← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا. اختلف العلماء فى هيئة السجود فى الكسوف، ففى (المدونة) لابن القاسم: أحب إلىّ أن يطيل السجود، وهو قول جماعة من أهل الحديث، روى ذلك عن ابن عمر. وفى (مختصر ابن عبد الحكم) : ليس عليه أن يطيل السجود، ويسجد سجدتين تامتين، وهو قول الشافعى، وأحمد بن حنبل. وقول عائشة: (ما سجدت سجودًا قط كان أطول منها) ، حجة لمن رأى تطويل السجود. وقوله: (ركعتين فى سجدة) ، يريد ركعتين فى ركعة، وقد يعبر بالسجود عن الركعة. ٣٠ - باب صَلاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ فِى صُفَّةِ زَمْزَمَ، وَجَمَعَ عَلِىُّ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ جَمَاعَةَ. / ٣٧ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا، نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ

стр. 1087

الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِى مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، فَقَالَ ﷺ : (إِنِّى رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، ورَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَنْظُر مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ. . . .) ، الحديث. سنة صلاة الكسوف أن تصلى جماعة فى المسجد كما فعل ﷺ ، وإن تخلف الإمام عنها فليقدموا من يجمع بهم، هذا قول مالك، والشافعى، وأحمد، وأبى ثور، وقد صلى عبد الرحمن بن أبى ليلى، وسليمان التيمى كل واحد منهم بأصحابه. وفى (المدونة) : يصليها أهل القرى والمسافرون بإمام إلا أن يعجل بالمسافرين السير ويصليها المسافر وحده، وتصليها المرأة فى بيتها. وقال أشهب: ومن لم يقدر أن يصليها مع الإمام من النساء والضعفاء، فإنهم يصلونها أفذاذًا أو بإمام. وكره أبو حنيفة، والثورى أن يجمع النساء، وقالا: يصلين وحدانًا، ولا يجمعهن فيها رجل، وقول من استحب الجماعة فيها للنساء وغيرهن أولى؛ لأن سنتها الجماعة لكل من صلاها فكذلك النساء. واختلفوا فى صفة صلاة الكسوف، فقال مالك، والشافعى، وأحمد، وأبو ثور: تصلى ركعتين فى ركعة على حديث ابن عباس، وعائشة، وعبد الله بن عمر.

стр. 1088

وقال أبو حنيفة، وأصحابه: تصلى ركعتين كسائر النوافل، إن شاء أطال القراءة، وإن شاء قصرها، واحتج بحديث أبى بكرة. وقد رويت فى صلاة الكسوف أحاديث مختلفة، فقال بها قوم من الفقهاء، وزعم بعضهم أن القول بها كلها جائز؛ لأن النبى، ﷺ ، صلى الكسوف مرات كثيرة وخَيَّر أُمته فى العمل بأى ذلك شاءوا، منها أنه ﷺ ، صلى ثلاث ركعات فى ركعة، ومنها أربع ركعات فى ركعة، ومنها خمس ركعات فى ركعة، ومنها ست ركعات فى ركعة، ومنها ثمان ركعات فى ركعة، قالوا: لأنه ﷺ ، كان يزيد فى الركوع إذا لم ير الشمس تنجلى، فإذا انجلت سجد، فمن هاهنا زيادة الركعات. فيقال لهم: أكثر تلك الأحاديث ضعاف، وأصح ما فى أحاديث صلاة الخسوف ما ذكره البخارى، وما رواه فى موطئه، وبه قال أهل المدينة عملاً، قرنًا بعد قرن. واحتج الطحاوى لأصحابه فقال: رأينا سائر الصلوات من التطوع والمكتوبات مع كل ركعة سجدتان، فالنظر على ذلك أن تكون هذه الصلاة كذلك. قال ابن القصار: فالجواب أن الصلوات قد خُصت بهيئات وصفات تفارق سائرها، كصلاة الخوف والعيدين والجنازة، فصلاة الخوف يجوز فيها زيادة الأفعال من الذهاب والمجىء واستدبار القبلة والقتال، وصلاة العيدين زيد فيها التكبير، وصلاة الجنازة حذف منها الركوع والسجود، ولم يكن هذا إلا لورود الشرع به، فكذلك

стр. 1089

صلاة الكسوف زيد فى كل ركعة ركوع آخر، لورود الشرع به، ولا مدخل للنظر فى ذلك. وقوله: (فيقرأ نحوًا من سورة البقرة) يدل أن القراءة فى صلاة الكسوف سر، ولو كانت جهرًا ما قال: نحوًا من سورة البقرة، وبالسر فيها قال مالك، والكوفيون، والشافعى، وسيأتى ذلك فى موضعه، إن شاء الله تعالى. قوله ﷺ : (إنى رأيت الجنة والنار) ، فيحتمل أن يمثلا له، فينظر إليهما بعينيه كما مُثل له بيت المقدس حين كذبه الكفار فى الإسراء، فنظر إليه فجعل يخبرهم عنه، قال مجاهد فى قوله تعالى: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض) [الأنعام: ٧٥] ، قال: فُرجت له السموات حتى نظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن. وقوله: (فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا) ، فإن العرب تقول فى لو: أنها تجىء لامتناع الشىء لامتناع غيره، كقوله ﷺ : (لو كان بعدى نبى لكان عمر) ، ولا سبيل أن يكون بعده نبى كما لا سبيل أن يكون عمر نبيًا. ولو يأخذه ﷺ ، ولم يأكل منه فى الدنيا؛ لأن طعام الجنة باق أبدًا لا يفنى، ولا يجوز أن يكون شىء من دار البقاء فى دار الفناء، وقد قدر الله أن رزق الدنيا لا ينال إلا بالتعب فيه والنصب، ولا يبدل القول لديه، وأيضًا فإن طعام الجنة إنما شوق الله إليه عباده، ووعدهم نيله جزاءً لأعمالهم الصالحة، والدنيا ليست بدار جزاء، ولذلك لم يصح لهم فى الدنيا أخذه.

стр. 1090

٣١ - باب صلاة النساء مع الرجال فى الكسوف / ٣٨ - فيه: أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِىَ قَائِمَةٌ تُصَلِّى، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ، أَىْ نَعَمْ، قَالَتْ: فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلانِى الْغَشْىُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِى الْمَاءَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ شَىْءٍ لَمْ أَرَهُ إِلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِى مَقَامِى هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) - لا أَدْرِى أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ - لا أَدْرِى أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُومنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ - لا أَدْرِى أَيَّهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لا أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ. فيه من الفقه: حضور النساء صلاة الكسوف مع الجماعة فى المساجد، ورخص مالك، والكوفيون للعجائز فى ذلك وكرهه للشابة، وقال الشافعى: لا أكره لمن لا هيئة لها بارعة من النساء ولا للصبية شهود صلاة الكسوف مع الإمام، بل أحبه لهن، وأحب لذات الهيئة أن تصليها فى بيتها، ورأى إسحاق أن يخرجن شبابًا كن أو عجائز، وإن كن حيضًا وتعتزل الحيض المسجد ويقربن منه.

стр. 1091

وفيه: جواز استماع المصلى إلى ما يخبره به من ليس فى صلاة. وفيه: جواز إشارة المصلى بيده ورأسه لمن يسأله مرة بعد أخرى؛ لأن أسماء قالت: (فقلت: آية؟) ، فأشارت عائشة: (أى نعم) ، فإنما أشارت برأسها وقد كانت أشارت قبل ذلك إلى السماء. وفيه: أن صلاة الكسوف قيامها طويل لقولها: (فقمت حتى تجلانى الغشى) ، وهو حجة لمالك، والشافعى على أبى حنيفة فى قوله: إن صلاة الكسوف إن شاء قصرها كالنوافل. وقولها: (فجعلت أصب فوق رأسى الماء) ، فيه دليل على جواز العمل اليسير فى الصلاة. وفيه: أن تفكر المصلى، ونظره إلى قبلته فى صلاته جائز؛ لقوله ﷺ : (ما من شىء كنت لم أره إلا قد رأيته فى مقامى هذا وأوحى إلى أنكم تفتنون فى القبور) ، وذلك كله فى الصلاة. وفيه: أن فتنة القبور حق كما يقول أهل السنة. وفيه: أن من ارتاب فى تصديق النبى أَوْ شَكَّ فى صحة رسالته، فهو كافر، ألا ترى قول المنافق أو المرتاب: لا أدرى، فهذا لم يؤمن بالنبى، ﷺ ، لما دخله من الارتياب والنفاق، ومن لم يدر فقد نفى عن نفسه التصديق، ثم زاد شكه بيانًا بقوله: (سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) ، فأخبر أنه إنما جرى تصديق النبى على لسانه من أجل قول الناس ذلك لا من أجل اعتقاده لصحة ما جرى على لسانه وهذا هو حقيقة الريب أن يقول اللسان ما لا يعتقد صحته القلب. وفيه: أن تمام الإيمان وتمام العلم إنما هو المعرفة بالله ورسله، ومعرفة

стр. 1092

الدلالة على ذلك؛ ألا ترى أن الرسول نفى الإيمان عمن يقول إذا سئل عن نبيه يقول: (لا أدرى سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) . وفيه: ذم التقليد وأن المقلد لا يستحق اسم العلم التام على الحقيقة. فإن قال قائل: كيف قلت: إن تمام الإيمان، وتمام العلم هو المعرفة بالله ورسوله، ومعرفة الدلالة على ذلك، وقد روى عن السلف أنهم كانوا يقولون عليكم بدين العذارى، والعذارى لا علم عندهن بالدلالة على الإيمان، وإنما عليهن التقليد وأنت قد ذممت التقليد؟ . قيل: قد جاءت هذه الكلمة فى حديث عبيد الله بن عدى بن الخيار حين كلم خاله عثمان بن عفان فى أخيه الوليد بن عقبة، وقال له: (قد أكثر الناس فى شأن الوليد، فحق عليك أن تقيم عليه الحد، فقال: يا ابن أختى، أدركت رسول الله؟ فقلت: لا، ولكن قد خلص إلىّ من علمه ما خلص إلى العذارى فى سترها. . .) ، وذكر الحديث، ذكره البخارى فى كتاب فضائل الصحابة فى باب هجرة الحبشة. ومعنى قولهم: (دين العذارى) ، هو أن النبى، ﷺ ، بلغ عن ربه دينه حتى وصل ذلك إلى العذارى فى خدورهن، فعلمنه خالصًا لم يُشب، وقد ألزم الله المؤمنين أن يعلموا ذريتهم حقيقة الإيمان بقوله: (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا) [التحريم: ٦] ، فكل مؤمن يُعَلِّمُ بنيه فى الصغر خالص الإيمان، وما يلزمه من فرائضه، ولا يعلمه اعتراض الملحدين ولا شبه الزائغين؛ لأن الجدال فيه ربما أورث شكا،

стр. 1093

فإيمان العذارى التصديق الخالص الذى لا ريب فيه ولا شك، بخلاف أحوال المنافق والمرتاب الذى قال: (لا أدرى سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) . ولم يُرد بقوله: (عليكم بدين العذارى) ، ترك معرفة الاستدلال على حقائق الإيمان والازدياد من العلم، هذا إبراهيم خليل الرحمن سأل ربه أن يريه كيف يحيى الموتى، وإنما سأله تعالى زيادة فى العلم ليطمئن بها قلبه، ولم يكن قبلها شاكًا. وهذه عائشة ترد على عبد الله بن عمر فى البكاء على الميت، وغير ذلك وتقول: رحم الله أبا عبد الرحمن إنما أراد رسولُ الله خلاف ما ذهب إليه ابن عمر، وترد على عروة بن الزبير تأويله فى الطواف بين الصفا والمروة، وقالت عائشة أيضًا: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من الفقه فى الدين، فحكمت لهن بالفقه فى الدين، والفقه فى لسان العرب هو معرفة الشىء ومعرفة الدلالة على صحته، فلا خلاف بين شىء من ذلك. وقوله: (تكعكعت) ، يعنى تأخرت يقال: كع الرجل: إذا نكص على عقبيه. ٣٢ - باب من أحب العتاقة فى كسوف الشمس / ٣٩ - فيه: أَسْمَاءَ قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ ، بِالْعَتَاقَةِ فِى كُسُوفِ الشَّمْسِ. إنما يخوف الله عباده بالآيات ليتقربوا إليه بالأعمال الصالحة كالصلاة والعتق والصدقة، وجاء أن العتق يفك المؤمن من النار.

стр. 1094

وقد قرن الله فى كتابه العتق بالصدقة، فقال: (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة) [البلد: ١١ - ١٤] ، وبأعمال البر كلها يدفع الله البلاء والنقم عن عباده. ٣٣ - باب الذِّكْرِ فِى الْكُسُوفِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. / ٤٠ فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ ، فَزِعًا فَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: (هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِى يُرْسِلُ اللَّهُ لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ: (يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ) [الزمر ١٦] فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّه وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ) . وترجم له: (باب الدعاء فى الخسوف) ، وقد تقدم أن السنة عند نزول الآيات: الاستغفار والذكر والفزع إلى الله تعالى، بالدعاء وإخلاص النيات بالتوبة والإقلاع، وبذلك يكشف الله تعالى، ظاهر العذاب قال الله تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) [الأنعام: ٤٣] . قال المهلب قوله: (قام فزعًا يخشى أن تقوم الساعة) ، يدل أن الكسوف كان بالشمس كلها، ولم يعهد مثله قبل ذلك، وكان ذلك قبل أن يُعلمه الله بأشراط الساعة ومقدماتها، ولم يسرع انجلاؤه ولذلك أطال الصلاة فيه.

стр. 1095

٣٤ - باب قول الإمام فى خطبة الكسوف: أما بعد / ٤١ - فيه: أَسْمَاءَ، قَالَتْ: انْصَرَفَ النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ) . قد تقدم هذا الباب فى أبواب الجمعة، فأغنى عن إعادته. ٣٥ - باب الصلاة فى كسوف القمر / ٤٢ - فيه: أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا. .) الحديث. اختلف العلماء فى خسوف القمر هل يجمع له للصلاة، فذهبت طائفة إلى أنه يجمع فيه كما يجمع فى كسوف الشمس سواء، روى ذلك عن عثمان بن عفان، وابن عباس، وبه قال النخعى، وعطاء، والحسن، وإليه ذهب الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأهل الحديث، واحتجوا بقوله ﷺ فى هذا الحديث: (فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا) ، قالوا: قد عرفنا كيف الصلاة فى أحدهما، فكان ذلك دليلاً على الصلاة عند الأخرى، وإلى هذا المعنى أشار البخارى فى ترجمته، ولذلك ذكر كسوف الشمس وترجم عليه الصلاة فى كسوف القمر استغناء بذكر أحدهما عن الأخرى. وقال مالك، والكوفيون: لا يجمع فى كسوف القمر، ولكن يصلى الناس فرادى ركعتين ركعتين كسائر النوافل، غير أن الليث قال:

стр. 1096

هيئة الصلاة فيه كهيئة الصلاة فى كسوف الشمس، وهو قول عبد العزيز بن أبى سلمة. وحجة مالك ومن وافقه أن النبى، ﷺ ، جمع فى كسوف الشمس ولم يجمع فى كسوف القمر، فعلم أن معنى قوله: (فافزعوا إلى الصلاة) ، فى كسوف القمر: فرادى، وفى كسوف الشمس: جماعة. قال ابن القصار: وأهل المدينة بأسرهم على هذا، والمعهود أن كسوف القمر يقع أبدًا ولا يكاد يخلو منه عام، وكسوف الشمس نادر، ومحال أن يكون كسوف القمر مألوفًا، والنبى ﷺ ، يجمع له مدة حياته فيهم، ثم يخفى عليهم ذلك جملة، وبقول مالك: لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أن النبى، ﷺ ، جمع لكسوف القمر، ولا نُقل عن أحد من الأئمة بعد النبى أنه جمع فيه. قال المهلب: ويمكن أن يكون مع تركه، والله أعلم، الجمع فى كسوف القمر رحمةً للمؤمنين لئلا تخلو بيوتهم بالليل، فيحطمهم الناس ويسرقونهم، يدل على ذلك قوله ﷺ ، لأم سلمة، ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك وصاحبيه، حين قالت له: (ألا أبشر الناس؟ فقال ﷺ : أخشى أن يحطمكم الناس) ، فى حديث آخر: (أخشى أن يمنع الناس نومَهمُ) . وقد قال تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) [القصص: ٧٣] ، فجعل السكون فى الليل من النعم التى عدّدها على عباده، وقد سمى ذلك رحمة، وقد أشار ابن القصار إلى نحو هذا المعنى

стр. 1097

فقال: خسوف القمر يتفق ليلاً، فيشق الاجتماع له، وربما أدرك الناسَ نيامًا، فيثقل عليهم الخروج لها، ولا ينبغى أن يقاس على كسوف الشمس؛ لأنه يدرك الناس مستيقظين منصرفين، ولا يشق اجتماعهم كالعيدين والجمعة والاستسقاء، ولم نر صلاة جمعة ولا عيد ولا استسقاء جعلت بالليل. ٣٦ - باب الركعة الأولى فى الكسوف أطول / ٤٣ - فيه: عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِى كُسُوفِ الشَّمْسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ، الأوَّلُ الأوَّلُ أَطْوَلُ. أجمع العلماء أن القيام الثانى والركوع الثانى من الركوع الأول فى صلاة الكسوف أقصر من القيام ومن الركوع الأول؛ لقوله ﷺ : (دون القيام الأول ودون الركوع الأول) ، وكذلك أجمعوا أن القيام، والركوع الثانى من الركعة الثانية أقصر من الأول منها. واختلف فى القيام والركوع الأول من الركعة الثانية هل هو دون الثانى من الركعة الأولى أو مثله، وهل يرجع قوله ﷺ : (دون القيام الأول) ، إلى الركعة الأولى، أو إلى الثانية منها، فقال قوم: يرجع إلى الأولى من الركعة الأولى، وقال قوم: بل يرجع إلى القيام، والركوع الثانى من الركعة الأولى، وهذا قول مالك فى المدونة: أن كل ركعة من الأربع أطول من التى تليها، وقوله فى حديث عائشة: (الأولى الأولى أطول) ، حجة لقول مالك، وهذا كله حجة على أبى حنيفة فى قوله: إنها ركعتان كسائر النافلة.

стр. 1098

٣٧ - باب الجهر بالقراءة فى الكسوف / ٤٤ - فيه: الْوَلِيدُ، عَنْ ابْنُ نَمِرٍ، عَنْ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جهر النبى ﷺ فى صلاة الكسوف بقراءته. . . الحديث. وَقَالَ الأوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا أَنَّ الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ مِثْلَهُ، فَقُلْتُ: مَا صَنَعَ أَخُوكَ فى ذَلِكَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، مَا صَلَّى إِلا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ؛ إِذْ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: أَجَلْ إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين، عن الزهرى فى الجهر. اختلف العلماء فى القراءة فى صلاة الكسوف، فقالت طائفة: يجهر بها، روى ذلك عن على بن أبى طالب، وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث سفيان، وابن نمر، عن الزهرى. وقالت طائفة: يُسِرُّ بالقراءة فيها، روى ذلك عن عثمان بن عفان، وابن مسعود، وابن عباس، وهو قول مالك، والليث، والكوفيين، والشافعى، واحتجوا بحديث ابن عباس: (أنه صلى خلف النبى، ﷺ ، فقرأ قراءة طويلة نحوًا من سورة البقرة) ، وقد تقدم فى باب

стр. 1099

صلاة الكسوف جماعة، ولو جهر بها لم يقل نحوًا من سورة البقرة، وأما سفيان بن حسين، وعبد الرحمن بن نمر، وسليمان بن كثير، فكلهم ضعيف فى حديث الزهرى، وفيما ساقه البخارى من رواية الأوزاعى عن ابن شهاب، ولم يذكر عنه الجهر ما يردُّ رواية الوليد عن ابن نمر بالجهر، فيبقى سليمان بن كثير، وسفيان بن حسين، وليسا بحجة فى القول عن الزهرى لضعفهما، وقد عارضهما حديث عائشة، وابن عباس، وسمرة. فأما حديث عائشة فرواه ابن إسحاق عن هشام بن عروة، وعبد الله بن أبى سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: (كسفت الشمس على عهد الرسول، فخرج فصلى بالناس فأطال القيام، فَحزَرْتُ أنه قرأ سورة البقرة، قالت: وسجد سجدتين، ثم قام فحزرت أنه قرأ سورة آل عمران) . وأما حديث ابن عباس، فرواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (كنت إلى جنب النبى، ﷺ ، فى صلاة الكسوف فما سمعت منه حرفًا) . وأما حديث سمرة فرواه سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد، عن سمرة ابن جندب، قال: (صلى بنا النبى، ﷺ ، صلاة الكسوف لا نسمع له صوتًا) . قال ابن القصار: ونقل السر فى صلاة الكسوف أهل المدينة خلف عن سلف نقلاً متصلاً، ولو تعارضت الأحاديث لبقى حديث ابن عباس وهو حجة. وقوله: (أخطأ السنة) ، حجة لمالك والشافعى فى أن السنة أربع ركعات فى ركعتين.

стр. 1100

٣٨ - باب ما جاء فى سجود القرآن وسنَّتها / ٤٥ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: قَرَأَ النَّبِىُّ ﷺ ، النَّجْمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِى هَذَا، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا. اختلف العلماء فى سجود النجم لاختلافهم فى سجود المفصل، فروى عن عمر، وعثمان، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وأبى هريرة أنهم كانوا يسجدون فى النجم والمفصل، وهو قول الثورى، وأبو حنيفة، والليث، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وابن وهب، وابن حبيب من أصحاب مالك، واحتجوا بهذا الحديث. وقالت طائفة: لا سجود فى النجم ولا فى المفصل، روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وأبى بن كعب، وابن عباس، وأنس، وعن سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وقال يحيى بن سعيد: أدركت القراء لا يسجدون فى شىء من المفصل، وهو قول مالك، واحتج من لم يرَ السجود فى النجم بما ذكره البخارى عن زيد بن ثابت: (أنه قرأ الرسول والنجم، فلم يسجد فيها) ، وبما رواه قتادة عن عكرمة قال: (سجد رسول الله بمكة فى المفصل، فلما هاجر ترك) . واحتج الطبرى لأهل المقالة الأولى، فقال: يمكن أن يكون ﷺ ، لم يسجد فيها؛ لأن زيدًا لم يسجد فيها، وإنما القارئ هو الذى يسجد فيسجد السامع، ويمكن أن يكون ترك السجود فيها؛ ليدل أن سجود القرآن ليس منه شىء واجب، قال الطحاوى: ويمكن أن يكون قرأها فى وقت لا يحل فيه السجود أو لأنه كان على غير وضوء.

стр. 1101

واحتج ابن القصار لمذهب مالك فقال: إذا اعتبرنا سجود النجم والمفصل وجدناه يخرج من طريق سائر السجدات؛ لأن قوله فى النجم: (فاسجدوا لله واعبدوا) [النجم: ٦٢] ، إنما هو أمر بالسجود، فوجب أن يتوجه إلى سجود الصلوات، فقوله: (اسجد) ، أى: صل، فلم يلزم ما ذكروه. قال الطحاوى أيضًا: والنظر على هذا أن يكون كل موضع اختلف فيه هل هو سجود أم لا، أن ينظر فيه، فإن كان موضع أمر، فإنما هو تعليم فلا سجود فيه، وكل موضع فيه خبر عن السجود فهو موضع سجود التلاوة. قال المهلب: يمكن أن يكون اختيار من اختار من العلماء ترك السجود فى (والنجم) ، والمفصل خشية أن يخلط على الناس صلاتهم؛ لأن المفصل هو أكثر ما يقرأ فى الصلوات، وقد أشار مالك إلى هذا. وأما الذى أخذ كفا من حصى وترك السجود مع الرسول ففيه أنه من خالف النبى، ﷺ ، استهزاءً به: كافر يعاقب فى الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور: ٦٣] ، فكذلك أصاب هذا الشيخ فتنة وكفر، ويُصيبه فى الآخرة عذاب أليم، وقيل: إنه الوليد ابن المغيرة. ٣٩ - باب سجدة تنزيل السجدة / ٤٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ ، يَقْرَأُ فِى الْجُمُعَةِ فِى صَلاةِ الْفَجْرِ) الم تَنْزِيلُ) [السجدة ١ - ٢] وَ) هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ) [الإنسان ١] . والفقهاء مجمعون على السجود فى سورة تنزيل.

стр. 1102

٤٠ - باب سجدة ص / ٤٧ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (ص) لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ الرسول يَسْجُدُ فِيهَا. اختلف العلماء فى السجود فى ص، فقالت طائفة: لا سجود فيها، روى ذلك عن ابن مسعود، وقال: هى توبةُ نَبِىٍّ، وروى مثله عن عطاء، وبه قال الشافعى. وقالت طائفة بالسجود فيها، روى ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وعقبة بن عامر، وعن سعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثورى، وقد روى عن ابن عباس مثله، ذكره البخارى فى كتاب الأنبياء عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أَأسْجُدُ فى ص؟ ، فقرأ: (ومن ذريته داود وسليمان (حتى انتهى: (فبهداهم اقتده) [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] ، فقال: نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم، فاحتجاج ابن عباس بالقرآن أولى من قوله: ليس ص من عزائم السجود. وقال مالك: إنها من عزائم السجود، وقال الطحاوى: والنظر عندنا أن يكون فى ص سجدة؛ لأن موضع السجود منها موضع خبر لا موضع أمر، فينبغى أن يرد إلى حكم أشكاله من الأخبار، فيكون فيها سجود. واختلفوا فى عزائم السجود، فقال على بن أبى طالب: عزائم السجود أربع: (ألم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك) .

стр. 1103

وعن ابن مسعود: (العزائم خمسة: الأعراف، وبنو إسرائيل، والنجم، واقرأ باسم ربك، وإذا السماء انشقت) . وعن ابن جبير: عزائم السجود ثلاث: ألم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك. وقال مالك: عزائم السجود إحدى عشرة ليس فى المفصل منها شىء، وليس فيها الثانية من الحج. وقال أبو يوسف: أربع عشرة وليس فيها الأولى من الحج، وقال الشافعى: أربع عشرة ليس فيها سجدة ص؛ لأنها سجدة شكر، وفى الحج سجدتان عنده. ٤١ - باب سُجُودِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْجُدُ عَلَى وُضُوءٍ . / ٤٨ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قرأ والنَّجْمِ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإنْسُ. ووقع فى نسخة الأصيلى: (وكان ابن عمر يسجد على وضوء) ، وكذلك عند أبى الهيثم عن الفربرى، ووقع فى بعض النسخ (على غير وضوء) ، وهكذا فى رواية ابن السكن بإثبات (غير) والصواب: رواية ابن السكن بإثبات (غير) ؛ لأن المعروف عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء، ذكره ابن أبى شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر، ثنا زكريا بن أبى زائدة قال: حدثنا أبو الحسن، يعنى عبيد بن الحسن، عن رجل زعم أنه كنفسه عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ.

стр. 1104

وذكر وكيع، عن زكريا، عن الشعبى فى الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء قال: يسجد حيث كان وجهه. وذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء، فإن ذهب البخارى إلى الاحتجاج بقول ابن عمر، والشعبى: نسجد مع المشركين، فلا حجة فيه؛ لأن سجود المشركين لم يكن على وجه العبادة لله والتعظيم له، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان الرسول من ذكر آلهتهم من قوله: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) [النجم: ٢٠، ٢١] ، فقال: تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهم لترتجى، فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم، فلما علم الرسول ما ألقى الشيطان على لسانه من ذلك أشفق وحزن له، فأنزل الله عليه تأنيسًا له وتسلية عما عرض له: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته (إلى) حكيم) [الحج: ٥٢] ، أى: إذا تلا ألقى الشيطان فى تلاوته، فلا يُستنبط من سجود المشركين جواز السجود على غير وضوء؛ لأن المشرك نجس لا يصح له وضوء ولا سجود إلا بعد عقد الإسلام. وإن كان أراد البخارى الرد على ابن عمر، والشعبى بقوله: والمشرك نجس ليس له وضوء، فهو أشبه بالصواب، إن شاء الله تعالى.

стр. 1105

٤٢ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا / ٤٩ - فيه: زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ ) وَالنَّجْمِ (فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. هذا الحديث حجة لمالك والشافعى أن سجود القرآن سنة، ولو كان واجبًا كما زعم الكوفيون لم يترك زيد السجود فيها، ولا تركه النبى ﷺ ؛ لأنه بعث معلمًا، وحديث زيد هذا يبين حديث ابن مسعود أن النبى، ﷺ ، حين سجد فى (والنجم) ، بمكة أن ذلك كان إعلامًا منه لأمته أن قارئ السجدة بالخيار، إن شاء سجد فيها، وإن شاء لم يسجد، وكذلك فعل عمر فى (النحل) سجد فيها مرةً ولم يسجد فيها أخرى؛ ليُرى أن ذلك غير واجب، وقال: إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى بابه، إن شاء الله تعالى. ٤٣ - باب سَجْدَةِ) إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ( / ٥٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ) إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (فَسَجَدَ فيهَا، فَقَالَ أَبُو سلمة: أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ رسول الله يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ. من قال بالسجود فى المفصل يرى السجود فى هذه السورة، وقد تقدم الاختلاف فى ذلك، واحتج بهذا الحديث من قال بالسجود فى المفصل، وقالوا هذا الحديث يَرُدُّ ما روى عن النبى، ﷺ ، أنه لم يسجد فى المفصل منذ تحول إلى المدينة؛ لأن أبا هريرة كان إسلامه بالمدينة، وروى أن النبى، ﷺ ، سجد فى (إذا السماء انشقت) ، فكيف يقال إنه بعدما هاجر لم يسجد فى المفصل؟ ،

стр. 1106

واحتج الكوفيون وقالوا: النظر أن يكون فى (إذا السماء انشقت) ، سجود؛ لأن قوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) [الأنشقاق: ٢٠، ٢١] ، إخبار لا أمر، وسجود التلاوة إنما هو فى موضع الإخبار، وموضع الأمر إنما هو تعليم فلا سجود فيه، وهذا قول الطحاوى. واحتج من قال: لا سجود فى المفصل فقالوا: معنى سجود التلاوة ما كان على وجه المدح والذم، وسجدة (إذا السماء انشقت) ، خارجة عن هذا المعنى؛ لأن قوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) [الانشقاق: ٢٠، ٢١] ، إنما يعنى أى لا يسجدون بعد الإيمان السجود المذكور فى القرآن للصلاة، وهذا ليس بخطاب للمؤمنين؛ لأنهم يسجدون مع الإيمان سجود الصلاة، هذا قول ابن القصار. قال المهلب: وأما قول أبى سلمة لأبى هريرة: (ألم أرَك تسجد) ، يعنى: ألم أرَك تسجد فى سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها، هكذا رواه الليث، عن ابن الهاد، عن أبى سلمة، فهذا يدل أنه لم يكن العمل عندهم على السجود فى (إذا السماء انشقت) ، كما قال مالك وأهل المدينة، فأنكر عليه سجوده فيها، ولا يجوز إنكار ما عليه العمل، فهذا يدل أنها ليست من العزائم. ٤٤ - باب مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ الْقَارِئِ / ٥١ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ ﷺ ، يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ. وترجم له: (باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة) .

стр. 1107

أجمع فقهاء الأمصار أن التالى إذا سجد فى تلاوته لزم الجالس إليه المستمع له أن يسجد بسجوده، وقال عثمان: إنما السجدة على من سمعها. واختلفوا فى التالى إذا قرأ السجدة ولم يسجد فيها هل يسجد المستمع لقراءته أم لا؟ ، فقال ابن القاسم فى (المدونة) : على الذين جلسوا إليه أن يسجدوا وإن لم يسجد، وذكر ابن المنذر مثله عن الشافعى قال: إن أحب المستمع أن يسجد فليسجد. وقال ابن حبيب: لم أرَ أحدًا قال بقول ابن القاسم فى ذلك، وسمعت مطرفًا، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ يقولون: لا يسجدوا؛ لأنه إمامهم، قال: وهو الصواب؛ لأن القارئ لو كان فى صلاة ولم يسجد لم يسجد من معه، فكذلك هذا. وفى المدونة: كره مالك أن يجلس قوم إلى قارئ يستمعون قراءته؛ ليسجدوا معه إذا سجد، وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، قال: وأرى أن يقام وينهى ولا يجلس إليه. وقال ابن شعبان: قال مالك: فإن لم ينته وقرأ لهم فمرّ بسجدة لم يسجد ولم يسجدوا، وقد قال مالك أيضًا: أرى أن يسجدوا معه. قال المهلب: وقوله: (فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته) ، فيه الحرص على فعل الخير والتسابق إليه، وفيه لزوم متابعة أفعال النبى ﷺ على كمالها، ويحتمل أن يكون سجدوا عند ارتفاع الناس وباشروا الأرض، ويحتمل أن يسجد ببلوغ طاقتهم من الإيماء فى ذلك، والله أعلم.

стр. 1108

٤٥ - باب مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا، كَأَنَّهُ لا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَلْمَانُ: مَا لِهَذَا غَدَوْنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا. وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: لا تسْجُدُ إِلا أَنْ وَأَنْتَ طَاهِرًا، فَإِذَا سَجَدْتَ، وَأَنْتَ فِى حَضَرٍ، فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ، وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لا يَسْجُدُ لِسُجُودِ الْقَاصِّ. / ٥٢ - وفيه: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ، قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ. وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلا أَنْ نَشَاءَ. اختلف الفقهاء فى سجود القرآن، فقال مالك، والليث، والأوزاعى، والشافعى: سجود القرآن سنة، وقال أبو حنيفة: هو واجب، واحتج أصحابه لوجوبه بقوله تعالى: (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) [الانشقاق: ٢١] ، قالوا: والذم لا يتعلق إلا بترك الواجبات، وبقوله: (واسجد واقترب) [العلق: ١٩] ، وقالوا: هذا أمر. قال ابن القصار: فالجواب أن الذم هاهنا للكفار بأنهم لا يؤمنون

стр. 1109

وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، فعلق الذم بترك الجميع؛ لأنهم لو سجدوا ألف مرة فى النهار مع كونهم كفارًا كان الذم لاحقًا بهم، فعلمنا أن الذم لم يختص السجود، ويزيد هذا بيانًا قوله تعالى: (بل الذين كفروا يكذبون) [الانشقاق: ٢٢] ، فلم يقع الوعيد إلا على التكذيب، وقوله: (واسجد واقترب) [العلق: ١٩] ، هو أمر له بالصلاة وتعليم له، وقد تقدم أن سجود القرآن إنما هو ما جاء بلفظ الخبر، وما جاء بلفظ الأمر إنما هو إعلام له بالصلاة وأمر له بالسجود فيها. وما ذكره البخارى فى هذا الباب عن الصحابة من تركهم السجود ولا مخالف لهم فهو حجة لمن لا يوجبه؛ لأن الفرض لا يجوز تركه، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار على غيره فى قوله: (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) ، ألا ترى قول عمر: (إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء) . قال المهلب: وفى فعل عمر دليل على أن على العلماء أن يبيِّنوا كيف لزوم السنن إن كانت على العزم أو الندب والإباحة، وكان عمر من أشد الناس تعليمًا للمسلمين كما تأول له رسول الله ﷺ فى الرؤيا أنه استحالت الذَّنُوب بيده غربًا فتأول له العلم، ألا ترى إلى قول عمر حين رأى أنه قد بلغ من تعليم الناس إلى غاية رضيها قال: قد سُنَّتْ لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، فأعلمنا بهذا القول أنه يجب أن يفصل بين السنن والفرائض.

стр. 1110

٤٦ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِى الصَّلاةِ فَسَجَدَ بِهَا / ٥٣ - فيه: أَبُو رَافِع قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ، فَقَرَأَ) إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (فَسَجَدَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِى الْقَاسِمِ، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. فى هذا الحديث حجة لقول الشافعى، والثورى أنه من قرأ سجدة فى صلاة مكتوبة أنه لا بأس أن يسجد فيها، إلا الذين لا يرون السجود فى المفصل لا يرون السجود فى هذه السورة، فإن فعل فلا حرج عندهم فى ذلك، وقد كره مالك قراءة سجدة فى صلاة الفريضة فيما يجهر به كرة، وفيما لا يجهر به مرة، وأجازه أخرى. وقال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر فيه، ويقرأها فيما يجهر فيه، وروى مثله عن أبى حنيفة، ومنع ذلك أبو مجلز، ذكره الطبرى عنه أنه كان لا يرى السجود فى صلاة الفريضة، وزعم أن ذلك زيادة فى الصلاة ما ليس فيها، ورأى أن السجود فيها غير الصلاة. قال الطبرى: وحديث أبى هريرة شاهد بخلاف قول أبى مجلز، ودليل كاف يقضى بصحة قول الجماعة، وبه عمل السلف من الصحابة وعلماء الأمة. روى عن عمر بن الخطاب أنه صلى الصبح فقرأ: (والنجم (فسجد فيها، وقرأ مرة فى الصبح: (الحج (فسجد فيها سجدتين، وقال ابن مسعود فى السورة يكون آخرها سجدة: إن شئت سجدت بها، ثم قمت فقرأت وركعت، وإن شئت ركعت بها.

стр. 1111

وقال الطحاوى: إنما قرأ الرسول السجدة فى العتمة والصبح، وهذا فيما جهر فيه، وإذا سجد فى قراءة السر لم يدر الناس لم سجد للتلاوة فى الصلاة أم غيرها أو سجود شكر، فيسجدون من غير علم لما سجدوا له. وفى حديث أبى هريرة حجة لمن قال: إن سجدة: (إذا السماء انشقت (ليست من عزائم السجود، لترك السلف السجود فيها، ولذلك أنكر أبو رافع على أبى هريرة سجوده فيها كما أنكره عليه أبو سلمة. وقول أبى هريرة: (سجدت بها خلف أبى القاسم، فلا أزال أسجد بها) يحتمل أن يكون سجد بها خلفه، ولم يواظب ﷺ على السجود فيها، ولذلك أجمع الناس على تركها، ولو واظب عليه لم يخف ذلك عليهم ولا تركوها. ٤٧ - باب مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مَعَ الإمَامِ مِنَ الزِّحَامِ / ٥٤ - فيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ، ﷺ ، يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِى فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ. قال المؤلف: لم أجد فى هذه المسألة نصا للعلماء، ووجدت أقوالهم فيمن لا يقدر على السجود على الأرض من الزحام فى صلاة الفريضة، فكان عمر بن الخطاب يقول: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال: الثورى، والكوفيون، والشعبى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقال نافعى، مولى ابن عمر: يومئ إيمًاء. وقال عطاء، والزهرى: يمسك عن السجود فإذا رفعوا سجد. وهو قول مالك وجميع

стр. 1112

أصحابه، وقال مالك: إن سجد على ظهر أخيه يعيد الصلاة. وذكر ابن شعبان فى مختصره عن مالك قال: يعيد فى الوقت وبعده. وقال أشهب: يعيد فى الوقت لقول عمر: اسجد ولو على ظهر أخيك. فعلى قول من أجاز السجود فى صلاة الفريضة من الزحام على ظهر أخيه فهو أجوز عنده فى سجود القرآن، لأن السجود فى الصلاة فرض وليس سجود القرآن بفرض. وعلى قول عطاء، والزهرى، ومالك الذين لا يجيزون السجود فى الصلاة من الزحام وغيره إلا على الأرض، يحتمل أن يجوز عندهم سجود التلاوة فى الصلاة على ظهر رجل وإيماء على غير الأرض، كقول الجمهور، لما قدمنا من الفرق بين سجود التلاوة وبين سجود الصلاة، ويحتمل خلافهم، واحتمال وفاقهم أشبه بدليل حديث ابن عمر، وهو المقنع فى ذلك، إن شاء الله تعالى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَبْوَاب تَقْصِيرِ الصَّلاةِ ٤٨ - باب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ، وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ ؟ / ٥٥ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقَامَ الرَسُول تِسْعَةَ عَشَرَ يومًا يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ يومًا قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا. / ٥٦ - فيه: أَنَس، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىُّ، ﷺ ، مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: (أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا) . إنما أقام الرسول تسعة عشر يومًا يقصر، لأنه كان محاصرًا فى

стр. 1113

حصار الطائف أو حرب هوازن، فجعل ابن عباس هذه المدة حدًا بين القصر والإتمام، لقوله: (فنحن إذا سافرنا تسعة عشر يومًا قصرنا وإن زدنا أتممنا) . قال المهلب: والفقهاء لا يتأولون هذا الحديث كما تأوله ابن عباس ويقولون: إنه كان ﷺ فى هذه المدة التى ذكرها ابن عباس غير عازم على الاستقرار، لأنه كان ينتظر الفتح، ثم يرحل بعد ذلك، فظن ابن عباس أن التقصير لازم إلى تسعة عشر يومًا، ثم ما بعد ذلك حضر تتم فيه الصلاة، ولم يرع نيته فى ذلك. وقد روى جابر بن عبد الله أن النبى ﷺ أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. ذكره عبد الرزاق. وروى ابن عيينة عن ابن أبى نجيح أنه سأل سالم بن عبد الله كيف كان ابن عمر يصنع؟ قال: إذا أجمع المكث أتم، وإذا قال: اليوم وغدًا قصر الصلاة، وإن مكث عشرين ليلة. والعلماء مجمعون على هذا لا يختلفون فيه، وتأول الفقهاء فى حديث أنس أيضًا أن إقامته ﷺ بمكة لا استيطانًا لها لئلا يكون رجوعًا فى الهجرة، وقد روى عن ابن عباس أيضًا: أما من نوى إقامة عشر ليال أنه يتم الصلاة، وهو قول له آخر خلاف تأويله للحديث، ولا أعلم أحدًا من أئمة الفتوى قال بحديث ابن عباس وجعل تسعة عشر يومًا حدًا للتقصير فهو مذهب له انفرد به، وقد ذكر ابن أبى شيبة عن حفص، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس أن نبى الله أقام سبع عشرة يقصر الصلاة؛ قال ابن عباس:

стр. 1114

من أقام سبع عشرة قصر الصلاة، ومن أقام أكثر من ذلك أتم، وإنما جاء هذا الحديث، والله أعلم، من الرواة، وروى عباد بن منصور، عن عكرمة تسع عشرة، كما روى البخارى، ولم يقل سبع عشرة أحد من الفقهاء أيضًا إلا الشافعى، فإنه قال: من أقام بدار الحرب خاصة سبع عشرة ليلة قصر. وسأذكره فى هذا الباب، إن شاء الله. وأما حديث أنس فروى عن على، وابن عباس أنه إذا نوى إقامة عشر ليال أتم الصلاة. وسيأتى اختلاف العلماء فى هذه المسألة بعد هذا فى باب كم أقام النبى، ﷺ ، فى حجته. وأذكر فيه طرفًا من أقوالهم وحجتهم فى ذلك. وتأويل الفقهاء فى حديث أنس أيضًا أن إقامته ﷺ بمكة عشرًا كانت بنية الرحيل، وكانت العوائق تمنعه من ذلك، فما كان على نية الرحيل فإنه يقصر فيه وإن أقام مدة طويلة بإجماع العلماء. وفى حديث ابن عباس من الفقه ما ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة وأحد قولى الشافعى: أنه من كان فى أرض العدو من المسلمين ونوى الإقامة مدة يتم المسافر فى مثلها الصلاة أنه يقصر الصلاة، لأنه لا يدرى متى يرحل. قال ابن القصار: والقول الثانى للشافعى الذى خالف فيه الفقهاء، قال: إن كان المقيمون بدار الحرب ينتظرون الرجوع كل يوم فإنه يجوز لهم أن يقصروا إلى سبعة عشر يومًا أو ثمانية عشر يومًا، فإذا جاوزوا هذا المقدار أتموا، واحتج بأن الرسول أقام بهوازن هذه المدة يقصر، وقوله الأول الموافق للفقهاء أولى، لأن إقامة من كان بدار الحرب ليست بإقامة صحيحة، وإنما هى موقوفة على ما يتفق لهم من الفتح لأن أرض العدو ليست بدار إقامة للمسلمين.

стр. 1115

وقد روى جابر أن النبى، ﷺ ، أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يحارب ويقصر، وأقام أنس بنيسابور سنتين يقصر الصلاة، وفعله جماعة من الصحابة. ٤٩ - باب الصَّلاةِ بِمِنًى / ٥٧ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىُّ، ﷺ ، بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا. / ٥٨ - وفيه: حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ، ﷺ ، آمَنَ مَا كُنَا بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. / ٥٩ - وفيه: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِى بَكْرٍ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّى مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وسائر المشاهد، لأنه عندهم فى سفر، إذ ليست مكة دار إقامة إلا لأهلها أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بها، فلذلك لم يَنْوِ رسول الله ﷺ الإقامة بمكة ولا بمنى. واختلف الفقهاء فى صلاة المكى بمنى، فقال مالك: يتم المكى بمكة ويقصر بمنى، وكذلك أهل منى يتمون بمنى ويقصرون بمكة

стр. 1116

وعرفات، وجعل أن هذه المواضع مخصوصة بذلك، لأن الرسول ﷺ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولم يقل: يا أهل مكة أتموا، وهذا موضع بيان، وكذلك عمر بن الخطاب بعده قال لأهل مكة: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر. وممن روى عنه أن المكى يقصر بمنى: ابن عمر، وسالم، والقاسم، وطاوس، وبه قال الأوزاعى، وإسحاق. وقالت طائفة: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات، لأنه ليس بينهما مسافة ما تقصر فيه الصلاة. روى ذلك عن عطاء، والزهرى، وهو قول الثورى، والكوفيين، والشافعى، وأحمد، وأبى ثور، قالوا: وفى قول عمر بن الخطاب لأهل مكة: أتموا صلاتكم، ما أغنى أن يقول ذلك بمنى. قال الطحاوى: ليس الحج موجبًا للقصر، لأن أهل منى وعرفات إذا كانوا حجاجًا أتموا، وليس هو متعلقًا بالموضع، وإنما هو متعلق بالسفر، وأهل مكة مقيمون هناك فلا يقصرون، ولما كان المعتمر لا يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج. واحتج أهل المقالة الأولى بحديث حارثة بن وهب، قال: (صلى بنا النبى، ﷺ ، ونحن أكثر ما كنا قط وآمنَ بمنى ركعتين) . وحارثة كانت أمه تحت عمر بن الخطاب، فولدت له عبد الله، وكانت دار حارثة بمكة، ولو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال حارثة: وأتممنا نحن، أو قال لنا: أتموا، لأنه ﷺ يلزمه البيان لأمته فثبت القصر بمنى لأهل مكة بالسنة. وأما إتمام الصلاة فى السفر، فإن العلماء والسلف اختلفوا فى ذلك، فذهبت طائفة إلى أن ذلك سنة، روى ذلك عن عائشة، وسعد بن أبى وقاص أنهما كانا يتمان فى السفر، ذكره عطاء بن أبى رباح عنهما، وعن حذيفة مثله، وروى مثله عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن

стр. 1117

ابن الأسود، وعن سعيد بن المسيب، وأبى قلابة، وروى أبو مصعب عن مالك، قال: قصر الصلاة فى السفر سنة، وهو قول الشافعى، وأبى ثور، وذهب الشافعى إلى أنه مخير غير أن الإتمام أفضل، وذهب بعض أصحاب مالك إلى أنه مخير غير أن الاستحباب القصر. وقال ابن القصار: وهذا اختيار الأبهرى، واختيارى. وذهبت طائفة إلى أن الواجب على المسافر ركعتان، روى ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وهو قول الكوفيين، ومحمد بن سحنون، واختاره إسماعيل بن إسحاق من أصحاب مالك. واحتج الكوفيون عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين فى الحضر، والسفر. . . الحديث، وقد تقدم فى أول كتاب الصلاة شىء من معنى هذا الحديث، ونزيده هاهنا بيانًا وإيضاحًا على حسب ما يقتضيه هذا الباب، فنقول: إن الفرض قد يأتى لغير الحتم والإيجاب كما نقول: فرض القاضى النفقة، يعنى قدرها وبيَّنها، وقد قال بعض المفسرين فى قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) [التحريم: ٢] ، أى بيَّن لكم كيف تكفرون عنها. وقال الطبرى: يحتمل قول عائشة: (فرضت الصلاة ركعتين فى السفر) ، يعنى إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك، وإن اختار أن يكون فرضه أربعًا، فله ذلك. فإن قيل: فهل يوجد فرض بهذه الصفة يكون للمفروض عليه الخيار فى تركه إذا شاء، والعمل به إذا شاء؟ . قيل: نعم، إنا وجدنا تأخر الحاج بمنىً فى اليوم الثانى من أيام

стр. 1118

التشريق، وتركه النفر فيه إلى اليوم الثالث، فإنه إن اختار المقام به إلى اليوم الثالث فعلى فرضه أقام، وإن نفر فى اليوم الثانى وتعجل فيه فعلى أداء فرضه نفر، وأى ذلك فعل كان صوابًا. وكذلك المسافر، ولو كان فرض المسافر الذى ليس له غيره الركعتين لم يكن له أن يجعلهما أربعًا بوجه من الوجوه، كما ليس للمقيم أن يجعل ظهره مثنى وصلاة الفجر أربعًا، وقد اتفق فقهاء الأمصار على أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم لزمه الإتمام، فهذا يدل أنه ليس فرضه ركعتين إلا على التخيير، وبان أن من صلى من المسافرين الظهر أربعًا ففرضه اختار، وأن من صلاها ركعتين فعلى تمام فرضه انصرف. وأما إتمام عثمان الصلاة بمنى فللعلماء فى ذلك أقوال، روى أيوب عن الزهرى، قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعًا، لأن الأعراب كانوا كثروا فى ذلك العام، فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربعًا. وقال ابن جريج: إن أعرابيًا ناداه فى منى، فقال: يا أمير المؤمنين، مازلت أصليها مُذ رأيتك عام أول صليتها ركعتين، فخشى عثمان أن يظن جهالُ الناس أن الصلاة ركعتان. وروى معمر، عن الزهرى وجهًا آخر قال: إنما صلى عثمان أربعًا لأنه أزمع على المقام بعد الحاج. وروى عن عبد الله بن الحارث بن أبى ذباب، عن أبيه، وقد عمل الحارث لعمر بن الخطاب، قال: صلى بنا عثمان أربع ركعات، فلما سلم أقبل على الناس، فقال: إنى تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله

стр. 1119

( ﷺ يقول: (من تأهل ببلدة فهو من أهلها فليصل أربعًا) . وهذه الوجوه كلها ليست بشىء. قال الطحاوى: وذلك أن الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل فى زمن رسول الله ﷺ ، فلم يتم بهم لتلك العلة، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه رسول الله ﷺ ، لأنه بهم رءوف رحيم. قال غيره: ألا ترى أن الجمعة لما كان فرضها ركعتين لم يعدل عنها، وكان يحضرها الغوغاء والوفود، وقد يجوز أن صلاة الجمعة فى كل مكان ركعتان. وأما ما ذكر عنه أنه أزمع على المقام بعد الحج فليس بشىء، فإن المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة، وقد صح عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على راحلته، ويسرع الخروج من مكة خشية أن يرجع فى هجرته التى هاجرها الله. وما ذكر أنه اتخذ أهلاً بمكة النبى، ﷺ ، كان فى غزواته وحجه وأسفاره كلها يسافر بأهله بعد أن يقرع بينهن، وكان أولى أن يتأول ذلك ويفعله، فلم يفعله وقصر الصلاة، وكذلك تأولوا فى إتمام عائشة أنها كانت أم المؤمنين، فحيث ما حلت فهو بيتها، وهذا فى الضعف مثل الأول، ألا ترى أن النبى، ﷺ ، كان أبًا للمؤمنين وهو أولى بهم من عائشة، ولم يتأول ذلك. والوجه الصحيح فى ذلك، والله أعلم، أن عثمان وعائشة إنما أتمَّا فى السفر لأنهما اعتقدا فى قصر الرسول ﷺ أنه لما خُير بين القصر

стр. 1120

والإتمام اختار الأيسر من ذلك على أمته، وقالت عائشة: ما خير رسول الله ﷺ فى أمرين قط إلا أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثمًا. فأخذت هى وعثمان فى أنفسهما بالشدة وتركا الرخصة، إذ كان ذلك مباحًا لهما فى حكم التخيير فيما أذن الله تعالى فيه، ويدل على ذلك إنكار ابن مسعود الإتمام على عثمان، ثم صلى خلفه وأتم، ثم كلم فى ذلك، فقال: الخلاف شر. ولو كان القصر فرضًا لم يخف على عثمان، ولم يجز له أن يتم، ولا أتم خلفه ابن مسعود، ولا جماعة الصحابة بالحضرة دون نكير، ولا يجوز على جماعة الصحابة أن يعلموا أن فرضهم ركعتان ويصلوها مع عثمان أربعًا، كما لا يجوز لو صلى بهم الظهر خمسًا والفجر ثلاثًا أن يتبعوه على ذلك. وإنما جاز لهم اتباعه والانقياد له لعلم جميعهم أنه فعل مباحًا جائزًا، وهذه حُجَّة قاطعة، وإنما قال ابن مسعود: الخلاف شر، لأنه رأى أن الخلاف على الإمام فيما سبيله التخيير والإباحة شر. وقد روى ابن أبى شيبة، عن ميمون بن مهران: أنه سأل سعيد بن المسيب عن الصلاة فى السفر، فقال: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا. وذكر عن أبى قلابة أنه قال: (إن صليت فى السفر ركعتين فالسنة، وإن صليت أربعًا فالسنة. ٥٠ - باب كَمْ أَقَامَ الرسُول ﷺ فِى حَجَّتِهِ ؟ / ٦٠ - فيه: ابْنِ عَبَّاس، قَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ، ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلا مَنْ مَعَهُ الْهَدْىُ.

стр. 1121

وقال فى كتاب المغازى: بَاب إِقَامَةِ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ. / ٦١ - فيه: عُمَرَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ أَنُّه سأل السَّائِبَ ابْنَ أُخْتِ الْنَّمِرِ: مَا سَمِعْتَ فِى سُكْنَى مَكَّةَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ) . وقال أحمد بن حنبل: قدم الرسول ﷺ مكة صبح رابعة من ذى الحجة، فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وهو فى ذلك كله يقصر الصلاة، ثم خرج إلى منى يوم التروية وهو اليوم الثامن فلم يزل مسافرًا فى المناسك إلى أن تم حجه. فجعل أحمد ابن حنبل أربعة أيام يقصر فيها الصلاة إذا نوى إقامتها، وإن قام أكثر من ذلك فهو حضر يتم فيه الصلاة، واستدل بحديث ابن عباس هذا. وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة: هذا الحديث يدل أنه من أقام عشرين صلاة يقصر الصلاة، لأنه ﷺ صلى فى الرابع الظهر والعصر، ثم صلى فى الخامس والسادس والسابع خمس عشرة صلاة، ثم صلى الليلة الثامنة المغرب والعشاء والصبح، فذلك عشرون صلاة، ولم يتم، وهو حجة على ابن الماجشون، وسحنون فى قولهما أنه من أقام عشرين صلاة أنه يتم. وذهب مالك، والشافعى، وأبو ثور إلى أنه من عزم على إقامة أربعة أيام بلياليها أنه يتم الصلاة ولا يقصر، وروى مثله عن عمر، وعثمان. قال ابن القصار: وحجة هذه المقالة حديث العلاء بن الحضرمى أن النبى، ﷺ ، جعل للمهاجر بعد قضاء نسكه [ثلاثًا، ثم]

стр. 1122

يصدر، وذلك أن الله حرم على المهاجرين الإقامة بمكة، الأرض التى هاجروا منها، ولا يستوطنوها، ثم أباح رسول الله ﷺ للمهاجر المسافر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام. فبيَّن ﷺ أن ثلاثة أيام سفر لا إقامة، إذ لو كان ما فوق الثلاث سفرًا لما منعهم من ذلك، فدل أنه إقامة، ووجب أن تكون الثلاث فصلا بين السفر والإقامة، ولا وجه لمن اعتبر مقام رسول الله ﷺ فى حجته من حين دخوله مكة إلى خروجه إلى منى ولا إلى صدره إلى المدينة، لأن مكة ليست له بدار إقامة ولا لأحد من المهاجرين، لأن رسول الله ﷺ لم يزل مسافرًا منذ خرج من المدينة وقصر بذى الحليفة إلى أن انصرف إلى المدينة، ولم ينو فى شىء من ذلك إقامة، وليس فى هذه المسألة اختلاف، سوى ما تقدم، يقتضى الباب ذكره، وذلك لأنه ذهب قوم إلى أنه إن نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يومًا أتم الصلاة، وإن نوى إقامة أقل قصر، روى هذا عن ابن عمر، وهذا قول الكوفيين، والثورى. وذهب قوم إلى أنه إذا نوى إقامة اثنتى عشرة أتم الصلاة، وإن نوى إقامة أقل قصر، هذا قول ابن عمر، أحد أقاويله، وأخذ به الأوزاعى، وذهب قوم أنه إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، روى ذلك عن على، وابن عباس، وقد تقدم هذا القول فى حديث أنس فى أول أبواب التقصير. وروى عن ربيعة قول شاذ أنه من نوى إقامة يوم وليلة أتم الصلاة. وحجة الليث ما رواه ابن إسحاق، عن الزهرى، عن

стр. 1123

عبيد الله، عن عبد الله بن عباس، أن النبى، ﷺ ، أقام حيث فتح مكة خمسة عشر يومًا يقصر الصلاة حتى سار إلى خيبر. وحجة الكوفيين ما رواه مجاهد، عن ابن عمر، وابن عباس، أنهما قالا: إذا قدمت بلدًا وأنت مسافر، وفى نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة، فأكمل الصلاة. ولا حجة لمن اعتبر اثنى عشر يومًا ولا لربيعة، لأن النبى، ﷺ ، وأصحابه لم يتم واحد منهم فى هذا المقدار. وأصح الأقوال فى هذه المسألة قول مالك ومن وافقه، وبيان ذلك من حديث ابن عباس مع الحديث الذى جاء أن يوم عرفة كان يوم الجمعة، أن مقام النبى، ﷺ ، بمكة فى حجته كان عشرة أيام كما قال أنس فى حديثه. وذكر أن النبى، ﷺ ، قدم مكة صبح رابعةٍ من ذى الحجة صبيحة يوم الأحد، صلى الصبح بذى طوى، واستهل ذو الحجة ذلك العام ليلة الخميس، فأقام الرسول ﷺ بمكة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس، ثم نهض يوم الخميس ضحوةً إلى منى، فأقام بها باقى نهاره وليلة الجمعة، ثم نهض يوم الجمعة إلى عرفات، فبقى بها نهاره، ودفع منها بعد غروب الشمس من ليلة السبت إلى المزدلفة، فأقام بها باقى ليلته، ثم نهض منها قبل طلوع

стр. 1124

الشمس من يوم السبت، وهو يوم الأضحى والنفر إلى منى، فرمى جمرة العقبة ضحوةً، ثم نهض إلى مكة ذلك اليوم، فطاف بالبيت قبل الظهر. ثم رجع فى يومه ذلك إلى منى فأقام بها باقى يوم السبت، ويوم الأحد، ويوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ثم نهض بعد الظهر من يوم الثلاثاء، وهو آخر أيام التشريق إلى المحصب، فصلى به الظهر، وبات فيه ليلة الأربعاء، وفى تلك الليلة اعتمرت عائشة من التنعيم ليلاً، ثم طاف النبى، ﷺ ، طواف الوداع سَحَرًا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء، وهى صبيحة رابعة عشرة، فأقام عشرة أيام كما قال أنس فى حديثه، ثم نهض إلى المدينة، وكان خروجه من المدينة إلى حجة الوداع يوم السبت لأربع بقين من ذى القعدة، وصلى الظهر بذى الحليفة، وأحرم بإثرها، وهذا كله مستنبط من قوله: (قدم النبى، ﷺ ، صبيحة أربع من ذى الحجة) ، ومن الحديث الذى جاء أن يوم عرفة كان يوم الجمعة، وفيه نزلت: (اليوم أكملت لكم دينكم) [المائدة: ٣] . ٥١ - باب فِى كَمْ تُقْصَرُ الصَّلاةَ ؟ وَسَمَّى النَّبِىُّ، ﷺ ، السفر يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِى أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِىَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا. / ٦٢ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﷺ ، قَالَ: (لا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلاثًا إِلا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ) . / ٦٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ) .

стр. 1125

اختلف العلماء فى قدر المسافة التى يستباح فيها القصر فى الصلاة، فكان مالك يقول: يقصر فى مسيرة يوم وليلة، ثم رجع فقال: يقصر فى أربعة بُرُد، وهى ثمانية وأربعون ميلاً، كقول ابن عمر، وابن عباس، وبه قال الليث، والشافعى فى أحد أقواله، وهو قول أحمد، وإسحاق. وروى أشهب، عن مالك، فيمن خرج إلى ضيعته، وهى على رأس خمسة وأربعين ميلاً، قال: يقصر. وروى أبو زيد، عن ابن القاسم فيمن قصر فى ستة وثلاثين ميلاً، قال: لا يعيد. وقال ابن حبيب: يقصر فى أربعين ميلاً، وهى قريب من أربعة بُرُد. وقال الأوزاعى: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تامٍ، وبه نأخذ. وقالت طائفة: يقصر فى يومين، روى هذا عن ابن عمر، والحسن البصرى، والزهرى، وذكر مثله عن الشافعى. وقالت طائفة: لا يقصر إلا من سافر ثلاثة أيام، روى هذا عن ابن مسعود، وبه قال الثورى، والكوفيون. وقال الأوزاعى: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فى خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلاً. وحُكى عمن لا يعتد بخلافه من أهل الظاهر أنه يجوز فى قليل السفر، وكثيره إذا جاوز البنيان ولو قصد إلى بُستانه، وحكوه عن على بن أبى طالب. قال ابن القصار: والحجة لقول مالك، ومن وافقه حديث أبى هريرة أن النبى، ﷺ ، قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
следующие страницы →