← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الجزء الثالث

стр. 1052

- كتاب الاسْتِسْقَاءِ - بابَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ / ١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ زيد، قَالَ: (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَسْتَسْقِي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) . وترجم له: (باب الاستسقاء فى المصلى) ، وزاد فيه: (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، إلى المصلى يَسْتَسْقِي) . أجمع المسلمون على جواز الخروج إلى الاستسقاء والبروز إليه فى المصلى عند إمساك الغيث عنهم. واختلفوا فى الصلاة، فقال أبو حنيفة: يبرز المسلمون للدعاء والتضرع إلى الله فيما نزل بهم، وإن خطب مُذكر لهم ومخوف فحسن، ولم يعرف الصلاة فى الاستسقاء، واحتج بهذا الحديث الذى لا ذكر للصلاة فيه، وروى مغيرة عن إبراهيم: أنه خرج مرة للاستسقاء فلما فرغوا قاموا يصلون، فرجع إبراهيم ولم يصل. وقال سائر الفقهاء، وأبو يوسف ومحمد: إن صلاة الاستسقاء سنة ركعتان؛ لثبوت ذلك عن النبى، ﷺ ، وليس تقصير من قصر عنها بحجة على من ذكرها بل الذى رواها أولى؛ لأنها زيادة يجب قبولها. - باب دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ / ٢ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ

стр. 1053

الرَّكْعَةِ الأخِيرَة يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ) ، هَذَا كُلُّهُ فِي الصُّبْحِ. / ٣ - فيه: عَبْدِاللَّهِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، قَالَ: (اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ) ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الْجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (إِلَى قَوْلِهِ: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) [الدخان: ١٥، ١٦] ، فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ مَضَتِ الْبَطْشَةُ والدُّخَانُ، وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ. فيه: جواز الدعاء على الكفار بالجوع والجهد وغيره، قال المهلب: وإنما دعا عليهم بالسبع سنين، والله أعلم، إرادة أن يضعفهم بالجوع عن طغيانهم؛ فإن نفس الجائع أخشع لله وأقرب للانقياد والتذلل، فأجاب الله دعوته وأعلمه أنهم سيعودون بعد أن يرغبوا فى رد العذاب عنهم. وفيه: الدعاء على الظالم بالهلاك. وفيه: الدعاء لأسرى المؤمنين بالنجاة من أيدى العدو. وفيه: جواز الدعاء فى صلاة الفريضة بما ليس فى القرآن بخلاف

стр. 1054

الكوفيين، وذكر أبو الزناد فى حديث أبى هريرة أن ذلك كان فى صلاة الصبح. وقال المهلب: والدعاء على المشركين يختلف معناه، فإذا كانوا منتهكين لحرم الدين وحرم أهله، فالدعاء عليهم واجب، وعلى كل من سار بسيرهم من أهل المعاصى والانتهاك، فإن لم ينتهكوا حرمة الدين وأهله وجب أن يُدعَى لهم بالتوبة كما قال ﷺ ، حين سئل أن يدعوا على دوس فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم) ، وقيل: إنما يجب أن يكون الدعاء على أهل المعاصى فى حين انتهاكهم، وأما عند تركهم وإدبارهم عن الانتهاك فيجب أن يُدعى لهم بالتوبة، وروى أن أبا بكر الصديق وزوجته كانا يدعوان على عبد الرحمن ابنهما يوم بدر بالهلاك إذ حمل على المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة. وفى قوله: (غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله) ، الدعاء للمؤمنين بالمغفرة، تَفَاءَل لهما ﷺ ، من أسمائهما فَأْلا حسنًا، وكان يعجبه الفأل الحسن، وقال الخطابى: وقوله: (غفار غفر الله لها) ، فنرى، والله أعلم، إنما خصهم بالدعاء والمغفرة لمبادرتهم إلى الإسلام وبحسن بلائهم فيه، ودعا لأسلم؛ لأن إسلامهم كان سلمًا من غير حرب، ويقال: كان مع رسول الله ﷺ يوم حنين من أسلم أربعمائة ومن غفار مثلها. وقوله: (حَصَّت كل شىء) ، يعنى أذهبته قال صاحب (العين) ، يقال: الحصّ: السنة الجرداء، والحَصّ إذهاب الشعر، والبيضة

стр. 1055

تحصُّ رأس صاحبها، ومن أمثال العرب: (أفلت وانحصّ الذَنَبُ) ، يقال للذى تفلت من منتشب، وأصله الطائر يفلت من يد الإنسان فيبقى فى يديه من ريش ذنبه بقية. ٣ - باب سُؤَالِ النَّاسِ الإمَامَ الاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا / ٤ - فيه: ابْنَ عُمَرَ قَالَ: (رُبَّمَا ذَكَرْتُ شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ، ﷺ ، يَسْتَسْقِي: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ لك ميزاب) . / ٥ - وفيه: أَنَسِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا، فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. فيه: أن الخروج إلى الاستسقاء والاجتماع والبروز لا يكون إلا بإذن الإمام، وهذه سنن الأمم السالفة قال الله تعالى: (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه) [الأعراف: ١٦٠] ، وأما الدعاء فى أعقاب الصلوات فى الاستسقاء فجائز بغير إذن الإمام. قال المهلب: وموضع الترجمة من الحديث قول عمر:

стр. 1056

اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا وهو معنى قول أبى طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، وأما استسقاء عمر بالعباس، فإنما هو للرحم التى كانت بينه وبين النبى، ﷺ ، فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه، ويتوسل إلى من أمر بصلة الأرحام بما وصلوه من رحم العباس، وأن يجعلوا ذلك السبب إلى رحمة الله تعالى. والثمال: هو الذى يثمل القوم فيكفيهم أمرهم بإفضاله عليهم. ٤ - باب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ / ٦ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، اسْتَسْقَى وَقَلَبَ رِدَاءَهُ) . / ٧ - وقال مرة: (خَرَجَ النَّبِيَّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) . وكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: عَبْد اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هُوَ صَاحِبُ الأذَانِ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ؛ لأنَّ هَذَا هُوَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ، مَازِنُ الأنْصَارِ. وذهب مالك، والشافعى، وأحمد، وأبو ثور إلى أن الإمام يحول رداءه ويحول الناس أرديتهم بتحويله، وقال الليث، وأبو يوسف، ومحمد بن عبد الحكم يقلب الإمام وحده رداءه، وليس ذلك على من خلفه، وقال محمد بن عبد الحكم: ليس فى الحديث أن الناس حولوا أرديتهم، وكذلك روى عيسى، عن ابن وهب أنه كان لا يرى تحويل الرداء إلا على الإمام وحده.

стр. 1057

واحتج من قال: يحول الناس بتحويل الإمام بقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، فما فعل الإمام واجب على المأموم فعله. واختلفوا أيضًا فى صفة تحويله، فروى ابن القاسم عن مالك قال: يحول ما على اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين، وروى عنه ابن عبد الحكم: إذا فرغ من خطبته استقبل القبلة، وحول رداءه، ما على ظهره منه يلى السماء وما كان يلى السماء على ظهره، وبه قال أحمد، وأبو ثور، وقال الشافعى: ينكس أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه. والقول الأول أولى لأنه قد روى سفيان، عن المسعودى، عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عمه (أن النبى، ﷺ ، جعل اليمين على الشمال) ، ذكره البخارى، فى باب الاستسقاء فى المصلى بعد هذا. قال المهلب: وتحويل الرداء إنما هو على وجه التفاؤل بتحويل الحال عما هى عليه، والله أعلم، ألا ترى أن النبى، ﷺ ، كان يعجبه الفأل الحسن إذا سمع من القول، فكيف من الفعل؟ . وفيه: دليل على استعمال الفأل من الأمور، وإن لم يقع بالموافقة ووقع استعمالاً. وقوله: (صلى ركعتين) ، هو حجة جمهور أهل العلم أن السنة فى الاستسقاء أن يصلى ركعتين.

стр. 1058

٥ - باب الاسْتِسْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ / ٨ - فيه: أَنَسَ: أَنَّ رَجُلا دَخَلَ المسجد يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أن يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا، ثلاث مرات. . .) وذكر الحديث. وترجم له: (باب الاستسقاء فى خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة) ، وباب (الاستسقاء على المنبر) ، وباب (من اكتفى بصلاة الجمعة فى الاستسقاء) . فيه: الاكتفاء بالاستسقاء فى المسجد الجامع دون بروز إلى المصلى؛ لأن الله تعالى، أجاب دعوة نبيه ﷺ وسقاهم. وفيه: بركة دعائه ﷺ ، ولم يختلف العلماء أنه إذا استسقى فى خطبة الجمعة أنه لا يستقبل القبلة فى دعائه بالاستسقاء كما يصنع إذا ربز، ولا يحول رداءه فى خطبة الجمعة، وإنما ذلك من سُنَّة البروز إليها. وفيه: إن اجتزءوا بالاستسقاء فى كل جمعة فى المسجد الجامع جاز. وقد أجاز قوم الاستسقاء بغير صلاة، ذكره ابن المنذر عن قيس بن أبى حازم، وأبى حنيفة، قال: ورأى ذلك الشافعى، قال: وكان الثورى يكره ذلك. الإكام: الكُدى واحدتها أكمة، ويقال: آكام، وأكم عن

стр. 1059

الخليل، والظراب: الجبال الصغار واحدها ظرب عن أبى عبيد، وظرب عن الخليل، والقزع: سحاب صغار تتطاير فى السماء وهى من أحب السحاب إلى الناس، عن أبى حنيفة. و (سَلْع) جبل بقرب المدينة، بإسكان اللام. ٦ - باب الدُّعَاءِ إِذَا تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ / ٩ - فيه: أَنَسِ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبى، ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَأتْقَطَعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالآكَامِ، وَبُطُونِ الأوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ) . وترجم له: (باب الدعاء إذا كثر المطر: حوالينا ولا علينا) ، وزاد أنس هذا اللفظ فى حديثه. قال المؤلف: فيه الدعاء إلى الله فى الاستصحاء كما يُدعى فى الاستسقاء؛ لأن كل ذلك بلاء يُفزع إلى الله فى كشفه، وقد سمى الله كثرة المطر أذىً فقال: (إن كان بكم أذىً من مطر) [النساء: ١٠٢] ، ولا يحول الرداء فى الاستصحاء إذ لا بروز فيه ولا صلاة تفرد له،

стр. 1060

وإنما يكون الدعاء فى الاستصحاء فى خطبة الجمعة أو فى أوقات الصلوات وأدبارها. وفيه من الفقه: استعمال أدب النبى، ﷺ ، المهذب وخلقه العظيم؛ لأنه لم يدع الله ليرفع الغيث جملة لئلا يرد على الله فضله وبركته وما رغب إليه فيه، وسأله إياه فقال: (اللهم على رءوس الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) ؛ لأن المطر لا يضر نزوله فى هذه الأماكن وقال: (اللهم حوالينا ولا علينا) ، فيجب امتثال ذلك فى نعم الله إذا كثرت ألا يسأل أحد قطعها وصرفها عن العباد. وقوله: (فانجابت) ، تقول العرب: جبت القميص قوَّرت جيبه، عن ابن قتيبة، ومنه قوله تعالى: (جابوا الصخر بالواد) [الفجر: ٩] ، قطعوه ونقبوه ونحتوه، ومنه: جبت الرحى إذا نقبت وسطها مثل جيب القميص، فشبه انقطاع السحاب من المدينة بتدوير انجياب الثوب إذا قُوِّر جيبه وفتح. ٧ - باب مَا قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ / ١٠ - فيه: أَنَسِ أَنَّ رَجُلا شَكَا إِلَى رسول الله هَلاكَ الْمَالِ، وَجَهْدَ الْعِيَالِ، فَدَعَا اللَّهَ أن يَسْتَسْقِي، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَلا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.

стр. 1061

وقد تقدم أن تحويل الرداء واستقبال القبلة بالدعاء إنما يكون من سنة صلاة الاستسقاء إذا برز لها، وأما فى المساجد فلا يكون ذلك. ٨ - باب إِذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الإمَامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدَّهُمْ / ١١ - فيه: أَنَسِ: (أَنَّ رَجُلٌ جَاءَ إِلَى النبى، ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا اللَّهَ، فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. . .) الحديث. وفيه: أن على الإمام إذا سئل الخروج إلى الاستسقاء أن يجيب إلى ذلك، لما فيه من الضراعة إلى الله فى صلاح أحوال عباده وأن يأمرهم بالخروج من المظالم والتوبة من الذنوب، وإصلاح نياتهم، ويعظهم، وكذلك إذا سئل الإمام ما فيه صلاح أحوال الرعية أن يجيبهم إلى ذلك أيضًا؛ لأن الإمام راع ومسئول عن رعيته، فيلزمه حياطتهم وتشفيعهم فيما سألوه مما لا بد لهم منه، وكان ﷺ لا يرد من سأله حاجة. ٩ - باب إِذَا اسْتَشْفَعَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْقَحْطِ / ١٢ فيه: ابْنَ مَسْعُودٍ: (أَنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الإسْلامِ، فَدَعَا عَلَيْهِمُ ﷺ ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ، حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قد هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ فَقَرَأَ: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدخان: ١٠] ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) [الدخان: ١٦] يَوْمَ بَدْرٍ) .

стр. 1062

وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسُقُوا الْغَيْثَ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا، وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ، قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، فَانْحَدَرَ السَّحَابَ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ) . قال المهلب: استشفاع المشركين بالمسلمين جائز إذا رجى رجوعهم إلى الحق، وكانت هذه القصة والنبى، ﷺ ، بمكة قبل الهجرة. وفيه: دليل أن الإمام إذا طمع بدار من دور الحرب أن يسلم أهلها أن يرفق بهم، ويأخذ عفوهم، ويدعو لهم بالصلاح، ويكف عن ثمارهم وزروعهم، وأما إن يئس من إنابتهم فلا يدعو لهم؛ بل يدعو عليهم، ولا بأس حينئذ بقطع ثمارهم وزروعهم. وفيه: إقرار المشركين والمنافقين بفضل النبى، ﷺ ، وقرب مكانه من ربه، وأنه المستشفع عنده فيما سأله إياه، وأن تلك عادة من الله عَلِمُوها، ولولا ذلك ما لجئوا إليه فى كشف ضرهم عند إشرافهم على الهلكة، فسألوه أن يكون وسيلة إلى الله فى إزالة ضرهم، وذلك أدل الدليل على معرفتهم بصدقه، ولكن حملهم الحسد والأنفة على معاداته ومخالفته لما سبق فى أم الكتاب من كفرهم، أعاذنا الله من العناد، ومكابرة العيان. - باب الدُّعَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ قَائِمًا / ١٣ - فيه: عَبْدُاللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأنْصَارِيُّ: أنه خَرَجَ مَعَ الْبَرَاءُ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ عَلَى راحلته عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ، فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ

стр. 1063

يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ، وَلَمْ يُقِمْ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السبيعى: وَرَأَى عَبْدُاللَّهِ بْنُ يَزِيدَ النَّبِيَّ، ﷺ . / ١٤ - وفيه: عبد الله بن يزيد: (أَنَّ الرسول خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) . السنة فى الاستسقاء لمن برز إليها أن يدعو الله قائمًا؛ لأنه حال خشوع وإنابة وخضوع، وكذلك لا خلاف بين العلماء أنه لا أذان، ولا إقامة لصلاة الاستسقاء. - باب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ / ١٥ - فيه: عبد الله بن زيد: (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ نحو الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) . السنة المجتمع عليها الجهر بالقراءة فى صلاة الاستسقاء، وإنما اختلف فى قراءة صلاة الكسوف على ما يأتى بعد هذا فى موضعه، إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث يدل أن الخطبة فى الاستسقاء قبل الصلاة؛ لأنه قال فيه أنه استسقى وتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه وصلى ركعتين، و (ثُمَّ) ، للترتيب فى كلام العرب، ويدل أن الثانى بعد الأول. وممن روى عنه أن الخطبة قبل الصلاة فى ذلك عمر بن الخطاب،

стр. 1064

وابن الزبير، والبراء ابن عازب، وزيد بن أرقم، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول الليث. وقال مالك، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعى: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وحجتهم ما رواه أبو بكر بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد: (أن النبى، ﷺ ، خرج يستسقى فصلى ركعتين وقلب رداءه) ، ذكره البخارى فى باب الاستسقاء فى المصلى فذكر تقديم الصلاة على الخطبة، وفى هذا الحديث أبو بكر بن حزم، وهو أضبط للقصة من ابنه عبد الله الذى ذكر تقديم الخطبة قبل الصلاة. واحتجوا أيضًا بما رواه النعمان بن راشد، عن الزهرى، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، قال: (خرج النبى، ﷺ ، يستسقى فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا وصلى) ، والنعمان بن راشد، وإن كان كثير الوهم على الزهرى، فإن رواية أبى بكر بن حزم تشهد لحديثه بالصحة. واحتج الطحاوى لأصحابه فى ذلك فقال: لما اختلفت الآثار فى ذلك نظرنا فوجدنا الجمعة فيها خطبة، وهى قبل الصلاة، ورأينا العيدين فيها خطبة، وهى بعد الصلاة، فأردنا أن ننظر خطبة الاستسقاء بأى الخطبتين هى أشبه، فرأينا خطبة الجمعة فريضة وصلاة الجمعة بها مضمنة لا تجزئ إلا بها، ورأينا خطبة العيدين ليست كذلك؛ لأن صلاة العيدين تجزئ أيضًا وإن لم يكن معها خطبة، ثم رأينا صلاة الاستسقاء تجزىء أيضًا وإن لم يخطب، وإن كان قد أساء بترك الخطبة فيها، فكانت بحكم صلاة العيدين أشبه منها بخطبة الجمعة.

стр. 1065

- باب كَيْفَ حَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ ، ظَهْرَهُ لَلنَّاسِ / ١٦ - فيه: عبد الله بن زيد قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَوْمَ خَرَجَ ليَسْتَسْقِي، فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، يصَلَّى. . .) الحديث. وترجم له: (باب استقبال القبلة فى الاستسقاء) . / ١٧ - وزاد فيه: (أنه لما دعا أو أراد أن يدعو اسقبل القبلة وحول رداءه) . وسنة من برز إلى الاستسقاء أن يستقبل القبلة ببعض دعائه، وسنة من خطب الناس مُعَلِّمًا لهم وواعظًا أن يستقبلهم بوجهه أيضًا، ثم يعود عند دعاء الاستسقاء فيستقبل القبلة؛ لأن الدعاء مستقبل القبلة أفضل. وقوله: (لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه) ، فإن قول مالك وأصحابه اختلف فى وقت تحويل الإمام رداءه، فروى ابن القاسم، وابن عبد الحكم أنه يحول رداءه إذا فرغ من الخطبة، وروى عنه على بن زياد أنه يقلبه بين ظهرانى خطبته، وقال ابن الماجشون: يقلبه بعد صدر منها، وقال أصبغ: إذا أشرف على فراغ الخطبة قلب رداءه، وهذه الأقوال كلها خارجة من هذا الحديث من أصل شك المحدث فى تحويل الرداء إن كان بعد الدعاء أو قبله، وبالله التوفيق. قال الطحاوى: وقول عبد الله بن زيد أن النبى، ﷺ ، خرج يستسقى فاستقبل القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين، ولم يذكر فيه تكبيرًا كتكبير العيدين، وقول الشافعى: إن تكبير الاستسقاء كتكبير العيدين، واحتج بما رواه هشام بن إسحاق عن أبيه،

стр. 1066

عن ابن عباس: (أن النبى، ﷺ ، خرج فى الاستسقاء متذللا متواضعًا، ودعا وصلى ركعتين كما يصلى فى العيدين) ، قال الطحاوى: وهشام بن إسحاق، وأبوه غير مشهورين بالعلم ولا تثبت بروايتهما حجة. وقوله: (كصلاة العيدين) ، يحتمل أنه صلى ركعتين، فكان التشبيه واقعًا من جهة القَدْرِ لا من جهة التكبير كما قال تعالى: (ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) [الأنعام: ٣٨] ، ولم يكن المراد أنها أمم أمثالنا فى النطق والتعبد، وإنما أراد أمم كما نحن أمم. - باب الاسْتِسْقَاءِ فِي الْمُصَلَّى / ١٨ - فيه: سفيان، عن المسعودى، عن أبى بكر بن حزم، عن عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ: أَنَ النَّبِيُّ ﷺ ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَجَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ. هذا الحديث حجة لمالك ومن وافقه أن الصلاة فى الاستسقاء قبل الخطبة؛ لأنه ذكر فيه أنه صلى قبل قَلْبه رداءه، والعلماء لا يختلفون أن قلب الرداء إنما يكون فى الخطبة، فمنهم من قال بعد تمامها، ومنهم من قال بعد صدر منها، ومنهم من قال عند فراغها، على ما تقدم فى الباب قبل هذا، فإذا كانت الخطبة وقلب الرداء بعد الصلاة فهو الذى ذهب إليه مالك أن الصلاة قبل الخطبة، وهو نص هذا الحديث.

стр. 1067

وقوله: (ثم جعل اليمين على الشمال) ، قد تقدم ما للعلماء فيه فأغنى عن إعادته. قال المهلب: وفيه دليل على أن النبى، ﷺ ، كان يلبس الرداء على حسب لباسنا بالأندلس ولباس أهل مصر وبغداد، وهو غير الاشتمال به؛ لأنه ﷺ ، حول ما على يمينه على يساره، ولو كان لباسه اشتمالاً لما صحت العبارة عنه إلا بأن يقال قلب أسفله أعلاه، أو حل رداءه فقلبه، وهذا بَيِّن لا إشكال فيه. وفى المدونة: أنه لا يخرج إليها بمنبر، وقال أشهب فى المجموعة: واسع أن يخرج إليها بالمنبر أو لا يخرج. - باب رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الإمَامِ فِي الاسْتِسْقَاءِ / ١٩ - فيه: أَنَسَ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ، هَلَكَ الْعِيَالُ، هَلَكَ النَّاسُ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَ رسول الله يَدْعُونَ، قَالَ: فَمَا خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى كَانَتِ الْجُمُعَةُ الأخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى رسول اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَشِقَ الْمُسَافِرُ وَمُنِعَ الطَّرِيقُ) . وذكر بعد هذا حديث: / ٢٠ - أَنَس قال: (كان النَّبِيِّ ﷺ ، لا يرَفَعَ يَدَيْهِ فى شىءٍ من دعائه إلا فى الاستسقاء، وإنه يرفع يديه حَتَّى يرى بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) .

стр. 1068

وترجم له: (باب رفع الأيدى فى الاستسقاء) . قال المهلب: رفع اليدين فى الاستسقاء وغيره مستحب؛ لأنه خضوع وتذلل، وتضرع إلى الله تعالى، وروى عن النبى، ﷺ ، أنه قال: (إن الله حيى، يستحيى إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرًا) . وذكر ابن حبيب قال: كان مالك يرى رفع اليدين فى الاستسقاء للناس والإمام، وبطونهما إلى الأرض، وذلك العمل عند الاستكانة والخوف والتضرع وهو الرَّهَبُ، وأما الرغبة والمسألة فتبسط الأيدى، وهو الرَّغَبُ وهو معنى قول الله، تعالى: (ويدعوننا رغبًا ورهبًا) [الأنبياء: ٩٢] ، خوفًا وطمعًا، وروى عن مالك فى المجموعة أنه استحسن رفع الأيدى فى الاستسقاء والحجة له قول أنس: أن النبى ﷺ لم يكن يرفع يديه فى شىء من دعائه إلا فى الاستسقاء. وقال ابن القاسم فى (المدونة) : يرفع يديه فى الاستسقاء ومواضع الدعاء، ومن مواضع الدعاء: الصفا والمروة، وعند الجمرتين، وبعرفات، وبالمشعر الحرام رفعًا خفيفًا ولا يمد يديه رافعًا. وسيأتى اختلاف العلماء فى رفع اليدين فى الدعاء فى باب رفع الأيدى بالدعاء فى كتاب الدعاء، إن شاء الله تعالى. وذكر الرواة فى هذا الحديث: (بشق المسافر) ، بالباء ولم أجد له فى اللغة معنى، ووجدت له فى: (نوادر اللحيانى) : (نَشِقَ) بالنون وكسر الشين وارتبق وانربق، بمعنى نَشِبَ وعلى هذا يصح المعنى لقوله

стр. 1069

ومُنع الطريق، وقال كراع: نَشِقَ الصيد فى الحِبالة نشقَا: نَشِبَ وكذلك فراشة القفل، وأنشد ابن الأعرابى لبعض بنى نمير: وإن حبلا لم ينشقا فى حبالة وإن يرصدا يومًا يخب مرصداهما وقال المطرز: النشقة: حبالة الصائد، وقال أبو عبيد فى المصنف: الرِّبقة والنشقة: الحلقة التى تشد بها الغنم. - باب مَا يُقَالُ إِذَا مَطَرَتْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (كَصَيِّبٍ) [البقرة ١٩] الْمَطَرُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: صَابَ وَأَصَابَ يَصُوبُ. (١) / ٢١ - فيه: عَائِشَةَ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ، قَالَ: صَيِّبًا نَافِعًا) . فيه: الدعاء فى الازدياد من الخير والبركة فيه والنفع به، قال ابن عيينة: حفظناه سيبًا. وقال الخطابى: السَّيْب العطاء، والسِّيب مجرى الماء، والجمع سيوب، وقد ساب يسوب إذا جرى، فأما الصيّب فأصله من صاب يصوب، يقال: صاب المطر يصوب إذا نزل وقال الشاعر: تحدّر من جو السماء يَصُوب وقال المبرد: هو من صاب إذا قصد. وفى كتاب (الأفعال) : صاب صوبًا وصيبًا فأصاب مطره، ويقال: صاب الشىء: إذا نزل من علو إلى سفل، وصاب: إذا قصد.

стр. 1070

- باب مَنْ تَمَطَّرَ فِي الْمَطَرِ حَتَّى تَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ / ٢٢ - فيه: أَنَسُ: (قَدمَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، فَثَارَ السَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمُطِرْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ الأخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأعْرَابِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلا عَلَيْنَا) ، فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِيهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، إِلا تَفَرَّجَتْ، وصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلِ الْجَوْبَةِ، حَتَّى سَالَ الْوَادِي، وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا، قَالَ: فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ) . فيه: دليل أنه يستزاد من المطر، وإن كان نازلاً فى حين الاستزادة، وأن يصبر للبلل ولا ينكر وقعه فى الثياب وغيرها عند حاجة الناس إليه، وكذلك فى كل نعمة وفضل يستزاد الله منه ويسأل وإن كان فى حين الدعاء دَارا موجودًا. وفيه: بركة دعوة النبى، ﷺ . وتمطر للمطر معناه: تعرّض، وتفعل عند العرب تأتى بمعنى أخذك من الشىء بعضًا بعد بعض، نحو: تحسيت الحشاء وتنقصته الأيام. وقوله: (حتى صارت المدينة مثل الجوبة) ، قال ابن دريد: الجوبة الفجوة بين البيوت، والجوبة أيضًا قطعة من الفضاء سهلة بين أرضين غلاظ، فيحتمل أن يكون: حتى صارت فى مثل الشىء المنقطع من

стр. 1071

السحاب، والجواب: القطع والشق، فالمعنى أن السحاب ينقطع حول المدينة مستديرًا وأبيض ما عليها من السحاب وصار كالردع فى بياضه وانقطاعه على قول الخليل، وعلى قول ابن دريد: حتى انكشف عن المدينة وباينت الأرضين المجاورة، كمباينة الجوبة التى هى القطعة السهلة من الأرض لما حولها من الأرضين الغلاظ. وفى هذا الحديث: (وادى قناة) ، على الإضافة غير مصروف؛ لأنه معرفة، وقد تقدم فى كتاب الجمعة: (حتى سال الوادى قناة) ، على البدل غير مصروف أيضًا؛ لأنه بدل من معرفة. والجود: المطر الغزير. - باب إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ / ٢٣ - فيه: أَنَسَ قال: كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ، ﷺ . وقال المهلب: كان ﷺ ، يخشى أن تصيبهم عقوبة ذنوب العامة كما أصاب الذين قالوا: (هذا عارض ممطرنا) [الأحقاف: ٢٤] . وفيه: تذكر ما نسى الناس من عذاب الله للأمم الخالية، والتحذير من طريقهم فى العصيان خشية نزول ما حلّ بهم، قال الله

стр. 1072

تعالى: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون (إلى) الخاسرون) [الأعراف: ٩٧ - ٩٩] . - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، نُصِرْتُ بِالصَّبَا / ٢٤ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ﷺ : (نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ) . الصَّبا: هى الريح الشرقية، وهى القبول أيضًا، والريح الدبور: هى الغربية. وفيه: تفضيل المخلوقات بعضها على بعض. وفيه: إخبار المرء عن نفسه بما خصه الله به على جهة التحدث بنعمة الله، والاعترافات بها والشكر له لا على الفخر. وفيه: الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها. - باب مَا قِيلَ فِي الزَّلازِلِ وَالآيَاتِ / ٢٥ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ ﷺ : (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهُوَ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ) . / ٢٦ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا، قَالَ: هُنَاكَ الزَّلازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) .

стр. 1073

قال المهلب: ظهور الزلازل والآيات أيضًا وعيد من الله تعالى لأهل الأرض، قال تعالى: (وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا) [الإسراء: ٥٩] ، وكذلك قال ﷺ فى الرعد: (إنه وعيد شديد لأهل الأرض) ، والتخويف والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة بالمعاصى والإعلان بها؛ ألا ترى قول عمر حين زلزلت المدينة فى أيامه: يا أهل المدينة، ما أسرع ما أحدثتم، والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم. فخشى أن تصيبه العقوبة معهم، كما قالت عائشة: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث وإذا هلكت العامة بذنوب الخاصة بعض الله الصالحين على نياتهم) . قال ابن المنذر: اختلفوا فى الصلاة عند الزلزلة وسائر الآيات، فقالت طائفة: يصلى عندها كما يصلى عند الكسوف استدلالاً بقوله ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ، وكذلك الزلزلة والهادّ وما أشبه ذلك من آيات الله، وروينا عن ابن عباس أنه صلى فى الزلزلة بالبصرة، وقال ابن مسعود: (إذا سمعتم هادًا من السماء فافزعوا إلى الصلاة) ، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبى ثور. وكان مالك، والشافعى، لا يريان ذلك. وقال الكوفيون: الصلاة فى ذلك حسنة، يعنى فى الظلمة والريح الشديدة. قال المؤلف: وقوله فى هذا الحديث: (فإذا رأيتم شيئًا من ذلك) ، تضم الزلازل وجميع الآيات، فهو حجة لمن رأى الصلاة عند جميعها، وحجة مالك والشافعى، قوله ﷺ : (فإذا رأيتموهما

стр. 1074

فصلوا) ، يعنى الشمس والقمر المذكورين فى أول الكلام وهما اللذان صلى فيهما ﷺ ، ونقل ذلك من فعله. وأما سائر الحديث فهى أشراط الساعة وعلاماتها، ونحن فى ذلك؛ قد قبض العلم وظهرت الفتن وعمت وطبقت وكثر الهرج وهو القتل، وكثر المال ولاسيما عند أراذل الناس كما جاء فى الحديث عند تقارب الزمان: (يكون أسعد الناس فى الدنيا لكع بن لكع، ويتطاول رعاة الإبل البهم فى البنيان) ، وقد شاهدناه عيانًا، أعاذنا الله من شر المنقلب وختم أعمالنا بالسعادة والنجاة من الفتن، وسيأتى تفسير قوله: (ويتقارب الزمان) ، فى كتاب الفتن، فى باب: ظهور الفتن، فهو موضعه إن شاء الله تعالى. قال أبو الحسن بن القابسى: سقط من حديث ابن عمر (عن النبى، ﷺ ) وهو لفظه ﷺ ؛ لأن مثل ذلك لا يدرك بالرأى. وقال المهلب: إنما ترك الدعاء لأهل المشرق، والله أعلم، ليضعفوا عن الشَّرِّ الذى هو موضوع فى جهتهم ولاستيلاء الشيطان بالفتن فيها، كما دعا على أهل مكة بسبع كسبع يوسف ليؤدبهم بذلك، وكذلك دعا أن تنقل الحمى إلى الجحفة، وذلك والله أعلم، لما رآه من أرداف السوداء فى المنام فتأول أنهم أحق بمثل هذا البلاء ليضعفوا عما كانوا عليه من أذى للناس.

стр. 1075

وقرن الشيطان: أمته وحزبه، وروى معتمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن كعب، قال: يخرج الدجال من العراق، وقال: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: يخرج الدجال من كور من الكوفة. - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة ٨٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ. / ٢٧ - فيه: زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ﷺ ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) ، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا، وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) . قال المهلب: تعليق الترجمة بهذا الحديث هو أنهم كانوا ينسبون الأفعال إلى غير الله، فيظنون أن النجوم تمطرهم وترزقهم، فهذا تكذيبهم، فنهاهم الله عن نسبة الغيوث التى جعلها الله حياةً لعباده وبلاده إلى الأنواء، وأمرهم أن ينسبوا ذلك إليه؛ لأنه من نعمته وتفضله عليهم، وأن يفردوه بالشكر على ذلك والحمد على تفضله. قال الطبرى: فإن قال قائل: إن كان كما وصفت من نهى الله ورسوله عن نسبة الغيوث إلى الأنواء، فما أنت قائل فيما

стр. 1076

روى عن عمر بن الخطاب، أنه حين استسقى قال للعباس: يا عم كم بقى من نوء الثريا، فقال العلماء: يزعمون أنها تعترض فى الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال: فما مضت سابعة حتى مطروا. قيل: إن ذلك من عمر لم يكن على المعنى المنهى عنه، وذلك أن المعنى المنهى عنه إضافة ذلك إلى أنه من فعل النوء لا من فعل الله، فكان ذلك منهم بالله كفرًا، وأما ما كان من عمر، فإنه كان منه أنه من قبل الله تعالى، عند نوء النجوم كما يقول القائل: إذا كان الصيف كان الحر، وإذا كان الشتاء كان البرد، لا على أن الشتاء والصيف يفعل شيئًا من ذلك؛ بل الذى يأتى بالشتاء والصيف والحر والبرد: الله خالق كل ذلك، ولكن ذلك من الناس على ما جرت عادتهم فيه، وتعارفوا معانى ذلك فى خطابهم ومرادهم، لا على أن النجوم تُحدث نفعًا أو ضرًا بغير إذن الله لها بذلك. قال الطبرى: فإن قال قائل: كيف يكون الرزق بمعنى الشكر؟ . قيل: لذلك مخارج فى اللغة عند العرب: أحدها: أن يراد به: وتجعلون ما جعله الله سببًا لرزقكم من الغيوث أنكم تكذبون به، ثم ترك ذكر السبب، وأقيم الرزق مكانه إِذْ كان مؤديًا عنه كما قال تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) [آل عمران: ١٧٥] ، بمعنى يخوفكم بأوليائه؛ إذ كان معلومًا أنه لا يخوف من كان له وليًا، وإنما يخوف من كان له عدوًا فاكتفى بذكر أوليائه. والثانى: أن يكون المراد وتجعلون رِزْقكم الذى رَزَقكم من الغيث الذى به حياتكم ووجب به عليكم شكر ربكم تكذيبكم به، فاكتفى

стр. 1077

بذكر الرزق من ذكر الشكر؛ إذ كان معلومًا أن من رزق إنسانًا، فقد اصطنع إليه معروفًا يستوجب به الشكر. والثالث: أن يكون الرزق اسمًا من أسماء الشكر، وحُدِّثْتُ عن الهيثم بن عدى أنه قال: من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان فلانًا بمعنى ما شكر. - باب لا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلا اللَّهُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللَّهُ) . / ٢٨ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ ﷺ : (مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، لا يَعْلَمُهَن إِلا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأرْحَامِ، وَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلاَ يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ) . قوله ﷺ : (لا يدرى أحد متى يجىء المطر) ، يدل على صحة التأويل المتقدم فى الباب قبل هذا أن نسبة الغيث إلى الأنواء كفر؛ لأن النبى قد أخبر أنه لا يدرى متى يجىء المطر إلا الله، ولو كان الغيث من قِبَل الأنواء لعُلم متى يجىء المطر على ما رسمهُ أهل الجاهلية فى الأنواء، وقد وجدنا خلاف رسمهم فى ذلك بالمشاهدة، وذلك أنه من فعل الله وحده لا شريك له، ومصداق هذا الحديث فى قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) [لقمان: ٣٤] ، الآية وهذه الآية مع هذا الحديث تبطل تخرص المنجمين فى تعاطيهم علم الغيب، فمن ادعى علم ما أخبر الله ورسوله أن الله منفرد بعلمه، وأنه لا يعلمه سواه فقد كذب الله ورسوله، وذلك كُفر من قائله.

стр. 1078

- باب الصلاة فى كسوف الشمس / ٢٩ فيه: أَبُو بَكْرَة، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النّبِىّ، ﷺ ، فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ رسُول اللَّه ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُا، فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ) . وروى أبو مسعود مثل معناه، ورواه ابن عمر، المغيرة بن شعبة، عن النبى، ﷺ ، وقالا: (لموت أحد ولا لحياته) ، وقال المغيرة فى حديثه: (كسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموته) . سُنَّة صلاة الكسوف أن تُصلى ركعتين فى جماعة، هذا قول جمهور العلماء إلا أن فى حديث عائشة وغيرها: فى كل ركعة ركوعان، وهى زيادة يجب قبولها. وخالف ذلك الكوفيون وقالوا: إنها ركعتان كصلاة الصبح، وظاهر حديث أبى بكرة حجة للكوفيين؛ لأنه حديث مجمل لا ذكر فيه لصفة الصلاة، وإنما قال فيه عن النبى، ﷺ : (فصلى بنا ركعتين) . وفيه: أنه ينبغى أن تطول صلاة الكسوف إلى أن تنجلى الشمس،

стр. 1079

فإن ظن الناس أنه قد قرب انجلاؤها لم يكن عليهم أن يزيدوا ركعتين أخريين، وعليهم الدعاء والتضرع إلى الله حتى تنجلى. وقد استدل قوم من العلماء بقوله ﷺ : (إذا رأيتموها فصلوا، وادعوا حتى يكشف ما بكم) ، على أنه لا ينبغى أن تقطع صلاة الكسوف حتى تنجلى الشمس. قال الطحاوى: فيقال لهم: قد جاء فى هذا الحديث (فصلوا وادعوا حتى تنجلى الشمس) ، ذكره البخارى فى باب الدعاء فى الكسوف من حديث المغيرة بن شعبة، وروى أبو موسى عن النبى، ﷺ : (وإذا رأيتم شيئًا من ذلك، فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره) ، ذكره البخارى فى باب الذكر فى الكسوف، قال: فأمر رسول الله ﷺ بالدعاء عندهما والاستغفار كما أمر بالصلاة، فدل ذلك أنه لم يرد منهم عند الكسوف الصلاة خاصة، ولكن أريد منهم ما يتقربون به إلى الله من الصلاة والدعاء والاستغفار وغيره. وقد اختلف بعض أصحاب مالك إن تجلت الشمس قبل فراغ الصلاة، فقال أصبغ فى (العتبية) : يتمها على ما بقى من سنتها حتى يفرغ منها ولا ينصرف إلا على شفع، وقال سحنون: يصلى ركعة واحدة وسجدتين، ثم ينصرف ولا يصلى باقى الصلاة على سنة الخوف. وقوله فى حديث أبى بكرة: (فقام النبى يجر رداءه) ، فيه ما كان عليه النبى ﷺ من الخوف لله، والبدار إلى طاعته، ألا ترى أنه

стр. 1080

قام إلى الصلاة فزعًا وجرَّ رداءه شغلاً بما نزل، وهذا يدل أن جرّ الثوب لا يذم إلا ممن قصد ذلك واعتمده. وفيه: إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتقادهم أن الشمس تنكسف لموت الرجل من عظمائهم، فأعلمهم ﷺ ، أنها لا تنكسف لموت أحد، ولا لحياته وإنما هو تخويف وتحذير. وفيه: رد على من زعم أن النجوم تسقط عند موت أحدٍ. - باب الصدقة فى الكسوف / ٣٠ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كسفت الشَّمْسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا) ، ثُمَّ قَالَ: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِىَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِىَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا، وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) . فيه: أن الإمام يلزمه عند الآيات موعظته للناس ويأمرهم بأعمال البر وينهاهم عن المعاصى، ويذكرهم نقمات الله. وفيه: أن الصدقة والصلاة والاستغفار تكشف النقم، وترفع العذاب، ألا ترى قوله ﷺ ، للنساء: (تصدقن فإنى رأيتكن أكثر أهل النار) . قال المهلب: وفيه دليل أن أكثر ما تهدد ﷺ ، فى ذلك الوقت بالكسوف إنما كان من أجل الغِنَاء، وذلك عظيم فى عهد النبوة

стр. 1081

وطراوة الشريعة، فلذلك قال ﷺ ، هذا القول فى قوله: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا) ، دليل على أنهم كانوا مقبلين على اللهو واللعب، وكذلك كانت عادة الأنصار قديمًا يحبون الغناء واللهو والضحك؛ ألا ترى قول النبى، ﷺ ، لعائشة فى إقبالها من عرس: (هل كان عندكم لهو، فإن الأنصار تحب اللهو) ، فدل هذا أن اتباع اللهو من الذنوب التى يتوعد عليها بالآيات، يشهد لذلك حديث المعازف والقيان. - باب النداء بالصلاة جامعة فى الكسوف / ٣١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عمر، لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النّبِىّ ﷺ نُودِىَ: إِنَّ الصَّلاةَ جَامِعَةٌ. فيه: أن صلاة الكسوف لا أذان لها ولا إقامة، وإنما ينادى لها بالصلاة جامعة عند باب المسجد، وكذلك سائر الصلوات المسنونات لا أذان لها ولا إقامة، وإنما ينادى لها: الصلاة جامعة عند باب المسجد ولا خلاف فى ذلك بين العلماء. - باب خطبة الإمام فى الكسوف وقالت عائشة وأسماء: خطب النّبِىّ ﷺ . / ٣٢ - فيه: عَائِشَةَ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: (هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ. . . .) الحديث.

стр. 1082

اختلف العلماء فى الكسوف هل فيه خطبة أم لا، فقال الشافعى، وإسحاق، والطبرى: يخطب بعد الصلاة فى الكسوف كالعيدين والاستسقاء، واحتجوا بهذا الحديث. وقال مالك والكوفيون: لا خطبة فى كسوف الشمس، واحتجوا فى ذلك بأن رسول الله ﷺ إنما خطب الناس؛ لأنهم قالوا: إن الشمس والقمر كسفت لموت أحدهم، وهو ابن النبى، ﷺ ، فعرفهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وأمرهم بالصلاة والدعاء والصدقة. وقال القاضى أبو الطيب: إن قال قائل: أليس رؤية الأهلة، وحدوث الحر والبرد، وكل ما قد أجرى الله العادة بحدوثه على وتيرة واحدة آيات، فما معنى قوله ﷺ : (إنهما آيتان من آيات الله) ، وأمر بالصلاة والذكر، ولم يقل إن طلوع الشمس والقمر وحدوث الحر والبرد آية من آيات الله؟ . فالجواب: أن كل هذه الحوادث آيات الله تعالى، ودلالة على وجوده وقدمه، غير أن النبى، ﷺ ، إنما خص كسوفهما بأنهما آيتان لإخباره لهم عن ربه أن القيامة تقوم وهما منكسفان وذاهبا النور، فلما أعلمهم ذلك أمرهم عند رؤية الكسوف بالصلاة والتوبة والإقلاع والشروع فى صالح الأعمال؛ خوفًا من أن يكون الكسوف لقيام الساعة، ليعدوا لها، فهذا تأويل كونهما آيتان. قال المهلب: وكان هذا قبل أن يعلمه الله بأشراط الساعة، فإن أشراطها كثيرة، وسيأتى ذكرها فى كتاب الفتن.

стр. 1083

- باب هَلْ يَقُالُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوْ خَسَفَتْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) [القيامة: ٨] / ٣٣ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النّبِىّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ. . .) الحديث. إنما أراد بهذا الباب رد قول من زعم من العلماء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر لقوله تعالى: (وخسف القمر) [القيامة: ٨] ، روى ذلك عن عروة بن الزبير، وفى الآثار الثابتة الكسوف والخسوف مقولان فى الشمس والقمر أنهما: (آيتان من آيات الله لا يخسفان. . .) ، الحديث. وروى ابن عباس، وابن عمر، وأبو بكرة مثل ذلك فى حديثهم عن النبى، وروى (لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) ، عن النبى: المغيرةُ بن شعبة، وأبو مسعود الأنصارى، ورواية عن أبى بكر فلا معنى لإنكار شىء من ذلك. - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : (يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ ، قَالَه أَبُو مُوسَى: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . / ٣٤ - فيه: أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ يُخَوِّفُ بِهِمَا الله عِبَادَهُ) . قال المهلب: مصداق هذا الحديث فى قول الله تعالى:

стр. 1084

) وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا) [الإسراء: ٥٩] ، يدل ذلك أن الآيات تحذير للعباد، فينبغى عند نزولها مبادرة الصلاة والخشوع والإخلاص لله، واستشعار التوبة والإقلاع عن المعاصى، ألا ترى أنه ﷺ ، عُرض عليه فى مقامه الجنة والنار؛ ليتوعد بالنار أهل المعاصى، ويشوق بالجنة أهل الطاعة، وأخبرهم أن الكسوف ليس كما زعم الجهال أنه من أجل موت ابنه إبراهيم، وإنما هو تخويف وتحذير. - باب التعوذ من عذاب القبر فى الكسوف / ٣٥ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِى قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ بَيْنَ ظَهْرَانَىِ الْحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّى. . . . .، فذكر صلاة الكسوف، ثم انْصَرَفَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ: (أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) . وترجم له: (باب صلاة الكسوف بالمسجد) . قوله: (فرجع ضحى، فمر بين ظهرانى الحُجَر ثم قام يصلى) ، فإن العلماء اختلفوا فى وقتها، فقال مالك فى المدونة: إنها إنما تصلى ضحوة النهار، ولا تصلى بعد الزوال، وروى على بن زياد، عنه: لا تصلى بعد العصر، ولكن يجتمع الناس فيدعون ويتصدقون ويرغبون، وروى عنه ابن وهب أنها تصلى فى وقت

стр. 1085

صلاة، وإن كان بعد الزوال، وقال ابن حبيب: وهكذا أخبرنى ابن الماجشون، ومطرف، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وأنكروا رواية ابن القاسم، وبهذا قال الكوفيون: لا تصلى فى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها لورود النهى بذلك وتصلى فى سائر الأوقات، وهو قول ابن أبى مليكة، وعطاء، وجماعة. وقال الشافعى: تصلى فى كل وقت نصف النهار وبعد العصر، وبعد الصبح، وهو قول أبى ثور، وقالوا: نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الصبح والعصر إنما هو عن النافلة المبتدأة لا عن المكتوبات والمسنونات. وعند أهل المقالة الأولى النهى عن الصلاة المسنونة كنهيه عن النافلة المبتدأة. وفيه: أن عذاب القبر حق، وأهل السنة مجمعون على الإيمان به والتصديق، ولا ينكره إلا مبتدع. وأما صلاة الكسوف فى المسجد فهو الذى عليه العلماء، وذكر ابن حبيب أن للإمام إن شاء أن يصليها فى المسجد تحت سقفه أو فى صحنه، وإن شاء خارجًا فى البراز، وقاله أصبغ. - باب طول السجود فى الكسوف / ٣٦ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِىَ إِنَّ الصَّلاةَ جَامِعَةٌ، فَرَكَعَ النَّبِىُّ، ﷺ ، رَكْعَتَيْنِ فِى سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِى سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ. . . .) الحديث.

стр. 1086

قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا. اختلف العلماء فى هيئة السجود فى الكسوف، ففى (المدونة) لابن القاسم: أحب إلىّ أن يطيل السجود، وهو قول جماعة من أهل الحديث، روى ذلك عن ابن عمر. وفى (مختصر ابن عبد الحكم) : ليس عليه أن يطيل السجود، ويسجد سجدتين تامتين، وهو قول الشافعى، وأحمد بن حنبل. وقول عائشة: (ما سجدت سجودًا قط كان أطول منها) ، حجة لمن رأى تطويل السجود. وقوله: (ركعتين فى سجدة) ، يريد ركعتين فى ركعة، وقد يعبر بالسجود عن الركعة. ٣٠ - باب صَلاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ فِى صُفَّةِ زَمْزَمَ، وَجَمَعَ عَلِىُّ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ جَمَاعَةَ. / ٣٧ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا، نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ

стр. 1087

الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِى مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، فَقَالَ ﷺ : (إِنِّى رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، ورَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَنْظُر مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ. . . .) ، الحديث. سنة صلاة الكسوف أن تصلى جماعة فى المسجد كما فعل ﷺ ، وإن تخلف الإمام عنها فليقدموا من يجمع بهم، هذا قول مالك، والشافعى، وأحمد، وأبى ثور، وقد صلى عبد الرحمن بن أبى ليلى، وسليمان التيمى كل واحد منهم بأصحابه. وفى (المدونة) : يصليها أهل القرى والمسافرون بإمام إلا أن يعجل بالمسافرين السير ويصليها المسافر وحده، وتصليها المرأة فى بيتها. وقال أشهب: ومن لم يقدر أن يصليها مع الإمام من النساء والضعفاء، فإنهم يصلونها أفذاذًا أو بإمام. وكره أبو حنيفة، والثورى أن يجمع النساء، وقالا: يصلين وحدانًا، ولا يجمعهن فيها رجل، وقول من استحب الجماعة فيها للنساء وغيرهن أولى؛ لأن سنتها الجماعة لكل من صلاها فكذلك النساء. واختلفوا فى صفة صلاة الكسوف، فقال مالك، والشافعى، وأحمد، وأبو ثور: تصلى ركعتين فى ركعة على حديث ابن عباس، وعائشة، وعبد الله بن عمر.

стр. 1088

وقال أبو حنيفة، وأصحابه: تصلى ركعتين كسائر النوافل، إن شاء أطال القراءة، وإن شاء قصرها، واحتج بحديث أبى بكرة. وقد رويت فى صلاة الكسوف أحاديث مختلفة، فقال بها قوم من الفقهاء، وزعم بعضهم أن القول بها كلها جائز؛ لأن النبى، ﷺ ، صلى الكسوف مرات كثيرة وخَيَّر أُمته فى العمل بأى ذلك شاءوا، منها أنه ﷺ ، صلى ثلاث ركعات فى ركعة، ومنها أربع ركعات فى ركعة، ومنها خمس ركعات فى ركعة، ومنها ست ركعات فى ركعة، ومنها ثمان ركعات فى ركعة، قالوا: لأنه ﷺ ، كان يزيد فى الركوع إذا لم ير الشمس تنجلى، فإذا انجلت سجد، فمن هاهنا زيادة الركعات. فيقال لهم: أكثر تلك الأحاديث ضعاف، وأصح ما فى أحاديث صلاة الخسوف ما ذكره البخارى، وما رواه فى موطئه، وبه قال أهل المدينة عملاً، قرنًا بعد قرن. واحتج الطحاوى لأصحابه فقال: رأينا سائر الصلوات من التطوع والمكتوبات مع كل ركعة سجدتان، فالنظر على ذلك أن تكون هذه الصلاة كذلك. قال ابن القصار: فالجواب أن الصلوات قد خُصت بهيئات وصفات تفارق سائرها، كصلاة الخوف والعيدين والجنازة، فصلاة الخوف يجوز فيها زيادة الأفعال من الذهاب والمجىء واستدبار القبلة والقتال، وصلاة العيدين زيد فيها التكبير، وصلاة الجنازة حذف منها الركوع والسجود، ولم يكن هذا إلا لورود الشرع به، فكذلك

стр. 1089

صلاة الكسوف زيد فى كل ركعة ركوع آخر، لورود الشرع به، ولا مدخل للنظر فى ذلك. وقوله: (فيقرأ نحوًا من سورة البقرة) يدل أن القراءة فى صلاة الكسوف سر، ولو كانت جهرًا ما قال: نحوًا من سورة البقرة، وبالسر فيها قال مالك، والكوفيون، والشافعى، وسيأتى ذلك فى موضعه، إن شاء الله تعالى. قوله ﷺ : (إنى رأيت الجنة والنار) ، فيحتمل أن يمثلا له، فينظر إليهما بعينيه كما مُثل له بيت المقدس حين كذبه الكفار فى الإسراء، فنظر إليه فجعل يخبرهم عنه، قال مجاهد فى قوله تعالى: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض) [الأنعام: ٧٥] ، قال: فُرجت له السموات حتى نظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن. وقوله: (فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا) ، فإن العرب تقول فى لو: أنها تجىء لامتناع الشىء لامتناع غيره، كقوله ﷺ : (لو كان بعدى نبى لكان عمر) ، ولا سبيل أن يكون بعده نبى كما لا سبيل أن يكون عمر نبيًا. ولو يأخذه ﷺ ، ولم يأكل منه فى الدنيا؛ لأن طعام الجنة باق أبدًا لا يفنى، ولا يجوز أن يكون شىء من دار البقاء فى دار الفناء، وقد قدر الله أن رزق الدنيا لا ينال إلا بالتعب فيه والنصب، ولا يبدل القول لديه، وأيضًا فإن طعام الجنة إنما شوق الله إليه عباده، ووعدهم نيله جزاءً لأعمالهم الصالحة، والدنيا ليست بدار جزاء، ولذلك لم يصح لهم فى الدنيا أخذه.

стр. 1090

٣١ - باب صلاة النساء مع الرجال فى الكسوف / ٣٨ - فيه: أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِىَ قَائِمَةٌ تُصَلِّى، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ، أَىْ نَعَمْ، قَالَتْ: فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلانِى الْغَشْىُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِى الْمَاءَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ شَىْءٍ لَمْ أَرَهُ إِلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِى مَقَامِى هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) - لا أَدْرِى أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ - لا أَدْرِى أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُومنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ - لا أَدْرِى أَيَّهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لا أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ. فيه من الفقه: حضور النساء صلاة الكسوف مع الجماعة فى المساجد، ورخص مالك، والكوفيون للعجائز فى ذلك وكرهه للشابة، وقال الشافعى: لا أكره لمن لا هيئة لها بارعة من النساء ولا للصبية شهود صلاة الكسوف مع الإمام، بل أحبه لهن، وأحب لذات الهيئة أن تصليها فى بيتها، ورأى إسحاق أن يخرجن شبابًا كن أو عجائز، وإن كن حيضًا وتعتزل الحيض المسجد ويقربن منه.
следующие страницы →