدحه رحمه الله تعالى: اللهَ نشكُر مخلصين، ونحمد ... وله نعظِّم دائمًا، ونُوَحِّد وبفضله (٢) الضافي نلوذُ ونلتجي ... وإليه نسعى مُخبتين ونَحْفِد وبه نصول ونستعين على العِدى ... إذ لا سواه لنا إلاه نَعْبُد فله الثنا والمجد، إذ هو أهله ... وله الجلالة والبقاء السرمد مولًى حبانا في فتور زماننا ... بفتًى يثقِّف ديننا ويسدّد أعني تقيّ الدين، أكمل سيّد ... لدعائم الشرع الشريف يشيّد العالم الوَرِ ع المحقّق، والذي ... من دون رتبته السُّهى والفرقد من جاد بالنفس (٣) النفيسة منه في ... ذات الإلاه ولم يَرُعْه تهدّد

стр. 634

مَن لم يخف في الله لومةَ لائم ... كلّا، ولم يرجعه عنه مُفَنّد حَبر حباه الله ﷻ ... بصفات مجدٍ في عُلاه تخلّد هو بحر علم، طود حلم راسخ ... في الحقّ لا وانٍ ولا متردّد صدرٌ لديه تحبّب وتألّف ... للمؤمنين ورأفة وتودّد وكذاك فيه على المنافق غِلْظة ... وتمنّع، وتصَعّب، وتشَدّد هو قائم لله يهدي خلقَه ... أبدًا إلى سُبل النجاة ويرشد فلذاك أصبح للبريّة قدوةً ... في العصر إذ هو فيه قُطْب مفرد لك يا أبا العباس، أذْعَنَ فرقةٌ ... من قبل قد كانت لحقّك تجحَد ضاقت بهم سَعةُ الفضا مذ عاينوا ... لك كلّ يوم رفعة تتجدّد ورأوك ممتازًا بحسن مناقب ... ليست لغيرك في زمانك توجد فعراهم الحسدُ المضلّ فأصبحوا ... ولديهمُ منه المقيم المُقْعِد إن يحسدوك فغير بِدْعٍ منهمُ ... جَمُّ الفضائل لا محالة يُحْسَد راموا بلوغَ مقامك العالي، وما ... علموا بأنّك في المعالي أوحد فدعا بهم داعي قصورهم: اخْلُدوا ... ومع الخوالف ما حييتم فاقعدوا (١) لما نأت عَزَماتهم عن شأوك السْـ ... سَامي (٢)، وصُدّوا عن حِماهُ وأُبْعِدوا همّوا بأمر لم ينالوا منه ما ... طلبوا، لقد ضلوا ولمَّا يهتدوا ورموك بالإفك الفظيع، وأطنبوا ... بالقول فيما زوَّروا، وتقلّدوا

стр. 635

وبغوا عليك بما افتروه تعمّدًا ... وسجيّةُ الباغين أن يتعمّدوا لم يتركوا شيئًا به يتوصّلوا ... طَمَعًا إلى ما قرَّروه وأكَّدوا إلا نَحَوه، وبالغوا في جهدهم ... لكن سعدتَ وإنهم لن يسعدوا حتى إذا ما استيأسوا من نيل ما ... كانوا جميعًا حاولوا وتقصَّدوا خافوا سطاك فأجمعوا آراءهم ... أن يودعوك السّجن، ثم يخلِّدوا فابى إلاهك أن ينالوا منك ما ... راموا، وهل يزكو لباغٍ مقصد ما ذاك إلا حال يوسف حُزته ... إرثًا حباك به الكريم المرفد (١) فبلغتَ فيه من الرياضة فوق ما ... تختاره، وَصَفا لديك المورد ثم انقضت أيامُ خَلْوتك التي ... كَمُل العلاءُ بها وتمَّ السّؤدد وبرزتَ كالإبريز فارق كِيْرَه ... فاحتار فيه الجِهْبِذ المستنقد وظهرتَ كالصبح المنير إذا بدا ... في الأفق فانقشع الظلامُ الأسود وشُهرت كالعَضْب المجرّد مقسمًا ... في غير هامِ عِداته لا يغْمَد فهناك أُعْقِد للجدال مجالس ... كانوا أرادوا أنها لا تعْقَد فرأوا نكولًا عن جدالك خيفة (٢) ... وتذبْذَبتْ آراؤهم وتفنَّدوا حتى إذا أُمِروا بذاك وأيقنوا ... أنَّ الخميس، ولا خلاف الموعد حشدوا عليك جموعَهم وتحزَّبوا ... وتواثبوا وتحفَّلوا وتجرّدوا
следующие страницы →