Полный текст (5 502 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
يريد أن من يلزمه إخراج الزكاة عن نفسه، وعن عبده لا يكون إلا مسلمًا، وأما العبد فإنه لم يدخل فى هذا الحديث، لأنه لا يملك شيئًا ولا يفرض عليه شىء، وإنما أريد بالحديث مالك العبد، ألا ترى إجماعهم فى العبد يعتق قبل أن يؤدى عنه مولاه صدقة الفطر أنه لا يلزمه إذا ملك بعد ذلك مالا إخراجها عن نفسه، كما يلزمه إخراج كفارة ما حنث فيه من الأيمان وهو عبد، فإنه لا يكفرها بصيام، ولو لزمته صدقة الفطر لأداها عن نفسه بعد عتقه، وقال ابن المنذر: القول الأول أصح، لأنها طهرة للمسلمين وتزكية، والكافر لا يتزكى، فلا وجه لأدائها عنه، وحجة هذا القول ما رواه أبو داود بإسناده، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. فدل هذا الحديث أن زكاة الفطر لا تكون إلا عن مسلم، والله أعلم.
٦٩ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ
/ - فيه: أَبُو سَعِيد الْخُدْرِىَّ، كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. لم يختلف العلماء أن الطعام المذكور فى هذا الحديث هو البُّر، واختلفوا فى مكيلته فى صدقة الفطر، فروى عن الحسن البصرى، وأبى العالية، وجابر بن زيد، أنه لا يجزئ من البر إلا صاع، وهو قول مالك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم قالوا: يجزئ من البر نصف صاع،
стр. 1612
ولا يجزئ مما ذكر فى الحديث إلا صاع، وهو قول أبى حنيفة، والثورى. قال ابن المنذر: وروى عن أبى بكر وعثمان، ولا يثبت عنهما، وروى عن على بن أبى طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وجابر، وأبى هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء واختلف عن على، وابن عباس، فروى عنهما القولان جميعًا واحتج الكوفيون بقول ابن عمر: فعدل الناس بالتمر والشعير نصف صاع من بر، والناس فى ذلك الزمان كبار الصحابة. وحجة من أوجب صاعًا من بر حديث أبى سعيد، وأنه ذكر فيه صاعًا من طعام وصاعًا من سائر الحبوب، ولم يفصل بين واحد منهما فى المكيلة، فوجب أن لا يتعدى هذا المقدار. قال أشهب: سمعت مالكًا سئل عمن يقول: مدين من بُرّ، فقال: القول ما قال رسول الله: (صاع) ، فذكر له الأحاديث التى تروى عن رسول الله فى المدين من الحنطة فأنكرها. قال ابن القصار: وأيضًا فإن اعتبار القيمة لا وجه له، وذلك أن قيمة التمر والشعير تختلف، ثم لم ينظر إلى ذلك واعتبرت المكيلة ومقدارها، فكذلك البر، وعندنا أن البر والشعير جنس واحد فى تحريم التفاضل بينهما، وجمعهما فى الزكاة لتقاربهما فى المنفعة، ولكونهما قوتًا يستغنى به الفقير عن قوت يومه، فلا ينبغى أن يفترق حكمهما. قال ابن القاسم: ويخرج أهل كل بلد من جل عيشهم، فالتمر عيش أهل المدينة، ولا يخرج أهل مصر إلا البر، إلا أن يغلو سعرهم،
стр. 1613
ويصير جل عيشهم الشعير فيجزئهم، وذكر عبد الرزاق، عن ابن عباس، قال: من أدى زبيبًا قبل منه، ومن أدى تمرًا قبل منه، ومن أدى شعيرًا قبل منه، ومن أدى سلتا قبل منه صاع صاع.
٧٠ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْعِيدِ
/ ٩٢ - فيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ. وفيه: أَبُو سَعِيد، كُنَّا نُخْرِجُ فِى عَهْدِ النّبِىّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأقِطُ وَالتَّمْرُ. قال أَبُو سَعِيد: فلما جاء معاوية وجاءت السمراء، قال: أرى مدًا من هذا يعدل مدين. قال المؤلف: السنة إخراج زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، لأمر النبى بذلك، وروى هذا عن ابن عباس، وابن عمر وعطاء، وهو قول مالك والكوفيين. وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز فى قوله: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى: ١٤، ١٥] ، قالا: هى صدقة الفطر. وقال ابن مسعود: من أراد الخروج إلى الصلاة تصدق بشىء، وقال عطاء: الصدقات كلها. وقال ابن عباس: (قد أفلح من تزكى (من الشرك) وذكر اسم ربه (قال: وحد الله سبحانه فصلى الصلوات الخمس، قال عكرمة: (قد أفلح (من قال: لا إله إلا الله. وقول أبى سعيد: كنا نخرج يوم الفطر، هو مجمل يحتمل أن يكون قبل الصلاة، ويحتمل أن يكون بعد الصلاة، وإذا كانت صدقة الفطر لإغناء السؤال عن المسألة ذلك اليوم جاز إخراجها بعد الصلاة؛
стр. 1614
لأن ذلك كله يوم الفطر وفى المدونة، إن أداها بعد الصلاة فواسع، وقد رخص قوم فى تأخيرها عن يوم الفطر، روى ذلك عن النخعى وابن سيرين، وقال أحمد بن حنبل: أرجو ألا يكون به بأس، وروى عن ابن شهاب أنه لا بأس أن تؤدى زكاة الفطر قبله بيوم أو بيومين أو بعده بيوم أو يومين، وكان يخرجها هو قبل أن يغدو. وقال ابن القاسم فى المدونة: إن أداها قبل الفطر بيوم أو يومين أجزأه، وقال أصبغ: لا بأس أن يخرجها قبل الفطر بيومين أو ثلاثة وتجزئه، قال ابن المواز: ولو هلكت ضمنها، واختلف قول مالك فى وقت وجوب صدقة الفطر، فروى عنه أشهب أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال أشهب والشافعى وروى عنه ابن القاسم، وعبد الملك ومطرف أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر وبه قالوا وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. قال ابن القصار: والحجة لرواية أشهب قول ابن عمر: فرض رسول الله صدقة الفطر من رمضان وأول فطر يقع من رمضان هو ليلة العيد، ووجه الرواية الأخرى أن النبى ﷺ قال: (أغنوهم عن المسألة فى هذا اليوم) أمر بأدائها يوم الفطر فدل أنه أول أحوال الوجوب.
٧١ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ وَقَالَ الزُّهْرِىُّ فِى الْمَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ: يُزَكَّى فِى التِّجَارَةِ، وَيُزَكَّى فِى الْفِطْرِ
/ ٩٣ - فيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ النَّبِىُّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، أَوْ قَالَ: (رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالأنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ،
стр. 1615
فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) ، قَالَ نافع: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِى التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِى عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِىَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. وترجم له باب صدقة الفطر عن الصغير، قال مالك: أحسن ما سمعت أن الرجل تلزمه زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته، ولابد له من أن ينفق عليه، وعن مكاتبه ومدبريه ورقيقه غائبهم وشاهدهم، للتجارة كانوا أو غير تجارة إذا كان مسلمًا، وهو قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة والثورى: لا تلزمه زكاة الفطر عن عبيد التجارة، وهو قول عطاء والنخعى، وحجة من أوجب الزكاة قوله: (فرض النبى صدقة الفطر على الحر والمملوك) وهو على عمومه فى كل العبيد، لأنه ﷺ لم يخص عبد الخدمة من عبد التجارة، وكذلك خالف أبو حنيفة والثورى الجمهور فقالا: ليس على الزوج أن يؤدى عن زوجته ولا خادمها صدقة الفطر. قال ابن القصار: والحجة للجمهور أن على بمعنى عن فقوله فى الحديث: (على الذكر والأنثى) معناه: عمن يلزم الرجل نفقته، وقد روى عن نافع ستة نفر: عن كل حر وعبد، ويدل على صحة هذا قول نافع: فكان ابن عمر يعطى عن الصغير والكبير، وأيضًا فإن زكاة الفطر تتبع النفقة لإجماعهم أن نفقة الصغير
стр. 1616
المعسر على أبيه ففطرته عليه، وإذا أيسر سقطت عنه نفقته وفطرته، ولما وجبت نفقة الزوجة على زوجها وجبت فطرتها عليه. فإن قيل: العبد تجب عليه نفقة امرأته، ولا تلزمه فطرتها، قيل: ليس للعبد أن ينفق عليها من مكاسبه إلا بإذن السيد، فإذا أذن له قلنا له: زك عنها زكاة الفطر، ولست أعرفه منصوصًا، واختلفوا فى الولد الصغير إذا كان موسرًا، فذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعى وأحمد إلى أن نفقته فى ماله، فكذلك زكاة الفطر، وذهب محمد بن الحسن إلى أن نفقته فى ماله، وزكاة الفطر على أبيه، وهذا غلط، لأن كل من لا تلزمه نفقته لا تلزمه عنه زكاة الفطر، دليله الأجنبى والأب إذا كان موسرًا، قوله: (فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرًا) يدل أنه لا يجوز أن يعطى فى زكاة الفطر إلا من قوته، لأن التمر كان من جل عيشهم بالمدينة، فأعطى شعيرًا حين لم يجد التمر، وقوله: (وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها قبل الفطر بيومين) يريد الذين تجتمع عندهم ويتولون تفرقتها صبيحة يوم العيد لأنها السنة، وكان ابن عمر كثير الاتباع ولا يخالف السنة. وروى ابن جريج قال: أخبرنى عبيد الله بن عمر قال: أدركت سالم بن عبد الله وغيره من علمائنا وأشياخنا فلم يكونوا يخرجونها إلا حين يغدون، وقال عكرمة وأبو سلمة: كانوا يخرجون زكاتهم ويأكلون قبل أن يخرجوا إلى المصلى. تم كتاب الزكاة [والحمد لله رب العالمين، يتلوه كتاب الصيام - إن شاء الله] .
. . . . . . . . . . .
стр. 1617
الجزء الرابع
стр. 1618
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- كِتَاب الصَّيامِ
- باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ
وَقَوْلِ اللَّهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) [البقرة ١٨٣] الآية / ١ - فيه: طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِى مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ قَالَ: (الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا) ، قَالَ: أَخْبِرْنِى مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: (شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا) ، قَالَ: أَخْبِرْنِى بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَرَائِعَ الإسْلامِ، قَالَ: وَالَّذِى أَكْرَمَكَ، بالحق لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ) . وفيه: ابن عمر: صام النبى عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك، وكان عبد الله بن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وفيه: عائشة: أن قريشًا كانت تصوم عاشوراء فى الجاهلية، ثم أمر رسول الله بصيامه حتى فرض رمضان، وقال رسول الله ﷺ : (من شاء فليصمه، ومن شاء فليفطره) .
стр. 1619
وقال المؤلف: قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) [البقرة: ١٨٣] ، أى فرض عليكم كما فرض على الذين من قبلكم، والكتاب فى اللغة بمعنى الوجوب والفرض، قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) [البقرة: ١٧٨] بمعنى فر ض، وقال ابن عباس فى هذه الآية: كان كتاب الصيام على أصحاب محمد، أن الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلى العتمة أو يرقد، فإذا صلى العتمة أو رقد، منع من ذلك إلى مثلها من القابلة، فنسختها هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ) [البقرة: ١٨٧] الآية. وروى: أن صرمة بن مالك كان شيخًا كبيرًا جاء إلى أهله وهو صائم، فدعا بعشائه، فقالوا: امهل حتى نجعل لك طعامًا سَخنًا تفطر عليه، فوضع الشيخ رأسه فنام، فجاءوا بطعامه، فقال: قد كنت نمت، فلم يطعم، فبات ليلته يتسلق ظهرًا لبطن، فلما أصبح أتى النبى، ﵇، فنزلت هذه الآية: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) [البقرة: ١٨٧] الآية. وجاء عمر بن الخطاب فأراد أهله، فقالت: إنها قد كانت نامت، فظن أنها اعتلت عليه، فواقعها، وفعل مثل ذلك كعب بن مالك، فذكر ذلك للنبى، ﵇، فنزلت: (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ (، إلى قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة: ١٨٧] ، وقد تقدم الكلام فى قوله: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، وقوله ﵇: (أفلح إن تصدق) ، فى كتاب الإيمان، فأغنى عن إعادته هاهنا.
стр. 1620
قال المهلب: وفيه أن أداء الفرائض يوجب الجنة، وأن عمل السنن والرغائب يوجب الزيادة فى الجنة. قال الطبرى: وأما الآثار فى صيام عاشوراء، فإن أهل العلم اختلفوا فى حكم صومه اليوم، هل هو فى فضله وعيظ ثوابه على مثل ذلك الذى كان عليه قبل أن يفرض رمضان؟ فقالت طائفة: كان ذلك يومًا تصومه اليهود شكرًا لله على أن نجى موسى وبنى إسرائيل من البحر وأغرق فرعون، فصامه رسول الله وأمر بصومه، فلما فرض رمضان لم يأمر بصومه ولم ينه عنه، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. وقال آخرون: لم يزل رسول الله يصومه ويحث أمته على صومه حتى مضى بسبيله، ﵇، روى هذا عن ابن عباس، قال: ما رأيت رسول الله يومًا يتحرى فضله إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان. فإن قيل: فما وجه كراهية ابن عمر صومه؟ . قيل: نظير كراهية من كره صوم رجب، إذ كان شهرًا تعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم فى الإسلام ما كان يعظم فى الجاهلية، من غير تحريم صومه على من صامه، ولا مؤيسه من الثواب الذى وعد الله صائمه على لسان رسوله إذا صامه مبتغيًا بصومه ثواب الله، لا مريدًا به إحياء سنة أهل الشرك، وكذلك صوم رجب، وسيأتى بقية القول فى هذا المعنى فى باب صوم عاشوراء بعد هذا إن شاء الله.
стр. 1621
- باب فَضْلِ الصَّوْمِ
/ ٢ - فيه: أَبِو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبىِّ، ﵇: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَجْهَلْ، فإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّى صَائِمٌ، مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِى، الصِّيَامُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) . قوله: (الصيام جنة) ، أى ستر من النار، ومنه قيل للترس: مجن؛ لأن صاحبه يستتر به. وقوله: (فلا يرفث) ، فالرفث هاهنا الفحش والخنا، والجهل ما لا يصلح من القول والفعل، قال الشاعر: فنجهل فوق جهل الجاهلينا ألا لا يجهلن أحد علينا والجهل: السفه. قال المهلب: واختلف أهل العلم فى معنى قوله: (فليقل: إنى صائم) ، فقيل: يقول: إنى صائم، للذى يشاتمه، ليكف عن شتمه، واستدل بعضهم بقول مريم: (إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [مريم: ٢٦] ، فكان حكم الصيام عند مريم وأهل زمانها أن لا يتكلموا فيه، وكان هذا متعارفًا عندهم. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعى إلى طعام أن يقول: إنى صائم؟ قال: سمعنا أبا هريرة يقول: إذا كنت صائمًا، فلا تساب ولا تجهل، فإن جهل عليك فقل: إنى صائم. وروى عن ابن مسعود: إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقل: إنى صائم، وقاله قتادة، والزهرى. وقال طائفة: معنى قوله: (فليقل: إنى صائم) ، أى يذكر نفسه بذلك، ولا يجهر به، ولا يراجع به
стр. 1622
من سبه؛ لأنه إذا تكلم به، فقد أظهر نيته، وربما دخل فيه الرياء، قال ثابت: ومعنى القول هاهنا: العلم. قال الشاعر: خلوت ولكن قل على رقيب إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ومثله قول مجاهد فى قوله تعالى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا) [الإنسان: ٩] قال: أما إنهم لم يتكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم به؛ ليرغب فى ذلك راغب، وعلى هذا المعنى يدل قوله فى الحديث: (الصيام لى وأنا أجزى به) ، ولا يكون لله خالصًا إلا بانفراده بعلمه دون الناس. وقوله: (الصيام لى وأنا أجزى به) ، فالصيام وجميع الأعمال لله، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يشرك فيها الشطان بالرياء وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيثيبه عليه على قدر خلوصه لوجهه، جاز أن يضيفه تعالى إلى نفسه. قال الطبرى: ألا ترى قوله فى الحديث: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلى) ، وكان ابن عيينة يقول فى قوله: (ألا الصوم فإنه لى) ، قال: لأن الصوم هو الصبر، يصبر الإنسان نفسه عن المطعم والمشرب والمنكح، ثم قرأ: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: ١٠] وهذا كله إنما يكون فيما خلص لله من الرياء قال عبد الواحد أيضًا قوله ﵇ عن الله تعالى أنه قال: (من عمل عملا أشرك فيه غيرى فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن
стр. 1623
الشرك) فجعل عمل الرياء لغيره، وجعل ما خلص من الرياء له تعالى، وقال آخرون: إنما خص الصوم بأن يكون هو الذى يتولى جزاءه، لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان، ولا فعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية فى القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب، فيقول: أنا أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف، وليس على كتاب كتب، وهذا القول ذكره أبو عبيد. قال الطبرى: والصواب عندى القول الأول، وأما معنى قوله: (وأنا أجزى به) ، فأنا المنفرد بجزائه على عمله ذلك لى بما لا يعلم كنه مبلغه غيرى، إذ كان غير الصيام من أعمال الطاعة قد علم غيرى بإعلامى إياه أن الحسنة فيها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال المؤلف: وقد روى يحيى بن بكير عن مالك فى هذا الحديث بعد قوله: (الحسنة بعشر أمثالها) ، فقال: (كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لى وأنا أجزى به) . فخص الصيام بالتضعيف على سبعمائة ضعف فى هذا الحديث، وقد نطق التنزيل بتضعيف النفقة فى سبيل الله أيضًا كتضعيف الصيام، فقال : (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء) [البقرة: ٢٦١] وجاء فى ثواب الصبر مثل ذلك وأكثر، فقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: ١٠] فيحتمل والله أعلم أن تكون هاتان الآيتان نزلتا على النبى ﵇، بعد ما أعلمه الله
стр. 1624
ثواب الصيام، لأنه لا ينطق عن الهوى، والفضائل إنما تدرك من طريق الوحى. وقال عبد الواحد: أما قول من قال: كل عمل تكتبه الحفظة إلا الصيام فإنما هو نية فى القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فلا يكتب فغير صحيح، لأن الحفظة تعلم الإمساك عن الأكل، وهو حقيقة إذا اطعلت على الإمساك عن الأكل فى خلوته فقد علمت صيامه، لأنه ليس يرائى أحد الحفظة، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا أكل فى الباطن، فإذا كف عن الأكل فى الباطن وتمادى على ذلك فقد علمت صيامه، وليس أيضًا قول من تأول فى قوله: (إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) [مريم: ٢٦] ، أن مريم كانت صائمة فى ذلك الوقت صواب، بدليل قوله تعالى فى الآية: (وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [مريم: ٢٥، ٢٦] ، فأخبر أن ذلك كان بعد أكلها وشربها، ويشهد لذلك أنها كانت نفساء، والنفساء لا تصوم، وإنما معنى قولها: (إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) [مريم: ٢٦] ، أى إمساكًا عن الكلام، والعرب تقول: صام، إذا أمسك عن الكلام، فإن قيل: فكيف نذرت أن تمسك عن الكلام وقد قيل لها: (فَقُولِى (؟ قيل: المراد هاهنا: تقول بالإشارة بدليل قوله بعد هذا: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) [مريم: ٢٩] الآية، وقال زيد بن أسلم: كانت بنو إسرائيل يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام ولا يتكلمون إلا بذكر الله. وقوله: (لخلوت فم الصائم) بضم الخاء، هو مصدر خلف
стр. 1625
فمه يخلف يعنى تغير رائحته فى آخر النهار، لأن الفم يتغير بترك الطعام، قال أبو عبيد: خلف اللبن وغيره: تغير ريحه وطعمه، وقال صاحب العين الخالف: اللحم المتغير الريح، قال الخطابى: فأما الخلوف بفتح الخاء، فهو الذى يعد ثم يخلف، قال النمر بن تولب: جزى الله عنى جمرة ابنة نوفل جزاء خلوف بالخلافة كاذب وقوله: (أطيب عند الله من ريح المسك) ، يريد أزكى عند الله الواحد: ومعنى قوله: (عند الله) يريد فى الآخرة، أى يجازيه يوم القيامة بتطييب نكهته الكريهة فى الدنيا حتنى تكون كريح المسك، والدليل على أنه أراد الآخرة بقوله: (عند الله) قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ) [الحج: ٤٧] يريد أيام الآخرة، ومن هذا الباب قوله ﵇ فى الشهيد: (أنه يأتى يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا اللون لون الدم والريح ريح المكسك) ، فأخبر أنه يجازى الشهيد فى الآخرة بأن يجعل رائحة دمه الكريهة فى الدنيا كريح المسك فى الآخرة.
стр. 1626
٣ - باب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ
/ ٣ - فيه: حُذَيْفَةَ: قَالَ عُمَرُ مَنْ يَحْفَظُ حَدِيث النَّبِىِّ، ﵇، فِى الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ) ، قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ الَّتِى تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ الحديث. الفتنة عند العرب: الابتلاء والاختبار، وهى فى هذا الحديث شدة حب الرجل لأهله، وشغفه بهن، كما روى عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: (رأيت رسول الله يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله فرفعهما ووضعهما فى حجره، ثم قال: صدق الله) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ) [التغابن: ١٥] رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ فقال له: أتدعو الله ألا يرزقك مالا وولدًا فاستعذ بالله من مضلات الفتن. وقال ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم إنى أعوذ بك من الفتنة، فليبس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله يقول: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ) [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن. ومن فتنة الأهل أيضًا الإسراف والغلو فى النفقة عليهن، والشغل بأمورهن عن كثير من النوافل، وفتنته فى ماله أن يشتد سروره به حتى يغلب عليه، وهذا مذموم، ألا ترى أن النبى لما نظر إلى علم الخميصة فى الصلاة ردها إلى أبى جهم وقال: (كاد يفتننى) فتبرأ ممال خشى منه الفتنة، وكذلك عرض لأبى طلحة حين كان يصلى فى حائطه فطار دبسى فأعجبه فأتبعه بصره ثم رجع إلى صلاته
стр. 1627
فلم يَدْرِ كَمْ صلى، لقد لحقنى فى مالى هذا فتنة، فجاء إلى النبى فذكر ذلك له فقال: هو صدقة يا رسول الله فضعه حيث شئت، ومن فتنة المال أيضًا ألا يصل منه أقاربه، ويمنع معروفه أجانبه، وفتنته فى جاره أن يكون أكثر مالا منه وحالا، فيتمنى مثل حله، وهو معنى قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) [الفرقان: ٢٠] فهذه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فدونها تكفرها أعمال البر، ومصداق ذلك فى قوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] قال أهل التفسير: الحسنات هاهنا: الصلوات الخمس، والسيئات: الصغائر.
٤ - باب الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ
/ ٤ - فيه: سَهْلٍ قال: قال النَّبِىِّ ﵇: (إِنَّ فِى الْجَنَّةِ بَابًا، يُقَالُ: لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ أَحَدٌ منه غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لا يَدْخُلُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) . / ٥ - وفيه: أَبِو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبى ﵇: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِىَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ) ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ،
стр. 1628
فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: (نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) . قال المهلب: إنما أفرد الصائمين بهذا الباب ليسارعوا إلى الرى من عطش الصيام فى الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا، وليكون دخولهم فى الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها، كما خص النبى أبا بكر الصديق بباب فى المسجد يقرب منه خروجه إلى الصلاة ولا يزاحمه أحد، وأغلق سائرها إكراهًا له وتفضيلاً. ومعنى قوله: (زوجين) أى شيئين، كدينارين أو ثوبين، وشبه ذلك، والحجة لذلك ما رواه حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد، وحميد، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن أبى ذر، أن النبى ﵇، قال: (من أنفق زوجين من ماله ابتدرته حجبة الجنة) ، ثم قال: (بعيرين، شاتين، حمارين، درهمين) ، قال حماد: أحسبه قال: (خفين) . , وروى أسد بن موسى، نا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن صعصعة، قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وهو يسوق بعيرا له عليه مزادتان، قال: سمعت النبى ﵇ يقول: (ما من مسلم ينفق من كل ماله زوجين فى سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده) ، قلت: زوجين من ماذا؟ قال: إن كان صاحب خيل ففرسين، وإكان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين) ، حتى عد أصناف المال. فإن قال قائل: إن النفقة إنما تسوغ فى باب الجهاد وباب الصدقة، فكيف تكوت فى باب الصلاة والصيام؟ .
стр. 1629
قال عبد الواحد: معنى زوجين أراد نفسه وماله، والله أعلم، قال المؤلف: والعرب تسمى ما يبذله الإنسان من نفسه واجتهاده نفقة فيقول أحدهم فيما تعلم من العلم أو صنعة من سائر الأعمال: أنفقت فى هذا عمرى، وبذلت فيه نفسى، قال حبيب بن أوس، كم بين قوم إنما نفقاتهم مال وقوم ينفقون نفوسًا. قال المهلب: فتكون النفقة على هذا الوجه فى باب الصلاة والصيام من الجسم بإتعابه له، فإن قيل: كيف تكون النفقة فى زوجين، وإنما نجحد الفعل فى هذا الباب نفقة الجسم لا غير؟ فالجواب: أن نفقة المال مقترنة بنفقة الجسم فى ذلك، لأنه لابد للمصلى والصائم من قوت يقيم رمقه، وثوب يستره، وذلك من فروض الصلاة، ويستعين بذلك على طاعة الله تعالى، فقد صار منفقًا لزوجين: لنفسه وماله، وقد تكون النفقة فى باب الصلاة، أن يبنى لله مسجدًا للمصلين، لدلالة قوله: (من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا فى الجنة) ، والنفقة فى الصيام إذا فطر صائمًا فكأنما صام يومًا ويعضده قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: ١٨٤] ، فجعل الإطعام للمسكين عوضًا من صيام يوم، وأبواب الجنة ثمانية، وإنما ذكر منها فى الحديث أربعة. وروى عن النبى ﷺ : (إن من أبواب الجنة أبواب الواطئين) . ذكر إسماعيل بن أبى خالد، عن يونس بن خباب، قال: أخبرت أن رسول الله ﷺ قال: (إن للجنة ثمانية أبواب منها: باب للصائمين، وباب للمجاهدين، وباب للمتصدقين، وباب للواطئين، وليس أحد من هذه الأصناف يمر بخزنة الجنة إلا كلهم يدعوه: هلم إلينا يا
стр. 1630
عبد الله) ، ومن أبواب الجنة باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. وذكر ابن البراء فى كتاب الروضة، عن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا روح، عن أشعث، عن الحسن، قال: إن الله فى الجنة بابًا لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة، فقال أحمد لابنه: يا بنى ما خرجت من دار أبى إسحاق حتى أحللته ومن معه إلا رجلين: ابن أبى دؤاد، وعبد الرحمن بن إسحاق فإنهما طلبا دمى، وأنا أهون على الله من أن يُعَذِّبَ فىّ أحدًا، أشهدك أنهم فى حل. ومنها: باب التوبة، روى عن ابن مسعود أنه سأله رجل عن ذنب ألم به، هل له من توبة؟ فأعرض عنه ابن مسعود، ثم التفت فرأى عينيه تذرقان، فقال: إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة فإن عليه ملكًا موكلاً به لا يغلق، فاعمل ولا تيأس. ووجه الإنفاق فى ذلك ما يتقوى به على طاعة الله، ويتحلل من المحارم التى سلفت منه، ويؤدى المظالم إلى أهلها، ويمكن أن يكون الباب الباقى، باب المتوكلين الذين يدخلون الجنة فى سبعين ألفا من باب واحد، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم كالبدر: الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، ووجه الإنفاق فى ذلك أنهم ينفقون على أنفسهم فى حال المرض المانع لهم من التصرف فى طلب المعاش، صابرين على ما أصابهم، وينفقون على من أصابه ذلك البلاء من غيرهم. ومنها: باب الصابرين لله على المصائب، المحتسبين الذين يقولون عند
стр. 1631
نزولها: (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) [البقرة: ١٥٦] الآية، ومنها: باب الحافظين فروجهم والحافظات المستعفين بالحلال عن الحرام، وغير المتبعين للشهوات، ووجه الإنفاق فى ذلك: الصداق والوليمة والإطعام حتى اللقمة يضعها فى فىِّ امرأته والله أعلم بحقيقة الثلاثة الأبواب. فإن قيل: فإذا جاز أن يسمى استعمال الجسم فى طاعة الله نفقة، فيجوز أن يدخل فى معنى الحديث (من أنفق نفسه فى سبيل الله فاستشهد وأنفق كريم ماله) ؟ قيل: نعم وهو أعظم أجرًا من الأول. ويدل على ذلك ما رواه سفيان، عن الأعمش، عن أبى سفيان، عن جابر، قال: قال رجل: يا رسول الله، أى الجهاد أفضل؟ قال: (أن يعقر جوادك ويهراق دمك) . قال عبد الواحد: فإن قيل: هل يدخل فى ذلك صائم رمضان، والمزكى لماله، ومؤدى الفرائض؟ قيل: المراد بالحديث النوافل وملازمتها والتكثير منها، فذلك الذى يستحق أن يدعى من أبوابها لقوله: (فمن كان من أهل كذا) . قال المهلب: قول أبى بكر: ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، يريد أنه من لم يكن إلا من أهل خصلة واحدة من هذه الخصال، ودعى من باب تلك الخصلة، فإنه لا ضرورة عليه، لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة. وقوله: (هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم) ، يريد أن من كان من أهل الصلاة والجهاد والصيام والصدقة أنه يدعى منها كلها، فلا ضرورة عليه فى دخوله من أى باب شاء، لاستحالة دخوله منها كلها معا، ولا يصح دخوله إلا من باب واحد، ونداؤه منها كامل إنما هو على سبيل الإكرام والتخيير له فى الدخول من أيها شاء.
стр. 1632
قال عبد الواحد: وفيه أن أعمال البر كلها يجوز أن يقال فيها فى سبيل الله ولا يخص بذلك الجهاد وحده.
٥ - باب هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ، أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ
، وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) ، وَقَالَ: (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ) . / ٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىّ ﵇: (إِذَا جَاء رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) . / ٧ - وفيه: ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِىّ ﵇: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) . يعنى هِلالِ رَمَضَانَ. قال ابن النحاس: قال ابن النحاس: كان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقال: رمضان، قالا: وإنما نقول ما قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ) [البقرة: ١٨٥] ، لأنا لا ندرى لعل رمضان اسم من أسماء الله. قال: وهذا قول ضعيف، لأنا وجدنا النبى، ﵇، قال: (رمضان) ، بغير شهر، فقال: (من صام رمضان) ، ولا تقدموا رمضان، والأحاديث كثيرة فى ذلك. وأبواب السماء فى هذا الحديث يراد بها أبواب الجنة بدليل قوله فى الحديث: (وغلقت أبواب جهنم) ، وقد تبين هذا المعنى فى رواية مالك عن عمه أبى سهيل بن مالك، عن أبيه، عن أبى هريرة أنه قال:
стр. 1633
(رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين) ، وهذا حجة فى أن الجنة فى السماء، وتأول العلماء فى قوله: (فتحت أبواب الجنة وسلسلت الشياطين) ، معنيين. أحدهما: أنهم يسلسلون على الحقيقة، فيقل أذاهم ووسوستهم ولا يكون ذلك منهم كما هو فى غير رمضان، وفتح أبواب الجنة على ظاهر الحديث. والثانى: على المجاز، ويكون المعنى فى فتح أبواب الجنة ما فتح الله على العياد فيه من الأعمال المستوجب بها الجنة من الصلاة والصيام وتلاوة القر آن، وأن الطريق إلى الجنة فى رمضان أسهل والأعمال فيه أٍرع إلى القبول، وكذلك أبواب النار تغلق بما قطع عنهم من المعاصى، وترك الأعمال المستوجب بها النار، ولقلة ما يؤاخذ الله العباد بأعمالهم السيئة، يستنفذ منها ببركة الشهر أقوامًا ويهب المسئ للمحسن، ويتجاوز عن السيئات فهذا معنى الغلق، وكذلك قوله: (سلسلت الشياطين) ، يعنى: أن الله يعصم فيه المسلمين أو أكثرهم فى الأغلب عن المعاصى والميل إلى وسوسة الشياطين وغرورهم، ذكره الداودى والمهلب. واحتج المهلب لقول من جعل المعنى على الحقيقة فقال: ويدل على ذلك ما يذكر من تغليل الشيباطين ومردتهم بدخول أهل المعاصى كلها فى رمضان فى طاعة الله، والتعفف عما كانوا عليه من الشهوات، وذلك دليل بين.
стр. 1634
٦ - باب مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِىِّ: (يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ
. / ٨ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) . قوله: (إيمانًا) ، يريد تصديقًا بفرضه وبالثواب من الله تعالى، على صيامه وقيامه، وقوله: (احتسابًا) ، يريد بذلك يحتسب الثواب على الله، وينوى بصيامه وجه الله، وهذا الحديث دليل بين أن الأعمال الصالحة لا تزكو ولا تتقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات، كما قال ﵇: (الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى) ، وهذا يرد قول زفر، فإنه زعم أنه يجزئ صوم رمضان بغير نية، وقوله مردود بهذه الآثار، وإذا صح أنه لا عمل إلا بنية، صح أنه لا يجزئ صوم رمضان إلا بنية من الليل، كما ذهب إليه الجمهور. وخالف ذلك أبو حنيفة، والأوزاعى، وإسحاق، وقالوا: يجزئه التبييت قبل الزوال، ولا سلف لهم فى ذلك، والنية إنما ينبغى أن تكون متقدمة قبل العمل، وحقيقة التبييت فى اللغة يقتضى زمن الليل، وروى هذا عن ابن عمر، وحفصة، وعائشة، ولا مخالف لهم، وقد تقدم ما للعلماء فى قوله ﵇: (الأعمال بالنيات) ، فى آخر كتاب الإيمان، فى باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة.
стр. 1635
٧ - باب أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِىُّ ﵇ يَكُونُ فِى رَمَضَانَ
/ ٩ - فيه: ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: (كَانَ النَّبِىُّ، ﵇، أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِى رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ النَّبِىُّ، ﵇، عليه الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) . قال المهلب: وامتثل النبى، ﵇، فى هذا قول الله تعالى: وأمره بتقديم الصدقة بين يدى نجوى الرسول الذى كان أمر به تعالى عباده، ثم عفا عنهم، لإشفاقهم من ذلك، فامتثل ﵇ ذلك عند مناجاته جبريل صلى الله عليه وعلى جميع الملائكة، وقد تقدم هذا المعنى فى كتاب بدء الوحى. قال المهلب: وفيه بركة مجالسة الصالحين، وأن فيها تذكار لفعل الخير، وتنبيها على الازديار من العمل الصالح، ولذلك أمر ﵇ بمجالسة العلماء، ولزوم حلق الذكر، وشبه الجليس الصالح بالعطار إن لم يصبك من متاعه لم تعدم طيب ريحه. ألا ترى قول لقمان لابنه: يا بنى جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء، وقال مرة أخرى: فلعل أن تصضيبهم رحمة فتنالك معهم، فهذه ثمرة مجالسة أهل الفضل ولقائهم. وفيه: بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا، ويعين على بعض، ألا ترى أن بركة الصيام، ولقاء جبريل وعرضه القرآن عليه زاد
стр. 1636
فى وجود النبى، ﵇، وصدقته حتى كان أجود من الريح المرسله. قال عبد الواحد: ونزول جبريل فى رمضان للتلاوة دليل عظيم لفضل تلاوة القرآن فيه، وهذا أصل تلاوة الناس للقرآن فى كل رمضان، تأسيًا به ﷺ ، ومعنى مدارسة جبريل للنبى، ﵇، فيه، لأنه الشهر الذى أنزل فيه القرآن، كما نص الله تعالى. وفيه: أن المؤمن كلما ازداد عملاً صالحًا وفتح له باب من الخير فإنه ينبغى له أن يطلب بابا آخر، وتكون عينه ممتدة فى الخير إلى فوق عمله، ويكون خائفا وجلاً، غير معجب بعمله، طالبًا للارتقاء فى درجات الزيادة.
٨ - باب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِى الصَّوْمِ
/ ١٠ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النِّبِىّ، ﵇: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِى أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) . قال المهلب: فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه وتعرض لسخط ربه وترك قبوله منه. وقال غيره: وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وهذا كقوله، ﵇: (من باع الخمر فليشقص الخنازير) ، يريد أى يذبحها، ولم يأمره بشقصها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر، فكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم أجر صيامه، فإن قيل:
стр. 1637
فما معنى قوله: (فليس لله حاجة) ، والله لا يحتاج إلى شئ؟ قيل معناه: فليس لله إرادة فى صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة.
٩ - باب هَلْ يَقُولُ إِنِّى صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ
/ ١١ - فيه: أَبَو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النبى، ﵇: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِى، وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) . قال الداودى: تخصيصه فى هذا الحديث ألا يرفث ولا يجهل، وذلك لا يحل فى غير الصيام، وإنما هو تأكيد لحرمة الصوم عن الرفث والجهل، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون: ١، ٢] ، والخشوع فى الصلاة أوكد منه فى غيرها، وقال فى الأشهر الحرم: (فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة: ٣٦] ، فأكد حرمة الأشهر الحرم، وجعل الظلم فيها آكد من غيرها، فينبغى للصائم أن يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ورسوله، ويعرف ما لزمه من حرمة الصيام. قال غيره: واتفق جمهور العلماء على أن الصائم لا يفطره السب والشتم والغيبة، وإن كان مأمورًا أن ينزه صيامه عن اللفظ
стр. 1638
القبيح، وقال الأوزاعى: إنه يفطر بالسب والغيبة، واحتج بما روى أن الغيبة تفطر الصائم. قال ابن القصار: معناه أنه يصير فى معنى المفطر فى سقوط الأجر لا أنه يفطر فى الحقيقة، كقوله تعالى: (وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) [الحجرات: ١٢] ، ومن اغتاب فلم يكن آكلا لحم أخيه ميتًا فى الحقيقة، وإنما يصير فى معناه ويجوز أن يكون فى معنى التغليظ، كما قال: الكذب مجانب للإيمان، فإن قيل: فما معنى قوله: (فليقل إنى صائم) ، والمندوب إليه أن يستتر بعمله ليكثر ثوابه؟ قيل: إذا قال: إنى صائم، ارتدع وعلم أنه إذا اجترأ عليه فى صوم كان أعظم فى الإثم، فليعلم أيضًا أن الصوم يمنع من الرد عليه، ومثل هذا لا يكره إذا كان لعذر، وقيل معناه: أن يقول ذلك لنفسه، وقد تقدم هذا المعنى فى باب: فضل الصوم.
- باب الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزْوبَةَ
/ ١٢ - فيه: ابن مسعود قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ: (مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) . قال المؤلف: ندب النبى، ﵇، لأمته النكاح، ليكونوا على كمال من أمر دينهم، وصيانة لأنفسهم فى غض أبصارهم
стр. 1639
وحفظ فروجهم لما يخشى على من زين الله فى قلبه حب أعظم الشهوات، ثم ﵇، أن الناس كلهم لا يجدون طولا إلى النساء، وربما خافوا العنت بفقد النكاح فعوضهم منه ما يدافعون به سورة شهواتهم، وهو الصيام. فإنه وجاء، والوجاء: القطع، يعنى: أنه مقطعة للانتشار وحركة العروق التى تتحرك عند شهوة الجماع، وأصل الوجاء عند العرب أن ترض البيضتان، يقال: وجأ فلان الكبش، وهو كبش موجوء، فإذا سلت البيضتان، فهو الخصى، وفى كتاب العين: وجأت الرجل ضربته. والباءة فى كلام العرب: الجماع، وتجمع بآء، كما تجمع الراءة رآء.
- باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﵇: (إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا
وَقَالَ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ. / ١٣ - فيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ ﵇: (لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلالَ، وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) . / ١٤ - وقَالَ بْنِ عُمَرَ: قَالَ النبى، ﵇: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ الْهلالَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ) .
стр. 1640
/ ١٥ - وقَالَ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِىُّ، ﵇: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّىَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ) . ذهب كافة الفقهاء إلى أن معنى قوله ﵇: (فاقدروا له) ، مجمل يفسره قوله: (فأكملوا العدة ثلاثين يومًا) ، ولذلك جعل مالك فى الموطأ (فأكملوا العدة ثلاثين يومًا) ، بعد قوله: (فاقدروا له) ، كما صنع البخارى، لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله: (فاقدروا له) ، وحكى محمد بن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب فى معنى قوله ﵇: (فاقدروا له) ، إلى اعتباره بالنجوم، ومنازل القمر، وطريق الحساب، ويقال: إنه مطرف بن الشخير. وقوله ﵇: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يومًا) ، نص فى أنه ﵇ لم يرد اعتبار ذلك بالنجوم والمنازل، لأنه لو كلف ذلك أمته لشق عليه، لأنه لا يعرف النجوم والمنازل إلا قليل من الناس، ولم يجعل الله تعالى فى الدين من حرج، وإنما أحال ﵇ على إكمال ثلاثين يومًا، وهو شىء يستوى فى معرفته الكل، وقد انضاف إلى أمره باعتبار العدد ثلاثين عند عدم الرؤية فعله فى نفسه. فروى عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من سائر الشهور، فإذا رأى هلال رمضان صام، وإن غم عليه عد شعبان ثلاثين يومًا وصام) ، ولو كن هاهنا علم آخر لكان يفعله أو يأمر به. وجمهور الفقهاء على أنه لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج
стр. 1641
شعبان، إما برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا بيقين مثله، لأنه ممكن فى الشهر أن يكون تسعة وعشرين يومًا، فالرؤية تصحح ذلك وتوجب اليقين كإكمال العدة ثلاثين يقينًا، هذا معنى قوله: (فاقدروا له) ، عند العلماء، ولابن عمر فيه تأويل شاذ لم يتابع عليه وسنذكره فى باب نهى النبى عن صيام يوم الشك، إن شاء الله. وقال الطبرى: أما حديث ابن عمر أن النبى، ﵇، قال: (الشهر تسع وعشرون ليلة) ، فإن معناه: الشهر الذى نحن فيه والذى قد علمتم إخبارى عنه، لأن الألف واللام إنما تدخلهما العرب فى الأسماء إما لمعهود قد عرفه المخبر والمخبر، وإما للجنس العام من المشهور ومعلوم أن النبى، ﵇، لم يقصد بذلك الخبر عن الجنس، لأنه لو كان كذلك لم يقل: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) ، فأحال على الرؤية، ونحن نرى الشهر يكون مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين فعلم أن قوله: (الشهر تسع وعشرون) ، أن ذلك قد يكون فى بعض الأحوال، وقد جاء هذا عن ابن عمر، عن النبى، ﵇، بينا فى قوله: (إنا أمة مية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا يعنى: مرة تسعًا وعشرين، ومرة ثلاثين) . وروى عن عروة، عن عائشة نها أنكرت قول من قال أن النبى، ﵇، قال: (الشهر تسع وعشرون) ، وقالت لا والله
стр. 1642
ما قال كذلك، إنما قال حين هجرنا: لأهجرنكم شهرًا، وأقسم على ذلك، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون ليلة، فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت شهرًا فقال: (إن الشهر كان تسعًا وعشرين ليلة) .
- باب شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ
/ ١٦ - فيه: أَبو بَكْرَةَ، قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ، وَذُو الْحَجَّةِ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث على وجهين، فذكر أحمد بن عمرو البزار أن معناه: لا ينقصان جميعًا فى سنة واحدة. قال المهلب: وقد روى زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، عن النبى، ﵇، أنه قال: (شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا) . والوجه الثانى قال المهلب: معناه: أنه لا ينقص عند الله، تعالى أجر العاملين فيهما، وإن كانا ناقصيبن فى العدد. قال الطحاوى: وقد دفع قوم التأويل الأول بالعيان، قالوا: لأنا قد وجدناهما ينقصان فى أعوام، ويجتمع ذلك فى كل واحد منهما، فدفعوا ذلك بهذا، وبحديث رسول الله أنه قال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين) ، وبقوله: (إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين) ، فأخبر أن ذلك جائز فى كل شهر من الشهور، إذ لم يخص بذلك شهرًا من سائر الشهور، فدل على أن شهر رمضان وذى الحجة وما
стр. 1643
سواهما قد يكونان تسعًا وعشرين، وقد يكونان ثلاثين، فثبت بذلك أن معنى قوله: (شهرا عيد لا ينقصان) ، ليس على نقصان العدد، ولكنه على نقصان الأحكام، والوجه عندنا أنهما لا ينقصان، وإن كانا تسعًا وعشرين فهما شهران كاملان، لأن فى أحدهما الصيام، وفى الآخر الحج، والأحكام فى ذلك متكاملة غير ناقصة، ويدل على ذلك قوله ﵇: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) ، فمن صامه ناقصًا أو تاما كان أجره واحدًا. قال المؤلف: فإن قال قائل: إن كان أراد بقوله ﵇: (لا ينقصان) : من الأجر والحكم وإن كانا ناقصين فى العدد، فإنا نجد رمضان يصام كله، فيكون مرة تاما ومرة ناقصًا، ونقصانه فى آخره، وذو الحجة إنما يقع الحج فى العشر الأول منه، فلا حرج على أحد فى نقصانه ولا تمامه، لأن العبادة منه فى أوله خاصة. قيل: قد يكون فى أيام الحج من النقصان والإغماء مثل ما يكون فى آخر رمضان، وذلك أنه قد يغمى هلال ذى القعدة ويقع فيه غلط بزيادة يوم أو نقصان يوم، فإذا كان ذلك، وقع وقوف الناس بعرفة مرة اليوم الثامن من ذى الحجة، ومرة اليوم العاشر منه، وقد اختلف العلماء فى ذلك، فقالت طائفة: من وقف بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل الموقف فى يوم قبل يوم عرفة أو بعده أنه مجزئ عنه، لأنهما لا ينقصان عند الله من أجر المتعبدين بالاجتهاد، كما لا ينقص أجر رمضان الناقص، وهو قول عطاء، والحسن، وأبى حنيفة، والشافعى. واحتج أصحاب الشافعى على جواز ذلك بصيام من التبست عليه الشهور أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده، قالوا: كما
стр. 1644
يجزئ حج من وقف بعرفة قبل يوم عرفة أو بعده، وروى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم أنهم إن أخطئوا ووقفوا بعد يوم عرفة يوم النحر أنه يجزئهم، وإن قدموا الوقوف يوم التروية لم يجزئهم، وأعادوا الوقوف من الغد، وهذا يخرج على أصل مالك فيمن التبست عليه الشهور فصام رمضان ثم تبين له أنه أوقعه بعد رمضان أنه يجزئه، ولا يجزئه إذا أوقعه قبل رمضان، كمن اجتهد وصلى قبل الوقت أنه لا يجزئه. وقد قال بعض العلماء: إنه لا يقع وقوف الناس اليوم الثامن أصلا، لأنه لا يخلو من أن يكون الوقوف برؤية أو إعماء، فإن كان برؤية وقفوا اليوم التاسع، وإن كان بإغماء وقفوا اليوم العاشر.
- باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﵇: (لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ
/ ١٣ - فيه: ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِىِّ، ﵇: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِى مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلاثِينَ) . قال المؤلف: فيه بيان، لقوله ﵇: (فاقدروا له) ، أن معناه إكمال العدد ثلاثين يومًا، كما تأول الفقهاء،
стр. 1645
ولا اعتبار فى ذلك بالنجوم والحساب، وهذا الحديث ناسخ لراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول على الرؤية فى الأهلة التى جعلها الله مواقيت للناس فى الصيام والحج والعدد والديون، وإنما لنا أن ننظر من علم الحساب ما يكون عيانا أو كالعيان، وأما ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون وتكييف الهيئات الغائبة عن الأبصار فقد نهينا عنه، وعن تكلفه. وعلة ذلك أن رسول الله إنما بعث إلى الأميين الذين لا يقرءون الكتاب، ولا يحسبون بالقوانين الغائبة، وإنما يحسبون الموجودات عيانا.
- باب لا يَتَقَدَّمُ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ
/ ١٨ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ: النَّبِىِّ، ﵇: (لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ) . قال المؤلف: ذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعًا إلا أن يوافق صومًا كان يصومه، وأخذوا بظاهر هذا الحديث، وروى ذلك عن عمر، وعلى، وعمار، وحذيفة، وابن مسعود، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والشعبى، والنخعى، والحسن، وابن سيرين، وهو قول الشافعى، وكان ابن عباس، وأبو هريرة يأمران أن يفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام وتقدم أو تأخر، وقال عكرمة: (من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله) .
стр. 1646
وأجازت طائفة صومه تطوعا، روى عن عائشة، وأسماء أختها أنهما كانتا تصومان يوم الشك، وقالت عائشة: (لئن أصوم آخر يوم من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان) ، وهو قول مالك، والأوزاعى، وأبى حنيفة، وأحمد، وإصحاق. قال ابن القصار: وحجة هذا القول أنا إنما نكره صوم يوم الشك قطعًا أن يكون من رمضان أو على وجه المراعاة خوفا أن يكون من رمضان، فليحق بالفرض ما ليس من جنسه، فأما إذا أخلص النية للتطوع، فلم يحصل فيه معنى الشك، فإنما نيته أنه من شعبان، فهو كما يصومه عن نذر أو قضاء رمضان، وإنما النهى عن أن يصومه على أنه إن كان من رمضان فذاك وإلا فهو تطوع. واختلفوا إذا صامه على أنه من رمضان، قال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عن أن يصام اليوم الذى يشك فيه من شعبان إذا نوى به رمضان، ويروى أنه من صامه على غير رؤية، ثم جاء الثبت أنه من رمضان أن عليه قضاءه، قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا. وفيه قول آخر، ذكر ابن المنذر، عن عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن أنه إذا نوى صومه من الليل على أنه من رمضان ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره نه يجزئه، وهو قول الثورى، والأوزاعى، وأبى حنيفة، وأصحابه، وذهب ابن عمر إلى أنه يجوز صيامه إذا حال دون منظر الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غيم وسحاب ويجزئهم من رمضان، وإن ثبت بعد ذلك أن شعبان من تسع
стр. 1647
وعشرين وبه قال أحمد بن حنبل: وهو قول شاذ، وهذا صوم يوم الشك، وهو خلاف للحديث فلا معنى له، وقول أهل المدينة أولى لنهيه ﵇ أن يتقدم صوم رمضان، ولقول عكرمة، وعمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم.
- بَاب قَوْلِ اللَّهِ تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧] الآية
/ ١٩ - فيه: الْبَرَاءِ: كَانَ أَصْحَابُ النبى، ﵇، إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ كَانَ صَائِمًا، فأَتَى امْرَأَتَهُ، للإفطار، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ، قَالَتْ: لا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِىَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ، ﵇، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ) [البقرة: ١٨٧] الآية فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ) [البقرة: ١٨٧] . قال المؤلف: ذكر إسماعيل بن إسحاق، عن زيد بن أسلم، وإبراهيم التينى، فالا: كان المسلمون فى أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى تكون القابلة، فنسخ الله ذلك، وقال مجاهد: كان رجال من المسلمين يختانون أنفسهم فى ذلك، فعفا الله عنهم، وأحل لهم الأكل والشرب والجماع بعد
стр. 1648
الرقاد، وقبله فى الليل كله، وقال ابن عباس: الرفث، الجماع، وقال: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٧] الولد، وهو قول مجاهد، والحسن، والضحاك وجماعة، وقال زيد بن أسلم) وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٧] الجماع، وقد روى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: ابتغوا ليلة القدر، قال إسماعيل: وقولهم أنه الجماع، فهو مذهب حسن، لأن الذى كتب لهم يدل على أنه شىء لهم فى خاصة أنفسهم، وأنه شىء قد وجب لهم، فكان المعنى، والله أعلم) فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) [البقرة: ١٨٧] أى: جامعوهن) وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٧] أى: ما أحل الله لكم من ذلك بعد أن كان محضورًا عليكم، فهو شىء أوجب لهم، والولد ليس بشىء أوجب لهم ولا كتب لهم لأنه قد يولد لرجل ولا يولد لآخر. وأما رواية أبى الجوزاء عن ابن عباس فى ليلة القدر فهو مما كتب للمسلمين، وهو شىء لا يدفع، غير أن الكلام قد سيق فى معنى الجماع، والله أعلم.
- بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ) [البقرة: ١٨٧] الآية
/ ٢٠ - فِيهِ: الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِىِّ ﵇. قَالَ عَدِىِّ: لَمَّا نَزَلَتْ: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ من الفجر) [البقرة ١٨٧] عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أبيض، وإلى عقال أَسْوَدَ،
стр. 1649
فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِى، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِى اللَّيْلِ، فَلا يَسْتَبِينُ لِى، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرْتُ ذلك لَهُ، فَقَالَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) . / ٢١ - وفيه: سَهْلِ قَالَ: أُنْزِلَتْ) وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ (وَلَمْ يَنْزِلْ: (مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧] وَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ، رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِى رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأسْوَدَ، وَلا يَزَلْ يَأْكُلُ ويشرب حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: (مِنَ الْفَجْرِ (فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِى اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. قال المؤلف: قال أبو عبيد: الخيط الأبيض هو الصبح المصدق، والخيط الأسود هو الليل، والخيط هو النور، قال ابن المذر: اختلف العلماء فى الوقت الذى يحرم فيه الطعام والشراب على من يريد الصوم، فذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعى، وأبو ثور إلى أنه يحرم الطعام والشراب عند اعتراض الفجر الآخر فى الأفق، وروى معنى هذا عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وهو قول عطاء، وعوام علماء الأمصار. وفيه قول ثان رويناه، عن أبى بكر الصديق، وعلى، وحذيفة، وابن مسعود وغيرهم، فروينا عن سالم بن عبيد، أن أبا بكر الصديق نظر إلى الفجر مرتين ثم تسحر فى الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة، وعن على أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وروينا عن حذيفة: أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى، وروينا عن ابن مسعود مثله.
стр. 1650
قال المؤلف: وزاد الطحاوى: فلما صلى حذيفة قال: هكذا فعل رسول الله غير أن الشمس لم تطلع، وروى حماد، عن أبى هريرة أنه سمع النداء والإناء على يده فقال: أحرزتها ورب الكعبة، وقال هشام بن عروة: كان عروة يأمرنا بهذا، يعنى إذا سمع النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضى حاجته منه، ورواه الحسن عن النبى، ﵇، مرسلاً. وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذى يملأ الطرق والبيوت، قال ابن المنذر: فتأول بعضهم قوله فى حديث عدى بن حاتم: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) ، قال: فبياض النهار أن ينتشر فى الطرق والسكك، والبيوت، وقت صلاة المسفرين بصلاة الصبح، وذكر إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت. قال إسحاق: بعد أن ذكر ما ذكرناه عن أبى بكر وعلى وحذيفة: هؤلاء لم يروا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة، رأوا أن تصلى المكتوبة بعد طلوع الفجر المعترض ورأوا الأكل بعد طلوع الفجر المعترض صباحًا حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل، ومال إسحاق إلى القول الأول، ثم قال: من غير أن يطعن على هؤلاء الذين تأولوا الرخصة فى الوقت: فمن أكل فى ذلك الوقت فلا قضاء عليه ولا كفارة إذا كان متأولا. واحتج أصحاب مالك للقول الأول فقالوا: الصائم يلزمه اغتراف طرفى النهار، وذلك لا يكون إلا بتقدم شىء وإن قل من السحر، وأخذ شىء من الليل، لأن عليه أن يدخل فى إمساك أول جزء من
следующие страницы →